Полный текст (126 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
مقدِّمة الشارح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... وبعد:-
فقد منّ الله ـ جلّ وعلا ـ ووفق لشرح (المنظومة البيقونيّة) ، ضمن الدورة التي نظمها مكتب الدعوة والإرشاد في محافظة الزلفي لعام ١٤٢٩هـ.
في مسجد " بن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ "، وقد شُرحت في أحد عشر مجلساً، وقد كانت إملاءً، فرغب الأخ / عبد العزيز المسعود، بكتابتها وإخراجها لينتفع بها ـ إن كان فيها من فائدة ـ، وقد اقترح تسميتها بـ " الكواكب الدرّية على المنظومة البيقونيّة ".
هذا وأسأل الله أن يجعل فيها خيراً، ومن رأى فيها خللاً أو خطأً فليصلحه ويقوّمه، والله يجزيه الجزاء الأوفى.
وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
مقدِّمة المعتني بالشرح
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا الحكمة والقرآن، وجعل ديننا من خير الأديان، فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، أحمده حمداً لست أحصي له عدّاً هو كما أثنى على نفسه.
لك الحمد مولانا على كل نعمة ... ومن جملة النعماء قولي لك الحمد
فلا حمد إلا أن تمن بنعمة ... فسبحانك لا يقوى على حمدك العبد
والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على من بعثه الله رحمة للعالمين، هادياً وبشيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. ... وبعد:
فإليك أخي القارئ، " الكواكب الدرّية على المنظومة البيقونية "، وهي شرحٌ لشيخنا الفاضل / سليمان بن خالد الحربي، حفظه الله، وجعل الجنّة مثواه، وسدّده في دنياه وأخرآه.
رأيت إخراجه إلى النور ليستفيد منه القراء، بعد أخذ الأذن منه، لعلّه أن يكون أساساً وسلّماً يرتقي من خلاله طالب العلم لعلم المصطلح، ومما يمتاز به شرح شيخنا التحرير في المسائل، وقد جاء على وفق منهج المتقدمين وتحريرات المتأخرين.
стр. 2
فاستعنت بالله على إخراجه، فأعان وأتم، وقد رغب بعض الأفاضل في إخراجه مبكراً، لينتفع به القراء في هذه الإجازة، وإلا فإن رغبتي في إخراجه أفضل مما هو عليه الآن في عزو المسائل والأقوال وغير ذلك من التحرير والتدقيق، فإن كان من صواب فمن الله وحده فله الحمد أولاً وآخراً، وقد تجد أخي القارئ بين ثنايا السطور أخطاءً، إما مطبعيّة أو غيرها، فلا غرو إذ الأصل فيمن خلق من عجل الخطأ والزلل.
إن تجد عيباً فسد الخللا ... جلّ من لا عيب فيه وعلا
واللهَ أسأل أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصاً لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
متن المنظومة البيقونية
(بسم الله الرحمن الرحيم)
أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّياً على ... مُحمَّدٍ خَيِر نبيْ أُرسلا
وذِي مِنَ أقسَامِ الحديث عدَّة ... وكُلُّ واحدٍ أتى وحدَّه
أوَّلُها "الصحيحُ" وهوَ ما اتَّصَلْ ... إسنادُهُ ولْم يَشُِذّ أو يُعلّ
يَرْويهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلهِ
وَ"الَحسَنُ" الَمعْرُوفُ طُرْقاً وغَدَتْ ... رِجَالُهُ لا كالصّحيحِ اشْتَهَرَتْ
وكُلُّ ما عَنْ رُتبةِ الُحسْنِ قَصُر ... فَهْوَ"الضعيفُ"وهوَ أقْسَاماً كُثُرْ
وما أُضيفَ للنبي " الَمرْفوعُ " ... وما لتَابِعٍ هُوَ " المقْطوعُ "
وَ"الُمسْنَدُ" الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاويهِ حتَّى الُمصْطفى ولْم يَبنْ
ومَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِل ... إسْنَادُهُ للمُصْطَفى فَ"الُمتَّصلْ"
"مُسَلْسَلٌ" قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أتَى ... مِثْلُ أمَا والله أنْبأنِي الفتى
كذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قائِماً ... أوْ بَعْدَ أنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا
" عَزيزٌ " مَروِيُّ اثنَيِن أوْ ثَلاثهْ ... "مَشْهورٌ" مَرْوِيُّ فَوْقَ ما ثَلاثهْ
"مَعَنْعَنٌ " كَعَن سَعيدٍ عَنْ كَرَمْ ... "وَمُبهَمٌ " مَا فيهِ رَاوٍ لْم يُسَمْ
стр. 3
وكُلُّ مَا قَلَّت رِجَالُهُ " عَلا " ... وضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قَدْ "نَزَلا "
ومَا أضَفْتَهُ إلى الأصْحَابِ مِن ... قَوْلٍ وفعْلٍ فهْوَ "مَوْقُوفٌ" زُكنْ
"وَمُرْسلٌ " مِنهُ الصَّحَابُّي سَقَطْ ... وقُلْ "غَريبٌ" ما رَوَى رَاوٍ فَقطْ
وكلُّ مَا لْم يَتَّصِلْ بِحَال ... إسْنَادُهُ "مُنْقَطِعُ " الأوْصالِ
"والُمعْضَلُ " السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ومَا أتى "مُدَلَّساً " نَوعانِ
الأوَّل الإسْقاطُ للشَّيخِ وأنْ ... يَنْقُلَ مَّمنْ فَوْقَهُ بعنْ وأنْ
والثَّانِ لا يُسْقِطُهُ لكنْ يَصِفْ ... أوْصَافَهُ بما بهِ لا يَنْعرِفْ
ومَا يَخالِفُ ثِقةٌ فيهِ الَملا ... فالشَّاذُّ والَمقْلوبُ قِسْمَانِ تَلا
إبْدَالُ راوٍ ما بِرَاوٍ قِسْمُ ... وقَلْبُ إسْنَادٍ لمتنٍ قِسمُ
وَ" الفَرَدُ " ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصِر على روايةِ
ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا ... " مُعَلَّلٌ " عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا
وذُو اخْتِلافِ سنَدٍ أو مَتْنٍ ... " مُضْطربٌ " عِنْدَ أهيْلِ الفَنِّ
وَ"الُمدْرَجاتُ" في الحديثِ ما أتَتْ ... مِنْ بَعْضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ
ومَا رَوى كلُّ قَرِينٍ عنْ أخهْ ... " مُدَبَّجٌ" فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخهْ
مُتَّفِقٌ لَفْظاً وخطاً " مُتَّفقْ " ... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا " الُمفْترقْ "
" مُؤْتَلِفٌ " مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ ... وضِدُّهُ "مُختَلِفٌ" فَاخْشَ الغَلَطْ
"والُمنْكَرُ" الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا ... تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا
"مَتُروكُهُ" مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ ... وأجَمعُوا لضَعْفِه فَهُوَ كرَدّ
والكذِبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ... علَى النَّبيِّ فذَلِكَ " الموْضوعُ "
وقَدْ أتَتْ كالَجوْهَرِ المكْنُونِ ... سَمَّيْتُهَا: (مَنْظُومَةَ البَيْقُوني)
فَوْقَ الثَّلاثيَن بأرْبَعٍ أتَت ... أقْسامُهَا ثمَّ بخيٍر خُتِمتْ
شرح المنظومة البيقونيّة
стр. 4
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين
(المنظومة البيقونية)
اعتنى أهل العلم في نظم العلم وتيسيره للطلبة اعتناء شديداً، لأنهم وجدوا أن النظم يسهل التحصيل، ويسرع في فهم الطالب ويكون هذا العلم مستقرا في عقله وذهنه من خلال حفظه لهذه المنظومة، والأمام البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ، لم تسعف التراجم في ترجمة أو التعريف به فلا يكاد يوجد له ترجمة كما هي في تراجم غيره ممن ألف ونظم حتى إنهم ﵏ اختلفوا في اسمه والاختلاف هذا أيضا ليس عن يقين منهم من قال أن اسمه طه بن محمد ومنهم من قال أنه عمر بن محمد، وأنه موجود في القرن الحادي عشر في عام ١٠٨٠هـ، معلومات فقط هكذا، ليس هناك معلومات واضحة عن هذا الإمام وقد اجتهد بعض أهل العلم بقوله، بأن الأمام البيقوني حرص أن يخفي نفسه وألا يعرف بنفسه.
وهذا غير صحيح، وإن ذكره أكابر الشراح إلا أن هذا غير صحيح أن العالم يحاول أن يخفي نفسه فلا يعرف، العلم دين كيف يخفي نفسه؟! ولكن قدر الله جل وعلا هو ألا يوجد له ترجمة وألا يعرّف به وكثير من أهل العلم تراجمهم قليلة فليس هذا مقصد من الإمام البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ أن يخفي نفسه، هذا لا يمكن أن يكون غرضاً لهذا الإمام، ومن أظهر نفسه غير مخالف للإخلاص ليس معنى أن يعرّف نفسه أو يكتب ترجمة أن هذا مخالف للإخلاص كلا بل إنه يظهر نفسه من أجل أن يعرف، ويعرف عمن أخذ العلم، لكن هذا هو قدر الله.
وهذا فيه عدة فوائد نستفيدها من كوننا لا نعرف البيقوني:-
стр. 5
الفائدة الأولى: أن طالب العلم لا يحتقر نفسه ولا عمله، فالإمام البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ ليس له من العلم إلا أنه نظم بضعة وثلاثين بيتا في علم المصطلح، فقيض الله جل وعلا لها انشراح، فالشراح أكثروا من شرحها، سواء من القدماء أو من المعاصرين، لا أكاد أعلم أحد يهتم بعلم الحديث في هذا الوقت المعاصر إلا وشرح هذه المنظومة، أكاد أجزم بهذا الأمر أن كل من يهتم بعلم الحديث أن يكون قد مرّ على هذه المنظومة وشرحها لطلابه وهذا تيسير، فكم من الحسنات تجري لهذا الإمام الذي توفي ولا يعرف فلا يحتقر الإنسان نفسه لا يقول هذا الموضوع فيه عشرات الكتب، فالمنظومات كثيرة في علم المصطلح فالبيقوني لم يحتقر نفسه ولا شك أن عنده الاستطاعة كما في هذا النظم العظيم ومع ذلك انظر كيف طرح الله البركة فيها، فشرحها جمع غفير.
الفائدة الثانية: أن طالب العلم عليه أن ينوع في طريقة إيصال العلم، هذا الإمام البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ نظمه يدل على أنه يستطيع أن يؤلف مسألة حديثيّة وأن يؤلف مسألة فقهية وأن يؤلف مسألة أصولية من ظاهر نظمه.
فعلى طالب العلم أن ينوع، فاختصار الكتب علم، فتأتي إلى كتاب لابن تيمية أو كتاب للشيخ ابن عثيمين أو كتاب للشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمهم الله تعالى ـ أو كتاب للإمام الشافعي أو كتاب للإمام مالك أو أي مؤلف كتب الله له القبول لمؤلِّفه ومؤلَّفه، تأتي إليه فاختصره، كم من كتاب بقي لنا الآن المختصر ولم يبق لنا الأصل.
стр. 6
أرأيتم ذلك المختصِر لكتاب " اختلاف العلماء " للطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ من أعظم كتب الإسلام جاء عالم في القرن الرابع وهو أبو بكر الجصّاص الرّازي ـ رحمه الله تعالى ـ فاختصره، فلو أنه قال لنفسه وماذا يفيد اختصاري والناس تريد المطولات، فقد ضاع الكتاب الأصل، ولا يعرف ولا توجد له مخطوطة سنين طويلة، ولم يتناقل إلا هذا المختصَر فهذا شرف لهذا المختصر ويجري له حسنات كما يجري لصاحب الأصل، والأشبيلي اختصر كتاب الخلافيات للإمام البيهقي، ولم يوجد منه إلا قطعة قليلة بعض أحكام العبادات، والأصل ضاع، فجاء الإشبيلي واختصر هذا الأصل فأبقى الله مختصر الإشبيلي ولم يبقِ هذا الأصل.
ولهذا أنصح بعض الأخوة عندما يأتي لبعض الكتب الكبيرة للعلماء الكبار تجد بعض الناس لا تقوى رغبته أن يقرأ هذا الكتاب، فإذا لم يجد مختصرا له سيقرؤه.
ولهذا أكثر كتب بن تيمية مختصرة منها:-
١) منهاج السنة مختصر في أكثر من مختصر.
٢) كتاب النبوات مختصر.
٣) كتاب اقتضاء الصراط المستقيم.
٤) كتاب الفتاوى مختصرة، وكتب كثيرة.
وابن القيم – رحمه الله تعالى – له كتب مختصرة. فلماذا العلماء يختصرون الكتب؟ من أجل أن العلماء عرفوا أن طالب العلم أحيانا قد يكسل.
فالعقيدة السفّارينيّه لابن عثيمين ٧٠٠ صفحة لو جاء طالب واختصر هذه العقيدة، قد يكسل بعض الناس أن يقرأ السفارينيه، وهي لإمام موثوق، فلو جاء شخص واختصر هذا الكتاب لنفع الله به، الشاهد أن نأخذ فوائد في أن طالب العلم لا يحتقر نفسه في طريقة التأليف.
((تمهيد))
قبل أن نبدأ في هذا العلم هناك عشرة مبادئ لكل علم لابد من معرفتها، عندما تريد أن تدخل في كل علم لابد أن تعرف مبادئ العلم، جمعها الأخضري ﵀ في قوله:
إن مبادي كل علم عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
ونسبةٌ وفضله والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
стр. 7
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
فكل علم نريد أن ندخل عليه لابد أن نذكر هذه الأبيات هذا موضوع العلم كأنه الفهرس لهذا العلم.
قال الأخضري ﵀:-
إن مبادي كل علم عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
الحد: أي تعريفه، ما هو تعريف هذا العلم؟
فما هو علم الحديث؟ وما هو حده؟ هو علم بقوانين يعرف من خلالها حال الراوي والمروي، أو إن شئت قل: حال السند والمتن، فمن دخل في هذا العلم سيعرف حال الراوي والمروي.
قال والموضوع: هو السند والمتن.
قال ثم الثمرة: ثمرة هذا العلم تمييز كلام رسول الله وتمحيصه.
ثم قال الأخضري ـ رحمه الله تعالى ـ:-
ونسبةٌ وفضله والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
قال ونسبة:
ما هو نسبة علم الحديث إلى العلوم الأخرى؟
هو جزء منه، ما مقدار هذا الجزء، والعلاقة بينهما تباين من وجه وتضمن من وجه آخر.
فتباين: من حيث أن هذا علم له أبواب مختلفة عن علم الأصول وعن علم الفقه.
وتضمن: من حيث أن الإنسان لا يمكن أن يكون عالما حتى يعرف هذا العلم من العلوم.
ثم قال وفضله:
لاشك أنه من أشرف العلوم لتعلقه بكلام رسول الله ﷺ ، فالتجويد نقول عنه هو من أشرف العلوم لتعلقه بكلام الله جل وعلا.
ثم قال والواضع:
من الذي وضع هذا العلم؟ هم الأئمة الأعلام كالإمام الشافعي والإمام مالك ـ رحمهم الله تعالى ـ وغيرهم فهؤلاء كلهم تكلموا في هذا العلم.
ثم قال والاسم:
ما هو اسمه؟ اسمه علم مصطلح الحديث أو علم الحديث أو علم الرواية هذه كلها من الأسماء.
ثم قال الاستمداد:
من أين يستمد هذا العلم؟ يستمد من كلام الأئمة من كلام أهل العلم، وليس من كلام اللغويين أو من كلام أهل الطب، وإنما يؤخذ من كلام أهل العلم.
ثم قال حكم الشارع:
стр. 8
ما حكم تعلم علم المصطلح؟ حكم تعلمه فرض كفاية، لأنه لا يمكن أن يمحص كلام رسول الله ﷺ حتى يعرف هذا العلم.
ثم قال الأخضري ـ رحمه الله تعالى ـ:
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
قال مسائل:
فمسائله تتعلق بالإسناد من حيث الاتصال والانقطاع والتدليس وما شابع ذلك، وتتعلق بالمتن من حيث القلب والشذوذ وهكذا.
ثم قال: والبعض بالبعض اكتفى: فبعض أهل العلم اكتفى عند تعريفه للعلم ببعض المسائل وقال بعضها يغني عن بعض.
ثم قال: ومن درى الجميع: أي من درى هذه الأشياء كلها وضبط المسائل.
قال: حاز الشرفا، والألف للإطلاق.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
الباء: حرف جر. والاسم: اسم مجرور، والجار والمجرور له متعلَّق محذوف مقدر: تقديره أبدأ أو أنظم، أنظم هذا النظم بسم الله.
وقولنا " أنظم " أفضل من أبدأ، لأن المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قال: أبدأ بالحمد
فلا نستطيع أن نقول الآن، أبدأ بسم الله، ثم يأتينا مرة ثانية فيقول: أبدأ بالحمد.
فنقول: أبدأ بالنظم، أو أبدأ بفعلي ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم أبدأ النظم بالحمد، ولهذا بعض الشراح قال إنه لم يبسمل ـ رحمه الله تعالى ـ لأنه قال أبدأ بالحمد.
الله: لفظ الجلالة مشتق عند أهل السنة، بمعنى المألوه المحبوب المعبود، وأصل الله الإله، فحذفت الهمزة تخفيفا لأن العرب كلما أكثروا من كلمة وفيها همزة يحذفونها للتخفيف، فعندهم الهمزة ثقيلة وهي من حروف الشدة " أجد قط بكت "، فالهمزة شديدة، فحذفنا الهمزة فبقي الله ـ بتخفيف اللام ـ وعندنا قاعدة: أن لفظ الجلالة إذا سبقت اللام فيه بمفتوح تفخم اللام.
قال بن الجزري ـ رحمه الله تعالى ـ:
"وفخِّم اللام من اسم الله " ... .........................
فصارت الله ـ بتفخيم اللام ـ.
стр. 9
وهنا نكته في قوله " بسم الله ": فبعض الناس يظن أن الاسم هنا خاص، وعندنا قاعدة في علم الأصول: بأن الإضافة تفيد العموم، فقولنا بسم الله: أي أبدأ بأسماء الله كلها متبركا بها، لأن أسماء الله جل وعلا كلها مباركة، فما ذكر عند ذبيحة إلا أصبحت مباركة، ولا ذكر عند شرب إلا أصبح مباركا، ولا ذكر عند جماع إلا أصبح مباركا وهكذا.
الرحمن الرحيم: اسمان مشتقان لله جل وعلا، فالرحمن بمعنى الرحمة العامة، والرحيم بمعنى الرحمة الخاصة أو الواصلة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
أبدأ بالحمد مصليا على ... محمد خير نبي أرسلا
أبدأ بالحمد: يقول المؤلف رحمه الله تعالى سأبدأ هذه المنظومة بالحمد أي أحمد الله فالحمد لله ليس لغيره.
والحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيما.
مصليا: حال، أي أبدأ وحالي مصليا، والصلاة هي: ثناء الله جل وعلا على عبده في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية ـ رحمه الله تعالى ـ في صحيح البخاري.
والمعروف عند أهل اللغة أن الصلاة بمعنى الرحمة ولهذا قالوا الصلاة من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومن المؤمنين بمعنى الدعاء.
وعندنا أن هناك إشكالا في قولهم " الصلاة من المؤمنين بمعنى الدعاء " وهو أن الدعاء لا يتعدى بعلى إلا عند الدعاء عليه فلا تقول مصليا على أي أدعو على ما يأتي وإنما أدعو لِـ، فتتعدى باللام وليست تتعدى بعلى.
هذا إشكال في قولهم بأن الصلاة بمعنى الدعاء وهناك إشكال على قول أبي العالية وهو أن قول أبي العالية قول لا يأتي إلا عن طريق الوحي فكونه يقول أن الصلاة بمعنى الثناء من الله على عبده بالملأ الأعلى، هذا يحتاج إلى دليل توقيفي، وأبو العالية لم ينسبه إلى الرسول، فهذا هو الإشكال وإن كان هذا رجحه بن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ.
قال: محمد خير نبي أرسلا
стр. 10
نعم محمد هو خير الرسل وأفضلهم على الإطلاق وقد ثبت أن النبي ﷺ قال (أنا سيد ولد آدم) وإن كان هو نهى – تواضعاً – فقال (لا تفضلوني على الأنبياء) وفي رواية (لا تخيروني) وهذا منه تواضعا ﷺ ، وإلا فإن الله قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الشرح٤.
فهذا خير الرسل ـ صلى الله عيه وسلم ـ، وهو التي تكون له الشفاعة العظمى ﷺ عندما لا يقبلها جميع الرسل.
قال: خير نبي أرسلا.
جمع بين النبوة والرسالة، وهل بينها فرق؟ خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: بأنه ليس بينهما فرق، فالنبوة هي والرسالة هي النبوة وهو قول طائفة من المفسرين فليس ضعيفا هذا القول.
القول الثاني:أن النبوة من أوحي إليه ولم يأمر بالتبليغ،والرسول من أوحي إليه وأمر بالتبليغ.
القول الثالث: أن النبي هو من لم يوحى إليه بشرع جديد، والرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد، إذا يجتمعان في التبليغ والوحي ويختلفان في الشرعة هذا شريعته جديده وهذا تجديد وهذا يشهد له، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الحج٥٢.
فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ .
القول الرابع: وكأن شيخ الإسلام يميل إليه أن النبي من أرسل إلى قوم موافقين هناك من يوافقه على شريعته من قبله كأنبياء بني إسرائيل،والرسول هو من أرسل إلى قوم مخالفين كنوح ﵇ هو أول الرسل لأن كل الناس في جاهلية جهلاء والرسول ﷺ أرسل إلى جاهلية جهلاء فيرسل إلى قوم مخالفين، وهذا فيه إشكال أيضا في قول النبي ﷺ " يأتي النبي وليس معه أحد ".
قال أرسلا: الألف هنا تسمى ألف الإطلاق، وهذا يكثر في النظم انتبهوا له، وقد جاءت في القرآن.
стр. 11
قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ الأحزاب١٠، وقوله: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ الأحزاب٦٦، وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ الإنسان١٨، فهذه الألف تسمى ألف الإطلاق، والنحويون يسمونها تنوين الترنم - يعني يعطي صوتاً.
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا
وأقسام التنوين عشرة، جمعها بعضهم في قوله:
أقسام تنوينهم عشر عليك بها ... فإن تحصيلها من خير ما حرزا
مكّن وعوّض وقابل والمنكّر زد ... رنّم أو احك اضطرر غالٍ وما همزا
فالترنم نوع من أنواع التنوين.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وذي من أقسام الحديث عده ... وكل واحدا أتى وحده
وذي: اسم إشارة.
قال بن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ:
بذا لمفرد مذكر أشر ... وذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر
فهذه كلها ألفاظ إشارة.
فقوله ذي: اسم إشارة، طيب أين الآن المشار إليه، لنتخيل أن البيقوني الآن ينظم فيقول وذي من أقسام الحديث عده.
فهل أمامه شيء؟ ، فنحن نقول ذي يشير للمكتوب لكن هو يوم يكتب ماذا يشير عليه؟
يشير إلى معهود ذهني في عقله.
وعندي لو قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: إليك أقسام الحديث عدّه، لأجل أن يخرج من الإشكالات، لأن كل شارح لابد أن يعترض على الناظم.أما إليك فلا يأتي عليها إشكال.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وذي من أقسام الحديث عدّه ... ............................
أي هذه الذي سأتلو عليك من أقسام الحديث "ومن" تبعيضية أوبيانية، والأقرب أنها تبعيضية لأنه لم يذكر إلا ٣٢ نوعا من أقسام الحديث، بينما ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر بضعة وستين نوعا من أقسام الحديث فالمؤلف قد ترك النصف.
فقوله: وذي من أقسام الحديث عده، "مِنْ" تبعيضية، و" مِنْ " لها اثنا عشر، جمعها بعضهم في قوله:
стр. 12
أتتنا " مِنْ " لتبيينٍ وبعضٍ ... وتعليلٍ وبدءٍ وانتهاءِ
وإبدال وزائدة وفصل ... ومعنى عن وفي وعلى وباء
... قوله أقسام الحديث: أي أسماء وأوصاف الحديث عند أهل الفن فالأقسام هنا على تقسيم أهل الفن ليس على تقسيم الناس.
قال عدّه: أي كثيرة جدا.
قال: وكل واحد أتى وحدّه: أي كل واحد من هذه الأقسام أتى ـ أي سيأتي ـ فالماضي هنا بمعنى الفعل المضارع، قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ النحل١، فقال: ﴿أَتَى﴾ ، وهو لم يأت إلى الآن، إذاً لماذا يستخدم العرب الفعل الماضي بمعنى الفعل المضارع؟ من أجل سرعة الوقوع أي سيقع قريباً.
قال وحدّه: إعراب "حدّه ": مفعول معه، أي أتى مع حدّه، فكل واحد يأتي، سيأتي مع حدّه، فإذا جاء الصحيح سيأتي بحدّه وإذا جاء المنقطع سيأتي بحدّه وإذا جاء المرسل سيأتي مع حدّه.
قال بن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ:
ينصب تالي الواو مفعولا معه ... بنحو سيري والطريق مسرعه
إذا قوله: وكل واحد أتى وحدّه، أي سيأتي كل قسم مع التعريف.
" الحد " ما هو؟ الحد لغة: المنع.
واصطلاحاً: هو الجامع المانع.
حد الشيء: أي ماهية الشيء، فالحد هو الجامع المانع: الجامع لأوصاف الماهية، المانع لأن يدخل غيره فيه.
فإذا قلت: الإنسان " حيوان ناطق"، لم يدخل المعز لأنه حيوان غير ناطق.
فالجامع المانع: جامع لأوصاف المحدود برسمه وذاته، مانع في أن يدخل ماليس من جنسه.
قال الناظم:
الجامع المانع حد الحد ... أوذو انعكاس إن تشأ والطرد
يعني ينعكس ويطرد، فإذا وجدت هذه الأوصاف فهو المحدود وإذا لم توجد فليس المحدود، فإذا وجدت شيئا في غير حدك وينطبق عليه الماهية فمعناه أنه ليس بحد، فلو قلت: الإنسان رجل ذكر، فجئت للمرأة فهي إنسان، إذا هل هذا منعكس ومطرد؟ لا،لأنه وجد شيئا ليس في الحد.
стр. 13
وقد اختلف الأصوليون هل يمكن أن يحدّ شيء؟ هل يوجد حد لذات ما أو لشيء ما؟ هناك خلاف طويل بين الأصوليون.
(الحديث الصحيح)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
أولها الصحيح وهو ما اتصل ... إسناده ولم يَشُِذّ أو يعل
ابتدأ المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأول أقسام الحديث، وهو (الحديث الصحيح) .
فأهل الفن قسموا الحديث باعتبار القبول والرد إلى قسمين: مقبول، ومردود.
وأنا ذكرت لكم في درس سابق بأن التقسيم بالاعتبار فأسألك ماهو اعتبارك عندما تسألني ما أقسام الحديث؟ فتقول باعتبار القبول والرد.
فأقول باعتبار القبول قسمين: صحيح، وحسن.
أو تقسيمه باعتبار الطرق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: متواتر، ومشهور، وآحاد.
وباعتبار الرد إلى عدة أقسام، فأهل العلم قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام: الصحيح والحسن والضعيف، باعتبار القبول والرد.
والإمام البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ، عرف الصحيح بشروطه وأوصافه، وهذا نوع من أنواع الحدود، أن يذكر التعريف بذكر الشروط، وأحيانا يكون التعريف بالمثال، وأحيانا يكون التعريف بالماهية، وكلها صحيحة في تقريب العلم.
الصحيح: لغة: هو ضد المريض.
اصطلاحا: عرفه المؤلف بقوله:
أولها الصحيح وهو مااتصل ... إسناده ولم يشُِذّ أو يعل
يرويه عدل ضابط عن مثله ... ..........................
قال وهو: ما اتصل.
الاتصال هو أول أوصاف للصحيح وأول رسم له، وهو أن يكون متصلا، يخرج ما انقطع.
ما معنى الاتصال؟ هو أن يروي كل راوٍ عمن سمعه.
يخرج: أن يروي عمن لم يسمعه منه مطلقا بأي نوع من عدم السماع.
إذا يخرج المنقطعات بأنواعها كما سيأتي، فمن أنواع المنقطعات: المنقطع، والمرسل، والمدلَّس، والمعضل، والمعلق، فهذه كلها منقطعات فليست متصلة.
ثم قال إسناده:
الإسناد: هو جملة الطريق الموصلة إلى الحديث. فكل طريق توصلك إلى الحديث يسمى إسنادا.
стр. 14
والإسناد عند أهل الحديث يطلق على عدة إطلاقات:-
الإطلاق الأول: ما رفع إلى النبي ﷺ ، فكل حديث يروى بإسناد إلى النبي ﷺ ، فإنه مسند، فإذا كان يروى بإسناد إلى أبي هريرة فليس بمسند، وإذا كان يروى بإسناد إلى بن سيرين فليس بمسند.
الإطلاق الثاني: كل طريق يوصلك إلى حديث مرفوع أو موقوف، وهذا ذكره ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ.
الإطلاق الثالث: كل حديث يوصلك إلى النبي ﷺ ويكون متصلا، وهذا رجحه الحاكم، فلا بد أن يكون إلى النبي ﷺ ، ويكون متصلاً، فالمرسلات ليست مسنده على هذا القول.
الإطلاق الرابع: المسند كل طريق يروى بطريق التحمل، فلو جاءنا مثلا الإمام أحمد ويروي عن الزهري وبينهما راوٍ فهذا يسمى مسنداً، فتقول روى الإمام أحمد بالإسناد أو تقول رواه أحمد مسندا إلى الزهري، وهذا الإطلاق أعم وأشمل وهو أكثر في الإطلاق.
ثم قال المؤلف: ولم يَشُِذّ.
يصح أن تقول يَشُذّ أو يَشِذّ، شذّ يَشُذّ يَشِذّ فقط، من باب فَعِلَ يأتي منها يَفْعِلُ ويَفْعُل هذا قياسي، وأما يَفْعَل فهو سماعي ليس على القياس.
ورأيت في بعض النسخ: ولم يُشَذّ، وعندي أنها ضعيفة ـ ضعيف هذا الضبط ـ فليس هناك داعياً في أن نجعلها مبنية للمجهول.
قال المؤلف: ولم يشُِذّ.
هذا هو الوصف الثاني للحديث الصحيح، ولم يشُِذّ: أي أن هذا الإسناد لم يكن شاذا، والشذوذ هو المخالفة أو هو الإنفراد، وسيأتي زيادة بيان ـ إن شاء الله ـ على معنى الشذوذ، عند قول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:-
وما يخالف ثقة به الملا ... فالشاذ.....................
فالشذوذ عند أهل اللغة: الإنفراد، وقال بعضهم إن الشذوذ هو المخالفة، وهذا الخلاف سينبني عليه الخلاف العظيم في معنى الشذوذ.
هل الشاذ هو المخالف أو هو المنفرد؟
стр. 15
بناءً على اختيارنا سينشأ الخلاف، فلو جاء حديث لم يخالف، لكنه مفرد، فإنه يكون شاذاً إذا قلنا أن بأن الشاذ هو التفرد.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط ... وللخليلي مفرد الراوي فقط
فالخليلي انتزع معنى الإنفراد من اللغة، فقال الشاذ هو المفرد، فعنده يلزم أن يكون حديث (إنما الأعمال بالنيات) حديث شاذاً.
جاء الإمام الشافعي وقال: الشاذ هو المخالف، وهو له أصل في اللغة، فيلزم من التفرد المخالفة هكذا قال، فلا يطلق على الإنسان أنه تفرد إلا إذا تميز ولا يتميز إلا إذا روى شيئا لم يروه غيره أو خالفهم، إما بمتن أو إسناد، وسيأتي تحرير الكلام ـ إن شاء الله ـ في معنى الشذوذ.
إذا نقول الشاذ: قيل بأنه التفرد وهذا رجحه الخليلي، وقيل بأنه المخالفة وهذا رجحه الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ، والحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ لم يشترط المخالفة أيضا.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط ... ..............................
مثال على الشذوذ:
روى الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في صحيحه من حديث سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه " أنه رأى بلالاً يؤذن فتتبع فاه وجلس يلتفت يميناً وشمالاً في الحيعلتين ". رواه عن سفيان جماعة منهم بن المبارك ووكيع وجماعة كثيرة من الأئمة فكل طبقة سفيان يروون هذا الحديث كل تلاميذ سفيان الثوري يروون هذا الحديث، وهي رواية البخاري، جاء عبد الرزاق وهو إمام من الأئمة فزاد " ووضع أصبعيه في أذنيه " فعبد الرزاق ذكر هذه اللفظة وعشرة لم يذكروها عن سفيان، فنحن الآن بين روايتين، رواية جماعة لم يذكروا " ووضع أصبعيه في أذنيه " ورواية عبد الرزاق ذكر" ووضع أصبعيه في أذنيه " فنحن الآن أمام زيادة وتفرد وأمام مخالفة.
стр. 16
وقولنا " أمام مخالفة " هنا معترك النقاش الذي سنذكره ـ إن شاء الله ـ هل هو خالف؟ بعضهم هو خالف وبعضهم يقول هو لم يخالف بل زاد، فيقول بعضهم لا هو زاد فهذا يترجم الزيادة بالتفرد، وهذا يقول لكنه خالف فهذا يترجم الزيادة بالمخالفة.
فإذا قلنا بأن الشذوذ هو المخالفة: فإننا سنصنف زيادة عبد الرزاق بالشذوذ، وسيأتي زيادة بيان عند مسألة زيادة الثقة، وأن زيادة الثقة وأن الشذوذ وأن المخالفة كلها تدور في باب واحد.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة ... فيه الملا فالشافعي حققه
فعبد الرزاق خالف الملا، وكيع وبن المبارك وغيرهم فهؤلاء أئمة، وعبد الرزاق لنا فيه نظر آخر وهو أنه فقيه فلما يتكلم تؤثر فيه لغة الفقهاء، فليس هو فقط حافظ بل يسمع كلاماً للتابعي "بأنه وضع أصبعه في أذنيه "، ويسمع كلاماً للإمام " بأنه وضع أصبعه في أذنيه " فيتأثر، ولهذا رواية الفقهاء المحدثين تختلف عن رواية المحدثين الخلّص، فرواية المحدثين الخلّص أحيانا قد تكون أقوى من رواية الفقهاء المحدثين، وأحيانا تكون رواية الفقهاء المحدثين أقوى من رواية المحدثين الخلّص.
فمتى تكون رواية الفقيه المحدث أقوى؟ ومتى تكون رواية المحدث الخالص أقوى؟
تكون رواية الفقيه المحدث أقوى عندما يكون الخلاف في مسألة تنبني على مسألة فقهية في اللفظ، فإن الفقيه يكون حذِرا عند ذكره للرواية فيعرف ما الذي يلزم منها إذا قال كذا فيلزم منها كذا، فيلتزم بالرواية بالنص، أما المحدثين الخلص يتوسعون في الرواية بالمعنى أحيانا المحدث لا يبالي فيظن اللفظة هذه مثل اللفظة هذه، فيروي الحديث كما يفهمه من الحديث فقط، فهنا تكون رواية الفقيه أقوى.
стр. 17
وتكون رواية المحدث أقوى من الفقيه المحدث في مثل المثال المذكور ـ زيادة عبد الرزاق ـ فإذا وجدنا أن المحدثين رووى هذا اللفظ ولم يذكروا زيادة فقهية بينما هذا الفقيه زاد لفظة فقهية فتقول اقتبسها من فقهه ولم يقتبسها من الحديث فهنا تكون رواية المحدث الخالص أقوى.
قال المؤلف: ولم يُعلّ.
هذا هو الوصف الثالث للحديث الصحيح أن لا يكون معلّلاً.
العلة: الأصل هي المرض.
اصطلاحاً: هي " وصف يقع في الإسناد أو المتن لا يدركه إلا جِلّة ـ أي خواص ـ المحدثين "، فليست العلة سهلة واضحة، فليست العلة هي الانقطاع فقط، ما يقصدون هذا مع أن الانقطاع جزء من أجزاء العلة لكن هم لا يقصدون هذا، هم يقصدون العلة الخفية.
فمثلاً يقولون فلان لم يسمع من فلان هذا الحديث، أو فلان يخالف هذا الحديث، أو فلان أدخل متناً في متن، فهذا كيف نعرفه.
نضرب مثالاً: لو أتينا لحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ ـ كما عند أبي داود ـ عن النبي ﷺ قال: " من أدخل فرسا بين فرسين " ـ يعني وهو لا يُؤمن أن يُسْبَق ـ " فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمِنَ أن يُسْبَق فهو قمار " فهذا من حديث السبق.
فهذا إسناد ظاهره الصحة، وسلسلة الزهري هذه رواها البخاري ومسلم ـ رحمهما الله تعالى ـ، وسفيان هذا من رجال مسلم، جاء أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ وأعلّ هذا الحديث بطريقة عجيبة فقال: " لا يشبه أن يكون عن النبي ﷺ وأحسن أحواله أن يكون من كلام سعيد ".
فسفيان ماذا فعل قد تداخلت الأسانيد عليه فأدخل هذا الإسناد لهذا المتن، هذا رأي أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ.
وقال أبو داود ـ رحمه الله تعالى ـ: رواه معمر وشعيب وعقيل، عن الزهري، عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا.
стр. 18
وقال يحيى بن معين ـ رحمه الله تعالى ـ عن هذا الحديث: باطل وخطأ على أبي هريرة ﵁.
فهؤلاء لم يجلسوا مع بعض ولم يتفقوا، فهذه علّة خفيّة وليست واضحة، فهذه ليست ميسّرة لنا أبداً.
ولهذا بن مهدي ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: " كلامنا على الأحاديث عند الجهال كهانة "، هذا طبعاً إذا حسنوا اللفظ ولم يقولوا تخرصاً، وقال بعض الحفاظ: " معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل ".
إذاً نقول العلة المقصود بها: العلة الخفية وليست العلة الظاهرة، وهناك احتراز آخر وهو: أن تكون العلة قادحة، فليست أي علة تقدح في الحديث، فقد يكون الحديث فيه علة ولكنه ليس ضعيفا بل صحيحا، فمثلا فلان يروي عن فلان وأحاديثه ضعيفة، لكن هذا الحديث جزم أهل العلم بأن هذا الراوي قد سمع من شيخه هذا الذي كان ضعيفا فيه وضبط هذا المتن.
إذاً نجعل وصفين لقوله " أويعل ":
الوصف الأول: أن تكون علة خفية.
الوصف الثاني: أن تكون علة قادحة.
مسألة:
بين العلة والشذوذ عموم وخصوص مطلق، فكل شذوذ علة وليس كل علة شذوذاً، إذا الشذوذ نوع من أنواع العلة، فليست كل علة شذوذ.
قد يقول قائل: لماذا المؤلف جاء بهذا الوصف " الشاذ " مادام أن الشاذ داخل في العلة، وجزء من أجزائها؟
نعم، هذا اعتراض قال به بعض أهل العلم وله وجاهته، ولكن من قال به أجاب عن هذا الإيراد بقوله: ذكر الشذوذ بسبب ارتباطه في الإسناد والمتن، لأجل ذلك ذكره المؤلف وأفرده، فإذا وجد شذوذ في المتن لابد أن يكون هناك شذوذ في الإسناد، وإذا وجد شذوذ في الإسناد لابد أن يكون هناك شذوذ في المتن، هكذا أجاب.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
يرويه عدل ضابط عن مثله ... معتمد في ضبطه ونقله
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ الوصف الرابع للحديث الصحيح وهو " أن يكون عدلاً ".
قال عدل: العدالة هي صفة تبعث صاحبَها على ملازمة التقوى والمروءة.
стр. 19
فقولنا " ملازمة التقوى ": يخرج الكافر فهو ليس بعدل إذا من شروط الرواية أن يكون مسلما، وبعض الناس يقول أين اشتراط الإسلام؟ نقول يؤخذ من صفة العدالة.
وقولنا " المروءة ": يخرج من تنخرم مروءته بفعل معصية أو بمخالفة عرف، هكذا عند المحدثين.
فإن قلّت هذه العدالة قلّت درجة الصحة، فإذا كان الراوي غير ملازم للتقوى تماما لكنه مسلم ويفعل الطاعات ويترك بعض المحرمات لكنه يقارف بعضها، نقول تقلّ درجة العدالة الآن فتقلّ درجة صحة حديثه، لا ينزل إلى مرتبة الرد ولا يرتفع إلى درجة الصحة التامة بحيث يكون حديثه صحيح تام.
ثم قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: ضابط، هذا هو الوصف الخامس للحديث الصحيح وهو" أن يكون ضابطاً ".
الضبط: " هو إيصال الحديث كما سمعه من شيخه "، فإذا روى الراوي بمثل ما رواه شيخه فإنه يكون ضابطاً.
وصفة الضبط لها طريقان:-
الطريق الأول: أن يكون ضابطا ضبط الفؤاد " ضبط الصدر "، فما سمعه يحفظه ويتقنه فلا يعرف عنه أنه كثير الخلل في مروياته، وقولنا " ضبط الصدر": ليس معناه أنه لا يخطئ فليس هناك أحد ما يخطئ، كل الأئمة حفظ عنهم الخطأ، ولكن الخطأ عنده قليل.
الطريق الثاني: ضبط كتاب، وهذا هو أقوى الضبط.
وصفة ضبط الكتاب: هو أن يحمي كتابه من أن يحرّف وقلمه من أن يغيّر، فكتابه مضبوط، ما عرف عنه أن كل من أتاه يطلب كتابه أعطاه إياه، سواء كان عدلا أم لا، وللأئمة كلام كثير في ضبط الكتاب.
قال بن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: كاتب الليث منكر الحديث جداً يروي عن الأثبات ما ليس من حديث الثقات وكان صدوقاً في نفسه وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جارٍ له كان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ويكتب بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به.
فإذا لابد أن يكون هناك ضبط كتاب أو ضبط صدر.
стр. 20
إذا تحصل لنا خمسة شروط للحديث الصحيح كما ذكرها المؤلف قال:
" ما اتصل " الاتصال. ١)
. " لم يَشُذ " عدم الشذوذ ٢)
. " لم يعل " عدم العلة ٣)
" يرويه عدل " أن يكون الراوي عدلا. ٤)
" ضابط " أن يكون الراوي ضابطا. ٥)
: ... ونستطيع أن نرتبها ترتيبا أحسن من هذا فنقول
الحديث الصحيح هو: " ما اتصل إسناده برواية عدل تام الضبط من غير شذوذ ولا علة قادحة "، هذا هو أكثر ما يعرف به العلماء، ولكن مع النظم أحيانا لا تستطيع أن ترتب.
مسألة: أين توجد هذه الأحاديث الصحيحة بهذه الأوصاف؟
هذه الأوصاف توجد فيما حكم عليه الأئمة بالصحة، فكل ما حكم عليه الأئمة بالصحة، فإن هذه الأوصاف فيه ومظانها في الصحيحين.
مسألة: هل استوعب الصحيحان الأحاديث الصحيحة؟ كلا، لجوابين:
١) أن البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ هو نفسه ذكر بأنه لم يتعهد بأن يذكر كل الأحاديث الصحيحة في هذا الكتاب.
٢) أن البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ نفسه سئل عن عشرات من الأحاديث فيقول " صحيح "، وهو غير موجود في الصحيح، فلو قلبت سنن الترمذي مثلا لوجدت أن البخاري يُسأل عن كثير من الأحاديث فيقول " صحيح " وهو غير موجود في الصحيحين.
إذاً اعتراض بن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ الكثير ـ حقيقة ـ على البخاري في قوله عن بعض الأحاديث حينما يسأل عنها وهي غير موجودة في الصحيحين " هو حديث صحيح " فيقول الإمام بن عبد البر، ولماذا لم يذكره في صحيحه إذاً، فهذا إلزام غير لازم، لأن البخاري نفسه قال أنا لم أتعهد أن أذكر كل الأحاديث الصحيحة، فهذا ملحظ مهم جداً، فمظان الأحاديث الصحيحة في الصحيحين لكنها غير حاصرة فتجد أحياناً الصحيح في سنن أبي داود وعند الترمذي وعند الحاكم وعند أحمد وعند بن ماجة وغيرهم، لكن مظانها الأكثر في الصحيحين، فهذا أمر مهم يجب أن ننتبه له.
стр. 21
مسألة: الصحيحين لم يستوعبا الأحكام الشرعية، ذهب بعض الأفاضل إلى أن الصحيحن استوعبا أصول الأحكام، وهذا غير صالح في نظري، فهناك أشياء كثيرة من الأحكام، وهي من الأصول لم تُذكر في الصحيحين، وأما قول بعض الأئمة كابن رجب أو بن عبد البر ـ رحمهما الله تعالى ـ أوغيرهما، فهي عبارات أغلبية يقولون: فيها معظم أو أكثر، وتجوّز المعاصرون فجعلوها قواعد كليّة.
تنبيه:
علينا أن ننتبه لبعض عبارات الأئمة في بعض أصولهم في إطلاق الصحة، وفي إطلاق أصله، فبعض الأئمة كالإمام البغوي ـ رحمه الله تعالى ـ في المصابيح جعل له أصلا في وصفه للصحة ووصفه للحسن قال " الصحاح كل ما كان في الصحيحين، والحسان كل ما كان في السنن "، فهو أراد أن يجعل له اصطلاحا فقط فهو وما أراد، بدليل أن البغوي في شرح السنة يذكر حديث لأبي داود ويقول هذا حديث صحيح.
مثال لحديث اتصف بالشروط الخمسة للحديث الصحيح: الأحاديث كثيرة، ولكن نأخذ إسناداً كالشمس: قال الإمام أحمد حدثني الشافعي حدثني مالك حدثني نافع حدثني بن عمر. فهذا إسناد ذهبي إمامي مشرق، ولم يأت هذا الإسناد على هذا النسق إلا في أربعة أحاديث جمعها الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ في موضع واحد، وساقها مساق حديث واحد.
فقال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبيع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن بيع حَبَلِ الْحَبَلَة ونهى عن المزابنة. والمزابنة بيع التمر بالثمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلاً) .
فنقول عن هذا الإسناد " إسناد صحيح ".
قس على ذلك حديث البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر، فهذ إسناد بهذا الأوصاف التي ذكرت.
стр. 22
فقول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: " معتمد في ضبطه ونقله ": هذا من تكميل البيت وإلا فقد انتهت الأوصاف وهذا كثير جداً تجده في المنظومات يريد أن يبدأ ببيت جديد أوبمسألة جديدة فيحتاج إلى إكمال وأحيانا يذكر مثال ويتممه بمثال آخر.
انتهينا الآن من الحديث الصحيح، وقد ذكر أهل العلم مسائل كثيرة في هذا الباب منها:-
مسألة: ما أصح الأسانيد؟
نقول ليس هناك إسناد نقول عنه إنه أصح الأسانيد، فمن الذي يحكم بأنه أصح الأسانيد.
فلما آتي لمالك عن نافع عن بن عمر ﵁، ولما آتي للزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁، كيف أرجح؟ فكلا رجال هذين الإسنادين أئمة عدول ثقات ضابطون، فالاختيار لأحد الإسنادين تحكّم، لكن أهل العلم اصطلحوا اصطلاحاً أجود من هذا الكلام وهو قولهم " أصح الأسانيد بالنسبة لصحابي ما " فهذا جيد.
فلما آتي لابن عمر ﵄ فله إسنادان من أفضل الأسانيد:-
١) مالك عن نافع عن بن عمر، هذا من أفضل الأسانيد.
٢) الزهري عن سالم مولى بن عمر عن بن عمر، فهذا إسناد لابن عمر كالشمس.
ولما آتي لأبي هريرة ﵁ هناك أسانيد كثيرة:-
١) معمر عن همام بن المنبه عن أبي هريرة، فهذه سلسلة ذهبية روى لها البخاري ومسلم كثيراً.
٢) أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فهذا أيضا إسناد لأبي هريرة كالشمس.
٣) الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ولما آتي لابن مسعود ﵁ أقول مثلاً:-
- منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن بن مسعود، هذا إسناد ذهبي.
هذا جيد أن الإنسان يحفظ هذه السلاسل، ولهذا جعل أهل العلم السلاسل معرفة لمن أراد أن يحفظ ويعرف الرجال.
قد يقول قائل: كيف أعرف السلاسل المطوّلة التي تدور عليها الأسانيد، فهناك أسانيد تدور عليها الأحاديث، فإذا حفظها الإنسان سقط عنه ثلاثة أرباع الأسانيد.
стр. 23
كيف أعرف مظان هذه الأسانيد؟ أفضل ما أرى في معرفة هذه السلاسل هو أن يعتمد الإنسان على كتاب المزي ـ رحمه الله تعالى ـ في " تحفة الأشراف " في أطراف الكتب الستة أطراف المسانيد.
فالمزي ـ رحمه الله تعالى ـ يرتّب الأسانيد حسب الترتيب الهجائي، فإذا جاء لأحد الصحابة كأبي هريرة ﵁، جعل له ترتيباً جديداً هجائياً، فمثلاً لما يأتي إلى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، تجد أن سعيداً مكثراً من الرواية عن أبي هريرة ﵁، فيقوم بترتيب الرواة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، فيبدأ ببكير بن عبد الله الأشج وهكذا هجائياً، فإذا وصل إلى محمد بن شهاب الزهري، وجد أنه مكثراً من الرواية عن سعيد بن المسيب، فيرتب الرواة عن الزهري ترتيباً هجائياً، فيبدأ بإبراهيم بن سعد وهكذا هجائياً مرةً أخرى.
إذاً أصبح عندي سلسلة وهي: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁.
(الحديث الحسن)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
والحسن المعروف طرقا وغدت ... رجاله لا كالصحيح اشتهرت
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثاني وهو (الحديث الحسن) .
طرقا: ضبطت بإسكان الراء " طرْقا "، وهو ضرورة شعرية وليست أصل لغوي صرفي لأن طرْقا ليست من الطريق وإنما طرُق جمع طريق، وإن كان العرب أجازوا تسكين الحرف للتخفيف، وعلى هذا نزل القرآن في قراءة أبي عمرو البصري، في مثل: ﴿يُشْعرْكم﴾ ، ﴿يأمرْكم﴾ ، ﴿تأمرْهم﴾ ، بإسكان الراء.
قوله " المعروف ": هل هي نعت للحسن أو هي نعت سبق منعوته؟
الجواب هناك توجيهان لهذا:
стр. 24
التوجيه الأول: أنه نعت للحسن، لأنه يحتمل أن يقول المؤلف " الحسن المعروف " احترازا من حديث غير معروف، فقد يأتيك إسناد حسن لكن أصله غير معروف، فهذا لا يدخل في الحسن على رأي المؤلف، وهذا قال به بعض أهل العلم، قال لا بد أن يكون المتن معروفا.
التوجيه الثاني: أنه نعت سبق منعوته، وهو نعت للطرق أي الطرق المعروفة
فالحسن: ما عرفت طرقه ـ عرف باتصاله ـ وهذا أوجه من حيث نظر المؤلف.
والحديث " الحسن " نوع من أنواع الحديث المقبول، وقد اختلف أهل العلم في تعريفه اختلافاً طويلاً، نأخذ بعض التعاريف حتى نبيّن صعوبة الحدّ عند أهل العلم.
التعريف الأول:
المؤلف يقول " الحسن المعروف طرقا وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت ".
إذاً المؤلف عرّف الحديث الحسن بأنه " ما عرف طريقه واشتهر رجاله "، فكل حديث عرف
مخرجه فهو حسن، فهذا الراوي يروي عن هذا الراوي، إذاً هو يومئ إلى الاتصال.
إذاً نقول: الحسن هو: ما عرف طريقه ـ أي عرف مخرجه ـ كيف عرف مخرجه، عرفنا أن هذا الشخص يروي عن هذا الراوي إذاً هذا هو شرط الاتصال.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:-
............................ وغدت ... رجاله لا كالصحيح اشتهرت
أي أن رجال هذا الإسناد مشتهرين لكن لا كالصحيح، فرجاله ليسوا بتامّي الضبط.
فالمؤلف ذكر شرطين للحسن:
١) أن يكون متصل الإسناد،أخذنا هذا الشرط من قوله " والحسن المعروف طرقا ".
٢) أن يكون رجال الإسناد خفيفي الضبط، أخذنا هذا الشرط من قوله " وغدت رجاله لا كالصحيح "، وهذا هو تعريف الإمام الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ، واختاره البيقوني ـ رحمه الله تعالى ـ.
يعترض على هذا التعريف: أنه لم يذكر الشذوذ ولا العلة.
التعريف الثاني:
стр. 25
الحسن: هو " ما اتصل إسناده ورواه عدل خفيف الضبط ـ في محل القبول ـ عن مثله من غير شذوذ ولا علة "، فتلاحظ على هذا التعريف أنه كتعريف الصحيح إلا في الضبط، وهذا اختيار الحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ كما في النخبة.
التعريف الثالث:
الحسن: " كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك " أو إن شئت قل: " ما رواه راوٍ ليس بمتهم بالكذب وتعددت طرقه من غير شذوذ "، وهذا تعريف الإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ.
يعترض على هذا التعريف بما يلي:
١) ترك العلة.
٢) لم يذكر الاتصال.
٣) نزل بنا إلى الكذاب فقط، فالمتروك سيدخل في الحسن إذاً، والراوي المخطئ كثيراً سيدخل في الحسن.
التعريف الرابع:
الحسن: " ما فيه ضُعفٌ قريب محتمل "، وهذا تعريف ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ.
التعريف الخامس:
جاء ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ وقسم الحسن إلى قسمين، ولكل قسم تعريف:
القسم الأول:
الحسن لذاته " هو ما رواه العدل خفيف الضبط مع اتصال السند "، ولكن ترك الشذوذ والعلة القادحة.
القسم الثاني:
الحسن لغيره " هو ما رواه الضعيف إذا كثرت مخارج أسانيده، وتعددت طرق حديثه "، فإذا جاء إسناد فيه راوٍ ضعيف، وإسناد ثاني فيه راوٍ ضعيف، وإسناد ثالث فيه راوٍ ضعيف، وإسناد رابع فيه راوٍ ضعيف، فكلهم الآن ضعاف، وتعددت مخارجه وكثرت أسانيده، فيقول ابن الصلاح هذا حديث حسن، ولكن ها التعريف غير جيد.
стр. 26
إذاً كيف نحد الحديث الحسن، قال الإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ والذهبي اسما ومعنى ـ قال " وفي تحرير معنى الحديث الحسن اضطراب، ولا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك "، هذا ما يقوله أنا ولا أنت هذا يقوله الإمام الذهبي، وليس كلام الذهبي هذا معناه إغلاقٌ لباب الاجتهاد فيه، ولكن معناه أنه ليس هناك قاعدة أحكم من خلالها أن الحديث حسن، فقد آتي لحديث فيه من الأئمة الثقات لكن أجد المتن ليس معتضداً تمام الاعتضاد فأحكم عليه بأنه حسن.
فكلام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ صحيح هو وأنا على إياس، لكن كوننا مبتدئين سنعتمد تعريف الحافظ بن حجر ﵀، وإلا فكلام الذهبي صحيح بدليل أني أجد عند مسلم أسانيد تنطبق عليها الحديث الحسن، ومع ذلك فهو يصححه، فقد روى لأناس خفيفي الضبط، ولكن نقول ليس هذا هو الحديث الحسن، فالحكم على الحديث الصحيح لنا فيه عدة أوصاف:-
١) متنه.
٢) شهرته.
٣) الأصل الذي هو فيه هل هو مشتهر وهل هو مقبول عند أهل العلم، ولذلك بعض أهل العلم زاد شرطاً سادسا للحديث الصحيح وهو " قبوله عند أهل العلم ".
مسألة: حجية الحديث الحسن.
الحديث الحسن لذاته على تعريف المؤلف وابن حجر ـ رحمهما الله تعالى ـ لا إشكال في حجيته عند أهل الشان.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
والفقهاء كلهم يستعمله ... والعلماء الجلّ منهم يقبله
وهناك من أهل العلم المعاصرين من ينازع في هذا الكلام، وهذا غلط فكل حديث حسن جرى عليه تعريف ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ فهو حجة واحتج به الأئمة، فمن نازع فقد نقض الإجماع وخالف الأئمة.
مسألة: هل ورد في البخاري أحاديث من قبيل الحديث الحسن؟
أولاً: اختلف أهل العلم في أحاديث الصحيحين في صحتها:
القول الأول: أنها مجمع على صحتها إجماعاً قطعياً، ورجح هذا الحافظ بن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ.
стр. 27
القول الثاني: أنها مجمع على صحتها إجماعاً ظنياً.
القول الثالث: أنها تشتمل على الأحاديث الصحيحة والضعيفة.
القول الرابع: أنها كلها صحيحة وفيها ألفاظ ضعيفة.
الصحيح من كلام أهل العلم أن أحاديث البخاري ومسلم كلها صحيحة إلا ما استثني من الأئمة، فلا يمكن أن يأتينا شخص في هذا القرن ويقول بحثت إسناداً في البخاري فوجدته ضعيفا، قد يقول إن لفظة فيه ضعيفة أردّها في هذا الحديث فهذا يقبل وإن كان على قِلّه، لكن أن يردّ أصل الحديث هذا لا يمكن في هذا الزمان، فإذا وجد حديث حكم عليه الدارقطني أو مسلم أو الإمام أحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ بالضعف نرى هل كلامه صحيح أو لا، لأن الآن تعارض كلام الإمام أحمد والبخاري مثلاً، فنجري القواعد ونرى من الذي كلامه صحيحاً، فليس كلام أحمد مقبول على إطلاقه، وليس كلام البخاري مقبول على إطلاقه مادام أنهما اختلفا، يبقى عندنا ما لم يضعفوه وسكت عنه الأئمة كلهم والأئمة يتناقلونه في صحيح البخاري ويقبلونه ثم يأتي شخص في هذا القرن ويضعف، هذا لا يمكن والمشكل أنه يضعف بشبهة تدليس أو أن أحد الأئمة قال فيه كذا.
مسالة: الحسن عند المتقدمين.
بعض الناس يظن أن الحافظ الترمذي هو أول من أطلق الحسن في أحكامه، وهذا غلط فهذا قد تداخلت عنده المعلومات، الترمذي هو أول من حدّ الحسن بحدّ، ففرق بين أول من استخدم المصطلح وبين أول من حدّ المصطلح، فلم يعرّف أحد قبل الإمام الترمذي " الحسن "، لكن الإمام البخاري والإمام أحمد والإمام أبو حاتم الرازي ـ رجمهم الله تعالى ـ هؤلاء كلهم استخدموا " الحسن " فحكموا على أحاديث بأنها حسان، لكنهم لم يحدّوها.
إذاً الأولية للترمذي بالتعريف والحدّ، فقد عرفه ـ رحمه الله تعالى ـ في آخر كتابه " الجامع الصغير" بالتعريف الذي سبق ذكره.
стр. 28
عندئذ اختلف الشراح وأهل المصطلح بتفسير كلام الأئمة ـ أي الذين استخدموا الحسن ـ وإذا قلنا اختلفوا فإننا نعني بذلك أننا لابد أن نعرف ما هو مقصودهم، ولن نرجح الآن نقول إن استخدام فلان هو الصحيح واستخدام فلان هو الغلط، لكن نريد أن نعرف مقصودهم، فلن نحاكمهم على مصطلحاتهم فبعض الناس يأتي ويقول والراجح أن الحسن عند المتقدمين هو كذا، وهذا لا يحق له، لأن البخاري استخدمه في معنى،ولإمام أحمد استخدمه في معنى آخر.
فلو جئنا بكلمة تكلم بها العرب فوجدنا عربياً تكلم بها بهذا المعنى وعربي تكلم بها بهذا المعنى، فليس لي أن أقول الراجح معناها كذا.
مسألة: معاني الحسن عند الأئمة:
استخدم الأئمة الحسن بعدة معانٍ:-
المعنى الأول:
أن " الحسن " بمعنى الحُسْن الذي نحن فيه، بأنه حجة وصحيح، كالإمام الترمذي مثلاً أو الإمام أبو حاتم أو الإمام البخاري ـ رحمهم الله تعالى ـفإنهم استخدموا " الحَسَن " بمعنى الحُسْن، فهو حجة.
المعنى الثاني:
أن "الحسن" بمعنى الغرائب، فليست صحيحة وإنما هي غريبة، ولهذا قيل للإمام شعبة ـ رحمه الله تعالى ـ مالك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي ـ في طبقة الإمام شعبة ـ فهو حسن الحديث؟ فقال شعبة ـ رحمه الله تعالى ـ: " من حسنها فررت ".
إذاً ما معنى " الحسن" عند شعبة الآن معناه " الغريب" فكيف يتفرد العَرْزَمي بهذه الأصول التي لا يرويها إلا هو وليس في طبقة الحفاظ الكبار.
ومثله ما قاله الإمام أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ في " العلل "، عندما سئل عن حديث فقال: إسناده حسن. فقلت: يحتجّ به؟ فقال: لا.
فالحسن عند الإمام أبو حاتم في هذا الحديث ـ رحمه الله تعالى ـ بمعنى " الغريب ".
وكذلك قوله ـ رحمه الله تعالى ـ في ترجمة عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة: " هو عندي عجيب ضغيف منكر الحديث، ينكر حديثه، ويروي أحاديث مناكير، ويروي أحاديث حساناً ".
стр. 29
ولهذا عهد عن إبراهيم النخعي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان يقول: " كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه "، قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ: عَنى بالأحسن الغريب.
لماذا لا يحدث بها، لأمرين:-
الأول: لأن الناس سيتركونه، فهو سيوقع نفسه في التهمة بأنه يروي أحاديث حسان لا يرويها إلا هو فهو بين أمرين إما أنه يكذب وإما أنه لا يضبط، ولهذا سفيان ـ رحمه الله تعالى ـ كان يقال له: حدثنا بحديث فلان، فيقول " لا أحدثكم بها "، لأنها تهمة عليه ينقص من قدره إذا حدث بهذا الحديث.
الثاني: أنه قد يضر الناس، فليس كل أحد يستطيع أن يعرف النكارة التي في هذا الإسناد.
إذاً هذا معنى للحسن وهو الغريب، وبإمكاننا أن نقول هم يقسمون الغريب في استخدامهم للحسن إلى قسمين:
- أن يكون الحسن في الإسناد، أي حسن لغرابة إسناده، فقد يأتي الحُسن في الإسناد: فيروي أحد عن الزهري حديثا لم يروه غيره عن الزهري، فيقال هذا حسن إسناده أي غريب، كيف يتفرد به فلان عن الزهري بهذا الأصل، أين طلاب الزهري المئات!؟ .
- أن يكون الحسن في المتن، أي حسن لغرابة متنه، فقد يأتي الحسن في المتن، فقد يأتي إسناد بمتن غريب أصله، لم يأت ما يعضده، فلم يأت بهذا الأصل إلا هذا المتن.
المعنى الثالث:
أن " الحسن " بمعنى الضعيف، فهو ليس صحيحاً لكنهم يحتجون به، فيجعلون المتن حجة، لأتهم وجدوا عندهم ما يعضد هذا المتن إما بعموم كتاب أو أحاديث مرسلة أو أحاديث موقوفة، فيقولون هذا حسن لأنه عضد عندنا هذا الأصل الذي نحفظه من الكتاب أو السنة، وإن كان هو إسناداً ضعيفاً، فهو حجة لا صحيح، وهذا يستخدمه الأئمة يضعفون الحديث ويحتجون بمتونها كالإمام أحمد والإمام أبو حاتم الرازي ـ رحمهم الله تعالى ـ وغيرهم.
وتعرفون أن من أصول مذهب أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ الاحتجاج بالحديث الضعيف.
стр. 30
مسألة: ما معنى " حسن صحيح " عند الإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ؟
أولاً: هذا الاصطلاح خاص بالإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ، وإن كان هناك من المتقدمين من استخدم هذا الاصطلاح لكن على قِلّه، وعلى اختلاف في النسخ.
هل فعلا صحة هذه النسبة إلى الإمام أم لا أما الإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ فثابت عنه أنه قال " حسن صحيح ".
ثانيا: اختلف الأئمة في هذه العبارة عند الترمذي، على أقوال كثيرة نذكر ما تسعفنا به الذاكرة:
القول الأول: أن " حسن صحيح " بمعنى أنه حسن بهذا الإسناد صحيح من وجه آخر، فهذا الإسناد حسن لكن له إسناد آخر صحيح.
مناقشة هذا القول: هو قول ضعيف، يردّه أن الإمام الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ أحيانا يقول: " حسن صحيح غريب من هذا الوجه "، فقوله غريب معناه أنه لا يروى بغير هذا الإسناد.
القول الثاني: أن " حسن صحيح " بمعنى أنه حسن لإسناده صحيح متنه.
القول الثالث: أن " حسن صحيح " بمعنى واحد فهما مترادفان، ليس بينهما فرق، وهذا رجحه الحافظ بن دقيق العيد ـ رحمه الله تعالى ـ.
القول الرابع: أن " حسن صحيح " مرتبة أعلى من رتبة الصحيح.
القول الخامس: أن " حسن صحيح " مرتبة أقل من رتبة الصحيح.
الترجيح: الذي يظهر والله أعلم أنه ليس هناك ما يجزم به، وكل قول هناك ما يعترض عليه، ولو حوصرنا بزاوية ضيقة وطلب منا الترجيح، لقلنا بأن " الحسن الصحيح " بمعنى الصحيح، وهو قول بن دقيق العيد ﵀، فقوله قوي وإن كان هناك ما يعترض عليه، لكنه هو أقوى الأقوال.
مسألة: الحديث الحسن لغيره.
اختلف أهل العلم في تعريف الحديث الحسن لغيره على أقوال:
القول الأول: الحسن لغيره هو الحديث إذا تعددت طرقه، وهذه الطرق كلها ضعيفة الإسناد، انخرم فيها شرط من شروط الحديث الحسن لذاته.
стр. 31
القول الثاني: الحسن لغيره هو الحديث إذا تعددت شواهده، فمثلاً لو كان عندي حديث " التسمية عند الوضوء "، فقد جاء من حديث أبي هريرة ﵁، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وجاء من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهي أحاديث ضعيفة تعددت شواهدها فيرتقي إلى الحسن لغيره.
ومعنى " تعددت شواهدها " أي هي ما اختلف فيه الصحابي، إذاً هي ليست طريق في الإسناد، وإنما تعددت المتون من الصحابة، فهذا متن يرويه أبو هريرة ﵁، وهذا متن يرويه أبو سعيد ﵁، وهذا متن يرويه علي ﵁.
القول الثالث: الحسن لغيره هو ما انطبق عليه أحد الوصفين، بأن تعددت طرقه من شاهد واحد، أو تعددت شواهده من عدة من الصحابة.
اختلف أهل العلم في صحة هذا الكلام:
القول الأول: أن الحديث الحسن لغيره لا يوجد ولا يمكن أن تصحح حديث ضعيف بمجموع طرقه أو بمجموع شواهده، فلا يمكن أن نقبل هذا الحديث أبداً، وهذا هو مذهب بعض المحدثين ونسب إلى الأئمة المتقدمين.
القول الثاني: أن الحديث الحسن لغيره موجود إذا اتصف بأحد هذين الوصفين، بأن تعددت طرقه من شاهد واحد، أو تعددت شواهده من عدة من الصحابة، ولهذا صححوا حديث " الأذنان من الرأس " وصححوا حديث الصيام في العشر الأولْ من ذي الحجة، وصححوا حديث التسمية عند الوضوء، وعلى ذلك فقس، وهذا مذهب ابن الصلاح ومن تبعه كالحافظ بن حجر والحافظ العراقي ـ رحمهم الله تعالى ـ وهو مذهب المتأخرين.
القول الثالث: أن الحديث الحسن لغيره يشترط في تحسينه وتصحيحه ما يلي:
١) أن يكون هناك إسناد صالح لم ينزل إلى رتبة الضعيف، وإن كان لم يصل إلى رتبة الحديث الحسن لذاته، فمن حين ما تراه تقول هذا حديث حسن فتتجاذب فيه الرؤية عند الباحث كمرتبة الصدوق الذي يخطئ.
стр. 32
٢) أن تكون له مراسيل كثيرة صحيحة تتعاضد وموقوفات على الصحابة ﵃، فيأتي بمراسيل الحسن مثلاً، ويأتي بمراسيل سعيد، فله مراسيل كثيرة تشهد لها.
٣) أن لا يكون هناك ما يخالف هذا المتن من أحاديث صحيحة.
والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ: أن الحديث الحسن لغيره هو من أضيق الأحكام في المصطلح، ولذا لو رأيت الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ مثلاً لن تجد عنده أكثر من عشرة أحاديث يقول فيها هو حديث حسن يشُدّ بعضه بعضاً أو يقوّي بعضه بعضاً، وكذلك الإمام البخاري وبن المديني ـ رحمهم الله تعالى ـ، فمثلاً الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ سئل عن حديث " أفطر الحاجم والمحجوم "، فقد جاء من حديث رافع وأبو هريرة وشداد بن أوس ﵃ كلهم يقولون قال رسول الله ﷺ : " أفطر الحاجم والمحجوم "، فقال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أحاديث " أفطر الحاجم والمحجوم "، أحاديث يقوّي بعضها بعضاً، ولو نظرنا إلى أسانيد هذا الحديث لوجدنا أن فيها أحاديث منطبقة عليها حد الحديث الصحيح، فحديث رافع ينطبق عليه حد الحديث الصحيح، إذاً ما نستطيع أن نقول الإمام أحمد استخدم الحديث الحسن لغيره فلا نستطيع أن نستشهد بمقولته على أنه يقول بالحديث الحسن لغيره، لأن اصطلاح الإمام أحمد في قوله " يقوي بعضها بعضاً " لم يستخدمه كاصطلاح الحديث الحسن لغيره عند المتأخرين، نعم الإمام أحمد استخدم اصطلاح " يقوي بعضه بعضاً " بمثل معنى اصطلاح المتأخرين، حينما سئل عن التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، فقد يتجاذب الإنسان في أن هذه الأحاديث ضعيفة، لكن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ قال: أحاديث التكبير " يشد بعضها بعضاً ".
стр. 33
أما المتأخرون فإن أكثر الأحكام عندهم هو الحديث الحسن لغيره، ولهذا أرى أن الباحث المبتدئ عليه أن يتحاشى هذا المصطلح ويبتعد عنه تماماً حتى تتكون عنده الملكة القوية في مثل هذه المسألة.
(الحديث الضعيف)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وكل ما عن رتبة الحسن قصر ... فهو الضعيف وهو أقساما كثر
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثالث وهو (الحديث الضعيف) .
" ما " في قوله: " وكل ما عن رتبة الحسن......... "، هذه يستخدمها أهل العلم في الحدود، وهي موغلة في الإبهام والإيهام، لأنك عند تعريفك لشيء ما لا بد أن تأتي بالجنس الذي تحته أنواع، ولا تأتي بشيء مبهم مثل " ما "، وبعض أهل العلم قال أن " ما " فعلا هي مبهمة لكنها مفسرة، فنحن الآن نعرّف شيء في الحديث فهي لها معهود ذهني، فقولنا: " ما " أي حديث أو كلام، فيؤول ويفسر بما يراد أن يعرّف ويحدّ، إذاً قوله " ما " يعود إلى حديث أي كل حديث عن رتبة الحسن قصر.
الضعيف: هو العليل والسقيم فليس صحيحا.
حدّ المؤلف الحديث الضعيف بقوله: ما قصر عن رتبة الحديث الحسن.
إذاً كل حديث لم يصل إلى الحديث الحسن فهو ضعيف، ومن باب أولى إذا لم يصل إلى الحديث الصحيح، وهكذا عرفه بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ وارتضاه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ وهو تعريف العراقي أيضا وجماعة.
لكن هذا التعريف فيه إشكال عظيم جداً وهو: ما مقدار قوله " قصر "، فإنه سيدخل فيه الموضوع والمتروك والمكذوب والواهي، إذاً هذا التعريف ليس جامعاً مانعاً، فنحن الآن نتكلم عن الحديث الضعيف فهل الحديث الموضوع من أقسام الحديث الضعيف، كلا. فالحديث الموضوع مجزوم بأنه ليس من رسول الله ﷺ ، لكن الضعيف فيه احتمال أنه قاله ﷺ ، إذاً هذا إشكال أُورد على المؤلف.
стр. 34
الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ: وقف أمام هذا التعريف فلاحظ هذه المشكلة فزاد كلمة واحدة فقال: ما قصر عن رتبة الحسن " قليلاً "، حتى لا يعترض معترض بالحديث الموضوع، ولكن هذا فيه إشكال، فالقليل: كلمة مطلقة فما مقدار هذا القليل، والحدود على العموم كما قلت سابقاً في أول درس اختلفوا هل يمكن أن نحدّ شيئاً أم لا؟ فبعض الأصوليين يقولون أنك لا تستطيع أن تحدّ شيئا، وليس هناك حد تستطيع أن تجمع عليه العقول. فنفس الحد فيه خلاف، ماهو الحد أصلا فهناك قولان في تعريف الحد
الجامع المانع حد الحد ... أو ذو انعكاس إن تشأ والطرد
فنفس الحد فيه خلاف فكيف نحدّ ونحن الآن مختلفون في الحد، وعموما الحدود تقرب العلم.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وهو أقساما كثر.
إذاً أقسام الحديث الضعيف كثيرة، والمؤلف سيأتي بمنظومة ويذكر لنا أقسام الحديث الضعيف: كالمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والمنكر وغيرها.
مسألة: الحديث الضعيف هل هو حجة أم لا؟
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل الأصول، لأنهم المعنيون بالأدلة، هل الحديث الضعيف حجة أم لا، واختلفت عبارات الأئمة في ذلك على أقوال:-
القول الأول: أن الحديث الضعيف ليس بحجة.
القول الثاني: أن الحديث الضعيف حجة مطلقاً.
القول الثالث: جعلوا الحديث الضعيف عاضدا يستشهد به ويحتج به عند عدم المخالفة، بشروط:
الأول: أن لا يكون الضعف شديداً.
الثاني: أن يكون له أصل من أصول الدين يستمسك به ويشهد لهذا الحديث.
مثاله:
стр. 35
لو قلنا بأن قول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) بأنه ضعيف، فنرى هل هناك ما يشهد له من القرآن أو من السنة،فنرى في القرآن فنجد بأن القرآن مليء جداً بالرجوع إلى الولي، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ البقرة٢٢٩،وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ البقرة٢٣٧، على القول بأنه هو الولي، إذاً هناك ما يعضد له.
стр. 36
وكذلك لو نظرنا إلى فعل النبي ﷺ في طريقة خطبته، فإن العلماء نقلوا طريقة خطبة النبي ﷺ وطريقة خطبة الصحابة، فهم يذهبون إلى الأولياء فيخطبون منهم البنات، فدل هذا على أن الأصل في الخطبة أن الأصل في الخطبة أن تكون للأولياء، الشاهد أن الحديث الضعيف إذا كان هناك ما يشهد له ويعضده فإنه لا حرج في الاستدلال به والاحتجاج به خلافا لمن شدد وقال إنه لا يحتج بالحديث الضعيف مطلقا، وخلافا لمن قَبِلَه مطلقا، والإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ من أصوله التي بنى عليها مذهبه هو الاحتجاج بالحديث الضعيف، وله عبارات كثيرة في أنه يحتج بالحديث الضعيف فقد نقل عنه أنه يُسأل عن أحاديث ضعيفة فيقول هو ضعيف الاسناد فيقال له أتحتج به فيقول نعم، هذا في مواطن كثيرة نقلها بن مفلح في كثير من كتبه، فقد نقل كثيراً منها، من ذلك ماذكره في الآداب أن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر حديث الزهري مرسلاً (من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء، فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه) ، احتجّ به أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ وهو يرويه مرسلاً، فحُكي له أن رجلاً احتجم يوم الأربعاء واستخفّ بالحديث وقال ما هذا الحديث؟! فأصابه وضح، فقال أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ: لا ينبغي لأحد لأن يستخفّ بالحديث، وأيضاً المرداوي في الإنصاف، وكذلك ابن قدامة في المغني نقل كثيراً من هذا يُسأل عن حديث فيقول ضعيف، فيقال أتحتج به فيقول نعم كحديث التسمية وما شابه ذلك، كذلك الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ كثيراً ما يستدل بالحديث الضعيف ن ومن رأى مسنده ينظر بأنه يروي الأحاديث المرسلة فيستشهد بها ويستدل بها، وكذلك الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في موطئه نقل بلاغات ومراسيل كثيرة مع أنه قال " انتقيت الأحاديث الصحيحة "، فينتقي الأحاديث الصحيحة ومعنى هذا أنه لا يصحح إسناداً وإنما يستشهد له حكماً، وهذا
стр. 37
يدل على أن الحديث الضعيف ليس بمطّرح مطلقاً.
مسألة: الاستدلال بالحديث الضعيف في الترغيب والترهيب؟
هذه المسألة عند من ردّ الحديث الضعيف مطلقاً، فإذا كان يردّ الحديث الضعيف في الأحكام فإنه سيردّها في باب الرغائب والرهائب والفضائل، فنقول الاحتجاج بالحديث الضعيف في باب الرغائب والرهائب والفضائل وما شابه ذلك، اختلف فيه أهل العلم والذي يظهر والله تعالى أعلم من فعل العلماء أنهم يستشهدون بالحديث الضعيف في باب الرغائب والرهائب والفضائل بالشروط السابقة:
١) أن لا يكون الحديث الضعيف شديد الضعف.
٢) أن لا يكون الحديث الضعيف مخالفاً لأصل من أصول الدين، أي أن هناك ما يشهد له من أصول الدين جارٍ على قواعد الشريعة أو ما شابه ذلك.
أمثلة على ذلك:
- لو سألنا شخص عن حديث صلاة التسابيح، نقول بأنه حديث ضعيف، وإن كان الضعف ليس شديداً، ولكن لا نعمل به، لأنه ليس له أصل جارٍ عليه، فكلها صفات خارجة عن قواعد الشريعة في صفة الصلاة، لكن لا توجد صلاة تسبيح في القيام بمقدار معين، وفي الركوع بمقدار معين، وفي الجلوس بمقدار معين فهذا أصل جديد لا يمكن أن نقيم هذا الأصل بهذا الحديث الضعيف.
- ولو سألنا سائل فقال ما رأيكم بليلة رجب ـ " تسمى الليلة الرجبية " ـ فهناك أحاديث كثيرة في ليلة رجب وهناك من صححها فيكون الإسناد ليس شديد الضعف فمن صححها قطعاً لم يصححها إلا لوجود قوة عنده في هذا الحديث، وهل نعمل بها؟ فنقول هي أحاديث ضعيفة، ولا يعمل بها ـ وإن كان الأمر كما ذكرت من أنها ليست بشديدة الضعف ـ لأنها ليست جارية على أصول الشريعة، فليس هناك ليلة تُخص بصلاة، فليس هناك ما يشهد لها، أما لو كان عندنا أحاديث في فضل هذه الليلة والترغيب فيها، فيمكن أن نقول أن هذه تجري عليها قواعد الشريعة، فيعمل بها.
стр. 38
- ولو سألنا سائل فقال ما رأيكم بصيام العشر الأُولْ من ذي الحجة، هل ثبت هناك أحاديث فيها، وهل نعمل بها؟ فنقول الأحاديث الواردة فيها ضعيفة ولم يصحّ في صوم عشرة أيام أو تسعة أيام من عشر ذي الحجة حديث صحيح، لكنه يعمل بها لأنه جاء حديث في فضل هذه الأيام العشر والرغيب فيها، فقد خرج البخاري في صحيحه عن بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) . إذاً الرسول ﷺ رغب بالأعمال الصالحة، ومنها الصيام والصلاة والصدقة والتسبيح والتكبير والتحميد وغير ذلك.
اعتراض وجوابه:
إن قال قائل يستثنى من الأعمال الصالحة الصيام، لأن عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم أنها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) .
جواب هذا الاعتراض:
أولاً: أن هذا ليس فيه نهي.
اعتراض من المخالف: أننا لا نقول بمشروعية الصيام إلا إذا ثبت حديث فيه.
يجاب على هذا الاعتراض: هل ثبت ونقل أن النبي ﷺ سبّح أو تصدّق؟ لم ينقل عنه لكنه رغب ولم يستثنِ شيئاً.
ثانياً: ويجاب أيضاً أن حديث عائشة ﵂، متكلَّم فيه، فالإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أعلّه بالإرسال، فعليه لا يكون هناك شيء ممنوع من الأعمال الصالحة.
ثالثاً: أن الرسول ﷺ قد يرغّب بالعمل ولا ينقل أنه عمله، من ذلك العمرة في رمضان، وقد تكلمت على هذه المسألة في شرح المحرّر.
стр. 39
- وكذلك لو سألنا سائل فقال: ما رأيكم بقول الذكر الوارد عند دخول المنزل (بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا، اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج) ، فإن هناك من يضعف هذا الحديث، فهل يعمل به؟
نقول وإن ضعّفنا الحديث فإنه يعمل به لأن الرسول ﷺ رغّب في عموم الذكر، ... ورغّب في التسمية عند الدخول، إذاً قول (بسم الله ولجنا..........الحديث) ، له أصل فلا إشكال في العمل بما فيه، وهذه قاعدة مطّردة لا تنخرم علينا ألبته، ولهذا لوسألنا سائل فقال أنا أريد أن أتكلم عن التقوى أو أتكلم عن الصلاة أو أتكلم عن الزكاة فهل لي أن أذكر الأحاديث الضعيفة في كتابي؟
نقول نعم، فاذكر الأحاديث الضعيفة وانسبها، فقل مثلاً روى الترمذي في كذا ولا يشترط أن تقول هذا صحيح أو ضعيف، وهذا عليه عمل الأئمة، لكن بشرطين:_
١) أن يكون الضعف ليس شديداً.
٢) أن يكون ما تستدل به له أصلٌ صحيح.
ولهذا بن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو من يُنقل عنه الكلام في الحديث الضعيف مليئة كتبه بالأحاديث الضعيفة التي يضعفها هو، وقد مرّ معنا في رسالتيه " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " و " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "، فقد قرأنا فيهما أحاديث ضعيفة كثيرة وهو يضعفها، بل إنه ذكر أحاديث في كتبه متهمة بالوضع أي الضعف الشديد لكنها جارية على أصل صحيح فلا يُستشكل مثل هذا، ولهذا بعض الناس يشتطّ فيقول فلان يذكر الأحاديث الضعيفة! فهذا قصور جداً، فالشافعي ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم ذكروا أحاديث ضعيفة في كتبهم، فما يشتطّ فيه بعض الناس ليس صحيحاً،ولا تُطالب بأن تذكر " صحيح أو ضعيف ".
مسألة: ما هو حد الحديث الضعيف شديد الضعف؟
стр. 40
في النخبة سنتكلم عن الحديث المردود بأن يكون فيه راوٍ متروك، أو يكون فيه من الرواة الذين لا يحتج بهم مطلقاً، أو هناك من الأحاديث الذي انقلب عليه في أسانيده وليس له أصل، وهي مسألة نسبية قد يكون عند عالم مردود، وعند عالم آخر غير مردود.
(الحديث المرفوع)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وما أضيف للنبي المرفوع ... ..............................
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع وهو (الحديث المرفوع) .
قال: " للنبي "، أين الهمزة؟
أولاً: اختلف أهل العلم في اشتقاق النبي: -
القول لأول: أن اشتقاق النبي من النَّبْوة وهي الارتفاع، إذاً ليس هناك همزة فلا إشكال في قول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
القول الثاني: أن اشتقاق النبي من النبأ، فهذه فيها همزة فعلى هذا القول حذفت الهمزة في " النبي " تخفيفاً، وهي قراءة سبعية: أكثر القراء يقرؤنها بدون همزة سوى نافع قرأها بالهمزة في كل المواضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ البقرة١٣٦، وقوله: ﴿النَّبِيء أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الأحزاب٦، " وما أوتي النبيئون من ربهم " يقرأها بالهمزة مطلقاً.
قال الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ:
وجمعاً وفرداً في النبيء وفي ... النبوءة الهمز كلٌ غير نافع أبدلا
ما هو الحديث المرفوع؟
المؤلف أتى بالمسمى ثم حدّه، المسمى هو " المرفوع" فهذا هو المحدود.
فما هو حدّه؟
اختلف في حدّه على أقوال: -
القول الأول: أن المرفوع هو: " كل ما أضيف إلى النبي ﷺ "، فكل ما أضيف إلى النبي ﷺ فهو حديث " مرفوع " سواء من قول أو فعل أو صفة المهم أن يكون الحديث متعلق بالرسول ﷺ ، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ، فهو لم يشترط الاتصال في الإسناد.
следующие страницы →