والوجه الثاني: التفضيل العام من غير مضاعفة، كتفضيل الأعمال في عامة الأماكن الفاضلة الشريفة على الأعمال في غيرها من الأماكن، كما قرره بعض المحققين على ما تقدم.
الوجه الثالث: أن يؤجر العامل على عمل يسير بثواب عمل آخر أفضل من عمله، كما ورد في فضل الخروج إلى مسجد قباء والصلاة فيه أن ذلك يعدل عمرة.
وبتأمل هذه الأوجه يظهر اختصاص كل واحد منها بما يميزه عن غيره من الأوجه الأخرى، ولعل الحكمة في هذا والله تعالى أعلم تنويع الحوافز للأعمال الصالحة، مع مراعاة تفاوت الناس في الاستجابة لبعض هذه المحفزات دون بعض، ولقد لاحظت بحكم مخالطتي للناس أن من الناس من لو خوطب بفضل الصلاة في مسجد قباء مثلاً وأنها تعدل عمرة، لكانت استجابته لذلك أعظم من استجابته للفضيلة الواردة في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ وقد يحصل العكس، وكل ذلك بحسب تفاوت الناس في الاستجابة لهذه المحفزات، فكان في مخاطبتهم بها جميعاً والتنويع في ذلك أبلغ الأثر في استجابة أكبر قدر من الناس لذلك فسبحانه العليم الحكيم اللطيف الخبير.
стр. 142
الفصل العاشر تفاضل الأعمال باعتبار تعديها للخلق
الأعمال الصالحة تنقسم باعتبار تعديها للخلق واقتصارها إلى قسمين:
القسم الأول:
أعمال مقتصرة على العامل نفسه لا تتعدى لغيره، وهي سائر العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم فيما بينهم وبينه من غير أن تتعلق بمخلوق.
والقسم الثاني:
أعمال متعدية للخلق، وهي كل الأعمال التي يتعدى نفعها للمخلوقين وتتحقق بها مصالحهم الدينية والدنيوية.
وقد قرر العلماء المحققون في أبواب المفاضلة بين الأعمال الصالحة، تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع للخلق، وتحقق المصالح التي لا يقوم أمر الدين ولا يصلح حال الدنيا إلا بها.
وقد استدلوا لذلك بعامة النصوص التي دلت على تفضيل الأعمال المتعدية والترغيب فيها والثناء على أهلها:
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. (١)
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام». (٢)
стр. 143
قال ابن كثير ﵀: «وهكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطية العوفي، وعكرمة، وعطاء، والربيع ابن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني خير الناس للناس: والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾». (١)
فدل فهم السلف للآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يحصل به دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا مما يدل على أثر الأعمال المتعدية في السبق إلى الخير والفضل عند الله، خاصة ما يتعلق منها بنفع الناس في دينهم الذي تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (٢)
روى الطبري عن معمر قال تلا الحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته وقال: إنني من المسلمين هذا خليفة الله». (٣)
كما دلت السنة على تفضيل الأعمال المتعدية على غيرها في أحاديث كثيرة.
منها:
ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء
стр. 144
فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منه طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». (١)
قال ابن حجر في شرحه: «وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها». (٢)
وفي الحديث دلالة ظاهرة على تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك من جهتين:
الأولى: تفضيل النوعين الأولين من الأراضي بتعدي نفعهما على الثالث الذي لم ينتفع به.
الثانية: تفضيل النوع الأول، بزيادة نفعه على الثاني، إذ الأول ممسك للماء منبت للعشب، والثاني ممسك للماء غير منبت للعشب، فمثل النوع الأول مثل الفقهاء العاملين المعلمين لغيرهم، ومثل النوع الثاني مثل الجامعين للعلم من غير فقه ولا فهم له، لكنهم أدوه إلى غيرهم، ومثل النوع الثالث مثل من لم يحملوا العمل ولم يحفظوه فلم ينتفعوا في أنفسهم ولم ينفعوا الناس بنقله ولا بتعليمه.
ومما يتجلى به فضل نفع الناس في العلم، وعظم أجره، ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». (٣)
стр. 145
والنصوص في فضل تعليم والناس، ودعوتهم للخير ومدح القائمين به كثيرة في الشرع، ويكفيه شرفا وفضلا أنه عمل الأنبياء والمرسلين، الذي شرفهم الله به، واصطفاهم له من بين سائر خلقه.
كما جاءت النصوص أيضا بالثناء على أهل الخير والفضل، الباذلين للمعروف، المحسنين للخلق، وأنهم خيار الخلق عند الله.
أخرج الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». (١)
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». (٢)
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من خيركم أحسنكم خلقا». (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على أناس جلوس فقال: «ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: «خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره». (٤)
стр. 146
فدلت هذه الأحاديث على أن خيار الخلق عند الله خيارهم للناس، وأن أفضلهم عند الله أنفعهم لخلقه. وهذا من أقوى ما ورد في الدلالة على هذا الباب ومن أظهر ما ذكر في تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة في الدين، والله أعلم بها.
ومما جاء عن النبي ﷺ أيضاً في تفضيل الأعمال المتعدية، وخدمة الناس على العبادة القاصرة على العبد، ما أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا، وعالجوا. فقال النبي ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (١)
وهذا من الأدلة الظاهرة الجلية، في تقديم خدمة الناس، ونفعهم، على العبادات القاصرة.
ومما تتقرر به هذه المسألة أفعال السلف، المتضمنة تقديمهم الأعمال المتعدية، على العبادات اللازمة، وسعيهم في خدمة الناس ونفعهم.
قال مجاهد: «صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني (٢).
وعن مصعب بن أحمد بن مصعب أنه صحب أبا محمد المروزي في الحج، وكان قد اشترط عليه ألا يخالفه قال: «فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني، فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك أن لا تخالفني، فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يُلحق نفسه من الضرر، فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد، ونحن نسير، فقال يا أبا أحمد اطلب الميل (٣)، ثم قال لي: اقعد في
стр. 147
أصله، فأقعدني في أصله، وجعل يديه على الميل، وهو قائم قد حنا عليَّ، وعليه كساء قد تجلل به، يظلني من المطر، حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر» (١).
وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك. منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان (٢).
وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي فيغسله، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال له: هذا من شرطي فيغسله، فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم».
وهذا مما يدل على تقديمهم ﵏ تلك الأعمال على العبادات القاصرة، وذلك أن اشتغالهم بخدمة الناس يأخذ من أوقاتهم الشيء الكثير، ولو علموا أن العبادات القاصرة أنفع لهم، ما كانوا ليشتغلوا بغيرها عنها، مع ما هم عليه من تمام الفقه، وشدة الحرص على الخير، واغتنام الفرص.
كما دل على هذا الأمر أقوال العلماء المحققين، فقرروه في كتبهم ووضحوه.
يقول الإمام ابن الجوزي واصفا حاله: «ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس
стр. 148
الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين إلى الزهد والإنقطاع عن الخلق، والإنفراد بالآخرة، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندبون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شعور الصبا، وربما اتفق خمسون ومائة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة، وعمومهم صبيان قد نشأوا على اللعب، والانهماك في المعاصي، فكان الشيطان لبحر غوره في الشر رآني أجتذب إلي من أجتذب، منه فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه؛ ليخلو هو بمن أجتذبهم من يده، ولقد حسن إليَّ الإنقطاع عن المجالس … ». (١)
إلى أن قال: «وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال، وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين فإنها عبادة العالم، وإن من بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة، والصوم، عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ربعة ويمتد زمان نفعه … فلعيك بالنظر في الشَّرْب (٢) الأول، فكن مع الشَّرْب المقدم، وهم الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.
فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جملة المتزهدين، والمتصوفة من الانقطاع عن العلم والانفراد عن الخلق؟ وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر؟». (٣)
فتأمل كيف نبه هذا هذا العالم المتفقه، على خطورة الانصراف إلى العبادة وترك تعليم الناس، ووعظهم، مما يتعدى نفعه للناس، وأن ذلك من تلبيس الشيطان وكيده ثم تقريره لهذه المسألة بما أستدل له من سيرة الرسول ﷺ وأصحابه في
стр. 149
قيامهم بالعلم والنصح والتوجيه، وعدم الانقطاع إلى العبادة واعتزال الخلق.
يقول الإمام النووي في ترجمته لأحد أبواب (رياض الصالحين): «باب فضل الإختلاط بالناس، وحضور جمعهم، وجماعتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصَبَر على الأذى». (١)
ثم قال: «اعلم أن الإختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأكثر الفقهاء ﵃ أجمعين قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة». (٣)
ويقول الإمام ابن القيم في سياق نقله أقوال العلماء في أفضل الأعمال: «الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه». (٤)
ثم نقل جملة من حججهم على هذا فقال: واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النّفاع متعد إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر. ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وقد قال الرسول ﷺ
стр. 150
لعلي لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حُمْر النعم، وبأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله، وبأن الأنياء بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات، والانقطاع عن الناس والترهب. (١)
ويقول الإمام المحقق ابن رجب مقررا هذه المسألة: «وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)» (٣)
وقال: «الإحسان إلى الرفقة في السفر، أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه». (٤)
وبهذه النقول المستفيضة من النصوص وأقوال أهل العلم يتم تقرير هذه المسألة وهي: تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة اللازمة لعموم النفع واتصال الأجر. على أنه ينبغي أن يراعى في هذا المقام التوازن بين أنواع التفاضل السابقة، فقد يكون العمل القاصر عبادة واجبة، فلا يقدم عليه ما كان متعديا من النفل، وكذلك مراعاة الأحوال الأخرى في أسباب التفاضل مما سيأتي تفصيله إن شاء الله في مبحث مستقل بحول الله وقوته.
стр. 151
الفصل الحادي عشر تفاضل الأعمال باعتبار الأحوال المصاحبة لها
من أنواع التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها أو مضاعفته.
ويمكن تقسيم هذه الأحوال من حيث الجملة إلى قسمين رئيسين:
أحوال عامة، وأحوال خاصة.
فالعامة: هي الأحوال المتعلقة بعامة الناس في عصر من العصور أو مصر من الأمصار، ويندرج تحت هذا القسم عدة أحوال دلت النصوص على تأثيرها في تفضيل الأعمال المصاحبة لها، ومن هذه الأحوال:
أولاً: حال فساد الناس وظهور الفتن.
فقد دلت الأحاديث على تفضيل العمل في هذه الحال كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء». (١)
وأخرج الطبراني من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ سئل بعد ذكر الحديث «ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس». (٢)
ففي الحديث الثناء على الغرباء الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم يصلحون إذا أفسد الناس، أي يعملون بالدين، ويتقربون بصالح الأعمال، إذا ترك الناس
стр. 152
العمل وظهر فيهم الفساد، وهذا متضمن تفضيل عملهم في هذه الحال، على غيره من الأعمال التي لم تصحبها.
ومن الأدلة لهذه المسألة أيضاً قوله ﷺ لأصحابه: «إن من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ مثل ما أنتم عليه، له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم». (١)
فأخبرهم أن للعامل في هذه الأيام أجر خمسين منهم، على أنه لا يفهم من هذا تفضيل هؤلاء العاملين في تلك الأزمان على أصحاب النبي ﷺ ؛ إذ الصحبة فضيلة في ذاتها لا يبلغها أحد بعمله كما هو مقرر عند المحققين من أهل السنة (٢)، ولذا أخبر النبي ﷺ أن الله يعطي هؤلاء العاملين أجر خمسين من الصحابة، ولم يقل إنهم أفضل منهم، لكن في هذا الحديث دلالة على مضاعفة أجر العاملين في أزمان الفتن على العاملين في غيرها.
وهذا من الأوجه التي يظهر بها فضل العمل في أزمان الفتن على غيرها، وهو معنى زائد على التفضيل فقط المفهوم من الحديث السابق.
فإن المفاضلة بين الأعمال تحصل بتفضيل عمل على آخر دون مضاعفة للأجر، وتحصل بمضاعفة أجره مرات عديدة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن التفاضل باعتبار الأمكنة. (٣)
فظهر بهذا شرف العمل في أزمان الفتن وفساد الناس من هذين الوجهين الصحيحين، وقد يضاف لهما وجه ثالث وهو ما دل عليه الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «العبادة في
стр. 153
الهرج كهجرة إليَّ». (١)
فجعل للعامل في الهرج وهي «الفتن واختلاط أمور الناس» (٢) أجر المهاجر إليه، وهذا وجه آخر من الأوجه التي يشرف بها العمل بأن يعطى العامل أجره كأنما عمل مع النبي ﷺ ، وله من المعاني والترغيب في الأجر وحفز الهمم غير ما يحصل بالمعنيين المتقدمين.
والمقصود هنا بيان فضل العمل في حال الفتن على العمل في غيرها من هذه الأوجه الصحيحة كلها على ما دلت عليه الأحاديث السابقة والله تعالى أعلم.
ثانيا: أحوال غفلة الناس.
فقد جاءت النصوص بالترغيب في العمل فيها على ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵁ وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهرين ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر يرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (٣)
قال ابن رجب ﵀ وفي قوله: «يغفل الناس عنه بين رجب ورمض ٠ ان، إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله، من الأزمان، أو الأماكن، أو الأشخاص، قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقاً، أو الخصوصية، فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.
وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة، ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل، لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر …
стр. 154
ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة، حتى قال أبو صالح (إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق) وسبب ذلك أنه ذكرٌ، في موطن الغفلة، بين أهل الغفلة». (١)
ثم ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ فوائد العمل في أوقات الغفلة وخصائصه فذكر منها:
١ - أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارُها أفضل.
٢ - أنه أشق على النفوس وأفضل الأعمال أشقها على النفوس (٢)، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم لقلة المقتدين بهم فيها.
٣ - أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفع به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم … قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. (٣)
ثالثاً: الأحوال التي تعظم فيها حاجة المسلمين إلى بعض الأعمال، ولا تتحقق مصالحهم الدينية أو الدنيوية إلا بها.
فتفضل هذه الأعمال في تلك الأحوال لعظم الحاجة إليها.
كالإنفاق على المسلمين ومصالحهم في حال الفاقة والعسر على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ
стр. 155
إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. (١)
قال القرطبي في تفسير الآية: «إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل». (٢)
وكالقيام على خدمة المسلمين عند حاجاتهم لذلك، فهو أفضل الأعمال وأعظمها أجراً عند الله، كما دل على ذلك حديث أنس في الصحيحين: قال: «كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا فقال النبي ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (٣)
فأخبر النبي ﷺ عن فضل عمل المفطرين على الصائمين لقيامهم بالخدمة التي اشتدت إليها الحاجة وعجز الصوام عنها.
قال أبو العباس القرطبي في شرح عبارة: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر): «يعني أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يُحتاج إليه فيه، كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف». (٤)
وهكذا كل عمل يحتاج إليه المسلمون وتتحقق بهم مصالحهم في وقت من الأوقات، فالاشتغال به مقدم على غيره، وهو أفضل في حق أهل ذلك الزمان، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله مخاطباً أصحابه: «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل». (٥)
стр. 156
فأخبر أن الاشتغال بالعمل في زمن انتشار العلم أفضل من العلم، لاكتفاء الناس بما عندهم من العلم وقلة سائليه، وإنما هم محتاجون للعمل، وان الاشتغال بالعلم في حال قلته وضعفه، أفضل من العمل، لحاجة الناس إلى العلم وكثرة سائليه، فبين أن الأفضل لكل أهل زمان هو الاشتغال بما تدعوا الحاجة إليه.
ويقول الإمام المحقق ابن القيم في تقرير هذا الأصل: «فأفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك تمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حقوق الزوجة والأهل … والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أوالبدن أو المال، الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم، أو موته، عيادته وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهروب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم، أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه». (١)
وهذا كله مما يتعلق بالأحوال العامة للأمة.
وأما الأحوال الخاصة المتعلقة ببعض الأفراد دون بعض والتي دلت
стр. 157
النصوص على تفضيل الأعمال المصاحبة لها فكثيرة ومنها:
١ - الأحوال التي تضعف معها دواعي الاستقامة وتقوى أسباب المخالفة، فتفضل الأعمال الصالحة في هذه الحالة على غيرها.
ومن أصحاب هذه الحالة الذين تحققت فيهم صورتها بعض الأصناف السبعة الذين ورد في الحديث أن الله يظلهم في ظله، يوم لا ظل إلا ظله (١) وهم: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله.
فهؤلاء شرفت طاعتهم، وفضل عملهم، لاستقامتهم على الطاعة، مع قوة الدافع إلى المخالفة في حقهم.
فدافع الظلم لدى السلطان قوي لقدرته عليه وكثرة المعينين له عليه، خصوصاً إذا صاحب ذلك تزيين الظلم للإمام من بطانة السوء، وتهوينه عليه وإغرائه بالمظلومين وأنهم مستحقون لذلك، فلزوم العدل في هذه الحالة، وترك الظلم من الإمام دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله، وأن الحامل له على ذلك تقوى الله، بخلاف غير الإمام فلربما كان تنزهه عن الظلم لأسباب أخرى، من عجز أو خشية عقوبة دنيوية، أو تسلط مظلوم وانتقامه.
وكذا الشاب فدافع المعصية فيه أقوى، لقوة البدن، وغلبة الشهوة، وعدم اكتمال العقل، فنشأته على الطاعة ومغالبة الهوى دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله قال ابن حجر: «خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى». (٢)
стр. 158
وكذلك البواعث الحاملة على الزنا بمن دعت إليه من ذات منصب وجمال، عظيمة جداً، من كون هذه المرأة طالبة لهذا الأمر بنفسها، مجتهدة في وقوعه، ومن كونها ذات منصب، يخشى من سطوتها عند المخالفة، ويرجى نفعها عند الموافقة، وهي مع هذا ذات جمال، يرغب فيها مع التجرد من كل ما سبق، فكيف وقد اجتمعت فيها الأسباب كلها، فلا شك أن عدم مطاوعتها لطلبها ممن دعته لذلك من الرجال دليل على عظم خشية الله في قلب ذلك الرجل، وشدة المراقبة لله في نفسه قال الحافظ ابن حجر: «والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب، لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها، لا سيما وقد أعنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها». (١)
ولهذا استحق هؤلاء الأصناف الثلاثة ذلك الثواب العظيم من الله، بأن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما استحق غيرهم من باقي الأصناف السبعة ذلك الثواب، لأسباب أخرى تحققت في أعمالهم فتميزت بها عن غيرها.
ومن صور هذه المسألة ما جاء في حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كظم غيظه، وهو يقدر على أن ينتصر، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في حور العين، أيتهن شاء، ومن ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه، تواضعاً لله ﵎، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء». (٢)
فدل الحديث على فضل هذين العملين، وهما كظم الغيظ مع القدرة على
стр. 159
الانتصار، وترك لبس صالح الثياب تواضعاً، مع القدرة على الصالح منها، وإنما شرف العملان هنا بالقدرة على ما يضادها، فظهر أن الباعث عليها هو إيثار مراضاة الرب، وهذا بخلاف ما لو تحقق العملان المذكوران من غير قدرة على ما سواهما، كمن كظم غيظه من غير قدرة على إنفاذه، ولبس غير الصالح لعجزه عن الصالح، فلا الأن الأجرين المذكورين.
ومما يدخل في هذا الباب أيضاً ترك المراء لمن كان محقاً، على ما ورد فضل ذلك في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا زعيم ببيت في ربض (١) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً … » (٢)، فترتب على من ترك المراء في هذه الحالة هذا الفضل العظيم، لقوة الدافع على المماراة بسبب كون الممارى محقاً وحجته على خصمه ظاهرة، ونصره عليه متحققاً، فترك المراء مع كل هذا، دليل على قوة الإيمان وإيثار ما عند الله على نشوة النصر، وحب العلو في الأرض.
وهكذا كل عمل صالح ضعفت دواعي فعله، وقويت أسباب تركه أو المخالفة فيه، فإنه يعظم أجره بسبب ما يحصل من المجاهدة، ومدافعة الهوى، والصبر على الطاعة فيه.
٢ - حال قدرة العامل على بعض الأعمال وإتقانها دون غيرها من الأعمال، فاشتغال العبد بما يقدر على تأديته على وجه الإتقان أفضل من اشتغاله بغيره مع عدم الإتقان.
والأصل الذي عليه مبنى هذه المسألة أن الله تعالى بحكمته البالغة، قد فاضل بين الخلق في قدراتهم البدنية، والعقلية، والنفسية، كما فضل بعضهم على بعض في الأرزاق وهم بحسب ذلك: يتفاوتون في القدرة على بعض الأعمال دون
стр. 160
بعض، فاشتغال العبد بما يحسن من الأعمال ويكون أنفع للأمة، أفضل من تكلفه الاشتغال بعمل لا يحسنه أو يضعف عنه، وإن كان هذا المُتَكَلَّف هو أفضل من حيث الجنس.
وقد دلت على هذه المسألة عدة أدلة منها:
قول الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾. (١)
قال ابن عباس في معنى قول الله تعالى: ﴿على شاكلته﴾ «على ناحيته».
وعن مجاهد قال: «على طبيعته على حِدَته».
وقال الحسن وقتادة: «على نيته».
وقال مقاتل «على خليقته».
وقال الفراء: «على طريقته التي جبل عليها».
وقال القتيبي: «على طريقته وجبلته». (٢)
وقال ابن القيم في تفسير الآية: «كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به … فالمريد الصادق المحب يعمل ما هو اللائق به والمناسب له». (٣)
والآية وإن وردت مورد الخبر عن عموم الناس، وأن كل واحد هو عامل بما يناسب طبيعته، وما جبل عليه، إلا أنها متضمنة توجيه أهل الإيمان إلى العمل بما يناسب قدراتهم وطبائعهم، كما تقدمت الإشارة إلى هذا في كلام ابن القيم ﵀، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأرشد النبي ﷺ إليه أمته في قوله: «عليكم من العمل ما تطيقون». وما جاء في معناه من الأحاديث
стр. 161
مما تقدم نقلها في فصل التفاضل في العمل باعتبار الاقتصاد والتيسير. (١)
وقد كان النبي ﷺ يراعي هذا الجانب المهم فيما يسنده إلى أصاحبه من أعمال، فيوجه كل واحد منهم إلى ما يعلم قدرته عليه وإتقانه له من الأعمال، بحسب استعداداتهم الفطرية، والنفسية والجسدية، والعلمية.
فوجه بعضهم إلى تعليم الناس في الأمصار أمور دينهم (٢) وأسند إلى بعضهم قيادة الجيوش والسرايا (٣) وكان يرجع إلى أهل الرأي والخبرة فيستشيرهم فيما يعرض له من أمور المسلمين (٤)، واتخذ كُتَّابا بين يديه ممن كانوا يحسنون الكتابة (٥)، وكان يتعهد من علم منه الحرص على العلم بالتعليم ولربما دعا لبعضهم بذلك كما دعى لأبي هريرة وابن عباس (٦) ﵄.
كما كان في مقابل هذا لا يُمَكِّن من العمل من علم ضعفه أو عجزه عنه كما ردَّ طائفة من أصحابه عن الخروج معه للجهاد يوم أحد لصغر سنهم وضعفهم عن الجهاد (٧)، وامتنع من تولية من سأله الإمارة مصرحاً بسبب ذلك في قوله: «إنك ضعيف وإنها أمانة». (٨) وأمر عبد الله بن زيد ﵁ بعد أن رأى في منامه صفة الأذان أن يعلمه بلال بن رباح معللاً ذلك بكونه (أندى منه صوتاً) فكان بلال مؤذن رسول الله ﷺ (٩).
стр. 162
إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يمكن حصرها إلا بصعوبة من سيرة النبي ﷺ في مراعاته هذا الأمر المهم فيما يوجه إليه أصحابه وما يأمرهم به من أعمال. الأمر الذي يتضمن إرشاد الأمة إلى ضرورة مراعاة القدرة على العمل والتمكن من تأديته على الوجه المشروع لكل عامل، بحسب ما يعلم من نفسه.
كما دلت على تقرير هذا الأصل أيضاً أقوال السلف وأهل العلم المحققين في السنة:
فعن تميم الداري ﵁ أن رجلاً سأله عن مقدار قراءته القرآن في كل ليلة فغضب ثم قال له: «أرأيت إن كنتَ أنا مؤمناً قوياً وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع فتنبتُّ، أرأيت إن كنت مؤمناً قوياً وأنا مؤمن ضعيف أتيتك بنشاطي حتى أحمل قوتك على ضعفي ولا أستطيع فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها». (١)
فبين هذا الصحابي الجليل تفاوت الناس في القدرة على العمل وأن ما يكون مقدوراً عليه من العمل في حق بعضهم لا يكون كذلك في حق الآخرين وبالتالي فاشتغال كل واحد بما يقدر عليه وتستقيم عليه عبادته هو الأفضل في حقه.
وقد كان ابن مسعود ﵁ يقلُّ الصيام ويقول: «إنه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي» (٢). وهذا تحقيق منه ﵁ لهذا الأصل وامتثاله له في عبادته.
ومن أقوال العلماء المحققين في تقرير هذا الأصل قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب سائل له عن أفضل الأعمال؟ «وأما ما سألت عن أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب
стр. 163
أوقاتهم». (١)
ويقول في موطن آخر: «إن الأفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادة كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة … وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل». (٢)
ويقول ﵀ أيضاً: «أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أُمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعاً مرجوحاً، فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه، وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك». (٣)
ويقول الحافظ ابن رجب في سياق حديثه عن نهي الشارع عما لا يحتمله العبد، وما لا يطيقه من العمل: «ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حق واجب عليه لم ينه عن ذلك، إلا أن يمنعه عما هو أفضل من ذلك من النوافل، فإنه يرشد إلى عمل الأفضل، وأحوال الناس تختلف فيما تحتمل أبدانهم من العمل». (٤)
فتبين بهذا أثر القدرة على العمل في التفاضل في الأعمال، لما يترتب على ذلك من إتقان العمل وتحقيقه على أكمل الأوجه وأتمها كما دلت على ذلك النصوص الشرعية وأقوال العلماء المحققين في السنة.
٣ - حال اقتران الأعمال الصالحة واجتماعها في حق العبد، فإن ذلك من أسباب التفاضل في الأجر والثواب عند الله تعالى.
وللجمع بين الأعمال الصالحة ثلاث صور، دلت النصوص عليها وعلى فضلها.
стр. 164
الصورة الأولى: الجمع بين خصال البر خلال العمر.
وذلك بأن يجتمع للعبد العمل بعدة أنواع من شعب الإيمان وخصال البر، فيكون أكمل ممن اقتصر على بعضها أو على خصلة واحدة منها استغرق فيها عمره.
ومن الأدلة على هذه الصورة.
قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾. (١)
قال ابن كثير: «قال الثوري ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله». (٢)
ومن الأدلة لهذه المسألة أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. (٣)
قال الشوكاني في تفسير الآية عند قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ «أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجراً عظيماً على طاعتهم التي فعلوها: من الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع والتصدق، والصوم، والعفاف، والذكر، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه
стр. 165
بالغ غاية المبالغ». (١)
وقال الشيخ السعدي بعد تفسيره لهذه الصفات المذكورة في الآية: «من قام بهن فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإحسان، فجازاهم على عملهم ﴿مغفرة﴾ لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات و ﴿أجرا عظيما﴾ لا يقدر قدره إلا الذي أعطاه». (٢)
والآيات في هذا المعنى كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. (٣)
وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. (٤) إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة المجازاة بالأجور العظيمة والدرجات العالية في الجنة لمن اجتمعت فيه بعض خصال البر والخير والإحسان.
وأما ما جاء في هذا المعنى من السنة فحديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب -يعني الجنة- يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدْعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم وأرجو أن
стр. 166
تكون منهم يا أبا بكر». (١)
ففي الحديث دلالة ظاهرة على فضل الجمع بين خصال البر، وذلك أن كل صاحب خصلة يدعى للجنة من باب هذه الخصلة، ويدعى من جمع بين الخصال كلها، من الأبواب كلها ومنهم أبو بكر ﵁ وأرضاه. (٢)
ولهذا ترجم شُرَّاح صحيح مسلم لهذا الحديث وما جاء في معناه بما يدل على هذا المعنى، فترجم القاضي عياض (باب من جمع الصدقة وأعمال البر). (٣)
وترجم أبو العباس القرطبي «باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله، وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير». (٤)
وترجم النووي: (باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر). (٥)
وبمجموع هذه الأدلة يظهر فضل الجمع بين الأعمال الصالحة على الاشتغال بنوع واحد منها، وهذا مقتضى النظر الصحيح الموافق لأصول الشريعة في باب الإيمان، فإن من عبد الله بأكثر من نوع من أنواع العبادة، يكون قد جمع بين عدة شعب من شعب الإيمان، فإن الأعمال الصالحة شعب الإيمان، وعلى قدر ما يحقق العبد من الشعب يقوى إيمانه، حتى إذا ما استكمل الشعب كلها وهي تزيد على الستين أو السبعين كمل إيمانه كمالاً مطلقاً، لا يبلغ درجته من قصر في بعض الشعب.
стр. 167
الصورة الثانية: الجمع بين خصال البر في وقت واحد.
وقد دل على هذه الصورة حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (١)
والظاهر من الحديث أن هذا الثواب المذكور، وهو دخول الجنة، مترتب على اجتماع الخصال المذكورة في الرجل في يوم واحد، فقد كان في كل مرة يقول من (فعل اليوم؟) ثم قال (ما اجتمعن … ) فمفهومه: أن يجتمعن على القيد السابق، أي يجتمعن في يوم واحد.
يؤيد هذا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، بعد ذكر الحديث عن مروان بن معاوية أحد رواة الحديث أنه قال: «بلغني أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم، إلا دخل الجنة». (٢)
ومن هنا فارقت هذه الصورة الصورة السابقة. ففي هذه الصورة اجتماع للعمل في حق العامل في وقت واحد، وفي الصورة السابقة اجتماع للعمل في حق العامل في حياته كلها، من غير تقييد بالاشتراك في الزمن، بل قد يعمل بعمل في زمن، ويعمل بغيره في زمن آخر، فينبغي التنبه للفرق.
كما ينبغي أن يقرر في الصورة الثانية أن الزمن المقيد لاجتماع الأعمال المذكورة فيه وهو (اليوم) وإن كان معتبراً في هذا الموطن إلا أنه لا يلزم أن يكون هذا الزمن قيداً عاماً لكل أفراد هذه الصورة، بل قد يأتي الشارع بالترغيب في
стр. 168
الجمع بين أعمال أخرى، في زمن أوسع، كأن يكون شهراً، أو أقل، أو أكثر كما جاءت النصوص بالترغيب في أعمال البر في شهر رمضان على ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من قام رمضان، إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه». (١)
وأخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدَت الشياطين، ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (٢)
فهذان الحديثان وغيرهما، يدلان على فضل المسارعة لأعمال البر في شهر رمضان، وعلى فضل الجمع بين خصال الخير فيه، وهذا ظاهر من الترغيب في القيام، والجمع بينه وبين الصيام كما في الحديث الأول، كما أن في الاخبار عن فتح أبواب الجنة كلها كما في الحديث الثاني والذي تقدم في حديث أبي هريرة السابق (٣) أن كل باب منها يختص بنوع من أنواع البر، إرشاد من وجه لطيف إلى فضل الجمع بين أعمال البر في هذا الشهر وحفز الهمم لذلك.
قال ابن رجب بعد ذكر بعض الآيات في الترغيب في الجمع بين أعمال البر في حال الصيام: «وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام، والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث». (٤)
وقال: «إن الجمع بين الصيام والصدقة، أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم، والمباعدة عنها، وخصوصاً إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل» (٥).
стр. 169
والمقصود هنا هو التنبيه على تنوع أفراد هذه الصورة، باعتبار الزمان المرغب في اجتماع الأعمال فيه، فقد يكون يوما، أو أسبوعاً، أو شهراً، بحسب ما جاءت به النصوص.
الصورة الثالثة: اقتران العمل من جنس واحد بمثله.
وقد دل على هذه الصورة قوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة». (١)
قال ابن حجر في شرحه: «والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد». (٢)
والمقصود بالزوج في الحديث هنا (الفرد) ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٣) ويقع الزوج على الاثنين أيضاً، وقيل إنما يقال للفرد زوج إذا كان معه آخر ذكره القاضي عياض في شرح الحديث. (٤)
وقد ذهب أهل العلم، إلى أن الحديث وإن كان في النفقة، إلا أنه يشمل سائر أعمال البر، في حصول الأجر المذكور باقترانها بأجناسها:
قال القاضي عياض: «يحتمل أن يكون هذا في جميع أعمال البر، من صلى صلاتين، أو صام يومين، والمقصود من هذا كله والله أعلم تشفيع صدقته بأخرى مثلها». (٥)
وقال أبو العباس القرطبي: «وهذا نص في عموم كل شيء يخرج في سبيل الله، وقيل: يصح إلحاق جميع أعمال البر بالإنفاق، ويدل على صحة هذا بقية الحديث إذ قال فيه: «من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان
стр. 170
من أهل الصيام دعي من باب الصيام». (١)
وإلى هذا الفهم ذهب النووي (٢) وهو ظاهر كلام ابن حجر في الفتح والله أعلم.
فثبت بهذا أثر اقتران الأعمال الصالحة في التفاضل في العمل، من خلال الصور الثلاث المذكورة، على ما دلت على ذلك الأدلة وتقريرات أهل العلم.
وبه ختام هذا الفصل، الذي تم من خلاله بيان التفاضل في الأعمال، باعتبار اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها وثوابها عند الله.
على أنه يحسن التنبيه هنا إلى أن ماتم عرضه من الأحوال المؤثرة في التفاضل، سواء أكانت عامة أم خاصة، ليس هو إلا من باب التمثيل لا الحصر، ولا أدعي أني استوفيت الأحوال كلها، بل لم يكن هذا من قصدي، إذ الأحوال من هذا النوع كثيرة يصعب حصرها، وإنما أردت التنبيه ولفت النظر إلى هذا النوع من أنواع التفاضل والتمثيل لذلك بما تيسر، فما جاءت به النصوص من أحوال أخرى فهو ملحق بأصله، ومقارن بالمذكور من مثله، والله تعالى أعلم.
стр. 171
الفصل الثاني عشر: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال وما الذي يقدم منها عند التزاحم
تقدم من خلال البحث ذكر أسباب التفاضل بين الأعمال، باعتبارات كثيرة تزيد على العشرة، كما هو ظاهر من استعراض البحث.
وهاهنا سؤال مهم تتعين الإجابة عليه وهو: هل بالإمكان الجمع بين أنواع التفاضل كلها، وتحققها مجتمعة للعامل، أم أن هذا غير ممكن؟
والجواب على هذا أن اجتماع أسباب التفاضل كلها للعامل ممكن ومتصور، بل هذا هو الأصل الذي نُدِب إليه العباد في أعمالهم، بأن يحققوها على أحسن الأوجه وأكملها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١) بل إن اجتماع كثير من أسباب التفاضل المذكورة في عمل واحد متصور ممكن، وذلك بأن يجتمع في العمل أن يكون فاضلا باعتبار جنسه، متعديا للخلق، كما يتحقق للعامل فيه قوة الإخلاص، وحسن المتابعة، مع تأديته له على وجه الاقتصاد والسداد، ولزوم المداومة، إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة، التي يتصور اجتماعها في عمل واحد، فيزكو بقدر ما اجتمع فيه من أسباب التفاضل.
لكن ينبغي أن يقرر هنا أن إمكانية اجتماع أسباب التفاضل في حق العامل من حيث التقرير العلمي، والتصور الذهني، أو حتى تحققها في الخارج في بعض الأفراد: أن هذا لا يعني أن يكون هذا الحكم عاما في حق كل الأفراد، بل ولا في الغالب منهم؛ وذلك أن بعض أسباب التفاضل قد يتعذر تحقيقها مجتمعة لدى الكثير من الناس: إما قدراً، أو شرعاً، فلا يكونون حينئذ مخاطبين بها، بل لابد لمن كانت هذه حاله، أن يرجح بين أسباب التفاضل، فيأخذ بالأقوى منها في
стр. 172
التفضيل والأنسب لحاله.
ومن هنا كانت الحاجة ملحة لعقد هذا المبحث الخاتم للمقارنة بين أسباب التفاضل عند التزاحم.
ومدار البحث في هذه المسألة وقطب رحاها يبنى على النظر في أصلين:
الأول: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، وما الذي يقدم منها عند التزاحم.
الثاني: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال في حق المعينين باعتبار تفاوت أحوالهم.
أما الأصل الأول: وهو الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، فهذا الأصل مبناه على معرفة مراتب أسباب التفاضل بين الأعمال، وما الذي يقدم منها عند التزاحم من حيث الجملة. وذلك أنه تقدم في ثنايا البحث، أن الأعمال تتفاضل باعتبارات كثيرة، فإذا ما تعارض عملان فاضلان باعتبارين، كأن يفضل أحدهما باعتبار جنسه، والآخر باعتبار مكانه، أو يفضل أحدهما باعتبار المتابعة، والآخر باعتبار المداومة، فلابد والحالة هذه من الترجيح، للأخذ بالأفضل وتقديمه على المفضول المرجوح.
والموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال والترجيح بينها، من أدق المسائل وأصعبها، وهي تحتاج للنظر في شعب كثيرة، ومسائل متنوعة، مع إلمام واسع بمقاصد الشرع، وأصول الدين.
قال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: «فعلى المتكلم في هذا الباب، أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا». (١)
стр. 173
وقد اجتهد العلماء المحققون ﵏، في جمع شتات هذا الباب وتقريب أبعاده، بذكر بعض القواعد العامة في الموازنة بين أسباب التفاضل بين الأعمال، استنبطوها من النصوص الشرعية.
وسأذكر هنا جملة منها، لتكون عونا للناظر في هذا الباب بعد عون الله وتوفيقه. فمن هذه القواعد:
القاعدة الأولى: تقديم الواجبات على النوافل.
وذلك لأن تأدية الواجبات أفضل عند الله وأحبّ إليه من تأدية النوافل على ما تقدم تقريره في الفصل الثاني من هذا الكتاب (١) فينبغي مراعاة هذا الأصل عند الترجيح بين الأعمال الفاضلة، فإذا ما حصل التزاحم بين عملين فاضلين، قدم ما كان تفضيله راجعا إلى الوجوب، على ما كان تفضيله راجعا إلى سبب آخر من الأسباب المتقدمة في تفاضل الأعمال.
يقول الشيخ السعدي ﵀ في (القواعد والأصول الجامعة): «القاعدة الثالثة والثلاثون: إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح .. ». (٢)
فإذا تعارض لدى العامل واجب عيني في حقِّه كطاعة والدٍ، أو ولي أمر، أو القيام على حقوق الزوجة والأولاد الواجبة، أو قيام الزوجة بحقوق زوجها، إذا تعارضت هذه الواجبات مع أعمال أخرى مستحبة في حق هذا العامل، فإن هذه الأعمال المستحبة لا تقدم على الحقوق الواجبة ولو كانت المستحبة هي أفضل باعتبار جنسها، أو تعديها للخلق، أو مصاحبتها لزمان، أو مكان فاضلين، إلى
стр. 174
غير ذلك من أسباب التفضيل الأخرى.
وكذا ما قيل في المفاضلة بين الواجبات والنوافل، يقال في المفاضلة بين الواجبات نفسها؛ فإنها تتفاوت في قوّة الوجوب كما تقدم تقرير ذلك (١) فيقدم الأوجب فالأوجب عند التزاحم.
ومن الأمثلة لتوظيف أهل العلم هذا الأصل في الترجيح بين الأعمال:
جواب شيخ الإسلام ابن تيمية لمن سأله: طلب القرآن أو العلم أفضل؟ فقال:
«أما العلم الذي يجب على الإنسان عيناً، كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (٢)
ويقول الشيخ السعدي: «وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب، وعلى الصدقة المستحبة، ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب، وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدا، ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين طاعة المرأة لزوجها، مقدمة على طاعة الأبوين». (٣)
القاعدة الثانية: تقديم السنن الراتبة على السنن المطلقة.
وذلك لمكانة السنن الرواتب من الدين، وتأكيد الأئمة على أهمية التزامها، بل وذمهم من داوم على تركها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب من سأله عن حكم من لا يواظب على السنن الرواتب: «من أصرّ على تركها، دلّ ذلك على قلّة دينه، وردتّ شهادته، في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما». (٤)
وقد نص بعض أهل العلم على تقديمها على السنن المطلقة، وعلى فضلها
стр. 175
عليها.
يقول ابن عبد البر ﵀ في سياق حديثه عن ركعتي الفجر: «وآكد ما يكون من السنن، ما كان رسول الله ﷺ يواظب عليه، ويندب إليه ويأمر به». (١)
ويقول ﵀: «وأعمال البر كلها مرغوب فيها، وأفضلها ما واظب رسول الله ﷺ منها (٢)، وسنّها». (٣)
ويقول الشيخ السعدي ﵀: «ويقدم [أي العبد] السنن الراتبة على السنن المطلقة» (٤)
وهذا يقتضي تقديم السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها على غيرها من المستحبات، التي قد تكون أفضل باعتبار جنسها، كطلب علم، وتعليمه، وجهاد، أو تكون أفضل باعتبار تعدّيها كعموم الإحسان إلى الخلق وذلك لكون السنن الرواتب تفوت بفوات وقتها، والمداومة عليها مقصودة للشارع بخلاف غيرها فيمكن تحقيقها في غير هذا الوقت.
القاعدة الثالثة: تقديم وظائف الأوقات والأحوال في الأوقات والأحوال التي شرعت فيها على غيرها من العبادات.
وقرر هذا الأصل الإمام ابن القيم في سياق نقله الخلاف بين الناس في أفضل العمل، وذكر أن أصحاب هذا القول هم أهل التعبّد المطلق، وأن العمل بمقتضى هذا الأصل هو أفضل العمل.
قال ﵀: «الصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب
стр. 176
في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب. وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار، والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع وإن بَعُد كان أفضل، والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك ..
فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه .. » (١)
ويدل على صحة تقرير هذا الأصل وجهان ظاهران في العلم:
الأول: أن الاشتغال بمقتضى وظيفة الوقت والحال هو الموافق لهدي النبي ﷺ ، فقد ندب أمته في هذه الأوقات والأحوال إلى هذه الوظائف. فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف بغيرها من الأعمال التي لم تُخَص بهذه الأوقات، فأُمِرنا عند سماع المؤذن بإجابته، وعند لقاء المسلم بالسلام عليه، وعند دخول المسجد والخروج منه، ودخول المنزل والخروج منه بأذكار مخصوصة، فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف: بقراءة القرآن مثلاً، أو الذكر المطلق، أو غير ذلك من
стр. 177
الأعمال مما جاءت الأدلة بالترغيب فيها مطلقا.
الثاني: أن هذه الوظائف المقيدة بوقت وحال، تفوت بفوات وقتها وحالها، فلا يمكن تداركها بخلاف العبادات الأخرى المطلقة فإنها لا تفوت، ولهذا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية الأذكار المشروعة في وقت أو حال، على قراءة القرآن، بالنظر لهذا المعنى.
قال ﵀: «إن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر من حيث الجملة، وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة كما أن الشهادتين في وقت الدخول في الإسلام، أو تجديده، أو عندما يقتضي ذكرهما، مثل: عقب الوضوء، ودبر الصلاة، والأذان وغير ذلك، أفضل من القراءة.
وكذلك في موافقة المؤذن، فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن، فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له حينئذ من القراءة، حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت بفوتها، والقراءة لا تفوت». (١)
القاعدة الرابعة: تقديم الفضائل المتعلقة بذات العبادة على الفضائل المتعلقة بزمانها ومكانها.
وقد أشار إلى هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق حديثه عن المفاضلة بين سماع قراءة الإمام في صف متأخر والصلاة في الصف الأول من غير سماع فقال: «ووقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام، وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الصف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام؛ لأن الأول صفة في نفس العبادة، فهو أفضل من صفة مكانها، كما رجحنا الرمل مع البعد في الطواف، على الدنو مع ترك الرمل». (٢)
كما ذكر هذه القاعدة الشيخ ابن عثيمين ﵀ في سياق الترجيح بين الرمل في
стр. 178
الطواف أو القرب من الكعبة عند عدم التمكن من الجمع بينهما فقال: «فإن قال قائل إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟ الجواب قَدِّم الأول، فارمل ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى، من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، وهذه القاعدة لها أمثلة:
مثال ذلك لو أن رجلا حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن، أو بحضرة طعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته، ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟
الجواب: الأول. فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب، مقبلا على صلاته كانت صلاته أكمل.
مثال آخر: لو أن شخصا أراد أن يصلي في الصف الأول وحوله ضوضاء وتشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة، ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول. أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش؟ لا شك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول؛ لأن هذا يتعلق بذات العبادة». (١)
وهذا مما يدل على ترجيح أسباب التفاضل المتعلقة بالإخلاص أوالمتابعة أوغيرهما من الأسباب المتعلقة بأصل العبادة، على الأسباب الخارجة عنها كالأسباب المتعلقة بالزمان أو المكان.
مثل أن يتزاحم عند العامل تأدية الصلاة من أولها في مسجد قريب مفضول،
стр. 179
أو تأديتها في مسجد فاضل مع فوات شيء منها، كما يسأل عن هذا بعض طلاب العلم في المدينة النبوية، وهل الأفضل تأدية الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها، أو إدراك الصلاة من أولها في مسجد آخر من مساجد المدينة، فيترجح هنا:
تأدية الصلاة من أولها في مسجد آخر على الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن إدراك الصلاة من أولها مأمور به على سبيل الوجوب، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع إمكانية تأدية الجماعة في مسجد آخر مأمور به على سبيل الندب، ولا يتقدم المندوب على الواجب.
الوجه الثاني: وهو راجع إلى هذه القاعدة التي نحن بصددها وهو أن إدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى ذات العبادة، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى مكان العبادة، فتترجح الفضيلة المتعلقة بذات العبادة، عن المتعلقة بمكانها.
ومن الأمثلة لهذا ممّا يتعلق بالزمان: تأدية الصلاة النافلة في النهار على وجه الكمال، تفضل على تأديتها في الليل مع التقصير، وإن كانت صلاة الليل أفضل من حيث الجملة. (١)
لكن لما تعارضت هنا فضيلتان تقدّمت الفضيلة المتعلّقة بذات العبادة وهي أداء الصلاة على وجه الكمال، على الفضيلة المتعلقة بالزمان والله أعلم.
القاعدة الخامسة: إذا تساوى عملان أو أكثر في الفضل، أو رجح أحدهما على الآخر، فالأفضل هو الجمع بين هذه الأعمال، دون المداومة على أحدها وترك الآخر.
وهذه مسألة مهمة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي تصلح أن تكون
стр. 180
قاعدة في باب المفاضلة بين الأعمال.
قال ﵀: «والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي، ويدعو، ويذكر على وجه مشروع، وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه، وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون بعضها أفضل …
لكن هنا مسألة تابعة، وهو أنه مع التساوي أو الفضل أيما أفضل للإنسان المداومة على نوع واحد من ذلك، أو أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختاراً له، أو معتقدا أنه أفضل، ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل، وأما أكثرهم فمداومته عادة ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته، لا لاعتقاد الفضل.
والصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ ؛ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعاً بين قلوب الأمة، وأخذاً بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (١)
ثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها:
الأول: أن في هذا إتباع السنة والتأسي بالنبي ﷺ .
الثاني: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال التفرّق والإختلاف.
الثالث: أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب فالمداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب.
الرابع: أن في ذلك تحصيل مصلحة كلَّ واحد من تلك الأنواع فإنّ كلَّ نوع لابد له من خاصة.