← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 140–179 · переход к 145.

стр. 140

وهو نبت يُدبغ به، وقوله: (فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ) أي: في صُرَّة مدبوغة. قال صاحب المجمل (١): الذهب معروف مُذَكَّر، وربما أُنِّث، فقيل: ذهبة، والجمع: أذهاب، وقوله: (لَمْ تُحَصَّل مِنْ تُرَابِهَا) يعني: الذَّهَبَةَ، أي: لم تُخَلَّص من ترابها، أي: هي مع ترابها مختلطة به، كما أخرجت من المعدن لم تُخَلَّص، ويقولون: ولم تُضرب. وقوله: (أَنْ أَنْقُبَ) يُقال: نَقَبتُ الحائط، والبَيطار يَنْقُب سُرَّة الدابة ليخرج منها ماء، وتلك الحديدة مِنْقَب (٢). وقوله: (مِن ضِئضِئِ هَذَا) أي: من أصل هذا، وقبيلة هذا، وجنس هذا، وهو بالضاد المعجمة، وقوله: (وَهُوَ مُقَفَّى) (٣) أي: مُوَلَّى، يقال: قَفَّى يُقَفِّي إذا ولاك قفاه، وقوله: (كَمَا يَخْرُجُ السَّهِمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)؛ الرَّمِيَّة: فعيلة بمعنى مفعولة، وأُلْحِق بها الهاء لأنه مما أُفرد عن الموصوف فجعل اسما، ومثله البَنِيَّة للكعبة، والبَحِيرة والوَصِيلة، لأنهما بمعنى المبحورة والموصولة، و (الرِّصَافُ): جمع الرَّصَفة وهي العَقَب الذي يشد على فوق السهم، وعمل رصيف أي: محكم. وفي حديث أبي سعيد: (أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ) والخُوَيصرة: تصغير الخاصرة،

стр. 141

والخاصرة: الجَنْب، وفي حديثٍ بَعدَه: عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد: (مِشْرَق): بكسر الميم وفتح الراء بطن من هَمْدَان، وفي الرواية الأولى (١): (الضحاك الهَمْدَاني)، وهَمْدان بسكون الميم قبيلة عظيمة، قال: فهل أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ (٢) وقوله: (قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) (٣) يعني: إني بعثت بالعدل، فإذا لم أعدل، ولم آمرك بالعدل، فقد خبتَ وخسرتَ، لأنك حينئذ تقول غير الحق، وتعمل بغير الحق، لأني أُمرتُ أن أقول الحق وأعملَ بالحق، وآمرَك بالعمل بالحق، والقول الحق، ومن أولى بالعدل مني؟ وقد بعثني الله إلى الخلق، وجعلني أمينًا، فإذا لم أكن عدلا شقيتَ أنت وخسرتَ. وقوله: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) التراقي: جمع التُّرْقُوة، والترقوة: ما فوق الصدر، ومعنى: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) أي: لا يُقبل منهم عملُهم، ولا يصعد فوق رؤوسهم، وفي رواية: (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم)؛ والحُنجُرة: أعلى الحلق، وقوله: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم) أي: يجد عملَه حقيرًا بالإضافة إلى عملهم، وفي رواية: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ إِلَى صَلَاتِهِمْ) (٤)، ومعناه ما ذكرنا، أي:

стр. 142

بالإضافة إلى صلاتهم، وقول عمر بن الخطاب ﵁: (ائْذَن لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) رأى قتله حين آذى النبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ : (دَعهُ) أي: لم أومر بقتل المنافقين، وقوله: (يَمْرُقُونَ) المُروق: خروج الشيء من غير مدَخلِه، و (الرَّمِيَّةِ): الصيدُ، وقوله: (ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ)؛ النَّضِيُّ: بفتح النون، والضاد المعجمة قِدْح السهم، وقال صاحب المجمل: هو ما جاوز الريش إلى النصل، سمي بذلك لأنه بُرِيَ حتى عاد نضوًا، ونَضِيُّ الرمح ما فوق المقبض من صدره، والنَّضِي العنق (١)، وقيل: هو مَركب العنق، قال: وطُولِ أَنْضِيَةِ الأَعْناقِ واللِّمَم (٢) وروي: (والأمم) (٣) وهي جمع الأمة وهي القامة، وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ)؛ القُذَةُ: جمع القُذَّة؛ وهي ريش السهم. وقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ): أي: جاوز الفرث والدم، أي: لم يثبُت فيه، ولم يَعْلَق به من ذلك شيء، يقول: إن هذا الرامي أو الصائدَ رمى فأصاب سهمُه الصيدَ فنفَذ فيه بسرعة، حتى خرج منه، فلم يَعْلَق به من دمها شيء لسرعة نفوذه، فأخذ السهم الذي نفَذ في الصيد وخرج منه، فنظر إلى نصله فلم ير فيه أثر الدم، ثم نظر في الرِّصَاف - وهي العَقَب التي فوق الرُّعْظ، والرُّعْظُ مدخل النصل من السهم - فلم ير دمًا، وكذلك نظر في القُذَّة.

стр. 143

وفي الحديث المتقدم: (فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ)؛ الفُوقُ: موضع الوتر من السهم، وكأن (الْفُوقة) لغة، وقوله: (هَل عَلِقَ) أي: هل تعلق، وقوله: (فَيَتَمَارَى) أي: يشك، يعني: أن هذا الرامي تناول أول السهم إلى آخره، فلم ير فيه أثرا يدل على أنه أصاب الصيد، فلما نظر إلى الفُوقِ - وهو انتهاء نظره - وتأمله رأى أثرا غير بين، فشك في الإصابة، وهذا مَثَل، ومبالغة في خروج الخوارج من الدين، بحيث لا يكون لهم نصيب في ذلك، ولا تمسك بشيء منه، دخلوا فيه وخرجوا منه، فلم يتعلقوا بشيء منه، كما أن السهم حين نفَذ الصيد، لم يتعلق منه بشيء، أي: دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه ولم يعلق بهم شيء من الدين، كخروج السهم من الصيد الذي يرميه الصائد على هذه الصفة، ولم يعلق به من دم الصيد شيء، وفي رواية: (فَيَنظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) (١) (البَصِيرَةُ) طريقة الدم، وقيل: البصيرة القطعة من الدم إذا وقعت استدارت، قال الأسعر: رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلى أكتافهم … وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى (٢) والبصيرة في غير هذا الموضع: التُّرْسُ، والبصيرة البرهان والاستبصار في الشيء، وكله من الوضوح. وفي رواية: (آيتُهُم رَجُلٌ أَسوَدُ) أي: علامتهم، يعني: آيتهم أن فيهم رجلا أسودَ، (إِحدَى عَضُدَيهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ) يريد بذلك نقصانه وصغره، (أو مِثلُ

стр. 144

البَضعَةِ) يعني: القطعةَ من اللحم (تَدَردَرُ) أي: تتدردر، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومعناه تضطرب وتتحرك، وقوله: (عَلَى خَيرِ فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ) (١) أي: على خير جماعة من الناس. وقوله: (سِيمَاهُم التَّحلِيقُ) (٢) سيماهم أي: علامتهم. والتحليق: مصدر حَلَّق يُحَلِّقُ تحليقا، وكان الخوارج يحلقون ولا يتركون الشعر عليها (٣)، إما ليتميزوا بذلك عن غيرهم، وإما ليجعلوا ذلك سِمَةً لهم، وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) الغرضُ: الهدف، وهو موضع مرتفع يُرمى إليه عند تعلم الرمي، و (مَارِقَةٌ): فاعلة من مرَق، وقوله: (عِندَ فُرقَةٍ) أي: عند افتراق. * * * [٣٩] وقوله: (فَإِنَّ الحَربَ خَدْعَةٌ) (٤) بفتح الخاء، ومعناه: ينقضي أمرها بخدعة واحدة (٥)، وأما (الخُدعة): بضم الخاء وسكون الدال: فما يخدع به، وأما (الخُدَعة): بضم الخاء وفتح الدال؛ فالخَدَّاعُ الذي يخدع الناس كثيرا (٦)، وقيل: خُدَعة أي: يخدع، وقال أبو عبيد: سمعت الكسائي يقول: الحرب خُدَعة (٧) بفتح الدال.

стр. 145

وفي حديث: (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقْتُلُوهُمْ) يعني: فإذا لقيتموهم فقاتلوكم فاقتلوهم، وفي رواية: (رَجُل مُخْدَجُ اليَدِ)، أي: ناقص اليد، أَوْ مُودَنُ اليَدِ، أَو مُثَدَّنُ اليَدِ) (١)، قال ابن الأنباري - في حديث ذي الثُّدَيَّة: أنه مُودَن اليد، وروي: مَودُون اليد -: فمن رواه مُودَن اليد، ومَوْدُون اليد فهو مأخوذ من قول العرب: وَدِنْتُ الشيءَ وأَوْدَنْتُه، إذا نقصتُه وصَغَّرتُه (٢)، وقوله: (مُثَدَّنُ اليَدِ) وروي: (مَثدُونُ اليَدِ) ومعناه صغير اليد مجتمعُها بمنزلة ثُنْدُوَّةِ الثدي (٣)، وأصله: (مُثَنَّدُ الْيَدِ) فقُلِب وقدم الدال على النون، كما قالوا: جبد وجذب، وعاث وعثا، قوله: (لَوْلَا أَن تَبطَرُوا) البَطَر: الطغيان عند النعمة، وقيل: البَطَر التكبر. وقوله: (ليسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ)، أي: مع قراءتهم، أو بالإضافة إلى قراءتهم، وقوله: (مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم) (٤)، أي: ما حُكِم لهم بالثواب الجزيل، والأجر الكثير، (لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَل) (٥)، أي: لَاتَّكَلوا على ذلك؛ مُعرضين عن العمل، يقال: رجل وَكِلٌ: إذا اتكل على غيره،

стр. 146

وتواكل القوم أي: اتكل كل واحد منهم على الآخر، أي: اعتمد وترك العمل، وقوله: (وَأَغَارُوا فِي سَرحِ النَّاسِ) يعني في الإبل والنَّعم التي ترعى، و (حَرُورَاءَ): اسم جبل اجتمع به الخوارج، و (الرَّاسِبِيُّ): منسوب إلى بني راسب، قبيلة من الأزد، وقوله: (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أي: رموا برماحهم، وفي حديث آخر: (وَحَّشُوا بأسلحتهم) (١)، وقوله: (وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) يقال: تشاجر القوم بالرماح أي تطاعنوا، وشَجَر بين القوم: إذا اختلف الأمر بينهم، والشَّجْر مَفرَج الفم، وقوله: (إِحدَى يَدَيهِ طُبِيُ شَاةٍ) أو: مثل طُبْيِ شاة، الطُّبْيُ: واحد أَطْبَاء الناقة، وهي أخلافها، والأخلاف: جمع خِلْفٍ، والخِلْفُ: الضَّرع. * * * [٤٠] وقوله: (يَتِيهُ قَومٌ قِبَلَ المَشْرِقِ) (٢) قِبَلَ نصب على الظرف، (مُحَلَّقَةً رُؤُوسُهُم) نصب على الحال، يقال: تاه الرجل إذا تحيَّر في دينه، وقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، يقال: أرض تَيْهَاء إذا كانت يُتَاه فيها، أي: لا يُهتدى فيها بِعَلَم ولا طريق. ومن هذه الأحاديث: دليل أن من أظهر الإسلام، لم يُكشف عما في ضميره، وفيه: دليل أن أهل البغي إذا امتنعوا من طاعة الإمام حَلَّ قتالهم.

стр. 147

ومن باب لا تحل الصدقة للنبي ﷺ ولا لأهل بيته [٤١] حديث أبي هريرة ﵁: (كِخْ كِخْ) (١) تفسير الكلمة في الحديث: (ارْمِ بِهَا)، وقوله: (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) الصدقة لم تكن تَحِلُّ للنبي ﷺ لما رفع الله من قدره، ونزَّهه منه، لأنها أوساخ الناس. * * * [٤٢] وفي حديث: (فَأَجِدُ الثَّمَرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) (٢) دليل أن الشبهاتِ يُتَوَرع منها، إذ قال: (أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً) فألقاها. * * * [٤٣] وفي حديث أنس ﵁: (مَرَّ بِتَمرَةٍ فِي الطَّرِيقِ) (٣)، وفي حديث أبي هريرة: (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) دليل على جواز طرح الفراش ولباسه. ومن باب طلب الولاية [٤٤] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدثنا أبو عوانة الإسفرايني، حدثنا أبو داود الحراني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، وأخبرنا أبو بكر الصابوني، - ولفظ الحديث له - أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن

стр. 148

مالك، عن الزهري: أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة حدثه قال: (اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأَمَّرَهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبه الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي ﵁: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفِسْنَاه عليك، قال علي ﵁: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عَلِيٌّ ﵁، فلما صلَّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ)، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لِتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنبَغِي لَآلِ مُحَمَّد)، وفي رواية أبي عوانة: (لَا يَنبَغِي لمحمد ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ) وكان على الخمس، وفي رواية أبي عوانة: (والعشور)، (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمِيَة: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ) - للفضل بن العباس - فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: (أَنكِح هَذَا الغُلَامَ ابْنَتَكَ) - لي -

стр. 149

فأنكحني، وقال لمحمية: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا)، وَكَذَا، قال الزهري: ولم يسمه لي) (١). وفي رواية أبي عَوانة: (وَأَبَا سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ) بدل نوفل بن الحارث، وقال: أبو سفيان هو نوفل بن الحارث. وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه: فألقى عَلِيٌّ رداءه ثم اضطجع عليه فقال: أنا أبو حسن القَرْمُ، وفي نسخة أنا أبو حسنٍ القَوْم، والله، لا أَرِيمُ مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْرِ ما بَعَثْتُما به، وفي هذه الرواية: فقال رسول الله ﷺ : (ادعُوَا لِي مَحمِيَّةَ بْنَ جَزءٍ)، وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس. (رَبِيعَةُ بنُ الْحَارِثِ): بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، و (العَبَّاسُ): عمه، و (عَبدَ الْمُطَّلِبِ): هو ابن ربيعة، و (الفَضلُ): هو ابن العباس، وهم جميعا من بني عبد المطلب، وصلِيبَةُ بني هاشم وبني المطلب حرمت عليهم الصدقة المفروضة، وجعل لهم نصيبهم من خمس الخمس عوضا منها. وقوله: (فَأَمَّرَهُمَا): من الإمرة؛ وهي الولاية، (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) يعني ما يكون للمسلمين من الحق في تلك الصدقات، (وَأَصَابَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ) (٢) يعني من أجر العمل، وقوله: (وَاللهِ، لَو بَعَثْنَا هَذَيْنِ الغُلَامَيْنِ) لفظه لفظ القسم، وليس بقسم، إذا أرادوا تأكيد الكلام أدخلوا فيه هذا اللفظ، وقوله: (قَالَ لِي) هذا كلام عبد المطلب بن ربيعة، أي: قال العباس، أو قال ربيعة هذا الكلام

стр. 150

لأجلي وفي حقي، ولأجل الفضل وفي حقه، يعني: قولهما: (لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ)، وأظن في نسخة: (قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ) (١)، وقوله: (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ) أي: قصده بالكلام، وقوله: (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) التنافسُ: الحسد، وشيء مُنْفِسٌ ونفيس أي: يحسد به، وقوله: (نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّهْرُ هاهنا بمنزلة المُصَاهَرة، قال: فَجئْت ابْن أَحْلَام النيام وَلم تَجِد … لصهرك إِلَّا نَفسها من تباعل (٢) يقال لأهل بيت الخَتَنِ (٣)، وأهل بيت المرأة جميعا: أصهار، وقوله فقال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) أي: ما في قلوبكما، أي ما تَجْمعان في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرْتَهُ، فإذا أردت التأكيد شددته فقلت صررته، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أي: وقت النكاح، وقوله: (تُلْمعُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) يقال: لمَعَ الطائر بجناحيه إذا خَفَق بهما، ولَمَع الرجل بيده إذا أشار بها، ويقال: للجناح مِلْمَعٌ، قال حُمَيْدُ: لَهَا مِلْمَعانِ، إِذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى (٤) يصف قَطاة (٥)، يقول لها جناحان تحركهما إذا أسرعت الطيران، يحث

стр. 151

ذلك الجناحان الصدرَ على موافقتهما، فيُسمعُ لذلك صوتٌ، ووَحْيُ الجناح حَفِيفُ صَوتِه. وقوله: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ - للفضل بن العباس) أي: قال ذلك لأجل الفضل بن العباس كما ذكرناه، وكذلك قوله: (ابْنَتَكَ - لي -)، وقوله: (أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَوْمُ)؛ قوله: (الْقَرْمُ): قال أهل اللغة: القَرْم: السيد، وقال صاحب المجمل: القَرْم: السيد؛ شُبِّه بالقرم: وهو الفحل المكرم؛ لا يُحمل عليه؛ بل يترك للفحلة) (١)، ومن رواه: (أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ) (٢) بالواو، كأنه جعل الكلمتين كلمة، وأخرجها من باب الكنية إلى باب الاسم، وأضافه إلى القوم، ومعناه: أنا رجل القوم، وأنا فطِن القوم، وأنا ذو رأي القوم، وقوله: (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) أي: لا أبرح مكاني، وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) أي: بجواب ما بعثتما به، يقال: كلمته فما رجع إليّ حوارًا وحَوِيرًا وحَوْرًا ومَحُورَةً يعني: جوابًا، وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)؛ أظن أن الصواب من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه (٣).

стр. 152

وفي الحديث: دليل على جواز طلب الولاية إذا كانت بحق، ودليل على جواز طلب المعاش من حل، وجواز إعطاء العالة، ودليل أن خمس الخمس جُعل لأهل بيت النبي ﷺ عِوضا من الصدقة. ومن باب الصدقة إذا تحولت هدية [٤٥]-[٤٦] حديث جويرية ﵂: مَا عِنْدَنَا إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ أُعْطِيَتْهُ (١) مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (قَرِّبِيهِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) (٢): فيه دليل أن حكم المال يتغير من انتقال الملِك، فحين كانت صدقة، كانت محرمة على النبي ﷺ ، فلما صارت هدية حلت له، وهو معنى قوله: (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)، ومعنى قوله: (هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) (٣). ومن باب دعاء الإمام لمن جاءه بالصدقة [٤٧] حديث ابن أبي أوفى: (إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: "اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ") (٤)، في هذا الحديث دليل أن النبي ﷺ كان يراعي الوحي فيأتي ما يأمره به الوحيُ، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فكان يصلي على المتصدق تطييبًا لنفسه، وإدخالا للسرور عليه، يقال له: جعله الله لك

стр. 153

طهورا، وآجرك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت (١). ومن باب إذا أتاكم المصدق [٤٨] فيه (٢): دليل على إرضاء عُمَّال الصدقة، وإيفاءِ الحق الواجب، والخروج منه إليهم، من غير مماطلة ولا مدافعة، لأن ذلك مصروف إلى وجوه الحق، فإذا صَدر العامل راضيا بورك للمتصدق فيما أعطى وفيما أبقى.

стр. 154

كتاب الصوم ومن باب فضل شهر رمضان [٤٩] حديث أبي هريرة ﵁: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) (١)، وفي رواية: (فَتِّحَت أَبْوَابُ الجَنَّةِ بالرَّحمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)، التشديد في: (فُتِّحَتْ)؛ و (وَغُلِّقَتْ) لتكثير الفعل، وكذلك في (صُفِّدَتِ)، ومعنى صُفِّدَت قُيِّدت وغُلَّت، والصِّفَادُ: القيد؛ جمع صَفَد، والصَّفْدُ: التقييد، قال: فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا (٢) وفي القرآن: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: الآية ٤٩]، قيل: هي الأغلال، وصفَّدته وصفَدته - مخفف ومثقل - أي: أوثقته، ومعنى (سُلْسِلَتِ) شُدَّت بِالسَّلسِلة. قال بعض العلماء: الصوم من معاظم أمور الدين، وقد ذكر الله في الكتاب ما نبه به على عظم قدره وجلالة موقعه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣] الآيات، فعرفنا أن الصوم كان شريعةً لمن قبلنا، وجائز أن يكون ذلك مع

стр. 155

الاختلاف في تفصيله، كالصلاة المفروضة على من قبلنا، مع مخالفة ما شُرع لنا فيها في الأعداد والأوقات، وجائزٌ أن يكون على معنى استواء الصومين في عدد الأيام، وفي ذلك حثٌّ لنا على التزامها، لأن الشيء إذا استوى في التزام فعله العددُ الكثير، خف الأمر في احتمال ثِقلِه. ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، عرَّفَنَا أن الصومَ يورث التقوى، لأن في فعله كسرًا للنفس، وقمعًا لشهواتها، وفي ذلك تهوين لملاذِّ الدنيا، ومن هانت عليه الملاذُّ، وعصى الشهواتِ، سهُلت عليه الطاعات، فاستحق به الوصفَ بالتقوى، لأن حقيقة التقوى أن يخشى الله في أوامره أن تُترك، وفي نواهيه أن تُرتكب، وإلى هذا وقعت الإشارة بقول النبي ﷺ : (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (١). ثم قال : ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، فعرَّفَنا أنه لم يفرضه علينا أيام الدهر، ولا أكثر أيامه، وإنما فرضه علينا أياما يسيرة، يخِفُّ احتمال المشقة فيها، ثم بين هذه الأيام بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، والشهر إما ثلاثون، وإما تسعٌ وعشرون. ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، عرَّفَهم أنه خفف عنهم في هاتين الحالتين: في السفر والمرض. ثم قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي: ومن ثقُل عليه الصوم من المطيقين، فله تركُه إلى إطعام مسكين، وهذا إنما كان في الفرْض

стр. 156

الأول، ثم نسخ التخيير بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وأعاد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لئلا يَتَوَهَّم في الإفطار مُتَوهِّم أن الرخصة في هذا، إنما كانت حين كان للناس الخيار في فعل الصوم وتركه، في حال الإقامة والصحة. ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ الآية، وهي أيام شهر رمضان تتمونها صائمين ثم تكبرون الله على ما هداكم له هذه الشريعة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فإنكم إذا فعلتم ذلك، كنتم شاكرين الله على إنعامه عليكم بهذه الشريعة، فجعلهم في آخر الآية شاكرين الله بالصوم، كما جعلهم في أولها من المتقين، فثبت بهذا أن من قام بفرض الصوم، استحق أن يسمى متقيا شاكرا، ولا أَجَلَّ في صفاتِ العباد من هاتين الصفتين. * * * [٥٠ - ٥١] حديث عائشة ﵂: (لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ بَدَأَ بِي - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْع وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) (١) وفي رواية جابر ﵁ فقال: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا: مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِع يَدَيْهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا) (٢) وفي رواية: (وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ)، وفي نسخة:

стр. 157

(وخَنَسَ) (١) بالخاء المعجمة والنون، وفي رواية سعد ﵁: (ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا). قال بعض العلماء (٢): الأصل في وجوب الصوم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣]، ولم يُعيِّنْه في هذه الآية، وعَيَّنَه في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِنَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَان وَحَجَّ البَيْتِ مَن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (٣). فإذا ثبت هذا، فالصوم في اللغة هو الإمساك والكفُّ، فكل من أمسك عن شيء وكفَّ عنه يقال: هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: الآية ٢٦]، أي: صمتا، وكذلك يُقال: صام النهارُ، إذا وقفت الشمس ولم تسر وقتَ الزوال، يقال: صامتِ الخيلُ: إذا وقفت ولم تسر، ومنه قول العجاج: خَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأُخرَى تَعلُكُ اللُّجُمَا (٤) فأما في الشرع: فالصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع دون غيره، فهو من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، إلا أنه منقول إلى النقصان،

стр. 158

والنقل قد يكون تارة إلى النقصان وتارة إلى الزيادة. ولا يجب صوم رمضان حتى يستيقن أن الهلال قد رُئِي، أو يستكمل شعبان ثلاثين يوما، فما لم يوجد أحد هذين الشرطين لا يجب الصوم، دليلنا ما رُوي عن النبي ﷺ إذ قال: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ) (١). واختلف الناس في يوم الشك: فمذهب الشافعي (٢) ﵀ أنه مكروه بكل حال، إلا أن يكون الرجل ممن يصوم الدهر، أو يعتاد أياما فوافق تلكَ الأيام يومُ الشك، فلا يكره الصوم، روي عن عَلِيٍّ (٣) وعمار (٤) ﵄، وقال ابن عمر ﵁: إن كان صحوا كره صومه، وإن كان غيما لم يكره (٥)، وهو قول أحمد (٦)،

стр. 159

وقال الحسن (١) وابن سيرين (٢): الناس تبع للإمام، فإن صام الإمام صامت الرعية، وإن أفطر الإمام أفطروا، وقال أبو حنيفة (٣): إن صامه ونوى به التطوع لم يكره، وإن نواه عن رمضان كُرِه. دليل أصحاب الشافعي قوله ﵇: (لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ وَلَا يَومَينِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُم، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) (٤)، فاقتضى الظاهرُ أنه لا يجوز صومه بحال، إلا ما استثناه الخبر. * * * [٥٢] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبدُ الملكِ بن الحسنِ الأزهري، حدثنا أبو عَوَانة الإسفَرَايِني، حدثنا إسماعيلُ وَيوسف القاضيان، قالا: حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ عن ابن عمرَ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِن أُغْمِيَ عَلَيْكُم فَاقْدِرُوا لَه) (٥)، قال نافع: كان

стр. 160

ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون، نظر له، فإن رُئي فذاك وإن لم ير، ولم يَحُل دون مَنْظَرِه سحاب ولا قَتَرَةٌ أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائما، وكان يفطر مع الناس، ولا يأخذ بالحساب (١). * * * [٥٣] قال: وحدثنا أبو عَوانةَ، حدثنا إبراهيم بنُ الحسين الهمداني، وأبو داودَ السجستاني، قالا: حدثنا أبو سلمةَ موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جعفرَ، أخبرني محمدٌ - يعني: ابن أبي حَرْمَلةَ - وهو حُويطِبُ بنُ عبدِ العزى بن عامرِ بن لُؤي، أخبرني كُريبُ، أن أمَّ الفضلِ بنتِ الحارثِ بعثته إلى معاويةَ بن أبي سفيان ﵁ بالشام قال: قَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرَ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ، فَقُلْتُ: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢). * * * [٥٤] قال: وحدثنا أبو عَوانة، حدثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بن مسلمٍ، وأبو حُميدٍ قالا: حدثنا حجَّاجُ، حدثنا شُعبةُ عن عمرِو بن مُرَّة، قال: سمعت أبا البُختري الطائي يقول: أهللنا هلال رمضان ونحن بذات عِرق، فأرسلنا إلى ابن عباس

стр. 161

نسألُه فقال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الله أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ) (١). * * * [٥٥] وفي كتاب مسلم: (إِنَّ الله أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، فَهُوَ لِلَّيلَة الَّتِي رَأَيْتُمُوهُ) (٢). وفي كتاب مسلم: شك يحيى بن يحيى في تكتفي أو نكتفي، وفي كتاب مسلم: (خَرَجْنَا لِلْعُمَرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطنِ نَحْلَةَ تَرَاءَينَا الهِلَالَ، فَقَالَ بَعضُ الْقَومِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابْنُ لَيلَتَينِ، فَقَالَ: أي: لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا)، وفي كتاب مسلم، في رواية محمد بن جعفر عن شعبة: (إِنَّ الله قَد أَمَدَّهُ لِرُؤيَتِهِ). قوله: (أَهلَلنَا) أي رأينا الهلال، يقال: أهللتُ الهلالَ، واستهلَّ إذا رُئي، قال: وَشَهْرٌ مُسْتَهِلٌّ بَعْدَ شَهْرِ … وَحَوْلٌ بَعْدَهُ حَوْلٌ جَدِيدُ (٣) وفي حديث ابن عباس ﵁ دلالة على أن حكمَ الصيام يلزمُ برؤية أهل البلد للهلال، وقوله: (فَإِن أُغمِيَ عَلَيْكُمْ) أي: خَفِي فلم يُرَ، و (أُغمِيَ) فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعله على وزن أُفْعِل، و (غُمَّ) فعل ما لم يُسَمَّ فاعله على وزن فُعِل، أي: غشَّ السحابُ، أو غيرُه موضعَ الهلال حتى لا يُرى، وقوله: (مدَّه) و (أَمدَّه) أي: زاده على تسعٍ وعشرين حتى كان تمامَ ثلاثين.

стр. 162

[٥٦] وحديث أبي بكرة ﵁: (شَهرَا عِيدٍ لَا يَنقُصَانِ) (١) قيل في معناه (٢): هما وإن نقص عدَدُهما لا ينقص أجرُهما، وقال بعضهم: لا ينقصان معًا، وهذا إن حُمِل على سنةٍ بعينها، أو على أغلب الأحوال جاز، فأما أن يُحمل على جميع الأزمنة، فالمشاهدة تدفع ذلك، لأنهما قد ينقصان، وقيل: إن نقص هذا لم ينقص الآخرُ، والاعتماد على القول الأول. ومن باب قوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود [٥٧] المراد بذلك الليل والنهار، وقوله: (إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ) (٣)؛ أي: إنك إذا حمَلت الخيط الأبيض، والخيط الأسود على الظاهر، حتى تجعل تحت وسادتك عِقالين - وإنما هما الليلُ والنهار - إن وسادك إذا لعريض إذ كان يسع الليل والنهار، أي غلطت في حمل ذلك على ظاهر الخيط الأبيض، والخيط الأسود (٤).

стр. 163

قيل: فلما أنزل الله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]، زال هذا الاحتمال، قيل: خيط الفجر بياضُ الصبح، أولَ ما يبدو يمتد كالخيط، ثم ينتشر، قال النابغة (١): وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا (٢) ومن باب: إن بلالا يؤذن بليل [٥٨] قوله: (ليَرجِعَ قَائِمَكُم وَيُوقِظَ نَائِمَكُم) (٣) ليرجع قائمكم؛ أي: لينصرف المصلي من صلاة الليل، وقوله: (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) وفي رواية: (وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الأَرْضِ - وَلَكِنِ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا - وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ -) أي: وفرج بين يديه. في الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان له مؤذنان، وبيان أن الأذان لصلاة الصبح بالليل، عند قرب الصبح جائز، وأن وقت السَّحور ما لم يطلع الفجرُ، وفيه دليل أن تأخير السَّحور مستحب، وفيه دليل أن الفجر فجران، أحدهما مستطير، وهو الذي لا يُحرِّم الطعام ولا الشراب على الصائم، ولا يُحِلُّ الصلاة، والآخر هو المستطيل المنتشر، وهو الذي يُحَرِّم الطعام والشراب على الصائم، ويُحِلُّ الصلاة (٤).

стр. 164

ومن باب السحور [٥٩] حديث عمرو بن العاص ﵁: (فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ) (١). * * * [٦٠] وحديث زيد بن ثابت: (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً) (٢)، قيل: كان أهل الكتاب لا يتسحرون، فَسَنَّ النبي ﷺ التَّسَحُّر، وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ دليل على تأخير السُّحُور. [٦١] وفي حديث عمرو بن العاص ﵁: دليل على فضل السُّحُور، ودليل أن هذا الدين يُسر لا عُسر فيه، وكان الأمر في أول الإسلام أنهم إذا ناموا بعد الإفطار، لم يَحِلَّ لهم معاودةُ الأكل والشرب، ثم رَخَّصَ الله في الطعام والشراب إلى وقت الفجر، فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]، ورُوي من حديث سَمُرَةَ بن جُندب: (لَا يَمْنَعْكُم مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ) (٣)، وفي رواية: (وَلَا بَيَاضُ الْأَفْقِ الَّذِي هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ) (٤)، قيل: يستطير أي: يعترض في الأفق، وينتشر ضوؤه هناك، قال الشاعر:

стр. 165

لهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُوَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ (١) ورُوي خارج الصحيح عن قيس بن طَلْقٍ عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، وكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ) (٢)، قوله: (لَا يَهِيدَنَّكُمُ)؛ معناه: لا يَمْنَعنَّكم الأكل، وأصل الهِيدِ الزجر، يقال: هِدْتُ الرجل أَهِيدُه هَيْدًا، إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب: هِيدٌ هِيدْ، و (السَّاطِعُ): المرتفِع، وسطوعُها ارتفاعُها (مُصْعِدا)، قبل أن تعترض، ومعنى: (الأَحْمَرُ) هاهنا: أن يستبطن البياض المعترض أوائل حُمرة، وذلك أن البياض إذا تتامَّ طلوعه، ظهرت أوائل الحُمرة، والعرب تشبه الصبح بالبَلَق في الخيل، لما فيه من بياض وحمرة، وقد جعله عمر بن أبي ربيعة شُقرَة، فقال (٣): فَلَمَّا تقضى اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلَه … وكَادَتْ توالي نجمه تتغورُ فَمَا رَاعَنِي إِلَّا مُنَادٍ تَحَمَّلُوا … وَقَدْ لَاحَ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ أَشْقَرُ

стр. 166

ومن باب تعجيل الفطر وتعجيل الصلاة [٦٢] (لَا يَألُو) (١) أي: لَا يُقَصِّر. * * * [٦٣] وقالوا: (مَا عَجَّلُوا الفِطرَ) (٢)، ما هاهنا للمُدَّة، أي: مدة تعجيلهم الفطر. ومن باب إذا أقبل الليل وما جاء في الوصال [٦٤] قوله: (انزِل فَاجدَح لَنَا) (٣) أي: اخلط السَّوِيق (٤) بالماء وخُضَّه به، والمِجْدَحُ: ما يُخلط به السَّوِيق، وقوله: (فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ) أي: ارتفع حكم صومه، وهذا إفطار ليس للصائم منه فعل، والإفطار يكون حكمه على وجوه: منها الإفطار بالجماع إذا كان صائما، وهو أغلظها، ومنها بالأكل والشرب، ومنها ما يكون ببطلان الأجر لا ببطلان الصوم كالغيبة والكذب. * * * [٦٥] وفي حديث الوصال (٥): خصوصية لرسول الله ﷺ إذ كان يُطعَم طعام الآخرة وهو نائم، ولا يعلَمُ هذه الفضيلة الأحد قبله ﷺ ، وفي الحديث: دليل أن أسباب القُربة يقع فيها التنافس بين أهل الخير، والزجرُ إذا ورد عنها أوهم بعضَهم

стр. 167

أنه على وجه الشفقة، فمن ها هنا واصلوا حتى واصل بهم النبي ﷺ . وقوله: (كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ): أي: كالمعاقب لهم، قال أهل اللغة (١): التنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تُنَكِّل من ورائهم؛ أي: تجنبهم، وقيل: النِّكال: العقوبة التي تُنَكِّل الناس عن فعل ما جُعِلت هذه العقوبة له جزاء، وأَنْكَلْتُ الشيء ونَكَّلتُه دفعته فَنَكَل، أي: امتنع. وقوله: (فَاكلَفُوا مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ)، يقال: كَلَّفْتُه الشيء أَي: حَمَّلْتُه فَكَلِفَه، أي: تَحمَّله، والكَلَفُ: الإيلَاعُ بالشيء، يقال: كَلِفَ بهذا الأمر، والكُلْفَة: ما يُتَكَلَّف في نائبة أو حق، والمُتَكَلِّفُ: العِرِّيضُ لما لا يعنيه. و (مَا تُطِيقُونَ): محله نصب مفعول اكْلَفُوا، (وإِيَّاكُم وَالوِصَالَ) نصب، والتقدير: واحذروا الوصال، و (مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ) أيضا مفعولُ فاكْلَفوا. * * * [٦٦] وقوله: (كَهَيئِتِكُمْ) (٢) أي: مثلَكم وعلى صفتكم. * * * [٦٧] وقوله: (جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ) (٣) أي: يخفف الصلاة، وقوله: (فَلَمَّا حَسَّ رَسُولُ الله ﷺ أَنَّا خَلْفَه) حسَّ بمعنى أحسَّ، والإحساس العلم بالشيء، والحواس ما يدرك به الشيءَ، ويقال: من أين حَسِسْتَ هذا الخبر، ومن أين حَسَيْتَه، أي من أين تَخَبَّرْتَهُ، وقوله: (لَوْ تَمَادَى الشَّهرُ) (٤) أي: لو امتد

стр. 168

وطال، وقوله: (يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ) المتعمِّق المتكلِّف، يقال: تعمَّق فلان في كلامه، إذا أتى به بخلاف ما في طَبْعِه، وبئر عميقة بعيدة القَعر، وأعمقتُ القبر أي: بالغت في حفره، وقوله: (أَفَطِنْتَ؟) يعني: أَعَلِمت؟، يقال: فلان فَطِنٌ أي: عالم، والفِطنة ذلك. ومن باب القبلة للصائم [٦٨] قولها: (وَأَيُّكُم يَمْلِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْلِكُ إِربَهُ) (١)، وفي رواية: (وَلَكِنَّهُ أَملَكُكُم لإِربِهِ) (٢)، الإِرْبُ: العضوُ، ومعناه الفرْج، يقال: قطعته إربًا إربًا أي عضوا، وقيل: الإرب: الشهوة، قال بعض أهل العلم (٣): الإِرْب بكسر الهمزة وسكون الراء: حاجة النفس ووَطَرُها، يقال: لفلان عند فلان إِرْبٌ وإِرْبَة ومَأْرَبَةٌ أي: حاجةٌ (٤)، والإرب: العضو أيضًا. واختلف الناس في جواز القُبلة للصائم، فقال ابن عباس ﵁: يُكره ذلك للشاب، ويُرَخَّص فيه للشيخ (٥)،

стр. 169

وإلى هذا ذهب مالك (١)، وقال الثوري وأحمد: لا يُفَطِّرُه، والتنزُّه عنه أحب إِليَّ (٢). ومن باب من أصبح جنبا في رمضان [٦٩] حديث عائشة وأم سلمة ﵄ قولهما: (كَانَ يُصبِحُ جُنُبًا مِن غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ) (٣) قال العلماء: إذا أصبح جُنُبا في شهر رمضان، فإنه يُتِمُّ صومه ويجزئه، وفرق إبراهيم النخعي بين أن يكون ذلك منه في الفرض، وبين أن يكون في التطوع، فقال: يجزئه في التطوع، ويقضي في الفريضة (٤)، وكان أبو هريرة ﵁ يفتي بأن من أصبح جُنبا فلا صوم له، وكان يرويه عن رسول الله ﷺ ، فلما بلغه حديثُ عائشةَ وأمِّ سلمة ﵂ قال: (هُمَا أَعلَمُ) بذلك (٥). قال بعض العلماء (٦): ما رواه أبو هريرة ﵁ محمول على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم

стр. 170

ذلك اليوم، لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: (مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يَصُومُ) (١) أي: من جامع في ليل الصوم بعد النوم، فلا يحل له صوم غده، لأنه لا يصبح جنبا، إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطَرْفَة عين، فكان أبو هريرة ﵁ يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس ﵁ على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشةَ وأمِّ سلمة ﵄ صار إليه. وفي الحديث: من الفقه دخولُ الفقهاء على الأمراء، ومذاكرتُهم إياهم بالسنن، وفيه: البحثُ عن الصحيح من الأخبار، والأخذُ به، وتركُ الأخذ بالحديث الذي يخالف (٢) ظاهرُه ما عليه الإجماع. ومن باب كفارة من جامع أهله في نهار رمضان [٧٠] حديث أبي هريرة ﵁: (فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمَرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّق بِهَذَا فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَينَ لَابَتَيهَا أَهْلُ بَيتٍ أَحوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا) (٣)، قيل: العَرَق: القُفَّة الكبيرة، وقيل: السَّفِيفَة المنسوجة من الخُوصِ (٤) وغيره، وقيل: العَرَقُ: الزِّنْبيل، وقيل: يقال لكل شيء مضفور: عرَق (٥). في الحديث: دليل على أن على المُجامِع متعمدا في نهار رمضان القضاءَ والكفارةَ، وفيه: أن من قدر على عتق الرقبة، لم يجزئه الصيام ولا الإطعام، لأنه

стр. 171

قدَّم العتق ثم نَسَقَ عليه الصيام ثم الإطعام، وقال مالك: هو مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكي عنه أنه قال: الإطعام أحب إليّ من العتق (١). وفي قوله: (هَل تَجِدُ مَا تُطِعِمُ سِتِّينَ مِسكِينًا؟)، وقوله: (تَصَدَّق بِهَذَا) دلالة أن كفارة الإطعام لكل مسكين مدٌّ، لأن خمسة عشر صاعا (٢) إذا قُسِمت بين ستين لم يخُصَّ كل واحد منهم أكثر من مد، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: يُطعِم كلَّ مسكين نصفَ صاع (٣). وفي رواية: (وَصُمْ يَومًا، وَاسْتَغْفِرِ الله) (٤) فيه بيان أن صوم ذلك اليوم الذي هو القضاء، لا يدخل في صيام الشهرين. قيل: وقول الرجل: (أَصَبتُ أَهْلِي) سؤال عن حكمه وحكمها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معًا، ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة، فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، دل أن ذلك يجزي عنهما (٥). وقد اختلف الناس في تأويل قوله: (كُلهُ) و (أَطْعِمهُ أَهْلَكَ) فقال الزهري (٦):

стр. 172

هذا خاص لذلك الرجل، وقال غيره: هذا منسوخ (١)، وقال البويطي: وجبت عليه الرقبة، فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة فقيل له: صم، فلم يطق الصوم، فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يجد ما يطعم، فأمر له النبي ﷺ بطعام ليتصدق به، فقال: ليس بالمدينة أحوج مني، فلم ير له أن يتصدق على غيره، ويتركَ نفسه وعيالَه، فلما نَقَص من ذلك، بقدر ما أطعم أهلَه لِقوت يومهم، صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت، وكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمفلس يُمهَل ويؤجل (٢). وقوله: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) يريد حَرَّتَيْ المدينة، واحدتها لَابَةٌ، وفي رواية هشام بن سعد عن ابن شهاب خارج الصحيح: (فَأُتِيَ بِعَرَقٍ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا) (٣)، وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغَيْرَنَا؟) يعني: أَتُعْطِي غيرَنا، أو تريدُ بذلك غيرنا.

стр. 173

ومن باب ما جاء في صوم المسافر وفطره [٧١] حديث ابن عباس ﵁: (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ) (١) وفي رواية: (حَتَّى: وَصَلَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا) (٢). * * * [٧٢] وفي رواية: (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) (٣) بالغين المعجمة، وهذه أسماء أمكنة قريبة من مكة، فالكَدِيدُ عقبة قريبة من الجُحفة، وقوله: (حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ) إنما فعل ذلك لأنه أمرهم بالفطر، فلم يُفطروا، فلما رأوهُ شرب الماء أفطروا، وإنما فعل ذلك رفقًا بهم، وإبقاء عليهم. في الحديث: دليل على أن الفِطر للمسافر مباح، وفي قوله: (أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)؛ يعني: حين لم يقبلوا الرخصة، قيل: يعني حين شقَّ عليهم الصوم فلم يفطروا. ومن باب ترك العيب على الصائم والمفطر في السفر [٧٢] قيل: الصيامُ في السفر أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، والفطرُ فيه أفضلُ لمن شَقَّ عليه الصيام، وقوله: (أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمسَ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبنِيَةِ) (٤) يعني: الخِيام، (وَسَقَوا الرِّكَابَ) يعني: الإبلَ، فقال ﷺ : (ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَومَ بِالأَجْرِ)؛ يعني لقيامهم

стр. 174

بخِدمة الأصحاب الذين ضَعُفوا عن الصوم بالعمل، وقوله: (فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا) (١) أي: تشمَّروا، أو شَدُّوا أوساطهم. * * * [٧٣] وقوله: (وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيهِ) (٢) يريد زَحمة الناس، وكثرةَ اجتماعهم عليه. * * * [٧٤] وقوله: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) (٣) أي: أُتابع، والسَّرد النَّظْمُ. ومن باب ما جاء في صيام يوم عرفة [٧٥] حديث: أم الفضل: (أَنَّ نَاسًا تَمَارُوا عِندَهَا) (٤) أي: اختلفوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفةَ يعني: بعرفةَ، إنما اختار رسول الله ﷺ فطرَ يوم عرفةَ بعرفةَ تيسيرًا على الناس، ورأى أن الصوم يُضعِف الإنسان، وأن الدعاءَ والذكرَ في ذلك اليوم أفضل، فاختار لهم الإفطار.

стр. 175

ومن باب صيام يوم عاشوراء [٧٦] قوله: (يُلبسُونَ النِّسَاءَ فِيهِ حُلِيَّهُم وَشَارَتَهُم) (١)، وفي نسخة: (حُلَلَهم)، الشارة: الزينة والهيأة. * * * [٧٧] وقوله: (اللَّعْبَةَ مِنَ العِهنِ) (٢) يعني: الصوف المصبوغ. * * * [٧٨] وقوله: (وَمَن كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيلِ) (٣) الصيام هاهنا الإمساك دون الصيام المشروع، له أجر المتشبه بالصائمين، وأما الصوم فلا ينعقد مع الأكل. قال أصحاب الشافعي ﵁: صوم يوم عاشوراء مستحب [للأجر] (٤)، وذلك اليوم هو يوم العاشر من المحرم، وقال بعضهم: هو يوم التاسع (٥). روي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يصومون يوم عاشوراء - يعني: اليهود - فقيل لهم في ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى ﵇ على فرعون، فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبي ﷺ : (نَحْنُ أَولَى بِمُوسَى مِنْكُم) (٦) فصامه، وفي رواية: (فَأَمَرَ بِصَومِهِ).

стр. 176

قالوا: واليوم الذي أظهر الله فيه موسى، هو يوم العاشر، فثبت بهذا أن اليوم العاشر هو الذي يستحب الصوم فيه. ولا خلاف بين أهل العلم، أن صوم يوم عاشوراء ليس بواجب في وقتنا، وهل كان واجبا في أول الإسلام؟ الشافعي ﵁ يومئ في موضع إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، ويومئ في موضع إلى أنه لم يكن واجبا، والذي يشبه مذهبه أنه لم يكن واجبا (١). وذهب أبو حنيفة إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، وفائدة الخلاف أنه إذا ثبت لهم أن صومه كان واجبا، ثبت جواز النية للصوم الواجب بالنهار، لأن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فأمرهم بصومه، ونووا في تلك الحالة (٢). فالدليل على أنه غير واجب أن النبي ﷺ قال: (مَن لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) (٣) ولم يأمره بالقضاء، ولو كان واجبا لأمر المفطر بالقضاء، لأن ذلك كان وقت الحاجة إلى البيان، قال بعض العلماء: والذي أختار أن يصومهما جميعا التاسع والعاشر (٤).

стр. 177

ومن باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى [٧٩] قوله: (إِنَّ هَذَينِ يَومَانِ، نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صِيَامِهِمَا، يَومُ فِطرِكُم مِنْ صِيَامِكُم، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُم) (١) في هذا دليل أن من نذر صوم ذلك اليوم، لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه، لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسم هذا اليوم بيوم الفطر، والفطر مضاد للصوم، ففي إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه. وذهب أهل العراق إلى أنه لو نذر صومهما للزمه قضاؤهما (٢)، والنذر إنما يلزم في الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية لنهي النبي ﷺ ، فالنذر لا ينعقد فيه ولا يصح، كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها، وقوله: (إِنَّ هَذَيْنِ) أي: إن الأمر والشأن هذان يومان (٣).

стр. 178

ومن باب كراهية صوم أيام التشريق [٨٠] حديث نُبَيْشَة الهُذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) (١) قيل: وهذا أيضا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها، وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا نذرا، ولا عن صوم التمتع، إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر، وقال مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه: يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته في العشر (٢). ونبيشة هذا يعرف بنبيشة الخير، وهو ابن عم سلمة بن المُحَبَّق الهُذَلي (٣). ومن باب النهي عن صيام يوم الجمعة [٨١] يعني إفراد يوم الجمعة بالصوم (٤)، قيل: وجه النهي عن صومه، كراهة أن يُرى واجبا وليس بواجب. ومن باب وعلى الذين يطيقونه فدية [٨٢] التخيير بين الصوم والفدية منسوخ بالقرآن (٥)، وهو قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥].

стр. 179

ومن باب تأخير قضاء رمضان إلى شعبان [٨٣] حديث: (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعَبَانَ، الشُّغلُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَو بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١)، كأن المبتدأ محذوف، التقدير: المانع الشغل من رسول الله ﷺ ، وفي رواية يحيى بن سعيد قال: (فَظَنَنتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، - يَحْيَى يَقُولُه -)، المعنى هذا البيان من قول يحيى أو في رواية يحيى. وقوله: (فَمَا تَقدِرُ عَلَى أَن تَقضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بيانه ما تقدم من قولها: (الشُّغلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، في الحديث: دلالة لفضيلة شعبان على غيره من الشهور، إلا شهر رمضان، ودلالة أن كل عمل كلف الإنسان، ولم يكن مقيدا بشرط، أو مقرونا بوقت، أنه يجوز أداؤه على التراخى، مَنًّا من الله وفضلا منه. ومن باب الصيام عن الميت [٨٤] حديث: (أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنتِ تَقضِينَهُ؟) (٢)، قال أبو ثور: يقضى عن الميت صومُ رمضان والنذر، وإن أطعم عن رمضان أجزأه، وأبى ذلك الشافعي ومالك، وذهب أحمد وإسحاق إلى جواز ذلك إذا كان نذرا (٣).
следующие страницы →