← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 126

الكواكب الدرية على المنظومة البيقونية

سليمان بن خالد الحربي

Полный текст (126 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكذلك لو نظرنا إلى فعل النبي ﷺ في طريقة خطبته، فإن العلماء نقلوا طريقة خطبة النبي ﷺ وطريقة خطبة الصحابة، فهم يذهبون إلى الأولياء فيخطبون منهم البنات، فدل هذا على أن الأصل في الخطبة أن الأصل في الخطبة أن تكون للأولياء، الشاهد أن الحديث الضعيف إذا كان هناك ما يشهد له ويعضده فإنه لا حرج في الاستدلال به والاحتجاج به خلافا لمن شدد وقال إنه لا يحتج بالحديث الضعيف مطلقا، وخلافا لمن قَبِلَه مطلقا، والإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ من أصوله التي بنى عليها مذهبه هو الاحتجاج بالحديث الضعيف، وله عبارات كثيرة في أنه يحتج بالحديث الضعيف فقد نقل عنه أنه يُسأل عن أحاديث ضعيفة فيقول هو ضعيف الاسناد فيقال له أتحتج به فيقول نعم، هذا في مواطن كثيرة نقلها بن مفلح في كثير من كتبه، فقد نقل كثيراً منها، من ذلك ماذكره في الآداب أن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر حديث الزهري مرسلاً (من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء، فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه) ، احتجّ به أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ وهو يرويه مرسلاً، فحُكي له أن رجلاً احتجم يوم الأربعاء واستخفّ بالحديث وقال ما هذا الحديث؟! فأصابه وضح، فقال أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ: لا ينبغي لأحد لأن يستخفّ بالحديث، وأيضاً المرداوي في الإنصاف، وكذلك ابن قدامة في المغني نقل كثيراً من هذا يُسأل عن حديث فيقول ضعيف، فيقال أتحتج به فيقول نعم كحديث التسمية وما شابه ذلك، كذلك الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ كثيراً ما يستدل بالحديث الضعيف ن ومن رأى مسنده ينظر بأنه يروي الأحاديث المرسلة فيستشهد بها ويستدل بها، وكذلك الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في موطئه نقل بلاغات ومراسيل كثيرة مع أنه قال " انتقيت الأحاديث الصحيحة "، فينتقي الأحاديث الصحيحة ومعنى هذا أنه لا يصحح إسناداً وإنما يستشهد له حكماً، وهذا

стр. 37

يدل على أن الحديث الضعيف ليس بمطّرح مطلقاً. مسألة: الاستدلال بالحديث الضعيف في الترغيب والترهيب؟ هذه المسألة عند من ردّ الحديث الضعيف مطلقاً، فإذا كان يردّ الحديث الضعيف في الأحكام فإنه سيردّها في باب الرغائب والرهائب والفضائل، فنقول الاحتجاج بالحديث الضعيف في باب الرغائب والرهائب والفضائل وما شابه ذلك، اختلف فيه أهل العلم والذي يظهر والله تعالى أعلم من فعل العلماء أنهم يستشهدون بالحديث الضعيف في باب الرغائب والرهائب والفضائل بالشروط السابقة: ١) أن لا يكون الحديث الضعيف شديد الضعف. ٢) أن لا يكون الحديث الضعيف مخالفاً لأصل من أصول الدين، أي أن هناك ما يشهد له من أصول الدين جارٍ على قواعد الشريعة أو ما شابه ذلك. أمثلة على ذلك: - لو سألنا شخص عن حديث صلاة التسابيح، نقول بأنه حديث ضعيف، وإن كان الضعف ليس شديداً، ولكن لا نعمل به، لأنه ليس له أصل جارٍ عليه، فكلها صفات خارجة عن قواعد الشريعة في صفة الصلاة، لكن لا توجد صلاة تسبيح في القيام بمقدار معين، وفي الركوع بمقدار معين، وفي الجلوس بمقدار معين فهذا أصل جديد لا يمكن أن نقيم هذا الأصل بهذا الحديث الضعيف. - ولو سألنا سائل فقال ما رأيكم بليلة رجب ـ " تسمى الليلة الرجبية " ـ فهناك أحاديث كثيرة في ليلة رجب وهناك من صححها فيكون الإسناد ليس شديد الضعف فمن صححها قطعاً لم يصححها إلا لوجود قوة عنده في هذا الحديث، وهل نعمل بها؟ فنقول هي أحاديث ضعيفة، ولا يعمل بها ـ وإن كان الأمر كما ذكرت من أنها ليست بشديدة الضعف ـ لأنها ليست جارية على أصول الشريعة، فليس هناك ليلة تُخص بصلاة، فليس هناك ما يشهد لها، أما لو كان عندنا أحاديث في فضل هذه الليلة والترغيب فيها، فيمكن أن نقول أن هذه تجري عليها قواعد الشريعة، فيعمل بها.

стр. 38

- ولو سألنا سائل فقال ما رأيكم بصيام العشر الأُولْ من ذي الحجة، هل ثبت هناك أحاديث فيها، وهل نعمل بها؟ فنقول الأحاديث الواردة فيها ضعيفة ولم يصحّ في صوم عشرة أيام أو تسعة أيام من عشر ذي الحجة حديث صحيح، لكنه يعمل بها لأنه جاء حديث في فضل هذه الأيام العشر والرغيب فيها، فقد خرج البخاري في صحيحه عن بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) . إذاً الرسول ﷺ رغب بالأعمال الصالحة، ومنها الصيام والصلاة والصدقة والتسبيح والتكبير والتحميد وغير ذلك. اعتراض وجوابه: إن قال قائل يستثنى من الأعمال الصالحة الصيام، لأن عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم أنها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) . جواب هذا الاعتراض: أولاً: أن هذا ليس فيه نهي. اعتراض من المخالف: أننا لا نقول بمشروعية الصيام إلا إذا ثبت حديث فيه. يجاب على هذا الاعتراض: هل ثبت ونقل أن النبي ﷺ سبّح أو تصدّق؟ لم ينقل عنه لكنه رغب ولم يستثنِ شيئاً. ثانياً: ويجاب أيضاً أن حديث عائشة ﵂، متكلَّم فيه، فالإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أعلّه بالإرسال، فعليه لا يكون هناك شيء ممنوع من الأعمال الصالحة. ثالثاً: أن الرسول ﷺ قد يرغّب بالعمل ولا ينقل أنه عمله، من ذلك العمرة في رمضان، وقد تكلمت على هذه المسألة في شرح المحرّر.

стр. 39

- وكذلك لو سألنا سائل فقال: ما رأيكم بقول الذكر الوارد عند دخول المنزل (بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا، اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج) ، فإن هناك من يضعف هذا الحديث، فهل يعمل به؟ نقول وإن ضعّفنا الحديث فإنه يعمل به لأن الرسول ﷺ رغّب في عموم الذكر، ... ورغّب في التسمية عند الدخول، إذاً قول (بسم الله ولجنا..........الحديث) ، له أصل فلا إشكال في العمل بما فيه، وهذه قاعدة مطّردة لا تنخرم علينا ألبته، ولهذا لوسألنا سائل فقال أنا أريد أن أتكلم عن التقوى أو أتكلم عن الصلاة أو أتكلم عن الزكاة فهل لي أن أذكر الأحاديث الضعيفة في كتابي؟ نقول نعم، فاذكر الأحاديث الضعيفة وانسبها، فقل مثلاً روى الترمذي في كذا ولا يشترط أن تقول هذا صحيح أو ضعيف، وهذا عليه عمل الأئمة، لكن بشرطين:_ ١) أن يكون الضعف ليس شديداً. ٢) أن يكون ما تستدل به له أصلٌ صحيح. ولهذا بن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو من يُنقل عنه الكلام في الحديث الضعيف مليئة كتبه بالأحاديث الضعيفة التي يضعفها هو، وقد مرّ معنا في رسالتيه " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " و " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "، فقد قرأنا فيهما أحاديث ضعيفة كثيرة وهو يضعفها، بل إنه ذكر أحاديث في كتبه متهمة بالوضع أي الضعف الشديد لكنها جارية على أصل صحيح فلا يُستشكل مثل هذا، ولهذا بعض الناس يشتطّ فيقول فلان يذكر الأحاديث الضعيفة! فهذا قصور جداً، فالشافعي ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم ذكروا أحاديث ضعيفة في كتبهم، فما يشتطّ فيه بعض الناس ليس صحيحاً،ولا تُطالب بأن تذكر " صحيح أو ضعيف ". مسألة: ما هو حد الحديث الضعيف شديد الضعف؟

стр. 40

في النخبة سنتكلم عن الحديث المردود بأن يكون فيه راوٍ متروك، أو يكون فيه من الرواة الذين لا يحتج بهم مطلقاً، أو هناك من الأحاديث الذي انقلب عليه في أسانيده وليس له أصل، وهي مسألة نسبية قد يكون عند عالم مردود، وعند عالم آخر غير مردود. (الحديث المرفوع) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما أضيف للنبي المرفوع ... .............................. انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع وهو (الحديث المرفوع) . قال: " للنبي "، أين الهمزة؟ أولاً: اختلف أهل العلم في اشتقاق النبي: - القول لأول: أن اشتقاق النبي من النَّبْوة وهي الارتفاع، إذاً ليس هناك همزة فلا إشكال في قول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. القول الثاني: أن اشتقاق النبي من النبأ، فهذه فيها همزة فعلى هذا القول حذفت الهمزة في " النبي " تخفيفاً، وهي قراءة سبعية: أكثر القراء يقرؤنها بدون همزة سوى نافع قرأها بالهمزة في كل المواضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ البقرة١٣٦، وقوله: ﴿النَّبِيء أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الأحزاب٦، " وما أوتي النبيئون من ربهم " يقرأها بالهمزة مطلقاً. قال الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: وجمعاً وفرداً في النبيء وفي ... النبوءة الهمز كلٌ غير نافع أبدلا ما هو الحديث المرفوع؟ المؤلف أتى بالمسمى ثم حدّه، المسمى هو " المرفوع" فهذا هو المحدود. فما هو حدّه؟ اختلف في حدّه على أقوال: - القول الأول: أن المرفوع هو: " كل ما أضيف إلى النبي ﷺ "، فكل ما أضيف إلى النبي ﷺ فهو حديث " مرفوع " سواء من قول أو فعل أو صفة المهم أن يكون الحديث متعلق بالرسول ﷺ ، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ، فهو لم يشترط الاتصال في الإسناد.

стр. 41

إذاً تعريف المؤلف للمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ سواء كان متصلا أو منقطعا وسواء رفعه صحابي أو رفعه تابعي. فإذا جاءك إسناد إلى النبي ﷺ مباشرة من حين ما ترى قال رسول الله ﷺ ، قل هو حديث " مرفوع" بإطلاق: فإذا قال أبو هريرة ﵁ " قال رسول الله ﷺ "، قل هذا حديث مرفوع. وإذا قال أبو عبد الرحمن السلمي ـ وهو تابعي ـ " قال رسول الله ﷺ "، قل هذا حديث مرفوع. وإذا قال الزهري " قال رسول الله ﷺ "، قل هذا حديث مرفوع. وإذا قال معمر " قال رسول الله ﷺ "، قل هذا حديث مرفوع. وإذا قال عبد الرزاق " قال رسول الله ﷺ "، قل هذا حديث مرفوع. فكل ما أضيف إلى النبي ﷺ من طريق مسند بإسناد نسميه " حديثاً مرفوعاً " وهذا مطّرد عند المحدثين " أن كل ما روي بإسناد إلى النبي ﷺ ولو كان بين الراوي وبين الرسول ﷺ اثنين أو ثلاثة أو خمسة، فهو مرفوع ". القول الثاني: أن ما أضيف إلى النبي ﷺ شرطه أن يرفعه الصحابي، إذاً يشترطون الاتصال والرفع. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: وسمِّ مرفوعاً مضافاً للنبي ... واشترط الخطيب رفع الصاحبِ القول الثالث: يشترط في أن يكون مرفوعاً، أن يرفعه الصحابي أو التابعي فقط، فالمرسل يسمى مرفوعاً، ومرسل التابعي يسمى مرفوعاً، ما عداه لا يسمى مرفوعاً، فلو رفعه معمر فلا يسمى مرفوعاً. هناك أقسام للمرفوع تكلم عنها أهل العلم لا بد أن نعرفها. المرفوع ينقسم إلى قسمين: ١) مرفوع صريح. ٢) مرفوع حكماً. المرفوع الصريح: هو ما رفع إلى النبي ﷺ بقولنا قال ﷺ ، فهذا مرفوع صريح.

стр. 42

أما المرفوع الحكمي: فحكمه الرفع لأنه لا يوجد نص أن الرسول ﷺ قاله لكن حكمه الرفع. وهذا جاء على عدّة أقسام: القسم الأول: قول الصحابي، أمرنا، نهينا، من السنة، فإذا قال أنس ﵁ (من السنة أن يقول المؤذن الصلاة خير من النوم) في صلاة الفجر فهذا مرفوع حكمي، وإذا قالت أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فهذا مرفوع حكمي. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: قول الصحابي " من السنة " أو ... نحو " أمرنا " حكمه الرفع ولو بعد النبي قاله بأعْصُرِ ... على الصحيح وهو قول الأكثر مسألة: إذا قال التابعي " من السنة " أو " أمرنا بكذا ". هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، وذكر الخلاف فيها ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ، والذي عليه أكثر المحدثين والمحققين من أهل علم الاصطلاح أنه ليس له حكم الرفع، وإنما الخلاف محفوظ في قول الصحابي " من السنة "، فليست هي مسألة إجماعية، فكيف إذا كانت من التابعي فلا شك أن قول التابعي " من السنة " أنه ليس له حكم الرفع وليس له حكم الاتصال، لكن يعتبر من الشواهد والقرائن التي يعتضد به، لكن ليست حجيته كحجية الصحابي في قوله: " من السنة ". القسم الثاني: قول الصحابي، كنا نفعل على عهد رسول الله ﷺ ، مثل قول أنس ﵁ "كنا على عهد رسول الله ﷺ ننتظر الصلاة فتخفق رؤوسنا ولا نتوضأ " فهذا مرفوع حكمي. القسم الثالث:

стр. 43

قول الصحابي شيئا لا يأتي عن طريق العقل فلا يمكن أن يصل إليه القائل بعقله، فمحال أن يتكلم الصحابي بشيء يأتي به من رأسه وإنما قطعا إنما تكلم عن علم، فهذا له حكم المرفوع، مثل قول أبي هريرة ﵁ (من أتى كاهنا أو عرّافا فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وقوله أيضا في الصحيح (أما هذا فقد عصى أبا القاسم) للذي خرج من المسجد بعد الأذان، ومثل قول أبو سعيد الخدري ﵁ (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له مابين الجمعتين) فهذا كله له حكم الرفع، فكل ما لا مجال للعقل فيه له حكم الرفع بشرط ألا يكون هذا الصحابي قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل، فإن عرف فإننا نحتاط ونتوقف قليلا هل له مخالف هل له أصل، فلا نرده بإطلاق ـ كما يقوله بعض الناس ـ وهذا غير صحيح فقول الصحابي له ثُقْلُه فننظر فيه، بدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (فقدت أمة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فَعَلَت ولا أراها إلا الفأر........... الحديث) قال أبو هريرة ﵁ فحدثت هذا الحديث كعباً فقال: آنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قلت نعم. قال ذلك مراراً قلت أأقرأ التوراة! ا. هـ. وكأنه ـ والعلم عند الله ـ يُلوّح، فدل على أنهم يحتاطون بالأخذ من بني إسرائيل وقراءة كتبهم. القسم الرابع: قول الصحابي، سبب نزول كذا، أو فنزلت كذا،وهذا اختلف فيه أهل العلم هل له حكم الرفع. القول الأول: أن له حكم الرفع، وهذا قول كثير من المحدثين، فما قال الصحابي ذلك إلا أنه قطعا سمعه من رسول الله ﷺ . القول الثاني: أنه ليس مرفوعاً حكماً وإنما هذا اجتهاد من الصحابي ﵁ ورأي له.

стр. 44

القول الثالث: أنه يفرق بين عبارتين بين إذا قال الصحابي سبب نزول الآية كذا، وبين قوله نزلت في كذا، فعندما يقول سبب نزول الآية كذا هذا صريح وله حكم الرفع، وأما إذا قال نزلت في كذا فقد يكون اجتهاداً منه، وهذا رأي شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ ذكره في مقدمة التفسير. ? هناك بعض العبارات يطلقها أهل العلم في معنى الرفع: ١) قولهم " يرفعه "، فهذه تدل على أنه مرفوع. ٢) قولهم، " يبلغ به "، فهذه تدل على أنه مرفوع. ٣) قولهم " يَنْمِيه "، فهذه تدل على أنه مرفوع. ٤) قولهم " يرويه إلى رسول الله ﷺ "، فهذه تدل على أنه مرفوع. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: وقولهم " يرفعه " أو " يبلغ به " ... " روايةً " " ينميهِ " رفعٌ فانتبه (الحديث المقطوع) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: .......................... ... وما لتابع هو المقطوع انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الخامس وهو (الحديث المقطوع) . قوله " وما لتابع ": أي التابعي، وهو من رأى الصحابي ولم ير النبي ﷺ ، فكل ما أضيف إلى التابعي فهو مقطوع، فإذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن أو أبو عبد الرحمن السُلَمي، أو سالم بن عبد الله بن عمر ﵁، فهذا كله مقطوع، فإذا أضيف إليه الكلام نسميه مقطوعاً. لماذا سمي مقطوعاً؟ لأنه انقطع الإسناد عنده، والأصل أن الإسناد يكون إلى الرسول ﷺ وهذا اصطلاح لهم. وبعض المحدثين استخدم المقطوع بمعنى المنقطع، فتجد الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ مثلاً استخدم المقطوع بمعنى المنقطع، جاء إلى حديث وفيه انقطاع فقال هذا حديث مقطوع ـ أي منقطع ـ. إذاً المقطوع له اصطلاحان عند الأئمة: ١) المقطوع بمعنى: ما أضيف إلى التابعي. ٢) المقطوع بمعنى منقطع الإسناد، كما استخدم ذلك الشافعي ﵀.

стр. 45

قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: وسَمِّ بالمقطوع قَول التابعي ... وفعله، وقد رأَى للشافعي تعبيره به عن المنقطعِ ... قُلْت وعكسه اصطلاح البردعي فلو جئت لحديث منقطع وقلت هو مقطوع فلا أحد يقول لك هذا غلط لا مشاحة في الاصطلاح، فكل حديث منقطع يصح أن تقول عنه أنه مقطوع لكن ليس عليه الاصطلاح، ولو جئت لحديث مرسل وقلت هذا مقطوع لا إشكال، لكنك تكلمت بغير الكلام المفهوم باصطلاح المحدثين لكن أنت مسبوق بذلك. (الحديث المسند) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والمسند المتصل الإسناد من ... راويه حتى المصطفى ولم يبن انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السادس وهو (الحديث المسند) . مسند: اسم مفعول من أسْنَدَ يُسْنِدُ إسناداً فهو مُسنَد، فالمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر المسمى وهو المسند، وذكر التعريف، وهو قسم من أقسام الحديث. والمسند: "هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ من غير انقطاع "، كما عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ وهو الصحيح. فقولنا " ما اتصل إسناده "، أخذناه من قول المؤلف "المتصل الإسناد ". وقولنا " إلى رسول الله ﷺ "، أخذناه من قول المؤلف " حتى المصطفى ". وقولنا " من غير انقطاع "، أخذناه من قول المؤلف " ولم يَبِنْ "، من بانَ يبِينُ أي انقطع. مسألة: هل قولنا "هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ من غير انقطاع" هو تعريف المرفوع؟ أما على كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فلا، لأنه قال في المرفوع " وما أضيف للنبي المرفوع "، فلم يذكر الاتصال. أما على القول الثاني: الذي ذكرناه في المرفوع وهو قولنا " أن ما أضيف إلى النبي ﷺ شرطه أن يرفعه الصحابي "ً فاشترطنا الاتصال والرفع، على هذا التعريف يكون المسند هو المرفوع. فحديث (إنما الأعمال بالنيات) ماذا نصِفُه؟

стр. 46

نقول إنه حديث مرفوع ومسند ومتصل وموصول، هذه كلها أوصاف لهذا الحديث، إذاً لا تتداخل عندنا المسميات لأنها اصطلاحات واستخدمها المحدثون، وأنا ذكرت كثيرا في علم أصول الفقه وفي علم المصطلح وفي علم النحو، طالب العلم مشكلته في عدم الاهتمام بمعرفة المصطلحات، فكثير من طلبة العلم يدخل ويبحث في هذا العلم ولعلّه يؤلف والاصطلاح عنده غير دقيق ولا يفهم في الاصطلاحات، وهذا نقص كبير، فقد تجلس مع أحد يصحح ويضعف وتقول له عرّف الحديث الحسن؟ فلا يستطيع أن يأتي بتعريف واحد، وهو يبحث ويصحح ويجمع الطرق، لكن الحدود ليست في عقله، وهذا قصور كبيرا جدا في التصور، فلا بد أن تعرف الحدود وتتصورها وتضبطها، لأن هذا هو انطلاقك، والتلكؤ الذي يكون عند الكثير من طلبة العلم هو أخذ العلم بجملة كأنه حمّال حطب، ما يدري ما الذي معه، لكن لو كل إنسان يعرف ما هو الحد وما هو المصطلح هذا؟ ، فمتى استخدمها يجد أن العلم مضيء في كل زاوية يعرف ما الذي معه. ولكن كيف نعرف الحدود وكيف نحفظها؟ من خلال هذه المنظومات، فإذا لم تحفظ منظومة لا يمكن أن تستقر الحدود في عقلك. مسألة: ما الذي يختلف في تعريف المسند والمرفوع عند المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ؟ المسند: يكون متصلاَ. والمرفوع: لم يشترط فيه الاتصال. فالمسند مرفوع متصل، والمرسل مرفوع ليس بمتصل، فلا يمكن أن نقول لحديث مرسل بأنه متصل، ولا يمكن أن نقول لحديث منقطع بأنه متصل، ويمكن أن نقول لحديث موقوف بأنه متصل، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل مرفوع يكون متصلا وليس كل مرسل يكون متصلاً، وهذا عند المؤلف ـ رجمه الله تعالى ـ. ? لفتة لغوية: قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والمسند المتصل الإسنادِ من ... ............................. كيف أضاف المؤلف إلى ما فيه " أل"، فهل تجتمع الإضافة مع " أل "؟

стр. 47

الأصل لا، فالأصل أن نقول والمسند المتصل الإسنادُ، فيكون تعريف وليس إضافة، والأصل في الإضافة عدم التعريف فتقول غلام زيد ولا تقول الغلام الزيد، وعندنا في كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عرفها مع أنه أضافها. جواب هذا الإشكال مايلي: أن المضاف هنا مشتق شبيه بالفعل المضارع " فمتصل " اسم فاعل، وأهل اللغة يقولون إذا كان المضاف مشتقاً شبيهاً بالمضارع فإنه يغتفر أن تدخل عليه " أل " ولو كان مضافا بشرط أن تدخل على المضاف إليه " أل " أيضا، وكلام المؤلف انطبقت عليه الشروط، فالمضاف وهو " المتصل " مشتق اسم فاعل دخلت عليه " أل "، والمضاف إليه وهو " الإسناد" دخلت عليه " أل ". فعندنا الإضافة قسمين: ١) إضافة معنوية: وهي التي لا يمكن أن تدخل عليه " أل " أبداً، ولها معنى. ٢) إضافة لفظية: وهي التي يمكن أن تدخل عليها " أل "، وذلك إذا كان المضاف مشتقاً بشرط أن تدخل على المضاف إليه " أل " أيضا، واللفظية ليس لها معنى. قال ابن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: ووصل أل بذا المضاف مغتفر ... إن وصلت بالثاني كالجعد الشعر بالثاني: أي بالمضاف إليه. (الحديث المتصل) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما بسمع كل راوٍ يتصل ... إسناده للمصطفى فالمتصل انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السابع وهو (الحديث المتصل) . عندما قال المؤلف في تعريف المسند: والمسند المتصل الإسناد، كأن سائلاً سأل ما معنى " المتصل الإسناد "، عرف ذلك المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فهذا البيت تعريف لبعض أجزاء حدّ المسند. ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ تعريف المتصل بقوله: وما بسمع كل راوٍ يتصل ... إسناده للمصطفى فالمتصل أي لا بد أن يكون كل راو سمع من شيخه، وعليه سيدخل في المتصل، المرفوع والمسند والموصول، لأن المؤلف قال: إسناده للمصطفى فالمتصل. ولو كان البيت: وما بسمع كل راوٍ يتصل ... إسناده للصاحبي فالمتصل

стр. 48

فهذا هو المتصل الموقوف. ولو كان البيت: وما بسمع كل راوٍ يتصل ... إسناده للتابعي فالمتصل فهذا هو المتصل المقطوع. قوله " وما بسمع ": هل هذا القيد مقصود لذاته؟ ليس مقصوداً لذاته، لكنه كناية عن الاتصال وكناية على عدم الانقطاع، فقوله " وما بسمع " ليس شرطا وليس حداً وإنما هو وصف طردي فهو ذكر مثالاً لبعض طرق التحمل، فقد يكون التحمل كتابة وقد يكون مناولة وقد يكون إجازة وقد يكون وجادة، المهم أن يكون متصلاً بأي طرق التحمل، فليس هو السماع فقط. قوله " المصطفى ": هو الرسول ﷺ ، وأصل مصطفى " اصتفى "، فهي على وزن " افتعل "، والقاعدة أن الكلمة إذا كانت فاؤها صاداً أو أحد حروف الإطباق المعروفة، وهي مزيدة بتاء الافتعال، تقلب فاء الكلمة طاء في جميع التصاريف. مسألة: ما الفرق بين المسند والمتصل؟ المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لم يفرق بين المسند والمتصل. وعلى قول من قال إن " المسند" يطلق على المنقطع مادام أنه يروى بالسلسلة مع أن فيه انقطاع، يكون هناك فرق بين المسند والمتصل، فالمسند على هذا القول قد يكون منقطعاً، والمتصل غير منقطع دائماً. وكذلك على قول من قال إن " المسند " هو ما روي إلى النبي ﷺ فقط ولو لم يكن متصلاً. وكذلك على قول من قال إن " المسند " يطلق حتى ولو لم يروه النبي ﷺ فيطلق على المقطوع والموقوف، سيكون هناك فرق بين المسند والمتصل. (الحديث المسلسل) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: مسلسل قل ما على وصف أتى ... مثلُ أما والله أنباني الفتى كذاك قد حدثنيه قائما ... أو بعد أن حدثني تبسماً انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثامن وهو (الحديث المسلسل) ، وهو من مباحث الإسناد.

стр. 49

مسلسل: اسم مفعول من سَلْسَلً يُسَلْسِل، والمسلسل: مأخوذ من السلسة، وعادة السلسلة أن تكون أجزائها متشابهه مع بعضها، ولما تشابه أجزاء السند قالوا عنه إنه مسلسل، وقيل إن لفظ المسلسل مأخوذ من الماء السَّلسَال من سَلْسَ الماء إذا كان عذباً ٍ طعمه جيد، فقالوا إن المسلسل من أجمل أنواع التحمل ففيه جمال في تحمله وفي وصفه. ولا يمتنع أن يكون المسلسل مأخوذ من هذين المعنيين، فكلاهما في الحديث المسلسل. المسلسل: عرفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأنه " الحديث الذي جاء على وصف " ونحن نزيد "واحد"، فيكون الحديث المسلسل:" هو الذي جاء على وصف واحد "، فهناك وصف في هذه السلسلة متشابهه فجميع أجزاء الإسناد فيه شيء متشابه. ونأتي بتعريف آخر للمسلسل: " هو ما توارد إسناده أو طريقة تحمله على وصف واحد ". هذا أدق في التعريف. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: مسلسل الحديث ما تواردا ... فيه الرواة واحدا فواحدا حالا لهم أوصفا أو وصف سند ... كقول كلهم سمعت فاتَّحد نستطيع أن نقسم المسلسل إلى عدة أقسام: القسم الأول: أن يكون التشابه في الرواة مثلا بأي نوع من أنواع التشابه. مثاله: أن يكون أسماء كل الرواة محمد، أو يكون كل أسماء الرواة مبدوء بحرف العين، أو يكون كل الرواة بصريين أو مصريين أو شاميين أو حجازيين، أو يكون كل الرواة أئمة، أو يكون كل الرواة أصحاب عاهات، أو يكون الرواة كلهم ضعفاء. القسم الثاني: أن يكون التشابه في قول أو فعل موجود. مثاله: مثال القول: قول معاذ "والله إني لأحبك " وهذا يسمى مسلسل " المحبة "، فكل راوٍ يقول لمن سيحدثه " والله إني لأحبك "، أو حديث مسلسل بالأولية فيقول التلميذ حدثني شيخي وكان أول ما سمعت منه وهكذا إلى نهاية السند، أومسلسل بالآخرية فيقول التلميذ حدثني شيخي وكان آخر ما سمعت منه وهكذا إلى نهاية السند، أو مسلسل التحريك وهكذا.

стр. 50

مثال الفعل: أن يبتسم الراوي ثم يروي الحديث ويسمى المسلسل بالتبسم. القسم الثالث: أن يكون التشابه في حال موجود حال التحمل. مثاله: كقول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: كذاك قد حدثنيه قائما ... ............................. مسألة: هل كل السلاسل موصولة إلى رسول الله ﷺ ؟ ليست كل السلاسل موصولة إلى رسول الله ﷺ ، فبعض السلاسل موجودة إلى الأئمة، كمسلسل مالك المشهور يسمى " مسلسل أقبل على شأنك ". قال الإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ: " وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة لكذب رواتها "، وهو قد صدق ـ رحمه الله تعالى ـ، فبعض الناس يريد أن يغرب فيدخل بعض الأوصاف على السند، كالحديث المسلسل بالأولية " الراحمون يرحمهم الرحمن " هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فعبد الله حدث أبا قابوس مولى له وأبو قابوس حدث عمرو بن دينار وعمرو بن دينار حدث سفيان بن عيينة، وليس فيه " أول ما سمعت "، لكن بعض تلاميذ سفيان كان أول ما سمع من سفيان هذا الحديث، فكان يقول سمعت من سفيان وكان أول حديث سمعت منه عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رحمهما الله تعالى ـ، فجاء بعض الرواة ولم يكتف بهذا بل جعل سفيان بن عيينة قال وكان أول حديث سمعته من عمرو بن دينار، وجعل عمرو بن دينار يقول وكان أول حديث سمعته من أبي قابوس، وجعل أبا قابوس يقول وكان أول حديث سمعته من عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وجعل عبد الله بن عمرو ﵄ يقول وكان أول حديث سمعته من رسول الله ﷺ . فانظر إلى الإغراب كيف! حتى انتقده بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ في مقدمته. ويقول الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: ومنه ذو نقص بقطع السلسله ... كأولية، وبعضٌ وصله

стр. 51

فما وصل إلا من طرق واهية موضوعة، ولكن من أجل الإغراب، حتى ألف السيوطي كتابا اسمه " المسلسلات الكبرى " كل المسلسلات الكبرى وصلها إلى خمسة وثمانين حديثاً، ثم ألف كتابا آخر اسمه " المسلسلات الجياد "، يعني أجود ما في الباب. قاعدة: لا يصح أي مسلسل إلى زماننا هذا، وأحسن ما في الباب " مسلسل سورة الصف ". ما هو مسلسل سورة الصف؟ كل شيخ يقول سمعت من شيخي سورة الصف ثم يقرأها عليه، فأحد الصحابة سمع سورة الصف من رسول الله ﷺ ثم هذا الصحابي رواها إلى تلميذه فأسمعه إياها، فكان كل شيخ يقرأ سورة الصف على تلميذه ويقول سمعت سورة الصف، فالمسلسل هو " سمعت سورة الصف ". مسألة: ما معنى قولنا " لا يصح في المسلسل حديث "؟ نقول الكلام في الإسناد وليس في المتن، أي لا يصح مسلسل في الصفة لا بد أن تنقطع، فمن وصلها فلا يصح الإسناد، نعم هناك أسانيد مسلسلة في بعض أجزاء الحديث صحيحة لا إشكال فيه، لكن نقول لا يصح إسناد مسلسل من مبتدأه إلى رسول الله ﷺ بصفة واحدة، لا بد أن تجد في أسانيدها ضعف. مسألة: هل يلزم من ضعف أسانيد المسلسلات ضعف المتون؟ لا. فكثير من الأحاديث المسلسلة أحاديثها صحيحة، فمثلا حديث " يا معاذ والله إني لأحبك " هذا حديث صحيح، لكنه ليس متصلاً بهذه السلسلة " والله إني لأحبك " إلى آخر الإسناد، فتجد في بعض طبقات الإسناد ليس فيه " والله إني لأحبك "، وإلا فإن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁ " والله إني لأحبك "، ومعاذ قال للصُنَابَحي، والصُنَابَحي قالها للحُبُلي هذا ما فيه إشكال، لكن هل هذه إلى وقتنا هذا؟ لا. وهذا لا يضر، فالحديث المسلسل ترف ليس من أصول علم المصطلح لأنه لا يؤثر على صحة أو ضعف.

стр. 52

إذاً نفرق بين مسألتين وانتبهوا لها، بين حكمنا على صيغ التحمل والسلسلة، وبين حكمنا على الأحاديث، فحديث مسلسل " المحبة" صحيح، وحديث مسلسل ثم قبض على لحيته ثم قال آمنت بالقدر فهذا أيضا حديث صحيح، لكن هل سلاسل هذه صحيحة هذا هو الكلام عليها، إذا نفرق بين مسألتين، بين صحة الحديث المسلسل من حيث الإسناد من حيث السلسلة هل هي تثبت أم لا، ومن حيث المتن، فمن حيث المتن لا علا قة له بالإسناد، فقد يكون المسلسل صحيحا، وقد يكون ضعيفا، وقد يكون المتن صحيح والسلسلة ضعيفة، فهناك أحاديث مسلسلة في مسلم لكن مسلماً ـ رحمه الله تعالى ـ لم يذكر أنه مسلسل كحديث " التربة " ففي غير مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ جعلوه من الأحاديث المسلسلة. بعض المحدثين قال: من فوائد المسلسل هو قوة الضبط ومعرفة أن الراوي سمع ممن فوقه، فإذا قال مثلاً " والله إني لأحبك " فلا حاجة لأن نقول هل سمع منه أو لا، لكن كل من جاء بالمسلسل نحن نعرف حتى لو لم يقل " والله إني لأحبك " أن فلان سمع من فلان، بدون هذه اللفظة. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: مسلسل قل ما على وصف أتى ... مثلُ أما والله أنباني الفتى فيأتي كل راوي فيقول " والله أنبأني فلان " فيحلف عليه فهذا مسلسل بالقسم. ثم قال: كذاك قد حدثنيه قائما ... ................................ فكل راوي يقول حدثني فلان وهو قائم، إذاً هذا مسلسل بالقيام. ثم قال: ............................... ... أو بعد أن حدثني تبسما فكل راوي يقول حدثني فلان وهو متبسم، إذاً هذا مسلسل بالتبسم. (الحديث العزيز) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: عزيز مروي اثنين أو ثلاثة ... .......................... انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم التاسع وهو (الحديث العزيز) .

стр. 53

في أول الكتاب قسم المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ الحديث باعتبار الصحة والضعف والاحتجاج وعدم الاحتجاج " صحيح، حسن، ضعيف "، وهنا قد انتقل إلى تقسيم الحديث باعتبار آخر باعتبار كثرت الطرق. فنقول المحدثون قسموا الحديث باعتبار كثرة الطرق إلى ثلاثة أقسام:- ١) المتواتر. ٢) الآحاد. ٣) المشهور. وبعض أهل العلم جعلها قسمين:- ١) المتواتر. ٢) الآحاد. فالحديث المتواتر: هو ما رواه عدد لا يمكن حصرهم يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب وينسبونه إلى شيء محسوس. وينقسم المتواتر إلى قسمين: ١) المتواتر اللفظي: أي يكون اللفظ واحداً. ٢) المتواتر المعنوي: أي يكون الموضوع واحداً، والألفاظ مختلفة. أما الآحاد: هو ما لم يكن متواتراً، وينقسم إلى عدّة أقسام ـ إذا قلنا أن القسمة ثنائية: ١) الحديث المشهور: سيذكره المؤلف بعد هذا القسم. ٢) الحديث العزيز: هذا هو الذي في بابنا. ٣) الحديث الغريب: سيذكره المؤلف. خلاصة: هناك طرق لا تحصى وهذا هو " المتواتر". وهناك طرق تحصى وهذا هو " الآحاد "، فإذا أحصيت بواحد فيسمى " الغريب "، وإذا أحصيت باثنين أو ثلاثة فيسمى " العزيز "، وإذا أحصيت بأكثر من ثلاثة ما لم يصل إلى حد التواتر فيسمى " المشهور ". قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: عزيز مروي اثنين أو ثلاثة ... ...........................

стр. 54

" العزيز ": من عَزّ يَعِزُّ، أو عَزّ يَعَزُّ، أو عَزّ يَعُزُّ، وعزيز: فعيل، تقول عَزّ الرجل إذا قوي ومنه العزة وهي القوة والغلبة، ويقال عَزّ الشيء إذا قلّ أو ضعف، وهذا يسمى في اللغة " الأضداد "، فعندنا في اللغة الكلمات: إما أن تكون مترادفة وإما أن تكون متضادة، وإما أن تكون مشتركة، فهناك معنى له عدة كلمات فهذا يسمى " الكلمات المترادفة "، وهناك كلمة لها معاني متضادة وهذا ما يسمى " بالأضداد " مثل " العزيز "، وهناك كلمة لها عدّة معاني وهذا يسمى " المشترك " مثل كلمة " العين " لها عدّة معانٍ، إذاً " العزيز " من الأضداد، وما المقصود به في هذا الباب هل من قوي أم من قلّ وضعف؟ " العزيز " من كلا الاشتقاقين إما لأنه ضعف لأنه لا يرويه إلا اثنين أو ثلاثة فهذا ضعيف فهناك أحاديث يرويها سبعة أو ثمانية، وإما لأنه قوي فقد كان يرويه واحد فروى معه آخر فيكون قوي. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: " عزيزُ "، أصلها بالتنوين " عزيزٌ " ولكن لضرورة النظم حذف التنوين. العزيز: هو ما رواه راويين أو ثلاثة رواة. مسألة: هل العزّة في طبقة من طبقات الإسناد، أوهي في كل الإسناد؟ القول الأول: أن العزّة لابد أن تكون في كل طبقة من طبقات الإسناد ففي كل طبقة يرويه اثنين أو ثلاثة، فمثلاً يروي عن الرسول ﷺ صحابيين، ويروي عن أحد الصحابيين تابعيين، وعن أحد التابعيين اثنين من تابعي التابعين وهكذا إلى آخر رجل يروي كالبخاري أو الإمام أحمد، وهذا رأي بعض المحدثين وأهل المصطلح.

стр. 55

وهذا القول غير صحيح ألبته، وقد ردّه الإمام بن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ فقال: " لا يوجد هذا الحديث "، وقد صدق ـ رحمه الله تعالى ـ، وقد تعقب بعض المحدّثين ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ فقال " بن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ لم يستوعب الأحاديث "، فنقول لهذا المتعقِّب " وهل أنت استوعبت الأحاديث، فأخرجته لنا! "، سيقول: لا، نقول إذاً لا تخالف، فالنافي عليه الدليل، فأنت الآن تقول هو لم يستوعب، فأثبت أنت أنه لم يستوعب بإثبات حديث يتمثّل ويتصف بهذه الصفات. القول الثاني: أن العزّة لا يشترط أن تكون في كل طبقة من طبقات الإسناد، فالعزيز ينطبق على ما رواه اثنين أو ثلاثة ولو في طبقة من طبقات الإسناد، فإذا جاءنا حديث لم يروه إلا اثنين من الصحابة ثم رواه جمع من التابعيين فنقول هذا حديث " عزيز في طبقة الصحابة " ولا إشكال، وكذلك لو جاءنا حديث رواه جمع من الصحابة ولم يروه عن أحد من الصحابة من التابعيين إلا اثنين أو ثلاثة، فنقول هذا حديث " عزيز في طبقة التابعيين "، وهذا هو القول الصحيح. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: عزيز مروي اثنين أو ثلاثة ... ........................... قال: " أو ثلاثة "، هل ما رواه ثلاثة يعدّ من أقسام " الحديث العزيز "؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن ما رواه ثلاثة يعدّ من " الحديث العزيز"، وهذا اختاره بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ وتبعه على ذلك المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. القول الثاني: أن ما رواه ثلاثة يعدّ من " الحديث المشهور "، وهذا مال إليه الحافظ بن حجر ﵀، والعزيز عنده لا يكون إلا ما رواه اثنين فقط. ولا نستطيع أن نرجح بين القولين، لأن كلا القولين استخدمه أهل العلم وجعله اصطلاحا له، فكيف لنا أن نرجح بينهما!؟ . مسألة: " هل العزّة شرط من شروط الصحة "؟

стр. 56

اشترط هذا الشرط " أبو علي الجُبّائي " من المعتزلة، ومعنى ذلك أن رواية الواحد عنده ضعيفة، وينسب أهل المصطلح هذا الرأي للحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ، وعندي أن هذه النسبة غير صحيحة، فالحاكم لا يقول بهذا الرأي أبداً، بدليل أنه صحح أحاديث في مستدركه هي غرائب ـ أي هي رواية واحد ـ، وقد صحح حديث (إنما الأعمال بالنيات.......الحديث) . وصحح حديث (كلمتان خفيفتان على اللسان........... الحديث) وهو فرد. إذاً لماذا نسب هذا الرأي للحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ؟ لما كان الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ يتكلم عن شرط البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ قال: " إن شرط البخاري في الحديث الصحيح أن يكون الحديث عنده عزيزاً " فظن بعض أهل المصطلح أنه يتكلم عن شرط الحديث الصحيح، وهذا غير صحيح، إذاً ليس هناك أحد يشترط هذا الشرط إلا من كان يردّ الحديث الفرد مطلقاً، وسيأتي الكلام عليه ـ إن شاء الله ـ. مثال للحديث العزيز: أهل المصطلح يمثلون بحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) . قالوا إنه رواه صحابيان: أنس، وأبو هريرة ﵄. ورواه عن أنس اثنان: قتادة، وعبد العزيز بن صهيب. ورواه عن قتادة اثنان: شعبة وسعيد بن أبي عروبة. ورواه عن عبد العزيز بن صهيب اثنان: إسماعيل بن عُليّة، وعبد الوارث. (الحديث المشهور) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: .......................... ... مشهور مروي فوق ما ثلاثة انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم العاشر وهو (الحديث المشهور) . والمشهور هو من قسم الآحاد، وقيل بأن المشهور قسم ثالث لوحده. مشهور: اسم مفعول، عرفه المؤلف فقال: مروي فوق ما ثلاثة، إذا الأربعة فما فوق مشهور عند المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.

стр. 57

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: مشهور مروي فوق ما ثلاثة: " ما " هنا نقول بأنها زائدة، فالأصل: مشهور مروي فوق الثلاثة، و " ما " تأتي زائدة، وقد وردت في القرآن كثيراً، مثل قول الله جل وعلا: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ البقرة٨٨، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ النساء١٥٥، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ آل عمران١٥٩، وهكذا تكون زائدة بمعنى صلة للتأكيد والتكرار. هل نقول في القرآن شيء زائد؟ هذا اصطلاح، والزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى، ولهذا بعض الناس لا يقول حرف زائد بل يقول حرف " صلة " تأدباً، لكنه حرفٌ زائدٌ مبنى زائدٌ معنى. مسألة: اختلف أهل العلم في " المشهور "، هل المراد به هو ما رواه أربعة فقط، أو هو ما رواه أربعة ولم يصل إلى حد التواتر؟ المراد به هو الثاني: ما رواه أربعة ولم يصل إلى حد التواتر، وعلى رأي بن حجر ﵀: هو ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. إذاً المشهور ليس بعدد معين، ويعبر عنه البعض بـ " المستفيض "، إذاً المشهور والمستفيض بمعنى واحد، وبعض الأحناف وبعض المحدثين فرق بين المشهور والمستفيض بما لا طائل تحته. ? تنبيه:

стр. 58

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ الحديث العزيز والحديث المشهور، وهذا التقسيم مبني على تقسيم أهل الأصول، فتقسيم الحديث إلى متواتر ومشهور وآحاد، إنما هو من تفصيلات أهل الأصول، وليس تفصيلات المحدثين، وهذا من العلوم التي دخلت على أهل السنة والجماعة، وعلى أهل الاصطلاح، وهو من التقسيمات غير المجدية وغير النافعة، وليس لها فائدة ولا ثمرة، فتقسيم الحديث إلى متواتر ومشهور وآحاد تقسيم لا ثمرة له، بل إن أهل الكلام أدخلوا هذا التقسيم على أهل السنة لغرض فاسد وهو إبطال حجية أحاديث الآحاد في صفات الله جل وعلا وأفعاله وأسمائه وما هو مستحق له من الكمالات فدرجوا على نفي أحاديث الصفات بتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد ثم قالوا المتواتر قطعي الدلالة قطعي الثبوت، والآحاد ظني الدلالة، ثم استنتجوا قاعدة فقالوا إن صفات الله لا تثبت إلا بالقطعيات والأحاديث الآحادية إنما هي ظنيّة، إذاً لا نثبت صفات الله جل وعلا بسبب هذا الوارد، فأصبح هذا التقسيم طاغوتاً ينفى به صفات الباري جل وعلا، ولهذا كسر أهل العلم هذه القاعدة، فنقول إن هذا غير صحيح، فلو قسمنا نقول هذا غير صحيح، لو قسمنا الأحاديث إلى متواترة وإلى آحاد من باب التقاسيم والاعتبارات لا إشكال، لكن نقول إن صفات الله تثبت بالآحاد وتثبت بالأحاديث المتواترة وتثبت بالأحاديث المشهورة، فإن الرسول ﷺ خبره واحدٌ من السماء ومع ذلك هو متواتر فالله جل وعلا أرسل بشراً واحداً لينشر الدين كله ومع ذلك لم يكن هذا خبره خبر آحاد، ولم يُعذَر المشركون بأنهم ما تبعوا الرسول لأن خبره خبر آحاد، فلم يأته التواتر حتى الآن! ، بل إن الله جل وعلا أقام به الحُجة والمحَجّة،فهذا التقسيم تقسيم باطل يجب أن ينفى وأن يطرد إذا كان يستنبط منه ما سبق من ردّ أحاديث الصفات إذا كان حديث آحاد، ثم نذهب إلى أهل الأصول فننظر أن أهل الأصول من أهل السنة

стр. 59

والجماعة قالوا أن خبر الآحاد يفيد العمل القطعي، ولا إشكال عندهم في هذا، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، كابن عبد البر والإمام أحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ بل إن المرداوي ـ رحمهم الله تعالى ـ نقل الإجماع على أنه يفيد العمل. فإذا كان يفيد العمل بغض النظر أنه يفيد العلم القطعي أو العمل النظري أو العلم الظني، هذا لا إشكال فيه مادام أنه يفيد العمل. فتقسيم الأحاديث باعتبار الطرق: متواترة وآحاد، هو تقسيم جيد، لكنه لما كان يستنبط منه ما يستنبط أصبح تقسيماً فاسداً ولا بدّ أن نردّه إذا كان يستنبط منه هذا الاستنباط، أما إذا كان أحد أهل السنة والجماعة يقسّم ويعتبره اعتباراً من حيث الطرق فلا إشكال، فهذا اعتبار صحيح، لكن إذا كان يستنبط منه بأن الآحاد ما نأخذ منها أحاديث الصفات بناءً على أن الصفات لا تثبت إلا من طريق قطعي الدلالة أو قطعي الثبوت فإن هذا لا بد أن يكسر ولا بد أن يردّ، ثم نقول أيضاً إن أهل الأصول وأهل الكلام مجموعهم يقول أن أحاديث الآحاد تفيد العمل، يعني أن الإنسان يجب عليه أن يعمل، أما العلم هل هو فعلاً العلم المكتسب من هذا الحديث قطعي فالإنسان يقطع به أو هو ظني؟ نقول هذا لا ثمرة له مادام أنه يجب عليك أن تعمل سواء كان العلم قطعيّاً أو العلم ظنيّاً يجب عليك أن تعمل به فإن هذا محدود الفائدة، ثم إننا نقول إن هذا تقسيم حادث، أحدثه أهل الكلام. (الحديث المعنعن) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: معنعن كعن سعيد عن كرم ... .......................... انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الحادي عشر وهو (الحديث المعنعن) . رجع المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى الكلام على الأحاديث من حيث النظر إلى أسانيدها.

стр. 60

الحديث المعنعن: كلمة " معنعن " منحوته من كلمة عن عن، فكل كلمة نحتت من كلام وجعل لها إطلاق واحد، فإن هذا يسمى " نحتاً "، كالعنعنة والأنأنة بمعنى أنّ أنّ، عن محمد بن سعيد عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال أن أبا هريرة ﵁ فعل كذا فهذا يسمى " مُأنْأن "، أو " مُأنّن "، والمأنأن أدرج، فهذه كلها منحوته. المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لم يعرّف " المعنعن "، واكتفى بالمثال، إذاً هذا نوع من أنواع الحدود، الحدّ بالمثال، وهذا نوعٌ معروف، ويكثر منه دائماً أهل العلم في المنظومات لأنه يكون أسهل دائماً قال ابن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: مبتدأٌ زيد وعاذرٌ خبر ... إن قلت زيد عاذر من اعتذر فهذا تعريف بالمثال، فما يريد أن يعرّف بالحد فيحتاج الحد إلى شرح، فلا شك أن المثال بالنسبة للمبتدئ أسهل من الحدّ، هذا عند المبتدئين دائماً، فإذا أردت أن تعرّف شيئاً فإنك تعرّفه بالمثال، فمثلاً تقول لشخص هل هي من محارمك بنت زوجة أبيك؟ فتراه يفكر وربما لا يعرف الجواب، لكن لو كان أبوه متزوجاً زوجةً ثانية ولها بنت اسمها حفصة، فتقول له هل يجوز لك أن تتزوج حفصة؟ فتتصور مباشرة، فالتصوير بالمثال يتكلم عليه المناطقة. فقد قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: معنعن كعن سعيد عن كرم ... .......................... فسعيد لا نعرفه، وكذلك كرم، فهذا شخص اسمه سعيد وشخص اسمه كرم، فاكتفى بالمثال، عن سعيد عن كرم، لكنه ﵀ اختار أسماء جميلة فالسعادة والكرم هذه تبعث على الفهم، لكن لو جاء بأسماء غليظة قد ننفر منها. فنستطيع من خلال هذا المثال أن نعرّف " المعنعن ". فنقول " الحديث المعنعن " هو: ما روي إسناده بصيغة " عن "، أو نقول: ما كانت صيغة تحمّله " عن " أو " أن " أو " قال ". فهذه كلها تسمى عنعنة، لأنها هي الأشهر والأكثر.

стр. 61

والحديث المعنعن إن قلت لكم إنه من أشكل مسائل الحديث نظرياً فلا يبعد هذا الكلام عن الصواب، وإشكاله من حيث حكمه الصحة أو الضعف، ولكن أذكر لكم من الآن أن فائدتها وجدواها قليلة بالنسبة للمبتدئين. إذاً ما حكم الحديث " المعنعن "؟ اختلف أهل العلم في حكم الحديث المعنعن من حيث الصحة والضعف على أقوال:- القول الأول: أن الحديث المعنعن صحيح بشروط: الشرط الأول: أن لا يكون الراوي معروفاً بالتدليس. فمثلاً: ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ إذا روى عن الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ، لا يُقبل من روايته إلا ما صرّح بالسماع، بأن يقول " حدثنا " أو " سمعت " ونحوها. وإذا قال عن فلان فلا نقبل روايته، مع أن الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ شيخه وعرف بالسماع منه. الشرط الثاني: أن لا يوجد ما يدل على عدم السماع، بل اللقاء بينهما ممكن فالعقل يجيزه، والواقع والعادة تجيزه فإذاً يقبل. الشرط الثالث: داخلٌ في الثاني، وهو المعاصرة فيشترط أن يتعاصرا، ولا شك أن هذا الشرط داخلٌ في الثاني. ? هناك بعض العبارات يجب أن ننتبه لها: (الشرط عند مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ العلم باللقاء) هذا غلط. (الشرط عند مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ إمكانية اللقاء) هذا صحيح بشرط ألا ينقل عدم السماع. فأصل مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ هو إمكانية اللقاء، فليس شرط مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ هو المعاصرة فقط، وليس شرط مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ اللقاء فقط، بل شرطه ألا يوجد ما يدل على عدم السماع. وهذا هو رأي الإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ، وهذا هو رأي أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤هـ) ، صاحب كتاب التيسير، وله كتاب في قضية السماع ـ رحمه الله تعالى ـ، إذاً المسألة قديمة. فقال أبو عمرو الداني ـ رحمه الله تعالى ـ: ١) أن لا يكون الراوي مدلِّساً. ٢) أن يمكن اللقاء.

стр. 62

٣) أن يكون اللقاء بيّناً، أي ممكن اللقاء، لأنه لو كان قصده " بيّنا " السماع لقال سمع منه وانتهينا، أو رآه وانتهينا، لكن أن يكون اللقاء " بيّناً " أي قرائنه واضحة جداً بأنه لقيه، إذاً أبو عمرو الداني موافق لمسلم ـ رحمها الله تعالى ـ، وهذا هو الذي فهمه أهل العلم، وهذا رأي ابن عبد البر، وبن رُشَيْد ـ رحمها الله تعالى ـ، وكثير من الأئمة. القول الثاني: أن الحديث " المعنعن " صحيح بشروط: الشرط الأول: أن لا يكون الراوي مدلّساً. الشرط الثاني: أن يُعلم السماع. أيهما أخص القول الأول أو الثاني؟ الثاني بلا إشكال، لأن قلنا يمكن أن شخصاً يعاصر ومع ذلك لا يسمع، وشخص يلقى ولا يسمع، وهناك من يسمعه، فإذا سمعه معناه أنه لقيه وعاصره. وهذا القول هو رأي البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ. إذاً هل شرط البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ هو اللقي والمعاصرة؟ لا، بعض الناس يقول مثل هذه العبارات " شرط مسلم هو المعاصرة، وشرط البخاري هو اللقي والمعاصرة ". وقولنا " شرط البخاري هو اللقي والمعاصرة "، خطأ من وجهين: الوجه الأول: إذا قيل اللقي فلا يحتاج أننا نقول المعاصرة يعني العبارة خطأ. الوجه الثاني: أن نسبتنا إلى أن البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ يقول باللقي أيضاً غلط، لأن البخاري يقول بالسماع ولا يقول باللقي، فالذي يقول بإمكان اللقي هو مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ، وبعض العلماء يصرّح ويقول: بأن شرط البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ العلم باللقاء، وليس السماع، فيكون هذا أوسع من اشتراط العلم بالسماعوهو قول لبعض المحدثين. ورأي البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ هو رأي الأئمة المتقدمين كعلي بن المديني، ويحيى بن سعيد القطان، وابن معين، والإمام أحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ، ونسب الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ هذا إلى إجماع المتقدمين.

стр. 63

القول الثالث: أن الحديث " المعنعن "،ضعيف حتى يعلم السماع من كل راوٍ في كل حديث وهذا قول مهجور وانعقد الإجماع على بطلانه. وعليه لو جاءنا تلميذ معروف روى عن هذا الشيخ ألف حديث لكنّ حديثاً قال فيه " عن " فلا نقبله وليس هو بمدلِّس فلا بد من صيغة " حدثنا " في كل حديث، هذا قول مهجور هجر من قديم، ومرذول هذا القول. إذاً البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ لو جاء معمر ـ رحمه الله تعالى ـ وهو يروي عن الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ، وجالسه وسمع منه، معروف دائماً يقول " حدثنا "، فجاء حديث ووجدنا كل الروايات فيها وقال معمر " عن " الزهري. هل هذا الحديث يصححه البخاري أم لا؟ نعم. يصححه لوجود الشرطين: ١) معمر ليس مدلِّساً. ٢) علم سماع معمر من الزهري، ومسلم ـ رحمه الله تعالى ـ من باب أولى يصححه. مسألة أدق من هذه المسألة وأشكل منها. في مقدمة مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر قوله وشرطه وهو إمكانية اللقاء، ثم ذكر قولاً آخر، وهو أنه يشترط العلم بالسماع، ورد على هذا القول الآخر رداً شنيعاً، وقال: وهذا القول خلاف إجماع المحدثين، فصار عندنا إشكالية بين مسلم والبخاري ـ رحمهما الله ـ، هل مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ يرد على البخاري أم يرد على شخص آخر، وما هو هذا القول الآخر الذي يرد عليه؟ هذه إشكالية لم تنته حتى الآن فإلى الآن لا نعرف إجابةً واضحة ظاهرة في هذا، هل مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ فعلاً يرد على البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ، نذكر أقوال أهل العلم ولا ألتزم بذكر الذي يظهر في هذه المسألة. نظر أهل العلم إلى هذه المسألة من عدة جهات: الاتجاه الأول: أن مسلماً يرد على البخاري، ومسلم قد لا يكون يعرف بأن هذا هو رأي الإمام البخاري، وهذا فيه إحسان الظن بالإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ. الاتجاه الثاني:

стр. 64

أن مسلماً لا يرد على البخاري وإنما يرد على قول آخر غير قول البخاري، وما هو هذا القول: قيل بأنه القول المرذول الذي ذكرته لكم من أنه يشترط في كل حديث أن يصرّح الراوي بالسماع، وهذا بعيد. الاتجاه الثالث: أن رأي مسلم هو رأي البخاري، وهذا غريب، قالوا بأنهما متفقان على العلم بالسماع، ولكن صورة العلم بالسماع كلٌ له طريقته، يعني هما متفقان على العلم بالسماع، ولكن كيف يكون العلم بالسماع؟ فالبخاري له عدّة طرق ومسلم له عدّة طرق ـ رحمهما الله ـ. إذاً هما متفقان، فالبخاري يشترط أن يعرف من حديث أنه قال سمعت أو حدثني، لكن هذا ليس شرطاً عند البخاري، ليس شرط البخاري بالعلم بالسماع هي الصيغة ـ صيغة الأداء ـ بل إنه أوسع من ذلك بأن توجد قرائن قويّة جداً توافق " سمعت " و " حدثني "، الأصل عنده " سمعت " و " حدثني " لكن هذا لا يلزم منه أن لا يكون العلم بالسماع إلا بهذين الطريقين، انتبهوا للألفاظ الذي سأقولها. الاتجاه الأول الذي ذكرناه يقول لا، البخاري يقول " سمعت " و " حدثني "، هو العلم بالسماع. الاتجاه الثالث يقول لا، " سمعت " و " حدثني " هذه هي الأصل لكن لا يمنع أن يكون البخاري حكم بالسماع من غير هذين الطريقين إما بكثرة مجالسة وأنه دائماً يذهب معه ويجيء، هذا قد نقول إن البخاري يقول نقبل روايته، إذاً وافق مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ أو لم يوافقه بإمكان الأخذ عنه؟ نعم وافقه، لكن مسلماً أشد توسعاً، هذا اتجاه آخر. وهذه المسألة من محَازّ المسائل وأنا أطلت فيها في شرح النخبة، ولهذا الخلاف بين كبار المحدثين في هذه المسألة، فابن رُشيْد الفهري ألّف، وأبو عمرو الداني ألّف، والإمام مسلم رد عليه في مقدمة صحيحة رداً طويلاً، وبن عبد البر ذكر هذه المسألة، وبن الصلاح استشكلها ـ رحمهم الله تعالى ـ.

стр. 65

هناك من نقل الإجماع على أن كل حديث " معنعن " لم يعرف راويه بالتدليس بأنه صحيح، نقله بعض العلماء. ما رأيكم بقولنا: كل حديث " معنعن " لم يعرف راويه بالتدليس وأمكن اللقاء الراوي عن شيخه فإنه صحيح بالإجماع، هذا نقله مسلم في صحيحه ـ رحمه الله تعالى ـ، هل هذا الإجماع خطأ؟ نقول بناءً على تفسيرنا لرأي الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه غلط، وبناءً على تفسيرنا بالاتجاه الثالث فإنه سيكون صحيحاً. ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح العلل ردّ الكلام هذا كله قال: أبداً مسلم أخطأ، فإجماعه هذا خطأ عليه. المناقشات: الأصل عند البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ عدم السماع حتى يصرّح بالسماع. فإن قال قائل: لو بحثنا هل هناك راوٍ روى له البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ بصيغة " عن " عن شيخه وبحثنا ولم نجد مرة أنه صرّح بالسماع، فيقول إن وجدنا فإنه ينخرم كلام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ هذا. ولكن هذا اللازم غير لازم، لأننا نحن لم نجمع كل الأحاديث ولم تصل إلينا كل المسانيد ولم تصل إلينا كل الأجزاء، فيمكن صيغة " حدثنا " في مسند بقي بن مخلد ـ رحمه الله تعالى ـ فلا يمكن التحاكم إلى هذا أبداً، كذلك الرواة يتساهلون في " عن " أحياناً وهو رواه بصيغة " حدثني "، فمثلاً الراوي الثالث الذي فوق تلميذ تلميذ الشيخ جعلها " عن " فيتساهلون. ? مسألة مهمة: كل " معنعن "بالصحيحين سواءٌ كان راويه مدلِّساً أو لم نجد له تصريحاً بالسماع فهو محمول على الاتصال. (ومن أراد الاستزادة في هذه المسألة فليرجع ـ غير مأمور ـ إلى كتاب الشريف حاتم العوني ـ حفظه الله تعالى ـ، وكذلك كتاب " الاتصال والانقطاع " للشيخ إبراهيم اللاحم ـ حفظه الله تعالى ـ، فهما أحسن من بحث هذه المسألة) . (الحديث المبهم) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: ............................ ... ومبهم ما فيه راوٍ لم يسم

стр. 66

انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثاني عشر وهو (الحديث المبهم) . والحديث المبهم من مباحث الإسناد. مبهم: اسم مفعول من " أَبْهَمَ ". الحديث المبهم: عرفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأنه ما في إسناده راوٍ لم يُسَمْ، أي لم يعيّن ولم يحدّد. إذاً الحديث المبهم: هو كل إسناد فيه راوٍ لم يعيّن. فإذا قال الراوي حدثني رجل، أو حدثني رجل من أهل الحجاز، أو حدثني الثقة، أو حدثني رجل لقيته، أو حدثني من رأيت، أو حدثني من سمعت، أو حدثني من حجّ معي أو من سافر معي، فهذه كلها " مبهمة " بالنسبة للسامع، لأنه قد يكون هذا المبهم، معيّناً في ذهن المتكلم، لكن نحن لم نعرفه ولم نتبيّن منه. مسألة: هل الحديث " المبهم " مخالف لتعريف الحديث الصحيح؟ نعم، لأنه انخرم عدالة الراوي وضبطه فنحن لا نعرفها. مسألة: هل الحديث " المبهم " حسن؟ ليس بحسن. إذاً الحديث " المبهم " من قسيم الحديث الضعيف لا نخرام الشروط التي في الصحيح والحديث الحسن. من المسائل المهمة في الإبهام: التفريق بين المبهم في الإسناد والمبهم في المتن: أولاً: المبهم في الإسناد ينقسم إلى قسمين: ١) إبهام مؤثر. ٢) إبهام غير مؤثر. الإبهام المؤثر: إبهام الرجل الذي من طريقه يتصل الإسناد. فهذا مضعِّفٌ للحديث، كأن يقول راوٍ حدثني رجل حدثني الزهري، هذا من طريقه الرجل هو الذي وصل السلسلة، فهذا مؤثر في الإسناد فيضعِّف الحديث. الإبهام غير المؤثر: أن يذكر الإسناد مُبْهَماً لا تأثير له في السلسة.

стр. 67

كأن يقول الراوي حدثني الزهري وغيره، حدثني الزهري ورجل آخر كما قاله البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فقد قال حدثنا حيوة ورجل آخر ـ يقصد عبد الله بن لهيعة ـ، فهو تحمّل الإسناد وفيه ابن لهيعة، وابن لهيعة ليس على شرط البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فكان البخاري دقيقاً، ما يريد أن يقول حدثني واحد فقط، فشيخ البخاري تحمّل الحديث عن ابن لهيعة وحيوة، فلما جاء البخاري يرويه عن شيخه، ما أراد أن يحذف كلام شيخه " حدثني بن وهب وابن لهيعة " فما أراد أن يحذف ابن لهيعة لأنه من الأمانة، بل قال ورجل آخر، فلا يريد أن يذكره في صحيحه، كذلك مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ قال: عن بن وهب أخبرني رجل سماه وعمرو بن الحارث، قيل: الرجل هو ابن لهيعة، لكنه ليس على شرطه، الشاهد أن الإبهام إذا لم يكن مؤثراً في السلسلة فلا تأثير فيه، فلو قال حدثني الزهري وآخرون، فلا يؤثر هذا الإبهام، المهم أن يكون عندنا راوي السلسلة أحدهما معروف. فإن قال حدثني عشرة رجال عن الزهري، فهذا مبهم مؤثر. وكذلك من الإبهام الغير مؤثر: إبهام الصحابي ﵁، وذلك أن يقول التابعي حدثني رجل صحب النبي ﷺ ، أو حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أويقول حدثني رجل لقي النبي ﷺ أو ما شابه ذلك، فهذا كله من الإبهام الذي لا يضر. ثانياً: المبهم في المتن: الإبهام في المتن، كأن يقول أبوهريرة ـ مثلاً ـ دخل رجلٌ على رسول الله ﷺ ، أو قال رجل لرسول الله ﷺ ، أو فقال رسول الله ﷺ لرجل جالس، فهذا كله إبهام لكنه غير مؤثر في السند.

стр. 68

وقد اجتهد أهل العلم لمعرفة المبهمات في المتون فألّفوا كتباً كثيرة، وأشملها كتاب " المستفاد في المبهمات في الإسناد " للحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ، فقد اجتهد في أن يجمع كل حديث يقول فيه الراوي دخل رجل على رسول الله ﷺ أو قال رجل للنبي ﷺ ، أو تكلم رجل وغير ذلك من الإبهام. والمبهم يعرفونه من خلال تتبع الأسانيد والطرق فممكن تجد أن بعض الأسانيد صرّح باسمه. وكذلك هناك المبهمات في القرآن، وهو علم وفيه كتب كثيرة، فيجمعون المبهمات مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ غافر٢٨، من هو هذا الرجل فيبحثون عن اسمه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الكهف٣٢، وقوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ يس١٤، وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الكهف٢٢، ما اسم هذا الكلب؟ ، وقوله ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ يوسف١٣، فالذئب مبهم لأنه اسم جنس فمن هو هذا الذئب؟ . والذي نبحثه هذا سواء في القرآن أو في متون الأحاديث ليس له فائدة وقلّ أن تأتي إلى حديث في البخاري ويشرحه ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في فتح الباري وفيه إبهام، إلا ويقول وقد بحثت عنه فلم أجد اسمه، أو يقول بحثت عنه فوجدته فهو يحاول أن لا يجد إبهاماً في صحيح البخاري، فيتتبع من هو هذا الرجل. وأحياناً يوفّق وأحياناً لا يوفّق في معرفته، لكن ثم ماذا؟ مثلاً " اشترى النبي ﷺ جملاً " فبكم اشترى هذا الجمل؟ فهذا مبهم، الشاهد أن هذا العلم ليس له كبير فائدة وإنما الإبهام في الإسناد هو الذي له فائدة. مسألة: كيف نعرف الإبهام في الإسناد؟ هل من حين ما نجد مبهماً في إسناد مثلاً " حدثني رجل " نحكم عليه بالضعف؟

стр. 69

لا. وإنما نتتبع الطرق ونخرّج الحديث من جميع مصادره، لعلّه في إسناد آخر صرّح باسمه. فإذا جاءنا مثلاً بن جريج ﵀ فقال حدثني رجل عن بن سيرين ﵀ أو عن أبي سلمة ﵁، فأبهمه فهل نقول هذا ضعيف؟ لا. فنذهب إلى ابن حبان وابن خزيمة وعبد الرزاق ومسند أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ـ رحمهم الله تعالى ـ، نبحث عن حديث ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ فقد نجده في أربعة مصادر كلها يقول ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ حدثني رجل، فإذا رجعنا إلى مصنف عبد الرزاق مثلاً فإذا بابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ يقول حدثني هشام بن عروة، فيصرّح باسمه، فنحن الآن عرفناه ووجدناه ثقة فلا نحكم عليه بالصحة لماذا؟ لأنه لا بد أن ننظر لتلميذ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ الذي صرّح باسم المبهم فقال " عن ابن جريج حدثني هشام بن عروة " فيمكن أن هذا التلميذ الذي صرّح باسمه يحاول أن يحسّن الحديث هذا ويزيّنه فوضع واحداً من شيوخ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ لأجل أن يمشي هذا الحديث، فيكون اجتهاد منه لكي يقوّي الحديث، إذاً لا بد أن ننظر لتلميذ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ هل هو ثقة ومعروف بأنه لا يكذب ومعروف بأنه لا يخلط ومعروف بأنه ضابط وما عنده تساهل فعندئذ نقبل الحديث ونعمل عليه القواعد كلها في الشذوذ والعلّة وغيرها، فأنا لا أعطيكم قاعدة أنه إذا كان ثقة نقبله مباشرة إنما هذا مثال، فنعمل عليه القواعد، لكن إذا كان الثقات كلهم يقولون ابن جريج عن رجل، وجاء واحد ضعيف وقال ابن جريج عن فلان وسمّاه لنا، فهنا لا نقبل الحديث، لأن الأئمة الثقات الذين يهتمون بمعرفة الرواة تركوا تحديده، فلا يمكن أن يأتي هذا الضعيف ويحدّده، إذاً الخطأ قد يكون من بن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ أو من هذا الراوي الضعيف. مسألة: إذا قال الراوي أبي عن جدي.

стр. 70

نرى هل أبوه معروف وجده معروف أو لا؟ فمثلاً عمرو بن شعيب هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فإذا قال: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذا معروف وليس بمبهم. مسألة: إذا قال الراوي حدثني الثقة. اختلف أهل الأصول وأهل الحديث في هذا هل نقبل أم لا؟ على أقوال: القول الأول: أنه يقبل مطلقاً، وهذا عليه بعض أهل الأصول، فإذا قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حدثني الثقة فهذل حديث موصول. القول الثاني: أنه لا يقبل، لأنه مبهم والمبهم من قسيم الحديث الضعيف. القول الثالث: يفرق بين ما إذا قال الإمام الثقة المعروف بالتحرّي والتدقيق فقال حدثني الثقة فإننا نأخذ قوله ونقبله، وبين ما إذا قال شخص آخر معروف بالرواية عن الضعفاء وبالتساهل بالحكم وإن كان هو ثقة، فقال: حدثني الثقة، فإننا لا نقبل قوله. مثال: الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ إمام معروف جِهْبِذْ فلا يمكن أن يقول حدثني الثقة وهو ليس بثقة، هذا هو القول الثالث وهو التفصيل بين راوٍ وراوٍ، وهو الصحيح ولكن ليس على الإطلاق وإنما نعتبر قوله قرينه، فإذا احتجنا إلى هذا الحديث الذي قال فيه الإمام حدثني الثقة، وعندنا ما يشهد له وما يعضده وما يقوّيه، فإننا نجعل هذا من جملة المعتبرات التي يعتبر بها ويستشهد بها، ويقوّي هذه الأسانيد، فلا نقبل بإطلاق، ولا نرد بإطلاق، وكذلك قبولنا ليس قبول إطلاقي وإنما قرينه. قال المؤلف: " لم يُسَمْ " أي لم يسم الراوي، دلّ على أن الوصف داخل عند المؤلف في الإبهام فهو قال " لم يسم " ولم يقل " لم يوصف "، فإذا قلنا ما هو رأي المؤلف في الراوي الموصوف كأن يقول حدثني رجل ثقة، أو حدثني رجل من مكة، أو حدثني رجل طويل هذا كلّه داخل في الإبهام لأنه حدّه بقوله " لم يسم ". مسألة: إن سُمّي الرجل باسم لا يعرف به، ولم نجد أحداً عرّفه، مثل أن يقول: حدثني سعيد بن كُرز.

стр. 71

هذا ليس إبهاماً، وإنما هو من باب المجهول، إذاً هناك فرق بين مصطلح المجهول، ومصطلح المبهم. فالمبهم: هو مافيه راوٍ لم يسم، فإذا كان هناك اسم موجود لكنه غير معروف ولم يُعرّف فإنه سينتقل إلى باب المجهول. (الحديث العالي) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وكل ما قلّت رجاله علا ... .......................... انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثالث عشر وهو (الحديث العالي) أو (الإسنادالعالي) . الحديث العالي أو الإسناد العالي: هو كلّ ما قلّت رجاله. مثال: اثنا عشر راوياً أعلى من ثلاثة عشر راوياً، وخمسين راوياً أعلى من مائة راوٍ وهكذا. إذاً كل ما قارنت بين إسنادين فالإسناد العالي هو الأقل. فإذا قال مالك: حدثني نافع عن ابن عمر ﵄، وقال البخاري: حدثني الحميدي حدثني سفيان حدثني إبراهيم حدثني علقمة حدثني عمر ﵁، فإسناد مالك أعلى من إسناد البخاري، إذاً لا تستطيع أن تحكم على إسناد لوحده حتى تقارنه بين آخر. الإسناد العالي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإسناد العالي باعتبار قربه إلى النبي ﷺ فهذا يسمى الإسناد العالي المطلق. مسألة: الأسانيد الثلاثية عند أصحاب الكتب الستة وعند الإمام أحمد: أولاً: البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ عنده ٢٢ إسناداً ثلاثياً، جاءت من خمسة طرق: الطريق الأول: من طريق شيخه المكي بن إبراهيم. الطريق الثاني: من طريق شيخه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، كلاهما ـ أعني المكي وأبوعاصم ـ عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁. الطريق الثالث: من طريق شيخه محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس بن مالك ﵁. الطريق الرابع: من طريق شيخه عصام بن خالد عن حَريز بن عثمان عن عبد الله بن بُسْر ﵁.

стр. 72

الطريق الخامس: من طريق شيخه خلاد بن يحيى عن عيسى بن طهمان عن أنس بن مالك ﵁. ثانياً: مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي. ثالثاً: أبو داود ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي. رابعاً: الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ عنده حديث واحد إسناده ثلاثياً، من طريق شيخه إسماعيل بن موسى الفزاري بن بنت السُدّي الكوفي عن عمر بن شاكر عن أنس بن مالك ﵁. خامساً: النسائي ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي. سادساً: ابن ماجه ـ رحمه الله تعالى ـ عنده خمسة أحاديث أسانيدها ثلاثية، كلها من طريق شيخه جبارة بن مُغَلِّس عن كثير بن سليم عن أنس بن مالك ﵁. سابعاً: الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ عنده ٣٣٢ إسناداً ثلاثياً، شرحها السفّاريني في كتابه " شرح ثلاثيات المسند ". وتعرف الأسانيد العالية من خلال كتب المصطلح في باب " الإسناد العالي والنازل ". القسم الثاني: العلو بالنسبة إلى إمام أو مصنَّف. مثال: الإمام البيهقي ـ رحمه الله تعالى ـ إذا كان له إسناد بينه وبين البخاري أربعة، وإسناد آخر بينه وبين البخاري ثلاثة فهذا الإسناد الذي بينه وبين البخاري ثلاثة، إسناده عالٍ بالنسبة إلى الإمام البخاري، وليس إسناداً عالياً مطلقاً، لأنه قد يكون هناك إسناد أقوى من البخاري يقرب إلى النبي ﷺ أقرب جداً، لكن نحن نتكلم عمن إلى البخاري نفسه. قد يقول قائل: إذا صاروا ثلاثة إلى البخاري، وهذا أربعة إلى البخاري، سيكون عالٍ إلى الإمام وعالٍ إلى الرسول ﷺ ، لأنه قلّ رجل، لا. هذا غلط، لأنه قد يكون هناك إسناد من غير البخاري يصل إلى النبي ﷺ بأقل من هذا.

стр. 73

إذاً نقول إن الإسناد العالي إلى إمام لا يلزم منه أن يكون هو الإسناد العالي، قد يكون هناك إسناد أقل منه عالي مطلقاً لا إشكال في هذا لكن من حيث الوصول إلى الإمام يكون إسناداً عالياً. فمثلاً الحاكم كم بينه وبين البخاري؟ ، أبو عوانة كم بينه وبين مسلم؟ ، وهذه هي صفة المستخرجات على الكتب كمستخرج أبي عوانة، ومستخرج أبي نعيم على البخاري وعلى مسلم، أيش معنى مستخرج؟ يأتي هذا الإمام فيوافق هذا الإمام في أسانيده وفي أحاديثه، فيستخرج على هذا الكتاب أسانيد أخرى. إذاً نقول الإسناد العالي ينقسم إلى قسمين: ١) إسناد عالٍ مطلقاً. ٢) إسناد عالي بالنسبة إلى إمام أو كتاب، وهذا تكلم فيها أهل العلم بكلام لا فائدة منه يعني هناك الإسناد العالي الموافقة، وهناك المساواة، وهناك الإبدال، وهناك المصافحة، هذه كلها ليس لها كبير فائدة وهي سهلة موجودة في الشروح، وقلّ من يعتني بهذا العلم. (الحديث النازل) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: ....................... ... وضده ذاك الذي قد نزلا انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع عشر وهو (الحديث النازل) أو (الإسناد النازل) . قال: وضدّه: أي ضد العالي، الإسناد النازل. ما معنى نزلاً: أي نزل من حيث العلو، وهو الآن مثلاً في السُّلّم في الدرجة الرابعة فنزل إلى الدرجة الثالثة، إذاً هو نزل أو صعد؟ نزل. قد نزلاً: أي من حيث العلو قد نزل ومن حيث الدنو يكون اقترب. إذاً وضدّه ذاك الذي قد نزلا: قد نزل إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى إمام أو مصنَّف. والألف في قوله (قد نزلا) للإطلاق. مسألة: هل يلزم من علو الإسناد صحة الحديث؟ لا يلزم، إذاً مباحث العلو والنزول ليست من مباحث الصحة والضعف، فقد يكون الإسناد النازل هو الصحيح، والإسناد العالي هو الضعيف.

стр. 74

مسألة: ما ثمرة الكلام على الإسناد العالي والإسناد النازل، لا سيما ونحن قلنا بأنه لا يفيد الصحة ولا الضعف؟ نقول بأن هذا هو اهتمام من المحدثين ـ رحمهم الله تعالى ـ، وقد نقل عن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: " طلب الإسناد العالي سنة عمّن سلف "، ونقل عن الإمام أحمد وغيره أنهم يبحثون عن الأسانيد العالية للقرب من رسول الله ﷺ فهذه هي ثمرة الإسناد العالي القرب من رسول الله ﷺ ، ولهذا روي عن ابن المديني وأبي عمرو المستملي النيسابوري ـ رحمهما الله تعالى ـ أهنما قالا: " الإسناد النازل شؤم "، وروي عن يحيى بن معين ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: " الإسناد النازل قرحة في الوجه "، فكأنهم يستقبحون هذا الإسناد لأنك تستطيع أن تقرب إلى النبي ﷺ ومع ذلك لا تحرص، وهذه هو وجه قولهم أنه " شؤم "، وأنه " قرحة في الوجه"، فهذا هو ثمرة هذا المبحث. (الحديث الموقوف) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما أضفته إلى الأصحاب من ... قول وفعل فهو موقوف زكن انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الخامس عشر وهو (الحديث الموقوف) . الحديث الموقوف: وما أضفته إلى الأصحاب من قول وفعل. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. إذاً الحديث الموقوف هو: كل إسنادٍ أضيف إلى أحدِ صحابة رسول الله ﷺ . انتهى به الإسناد إلى الصحابي. وقد مرّ معنا المقطوع: وهو كل ما وقف به الإسناد إلى التابعي، وهنا وقف الإسناد إلى الصحابي. فلو جاءنا الإسناد عن ابن عمر ﵁ أنه كان يفعل أو يقول كذا، فهذا نقول عنه إنه حديث موقوف. وكذلك إذا قال التابعي " فعلنا كذا "، يقصد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فهذا أيضاً موقوف. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما أضفته إلى الأصحاب. من هو الصحابي؟

стр. 75

هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. ولو لم يره كأن يكون أعمى، ولو لم يخاطبه كأن يحضر له خطبة، ولو لم يجلس معه فقط رآه مثلاً في حجة الوداع، فإنه يأخذ شرف الصحبة، ولا شك أن شرف الصحبة من أعظم الأوصاف، وهذا من فضل الله عليهم، قال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) ، قد يقول قائل ما هذا الفضل؟ ما الذي فعلوه؟ فهناك من التابعين من نشر العلم وغيره؟ أولاً: هذا محض فضل الله ـ جل وعلا ـ عليهم، وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فأنت أيها الرجل، ما الذي فضّلك على المرأة، وعلى الرقيق، فهذا محض فضل الله، فالنبي ﷺ فُضّل بالنبوة وهو محض فضل الله ـ جل وعلا ـ. ثانياً: أنه دائماً عند ابتداء الشيء يكون العمل أشدّ وأصعب مما إذا جاءه بعد تحريره، فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أتاهم شيء جديد خالفوا الناس كلهم، وليس قومهم فقط، فهذا يصعب على الإنسان أن يتخذ هذا القرار، فأنت مثلاً لو رأيت موضوعاً جديداً جاء إليك ورأيت الناس كلهم يقولون هذا خطأ وليس بصحيح، ومن يفعل هذا فهو كذا وكذا، فلا يمكن أن تتخذ قراراً بأنك تخالف فصعبٌ عليك، ومع هذا فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عزّروا الرسول ﷺ ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهذا ليس سهلاً. بعضهم يقول الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردّه.
следующие страницы →