يضره، وهو لا يحتاج أن يعترف الناس بإسلامه؛ ومَن كفره فإنما يضر نفسه، وهو مُعَرضٌ للوعيد الوارد في الحديث الصحيح: «أيما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما» (١).
فهذا الرجل جمع بين كذبه على المسلمين وجهله بالشرع؛ فالمسلمون يعلمون أنهم لا يحتاجون لأن يُعتَرف بإسلامهم لا من أهل هذه البلاد ولا من غيرهم، وهم أفقه من أن يطلبوا هذا الطلب فضلًا أن يصيحوا به منذ ثلاثة قرون، فيا فضيحة الكذاب!!!
رميه أهل هذه البلاد بالغلو، وزعمه أن مرجع ذلك يعود لعصر السلف:
يقول تحت عنوان: (صعوبات التجديد) (ص ٦) بعد أن ذكر أمورًا لا طائل تحتها: «تمتع الغلاة بقاعدة خلفية قوية ومرجعية تمتد من القرن الثالث الهجري، وهذه المرجعية تحميهم ويحتجون بها للسلطات، وبها يستطيع الغلاة استعداء السلطات ضد مَنْ يريد التجديد أو النقد لهذا الغلو، بل يتم الاحتجاج بهذه المرجعية على النصوص الشرعية المخالفة لها من باب: «أن السلف أعلم وأحكم»، ويعنون بالسلف مجموعة العلماء الذين نقلدهم، مع إهمال الأكثرية من السلف».
ويقول أيضًا في (ص ٧): «جهلنا بأنفسنا؛ فلا نعرف عنها ما يعرفه الآخرون، ومَن أبرز دلالات جهلنا بأنفسنا: أننا لا نعرف أننا من الغلاة … ».
وجوابه من عدة أوجه:
الوجه الأول: وصمه لحكام وعلماء هذه البلاد؛ بل أهل هذه البلاد جميعهم بالغلو، هذا من منظور فهمه السقيم، وبناء على زيغه وضلاله البعيد عن دين الله،
стр. 37
وانحرافه عن عقيدة أهل السنة.
فإن الغلو في فهم هذا الضال هو التمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة ومنابذة البدع وأهلها.
وهاهي ذي بعض عباراته التي ذكرها -في سياق كلامه هذا- في تفسير الغلو عنده:
يقول في (ص ٨): «مع أنه لا يشك باحث متجرد أن مجتمعنا السعودي يغلب عليه الغلو في العقائد والأحكام؛ بل التيار السلفي من العصر العباسي يغلب عليه الغلو، وتقرير شرعية كراهية المسلمين، فضلًا عن سوء تطبيق الولاء والبراء مع الكفار».
ويقول في (ص ٨): «إثبات وجود الغلو الظاهر الذي لا يقبل الشك في مصنفات بعض علماء السلف مِمن نقلدهم، الذين دخلوا في خصومات مذهبية مع علماء المذاهب والفرق الأخرى».
ثم يقول في الصفحة نفسها: «انتقال هذا الغلو لعلماء الدعوة السلفية النجدية الوهابية مع زيادتهم عليه غلوًّا في التكفير».
فحقيقة الغلو عنده: هو الاعتصام بالسنة. وسلف الأمة ومَن سار على طريقهم غلاة في حكمه؛ ولهذا يرى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قامت على الغلو، والناس في هذه البلاد غلاة، ورثوا الغلو عن السلف، ثم عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، فهذا مفهوم الغلو الذي يصف به أهل هذه البلاد، فليتنبه لهذا!!
الوجه الثاني: قوله: «بها يستطيع الغلاة استعداء السلطات ضد مَنْ يريد التجديد … ».
стр. 38
قد تقدم أن مفهوم التجديد عنده هو نبذ التوحيد، وعقيدة أهل السنة، وتقرير البدع والثناء على أهلها.
وهذا القول منه إنما قدم به لكتابه لعلمه بما اشتمل عليه كتابه هذا وكتبه الأخرى من زندقة وإلحاد وإفساد في الدين، فيريد أن يدفع عن نفسه عقوبة ذلك من قبل ولاة الأمر؛ فحاله كما قال القائل: «كاد المريب أن يقول خذوني».
والواجب على كل المسلمين في هذا البلد: أن يتكاتفوا ويتعاونوا في الإنكار على هؤلاء الزنادقة ودعاة الضلال، وأن يحذروا منهم أشد الحذر، وأن يقوموا برفع ما يقفون عليه من أقوالهم الباطلة إلى ولاة الأمر للأخذ على أيديهم، وإنزال العقوبات الرادعة بهم.
وليعلم أن هذا من واجبات الدين التي أوجبها الله على ولاة الأمور؛ كما دلت النصوص على وجوب الأخذ على أيدي أهل البدع والضلال وغيرهم من الفساق.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ نَبي بعثه الله في أمةٍ قبلي؛ إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فَمَنْ جاهده بيدهم فهو مؤمِنٌ، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمِن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمِن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١).
ففي هذا الحديث: وجوب مجاهدة هؤلاء المغيرين المبدلين، والإنكار عليهم بحسب الاستطاعة، وعلى نحو المراتب المذكورة، وهذا يشمل كل مَنْ كان قادرًا
стр. 39
على ذلك من حكامٍ ورعيةٍ.
وقد باشر النبِي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده عقوبة المخالفين الذين يُخشى على الناس ضررهم بأصنافٍ من العقوبات؛ فقد أخرج الترمذي في سننه تحت باب: (ما جاء في النفي) عن عبد الله بن عمر ﵄: «أن النبِي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» (١).
كما دلت أقوال السلف على وجوب عقوبة أهل البدع، بالجلد، والسجن، والتغريب، والإهانة، والإذلال، والتشهير، وغيرها من سائر العقوبات؛ كما قام بذلك وباشره الخلفاء والأمراء والقضاة في حق أهل البدع المظهرين لبدعهم؛ كما هو منقول بالتواتر في كتب السنة والاعتقاد، وقرره الأئمة المحققون لمذهب السلف.
نقل اللالكائي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ أُتِيَ له برجلٍ سب عثمان ﵁ فجلده ثلاثين سوطًا، وضرب آخر عشرة أسواط لسبه عثمان، فلم يزل يسبه حتى ضربه سبعين سوطًا (٢).
وعن سالم بن عبد الله ﵀: «أن رجلًا قال له: رجلٌ زنَى، فقال سالم: يستغفر الله ويتوب إليه. فقال الرجل: الله قدره عليه؟ فقال سالم: نعم، ثم أخذ قبضة من الحصى فضرب بها وجه الرجل، وقال: قم» (٣).
стр. 40
وعن الإمام الشافعي ﵀ أنه يقول: «حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء مَنْ ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام» (١).
وعن عبد الله بن أحمد قال: «سألت أبي عن رجلٍ ابتدع بدعة يدعو إليها، وله دعاة عليها، هل ترى أن يحبس؟ قال: نعم، أرى أن يحبس وتكف بدعته عن المسلمين» (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والداعي إلى البدعة مستحق للعقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون بالقتل تارةً، وتارةً بما دونه …
ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلابد من بيان بدعته والتحذير منه؛ فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهِي عن المنكر الذي أمر الله به رسولَهُ» (٣).
وذكر ﵀ أن العلة لقول من قال بقتل أهل البدع من السلف والأئمة بعدهم لأجل إفسادهم في الدين، وإن لم يعتقد هؤلاء الأئمة كفرهم.
يقول: «ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس؛ لأجل إفساده في الدين سواء قالوا: هو كافر، أو ليس كافرًا» (٤).
стр. 41
وقال في موضعٍ آخر: «وجوز طائفةٌ من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثيرٌ من أصحاب مالكٍ، وقالوا: إنما جوز مالك وغيرُهُ قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض، لا لأجل الردة» (١).
وأقوال السلف وأهل العلم من بعدهم في هذا الباب كثيرة جدًّا، وقد يسر الله لِي ذكر طائفة منها في كتاب: «موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع» (٢).
والمقصود هنا: تحذير المسلمين من أن ينخدعوا بما يروجه هذا الضال من المناداة بعدم الأخذ على أيدي الضلال والزنادقة، وتمكينهم من نشر بدعهم وضلالهم في الأمة باسم التجديد وتبادل الأفكار، ودعواه أن معاقبة هؤلاء من قبل ولاة الأمر من الغلو، وأن إنكار العلماء عليهم استعداء للسلطات على العلماء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
فلا ينبغي لصاحب سنة أن ينخدع بهذا التضليل، ويجب على كل مسلم أن يقوم بواجبه في مجاهدة هؤلاء الزنادقة بحسب الطاقة، ووفق الضوابط الشرعية المرعية عند أهل السنة في هذا المقام.
الوجه الثالث: قوله: «بل يتم الاحتجاج بهذه المرجعية على النصوص الشرعية المخالفة لها من باب أن السلف أعلم وأحكم».
وهذا تلبيس منه وافتراء على أهل السنة؛ فإن أهل السنة لا يقدمون على النصوص شيئًا من أقوال الناس؛ بل يحكمون النصوص في أقوال الناس، فما وافق
стр. 42
النصوص أخذوا به؛ لدلالة النص عليه، وما عارض النصوص أطرحوه وعملوا بالنص.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في وصف عقيدة أهل السنة: «إن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة؛ بل كل أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ … ، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ بل يجعلون ما بُعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه» (١).
ودعوى هذا الزائغ أن أهل السنة يعارضون النصوص بأقوال العلماء من باب: (أن السلف أعلم وأحكم)، هذا من جهله بحقيقة هذه المقالة، أو تجاهله لمعناها الصحيح؛ فإن هذه العبارة لم يطلقها أهل العلم في مقابل النصوص فيجعلون أقوال السلف أعلم وأحكم من النصوص، وإنما يطلقونها في مقابل ما أحدثه المتكلمون الذين زعموا أن: (طريقتهم أعلم، وطريقة السلف أسلم)، فرد عليهم أهل العلم بأن: (طريقة السلف أسلم وأعلم).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأيضًا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة، وأقوال المتكلمين تارة … ، وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: (طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم)، فيصفون
стр. 43
إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه» (١).
فتبين أن قول أهل السنة: (إن طريقة السلف أسلم وأعلم) لم يقصدوا بذلك تقديمها على النصوص، وإنما أرادوا أنها أعلم من طريقة الخلف، والمالكي باعتراضه هذا لن يسلم من أحد أمرين: إما الجهل بحقيقة هذه المقالة؛ فهو يتكلم بما لا يعلم، وإما أنه يعلم معناها الصحيح، ولكن أراد الكذب والتلبيس على عامة الناس، فحاله دائر بين الجهل والكذب، وقد يجمع بينهما في جملة أقواله الأخرى المنحرفة.
الوجه الرابع: قوله: «ويعنون بالسلف مجموعة العلماء الذين نقلدهم مع إهمال الأكثرية من السلف».
قلت: لم يسمِّ الأكثرية من السلف الذين زعم أن أهل هذه البلاد أهملوهم، مع أن هذا الكلام باطل من أصله؛ لأنه إن سلم أن أهل هذه البلاد اتبعوا بعض السلف فهم متبعون لجميعهم؛ لأنه ليس بين السلف اختلاف في أصول الدين والاعتقاد كما صرح بذلك الأئمة.
يقول ابن المبارك ﵀ في وصف عقيدة أهل السنة: «أدركت الناس بمكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، فأدركتهم مجتمعين على السنة والجماعة» (٢).
ويقول الإمام البخاري ﵀: «لقيت أكثر من ألف رجلٍ من أهل العلم: أهل
стр. 44
الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرات قرنًا بعد قرنٍ، ثم قرنًا بعد قرنٍ، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة … فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء» (١). ثم ساق معتقد أهل السنة.
ويقول أبو المظفر السمعاني: «ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحدٍ منهم قطرًا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرةٍ واحدةٍ، ونمطٍ واحدٍ، يجرون فيه على طريقةٍ، لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحدٌ، ونقلهم واحدٌ، لا ترى بينهم اختلافًا، ولا تفرقًا في شيءٍ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلبٍ واحدٍ، وجرى على لسانٍ واحدٍ، وهل على الحق دليلٌ أبين من هذا؟!!» (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما المتبعون للكتاب والسنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم: فهم متفقون على دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، واليوم الآخر، وما يتبع ذلك، ولم يتنازعوا في دلالته على ذلك» (٣).
فتبين بهذا بطلان دعوى هذا المفتري؛ إذ ليس بين السلف ومَن سار على
стр. 45
طريقهم من أهل السنة اختلاف حتى يقال: إن فلانًا أو هذه الطائفة وافقت بعضهم وخالفت بعضهم.
ولكن هذا الضال لا يقصد بقوله: (السلف) أئمة أهل السنة من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ من أهل العلم والإيمان، وإنما يرى شمول مصطلح السلف لأئمة الضلال ورؤوس أهل البدع من الجهمية، والقدرية، والرافضة، وسائر الزنادقة.
وقد تقدم النقل عنه بما نصه: «ويقصدون بالجماعة الموالية للنظام الأموي من علماء وعوام سلطة، وأصبح الذي ينكر الظلم أو ينقد الوالي شاذًّا، أو ضد الجماعة … وتَم استبعاد العلوية من (السنة والجماعة)، ووصفهم ب: (الشيعة) و (الخشبية)، ثم (الرافضة») (١).
ويقول أيضًا: «ولذلك كان أكثر؛ بل كل التيارات التي نصمها بالبدعة، كالجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والشيعة، والزيدية، وغيرهم، كل هؤلاء كانوا من الدعاة إلى تحكيم كتاب الله وتحقيق العدالة، وكانوا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لكن غلاة السلفية، ومنهم غلاة الحنابلة كان لهم ارتباط قوي بالثقافة الشامية التي لا ترى في هؤلاء إلا دعاة فتنة» (٢).
وبهذا يتبين مَنْ يقصد بقوله: (الأكثرية من السلف) الذين يدعي إهمالهم، وأنه إنما أراد رؤوس الضلال والبدع من قدرية، ورافضة، وجهمية، وهم في الحقيقة سلفه الذين يسير على طريقهم، وورث عنهم البدع والضلال، وأمَّا أن يكونوا من
стр. 46
سلف الأمة الصالح فمعاذ الله؛ بل هم أعداء السلف وخصومهم، كما أنه هو وأمثاله خصوم أهل السنة وأعداؤهم في هذا العصر.
ملحوظاته العامة على مقررات التوحيد والرد عليه:
قال في (ص ٩): «سبق أن ذكرنا أن من أكبر ما ينقص (لغة المجتمع) هو (عدم إدراك معاني الألفاظ) التي يتحدثون بها ويكررونها، والقائمون على المناهج جزء من هذا المجتمع، يحملون العيوب نفسها، فانتقلت هذه العيوب في المقررات نفسها، ومن بينها مقررات التوحيد.
ومن أبرز الشواهد على هذا العيب (وهو عدم إدراك معاني الكلام): أن المؤلفين لمقرر التوحيد لا يعرفون ماذا تعني كلمة (التوحيد) أولًا، حتى وإن كرروا بأن التوحيد ثلاثة أقسام: (ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات) مع التحفظ على هذا التقسيم المستحدث.
ولو أن مقررات التوحيد تَم تعدليها إلى مقررات (الإيمان)، لأمكن دخول ما ليس من التوحيد في مُسَمى الإيمان؛ لأن الإيمان يشمل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فالقسم الأول من الإيمان فقط وهو (الإيمان بالله) هو التوحيد نفسه … ».
وقال في (ص ١٢): «الخلاصة: أن التوحيد يجب أن يقتصر معناه على الذات الإلهية الواحد الأحد الفرد، وهو ما أطلق عليه بعض علماء المسلمين عنوان: (الإلهيات)، وهذا المعنَى لم يَتِم مراعاته والاقتصار عليه في مقررات التوحيد، فكان الأولى أن نجعل عنوانًا أشمل ك: (الإيمان) ليشمل الإلهيات والنبوات والمعاد
стр. 47
والقدر والملائكة والكتب المنَزلة … إلخ كما سيأتي».
والرد عليه من عدة أوجه:
الوجه الأول: قوله: «إن أكبر ما ينقص لغة المجتمع هو عدم إدراك معاني الألفاظ التي يتحدثون بها ويكررونها …
إلى قوله: إن هذه العيوب انتقلت إلى المقررات نفسها ومن بينها مقررات التوحيد».
قلت: هذه جرأة عظيمة في اتهام أهل الجزيرة العربية بالجهل بلغتهم مع كونهم معدن العرب وأثبتهم أنسابًا؛ حيث لا تزال القبائل العربية القديمة تقطن هذه الجزيرة، وهي معروفة بأسمائها وقيمها وعاداتها القديمة، فهم ألصق الناس بالعرب الأوائل نسبًا ولغة وأخلاقًا، وأقل الناس تأثرًا بالأعاجم في ذلك؛ فكيف يكون أعظم عيوبهم عدم إدراك معاني الألفاظ العربية التي هي لغتهم، ووسيلة التخاطب بينهم على مر العصور وكر الدهور، فهل هذا مما يقوله عاقل يدرك ما يقول؟!
هذا، مع ما حبا الله به هذه الجزيرة من فضلٍ وشرفٍ لا يضاهى، فجعلها موطن الرسالة الخاتمة؛ ففيها مكة والمدينة -حرسهما الله-، والمشاعر المقدسة، وفيها نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وما زال أهلها يرتلونه ويقرأونه ويتغنون به، يشب على ذلك الصغير، ويهرم عليه الكبير، فكيف تضيع اللغة وتختلط المفاهيم فِيمَن هذا حالهم؟!
ثُم ما أنعم الله على هذه البلاد من وجود المسجدين العظيمين المشرفين في الإسلام: المسجد الحرام ومسجد النبِي ﷺ ، اللذَين لم تخل جنباتهما وأروقتهما على مر
стр. 48
التاريخ منذُ عصر البعثة حتى هذا التاريخ من جود العلماء الأجلاء الذين عكفوا على التعليم والتدريس، وتحلق طلبة العلم حولهم يتفقهون في الدين وينهلون من شتى الفنون.
وفي هذا العصر وعلى إثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية المباركة، وقيام الدولة السعودية السلفية الناصرة لدين الله في الأرض، والمؤازرة لدعوة الشيخ وأتباعه منذُ بدئها وإلى اليوم، أصبحت هذه البلاد حاضرة المسلمين في العلم، ومن ذلك: علوم اللغة العربية على مختلف تخصصاتها الدقيقة.
فكيف عَم الجهل باللغة كل أهل هذه البلاد فلا يستثنَى من ذلك عالم ولا غيره، بل في مقدمة الجاهلين باللغة ومقاصدها هم أولئك العلماء، ومؤلفو المقررات الدراسية -بزعم المالكي-، فسبحان الله! ما أعظم الجرأة على الكذب عند مَنْ قلَّ حياؤه، وذهبت مروءته واستحكم زيغه وضلاله؟!!
وإن من تناقضات المالكي في هذا: أنه لما زعم أن (عدم إدراك معاني الألفاظ) أثر في كل المقررات الدراسية نسي ثناءه على مقررات الفقه حيث يقول في مقدمة كتابه هذا (ص ٢): «مقررات الفقه (وخاصة المرحلة الثانوية) تتمتع بكثرة الفوائد، وقلة التكرار، وغزارة المعلومات، وحسن العرض، وسهولة الخطاب، ومتعة القراءة».
فكيف تكون مقررات الفقه بهذا الوصف وهي من جملة المقررات التي عمها داء الجهل باللغة و (عدم إدراك معاني الألفاظ)؟!
وصدق مَنْ قال: «وإن من آفة الكذب: أن يكون صاحبه نسيًّا، فإذا كان كذلك كان كالمنادي على نفسه بالخزي في كل لحظةٍ وطرفةٍ» (١).
стр. 49
وقال نصر بن علي الجهضمي: «إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان» (١).
الوجه الثاني: دعواه اشتمال مقررات التوحيد على ما ليس منه، كأركان الإيمان الستة وغيرها، وتشنيعه على المؤلفين لهذه المقررات بأنهم لا يعرفون مدلول كلمة (التوحيد)؛ هذا من جهله بحقيقة التوحيد.
وجوابه من عدة جوانب:
الجانب الأول: أن التوحيد يطلق على ما هو أعم من معناه الخاص؛ فيطلق على (العبادة)، قال ابن عباس ﵄: «كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد» (٢).
وقد كثر تفسير العلماء للعبادة بالتوحيد؛ فعن الكلبِي وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، قال: «إلا ليوحدون» (٣).
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]: «وحدوا» (٤).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن الفوائد المستنبطة من النصوص الواردة بالأمر بالعبادة: «إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه» (٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في معنى قول النبِي ﷺ في حديث معاذ ﵁: «أن
стр. 50
يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»: «أي: يوحدوه بالعبادة وحده لا يشركوا به شيئًا» (١).
وإذا تقرر هذا مع ما عُرفت به العبادة من كونها: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (٢): تبين شمول التوحيد لكل شعب الإيمان الاعتقادية، والقولية، والعملية، وأول ما يدخل في ذلك أركان الإيمان، وقد صرح بهذا بعض العلماء في تعريف التوحيد.
يقول ابن جماعة: «علم التوحيد؛ علم يُعنَى بمعرفة الله، والإيمان به، ومعرفة ما يجب له سبحانه، وما يستحيل عليه، وما يجوز، وسائر ما هو من أركان الإيمان الستة وما يلحق بها» (٣).
الجانب الثاني: أن الإيمان بالله الذي هو حقيقة التوحيد يتضمن الإيمان بأركان الإيمان الأخرى، وهي: الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر.
يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]: «وهذا يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام» (٤).
وقد صرح العلماء بتضمن الركن الأول وهو الإيمان بالله بعض أركان الإيمان الأخرى.
يقول الحلِيمِي: «والإيمان برسول الله يتضمن الإيمان له، وهو قبول ما جاء به
стр. 51
من عند الله، والعزم على العمل به؛ لأن تصديقه في أنه رسول الله إلزام لطاعته، … وهو راجع إلى الإيمان بالله تعالى» (١).
وقد نقل هذا البيهقي دون عزوه للحليمي على سبيل المقرِّر له (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن الإيمان به وبكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله مُنَزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود» (٣).
وقال: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانًا بأبصارهم» (٤).
وقال شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد البدر في شرحه لحديث جبريل: «هذا الجواب مشتمل على أركان الإيمان الستة، وأول هذه الأركان: الإيمان بالله، وهو أساس للإيمان بكل ما يجب الإيمان به؛ ولهذا أضيف إليه الملائكة والكتب والرسل» (٥).
فصرح هؤلاء العلماء بتضمن الإيمان بالله الإيمان ببعض أركان الإيمان الأخرى، وما يدخل تحتها من مسائل.
وبتأمل حقيقة الإيمان بالأركان الخمسة بعد الإيمان بالله يظهر تضمنه لها واشتماله عليها.
فالإيمان بالملائكة والرسل: يكون بالإقرار بخلق الله لهم، وأنهم مربوبون ليس
стр. 52
لهم من الأمر شيء، وأن الملائكة من المخلوقات العظيمة من حيث عظم خلقهم، وقدرتهم عل التشكل، وكثرة عددهم، وأن الرسل مبلغون عن الله، موحًى إليهم منه، منهم من كلمه الله بلا واسطة، ومنهم مَنْ اتخذه خليلًا، وقد أيدهم جميعًا بالآيات الدالة على صدقهم ونصرهم على أعدائهم، وأظهر دينهم، وغير ذلك من تفاصيل الإيمان بالملائكة والرسل.
وكل هذا متعلق بالإيمان بالله تعالى، وعلى وجه الخصوص بتوحيد الربوبية، أو توحيد الأسماء والصفات، كما أن بعض تفاصيل الإيمان بالرسل الأخرى لها تعلق بتوحيد الألوهية.
والإيمان بالكتب: يكون باعتقاد أنها من كلام الله تعالى على الحقيقة، وأنها كلها حق وصدق، مشتملة على النور والهدى، وهذا متعلق من جهةٍ أخرى بتوحيد الأسماء والصفات المتفرع عن الإيمان بالله.
ولشدة تعلق هذه الأركان الثلاثة -وهي: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل- بالركن الأول -وهو الإيمان بالله تعالى-، يأتي ذكرها في النصوص معطوفة عليه مضافة للضمير الراجع إلى اسم (الله) المذكور في الركن الأول؛ كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦].
وكذلك الإيمان باليوم الآخر: يكون بالإيمان بالبعث، والحساب، والجزاء، وإدخال أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، ورحمة الله بعباده المؤمنين يوم القيامة،
стр. 53
ومغفرته لهم، وقبول الشفاعة فيهم، ورؤيتهم له في الجنة، وفي المحشر، وكلامه لهم، وشدة عقوبة الله للكافرين، وسخطه عليهم، وحجبهم عنه، وعدم كلامه لهم ونظره إليهم، كل هذا متعلق بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وأما الإيمان بالقدر: فظاهر تعلقه بتوحيد الأسماء والصفات، فمراتب القدر التي لا يتحقق الإيمان بالقدر إلا بها، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، هي من صفات الله، وكذلك نفوذ مشيئة الله في الخلق، وأن الخلق وأفعالهم مخلوقون لله، وأن كل شيءٍ بقدرٍ، كل هذا داخل في توحيد الربوبية.
فتبين بهذا: اشتمال الإيمان بالله تعالى على أركان الإيمان الأخرى، واشتمال التوحيد على تفاصيل كل ما يجب على العبد الإيمان به واعتقاده في كل أركان الإيمان، وبهذا تظهر العلة والحكمة في كَون مَنْ حقق التوحيد كان من أهل الجنة، ومَن لم يحققه كان من أهل النار كما دلت على هذا النصوص.
الجانب الثالث: أن التوحيد هو الأصل لغيره من العلوم، والعلوم الأخرى فرع عنه.
قال السفاريني: «وإنما كانت العلوم كالفرع لعلم التوحيد؛ لأنه أشرف العبادات، وأفضل الطاعات، وشرط في صحة كل عبادةٍ وطاعةٍ، وشرط لقبول الأعمال؛ إذ هو معرفة ذي العظمة والجلال، فمَن لم يوحد المعبود فكل عمله مردود» (١).
وفي كشف مصطلحات الفنون: «كل المقامات والأحوال بالنسبة للتوحيد
стр. 54
كالطرق والأسباب الموصلة إليه، وهو المقصد الأقصى، والمطلب الأعلى، وليس وراءه للعبادة قربة» (١).
الجانب الرابع: اصطلاح العلماء على تسمية علم أصول الدين بعلم التوحيد.
يقول ابن جماعة: «علم التوحيد علم يُعنَى بمعرفة الله، والإيمان به، ومعرفة ما يجب له سبحانه، وما يستحيل عليه، وما يجوز، وسائر ما هو من أركان الإيمان الستة وما يلحق بها» (٢).
ويقول السفاريني: «إنما سُمي هذا العلم بالتوحيد؛ لأنه أشهر مسائله وأشرفها، ويُسَمى أيضًا بعلم الكلام (٣)؛ لأن مباحثه معنونة في كتب القدماء بقولهم: (الكلام في كذا) … » (٤).
ويقول التهانوي: «علم الكلام، ويُسَمى بأصول الدين أيضًا، وسماه أبو حنيفة بالفقه الأكبر، وفي مجمع السلوك: ويُسمى بالنظر والاستدلال أيضًا، ويُسَمى أيضًا بعلم التوحيد والصفات، وفي شرح العقائد للتفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، أي: العملية، يُسَمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية، أي: الاعتقادية يُسَمى علم التوحيد والصفات» (٥).
وقد نقل هذا الكلام صديق حسن خان مقررًا له في «أبجد العلوم» (٦).
стр. 55
ويقول ملا علي قاري: «إن أول ما يؤمر به العبد: علم التوحيد، الذي هو عبارة عن الإيمان والتصديق والإقرار على وجه التحقيق، إما حقيقة وإما حكمًا (١)» (٢).
فهذه عبارات العلماء المصنفين في مصطلحات الفنون من أهل السنة وغيرهم، وبعضهم من أهل الكلام -الذين يعظمهم المالكي- يقررون فيها إطلاق (علم التوحيد) على علم أصول الدين، وكل مسائل الاعتقاد، فهل هؤلاء أيضًا جهلة بمعاني الألفاظ عند المالكي فيلحقهم بعلماء هذا البلاد، أم له رأي آخر؟!!
الجانب الرابع: أنا لو سلمنا جدلًا عدم دخول مباحث العقيدة وأصول الدين في مُسَمى (التوحيد)، فإن التوحيد بلا شك جزء منها، بل هو أعظم أجزائها، وإطلاق الجزء على الكل سائغ في لغة العرب، بل جاءت به النصوص الشرعية.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢].
قال ابن عباس ﵄ وقتادة والطبري وغيرهم من المفسرين: «أي: صلوا له بكرة: صلاة الصبح، وعشيًّا: صلاة العصر» (٣). فَسَمى الله الصلاة تسبيحًا.
قال الألوسي: «وعن ابن عباس: أن التسبيح: الصلاة، أي: بإطلاق الجزء على الكل» (٤).
стр. 56
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
قال الألوسي: «وصرح غير واحدٍ أن ذلك من إطلاق الجزء على الكل» (١)، أي: إطلاق الأذن على الشخص.
ومن السنة: قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٢).
قال ابن حجر: «قوله: «فليركع»، أي: فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل» (٣). وذكره المباركفوري في التحفة (٤).
ومنه: قول النبِي ﷺ : «مَنْ صام يومًا في سبيل الله بَعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (٥).
قال ابن حجر في شرحه: «الخريف: زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام» (٦).
وقال الصنعاني: «أطلق الخريف على العام، من إطلاق الجزء على الكل» (٧).
وعلى هذا، فإطلاق التوحيد على مسائل أصول الدين -لو سلمنا عدم دخولها في
стр. 57
معناه- جائز من هذا الباب، وهو إطلاق الجزء وإرادة معنَى الكل.
ومن خلال هذه الجوانب كلها يتبين: زيغ المالكي في دعواه اشتمال مقررات التوحيد على ما ليس من التوحيد كأركان الإيمان الخمسة بعد الركن الأول، وتشنيعه على مؤلفيها بأنهم لا يعرفون مدلول كلمة (التوحيد)؛ حيث ظهر دخول أركان الإيمان كلها وغيرها من مباحث أصول الدين في مفهوم التوحيد من أكثر من وجهٍ، وبه يعرف جهل هذا المتطاول على العلماء؛ فعاد تشنيعه على نفسه؛ إذ هو الجاهل بمدلول (التوحيد)، لا العلماء والباحثون المؤلفون لمقررات التوحيد.
وجهل هذا الرجل بهذا الباب وغيره مما ينتقد العلماء فيه هو من الجهل المركب الذي يكون صاحبه لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وهو فوق الجهل البسيط الذي يكون صاحبه لا يدري، ويدري أنه لا يدري، وقد يزيد من فتنة صاحب الجهل المركب قلة الحياء والجرأة في تخطئة بل تضليل كل مَنْ خالفه، ويرى أنه هو وحده على الصواب.
وانظر هذا متمثلًا في قول هذا المخذول: «إن من أكبر ما ينقص لغة المجتمع هو عدم إدراك معاني الألفاظ»!
وقوله: «إن المؤلفين لمقررات التوحيد لا يعرفون ماذا تعني كلمة التوحيد»!
فسبحان الله! الناس كلهم جهلوا وعرف المالكي!! فرحم الله مَنْ رزق علمًا وفهمًا؛ فإن لم يرزق ذاك فعقل يعقله عن السفه، وإن لم يرزق ذاك فحياء يحيا به مستورًا مرحومًا، فإن حرم ذاك كله، فلا أكثر الله في الناس أمثاله وطهَّر الأرض من نظرائه وأشباهه.
стр. 58
ذكره لبعض المسائل التي زعم أنها لا علاقة لها بالتوحيد وأدخلها المؤلفون في مقررات التوحيد، والرد عليه في ذلك:
قال الكاتب في (ص ١٣) تحت عنوان: (المبحث الثاني: النقد العام لمقررات التوحيد): «المؤلفون لهذه المقررات أدخلوا في مادة التوحيد موضوعات كثيرة لا علاقة لها بربوبية ولا ألوهية ولا أسماء ولا صفات، من أبرزها: في مقرر الثالث الثانوي (شرعي): الباب الثالث: من توحيد الصف الثالث (ص ٩٥)، بعنوان: (محبة الرسول وتعظيمه، والنهي عن الغلو والإطراء في مدحه وبيان منزلته)، كل هذا الباب وفصوله مشروع، ولا يَتِم الإسلام إلا به، ولكن لا علاقة له بالتوحيد، فالتوحيد خاص بالله ، وإنما يدخل هذا الموضوع في موضوع آخر يُسَمى (النبوات)، فالتوحيد شيء، والنبوات شيء آخر.
وكذلك أورد المقرر نفسه (ص ١٠١) فصلًا بعنوان: (مشروعية الصلاة على رسول الله)، وهذا أيضًا مشروع، ولكن لا علاقة لها بالتوحيد، وإنما لها علاقة بالنبوات.
وأورد المقرر فصل (أهل البيت) (ص ١٠٣)، وهذا أيضًا مع كونه مشروعًا لكن لا علاقة له بالتوحيد، وإنما يلحق بحقوق النبِي ﷺ على أمته في أهل بيته.
وأورد المقرر فصلًا عن الصحابة (ص ١٠٥)، وهذا أيضًا مع مشروعيته لكن لا علاقة له بالتوحيد … ».
وذكر أمثلة أخرى من هذا القبيل زعم عدم دخولها في التوحيد.
ثم زعم (ص ١٤) أن مقرر الثاني الثانوي كله لا علاقة له بالتوحيد إلا في
стр. 59
(ص ١٣) صفحة تتحدث عن الإيمان بالله، أما بقية الأبواب فتتحدث عن (الملائكة، والقرآن، والأنبياء، واليوم الآخر …
قال: «ولا علاقة لهذا كله بالتوحيد، إنما علاقته بالإيمان».
ثم سار على هذه الطريقة في نقد سائر المقررات الأخرى.
إلى أن قال (ص ١٦): «الخلاصة: نحو نصف مقرر التوحيد في مراحل التعليم لا علاقة له بالتوحيد، والغريب أن هذا استمر عبر هذه السنوات (نحو خمسين عامًا)، وهذا دليل على فقر (الثقافة المحلية) على اكتشاف مثل هذه الأمور الواضحة، وقد يكون بعضهم انتبه لكنه لم يحاول أحد أن ينبه عليه خشية أن يُتهَم في دينه أو وطنيته».
والجواب على هذا قد تقدم في الفقرة السابقة، وأن مدلول (التوحيد) عند العلماء يشمل مسائل الاعتقاد كلها لتضمن الركن الأول من أركان الإيمان ما بعده من الأركان الأخرى، ولاصطلاح العلماء على تسمية علم أصول الدين بعلم التوحيد، وهذا مشهور معروف عند العلماء قديمًا وحديثًا، كما تقدم تقرير ذلك مفصلًا، وإنما أُتِيَ هذا الرجل من قبل جهله.
وأشير هنا بالإضافة إلى ما سبق: أن هذه الطريقة التي سلكها المؤلفون لمقررات التوحيد لم تخرج عن طريقة العلماء الذين صنفوا كتبًا بِمُسَمى (التوحيد)، وأوردوا فيها نظائر هذه المسائل التي زعم المالكي خروجها عن موضوع التوحيد.
ومن هؤلاء العلماء: الإمام ابن خزيمة حيث أورد في كتابه: «كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب» بعض المسائل من هذا القبيل وأفردها بأبواب مستقلة.
стр. 60
كما في قوله: باب: ذكر أبواب شفاعة النبِي ﷺ .
وباب: ذكر الشفاعة التي خص بها النبِي ﷺ .
وباب: ذكر الدليل أن هذه الشفاعات التي وصفنا أنها أول الشفاعات.
وباب: ذكر شدة شفقة النبِي ﷺ ورأفته ورحمته بأمته.
وباب: ذكر البيان أن المقام الذي يشفع فيه النبِي ﷺ لأمته هو المقام المحمود.
وباب: ذكر البيان أن الصديقين يتلون النبِي ﷺ في الشفاعة.
باب: ذكر أخبار رويت في حرمان الجنة على مَنْ ارتكب المعاصي (١).
وغيرها من أبواب أخرى في مسائل متنوعة من مسائل الاعتقاد ذكرها المصنف في هذا الكتاب.
وكما حصل أيضًا من الإمام الحافظ أبي عبد الله بن منده الذي صنف: «كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد».
ومما جاء في هذا الكتاب من الأبواب:
ذكر ما يدل على أن النبِي ﷺ عرج ببدنه يقظانًا.
ذكر استدلال مَنْ لم تبلغه الدعوة ولم يأته رسول.
قول النبِي ﷺ : «بُني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله».
قول النبِي ﷺ : «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت».
قول النبِي ﷺ لرجلٍ: «قل: ربيَ الله، ثم استقم».
стр. 61
قول النبِي ﷺ : «مَنْ كان حالفًا فليحلف بالله ، ومَن حلف بغير الله فقد أشرك» (١).
والكتب المصنفة في التوحيد على هذا النحو كثيرة، فهل هؤلاء المصنفون ومنهم أئمة كبار كابن خزيمة الملقب ب: (إمام الأئمة)، وابن منده وهو من كبار أئمة السنة في القرن الرابع جهلة بمدلول التوحيد ولا يعرفون مقاصد الكلام كما يزعم المالكي؟!!!
زعم المالكي اشتمال مقررات التوحيد على أخطاء علمية وتناقض، والرد عليه في ذلك:
قال المالكي (ص ١٧) تحت عنوان: (المبحث الثالث: نماذج الملحوظات التفصيلية على مقررات التوحيد): «وهذه في الحقيقة ليست ملحوظات تفصيلية، بمعنَى الوقوف عند كل ملحوظة وكل خطأ، وإنما يعني ذكر نماذج من الملحوظات على المادة العلمية؛ لأن المقررات كلها لا تكاد تخلو منها عبارةٌ من أحد أمرين:
إما أن تكون صحيحة ويتِم ردها والتناقض معها في مواضع أخرى من المقرر، وإما أن تكون خاطئة.
ولم يبق من مقررات التوحيد ما بقي دون تناقض إلا أن (الله واحد أحد لا يستحق العبادة دون سواه)، وهذا يعرفه أجهل العوام، فلا داعي لوضع مقررات التوحيد إذن إلا لتعريف الطالب بأن أكثر المسلمين يجب أن نعاديهم ونكرههم!! وهذا لا يحتاج إليه الطالب ولا المسلم الحق».
стр. 62
وجوابه:
أن نظرته هذه لمقررات التوحيد، وأنه لم تبق عبارة فيها إلا مناقضة بغيرها أو هي خاطئة في نفسها غير مستغربة منه؛ بل لا يتوقع منه غير هذا؛ فالرجل -على ما تبين من نقل كلامه المتقدم في أول هذا الكتاب- مخالف لعقيدة أهل السنة في الأصول التي هل محل الاتفاق بين سائر أهل السنة، وبكلامه هذا يعلن مخالفته لتفاصيل معتقد أهل السنة الذي قامت عليه مقررات التوحيد في هذه البلاد المباركة، وقررته أحسن تقريرٍ.
وما زال علماء أهل السنة من هذه البلاد وخارجها يثنون على هذه المقررات؛ حتى إن الكثير من القائمين على المعاهد والمدارس الأهلية من أهل السنة خارج هذا البلاد في إفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا، قد اعتمدوا تدريس هذه المقررات في معاهدهم ومدارسهم، وما ذلك إلا لما عرفوه من موافقتها لعقيدة أهل السنة، وسلامتها من البدع، والانحرافات العقدية والفكرية التي عمت الكثير من الأقطار الإسلامية.
وأما أهل البدع من باطنية، ورافضة، وجهمية وأفراخهم فهم يعادون هذه المقررات، وينتقدونها أشد النقد، لمخالفتها لعقائدهم الفاسدة، وما طعن هذا الرجل في علماء هذه البلاد وكتبهم ورميهم بالتهم الباطلة إلا من هذا القبيل.
وعلى كل حالٍ، فكلامه هذا في مقررات التوحيد مجرد دعوى لم يُقِمْ عليها دليلًا، وعليه إن كان صادقًا أن يدعم نقده بالدليل ليعرف المحق من المبطل.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤].
стр. 63
وأما قوله: «لم يبق من مقررات التوحيد دون تناقض إلا أن (الله واحد أحد لا يستحق العبادة دون سواه)».
فهذا من خيبته وخسرانه، ودليل على خذلانه؛ حيث إن عبارته هذه باطلة، ولو كان يعني ما يقول لكان قوله هذا من أعظم الشرك، فقد نفى بقوله: «لا يستحق العبادة» استحقاق الله تعالى للعبادة، ثم أثبتها بقوله: «دون سواه» لغير الله!
وتصويب العبارة: أن يقول: «الله واحد أحد، يستحق العبادة دون سواه»، أو يقول: «لا يستحق العبادة أحدٌ سواه». وبهذا يعرف مَنْ الذي لا يدرك معاني الألفاظ، ومَن هو الجاهل بمقاصد الكلام!
وفي هذا من العبر مدى خذلان هذا المتطاول المنتقد لمقررات التوحيد، ومُدعِي تصحيحها وتصويبها، بما أظهره الله من حاله وجهله وبيان عجزه عن التعبير عن كلمة التوحيد، مما لا يجهله صغار طلبة المراحل الأولى من التعليم؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار!!
وأما قوله: «إن أجهل العوام يعرفون هذا … ».
فإن أراد استحقاق الله للعبادة، فهذا شهادة منه على نفسه بأنه أجهل من العوام؛ لأنه سيأتي في كلامه بعد هذا مباشرة ما يدل على جهله بحقيقة العبادة واستحقاق الله لها.
* * *
стр. 64
نقده لمقرر التوحيد للصف الأول الابتدائي والرد عليه:
١ - يقول في (ص ١٧) تحت عنوان: (التوحيد للصف الأول الابتدائي): «١ - الدرس السادس (ص ١٦): نعبد الله ربنا عبارة (ندعوه ولا ندعو غيره).
وهذه مقدمة من الصف الأول الابتدائي يَتِم تفسيرها في المتوسطة والثانوية بما يفيد تكفير كثير من المسلمين بزعمنا أنهم يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين من توسل وتبرك ونحوه مما سيأتي تفسيره.
ودعاء النبِي ﷺ أو الصالح أو الولي يختلف باختلاف الشخص، فدعاء الميت (يا فلان اشفع لي عند ربك) يختلف عن دعاء الميت نفسه بقول القائل: (يا فلان اغفر لي وارحمني وارزقني)، ونحن لا نفرق بين الصيغتين، وإنما نكفر الجميع كما سيأتي إثباته».
وجوابه:
أن كلامه هذا متضمن شهادته على نفسه بأنه أجهل من أجهل العوام؛ حيث ذكر قبل أربعة أسطر من هذا أن استحقاق الله للعبادة يعرفه أجهل العوام، ثم ينكر هنا أن دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين شرك مخرج من الملة، وهذا جهل صريح بحقيقة العبادة؛ إذ الدعاء عبادة.
يقول النبِي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١).
стр. 65
والعبادة لا يصح صرفها لغير الله.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
ويقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
ودعوى المالكي أن عبارة: (ندعو الله ولا ندعو غيره)، يتم تفسيرها في المتوسطة والثانوي بما يفيد تكفير كثيرٍ من المسلمين، بدعوى أنهم يدعون الأنبياء والأولياء، كلامه هذا لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إنكاره أن يكون دعاء الأنبياء والأولياء عبادة، وهو معارض لصريح الحديث المتقدم: «الدعاء هو العبادة».
الأمر الثاني: إنكاره أن يكون صرف العبادة لغير الله شركًا، وهذا مناقض لصريح الكتاب والسنة، وما تظافرت عليه النصوص أن العبادة حق لله تعالى، ومَن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك.
الأمر الثالث: إنكاره أن يكون دعاء غير الله حصل مِمن ينتسب إلى الإسلام فتكفيرهم يكون بشيءٍ لم يصدر منهم، وهذا يكذبه فيه واقع طوائف من المسلمين في هذا الزمان مِمن عمت فيهم عبادة القبور بتشييد المساجد الكبيرة عليها، والتوجه إلى الموتى بالدعاء وكشف الكرب، والطواف بقبورهم، والذبح لهم من دون الله مما لا ينكره إلا مكابر.
فلا يخلو اعتراضه من إنكار إحدى هذه الحقائق الثلاث، وإلا فما وجه الخطأ في أن يحكم فيمَن دعا غير الله بأنه وقع في نوع من أنواع الشرك الأكبر، بعد أن دلت
стр. 66
النصوص على هذا دلالة صريحة لا يمكن دفعها.
على أن أهل السنة وإن كانوا يعتقدون أن الدعاء وغيره من أنواع العبادات الأخرى إذا صرفت لغير الله أنها شرك أكبر مخرج من الملة، إلا أنهم لا يعتقدون أن مَنْ ارتكب شيئًا من ذلك من المعينين يكون كافرًا حتى تقوم عليه الحجة، وتتحقق فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يُرَى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة» (١).
ويقول ﵀: «فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات؛ لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لِميتٍ ولا لغير ميتٍ ونحو ذلك.
بل نعلم أنه نَهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثيرٍ من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه» (٢).
стр. 67
وأما تفريقه بين سؤال النبِي ﷺ الشفاعة، وبين سؤاله المغفرة والرحمة وادعاؤه أن الأول ليس بشركٍ: فغير صحيحٍ؛ وذلك أن سؤال النبِي ﷺ الاستشفاع عند الله إما أن يكون في حياته أو بعد مماته:
فإن كان في حياته فجائز، كما طلب بعض أصحابه منه الدعاء في حياته، فلم ينكر ذلك عليهم؛ بل دعا لبعضهم كما دعا للأعمى أن يرد الله بصره فرده الله عليه (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحدٌ من أهل القبلة» (٢).
ويقول أيضًا: «لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته، بمعنَى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم، فكان توسلهم بدعائه والاستشفاع به طلب شفاعته، والشفاعة دعاء» (٣).
وأما طلب الشفاعة من النبِي ﷺ وغيره من الصالحين بعد موتهم: فهذا شرك.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
стр. 68
فأخبر الله تعالى أنه لا أضل مِمن دعا مَنْ لا يستجيب له وهو غافل عن دعائه، وهذا هو حال الأموات، ثم سَمى هذا الدعاء عبادة في قوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، فدل على أنه شرك.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «نفى سبحانه أن يكون أحدٌ أضل مِمن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، والآية تعم كل مَنْ يُدعَى من دون الله كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
وفي هذه الآية أخبر أنه لا يستجيب، وأنه غافل عن داعيه: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾» (١).
ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فَسَمى الله تعالى دعاء الأنداد من دونه شركًا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فتبين أن دعوة غير الله شرك» (٢).
والآية تضمنت بيان فقر كل المدعوين من دونه بما فيهم الأنبياء والصالحون، وعجزهم عن نفع أنفسهم أو غيرهم، ومن هنا يظهر عدم استحقاقهم للدعاء.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: «حاصل كلام المفسرين كابن كثير وغيره، أنه تعالى يخبر عن حال المدعوين من دونه، من الملائكة، والأنبياء، والأصنام،
стр. 69
وغيرها مما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الشروط التي لابد أن تكون في المدعو، وهي الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى عدم شرط بطل أن يكون مدعوًّا، فكيف إذا عدمت كلها؟!» (١).
كما أخبر الله عن بطلان كل الأسباب التي تعلق بها المشركون في دعائهم للمخلوقين وسدها كلها بما فيها طلب شفاعتهم، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
قال ابن القيم في حديثه عن هذه الآية: «وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعًا قطعًا يعلم مَنْ تأمله وعرفه: أن مَنْ اتخذ من دون الله وليًّا، أو شفيعًا فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا مِمن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا كان معينًا وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا، متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب
стр. 70
فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه» (١).
فتبين بكل هذا أن المدعوين من دونه لا يملكون شيئًا من هذه الأسباب، وأن الشفاعة من الصالحين منهم لا تكون إلا بإذن الله لهم فيها، فالله هو المالك الحقيقي للشفاعة، كما قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
ولذا نص العلماء المحققون على أن طلب الشفاعة من النبِي ﷺ بعد موته وغيره من الأموات شرك أكبر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نسشتفع بهم، أي: نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدٍ طلبنا منه أن يشفع لنا … ، ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بِمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة.
ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وسائر المسلمين؛ فإن أحدًا لم يطلب من النبِي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين في كتبهم ....
فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب» (٢).
стр. 71
ويقول الإمام ابن القيم في سياق ذكر أنواع الشرك: «ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها» (١).
وبهذا يظهر أن الاستشفاع بالنبِي ﷺ بعد موته من الشرك؛ لدخوله في عموم دعاء مَنْ لا يقدر، ومَن لا يستطيع الاستجابة لداعيه، وهذا هو حقيقة الشرك الأكبر الذي انصرف به المشركون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وبه يتبين بطلان دعوى المالكي في التفريق بين سؤاله الشفاعة بعد موته، وسؤاله المغفرة، وتشنيعه على علماء هذه البلاد في ذلك.
٢ - يقول المالكي في (ص ١٧): «الدرس الثامن: محمد رسول الله ﷺ ، أنزل الله عليه القرآن الكريم يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، ولم يقل المقرر: (وترك عبادة الأصنام)، وهذا من الدس التكفيري الذي سيفسر في مراحل لاحقة بأن غيرنا من المسلمين يعبدون القبور والأولياء والصالحين، وأن المقلدين من أتباع المذاهب الأربعة يعبدون علماءهم ويتخذونهم أربابًا، وأن الفقه هو عين الشرك، وغير ذلك».
وجوابه:
أما قوله: «لم يقل المقرر: وترك عبادة الأصنام، وهذا من الدس التكفيري».
فهذا من جهله بِحقيقة الشرك، وظنه أن الشرك محصور في عبادة الأصنام،
стр. 72
ولذا انتقد عبارة: «وترك عبادة غيره»، والقرآن والسنة جاءا بالنهي عن عبادة غير الله كما أخبر الله عن رسله أنهم دعوا أقوامهم إلى هذه الكلمة: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
وقد أخبر الله عن نوح أنه قال هذه الجملة لقومه، وقالها أيضًا هود، وصالح، وشعيب، كما وردت بذلك الآيات من سور الأعراف وهود والمؤمنون (١).
وفي خطاب موسى لقومه: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠].
وقد أمر الله نبينا ﷺ أن يقول في محاجته لقومه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
والآيات في هذا كثيرة.
ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه فيما يرويه النبِي ﷺ عن ربه أن الله
﵎ قال: «أنا أغنَى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معِي غيري تركته وشركه» (٢).
فقد جاءت هذه النصوص بالتحذير من عبادة غير الله واستعمال لفظ: (غير الله) دون لفظ: (الأصنام)؛ لأنه بالنهي عن عبادة (غير الله) يعم اللفظ كل مَنْ عُبِدَ من دون الله من الأصنام وغيرها من الملائكة والجن وصالحي البشر.
стр. 73
وأما على فهم المالكي؛ فالشرك إنما يكون في عبادة الأصنام فقط.
وأما دعوى المالكي: تضمن المناهج اتهام أتباع الأئمة الأربعة بعبادة علمائهم، واتخاذهم أربابًا من دون الله: فهذا محض كذب وافتراء؛ فإنه من المعلوم لكل المدرسين والدارسين وسائر أفراد المجتمع في هذه البلاد المباركة أن الأئمة الأربعة لا يُذكَرُون في مقررات التوحيد وغيرها من المقررات إلا بالثناء الجميل اللائق بمقامهم في العلم والفضل، وكذلك أتباعهم وتلاميذهم الذين هم على طريقهم، هم محل احترامٍ وتقديرٍ لدى القائمين على التعليم في هذه البلاد.
وما زال العلماء والمربون يقررون في كتبهم المطبوعة وفي الأشرطة المسجلة مما لا يكاد يحصى أن المذاهب الأربعة هي مذاهب أهل السنة، وأن مَنْ قلد عالمًا من هؤلاء الأئمة وغيرهم من العلماء أنه لا يُذَم بذلك إن لم يكن قادرًا على النظر والاستنباط من النصوص الشرعية؛ بل هذا فرضه، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
حتى أصبح هذا الأمر متقررًا لدى كل مَنْ له اطلاع على المقررات الدراسية، وكلام العلماء في هذا البلاد.
وأما الفقه؛ فإنه يحظى بعنايةٍ كبيرةٍ في المقررات، وقد أفردت لتدريسه مادة مستقلة في كل المراحل الدراسية، فكيف يدعي هذا الأفاك أن مقررات التوحيد تقرر: (أن الفقه عين الشرك)؟!! وكيف يسيغ في عقلٍ أن مؤسسة تعليمية تدرس مادة في كل مرحلة من مراحل التعليم فيها ثم تقرر لهؤلاء الدارسين في موطن آخر من المقررات أن ما درستموه في هذه المادة هو عين الشرك؟!!
стр. 74
ولبيان أهمية المادة في المناهج الدراسية في هذه البلاد جاء في مقدمة مقرر الفقه للصف السادس الابتدائي (الفصل الأول): «فقد قال -عليه الصلاة السلام-: «مَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١).
وانطلاقًا من ذلك قررت وزارة المعارف تدريس الفقه في جميع المراحل الدراسية منذُ إنشائها؛ شعورًا بالواجب وإدراكًا لعظم الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية، وذلك لأن فهم هذا الدين مرتبط بمعرفة أحكامه وتصورها، كما أن الحاجة ماسة إليها لكي يعبد المسلم ربه على بصيرةٍ».
* * *
стр. 75
نقده لمقرر الصف الثاني الابتدائي والرد عليه:
١ - يقول في (ص ١٨): «في الفصل الثاني (ص ٣٣)، تحت عنوان: (معرفة الدين)، جاء تعريف المقرر للإسلام بأنه: (الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله).
قلت: [والكلام للمالكي] وهذا من الناحية النظرية لا شيء فيه، ولكن التربويين لا يعرفون أن هذا من التقعيد لتكفير المسلمين؛ لأن الشرك هنا ليس المراد به الشرك الأصلي (شرك الكفار)، وإنما المقصود به شرك المسلمين، (وأهل الشرك) هنا المراد بهم المسلمون، والدليل على ذلك أن هذه العبارة في تعريف الإسلام مأخوذة من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة، والشيخ محمد وعلماء الدعوة لا يقصدون بالشرك والمشركين في جميع كتبهم ومؤلفاتهم إلا المخالفين لهم من المسلمين، وهذا مما يجهله التربويون ويخفيه العقائديون تهيئة منهم للطالب لأن يصبح مكفرًا للمسلمين».
وجوابه من عدة أوجه:
الوجه الأول: أنه أقر أن تعريف الإسلام بما نقل من الناحية النظرية لا شيء فيه، فكيف عرف أن المقصود هو الحكم على المسلمين بالشرك، أليس هو من الرجم بالغيب وسوء الظن بالمسلمين، مع أنه في مقدمة كتابه يطالب بحسن الظن به في نقده لمقررات التوحيد فيقول: «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد وغيرها … ».
فسبحان الله! ما أعظم جرأة هذا الرجل! فهو مع طعنه في عقيدة أهل السنة