← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1259

تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (211 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده ا لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد. فإن الله تعالى خلق الثقلين لحكمة عظيمة وهي تحقيق عبادته فقال عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ثم أرسل رسله مبينين للناس كيفية التعبد؛ فخص هذه الأمةَ بأكرم رسول، وأعظم شريعة، وأشرف كتاب. فكان من أعظم ما تميزت به شريعتنا عن الشرائع السابقة نعمة كمال الدين كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (٢) قال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «لم يزل [الله] يصرف نبيه محمدا ﷺ وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه، درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه» (٣)

стр. 2

وكان من عظمة هذا الدين أن جاءت تشريعاته مستغرقة لكل ما أحبه الله ورضيه لعباده أن يتقربوا به إليه، من سائر الطاعات، وملبية رغبة العباد في التقرب إلى ربهم بشتى أنواع القربات، بل ما من عضو من أعضاء البدن، أو حاسة من حواسه، إلا شرع الله لها من العبادة ما تؤدي بها حق شكرها؛ فالقلب واللسان، والسمع والبصر، واليد والقدم لكل منها عبادة مشروعة. (١) هذا مع مراعاة التوازن في تأدية حقوق الخلق على مختلف الطبقات، وإعطاء النفس حظها من مباح الشهوات كما قال النبي ﷺ في وصيته لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزَورِك (٢) عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». (٣) وقال سلمان لإبي الدرداء: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا؛ فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ : «صدق سلمان». (٤) وقد اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم، أن لم يجعل تلك التشريعات كلها حتماً واجباً على كل فرد، بل كانت على مراتب ودرجات: فمنها ما هو واجب عيني على كل مسلم، لا يسعه تركه مع القدرة عليه. ومنها ما هو واجب كفائي على عموم الأمة، تبرأ الذمة بقيام بعضهم به. ومنها ما هو من نوافل العبادات لا إثم على الأمة بتركها، وإنما جعلها الله

стр. 3

ميدانا عظيما لأصحاب العزائم في السبق إلى أعلى الدرجات. كما أن هذه العبادات بدرجاتها الثلاث، وما يندرج تحتها من أعمال متفاوتة في الفضل والجزاء عند الله تفاوتا عظيما، وتفاوتها في الفضل لا يرجع إلى معنى واحد بل إلى اعتبارات كثيرة دلت عليها النصوص. فهي متفاضلة باعتبار انقسامها إلى واجبات ومستحبات كما تقدم، وباعتبار أجناسها، وباعتبار الإخلاص والمتابعة فيها، وباعتبار المداومة عليها، وباعتبار تعديها للخلق، وباعتبار زمانها ومكانها، وباعتبار ما يصحبها من الأحوال الخاصة، وباعتبار الاقتصاد والتيسير في تأديتها، وباعتبار العامل ومنزلته عند الله إلى غير ذلك من أسباب التفاضل. ونظرا لأهمية مسألة التفاضل بين الأعمال وشدة الحاجة إلى فهمها الفهم الصحيح في التقرب إلى الله بأفضل الطاعات، والمسابقة إلى أعلى الدرجات، رأيت أنه من الواجب ضرورة الكتابة في هذه المسألة بجمع شتاتها، وتقريب مسائلها، والخروج بقواعد مؤصلة بناء على مدلولات النصوص، وفهم السلف لأفضل ما ينبغي أن تشتغل به الأمة على مختلف طبقاتها، وتنوع قدراتها، وتوجيه الراغبين في الخير لأفضل الأعمال في حقهم بناء على مراعاة الفوارق الفردية، والمؤهلات النفسية، والظروف الزمانية والمكانية، وغير ذلك من الأحوال المؤثرة في تقرير هذه المسألة العظيمة الجليلة. ويكمن إبراز أهمية دراسة هذا الموضوع في النقاط الآتية: ١ - أن هذا الموضوع كان محل العناية التامة من السلف حيث عظمت رغبتهم في التفقه فيه؛ فكثرت أسئلة الصحابة للنبي ﷺ عن أفضل العمل، كما عني به التابعون من بعدهم، والأئمة المحققون من أهل السنة فكثر بحثهم فيه، والتنبيه على أصوله وقواعده مما خلف لنا مادة علمية غزيرة، وفوائد نافعة عظيمة في هذا الباب قد تخفى على بعض طلبة العلم، فضلا عن عامة الناس مما يحتم بحثه،

стр. 4

وتقريبه للناس. ٢ - أن المسلم المتفقه في هذا الباب يقطع في الزمن اليسير، وبجهد قليل في السبق إلى الله ما يقطعه غيره في زمن أكثر، وبجهد أكبر، مما تعظم معه الرغبة لكل مسلم في التفقه فيه، خصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الصوارف والأشغال، وضاقت فيه الأوقات عن الكثير من أعمال البر وصالح الأعمال. ٣ - الانحراف في هذا الباب عن السنة والاتباع من قبل طوائف من الأمة من أهل الجهل والابتداع بانشغالهم بالبدع عن السنن، وبالنوافل عن الواجبات، وبالمفضول عن الفاضل من العبادات مما يتحقق بالكتابة فيه معالجة هذه الإنحرافات، والرجوع بالناس إلى السنة في منهج التعبد. ٤ - أن الشيطان قد لبس في هذا الباب على بعض العبَّاد، فزين لهم الأعمال المرجوحة، وشغلهم بها عما هو أرجح وأحب إلى الله منها كما نبه على ذلك بعض الأئمة. قال ابن الجوزي ﵀: «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل» (١). وقال أيضا: «وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، ومنهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى، أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته» (٢). وقال الإمام ابن القيم في سياق تعداده للعقبات (الست) التي صرف بها الشيطان العباد عن العبادة أو أفضلها: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال

стр. 5

المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، ولأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله، وفضله، ودرجاته العالية. فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب عن الأحب، وبالمرضي عن الأرضى». (١) ففي الكتابة في هذا الموضوع تنبيه وتحذير للأمة من كيد الشيطان وتلبيسه كما هي طريقة أهل العلم المتقدمين؛ فلهذه الأسباب، ولغيرها آثرت الكتابة في هذا الموضوع، وتقريبَ مسائله، وجمعَ فوائده في بحث مختصر لطيف مؤصلاً بالأدلة، مدعما بأقوال الأئمة. وقد سميته: «تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال». وقد سرت في كتابته على خطة منهجية اشتملت على: مقدمة، وتمهيد، واثني عشر فصلاً، و خاتمة. أما المقدمة: فكانت في أهمية الموضوع وأسباب اختياره. وأما التمهيد: ففي بيان عناية السلف بهذا الباب، وحرصهم على التفقه فيه. وأما الفصول فهي على النحو الآتي: الفصل الأول: تفاضل الأعمال باعتبار جنسها. الفصل الثاني: تفاضل الأعمال باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل. الفصل الثالث: تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص. الفصل الرابع: تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها. الفصل الخامس: تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها.

стр. 6

الفصل السادس: تفاضل الأعمال باعتبار تحققها على وجه الاقتصاد والتيسير. الفصل السابع: تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله. الفصل الثامن: تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان. الفصل التاسع: تفاضل الأعمال باعتبار الأمكنة والبقاع. الفصل العاشر: تفاضل الأعمال باعتبار تعديها للخلق. الفصل الحادي عشر: تفاضل الأعمال باعتبار الأحوال المصاحبة لها. الفصل الثاني عشر: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال وما الذي يقدم منها عن التزاحم. أما الخاتمة: فهي في النتائج التي توصل إليها البحث. هذا وأسأل الله الكريم أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، صوابا على النهج القويم، وأن يجعله قربة لي عنده مدخرة ليوم الدين، وأن يعم بنفعه المسلمين وأن يبارك فيه، وأن يشرح صدور قُرَّائه لفهمه، والعمل بما فيه من توجيهات وإرشادات صحيحة، وأن يغفر لي ما اعتراه من خطأ أو زلل، ويوفقني عاجلا غير آجل لإصلاحه؛ إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم. ثم أتوجه برغبة صادقة إلى علمائنا ومشايخنا، وإخواني من طلاب العلم، ممن طالع كتابي هذا، أن يتحفني بنصحه وتوجيهه، ويرشدني لما يقف عليه من خطأ في فهم، أو تصحيف لنقل، أو استدراك لمسألة، سائلا الله التوفيق للجميع لما فيه الخير والصلاح والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه، وصفوة رسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 7

التمهيد: عناية السلف بتفاضل الأعمال، وحرصهم على التفقه فيه لقد عظمت عناية السلف بموضوع التفاضل بين الأعمال، بدأ بالصحابة رضوان الله عليهم، ثم من جاء بعدهم من أئمة التابعين، ثم من سار على طريقهم من أئمة المسلمين المحققين في أبواب الاعتقاد، والسنة، والحديث، والفقه، على رأسهم الأئمة الأربعة الفقهاء، وتلاميذهم، وأتباعهم رحمة الله عليهم أجمعين. وفي الحقيقة إنه لا يمكن حصر كلامهم، وأقوالهم، وجهودهم في تقرير هذا الباب، وإنما أشير هنا إلى ما يدل على ذلك من خلال بعض الأوجه العامة الدالة على عناية السلف بهذا الموضوع، وهي: ١ - كثرة أسئلة الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن هذا الموضوع، على ما دلت على ذلك السنة من سؤال جمع من الصحابة النبي ﷺ قائلين: يارسول الله دلنا على أفضل العمل .. ؟ يارسول الله أي العمل أفضل؟ ويخبر بعضهم: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ (١) ويقول آخر: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل، فكان كلما أجاب النبي ﷺ قال: ثم أي؟ ثم أي؟ كما هو ثابت من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. (٢) وهذا يدل على عظيم عناية الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الباب،

стр. 8

وطلبهم التفقه فيه، وحرصهم على العناية بضبطه وفهمه. ٢ - عناية أئمة الحديث بهذا الموضوع بنقلهم الأحاديث المؤصلة له في مواطن كثيرة من مصنفاتهم، وإفرادها بتراجم خاصة تبرز أهمية هذا الموضوع. ففي تراجم البخاري في صحيحه: «باب أي الإسلام أفضل» (١) و «باب تفاضل أهل الإيمان بالأعمال» (٢) و «باب أحب العمل إلى الله أدومه» (٣) و «باب العلم قبل القول والعمل» (٤) و «باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» (٥) و «باب أفضل الناس مؤمن مجاهد». (٦) وكذلك أورد مسلم في صحيحه كثيرا من الأحاديث في التفاضل بين الأعمال، ترجم لها الإمام النووي بتراجم تشير إلى هذا الموضوع، ومن هذه التراجم: «باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها … » (٧) و «باب تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل» (٨) و «باب تفاضل أهل الإيمان فيه» (٩) و «باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة». (١٠) كما ذكر أبو داود كثيرا من الأحاديث في الفضائل في سننه منها ما جاء في كتاب الجهاد، وقد ترجم لها بعدة تراجم كقوله: «باب في ثواب الجهاد» (١١) و «باب

стр. 9

فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم» (١) و «باب فضل الغزو في البحر». (٢) وعقد الترمذي في سننه كتبا لأحاديث الفضائل مثل: «كتاب فضل الجهاد» (٣) و «كتاب فضائل القرآن» (٤) والأمثلة على هذا من كتب الحديث كثيرة جدا يصعب حصرها، وإنما أشرت هنا إلى بعضها. ٣ - اهتمام الأئمة المحققين بهذا الباب حيث أفرده بعضهم بالتصنيف، ومن الكتب المصنفة فيه: فضائل الأعمال لابن شاهين. فضائل الأعمال لابن قدامة. هذا غير ما أفرد في بعض الموضوعات الخاصة: كفضائل القرآن لأبي عبيد. وفضائل القرآن للنسائي. وفضائل القرآن لابن كثير. وفضائل الأوقات للبيهقي. ولطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب. وهذا مما يدل على اهتمام أهل العلم بهذا الباب حيث أفردوه بهذه التصانيف، وغيرها مما لا يسع المقامُ ذكره.

стр. 10

٤ - عناية العلماء المحققين بتحقيق مسائل هذا الموضوع، والتوسع في بحثها، وتقريرها، ومن أشهر من عرف بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتبه، ورسائله، وقد اشتمل مجموع الفتاوى على كثير من الرسائل والمسائل المتعلقة بهذا الموضوع خصوصا الرسائل المجموعة في المجلدات (السابع)، و (العاشر)، و (الحادي عشر). وكذلك ما جاء في (الفتاوى الكبرى)، وبخاصة (المجلد الثاني). كما عني بهذا الباب، وتوسع فيه أيضا الإمام الفذ ابن القيم ﵀ في مواضع كثيرة من كتبه ومن أكثرها طرقا له (كتاب مدارج السالكين)، و (إغاثة اللهفان)، و (طريق الهجرتين). كما طرق هذا الباب بحثا وتحقيقا حتى يكاد يكون السمة البارزة لكتبه الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، ومن أشهر كتبه في هذا: كتاب (لطائف المعارف)، و (جامع العلوم والحكم)، و (المحجة في سير الدلجة)، و (ورثة الأنبياء)، و (شرح حديث ما ذئبان جائعان)، و (شرح حديث شداد بن أوس: «إذا كنز الناس الذهب و الفضة … »)، و (الخشوع في الصلاة)، وغيرها من الرسائل المفيدة العظيمة النفع لهذا الإمام المحقق عليه وعلى علمائنا سوابغ الرحمة والغفران. وعلى كل حال فما ذكرته في هذه العجالة إنما هي إشارات وشذرات لبعض جهود الأئمة، وعنايتهم بهذا الباب العظيم، وإلا فجهودهم في تقريره كبيرة جدا يصعب الإحاطة بها في هذه الورقات، وهذا مما لا يخفى على الناظر في كتبهم، ورسائلهم عليهم رحمة الله.

стр. 11

الفصل الأول: تفاضل الأعمال باعتبار جنسها دلت النصوص على تفاضل الأعمال باعتبار جنسها، وتفضيل أجناس بعض الأعمال على بعض. فقد ثبت في السنة أن النبي ﷺ سئل عن أفضل العمل في أكثر من مناسبة فتنوعت إجابته. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فسكت عن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. (١) وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». (٢) وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله». قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها … ». الحديث. (٣)

стр. 12

وقد اختلفت أقوال أهل العلم في توجيه تنوع إجابة النبي ﷺ للسائلين، وتباينت أجوبتهم عن ذلك. فأجاب بعضهم بأن المراد «بأفضل العمل»: «من أفضل العمل «؛ فتكون الأعمال المذكورة من أفضل الأعمال لا أن كل واحد منه يقصد به أنه أفضل العمل، وحينئذ ينتفي التعارض. قال الإمام ابن خزيمة: «إن العرب قد تقول: إن أفضل العمل كذا، وإنما تريد: من أفضل. وخير العمل كذا، وإنما تريد: من خير العمل». (١) وقد نقل هذا القول الحليمي عن شيخه أبي بكر القفال، (٢) وارتضاه، (٣) ونقله عنهما النووي في شرحه لصحيح مسلم. (٤) وقد ضعف هذا القول الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي؛ قال بعد نقله: «وهذا في غاية البعد» (٥) قلت: وظواهر النصوص لا تعضد هذا القول؛ فإن السائلين كانوا يسألون عن أفضل العمل على الإطلاق، فيذكر النبي ﷺ عملا ثم يستفصل السائل قائلا: ثم ماذا؟ ثم أي؟ فيجيب النبي ﷺ . و «ثم» تفيد الترتيب في لغة العرب لا يفهم منها غير هذا. (٦)

стр. 13

وقد أجاب بعض العلماء بأن أجوبة النبي ﷺ اختلفت بحسب أحوال السائلين، وأنه كان يجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وهذا القول هو المشهور عند أكثر العلماء. وقد تتابع على نقله كثير من شراح الحديث. وإليه ذهب القفال في أحد جوابيه مع القول الأول كما نقله الحليمي عنه. (١) ونقله عنهما جميعا النووي كما تقدم. (٢) وذكره القاضي عياض ضمن أجوبة أهل العلم عن الأحاديث في شرحه لصحيح مسلم (٣) وكذا أبو العباس القرطبي (٤) في المفهم منتصرا له ومستدلا. (٥) كما نقله عن بعض أهل العلم ابن حجر في الفتح ولم يتعرض له بنقد. (٦) وقد ضعف هذا القول ابن رجب في شرحه لحديث عبد الله بن مسعود حيث قال: «هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية». (٧) ثم ذكره مع الجواب السابق، وذهب إلى توجيه آخر في الجمع بين النصوص على ما يأتي. ويشكل على هذا القول أمران: الأمر الأول: أن الأصل في جواب النبي ﷺ أنه محمول على العموم حيث

стр. 14

لم يستفصل عند الإجابة عن أحوال السائلين، وهذا أمر مقرر في باب الأصول؛ أن عدم استفصال النبي ﷺ عند السؤال عن الحال يُنزّل منزلة العموم القولي؛ إذ لو كان الحكم يتنزل على التفصيل لاستفصل عن الحال للحاجة إليه. قال الإمام الشافعي: «ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزله منزلة العموم في المقال». (١) وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وقد تقرر في الأصول أن عدم الاستفصال من النبي ﷺ أي طلب التفصيل في أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولي، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: ونزلن ترك الاستفصال منزلة العموم من الأقوال» (٢) فتخصيص إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل بالسائلين، وأن الإجابة اختلفت باختلاف أحوالهم، تخصيص لعموم النص من غير دليل على التخصيص. يقول الإمام الشافعي مقررا عدم جواز تخصيص النصوص إلا بدليل: «ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما، أو في واحد منهما. ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة، له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية». (٣) الأمر الثاني: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر ابتداء، من غير سؤال عن تفضيل بعض الأعمال، فتنوعت الأحاديث في ذلك على نحو ما جاء في إجابة السائلين، كما جاء في حديث ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». (٤)

стр. 15

وفي حديث أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة، والصلاة»؟ قال: قلنا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ وفساد ذات البين هي الحالقة». (١) وعن أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم؛ فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». (٢) فهذا لا يستقيم مع قول من حمل تنوع إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل، أنها تتنزل على أحوال السائلين، إذ النصوص ليست محصورة في إجابة السائلين، كما هو ظاهر هنا. ومن الأجوبة التي ذكرها أهل العلم في الجمع بين الأحاديث: أن الأجوبة اختلفت باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت، أفضل منه في غيره، وحملوا على هذا تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة. قالوا: كان هذا في أول الإسلام لعظم الحاجة إلى الجهاد في إظهار الدين. أو أنه محمول على الجهاد الواجب، وقت النفير إليه. (٣)

стр. 16

ومن أوسع ما وقفت عليه من التحقيقات لهذه المسألة وأدقها، ما ذكره الإمام الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث ابن مسعود ﵁ في فتح الباري، وملخص ما ذكره في الجمع بين النصوص: أن إجابة النبي ﷺ في حديث أبي هريرة بأن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، هذا وجه ظاهر لا إشكال فيه؛ فإن أفضل العمل ما افترضه الله على عباده، والإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقا. وأما إجابته ﵊ في حديث ابن مسعود بأن أفضل العمل الصلاة على وقتها؛ فلأن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، فتارة يذكر النبي ﷺ الإيمان بالله ورسوله؛ لأنه أفضل أعمال القلوب، وتارة يذكر الصلاة؛ لأنها أفضل أعمال الجوارح. وحيث أجاب بأحدهما فمقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، فكأنه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها، وهو بقية المباني الخمس. ثم ذكره ﵀ أن ذكر النبي ﷺ للجهاد بعد الإيمان في حديث أبي هريرة، وعطفه على الإيمان في حديث أبي ذر يحتمل معنيين: أحدهما: أن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان أفضل الأعمال بعد الإيمان، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان. الثاني: وهو أشبه، أن التعبير بالإيمان بالله ورسوله، يندرج تحته بقية أركان الإسلام، على ما سبق تقريره فيكون الجهاد متأخرا عنها في الفضل. وأجاب عن تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة بأن ذلك يحتمل أربعة وجوه: الأول: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدما على الحج. الثاني: أنه قد فُهم دخول الحج في ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه

стр. 17

بقية مباني الإسلام ومنها الحج، ويكون المراد بالجهاد التطوع وهو أشبه بقواعد الشريعة. الثالث: أن ذلك عندما كان الحج تطوعا؛ فإن الصحيح أن فرضه تأخر إلى عام الوفود. (١) الرابع: قد يقال: دل حديث أبي هريرة على أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج؛ فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه. وأما تقديم الذكر في النصوص على سائر الأعمال فقال في توجيهه: إن المراد بذلك الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع من الأعمال، فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر ذكرا فيه من غيره، فهو أفضل من عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله فيه. فتكون النصوص محمولة على من أدى الفرائض مع ذكر الله فهو أفضل ممن أداها بغير ذكر. (٢) ثم خلص ﵀ من هذا التحقيق إلى أن قال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما: وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي فروض الأعيان كبر الوالدين، ثم بعد ذلك [أعمال] (٣) التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد». (٤)

стр. 18

وهذا التوجيه مع التوجيه السابق له من أقوى ما ذكر في الجمع بين النصوص، ويمكن أن يستخلص منهما أن هناك ثلاثة طرق للجمع بين النصوص لا يكاد يستشكل شيء بعدها في هذا الباب. الطريق الأول: حمل الألفاظ المجملة على ما يفسرها من النصوص الأخرى بما يتناسب مع أصول الشرع وقواعد الدين، كإجابة النبي ﷺ وقد سئل عن أفضل العمل في حديث أبي هريرة بقوله: «إيمان بالله ورسوله». وفي حديث ابن مسعود بقوله: «الصلاة على وقتها» فيحمل هذا على إرادة أركان الإسلام كلها على سبيل الإشارة إليها بذكر أعظمها على ما جرت بذلك طريقة النصوص كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ (١) وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢) فالمقصود هنا هو التزام الكفار بسائر شعائر الدين، والتعبير بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة هو إشارة لما عداهما من باقي المباني والشعائر كما فهم ذلك السلف، قال ابن كثير في تفسير الآية الثانية: «ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهو الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها». (٣) وكذلك قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله». (٤) فقد فهم أبو بكر الصديق دخول الزكاة في حصول العصمة المذكورة في

стр. 19

الحديث مع أنها لم تذكر صراحة، لكنها كانت داخلة تحت ذكر الشهادة، والأمثلة على هذا كثيرة من النصوص. الطريق الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص لا يرجع إلى فضل جنسها مجردا، وإنما لما يصاحبها من الأحوال الخاصة وحينئذ فلا يعارض بهذه النصوص ما جاء في النصوص الأخرى من تفضيل بعض الأعمال باعتبار جنسها، بل تحمل هذه على التفضيل باعتبار، وتلك على التفضيل باعتبار آخر؛ فإن التفاضل بين الأعمال يحصل باعتبارات كثيرة على ما سيأتي تفصيله في أثناء هذا البحث، وبهذا يمكن الجمع بين النصوص. ومن الأمثلة لهذا الوجه تفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء على سائر الأعمال، فقد ذكر ابن رجب على ما تقدم أن الذكر المفضل هنا هو الذكر الكثير المستدام، وهذا التفضيل هنا ليس باعتبار الجنس، بل باعتبار ما صاحب العمل من المداومة والكثرة وسيأتي مزيد تفصيل لهذا قريبا في فصل مستقل إن شاء الله. (١) الطريق الثالث: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص كان يتنزل على بعض الأوقات دون بعض ويرجع هذا إلى سببين: السبب الأول: أن بعض النصوص كانت قبل أن يستقر التشريع على ما هو عليه. ومن أمثلة هذا: تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة على ما ذكره ابن رجب ضمن الأوجه المحتملة لتوجيه الحديث وأن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، والحج تطوعا، قال: فإن الصحيح أن فرض الجهاد تأخر إلى عام الوفود. (٢) وبهذا وُجِّه أيضا ذكر الجهاد مقترنا بالإيمان في حديث أبي ذر، وأن ذلك قبل

стр. 20

اكتمال دعائم الإسلام، وتعين الجهاد، على ما أشار إلى هذا القاضي عياض، وابن حجر رحمهما الله. (١) السبب الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال كان بحسب حاجة المسلمين، وما تقتضيه المصلحة في ذلك الوقت الذي تكلم فيه النبي ﷺ بالحديث. وقد نص على هذا بعض العلماء في توجيه تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي ذر، وأنه محمول على أول الإسلام، ومحاربة أعائه، والجد في إظاهره. (٢) فبهذا يمكن الجمع بين النصوص؛ فإن ما يظن بينها من التعارض يتنزل على أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ فإنها ثمرة أقوال أهل العلم، وزبدة كلام المحققين في هذا الباب، ويكون توجيه النصوص بها بحسب ترتيبها في الذكر، فإن أمكن الجمع عن طريق الوجه الأول فهو الأولى، ولا يعدل عنه لغيره، فإن لم يكن فالوجه الثاني، فإن تعذر الجمع ينتقل إلى الوجه الثالث، وهذا التدرج في الجمع بين النصوص، هو الذي تقتضيه أصول الشرع وقواعد الدين، والله أعلم. والمقصود في هذا المقام معرفة أفضل الأعمال باعتبار جنسها على ضوء مدلولات النصوص وفهم العلماء لها. والذي يظهر بعد هذا العرض المفصل للنصوص وتوجيهها في هذا الباب أن أفضل الأعمال الواجبات، وأفضلها أركان الإسلام الخمسة؛ فإن النصوص دلت دلالة ظاهرة أن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، والصلاة على وقتها، فدخلت بقية أركان الإسلام تحت ما ذُكر على ما تقدم تقريره في الطريق الأول من طرق الجمع بين النصوص. كما يفهم من النصوص تفضيل الإيمان بالله ورسوله الذي هو مقتضى

стр. 21

الشهادتين، والصلاة، على بقية الأركان؛ للتصريح بذكرهما في النصوص، والتعبير بهما عن غيرهما من بقية المباني. والشهادتان وتحقيقهما تلفظا واعتقادا وامتثالا للعمل بمقتضاهما، أفضل الأعمال على الإطلاق، فبهما يدخل الرجل في الإسلام، وهي الأصل العظيم الذي يندرج تحته بقية الأركان، وسائر خصال الدين، وقد أجمع العلماء على تكفير من ترك التلفظ بالشهادتين وإن اعتقدهما بقلبه، واختلفوا في التكفير بترك شيء من الأركان بعدها مع اعتقاد وجوبها اختلافا كبيرا مشهورا. (١) فأفضل الأعمال على هذا الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة؛ إذ هي قرينة الصلاة في كتاب الله وفي عامة النصوص، ثم بقية الأركان، ثم سائر الواجبات، وأفضلها بر الوالدين على ما هو ظاهر حديث أبي هريرة فقد ذكر بر الوالدين بعد الصلاة، فدل على أنه آكد الواجبات بعد أركان الإسلام. ثم يأتي بعد الواجبات نوافل العبادات، وأفضلها طلب العلم النفل، والجهاد، والذكر، فهذه الأعمال الثلاثة أفضل الأعمال بعد الفرائض، وقد جاء في كل واحد منها من النصوص، وكلام أهل العلم ما ظاهره أنه أفضل الأعمال بعد الواجبات. فمما جاء في تفضيل العلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. (٢) وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: ذُكِر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». (٣)

стр. 22

وفي حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب … » الحديث. (١) وأما ما جاء عن السلف في تفضيل العلم على العبادة، وعلى سائر أعمال البر بعد الواجبات، فعن أبي هريرة، وأبي ذر ﵄ قالا: «باب من العلم تتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع». (٢) وعن ابن عباس ﵄ قال: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها». (٣) وعن مطرف بن الشخير ﵀ قال: «فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع». (٤) وعن الحسن البصري ﵀ قال: «العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة». (٥) وعن سفيان الثوري ﵀ قال: «ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية». (٦) وعن قتادة ﵀ قال: «باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول». (٧) وعن الزهري ﵀ قال: «ما عبد الله بمثل الفقه». (٨)

стр. 23

وعن وكيع بن الجراح قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث». (١) وعنه قال: «لولا الحديث أفضل عندي من التسبيح ما حدثت». (٢) وعن الإمام الشافعي أنه قال: «طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة». (٣) وعن بشر بن الحارث قال: «لا أعلم على وجه الأرض عملا أفضل من طلب العلم والحديث لمن اتقى الله وحسنت نيته». (٤) والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف، وإنما هذا طرف منها. (٥) ومما جاء في تفضيل الجهاد من النصوص على غيره من الأعمال: حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: «لا أجده» قال: «تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ (٦) ومن أقوال السلف في هذا المعنى: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة». (٧)

стр. 24

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: «لأن أغزو في البحر غزوة أحب إلي من أن أنفق قنطارا متقبلا في سبيل الله». (١) وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «مثل الغازي مثل الذي يصوم الدهر، ويقوم الليل». (٢) وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت على بكر فهو أوثق أعمالي في نفسي». (٣) وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي سئل عن أعمال البر فقال: «ما من عمل أفضل من الغزو بعد حجة الإسلام، ثم الرباط في الموضع المخوف». (٤) ومما ورد في تفضيل الذكر من النصوص: حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله». (٥) ومما جاء عن السلف في هذا: عن أبي الدرداء ﵁ أنه ذكر له أن أبا سعد بن منبه جعل في ماله مائة محرَّر (٦)

стр. 25

قال: «أما إن مائة محرر في مال رجل لكثير. ألا أخبركم بأفضل من ذلك؟ إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «لو أن رجلين أحدهما يحمل على الجياد في سبيل الله، والآخر يذكر الله لكان هذا أعظم، أو أفضل أجرا يعني الذاكر». وعنه ﵁ أنه قال: «لأن أذكر من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أحمل على الجياد في سبيل الله من غدوة حتى تطلع الشمس». وعن سلمان ﵁ قال: «لو بات رجل يعطي القيان (١) البيض، وبات آخر يقرأ القرآن ويذكر الله رأيت أن ذاكر الله أفضل». وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: «لو أن رجلين أحدهما في حجرة دنانير يعطيها والآخر يذكر الله كان ذاكر الله أفضل». وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «لأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله إلى أن تطلع الشمس، ولأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون العصر حتى تقرب الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله حتى تغرب الشمس». وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لو أن رجلين أقبل أحدهما من المشرق، والآخر من المغرب مع أحدهما ذهب لا يضع منه شيئا إلا في حق، والآخر يذكر الله حتى يلتقيا في طريق، لكان الذي يذكر الله أفضلهما». (٢) والآثار في هذا كثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين، قال ابن رجب:

стр. 26

«وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال». (١) فتبين بهذه النقول أن أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض هي هذه الأعمال الثلاثة: العلم، والجهاد، والذكر. كما دلت على ذلك النصوص وأقوال أهل العلم. وأما المفاضلة بين هذه الأعمال فمحل نزاع بين أهل العلم المتقدمين، بحسب فهمهم للنصوص الواردة في ذلك، على ما تقدم نقل أقوالهم مفصلة. والذي عليه الأكثر منهم هو تقديم العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وإلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم بعدهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هذا يخفى على أحد ممن نشأ بديار الإسلام». (٢) وقال ﵀ في شرحه لقول عمر ﵁: «لو لا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لو لا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجدا، أو أجالس قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلْتَقط طيب الثمر»: «وكلام عمر ﵁ من أجمع الكلام وأكمله؛ فإنه ملهم محدث … فإنه ذكر الصلاة، والجهاد، والعلم، وهذه الثلاثة هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة». (٣) فظاهر من كلام شيخ الإسلام تفضيل العلم كما في النقل الأول عنه، وذكر هنا انعقاد الإجماع على الصلاة، والجهاد، والعلم فدل ذلك على أن الجهاد أفضل

стр. 27

النوافل بعد العلم، وأما الصلاة فهي أفضل من الجميع؛ لأنها واجبة، ولم يشر شيخ الإسلام هنا للذكر فدل على أنه يلي العلم والجهاد في المرتبة. وقال الحافظ ابن رجب مقررا تفضيل العلم على الجهاد والذكر وعلى سائر النوافل: «ومما يدل على تفضيل العلم على جميع النوافل، أن العلم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة؛ فإن العلم أفضل أنواع الذكر كما سبق تقريره وهو أيضا أفضل أنواع الجهاد». (١) والحاصل من كل هذا هو تفضيل العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر في عامة أقوال أهل العلم والتحقيق. وقد أجاب بعض أهل العلم عن حديث أبي الدرداء في تفضيل الذكر على سائر الأعمال وغيره من النصوص في هذا المعنى. فقال ابن رجب: «النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله هم أفضل الناس عند الله، فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير، المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر لله ذكراً فيه من غيره، فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه». (٢) وقال ابن حجر: «إن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان، والقلب بالتفكر والمعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك، كمن يذكر الله بلسانه، وقلبه، واستحضاره، وكل

стр. 28

ذلك حال صلاته، أو في صيامه، أو تصدقه، أو قتاله الكفار مثلا، فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى». (١) وبهذا يتبين أن الذكر المفضل على سائر الأعمال في حديث أبي الدرداء، وما جاء في معناه من النصوص، هو ما كان مصاحبا للاستدامة، ومقارنة الأعمال الصالحة الأخرى، وتفضيل الذكر بهذا الاعتبار لا يقتضي تفضيل جنسه على جنس الجهاد، والعلم، وغيرهما من الأعمال؛ إذ المداومة على العمل أو اقترانه بالأعمال الصالحة من الأحوال المؤثرة في تفضيل العمل عند مصاحبتها له فيفضل بها ويشرف على غيره من الأعمال التي خلت منها وإن كان هذا العمل مفضولا باعتبار جنسه. وهذا مما يدل على عدم معارضة حديث أبي الدرداء، وما في معناه من النصوص، للنصوص الأخرى في تفضيل العلم، والجهاد باعتبار جنس العمل، فتفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء باعتبار، وهو ما يصحب العمل من الأحوال المؤثرة، والتفضيل للعلم، والجهاد، باعتبار آخر وهو التفضيل باعتبار الجنس. وكذلك ما قيل في الذكر هنا مقارنا بالعلم والجهاد، يقال في الجهاد مقارنا بالعلم وأن ما جاء من النصوص مما ظاهره تفضيل الجهاد على العلم محمول على ذلك. كحديث أبي هريرة السابق في تفضيل الجهاد أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يدله على عمل يعدل الجهاد فقال النبي ﷺ : «لا أجده». (٢) فإن هذا محمول على الجهاد الدائم غير المنقطع. يدل على هذا قوله ﷺ بعد ذلك: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك … إلى آخر الحديث. فدل هذا على أن الجهاد الذي لا يعدله عمل وهو الجهاد الدائم الذي لا يرجع صاحبه من الغزو،

стр. 29

أما إذا انتهى الجهاد وانقطعت المداومة فلا يفهم من الحديث تفضيل جنس الجهاد على غيره من الأعمال، ومن ذلك العلم الذي تقدم تفضيل جنسه على جنس الجهاد. والمقصود هنا أن مقتضى النصوص والله أعلم، وكلام أهل العلم هو تقديم جنس العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وما جاء من النصوص مما ظاهره خلاف هذا فمحمول على التفضيل باعتبارات أخرى. وموضوع البحث هنا هو التفاضل بين الأعمال باعتبار جنسها، لا ما يحصل به التفاضل بين الأعمال من اعتبارات أخرى هي خارجة عن جنس العمل مما سيأتي تفصيله في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.

стр. 30

الفصل الثاني: تفاضل الأعمال باعتبار الوجوب والنفل تتفاضل الأعمال في الإسلام باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل: فالواجبات أفضل من النوافل، وأداء الواجبات أحب إلى الله من أداء النوافل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين، قد دلت عليه النصوص الشرعية وأقول السلف. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه … » الحديث. (١) فدل الحديث دلالة ظاهرة على أن الواجبات أفضل عند الله، وأحب إليه من النوافل. قال ابن حجر في شرحه: «يستفاد منه، أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله». (٢) ومن أقوال السلف في تقرير هذا الأصل: قول أبي بكر ﵁ في وصيته لعمر: «واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة … » (٣) فقوله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة من أوجز الكلام، وأبلغه وفيه دلالة على تفضيل الفرائض على النوافل، وأن قبول النوافل مرهون بتأدية الواجبات؛ إذ

стр. 31

الواجبات هي الأصل، والنوافل فرع، ولا استقرار للفرع بدون الأصل. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله تعالى». (١) وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: «أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم … ». (٢) وكذلك أقوال العلماء المحققين جاءت مقررة لهذا الأمر: قال ابن هبيرة في شرحه للحديث السابق: «يؤخذ من قوله: «ما تقرب» إلخ أن النافلة لا تقدم على الفريضة؛ لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة». (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا وجب التقرب بالفرائض قبل النوافل، والتقرب بالنوافل إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض، لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب (الفتوحات المكية) ونحوه من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل». (٤) إلى أن قال بعد ذكره الحديث القدسي المتقدم في معرض رده على الاتحادية: «وقد بين في هذا الحديث أن المتقرِب ليس هو المتقرَب إليه، بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب إليه بالنوافل حتى يصير محبوبا لله فيسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به». (٥)

стр. 32

وقال ﵀ في جواب سؤال: «أيما طلب القرآن أو العلم أفضل»؟ «الجواب: أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (١) وقال الحافظ ابن رجب ﵀: «أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة، وغيرها؛ فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم». (٢) وأقوال العلماء في هذا كثيرة مشهورة، ومن هذا الباب شدة إنكار السلف على من اشتغل بالنوافل عن الفرائض، أو أدى اشتغاله بالنوافل إلى ضعفه عن أداء الفرائض، على ما جاء في قصة رجل في زمن التابعين كان يصوم، ويواصل حتى يعجز عن القيام، فكان يصلي الفرض جالسا فأنكروا ذلك عليه حتى قال عمرو بن ميمون: «لو أدرك هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه». (٣) وقال ابن حجر: قال بعض الأكابر: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». (٤) فتقرر بهذا تفضيل الفرائض على النوافل، وأن النوافل مهما بلغت لا تبلغ درجة الفرائض في الأجر والثواب عند الله، بل صرح السلف أن النوافل لا تكون مقبولة عند الله حتى تؤدى الفرائض. وهذا التقرير هو مقتضى النصوص والله أعلم، وهو الذي تظافرت عليه أقوال السلف، والأئمة المتقدمين، وعليه عامة أهل العلم من بعدهم.

стр. 33

وقد ذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن الفرائض أفضل من النوافل إلا في أربع مسائل، دلت النصوص على أن السنة فيها أفضل من الفرض، وهذه المسائل هي: ١ - ابتداء السلام أفضل من رده، مع أن ابتداء السلام سنة، ورده واجب. ٢ - إبراء المعسر سنة، وهو أفضل من إنظاره مع أن إنظاره واجب. ٣ - التطهر قبل الوقت سنة، وبعد الوقت واجب. وهو قبل الوقت أفضل. ٤ - الختان قبل البلوغ سنة، وهو أفضل منه بعد البلوغ وهو واجب. ذكر هذه المسائل السفاريني، ونقل بعضها عن السيوطي. (١) وهي محل نظر: أما السلام فقد اختلف العلماء في ابتدائه هل هو سنة أم أنه فرض كالرد. (٢) فعلى القول بوجوبه، فالمفاضلة بينه وبين الرد من مسائل التفاضل بين الفرائض، ولا نزاع في هذا على ما سيأتي تقريره. وأما على القول بأن ابتداء السلام سنة، وهو المشهور فلا يسلم أنه أفضل من رده، وذلك لمخالفة هذا للنصوص الصريحة في تفضيل الفرائض على النوافل، ومن أظهرها الحديث القدسي السابق الذكر، وفيه يقول الله تعالى: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». (٣) وهذا نص عام يقتضي تفضيل كل الفرائض على كل النوافل. وإنما تمسك من قال بتفضيل ابتداء السلام على رده بقول النبي ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». (٤)

стр. 34

وبقوله ﷺ : «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام». (١) وليس في الحديثين ما يدل على تفضيل ابتداء السلام على رده. أما الحديث الأول ففيه تفضيل المبادر بالسلام من المتهاجرين على الآخر، ووجه التفضيل هنا لكونه هو المبادر للصلح، ولا شك أن المبادر للصلح أفضل من المعرض، ويظهر من هذا أن تفضيل المبتدئ بالسلام هنا ليس لمرد إلقائه السلام فقط، بل لمعنى آخر كامن في مبادرته بالسلام، وهو الشروع في الصلح، فلا حجة في هذا عندئذ على المسألة، هذا مع مراعاة أن السلام هنا قد يكون واجبا، وهذا بناء على ما قرره بعض أهل العلم من أن الهجر لا يزول إلا بالسلام، وقال آخرون لا يزول إلا بالسلام والكلام. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: «إذا سلم عليه فقد قطع الهجرة». (٢) وقال أبو بكر الأثرم: «قلت لأحمد بن حنبل: إذا سلم عليه هل يجزيه ذلك من كلامه إياه؟ فقال: ينظر في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجره، فإن كان قد علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه من الهجرة إلا سلام ليس معه إعراض ولا إدبار». (٣) وقال ابن مفلح: «والهجر المحرم يزول بالسلام، ذكره في الرعاية والمستوعب». (٤) فالسلام مشترط على كل حال في زوال الهجر المحرم فدل على وجوبه، وبهذا يتبين أن السلام الممدوح في الحديث واجب، فلا حجة فيه لتفضيل السلام

стр. 35

مطلقا على الرد والله أعلم. وأما الحديث الثاني ففي فضل إلقاء السلام، وليس فيه ما يدل على أنه أفضل من الرد. كما أنه لا يفهم من لفظ الحديث أن السلام أفضل من بقية الواجبات، وأن المسلم هو أولى الناس بالله على الإطلاق، وأنه أفضل ممن تقرب إلى الله بسائر الواجبات، بل من المقرر في الشرع أن الرجل لا يمدح بالنفل إلا بعد أداء الواجب فيكون هذا الثناء في حق من أدى واجب الرد عند السلام عليه، وبادر المسلمين بالسلام فهو أولى الناس بالله. ومما تتجلى به صورة هذه المسألة في أن ابتداء السلام ليس بأفضل من رده أن هذا يعرف عند تزاحم الأمرين، وذلك في حق رجل مر في طريق فقابله رجلان يخالفانه في السير، أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فسلم عليه أحدهما ولم يسلم عليه الآخر فما الأفضل في حقه، الرد على من سلم عليه، أو مبادرة الآخر بالسلام، مع أنه لا يمكن الجمع بين الأمرين لضيق الوقت عن ذلك؟ كأن يكون مستقلا سيارة أو غيرها من وسائل النقل السريعة. فإن قلنا بتفضيل الابتداء على الرد، قلنا: الأولى في حقه فعل الأفضل، ونحن مع هذا ندرك أنه لا يسلم من الإثم بترك الواجب وهذا تناقض. وإن قلنا بتفضيل الرد زال هذا التعارض، وانتظم في اشتغاله بالرد تحقيق الواجب، وفعل الأفضل، وهو معذور في ترك النفل؛ لاشتغاله بالواجب كما قال أهل العلم: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور». (١) وأما مسألة إبراء المعسر وإنظاره، فلا يُسَلَّم أن الإبراء نفل محض، بل قد تضمن الإبراء معنى الواجب وزيادة، فَفَضُل من هذا الوجه، وذلك أنه قد تحقق في الإبراء مقصود الإنظار وهو: رفع الحرج بالسداد في ذلك الوقت وهذا

стр. 36

واجب وإسقاط الحق بالكلية وهذا نفل ولهذه المسألة نظائر كثيرة في الشرع، كمسألة الإنفاق على الأهل بالمعروف واجب، والإحسان في ذلك والتوسعة في النفقة من غير إسراف أفضل، لتضمنه الواجب وزيادة، وكالإسباغ في الوضوء أفضل من غسل الأعضاء من غير إسباغ، وذلك لاشتمال الإسباغ على الغسل الواجب وزيادة، وكذلك الحلق في التحلل من الإحرام أفضل من التقصير لهذا المعنى، إلى غير ذلك من المسائل التي يتضمن نفلها واجبها وزيادة. وكذلك المسألتان الأخيرتان، وهي مسألة التطهر قبل الوقت، والختان قبل البلوغ، قد تحقق بهما تأدية الواجب، وإنما حصل التنفل فيهما في المبادرة إلى الواجب قبل حلول وقته، يدل على هذا ارتفاع الحدث بالتطهر قبل دخول الوقت، وسقوط الوجوب في الاختتان بفعله قبل البلوغ، وبالتالي فإن دعوى أن كل واحد من هذين العملين نفل محض لا يسلم، وإنما هما في الحقيقة تأدية للواجب في كل منهما لكن على سبيل التعجل وبهذا حصل التفضيل. ومثل هاتين المسألتين سائر الأعمال التي يرغب فيها إلى المبادرة إلى العمل قبل وقت الوجوب، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الوجوب من أول النهار، فإنه أفضل عند كثير من أهل العلم، (١) وكذلك قضاء الدين قبل حلول أجله أفضل لما فيه من براءة الذمة، وغير ذلك من المسائل. وبهذا يتبين أنه ليس هناك ما يستثنى من قاعدة تفضيل الواجبات على النوافل، بل القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت عليه النصوص وقواعد الشريعة، وما هو مقرر عند سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من المحققين الذين استفاضت أقوالهم بذكر هذه القاعدة، وتأصيلها في كتبهم، من غير تقييد أو تخصيص.

стр. 37

وقد اجتهد بعض العلماء المحققين في استنباط الحكمة من تفضيل الواجبات على النوافل فذكروا في ذلك عدة أوجه: ١ - أن الأمر بالفرائض جازم بخلاف النوافل. ٢ - أن الفرائض يقع بتركها المعاقبة بخلاف النوافل. ٣ - أن الفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء. ٤ - أن في الإتيان بالفرائض امتثال الأمر، واحترام الآمر، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، وهذه المعاني وإن تحققت في النوافل لكنها ليس بمقدار تحققها في الفرائض، وذلك لأن الامتثال في الفرائض على سبيل الإلزام، وفي النوافل على سبيل التخيير. ٥ - أن الذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة. (١) وإذا تقرر تفضيل الفرائض على النوافل فينبغي أن يعلم أن الواجبات في نفسها تتفاضل، فهي ليست على درجة واحدة. ففروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات؛ لتعين وجوب فروض الأعيان على كل أحد، ولحصول الإثم بتركها لا محالة، بخلاف فروض الكفايات، فوجوبها كفائي على الأمة قاطبة، لا يلحق الأفراد إثم بتركها ما دام في الأمة من يقوم بها. قال الإمام ابن رجب في توجيه تفضيل النبي ﷺ للجهاد في حديث أبي هريرة، وذكره له بعد الإيمان بالله: «إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان وقرينا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان». (٢) وقال أيضا: «وقد يقال: حديث أبي هريرة دل أن جنس الجهاد أشرف من

стр. 38

جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه». (١) وهذا مما يدل على تفضيل فروض الأعيان على فروض الكفايات عند أهل العلم والتحقيق. وكلام العلماء في هذا مشهور ومواضع بسطه في كتب الأصول والفقه. وفروض الأعيان في نفسها تتفاضل من حيث تعلقها بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، فتقدم في الفضل حقوق الله على حقوق الخلق، كما أن بين أفراد كل قسم من هذين القسمين تفاضل فيما بينها فليست حقوق الله على درجة واحدة في الفضل، وكذا حقوق المخلوقين. فدل على تقدم حقوق الخالق على حقوق المخلوقين عمومُ النصوص كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٤) فقدم الله حقه على حقوق المخلوقين، والآيات في هذا كثيرة جدا. ومن السنة ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت للنبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». (٥) فأخبر أن حق الله أحق بالوفاء من حق المخلوق. وجاء عن سلمان أنه قال لأبي الدرداء ﵄: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك

стр. 39

عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. قال النبي ﷺ : «صدق سلمان». (١) فقدم حق الله على حق النفس، وحق الأهل، مما يدل على تفضيل حق الله على سائر حقوق المخلوقين. قال الإمام ابن رجب في سياق دراسته للأحاديث في تفاضل الأعمال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعهما أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان كبر الوالدين». (٢) ودل على تفاضل حقوق الله فيما بينها نصوص كثيرة منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». (٣) فأخبر النبي ﷺ أن أفضل شعب الإيمان لا إله إلا الله، وقدمها على غيرها من الشعب المتعلقة بحقوق الخالق كالصلاة، والصيام، والحج. كما دل على هذه المسألة أيضا قول النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس». (٤)

стр. 40

فدل الحديث على تفضيل التوحيد على سائر أعمال البر المتعلقة بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، وأنه أول ما يُبدأ به في الدعوة لفضله وشرفه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا هذا الأصل: «وكذلك ليس الأمر بالتوحيد، والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا، ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم، كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى، عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين». (١) كما دلت النصوص أيضا على التفاضل بين حقوق المخلوقين فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». (٢) فقدم النبي ﷺ النفقة على الأهل على غيرها من النفقات لتأكد حقهم على حقوق غيرهم من الناس. قال أبو العباس القرطبي: «هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد، لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرا، فإذا استوت المراتب فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث». (٣) كما دل أيضا على التفاضل في حقوق الخلق حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل من بني عذرة: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء
следующие страницы →