← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1259

تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب، الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة مائين: سخنا وبارداً فيتحرى البارد الشاق (١) استعماله، ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله» (٢). وبهذا يندفع توهم معارضة النصوص الواردة في ترتب الأجر على المشقة، للأصل العظيم السابق تقريره وهو أن أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير، وأنها أحب إلى الله مما كان منها على وجه التشدد والتعسير. وبه يتحقق المقصود من تقرير هذا الأصل في باب المفاضلة بين الأعمال، وكونه من المبادئ العظيمة لهذا الدين بحسب ما تقدم ذكره من الضوابط الواجب مراعاتها في هذا الباب والله تعالى أعلم.

стр. 107

الفصل السابع: تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله. من أسباب التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص، وقررها أهل العلم، تفاضل الأعمال بحسب شرف العامل ومكانته عند الله. قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾. (١) قال الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ «قول يعطها الله ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس». (٢) وفي هذه الآية دلالة ظاهرة على شرف العمل وفضله بشرف العامل وعلو قدره فلما كن أزواج النبي ﷺ بهذا الشرف والمكانة عند الله وقربهن من رسوله ﷺ ضاعف الله لهن أعمالهن على غيرها من أعمال سائر النساء. قال ابن رجب «وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي ﷺ ». (٣) ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (٤)

стр. 108

قال ابن عباس: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أجرين، وفي رواية ضعفين، وبه قال مجاهد. (١) وفي هذا دلالة على تفضيل العمل، ومضاعفة أجره، لفضل العامل فهذه الأمة خير الأمم كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. (٢) ولهذا أعطاهم الله الأجر على العمل القليل ما لم يعط غيرهم على العمل الكثير. فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء». (٣) قال ابن حجر: «وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها». (٤) ومن الأدلة لهذه المسألة من السنة ما أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ حد أحدهم ولا نصيفه». (٥)

стр. 109

قال البيضاوي في شرحه: «معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية». (١) وقد دلت على هذه المسألة أقوال السلف: روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: «والله لمشهد يشهده الرجل منهم، يوما واحدا في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ اغْبرَّ فيه وجهه، أفضل من عمل أحدكم لو عمرّ عمر نوح». (٢) وقال ابن مسعود: «أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة». (٣) فظهر بهذا فضل عمل الصحابة على عمل غيرهم، وهذا مما يدل على التفاضل في العمل باعتبار منزلة العامل. وإذا تقرر هذا فإن أهل العلم، قد نبهوا على بعض أسباب هذا التفضيل، وهو وإن كان الذي يظهر من النصوص وأقوال أهل العلم، أن التفضيل يرجع لفضل العامل ومكانته عند الله، إلا أن وراء ذلك أيضا أسبابا أشار إليها أهل العلم. فمنها: أن الفضل في العمل، يرجع إلى ما عليه العامل الفاضل من عمل باطن يغلب به غيره. وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله: «كانوا أزهد منكم في الدنيا». ومنها: ما يكون عليه العامل من فقه في الدين وتأثير ذلك في عبادته، من حيث الإتقان، والإخلاص، والاشتغال بما هو أفضل، وأنفع، بما يناسب كل وقت.

стр. 110

وإلى هذا أشار أبو الدرداء ﵁ في قوله: «يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من أمثال الجبال من عبادة المغترين». (١) وقال يحيى بن معاذ: «كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم، هذا أستغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر». (٢) وقال غيره: «ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه، ثم يصبح وقد سبق الركب». (٣) وقال بعضهم منشداً: مَنْ لي بمثلِ سيرِك المُدَلَّلِ تمشي رُوَيْداً وتَجِي في الأولِ (٤) وبهذا يتم تقرير هذه المسألة والله تعالى أعلم.

стр. 111

الفصل الثامن: تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان التفاضل بين الأوقات والأزمان من الأصول المقررة في الشرع وعلى ذلك تظافرت أقوال أهل العلم: قال قتادة: «إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر» (١). وقال ابن عبد البر في شرح حديث: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة): «وفي فضل يوم عرفة دليل أن للأيام بعضها فضلاً على بعض؛ إلا أن ذلك لا يدرك إلا بالتوقيف» (٢). وقال ابن القيم: «والله سبحانه لا يخصص شيئاً ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله … ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض … » (٣). وقال ابن رجب: «وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلاً على بعض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر» (٥).

стр. 112

وقد دلت النصوص الشرعية على تفضيل بعض الأعمال باعتبار زمانها، وإن لم تكن من حيث الأصل أفضلَ من غيرها، وإنما اكتسبت الفضل من شرف الزمان الذي وقعت فيه. ويمكن تقسيم الأزمان والأوقات التي دلت النصوص على تفضيل العمل فيها إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: أزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل الأعمال فيها مطلقا. ويدخل تحت هذا القسم أنواع منها: ١ - الأشهر الحرم: وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. (١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. (٢) روى الطبري وغيره عن ابن عباس ﵄ وقد ذكر الآية إلى قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: «لا تظلموا أنفسكم في كلهن، ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم». (٣) وقال الطبري: «الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر، وشرفهن على سائر شهور

стр. 113

السنة، فخص الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصهن بالتشريف». (١) فظهر بهذا تفضيل الأعمال في هذه الأشهر لفضلها عند الله تعالى. قال ابن رجب ﵀: «فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم … وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم». (٢) وجاء في فضيلة صيام محرم على وجه الخصوص ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». (٣) وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل. فقال الحسن البصري وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، قال ابن رجب: ورجحه طائفة من المتأخرين. وقال سعيد بن جبير: أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة، وذو الحجة. وذهب بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب. قال ابن رجب: وهو قول مردود. (٤) ٢ - شهر رمضان: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. (٥) قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر

стр. 114

الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه». (١) وقد أوجب الله صيام شهر رمضان، وهو ركن من أركان الإسلام، وهو أفضل ما تقرب إلى الله به في هذا الشهر إذ أن صيامه واجب وتأدية الواجبات مقدم على النوافل كما تقدم تقريره. (٢) وقد ورد الترغيب في قيامه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». (٣) كما ثبت في السنة الترغيب في سائر أعمال البر في هذا الشهر على ما أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (٤) وهذا مما يدل على تفضيل كل أعمال البر في هذا الشهر، ويتأكد منها القيام بعد فرض الصيام كما ثبت من حديث أبي هريرة السابق في فضل قيام رمضان. ٣ - العشر الأواخر من رمضان: ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». هذا لفظ البخاري. (٥)

стр. 115

ولفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». (١) وفي رواية أخرى عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (٢) فدلت الأحاديث على فضل هذه الليالي، وتفضيل العمل فيها على باقي ليالي الشهر لمزيد عناية النبي ﷺ بها وتخصيصها بما لم يكن في غيرها من الأعمال. ويتأكد فيها القيام على غيره من الأعمال كما هو ظاهر من النصوص. ٤ - عشر ذي الحجة: وقد ورد في فضلها قول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. (٣) وقال ابن عباس ﵄: «إن الليالي العشر التي أقسم الله بها هي الليالي العشر الأول من ذي الحجة». (٤) وبه قال عبد الله بن الزبير، ومسروق، وعكرمة، ومجاهد وقتادة، والظحاك، والسدي، ومقاتل وغيرهم. (٥) قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه». (٦) وقال ابن رجب: «وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة، هذا الصحيح الذي عليه جمهور والمفسرين من السلف، وغيرهم، وهو الصحيح عن ابن

стр. 116

عباس روى عنه من غير وجه». (١) وروى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء». (٢) قال الإمام ابن رجب في سياق الحديث عن فضائل عشر ذي الحجة: «وقد دل الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله، فهو أفضل عنده … وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد. ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنه ﷺ سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقِرَ جواده، وأُهْرِيق دَمُهُ. (٣) وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله … وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله منها، وكذلك سائر الأعمال. وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره». (٤)

стр. 117

وقد اختلف أهل العلم في المفاضلة بين ليالي عشر ذي الحجة، وليالي العشر الأواخر من رمضان. قال ابن رجب ﵀: «فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، (١) وهذا بعيد جدا … والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم». (٢) ٥ - أيام التشريق: قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. (٣) قال ابن عباس ﵄:» يعني بالأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد النحر «. (٤) وبه قال أجلة المفسرين كعطاء، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وغيرهم (٥) وأفضلها اليوم الأول لقول النبي ﷺ : «أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر ثم يوم القرِّ». (٦) ويوم القرِّ: هو اليوم الحادي عشر سمي بذلك لأن أهل منى يستقرون فيه. (٧)

стр. 118

قال ابن رجب: وأفضلها أولها، ولا يجوز فيه النفر، ثم يوم النفر الأول، وهو أوسطها، ثم يوم النفر الثاني، وهو آخرها (١)، ويشرع فيها للحاج تأدية المناسك المشروعة فيها من رمي ومبيت، وتشرع فيها الأضحية لمن لم يذبح يوم النحر، كما يشرع للحاج وغيره فيها التكبير المطلق، والمقيد، والجهر به، ويستحب الإكثار فيه في هذه الأيام (٢)، لقول النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله»، وأما والصيام فلا صيام فيها (٣) كما دل عليه الحديث وذلك للتقوي على الذكر والطاعة قال ابن رجب ﵀: «وفي قول النبي ﷺ إنها أيام أكل وشرب وذكر الله إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته». (٤) ٦ - ليلة القدر: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. (٥) روى الطبري عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها، وقيامها خير من ألف شهر». (٦) وعن عمرو بن قيس الملائي قال: «عمل فيها خير من عمل ألف شهر». (٧) وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من

стр. 119

قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». (١) فدلت هذه النصوص على تفضيل ليلة القدر على غيرها من ليالي السنة وتفضيل العمل فيها مطلقا، على سائر الأعمال، ويتأكد من ذلك القيام لورود النص الخاص به والله أعلم. ٧ - يوم عرفة: أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء». (٢) وأخرج الترمذي عن عمر بن شعيب عن جده عن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة … » (٣) الحديث. قال ابن عبد البر في شرحه: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره». (٤) فدل الحديثان على تفضيل هذا اليوم، وتفضيل العمل فيه خصوصاً الدعاء كما دل على ذلك الحديث، كما جاءت السنة بمشروعية صيامه على ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: « … صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». (٥) وقد اختلف أهل العلم في صيامه للحاج بعد اتفاقهم على مشروعية صيامه

стр. 120

لغير الحاج. قال ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة، وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف؛ لأن كراهة صومه إنما هي معللة». (١) ثم رجح ابن قدامة عدم صيامه للحاج محتجا بفعل النبي ﷺ في ذلك اليوم. (٢) ٨ - يوما العيدين: أخرج أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يوما يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، يوم الفطر». (٣) قال البيهقي: «فزاد الحسن فيه فقال: أما يوم الفطر فصلاة وصدقة، قال يعني الصاع وأما يوم الأضحى فصلاة ونسك يعني ذبائحكم». (٤) عن عبد الله بن قرط ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرِّ (٥)». (٦)

стр. 121

ويشرع فيهما تأدية صلاة العيد وخروج الناس إليها، ويسن الاغتسال والتطيب فيهما، وإظهار الزينة، ويشرع في عيد الفطر إخراج زكاة الفطر، قبل الخروج للصلاة وهي واجبة، ويستحب في عيد النحر ذبح الأضاحي، والأكل منها والإهداء والتصدق وهي سنة مؤكدة. ويشرع في العيدين التكبير، والتهليل، في يوميهما وليلتيهما، وقد كان النبي ﷺ يخرج للعيدين مع طائفة من أصحابه رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، وكان أصحابه يفعلونه من بعده، ويخرجون للأسواق والطرقات مكبرين. (١) قال عبد الرحمن السلمي:» كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى «. (٢) ويوما العيدين يوما أكل وشرب وزينة ويحرم صيامهما، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر … » (٣) ٩ - يوم الجمعة: روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها». (٤) فدل الحديث على تفضيل يوم الجمعة على سائر الأيام. وبه استدل بعض أهل العلم على تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، وفي

стр. 122

المفاضلة بينهما نزاع مشهور بين أهل العلم، فمن قائل بتفضيل بوم الجمعة، ومن قائل بتفضيل يوم عرفة، وأعدل الأقوال في هذا ما قرره الإمام ابن القيم حيث قال: «والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة، ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة». (١) وقد دلت النصوص على تفضيل العمل يوم الجمعة، وأفضل أعماله تأدية صلاة الجمعة، والعناية بها من التهيأ لها قبلها، والمحافظة على إكمالها. وروى الإمام البخاري عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (٢) والأحاديث في فضائل يوم الجمعة، وتفضيل الأعمال فيه كثيرة وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به لفضل هذا اليوم. وكل ما ذكرته تحت هذا القسم مما تقدم عرضه من الأزمان قد جاءت النصوص بتفضيلها، وتفضيل العمل فيها على الإطلاق، من غير أن تُخَصَّ بعد تأدية الواجب فيها بعمل دون آخر، وإن كانت بعض الأعمال قد تتأكد فيها على غيرها كما تقدم التنبيه على شيء من هذا في موطنه. والله أعلم. القسم الثاني: أزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل بعض الأعمال فيها على الخصوص، ومنها:

стр. 123

١ - شهر شعبان: ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام فيه فيصوم أكثره. أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂ أنا قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان». (١) وفي رواية عنها ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان وكان يصوم شعبان كله … ». (٢) وفي رواية: «لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً». (٣) نقل الترمذي عن ابن المبارك قال: «جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صامه كله». قال الترمذي: «كأن ابن المبارك رأى كلا الحديثين متفقين». (٤) وقال النووي: «قولها كان يصوم شعبان كله كان يصومه إلا قليلاً الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها كله أي غالبه». (٥) وإليه ذهب ابن حجر. (٦) وفي توجيه للفظين أقوال أُخر (٧) وهذا أصحها والله أعلم. وقد دلت الأحاديث على تخصيص شعبان بكثرة الصيام، دون غيره فدل على فضل صيامه على هذه الصفة على صيام غيره من الأشهر.

стр. 124

وقد اختلف في الحكمة في تخصيص شعبان بكثرة الصيام تبعاً لاختلاف الروايات في ذلك، وأصح ما جاء فيه (١) ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهر من شهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (٢) ٢ - يوم عاشوراء: فقد دلت السنة على تفضيل الصيام فيه خاصة دون غيره من الأعمال. أخرج الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ قال: « … ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (٣) وفي حديث أبي قتادة المتقدم عن النبي ﷺ قال: « … صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (٤) ومراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم، ذكره ابن القيم ﵀. (٥)

стр. 125

ولا يشرع في يوم عاشوراء إظهار شيء من شعائر الفرح، كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النفقة على العيال، مما أحدثه النواصب، ولا شيئ من مظاهر الحزن من شق الجيوب، ولطم الخدود، والنياحة، والبكاء، مما أحدثه الرافضة. قال شيخ الإسلام في وصف حال الطائفتين: «فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة». (١) وقال ﵀: «ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه. فقال: «نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه». (٢) ٣ - الأيام البيض من كل شهر: وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقد وردت الأحاديث بمشروعية صيامها، وأنها تعدل صيام الشهر. عن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: «هو كهيئة الدهر». (٣) وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم

стр. 126

ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (١) وقد ذهب بعض أهل العلم أن الأيام البيض هي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر. والصحيح المشهور هو القول الأول ذكر هذا النووي (٢) وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وقد جاءت النصوص في الصحيحين وغيرها بصيام ثلاثة من كل شهر من غير تحديد بالأيام البيض، كما في حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». (٣) وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: «باب صيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (٤) ٤ - ستة أيام من شوال: وقد ثبتت السنة بمشروعية صيامها لما أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». (٥) قال النووي في شرح الحديث: «فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي، وأحمد، وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك، وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها، قالوا:

стр. 127

فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم، أو كلهم لها». (١) وقال ابن رجب: «استحب صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء، روى ذلك عن ابن عباس ﵄، وطاووس، والشعبي، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون». (٢) قال أبو العباس القرطبي مجيبا ومعتذرا لخلاف من خالف: «ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم الذين أشار إليهم، إنما هو أن توصل الأيام الستة بيوم الفطر لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان، وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم، وينقطع ذلك التخيل». (٣) وقد اختلف أهل العلم في تحديد هذه الستة. فذهب بعضهم إلى استحباب صيامها متتابعة من أول الشهر، وهو قول ابن المبارك والشافعي. وذهب آخرون إلى عدم اشتراط التتابع وأنه يستوي أن تتابع أو تفرق في الشهر كله فهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد. وذهب فريق ثالث إلى أنها لا تصام عقيب الفطر، ولكن تصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهو قول معمر وعبد الرزاق. (٤) وظاهر كلام النووي الانتصار للقول الأول، (٥) كما انتصر أبو العباس القرطبي للقول الثاني. (٦)

стр. 128

٥ - الاثنين والخميس من كل أسبوع: على ما ثبت في السنة من استحباب صيامهما فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه وُلِدتُ، وفيه أُنْزِل عليّ». (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». (٢) ٦ - ثلث الليل الآخر: ويشرع فيه القيام، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، على ما جاءت بذلك النصوص قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. (٣) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (٤) وهذا مما يدل على عظيم فضل هذا الوقت؛ لنزول الرب فيه ﵎ إلى السماء الدنيا؛ ومناداته عباده، ولهذا شرع قيام هذا الوقت وورد الترغيب فيه. أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهوده وذلك أفضل». (٥)

стр. 129

وقد وردت النصوص بالتقرب إلى الله في هذا الوقت بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، كما هو ظاهر من النصوص المتقدمة. وأضاف بعض أهل العلم قراءة القرآن (١) وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الأفضل من ذلك فأجاب: (الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة، نص على ذلك أئمة العلماء وقد قال: (٢) «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». لكن من حصل له نشاط وتدبر وفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان أنفع له) (٣). ٧ - أول النهار وآخره: وقد وردت النصوص بالترغيب في الذكر في هذين الوقتين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. (٤) وقال تعلى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾. (٥) وقال : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (٦) وقال تعالى في ذكر زكريا ﵇ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. (٧) ومن السنة حديث جابر بن سمرة في وصف هدي النبي ﷺ قال: «كان لا

стр. 130

يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام … ». (١) وقد ثبت الترغيب في بعض الأذكار المخصوصة في هذين الوقتين، ومن ذلك: ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد». (٢) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: «قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكِه» قال: «قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك». (٣) والأذكار المشروعة في الصباح والمساء كثيرة، وهي مبسوطة في كتب الأذكار والسنن، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به على فضل هذين الوقتين. قال الإمام ابن رجب ﵀: «فهذه الأوقات الثلاثة، منها وقتان وهما أول النهار وآخره، يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب، وعمل تطوع: فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر، وهما أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، وقد قيل في كل منهما أنهما الصلاة الوسطى، وأما التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى

стр. 131

تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقد وردت في فضله نصوص كثيرة، وكذلك وردت النصوص الكثيرة في أذكار الصباح والمساء، وفي فضل الذكر حين يصبح وحين يمسي». (١) فظهر بهذا التقرير المفصل تفاضل الأزمان، والأوقات، وتفاضل العمل باعتبار فضل الزمان الواقع فيه، كما تبين من خلال النصوص اختصاص بعض الأوقات والأزمان بوظائف مخصوصة من العبادات، وهذه العبادات المخصوصة بتلك الأوقات هي أفضل ما يتقرب به إلى الله في ذلك الوقت، وإن كان هذا العمل مفضولا من حيث جنسه. قال الإمام ابن القيم في سياق ذكره اختلاف الناس في أفضل الأعمال: «الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل الأمر إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة، والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار». إلى أن قال بعد أن ذكر أنواعا كثيرة من العبادات المخصوصة بأوقات أو أحوال: «فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت وظيفته ومقتضاه.

стр. 132

وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم هم أهل التعبد المقيد». (١) وهذا التقرير الذي ذكره الإمام ابن القيم هو أفضل ما ذكر في هذا الباب، وهو مقتضى النصوص. والله تعالى أعلم.

стр. 133

الفصل التاسع: تفاضل الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع من أنواع التفاضل التي شرف الله بها بعض المخلوقات على بعض، التفاضل بين الأماكن والبقاع، على ما جاءت بذلك النصوص. ولست بصدد تقرير هذه المسألة لذاتها، وإنما القصد هنا تقرير ما يتعلق منها بموضوع البحث ألا وهو تحقيق مسألة التفاضل بين الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع. ويمكن أن تقسم البقاع والأماكن باعتبار تأثيرها في المفاضلة بين الإعمال إلى قسمين: القسم الأول: بلدان دلت النصوص على شرفها وفضل سكناها، وهي: ١ - مكة المكرمة حرسها الله: روى الشيخان من حديث أبي شريح العدوي ﵁ أن النبي ﷺ قال صبيحة فتح مكة: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب». (١) وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عدي بن حمراء ﵁ قال: «رأيت رسول الله

стр. 134

ﷺ قائما على الحزْوَرَة (١) فقال: «والله إنك لخيرُ أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». (٢) ٢ - المدينة النبوية حرسها الله: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها (٣)، أو يقتل صيدها». وقال: «المدينة خير لهم لو كان يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت على لأوائها (٤)، وجَهْدِهَا إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة». (٥) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». (٦) ٣ - الشام: ورد في فضل الشام كثير من الأحاديث الصحيحة منها حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى لأهل الشام» فقلنا: لأي شيء ذاك؟ فقال: «لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم». (٧)

стр. 135

وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تخرج نار من حضرموت أو بحضرموت فتسوق الناس». قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». (١) فدلت النصوص على فضل هذه البلدان الثلاثة وفضل سكانها، وما يحصل به من البركة في الرزق، والعصمة من بعض الفتن، كالعصمة من فتنة الدجال ممن لزم مكة والمدينة فإن الدجال لا يدخلها (٢) والفرار إلى الشام في آخر الزمان، عند خروج النار من حضر موت قبل قيام الساعة، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ ، وكذلك فضل من صبر على لأواء المدينة، وما يرجى له من شفاعة النبي ﷺ . وأما فضل العمل في هذه البلدان الثلاثة، باستثناء المساجد الثلاثة المفضلة فيها، - فلم أقف فيه على نص سوى، حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكة، فصام وقام منه ما تيسر له، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان … ». (٣) وهذا الحديث ضعفه العلماء فلا حجة فيه. (٤) وإنما ذكر أهل العلم أن العمل يفضل في هذه البقاع لشرفها، من غير أن يذكروا دليلا خاصا على هذا. قال ابن رجب ﵀: «واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب، منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحَرَم». (٥)

стр. 136

وقال ابن حجر ﵀ في سياق شرحه لحديث «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة … »: «واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها، مما تكون العبادة فيه مرجوحة». (١) وقال ضمن حديثه عن مسألة تفضيل صلاة النافلة في المسجدين: «ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه يعني حديث (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا». (٢) فظاهر هذه الأقوال تفضيل الأعمال في هذه البلدان المفضلة لشرف المكان والله أعلم. وبناء على هذا فإن العمل في هذه البلدان يتفاضل تبعا لتفاضل هذه البلدان؛ فإنها متفاوتة في الفضل، وقد أجمع العلماء على أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ويليهما بيت المقدس، ثم اختلف العلماء في المفاضلة بين مكة والمدينة. (٣) قال ابن عبد البر: «وذكر أبو يحيى الساجي قال: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة، فقال الشافعي: مكة خير البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين. وقال مالك والمدنيون: المدينة أفضل من مكة، وأختلف البغداديون وأهل البصرة، فطائفة تقول: مكة، وطائفة تقول: المدينة». (٤)

стр. 137

وذكر ابن ظهيرة أن القول بتفضيل مكة هو قول الأحناف، والشافعية والحنابلة، ووهب، وابن حبيب من المالكية، وهو قول الجمهور. (١) قال ابن عبد البر: «والآثار في فضل مكة عن السلف أكثر، وفيها بيت الله الذي رضي من عباده على الحط لأوزارهم بقصده مرة في العمر». (٢) القسم الثاني: أماكن دلت النصوص على فضلها، وفضل العمل فيها، ومضاعفته. وهي عموم المساجد التي أنشئت لإقامة الصلاة وذكر الله. وتفضيل الإعمال باعتبار المساجد يقع على نوعين: النوع الأول: تفضيل إقامة الصلوات المكتوبة للرجال، في المساجد على إقامتها في غيرها من البيوت والأسواق. روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في الجماعة، تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط بها عنه خطيئة … ». (٣) قال ابن حجر ﵀: «والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارة بأثر الأسود وأنس (٤)، إلى أن الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور على من جمع في

стр. 138

المسجد دون من جمع في بيته مثلا». (١) وقال ﵀ بعد أن ذكر خمسا وعشرين خصلة تقتضي حصول الأجر الوارد في الحديث: «مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجمع في المسجد وهو الراجح عندي». (٢) فظهر بهذا فضل إقامة الصلوات الخمس للرجال في المساجد على غيرها من الأماكن لشرف المساجد وفضلها على غيرها. وأما النوافل فتأديتها في البيوت أفضل لقول النبي ﷺ «إن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». (٣) وهذا في حق الرجال، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل فرضها ونفلها كما أرشد النبي ﷺ إلى ذلك أم حميد الأنصارية (٤) ﵂. النوع الثاني: تفضيل إقامة الصلوات في المساجد المفضلة، على إقامتها في غيرها من المساجد. وقد جاءت السنة بتفضيل أربعة مساجد، وتفضيل الصلاة فيها على غيرها وهي: ١ - المسجد الحرام. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». (٥)

стр. 139

وأخرج ابن ماجه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». (١) فظهر بهذا مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام، وأنها تفضل مائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد، وهذا أكثر ما ورد في مضاعفة الصلاة في المساجد فيكون المسجد الحرام بهذا أفضل مساجد الأرض على الإطلاق. ٢ - المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. وقد تقدم في الحديثين السابقين ما يدل على مضاعفة الصلاة فيه وأنها تفضل ألف صلاة فيما عداه من المساجد، إلا المسجد الحرام. وبهذا يكون المسجد النبوي أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. ٣ - المسجد الأقصى: قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه﴾ (٢) وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا: حكما يصادف حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال النبي ﷺ : «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة». (٣)

стр. 140

وهذا مما يدل على فضل الصلاة في المسجد الأقصى، وأنه يرجى لمن صلى فيه مغفرة الذنوب، كما دل على ذلك الحديث والله أعلم. والمسجد الأقصى هو أحد ثالث المساجد في الفضل، بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهذه المساجد الثلاثة هي التي صح الحديث فيها عن النبي ﷺ أنه لا تشد الرحال إلا لها كما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى». (١) ٤ - مسجد قباء: أخرج الإمام أحمد عن سهل بن حنيف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد يعني مسجد قباء فيصلى فيه كان كعدل عمرة». (٢) فظهر بهذا العرض تفاضل الأعمال وتفاوتها في الفضل بحسب تفاوت أماكنها في الفضل والشرف. كما تبين من خلال النصوص وكلام أهل العلم أن التفاضل باعتبار الأماكن يحصل بأحد ثلاثة أوجه من أوجه التفاضل. الوجه الأول: مضاعفة العمل نفسه إلى أضعاف كثيرة، كمضاعفة الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، على الصلاة في غيرهما من المساجد، على تفاوت في قدر المضاعفة بينهما كما تقدم، وكمضاعفة الصلاة في عموم المساجد على الصلاة في البيت بخمسة وعشرين ضعفاً.

стр. 141

والوجه الثاني: التفضيل العام من غير مضاعفة، كتفضيل الأعمال في عامة الأماكن الفاضلة الشريفة على الأعمال في غيرها من الأماكن، كما قرره بعض المحققين على ما تقدم. الوجه الثالث: أن يؤجر العامل على عمل يسير بثواب عمل آخر أفضل من عمله، كما ورد في فضل الخروج إلى مسجد قباء والصلاة فيه أن ذلك يعدل عمرة. وبتأمل هذه الأوجه يظهر اختصاص كل واحد منها بما يميزه عن غيره من الأوجه الأخرى، ولعل الحكمة في هذا والله تعالى أعلم تنويع الحوافز للأعمال الصالحة، مع مراعاة تفاوت الناس في الاستجابة لبعض هذه المحفزات دون بعض، ولقد لاحظت بحكم مخالطتي للناس أن من الناس من لو خوطب بفضل الصلاة في مسجد قباء مثلاً وأنها تعدل عمرة، لكانت استجابته لذلك أعظم من استجابته للفضيلة الواردة في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ وقد يحصل العكس، وكل ذلك بحسب تفاوت الناس في الاستجابة لهذه المحفزات، فكان في مخاطبتهم بها جميعاً والتنويع في ذلك أبلغ الأثر في استجابة أكبر قدر من الناس لذلك فسبحانه العليم الحكيم اللطيف الخبير.

стр. 142

الفصل العاشر تفاضل الأعمال باعتبار تعديها للخلق الأعمال الصالحة تنقسم باعتبار تعديها للخلق واقتصارها إلى قسمين: القسم الأول: أعمال مقتصرة على العامل نفسه لا تتعدى لغيره، وهي سائر العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم فيما بينهم وبينه من غير أن تتعلق بمخلوق. والقسم الثاني: أعمال متعدية للخلق، وهي كل الأعمال التي يتعدى نفعها للمخلوقين وتتحقق بها مصالحهم الدينية والدنيوية. وقد قرر العلماء المحققون في أبواب المفاضلة بين الأعمال الصالحة، تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع للخلق، وتحقق المصالح التي لا يقوم أمر الدين ولا يصلح حال الدنيا إلا بها. وقد استدلوا لذلك بعامة النصوص التي دلت على تفضيل الأعمال المتعدية والترغيب فيها والثناء على أهلها: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. (١) أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام». (٢)

стр. 143

قال ابن كثير ﵀: «وهكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطية العوفي، وعكرمة، وعطاء، والربيع ابن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني خير الناس للناس: والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾». (١) فدل فهم السلف للآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يحصل به دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا مما يدل على أثر الأعمال المتعدية في السبق إلى الخير والفضل عند الله، خاصة ما يتعلق منها بنفع الناس في دينهم الذي تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (٢) روى الطبري عن معمر قال تلا الحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته وقال: إنني من المسلمين هذا خليفة الله». (٣) كما دلت السنة على تفضيل الأعمال المتعدية على غيرها في أحاديث كثيرة. منها: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء

стр. 144

فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منه طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». (١) قال ابن حجر في شرحه: «وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها». (٢) وفي الحديث دلالة ظاهرة على تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك من جهتين: الأولى: تفضيل النوعين الأولين من الأراضي بتعدي نفعهما على الثالث الذي لم ينتفع به. الثانية: تفضيل النوع الأول، بزيادة نفعه على الثاني، إذ الأول ممسك للماء منبت للعشب، والثاني ممسك للماء غير منبت للعشب، فمثل النوع الأول مثل الفقهاء العاملين المعلمين لغيرهم، ومثل النوع الثاني مثل الجامعين للعلم من غير فقه ولا فهم له، لكنهم أدوه إلى غيرهم، ومثل النوع الثالث مثل من لم يحملوا العمل ولم يحفظوه فلم ينتفعوا في أنفسهم ولم ينفعوا الناس بنقله ولا بتعليمه. ومما يتجلى به فضل نفع الناس في العلم، وعظم أجره، ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». (٣)

стр. 145

والنصوص في فضل تعليم والناس، ودعوتهم للخير ومدح القائمين به كثيرة في الشرع، ويكفيه شرفا وفضلا أنه عمل الأنبياء والمرسلين، الذي شرفهم الله به، واصطفاهم له من بين سائر خلقه. كما جاءت النصوص أيضا بالثناء على أهل الخير والفضل، الباذلين للمعروف، المحسنين للخلق، وأنهم خيار الخلق عند الله. أخرج الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». (١) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». (٢) وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من خيركم أحسنكم خلقا». (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على أناس جلوس فقال: «ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: «خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره». (٤)
следующие страницы →