← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1259

تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واجب وإسقاط الحق بالكلية وهذا نفل ولهذه المسألة نظائر كثيرة في الشرع، كمسألة الإنفاق على الأهل بالمعروف واجب، والإحسان في ذلك والتوسعة في النفقة من غير إسراف أفضل، لتضمنه الواجب وزيادة، وكالإسباغ في الوضوء أفضل من غسل الأعضاء من غير إسباغ، وذلك لاشتمال الإسباغ على الغسل الواجب وزيادة، وكذلك الحلق في التحلل من الإحرام أفضل من التقصير لهذا المعنى، إلى غير ذلك من المسائل التي يتضمن نفلها واجبها وزيادة. وكذلك المسألتان الأخيرتان، وهي مسألة التطهر قبل الوقت، والختان قبل البلوغ، قد تحقق بهما تأدية الواجب، وإنما حصل التنفل فيهما في المبادرة إلى الواجب قبل حلول وقته، يدل على هذا ارتفاع الحدث بالتطهر قبل دخول الوقت، وسقوط الوجوب في الاختتان بفعله قبل البلوغ، وبالتالي فإن دعوى أن كل واحد من هذين العملين نفل محض لا يسلم، وإنما هما في الحقيقة تأدية للواجب في كل منهما لكن على سبيل التعجل وبهذا حصل التفضيل. ومثل هاتين المسألتين سائر الأعمال التي يرغب فيها إلى المبادرة إلى العمل قبل وقت الوجوب، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الوجوب من أول النهار، فإنه أفضل عند كثير من أهل العلم، (١) وكذلك قضاء الدين قبل حلول أجله أفضل لما فيه من براءة الذمة، وغير ذلك من المسائل. وبهذا يتبين أنه ليس هناك ما يستثنى من قاعدة تفضيل الواجبات على النوافل، بل القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت عليه النصوص وقواعد الشريعة، وما هو مقرر عند سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من المحققين الذين استفاضت أقوالهم بذكر هذه القاعدة، وتأصيلها في كتبهم، من غير تقييد أو تخصيص.

стр. 37

وقد اجتهد بعض العلماء المحققين في استنباط الحكمة من تفضيل الواجبات على النوافل فذكروا في ذلك عدة أوجه: ١ - أن الأمر بالفرائض جازم بخلاف النوافل. ٢ - أن الفرائض يقع بتركها المعاقبة بخلاف النوافل. ٣ - أن الفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء. ٤ - أن في الإتيان بالفرائض امتثال الأمر، واحترام الآمر، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، وهذه المعاني وإن تحققت في النوافل لكنها ليس بمقدار تحققها في الفرائض، وذلك لأن الامتثال في الفرائض على سبيل الإلزام، وفي النوافل على سبيل التخيير. ٥ - أن الذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة. (١) وإذا تقرر تفضيل الفرائض على النوافل فينبغي أن يعلم أن الواجبات في نفسها تتفاضل، فهي ليست على درجة واحدة. ففروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات؛ لتعين وجوب فروض الأعيان على كل أحد، ولحصول الإثم بتركها لا محالة، بخلاف فروض الكفايات، فوجوبها كفائي على الأمة قاطبة، لا يلحق الأفراد إثم بتركها ما دام في الأمة من يقوم بها. قال الإمام ابن رجب في توجيه تفضيل النبي ﷺ للجهاد في حديث أبي هريرة، وذكره له بعد الإيمان بالله: «إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان وقرينا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان». (٢) وقال أيضا: «وقد يقال: حديث أبي هريرة دل أن جنس الجهاد أشرف من

стр. 38

جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه». (١) وهذا مما يدل على تفضيل فروض الأعيان على فروض الكفايات عند أهل العلم والتحقيق. وكلام العلماء في هذا مشهور ومواضع بسطه في كتب الأصول والفقه. وفروض الأعيان في نفسها تتفاضل من حيث تعلقها بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، فتقدم في الفضل حقوق الله على حقوق الخلق، كما أن بين أفراد كل قسم من هذين القسمين تفاضل فيما بينها فليست حقوق الله على درجة واحدة في الفضل، وكذا حقوق المخلوقين. فدل على تقدم حقوق الخالق على حقوق المخلوقين عمومُ النصوص كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٤) فقدم الله حقه على حقوق المخلوقين، والآيات في هذا كثيرة جدا. ومن السنة ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت للنبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». (٥) فأخبر أن حق الله أحق بالوفاء من حق المخلوق. وجاء عن سلمان أنه قال لأبي الدرداء ﵄: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك

стр. 39

عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. قال النبي ﷺ : «صدق سلمان». (١) فقدم حق الله على حق النفس، وحق الأهل، مما يدل على تفضيل حق الله على سائر حقوق المخلوقين. قال الإمام ابن رجب في سياق دراسته للأحاديث في تفاضل الأعمال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعهما أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان كبر الوالدين». (٢) ودل على تفاضل حقوق الله فيما بينها نصوص كثيرة منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». (٣) فأخبر النبي ﷺ أن أفضل شعب الإيمان لا إله إلا الله، وقدمها على غيرها من الشعب المتعلقة بحقوق الخالق كالصلاة، والصيام، والحج. كما دل على هذه المسألة أيضا قول النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس». (٤)

стр. 40

فدل الحديث على تفضيل التوحيد على سائر أعمال البر المتعلقة بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، وأنه أول ما يُبدأ به في الدعوة لفضله وشرفه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا هذا الأصل: «وكذلك ليس الأمر بالتوحيد، والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا، ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم، كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى، عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين». (١) كما دلت النصوص أيضا على التفاضل بين حقوق المخلوقين فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». (٢) فقدم النبي ﷺ النفقة على الأهل على غيرها من النفقات لتأكد حقهم على حقوق غيرهم من الناس. قال أبو العباس القرطبي: «هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد، لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرا، فإذا استوت المراتب فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث». (٣) كما دل أيضا على التفاضل في حقوق الخلق حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل من بني عذرة: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء

стр. 41

فهكذا، وهكذا»، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك. (١) قال القاضي عياض في شرح الحديث: «وفي قوله: «فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك فلذي قرابتك» فيه حجة في ترتيب الحقوق، وتقديم الآكد فالآكد، وأن الواجبات تتأكد في نفسها، لأن حق النفس واجب، وحق الأهل ومن تلزمه النفقة واجب، لكنه يقدم حق النفس عليها». (٢) وقال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها الإبتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد». (٣) فتقرر بهذا تفاضل الواجبات فيما بينها فيقدم منها الأوكد فالأوكد بحسب قوة الوجوب، ومرجع هذا التفاضل هنا هو قوة الوجوب، فكلما كان العمل أوجب كلما كان أفضل. (٤) كما أن التفاضل بين الواجبات والنوافل، يرجع إلى (قوة المشروعية) فتكون هذه المسألة فرعا عن تلك، بناء على أن التفاضل باعتبار (قوة الوجوب) فرع عن التفاضل باعتبار قوة المشروعية. ولهذا ناسب تقرير مسألة التفاضل بين الواجبات، بعد تقرير التفاضل بين الواجبات والمستحبات، استكمالا لموضوع البحث، وتنبيها على هذا المعنى. والمقصود هنا بيان أن المنهج الصحيح في التعبد يرجع إلى هذا التأصيل، وهو أن يكون التقرب إلى الله بالواجبات أولا بدأً بالأوكد فالأوكد، ثم بالنوافل أخذا بالأهم فالأهم، فبذلك يحصل السبق إلى الفضل عند الله، وتتحقق المتابعة للنبي ﷺ في العبادة، وعلى قدر التفريط في هذا المنهج يحصل الخلل في العبادة

стр. 42

والانقطاع في السير إلى الله. وقد نبه الأئمة المحققون على خطورة الإنحراف في هذا الباب فكان مما اشتهر عنهم هذه المقولة: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». كما نبه بعضهم على أن الإنحراف في هذا الباب من كيد الشيطان وتلبيسه على العباد، وذلك أنه لماّ لم يظفر منهم بالتثبيط عن العمل شغلهم بالمفضول منه عن الفاضل. قال الإمام ابن الجوزي في سياق ذكره تلبيس الشيطان على العباد: «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل» (١) وقال أيضا: «ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ويستعيذ فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضا؛ لأن الذي شرع فيه من التعوذ والإستفتاح مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يقدم عليه سنة». (٢) وقال ﵀: «وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، ومنهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل صلاة الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته». (٣) وقال في تلبيس الشيطان على أهل الصيام: «وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم، وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها، إلا أن الآفة

стр. 43

فيه من وجهين: أحدهما: أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لزوجك عليك حقا» (١) فكم من فرض يضيع بهذا النفل. والثاني: أنه يفوت الفضيلة؛ فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود ﵊ كان يصوم يوما، ويفطر يوما (٢)». (٣) وقد أطال الإمام ابن الجوزي في ذكر صور كثيرة من تلبيس الشيطان على العباد في هذا الباب مما يدل على أهمية ضبطه، والتفقه فيه. كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن تلبيس الشيطان على العباد في هذه المسألة هي إحدى العقبات الست التي يصرف بها العباد عن الطاعة وعما يحب الله من العباد. قال ﵀: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب عن الأحب، وبالمرضي عن الأرضى له». (٤) وصدق والله هذان الإمامان الجليلان، فكم كاد الشيطان للإنسان في هذا

стр. 44

الباب، فإنا في كل يوم نشاهد من تلبيس الشيطان على كثير من أهل التعبد والرغبة في الخير ما لا يمكن وصفه، ويصعب حصره، وليس أدل على هذا من اشتغال كثير من طلبة العلم اليوم ناهيك عن غيرهم من الناس بالنوافل والسنن عن الوجبات، في باب العلم والعمل، وذلك كالتعمق في دراسة بعض المسائل الفرعية، التي لا تعدو أن تكون من فروض الكفايات في باب العلم، عن تعلم أوجب المسائل مما لا يتحقق الواجب إلا بها، كما هو الشأن في مسائل التوحيد، والطهارة، والصلاة، وغيرها من المهمات، وكذلك الإنحراف في باب العمل بالإنشغال ببعض السنن وفروض الكفايات عن تأدية الواجبات العينية، كاستغراق الوقت أو جلّه في الدعوة مثلا، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كثرة الصيام، أو العكوف في المساجد، مع ما يصحب ذلك من تضييع حقوق الوالدين، أو الزوجة والأولاد، أو حقوق العمل، وغير ذلك من الأمثلة التي لا تخفى على متأمل لواقع حال كثير من الناس في هذا العصر، مما يتعين معه مراعاة هذا الجانب المهم، وإعطاؤه حقه من البحث والدراسة، وتوجيه الناس فيه كما فعل الأئمة السابقون نصحا للأمة، وإبراء للذمة. والله تعالى أعلم.

стр. 45

الفصل الثالث: تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص الإخلاص لله تعالى في العمل هو الركن الأساس لكل عمل صالح، وهو الأصل الذي يبنى عليه صحة العمل وقبوله عند الله تعالى، كما أن المتابعة في العمل هي الركن الثاني لكل عمل صالح مقبول عند الله. وقد دل على هذين الأصلين قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾. (١) قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: «﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ أي ثوابه وجزاءه الصالح، ﴿فليعمل عملاً صالحاً﴾ أي ما كان موافقا للشرع. ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له. وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصا، صوابا على شريعة رسول الله ﷺ ». (٢) والنصوص في تقرير هذه المسألة وأقوال أهل العلم كثيرة جداً، وهي مبسوطة في مواضعها من كتب الاعتقاد والسنة والآداب، ومقصد البحث هنا هو بيان أثر قوة الإخلاص في تفاضل الأعمال عند الله تعالى وإنما عبرت (بقوة الإخلاص)، ولم أقل (الإخلاص)، لأن الإخلاص، هو ركن العمل، الذي لا يقبل إلا به، فالحديث عن الإخلاص من عدمه هو من باب الحديث عن قبول العمل ورده، وحديثنا هنا هو من باب التفاضل بين الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ففي هذا الباب قد تحقق ركن الإخلاص في كل الأعمال المفاضل بينها، وإن كان متفاوتا قوة وضعفا.

стр. 46

وقد دلت النصوص الشرعية وكلام أهل العلم على تفاضل الأعمال بهذا الاعتبار. قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. (١) قال الفضيل بن عياض ﵀ في تفسير أحسن العمل: «أخلصه وأصوبه؛ فإنه إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة». (٢) فقوله ﵀ «أخلصه»: صيغة تفضيل، تدل على التفاضل في الإخلاص، وفي تفسير أحسن العمل بالأخلص والأصوب، دليل على تفاضل الأعمال، باعتبار قوة الإخلاص والمتابعة فيها. ومما استدل به لمضاعفة الحسنات بحسب الإخلاص وقوته قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. (٣) فقد ذكر بعض المفسرين أن المضاعفة المذكورة هنا بحسب قوة الإخلاص في العمل: قال ابن كثير ﵀: «﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله». (٤) وقال السعدي ﵀: «وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها». (٥)

стр. 47

ويشهد لهذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها، تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». (١) قال ابن رجب معلقا: «فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه؛ والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام، وإخلاص النية، والحاجة إلى ذلك العمل وفضله». (٢) ومما يدل على تفاضل الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ما جاءت به النصوص من تفضيل أعمال السر على العلانية، وذلك لما يصحب الأعمال السرية من قوة الإخلاص، والبعد عن الرياء والسمعة، ومصانعة المخلوقين. قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (٣) قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «فيه دلالة على أن إسرار الصدقة، أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة». (٤) وقال ابن القيم ﵀ مبيناً الفوائد من إخفاء الصدقة: «وأما إيتاؤها الفقراء، ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامتِه مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن هذه هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة، وطلب المحمدة من الناس». (٥) ومما جاء في فضل إخفاء الصدقة من السنة حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ

стр. 48

قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله» وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». (١) قال أبو العباس القرطبي في شرحه: «هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس، وأكثر العلماء، وهو حض على الإخلاص في الأعمال، والتستر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية». (٢) وقال النووي ﵀: «وفي هذا الحديث فضل صدقة السر، قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع؛ فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل». (٣) فدلت النصوص على فضل إخفاء الصدقة، وذلك لما في إخفائها من قوة الإخلاص والبعد عن الرياء كما نص على ذلك العلماء، فتضمن ذلك تفاضل الأعمال بحسب شدة الإخلاص وقوته. والترغيب في إخفاء الصدقة في النصوص محمول على صدقة التطوع، أما الزكاة فإظهارها أفضل، كما تقدم في كلام الإمامين القرطبي والنووي، وهو قول ابن عباس وعليه أكثر أهل العلم بل نقل الطبري وغيره الإجماع على ذلك. (٤) وقد ذهب بعض العلماء إلى طرد هذا الحكم في كل أعمال البر، وأن الأفضل في

стр. 49

واجباتها الإظهار، وفي نوافلها الإسرار، كما قرر هذا كل من القاضي عياض والقرطبي والنووي (١) رحمهم الله تعالى. قلت: ويشهد لهذا فعل السلف؛ فإنهم كانوا يجتهدون في إخفاء أعمالهم ما أمكنهم ذلك، وذلك لما تقرر عندهما في إخفائها من كمال الإخلاص وعظم الأجر. عن إبراهيم النخعي قال: «إن كانوا ليكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده». (٢) وعن الحسن البصري أنه قال: «إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا .. ». (٣) وعن الأعمش قال: «بكى حذيفة في صلاته فلما فرغ التفت، فإذا رجل خلفه فقال: لا تعلمن بهذا أحدا». (٤) وعن محمد بن واسع قال: «كان الرجل ليبكي عشرين سنة، ومعه امرأته لا تعلم به». (٥) وعن بسطام بن حريث (٦) قال: «كان أيوب يرق، فيستدمع فيحب أن يخفي ذلك

стр. 50

على أصحابه فيمسك على أنفه، كأنه رجل مزكوم، فإذا خشي أن تغلب عبرته قام». (١) والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف. ومما يدل على تفاضل الأعمال بالإخلاص والنية الصالحة، أن العامل إن نوى الخير ثم عجز عنه، أو عن إكماله، لموت أو عذر، كُتِب له أجر العامل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين وقد دلت عليه كثير من النصوص. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. (٢) قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «أي ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر». (٣) وذكر الطبري أن هذه الآية نزلت في ضمرة بن العيص الخزاعي لما أُمروا بالهجرة كان مريضا، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله ﷺ ، ففعلوا فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية. (٤) وفي معنى هذه الآية ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في رجوعه من غزوة تبوك: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر». (٥) قال ابن بطال: «هذا يدل أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته فيها أنه

стр. 51

يكتب له أجر العامل فيها». (١) وقال النووي: «وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه». (٢) قلت: ولا شك أن هؤلاء القاعدين بسبب العذر، ما بلغوا ما بلغوا من الأجر ومشاركة المجاهدين في جهادهم إلا لقوة الإخلاص، وعظم النية في قلوبهم، ومما يدل على هذا وصف الله تعالى لبعض هؤلاء عند تأخرهم عن الخروج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بسبب عدم النفقة بقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. (٣) فوصفهم بدمع العين، وحزن القلب على التخلف عن رسول الله، ﷺ وهذا لا يحصل إلا مع قوة الإخلاص، وصدق النية في الخروج للجهاد، وفيه دلالة ظاهرة على تفاضل الأعمال بحسب الإخلاص وصدق النية. وبهذا العرض للنصوص المفسرة بكلام أهل العلم، يتم تقرير هذه المسألة وهو أثر قوة الإخلاص في تفضيل العمل عند الله وزيادة أجره. والله تعالى أعلم.

стр. 52

الفصل الرابع: تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها. حقيقة المتابعة في العمل: هي امتثال هدي النبي ﷺ فيه، وتأديته على الوجه المشروع الذي كان عليه النبي ﷺ . وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: «أن يُفْعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل» (١). وهذا يعني أن المتابعة للنبي ﷺ في عمل لابد أن يتحقق فيها أمران: الأول: الموافقة للنبي ﷺ في الفعل بأن يكون مثل فعل النبي ﷺ . الثاني: الموافقة له ﷺ في القصد بأن يكون على وجه التعبد، ويخرج من هذا ما فعله النبي ﷺ على غير وجه التعبد وإنما بحكم العادة فمن فعل ذلك على وجه التعبد، لم يكن متابعاً للنبي ﷺ فيه، وكذلك العكس، وهو أن يفعل النبي ﷺ الفعل بنية التعبد، فيصدر مثل هذا الفعل من شخص، لكن بغير نية التعبد، كمن توضأ بنية التنظف فليس في هذا العمل متابعة للنبي ﷺ في المقصد، ولهذا لا تقبل العبادات إلا بنية التعبد. ومقصود البحث هنا بيان أثر المتابعة للنبي ﷺ في المفاضلة بين الأعمال، ويمكن تقسيم المتابعة باعتبار تأثيرها في العمل ومضاعفة ثوابه إلى قسمين: متابعة خاصة، ومتابعة عامة. أما المتابعة الخاصة: فهي المتابعة للنبي ﷺ في عمل مخصوص وهو على درجتين.

стр. 53

الدرجة الأولى: متابعة واجبة وهي المتابعة للنبي ﷺ في أصل مشروعية العمل، وتحقق شروطه، وأركانه، وواجباته التي لا يصح إلا بها، وهذا القسم مؤثر في أصل قبول العمل فإن تحققت فيه المتابعة وإلا رُدَّ، كمن تقرب إلى الله بما لم يشرعه أصلاً، أو يكون مشروعاً: كالصلاة، أو الصيام، أو الحج، لكن يخل العامل ببعض شروط صحته، أو أركانه، أو واجباته، فهذا العمل مردود من أصله غير مقبول عند الله لفقده المتابعة لهدي النبي ﷺ . وعلى هذا دل قول النبي ﷺ على ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد». (١) وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». (٢) قال الحافظ ابن رجب في شرح الحديث: «والأعمال قسمان عبادات ومعاملات: فأما العبادات فما كان منها خارجاً عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله … وأما من عمل عملاً أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضاً مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به … فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل، أو شروطه، موجباً لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة في الصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع، أو بالسجود، أو بالطمأنينة فهذا عمله مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضاً». (٣) الدرجة الثانية: متابعة في كمال العمل وهي المتابعة للنبي ﷺ في هديه الكامل في هذا العمل، والاجتهاد في الإتيان به على أكمل ما يكون، من غير نقص فيه بوجه من الوجوه، ويتطلب هذا تحقيق عدة جوانب في العمل:

стр. 54

الجانب الأول: الإتيان بالسنن والمستحبات التي تصحب العمل، فإنه ما من عمل من الأعمال الصالحة، إلا وقد شرع فيه من السنن والمستحبات ما يزكو به ويفضل وذلك كالإسباغ في الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وتخليل الأصابع، واللحية، والأذكار المشروعة بعده (١)، وكدعاء الاستفتاح في الصلاة، والزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وفي مواطن الرفع، وكالأدعية والأذكار المسنونة في الصلاة (٢) وكالتلبية في الحج، والمبيت بمنى ليلة التاسع، وكاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني في الطواف، والطهارة في السعي والدعاء فيه (٣) وغير ذلك من السنن في العبادات وهي كثيرة ويطول التفصيل فيها. فالمتابعة في الإتيان بالسنن في العبادات، مما يكمل به العمل ويفضل على غيره من الأعمال التي لم تتحقق فيها السنن فالوضوء المستوفي السنن، أفضل من الوضوء الذي لم تتحقق فيه وكذا القول في الصلاة، والصوم، والحج، وسائر العبادات، ما تحققت فيه السنن منها أفضل من الذي لم تتحقق فيه. وقد دل على ذلك كثير من الأدلة فمن ذلك حديث عثمان بن عفان ﵁: «أنه دعا بإناء فافرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». (٤)

стр. 55

فدل هذا الحديث على حصول هذا الثواب العظيم، لمن توضأ نحو وضوء رسول الله ﷺ المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة في الحديث، ومعلوم أن الوضوء المذكور متضمن لبعض السنن التي ليست من فروض الوضوء، كالغسلتين الثانية، والثالثة، والإسباغ في الوضوء، وكذلك الصلاة المذكورة، وهي التي لا يحدث المصلى فيها نفسه، فهي درجة عالية من الخشوع، وحضور القلب، وتصح الصلاة الواجبة بدون هذا، ومع وجود حديث النفس، وإن كان ينقص ذلك من ثوابها. نقل ابن بطال ﵀ عن بعض أهل العلم: «وأما من وسوس له الشيطان، وحدث نفسه في صلاته بأشياء دون قصد منه لذلك، فإنه يرجى أن تقبل صلاته ولا تبطل، وتكون دون صلاة الذي لم يحدث نفسه». (١) والمقصود هنا أن ذلك الثواب العظيم، لمن توضأ نحو الوضوء المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة، حصل بسبب ما تحقق في هذين العملين من السنن الزائدة على الفرض ولهذا تميز الثواب بتميز العمل قال الإمام الطحاوي ﵀: «في هذه الأحاديث دليل أن المفترض من الوضوء هو مرة مرة، وما زاد على ذلك فهو لإصابة الفضل لا الفرض». (٢) وقال ابن دقيق العيد ﵀: «والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم رفع العسر عنه». (٣) ومما يدل أيضا على فضل الأعمال باعتبار ما يصحبها من السنن ما أخرجه البخاري من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا يغتسل رجل

стр. 56

يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (١) فرتب الأجر، وهو مغفرة الذنوب إلى الجمعة الأخرى، على مجموع ما ذُكِر، قال ابن حجر في شرح الحديث: «وتبين بمجموع ما ذكرنا أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة، مشروط بوجود جميع ما تقدم، من غسل وتنظيف، وتطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي، والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفل والإنصات وترك اللغو». (٢) ومعلوم أن بعض ما ذكر هي من السنن لا الواجبات قطعاً، كالدهن والطيب، فإن العلماء مجمعون على أنهما غير واجبين، كما نقل الإجماع على ذلك ابن بطال نقلا عن الطبري والطحاوي. (٣) وكذلك التنفل قبل الصلاة ظاهر عدم وجوبه، وأما الغسل فاختلف أهل العلم في وجوبه من عدمه، والذي عليه جمهور أهل العلم، أنه مندوب وليس بواجب. (٤) وعلى كل حال فالثواب في الحديث قد ترتب على فعل الواجب، مع بعض المستحبات، فدلّ ذلك على أن الأعمال الواجبة المفترضة تشرف بما يقارنها من السنن والمستحبات، على ما جاء مجرداً منها، والأدلة على هذه المسألة كثيرة في الشرع وإنما ذكرت هنا ما يستدل به، والله أعلم. والجانب الثاني: تنزيه العمل من الذنوب والمعاصي.

стр. 57

فالأعمال الصالحة يعظم أجرها بتنزيهها من الذنوب التي تنقص من أجرها إذا ما خالطتها وقد دلت على ذلك الأدلة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ • قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. (١) فدلت هذه الآيات من سورة البقرة على تأثير الذنوب إذا صاحبت العمل في النقص من ثوابه، وأجره عند الله. ففي الآية الأولى: أخبر أن الأجر عند الله يستحقه من خلت صدقته من المن والأذى، قال ابن جرير ﵀: «أوجب الأجر لمن كان غير مانٍّ، ولا مؤذٍ من أنفق عليه في سبيل الله» (٢) فدلت الآية على فضل الصدقة السالمة من المنّ والأذى على التي صاحباها، دلالة بينة ظاهرة حيث رتب الأجر والمثوبة على الصدقة الخالية من المن والأذى دون تلك. وفي الآية الثانية: يخبر الله تعالى أن ﴿قول معروف﴾: من كلمة طيبة، ودعاء المسلم ﴿ومغفرة﴾: من عفو عن ظلم، خير من صدقة يتبعها أذى (٣)، فدلت الآية على أن العمل الصالح الخالي من الإثم وإن كان مفضولاً من حيث جنسه أفضلُ من العمل الصالح المصاحب للإثم وإن كان فاضلاً. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير الآية: «ذكر الله أربع مراتب

стр. 58

للإحسان: المرتبة العليا النفقة الصادرة عن نية صالحة، ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى. ثم يليها قول المعروف وهو الإحسان القولي، بجميع وجوهه الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئاً، وغير ذلك من أقوال المعروف. والثالثة: الإحسان بالعفو والمغفرة، عمن أساء إليك بقول أو فعل، وهذان أفضل من الرابعة وخير منها، وهي التي يُتْبِعُهَا المتصدقُ الأذى للمعطي؛ لأنه كدّر إحسانه وفعل خيراً وشراً، فالخير المحض، وإن كان مفضولاً خير من الخير الذي يخالطه شر وإن كان فاضلاً». (١) وفي الآية الثالثة: نهى الله جلّ وعلا عباده عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى، وشبه هذا بحال من ينفق ما له مراءاة للناس، فدلت الآية على إبطال المن والأذى لأجر الصدقة بالكلية وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين: قال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «يقول لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله» (٢) وقال القرطبي: «عبر عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي لا غيرها». (٣) وقال ابن كثير: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما تبعها من المن والأذى، فما بقي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى». (٤) وبنحو هذا قال جمع من المفسرين المتأخرين في تفسيرهم للآية: (٥)

стр. 59

ووجه الدلالة من هذه الآية لموضوعنا: أنه إذا ثبت تأثير هذه المعصية المخصوصة في إبطال أجر هذه الطاعة هنا وهي الصدقة أرشد ذلك إلى تأثير جنس المعصية، في جنس الطاعة في النقص من أجرها من باب أولى. فدلت كل واحدة من الآيات الثلاث، على أثر تنزه الأعمال الصالحة من الذنوب والخطايا، على كمال أجرها وثوابها عند الله. ومما جاء في هذا المعنى من السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (١) فدل الحديث على انتقاص أجر الصوم بقول الزور والعمل به، بل ظاهر الحديث يدل على بطلانه به (٢). قال المهلب: «فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه، وتعرض لسخط ربه، وتَرْكِ قبوله منه». (٣) وقال ابن حجر: «واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم». (٤) ونقل عن السبكي أن «مقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص». (٥) وقال ابن رجب معللاً نقص الصيام بذلك «وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى

стр. 60

بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئاً عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته». (١) ومما ورد صريحاً في السنة في بيان تفاضل الأعمال الصالحة بسبب تنزهها من الذنوب، ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق (٢) رجع كيوم ولدته أمه». (٣) فدل الحديث على فضل الحج الذي خلا من الرفث والفسوق على غيره، وأن هذا الثواب إنما استحقه من سلم حجه من ذلك. قال ابن رجب ﵀: «مما يكمل به برّ الحج، اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث، والفسوق، والمعاصي». (٤) فتقرر بهذا أثر تنزه الأعمال الصالحة، من مخالطة الذنوب والمعاصي في كمال أجرها، وزيادة فضلها عند الله، وانتقاص ذلك بوجودها، كما دلت على ذلك النصوص وتقريرات أهل العلم. إذا ثبت هذا فهل تبطل المعاصي أجر العمل إذا خالطته، أم تنقص من ثوابه فقط. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف العلماء في ذلك على قولين: فمن قائل بالإبطال، ومن قائل بعدمه.

стр. 61

قال ﵀: «فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها، وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى السنة، منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص مثل قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ واَلأَذَى﴾. (١) الآية، دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة: (أبلغي زيداً أن جهاده بطل) (٢) الحديث». (٣) وذكر في موضع آخر أن القول بالإبطال هو قول الأكثر من أهل السنة: قال: «الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات، ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة». (٤) وحكى ابن القيم الإجماع على هذا القول في معرض حديثه عن التوبة قال: «فإذا استقرت قاعدة الشريعة، أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع، ومنها ما يحبطها بالنص، جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة». (٥) وذهب ابن رجب إلى التفصيل، في هذا: فذكر أن العمل يبطل بارتكاب ما نهى عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهى عنه لغير معنى يختص به قال: وهذا هو أصل جمهور العلماء. (٦) الجانب الثالث: إيقاع العبادات في أفضل أوقاتها. فقد جاءت الشريعة بتحديد أوقات كثير من العبادات، وهذه الأوقات إما أوقات وجوب لا تصح العبادة إلا فيها، وإما أوقات فضيلة تشرف العبادة فيها

стр. 62

على ما أُدى في غيرها من الأوقات. والحديث هنا هو عن أوقات الفضيلة التي يشرف بها العمل ويكمل، دون أوقات الوجوب، فالحديث عنها متعلق بالدرجة الأولى، من درجات المتابعة الخاصة وهي المتابعة الواجبة، فإن تأدية العمل في وقته الواجب واجب مندرج تحت تلك المرتبة لا ما نحن بصدده هنا، من عرض جوانب المتابعة المستحبة الكاملة. إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الأوقات الفاضلة للأعمال في الشرع على قسمين بحسب انقسام الأعمال إلى فرائض ونوافل: فالقسم الأول: أوقات فضيلة للفرائض: وهي الأوقات الفاضلة لتأدية الفرائض، كالأوقات الفاضلة لتأدية الصلوات الخمس، وهي أوائل الأوقات من أوقات الصلوات، إلا العشاء فتأخيرها أفضل (١)، وكذا الظهر في شدة الحر فيستحب تأخيرها والإبراد بها، كما هو ثابت في السنة. (٢) وكالوقت الفاضل للإمساك والفطر في الصوم، وهو تأخير الإمساك وتعجيل الفطر، إلى غير ذلك من الأوقات الفاضلة لأداء الواجبات، مما هو مفصل في الفقه، فتأدية الواجبات في أوقاتها الفاضلة أكمل من تأديتها في غيرها، وبذلك يعظم أجرها وثوابها عند الله، كما دلت على ذلك النصوص. فعن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل: قال: «الصلاة على ميقاتها … ». (٣) الحديث فقد فهم بعض أهل العلم من قوله ﷺ (على ميقاتها) أن المقصود من ذلك

стр. 63

أول الوقت، قال ابن بطال: «فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما اشترط فيها؛ أن تكون أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب الفاضل» (١) وقال بعض العلماء في توجيه الاستدلال بهذا الحديث على ماتقدم: «إن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت». (٢) ومن الأدلة الظاهرة على فضيلة أداء الصلوات في أول الوقت، أداء النبي ﷺ لها في أول الوقت كما هو ثابت في السنة. فعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عَّجَّل، وإذا رآهم أبطئوا أَخَّر والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس». (٣) وأما زكاة الفطر فدل على فضيلة أدائها قبل صلاة العيد، ما أخرجه أبو داود وغيره، من حديث ابن عباس ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصّدقات» (٤) فدل الحديث على فضل تأدية زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، من غير خلاف يذكر، لنص الحديث على هذا، وإن تنازعوا في إخراجها بعد صلاة العيد هل هو مجزئ مع ترك الفضيلة أم لا يجزئ. (٥)

стр. 64

وأما تأخير السحور فدل على فضله حديث أنس عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية». (١) قال ابن بطال في شرح الحديث قال مهلب: «هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم». (٢) وبه استدل البغوي على فضل تأخير السحور قال: «واستحب أهل العلم تأخير السحور .. ». (٣) ثم ساق الحديث. وأما فضل تعجيل الفطر فدل عليه حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». (٤) قال البغوي ﵀: بعد إيراده الحديث: «والعمل على هذا عند أهل العلم، استحبوا تعجيل الفطر، بعدما تيقن غروب الشمس». (٥) فدل الحديث على استحباب تأخير السحور وتعجيل الفطر. وقد نص على هذا الأئمة المحققون، وأنه هو الذي عليه هدي النبي ﷺ وسنته الثابتة: قال عبد الكريم بن أبي مخارق: «من عمل النبوة تعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور». (٦) وقال ابن عبد البر: «من السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور». (٧)

стр. 65

وقال ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ : «وكان يعجل الفطر، ويحض عليه، ويتسحر ويحث على السحور ويؤخره، ويرغب في تأخيره». (١) وإذا ثبت هذا تبين فضل الصيام الذي تحقق فيه تأخير السحور، وتعجيل الفطر، على الصيام الذي لم يتحقق فيه ذلك. وبهذا يظهر فضل تأدية العبادات الواجبة في أوقاتها الفاضلة، على تأديتها في غير تلك الأوقات. ولهذا عني الفقهاء ﵏ في مباحث مواقيت العبادات ببيان أوقات الفضيلة والإجزاء للعبادات، تنبيهاً لهذا الأمر، وترغيباً للناس في إدراك الفضل. قال ابن قدامة ﵀: «الأوقات ثلاثة أضرب: وقت فضيلة: وجواز، وضرورة». (٢) وقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن للصلوات أوقاتاً خمسة وهي شرط في صحة الصلاة وأن فيها أوقات فضيلة وأوقات توسعة». (٣) وقال النووي في شرح حديث بريدة (٤) «وفيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار». (٥) وكلامهم في هذا يطول جداً وإنما ذكرت هنا شيئاً يستأنس به.

стр. 66

القسم الثاني: أوقات فضيلة للنوافل. ومبنى هذا القسم أن نوافل العبادات أجناس متعددة، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والقراءة، والذكر، والدعاء، إلى غير ذلك من أنواع النوافل، ولكل جنس من هذه الأجناس وقت فضيلة يفضل فيه هذا العمل على غيره من الأعمال. وبيان هذا على وجه التفصيل أن نوافل العبادات بحسب ما تؤدى فيه من الأوقات على نوعين: النوع الأول: ما كان مقيداً بوقت مخصوص، أو حال مخصوصة. ومن ذلك: قيام الليل، وصلاة الوتر، فهما مقيدان بما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر على المشهور (١) والسنن الراتبة التي تؤدى قبل الصلوات أو بعدها مقيدة بأوقاتها المخصوصة. (٢) وصلاة الضحى مقيدة بوقتها، وهو من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال. (٣) وأذكار الصباح والمساء مقيدة بوقتي الصباح والمساء، منها ما هو مقيد بطلوع الشمس وغروبها، ومنها ما هو مقيد بعدم انصرافه وثني قدميه من صلاة الصبح والمغرب (٤)، وما عدا ذلك من النوافل المقيدة بأوقات مخصوصة. وكذلك ما كان مقيداً بحال مخصوصة كأذكار النوم، والأكل والشرب، وأذكار اللباس، والخلاء، ودخول المنزل والمسجد والخروج منهما، وأذكار

стр. 67

الوضوء ومتابعة المؤذن، وأذكار ركوب الدابة، وأذكار السفر، وتشميت العاطس، والسلام على المسلمين والرد عليهم، إلى غير ذلك من الأذكار المخصوصة مما هو مبسوط في كتب الأذكار. (١) وأفضل الأعمال في هذه الأوقات والأحوال هو الاشتغال بالمشروع فيها، دون الاشتغال بغيرها من الأعمال المطلقة التي لا تقيد بوقت، أو حال. وذلك لأن العمل المقيد بوقت يفوت بخروج وقته، وانقضاء أجله، بخلاف الأعمال المطلقة فيمكن أداؤها فيما عدا ذلك من الأوقات. قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر اختلاف الناس في المفاضلة بين الأعمال: «الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل في مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته». (٢) وقال أيضا: «فالفضل في كل وقت: إثبات مرضاة الله في ذلك الوقت والحال. والاستقلال بواجب ذلك الوقت، ووظيفته، ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد». (٣) النوع الثاني: ما ورد الترغيب في أدائه في بعض الأوقات على سبيل الاستحباب، ويدخل في هذا بعض الأعمال الصالحة التي جاءت النصوص بالترغيب فيها في بعض الأوقات، وإن كانت مشروعة في غير تلك الأوقات، لكن أداءها في الأوقات المرغب فيها أفضل. ومن ذلك الصلاة المطلقة فهي في الليل أفضل منها في النهار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٤).

стр. 68

قال الضحاك في قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾: «قراءة القرآن بالليل أثبت منه بالنهار وأشد مواطأة بالليل منه بالنهار». (١) وقال الطبري: «ناشئة الليل أشد ثباتاً من النهار وأثبت في القلب، وذلك أن العمل بالليل أثبت منه بالنهار». (٢) وقال ابن كثير: «أي أجمع للخاطر في أداء القراءة، وتفهمها، من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش». (٣) وقد دلت على هذا أقوال الصحابة ﵃: فعن ابن مسعود ﵁: «فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر، على صدقة العلانية». (٤) وقال عمرو بن العاص ﵁: «ركعة بالليل، خير من عشر بالنهار». (٥) قال ابن رجب ﵀: «وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار، لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص». (٦) ومما يدخل في هذا الباب الاستغفار في السحر، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾. (٨) قال ابن كثير ﵀ «دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٩)، أنه أخرهم إلى

стр. 69

وقت السحر». (١) ومنه الذكر طرفي النهار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٢)، وقال : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (٣) وقال جلا وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأخرج الإمام أبو داود من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة». (٥) فدلت النصوص على أن هذين الوقتين هما أفضل الأوقات للذكر وبهذا صرح أهل العلم: قال الإمام النووي: «اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح». (٦) وقال الحافظ ابن رجب: «ويستحب أيضاً الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر، والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وهذان الوقتان أعني: الفجر، والعصر، هما أفضل أوقات النهار للذكر». (٧) ومما ورد الترغيب فيه في بعض الأوقات الدعاء. فإنه يفضل في أوقات إجابة

стр. 70

الدعاء، ومن ذلك: وقت السحر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حتى يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (١) وساعة الاستجابة من يوم الجمعة لقول ﷺ في يوم الجمعة «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه» (٢)، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً (٣) أصحها قولان: الأول: هي ما بين جلوس الإمام على المنبر، إلى الفراغ من الصلاة. الثاني: هي ما بعد صلاة العصر، إلى الغروب. (٤) ويوم عرفة لقول النبي ﷺ «خير الدعاء دعاء يوم عرفة … ». (٥) قال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره. وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب». (٦) وما بين الأذان والإقامة لقوله ﷺ «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». (٧) ومما جاء الترغيب فيه أيضاً في بعض الأوقات صيام بعض الأيام: كيوم

стр. 71

عرفة، وعاشوراء، والأيام البيض من كل شهر، والاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام ستة أيام من شوال، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ (١) وكذلك صيام محرم وقد ثبت أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، لما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم … ». (٢) قال ابن رجب ﵀: «وهذا الحديث صريح، في أن أفضل ما تُطُوِعَ به من الصيام بعد رمضان، صوم شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا، بعد رمضان، فأما بعض التطوع ببعض الشهر، فقد يكون أفضل من بعض أيامه، كصيام يوم عرفة، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك». (٣) ومما رغب فيه من الأعمال أيضاً في بعض الأوقات العمرة في رمضان لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لأم سنان الأنصاري: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». (٤) وفي رواية: «تعدل حجة». (٥) فالتقرب إلى الله بهذه الأعمال في أوقاتها الفاضلة أفضل من التقرب بها في غيرها من الأوقات، وإن كان المتقرب بها في غير أوقاتها الفاضلة مأجور على عمله، لم يخرج عن السنة، لأن هذه العبادات مطلقة، بخلاف القسم الأول فإن العبادات فيه مقيدة بأوقات مخصوصة لا تخرج عن وقتها إلا لعذر، فتؤدى على سبيل القضاء، كقضاء صلاة الليل والوتر في النهار، لمن عرض له عارض في الليل من نوم أو مرض، فينبغي التنبه لهذا الفرق بين القسمين.

стр. 72

ثم هاهنا مسألة متعلقة بهذا القسم، وهي: هل الأفضل في هذه الأوقات، الاشتغال بهذه الأعمال واستغراق الوقت فيها، وتقديمها على غيرها من الأعمال الأخرى التي قد تكون أفضل منها باعتبار الجنس؟ أما أن الأفضل هو الاشتغال بما هو أفضل منها باعتبار الجنس؟. الذي يظهر أن الأعمال المذكورة وأوقاتها المرغب فيها ليست على باب واحد بل تتنزل على عدة صور: الصورة الأولى: أن لا يتعارض العمل المرغب فيه، ولا يضيق وقته الفاضل عن عمل آخر: مثل الصيام فإنه لا يتعارض مع عمل آخر من صلاة، وقراءة، وذكر، وغيرها من أعمال البر، ولا يضيق وقته وهو مدة النهار، عن الجمع بين تلك الأعمال. ومثل العمرة في رمضان، فإنه يمكن الجمع بين تأديتها وبين أعمال البر الأخرى من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر، كما أن وقتها الفاضل وهو طوال شهر رمضان لا يضيق عن التقرب إلى الله بغيرها من أعمال البر. وفي مثل هذه الصورة لا شك أن الجمع بين هذه الأعمال أفضل من الاقتصار على العمل الفاضل في هذا الوقت، بل جاء الترغيب في ذلك من النبي ﷺ : ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (١) وهذا في حق من استطاع الجمع بين هذه الأعمال، أما من عجز عن ذلك ولم

стр. 73

يقدر إلا على بعضها أو أحدها، فحكمه حكم من تعارض عنده العملان، على ما سيأتي بيانه في الصورة الثانية: الصورة الثانية: أن يتعارض العمل المرغب فيه، ويضيق وقته عن عمل آخر، مثل الذكر طرفي النهار، وعلى وجه الخصوص ما رُغب فيه قبل الشروق والغروب، فإن الذكر يتعارض مع أعمال اللسان الأخرى كقراءة، ودعاء، وتعليم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر باللسان، كما أن الانشغال بغيره من أعمال الجوارح، من اتباع جنازة، وعيادة مريض، وقضاء حوائج المسلمين مظنة النقص من كماله لانشغال القلب بغيره، وإن كان اللسان ذاكراً. وكذا الدعاء في ساعة الجمعة، خصوصاً عند من يرى أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر حتى ينصرف، فالقول فيها وفي وقتها، كالقول في الذكر ووقته بل إن وقتها أضيق كما لا يخفى. ففي مثل هذه الصورة لابد من الترجيح بين الأعمال، والاشتغال بما هو أفضل. ثم ينظر هل يقدم العمل المرغب فيه في هذا الوقت، كالذكر، والدعاء، أم يقدم الأفضل باعتبار الجنس كالقراءة مثلاً؟. قال الحافظ ابن رجب: «من أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن، وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ». (١) قلت: وهذا هو الظاهر من السنة، فإن المنقول عن النبي ﷺ من الأذكار في طرفي النهار، مما كان يقوله ويرغب فيه شيء كثير، وهذا بلا شك يستغرق وقتاً من أول النهار وآخره، والانشغال بالقراءة أو غيرها يقطع عنه.

стр. 74

وبهذا يظهر أن الاشتغال بوظائف الأوقات مقدم على غيره، وإن كان الغير أفضل باعتبار الجنس. الصورة الثالثة: أن يتعارض العمل المرغب فيه مع عمل آخر، ولا يضيق وقته الفاضل عن غيره، مثل الصلاة فإنها تتعارض مع غيرها من الأعمال، فلا يمكن الجمع بينها وبين عمل آخر في وقت واحد، وإن كان الوقت الفاضل لأدائها، وهو الليل لا يضيق عن غيرها، بل يبقى متسع من الوقت في التقرب إلى الله بغيرها من قراءة، وذكر، واستغفار، وتعلم، وتعليم، وقضاء حوائج المسلمين. وهذه الصورة تأخذ حكم الصورة الأولى، في أن الأفضل هو الاشتغال بما أمكن من أعمال الطاعات مع تأدية العمل المفضل في هذا الوقت، ما دام الجمع ممكناً. وهذا هو الموافق لهدي النبي ﷺ إن شاء الله فقد كان يقوم من الليل ما شاء. ولربما عاد أهل البقيع، واستغفر لهم في بعض الليالي، كما في حديث عائشة وقصة خروجه من بيتها ليلاً، وفي رواية: أنه يفعل ذلك في كل ليلة يبيت عندها (١)، كما أنه كان أحياناً يسمر مع أبي بكر وعمر في بعض أمور المسلمين. (٢) وبهذا العرض المفصل يظهر فضل إيقاع العبادات في أوقاتها الفاضلة، على ما تم أداؤه في غيرها من الأوقات الأخرى، وبمراعاة هذا الجانب مع الجانبين السابقين وهما: المحافظة على السنن والمستحبات المشروعة في العمل، وتنزيه العمل في العبادات من الذنوب والمعاصي تتحقق المتابعة في كمال العمل. ومن خلال هذا كله تتبين حقيقة المتابعة الخاصة بدرجتيها: - درجة المتابعة الواجبة المؤثر في قبول العمل.

стр. 75

- ودرجة المتابعة الكاملة المستحبة المؤثرة في كمال العمل وفضله. على ما تم عرضه وبيانه من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك. وأما المتابعة العامة: فهي المتابعة الكاملة لهدي النبي ﷺ العام في كل أحواله، وبابها واسع جداً يصعب في هذا المقام حصره، وحقيقتها امتثال الشرع كله، ولا سبيل لتحقيقها إلا بكمال الفقه في الدين، وقوة العزيمة على العمل، مع توفيق الله للعبد وإعانته، وليس لمثلي من أهل التفريط والنقص، الحديث عن هذه الدرجة العالية الرفيعة، لولا أن البحث قادني إليها، ولذا فإني أذكر الأصول العامة التي عليها مدار هذه الدرجة بحسب ما وقفت عليه من النصوص، وكلام أهل العلم فيها، وأما تفاصيل جزئياتها: فالمرجع فيه العلماء العاملون، والفقهاء الراسخون، والعباد المثابرون الذين ذاقوا حلاوتها، ونقلهم الله إلى أعتاب مرتبتها. فأقول مستعيناً بالله إن مدار هذه الدرجة على عدة أصول: الأصل الأول: المتابعة للنبي ﷺ في الشمول في العبادة، بحيث لا يشتغل بنوع دون آخر، بل يجمع بين كل أنواع العبادات، ويضرب بسهم مع كل طائفة من أصحاب الطاعات. وجماع ذلك التقرب إلى الله تعالى بكل شعب الإيمان القلبية، والعملية، والقولية، وهي بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. (١) قال ابن القيم ﵀ في وصف حال المتعبدين التعبد المطلق: «وصاحب
следующие страницы →