← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 175–214 · переход к 180.

стр. 175

ومن باب صيام يوم عاشوراء [٧٦] قوله: (يُلبسُونَ النِّسَاءَ فِيهِ حُلِيَّهُم وَشَارَتَهُم) (١)، وفي نسخة: (حُلَلَهم)، الشارة: الزينة والهيأة. * * * [٧٧] وقوله: (اللَّعْبَةَ مِنَ العِهنِ) (٢) يعني: الصوف المصبوغ. * * * [٧٨] وقوله: (وَمَن كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيلِ) (٣) الصيام هاهنا الإمساك دون الصيام المشروع، له أجر المتشبه بالصائمين، وأما الصوم فلا ينعقد مع الأكل. قال أصحاب الشافعي ﵁: صوم يوم عاشوراء مستحب [للأجر] (٤)، وذلك اليوم هو يوم العاشر من المحرم، وقال بعضهم: هو يوم التاسع (٥). روي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يصومون يوم عاشوراء - يعني: اليهود - فقيل لهم في ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى ﵇ على فرعون، فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبي ﷺ : (نَحْنُ أَولَى بِمُوسَى مِنْكُم) (٦) فصامه، وفي رواية: (فَأَمَرَ بِصَومِهِ).

стр. 176

قالوا: واليوم الذي أظهر الله فيه موسى، هو يوم العاشر، فثبت بهذا أن اليوم العاشر هو الذي يستحب الصوم فيه. ولا خلاف بين أهل العلم، أن صوم يوم عاشوراء ليس بواجب في وقتنا، وهل كان واجبا في أول الإسلام؟ الشافعي ﵁ يومئ في موضع إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، ويومئ في موضع إلى أنه لم يكن واجبا، والذي يشبه مذهبه أنه لم يكن واجبا (١). وذهب أبو حنيفة إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، وفائدة الخلاف أنه إذا ثبت لهم أن صومه كان واجبا، ثبت جواز النية للصوم الواجب بالنهار، لأن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فأمرهم بصومه، ونووا في تلك الحالة (٢). فالدليل على أنه غير واجب أن النبي ﷺ قال: (مَن لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) (٣) ولم يأمره بالقضاء، ولو كان واجبا لأمر المفطر بالقضاء، لأن ذلك كان وقت الحاجة إلى البيان، قال بعض العلماء: والذي أختار أن يصومهما جميعا التاسع والعاشر (٤).

стр. 177

ومن باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى [٧٩] قوله: (إِنَّ هَذَينِ يَومَانِ، نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صِيَامِهِمَا، يَومُ فِطرِكُم مِنْ صِيَامِكُم، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُم) (١) في هذا دليل أن من نذر صوم ذلك اليوم، لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه، لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسم هذا اليوم بيوم الفطر، والفطر مضاد للصوم، ففي إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه. وذهب أهل العراق إلى أنه لو نذر صومهما للزمه قضاؤهما (٢)، والنذر إنما يلزم في الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية لنهي النبي ﷺ ، فالنذر لا ينعقد فيه ولا يصح، كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها، وقوله: (إِنَّ هَذَيْنِ) أي: إن الأمر والشأن هذان يومان (٣).

стр. 178

ومن باب كراهية صوم أيام التشريق [٨٠] حديث نُبَيْشَة الهُذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) (١) قيل: وهذا أيضا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها، وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا نذرا، ولا عن صوم التمتع، إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر، وقال مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه: يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته في العشر (٢). ونبيشة هذا يعرف بنبيشة الخير، وهو ابن عم سلمة بن المُحَبَّق الهُذَلي (٣). ومن باب النهي عن صيام يوم الجمعة [٨١] يعني إفراد يوم الجمعة بالصوم (٤)، قيل: وجه النهي عن صومه، كراهة أن يُرى واجبا وليس بواجب. ومن باب وعلى الذين يطيقونه فدية [٨٢] التخيير بين الصوم والفدية منسوخ بالقرآن (٥)، وهو قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥].

стр. 179

ومن باب تأخير قضاء رمضان إلى شعبان [٨٣] حديث: (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعَبَانَ، الشُّغلُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَو بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١)، كأن المبتدأ محذوف، التقدير: المانع الشغل من رسول الله ﷺ ، وفي رواية يحيى بن سعيد قال: (فَظَنَنتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، - يَحْيَى يَقُولُه -)، المعنى هذا البيان من قول يحيى أو في رواية يحيى. وقوله: (فَمَا تَقدِرُ عَلَى أَن تَقضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بيانه ما تقدم من قولها: (الشُّغلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، في الحديث: دلالة لفضيلة شعبان على غيره من الشهور، إلا شهر رمضان، ودلالة أن كل عمل كلف الإنسان، ولم يكن مقيدا بشرط، أو مقرونا بوقت، أنه يجوز أداؤه على التراخى، مَنًّا من الله وفضلا منه. ومن باب الصيام عن الميت [٨٤] حديث: (أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنتِ تَقضِينَهُ؟) (٢)، قال أبو ثور: يقضى عن الميت صومُ رمضان والنذر، وإن أطعم عن رمضان أجزأه، وأبى ذلك الشافعي ومالك، وذهب أحمد وإسحاق إلى جواز ذلك إذا كان نذرا (٣).

стр. 180

ومن باب إذا أصبح أحدكم صائما [٨٥] قوله: (فَلْيَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) (١)، وجهه أن يتلفَّظ بهذا الكلام في جواب المُشاتِم ليردَّه عن نفسه، وتكرير القول: (إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) يدل على هذا، لأنه أبلغُ في دفع المُشاتم، ولو كان المراد به رجوع الصائم إلى نفسه، وقوله في نفسه: (إِنِّي صَائِمٌ)، لم يكن لتكرير هذا الكلام كبيرُ فائدة. وقوله: (لَخُلفَةُ فَمِ الصَّائِمِ) (٢) الخُلْفَة الخُلُوف (٣)، والخُلُوف تغيرُ رائحة الفم، قال أهل اللغة (٤): خَلَفَ فُوهُ خلفة وخُلوفا، وأخلف إخلافا، تغيرت رائحته. وقوله: (فَلَا يَرْفُثْ) الرفَثُ الأدنى: التكلُّم بالخنا، والرفَثُ الأعلى: الجماع، وهو الذي يُفسِد حقيقة الصوم، وقوله: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ) أي: سِتْرٌ يستر به الصائم من النار، وقيل: من المأثم، وقوله: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)، قال سفيان: لما كان الصوم عمل سر فيما بين الله وبين العبد، تولى الله أجره بما لا يعلمُه من الجزاء إلا هو ﵎، بخلاف سائر الأعمال الظاهرة من العبد، التي جعل الله

стр. 181

الحسنة منها بعشرِ أمثالها إلى سبعِمائة ضِعف (١). قيل: (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ)، يعني: لو تطيَّب في موضع، ندب فيه إلى التَّطَيُّب، كان هذا عند الله أطيبَ من ذلك، وقيل: كيفيةُ ذلك لا يُعلم. ومن باب ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله [٨٦] في الحديث (٢) دليل أن جهنم يُجاء بها يوم القيامة، ولها هول شديد، فمن كان أكثرَ طاعة، كان أبعدَ من جهنمَ، وأقربَ إلى الجنة. ومن باب الأكل في صوم التطوع [٨٧] حديث: (مَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا) (٣) في هذه الأحاديث (٤): دليل على إيثارُ اليسر على العسر، وفيها: بذلُ النصح، ومنها: فضلُ قَبول الرخصة، ومنها: أن الرجل إذا عمل طاعة، ثم فَتَرَ عنها، كان ذلك نَقِيصةً في دينه، ومنها: قراءةُ القرآن في كل شهر، ومنها: اختيار التواضع، إذ جلس النبي ﷺ على الأرض، وترك الوسادة، وفيها: فضيلةُ الفقراء، قال: (مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ). وقوله: (نَفِهَت) أي: أَعْيَت وكَلَّت، يقال للمُعيِي: نافه، وفي رواية مسعر:

стр. 182

(نهفت) (١) بتقديم الهاء على الفاء، وكأنه لغة نفهت، وفي رواية: (نَهِكَت) أي: ذابت وضَعُفت، وقوله: (هَجَمَت): أي: غارت، وقوله: (أَسْرُد) السرد: التتابع، وقوله: (فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ [تَقُومَ] (٢)) أي: فإن حسبك أن [تقوم]، أي: يكفيك أن [تقوم]، يقال: حسبك كذا، أي كَافِيك، كذا، وقوله: (فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ)، (إِمَّا) لأحد الشيئين، مكسورةٌ مشددةٌ، ومعناها الشك. باب صوم سرر الشهر [٨٨] حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟) (٣) وفي رواية: (أصُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟) (٤) قال أهل اللغة (٥): سُرَرُ الشهر وسِراره وسَرَره آخره، وقال الأزهريُّ: لا أعرف السر في هذا المعنى، إنما يُقال: سِرَار الشهر وسَرَاره [وسَرَره] (٦) ثلاث لغات (٧).

стр. 183

وفي الحديث: (صُومُوا الشَّهرَ وَسِرَّه) (١) أراد وسطه، يعني: الأيامَ البيض، وقال الأوزاعي: سِرُّه أولُه، وقيل: العرب تسمى الهلال شهرا، قال ابن السكيت: سِرَار الشهر وسَرَاره بالكسر والفتح يعني: آخره، وقال الفراء: الفتح أجود (٢)، وروي: (مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ) (٣) أي: من وسطه. ومن باب ما جاء في ليلة القدر [٨٩] حديث ابن عمر: ﵁ (أَرَى رُؤيَاكُم قَد تَوَاطَأَت فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ) (٤) أي: توافقت، وقوله: (تَحَرَّوا لَيْلَةَ القَدرِ) يقال: فلان يَتَحَرَّى الأمر أي: يَقْصده، وقوله: (فِي السَّبع الغَوَابِرِ) أي: البواقي، قال الله : ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: الآية ١٧١]، أي: الباقين، وفي رواية: (فَلَا يُغلَبَنَّ عَنِ السَّبْعِ البَوَاقِي) (٥) وقوله: (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ القَدرِ) الحِينُ الزمان، قليلهُ وكثيرُه، وتَحَيَّنْتُه طلبت وقتَه، وحَيَّنْتُ الشاة جعلت لها وقتا في الحَلْبِ، قال: إذا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَك أَفْنُها … وإن حُيِّنَت أَرْبَى على الوَطْبِ حِينُها (٦) والأَفْنُ: ألا يجعل لها وقتا للحلب، وحان حين كذا، أي: قَرُب، قالت: وَإِنَّ سلُوِّي عَنْ جَميلٍ لَساعَةٌ … من الدّهرِ ما حانَت وَلا حان حِينُها (٧)

стр. 184

ومن باب اعتكاف العشر الأوسط والآخر من رمضان [٩٠] حديث أبي سعيد ﵁: (ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ) (١) يقال: بدا لي في هذا الأمر، بدا أي: تغير رأيي عما كان عليه، وقوله: (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) أي: قَطَر من سقفه ماءُ المطر. و (رَوْثَةُ أَنْفِهِ) أي طرف أنفه، و (القَزَعَة): القطعة من السحاب، و (جَرِيدُ النَّخْلِ): سَعَفُه، و (الخَمِيصَةُ): كساء أسودُ مُعَلَّمٌ، فإن لم يكن مُعَلَّما فليس بخميصة، وقيل: الخميصة: كساء أسودُ مُرَبَّعٌ له عَلَمَان، وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ)؛ يقال: بان الشيء إذا ظهر، وأَبَنْتُه أي: أَظهرته، وفعل ما لم يسم فاعله منه: أُبينَ يُبَان، والتاء في قوله: (ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ) لتأنيث الليلة، وقوله: (فَقُوِّضَ) يقال: قوَّض الخيمة، وقَوَّض البناءَ: نَقَضَه، وقوله: (رَجُلَانِ يَحْتَقَانِ) أي: يختصمان. وقيل: إن خُزيمةَ بنَ طارقٍ التَّغْلِبيِّ أُسِر يومَ زَرُود، أسره أُسَيد السُّلَيطي وأُنَيْف الضَّبِّي فاحتَقَّا فيه إلى الحارثِ بن قُرَاد الرِّيَاحي، فحكم أن ناصيته لأسيد ولأُنيف ثلاثون بكرة (٢)، من الديوان الذي فيه

стр. 185

شعر جريرٍ (١). وفي الحديث: دليل أن السجود في الصلاة على الجبهة والأرنبة، لقوله: (انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ)، وفيه: دليل على الزهد في الدنيا لترك النبي ﷺ بناء المسجد على ما كان عليه من جريد النخل. وقوله: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَنْزِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) (٢) أي: يجيء من خارج المدينة إلى المدينة. * * * [٩١] وقوله: (مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ) (٣) شِقُّ الشيء نصفُه. * * * [٩٢] وقوله: (البِرَّ يُرِدنَ؟) (٤) البر: نصب مفعول يردن، يريد بذلك نساءَه. [٩٣] وحديث عائشة ﵂: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) (٥) العشر

стр. 186

رفع فاعل دخل، (أَحْيَا اللَّيْلَ) أي: ترك القوم، واشتغل طول الليل بالعبادة، (وَجَدَّ) يقال: جد فلان في الأمر، والجِدُّ الاجتهاد في الأمر، والمبالغة فيه، يقال: جَدَّ جِدًّا، وقوله: (وَشَدَّ المِئْزَرَ)، وفي رواية خارج الصحيح: (وَرَفَعَ المِئْزَرَ) (١)، قال ابن قتيبة: هذا من لطيف الكِناية، يريد اعتزال النساء، وليس رفعُه المئزر أن يلقيَه عن نفسه، ولكنه يريد أنه شمَّره وشدَّه، وهو مثَلٌ ليس أن هناك مئزرا (٢)، ومنه قول الأخطل: قَومٌ إذا حَارَبُوا شَدّوا مَآزِرَهُم … دُونَ النِّساءِ، وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ (٣) كأنهم كانوا قبل الحرب مطلقي المآزر للنكاح، فلما حاربوا شدّوها دون النكاح، ولهذا قيل للعفاف عن الزنا: إزار، كأنه شدَّ إزارا دون ذلك، قال عَدي بن زيد: أجْلِ أنّ الله قد فضّلكم … فَوق ما أحكي بصُلْب وإزارِ (٤) فالصُّلب الحَسَب، والإزار العَفَافُ، والمعنى إني أحبكم من أجل أن الله قد فضّلكم بحَسَبٍ وعفاف، وقوله: فوق ما أحكي، أي: فوق ما أقول، ورُوي: فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بِإِزَار (٥)

стр. 187

أي: فوق من شدَّ صُلبا وأحكَمَه بإزار، أي: فضّلكم على الناس كلِّهم. وفي قوله: (رَفَعَ المِئْزَر) معنى آخر يريد به أنه اجتهد في العبادة، وهو من قولك: شددتُ لهذا الأمر مئزري: إذا جَدَدت فيه، كما قال الهُذلي: وَكُنتُ إِذَا جَارِي دَعَا لمَضُوفَة … أَشَمِّر حَتَّى يَنْصُفَ الساق مِئْزَرِي (١) المَضوفة: الأمر يُحذر ويُشفَق منه. [قال الخليل: احتق الرجلان إذا كان كل واحد منهما يقول: الحق بيدي] (٢) قال أهل العلم: الاعتكاف: الإقامة بالمكان، وليس المقام في كل مكان يكون برا، فشرطه أن يكون في المسجد؛ لأن المساجد أفضل البقاع، وذكر الله أفضل الأذكار، فجُعل شرطا لذلك، وردُّ الاعتكاف إلى العشر الآخر؛ لأن فيها ليلة القدر، فالطاعة فيها أفضل. وفي قوله: (البِرَّ يرِدْنَ؟) دليل أن الطاعة إذا لم يرد بها وجه الله لم تقبل، وفيها ما دل على مداراة النساء؛ إذ لم يزجُر نساءه، ونقض الأبنية، وفيه: دليل أن الاعتكاف بغير صوم جائز؛ إذ اعتكف في شوال، ولم يرِد عنه أنه صام لاعتكافه.

стр. 188

ومن باب كراهية صيام العشر من ذي الحجة [٩٤] (١) العشر لها فضيلة كبيرة وإنما ترك النبي ﷺ صومها؛ لئلا يوجبها الناس على أنفسهم؛ فيشق عليهم. ومن باب فضل العشر الأواخر واجتهاد النبي ﷺ فيه فالنبي ﷺ مع أن الله غفر له ذنبه، وجاءه الأمن من ربه، كان يجتهد في هذه العشر الاجتهاد الكثير؛ طمعا في مرضاة الله، فغيره ممن لا يأمن أحق بالاجتهاد. ومن باب شهر الله المحرم قال أبو عبيد (٢): أراه قد نسبه إلى الله، وقد علمنا أن الشهور كلَّها لله، ولكن إنما يُنسب إليه ﵎ كل شيء يعظم ويشرف، فهذه الإضافة على جهة التعظيم له، وذلك أن الله جعله حراما، لا يحل فيه قتال، ولا سفك دم، وفيه عاشوراء. فصْل قال أصحاب الشافعي ﵁: والاعتكاف في الجامع أولى؛ لأن فيه اقتداء برسول الله ﷺ ؛ وخروجا من الخلاف، وتوفرا على الجماعات في الصلاة، فإن اعتكف في مسجد آخر تطوعا؛ خرج وصلى الجمعة ثم عاد (٣). قال: وأحب أن يتبع رمضان بصوم ست من شوال، والأولى أن يكون ذلك

стр. 189

متتابعا عقيب يوم الفطر، فإن أخر وصامه في شوال متتابعا ومتفرقا، فقد أتى بالفضيلة (١). [٩٥] وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه مكروه (٢)، والدليل على أنه ليس بمكروه: ما رواه مسلم من رواية أبي أيوب الأنصاري: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ) (٣)، فإذا صام رمضان وستا من شوال فقد صام ستا وثلاثين يوما من السنة، وذلك عشرها، وقد وعد الله أن الحسنة بعشرة أمثالها، فيكون بمنزلة ما لو صام السنة.

стр. 190

كتاب الحج قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال أهل اللغة (١): (حَجُّ البَيتِ): مأخوذ من قولك: حججت فلانا: إذا عدت إليه مرة بعد مرة، قال المخبَّل: وَأَشْهد من عَوْف حُلُولًا كَثِيرَة … يحجون سِبَّ الزِّبْرِقان المزعفرا (٢) يعني: يأتون الزِّبرقان مرة بعد مرة لسؤدده، وسِبُّه: عمامته، والناس يحجون البيت أي: يأتونه في كل سنة، سنة بعد سنة؛ مرة بعد مرة، والعمرة الزيارة، يقال: أتانا فلان معتمرا: أي: زائرا، قال الشاعر: وَرَاكبٌ جاءَ مِن تَثلِيثَ مُعْتَمِرًا (٣) أي: زائرا. و (الإهلالُ بالحَجّ): هو الإظهار لإيجابه؛ والتلبية، ومنه يقال: أهل الصبي واستهل: إذا صاح أو بكى حين يسقط إلى الأرض. و (الإحرَامُ): هو الدخول في التحريم، كأن الرجل يحرم على نفسه النكاح،

стр. 191

والطيب، وأشياء من اللباس، فيقال: أحرم أي دخل في التحريم، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط. و (الإحرام) أيضا: الدخول في أشهر الحرم، يقال: أحرم الرجل؛ إذا دخل في رجب، وأحلَّ إذا خرج منه؛ فدخل في شعبان، وحلّ من الإحرام بغير ألف. وأما (التَّلْبِيَة): فمأخوذة من قولك: ألبَّ فلان بالمكان؛ إذا لزمه، ومعنى (لبيك): أنا مقيم عند طاعتك؛ وعلى أمرك غير خارج عنه، وإنما ثنَّوه لأنهم أرادوا به إقامة بعد إقامة، وطاعة مع طاعة، كما قالوا: (حنانيك ربنا) أي: هب لنا رحمة بعد رحمة، أو رحمة مع رحمة، وكما قالوا: (سعديك) أي: سعدا مقرونا بسعد، ويقال: (لبيك إن الحمد والنعمة لك) بكسر (١) وفتحها فمن كسر ابتدأ القول بها، ومن فتحها أراد لبيك بأن الحمد لك، أو لأن الحمد لك، واختار بعضهم الكسر (٢). و (إشعَارُ الهَدي): هو أن يطعن في أسنمتها، وإنما سمِّى إشعارا؛ لأنه جُعل علامة لها؛ ودليلا على أنها الله، وكل شيء أعلمته بعلامة؛ فقد أشعرته، وشعائر الله من هذا؛ إنما هي أعلام طاعته. و (البَدَنَةُ): هي الناقة، سميت بدنة بالعظم، إما لسنمها أو لسنها، لأنه لا يجوز أن يُساق منها الصغار، وإنما يساق منها الثُّنيان وما فوق، وكل ما أسن منها

стр. 192

وعظُم فهو أفضل، ويقال للرجل المسن: بَدَن، قال الأسود بن يُعفر: هَلْ لِشَبابٍ فاتَ منْ مَطلَبِ … أمْ ما بُكاءُ البَدَنِ الأشْيَبِ (١) و (اسْتِلَامُ الحَجَر): هو افتعال في التقدير؛ مأخوذ من السِّلام: وهي الحجارة، واحداتها سلَمة، يقال: استلمت الحجر إذا لمسته، وهو افتعلت من السَّلَمة، كما نقول: اكتحلت إذا أصبت من الكُحل، وادهنت إذا أصبت من الدُّهن. و (الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ) الجَمز، والإسراع، ولذلك قيل لخفيف الشعر: رمل. و (المُلَبَّدُ): الذي لبَّد شعره؛ حتى لبَّد بلزوق يجعله فيه، ومنه قول الشاعر: يَحْمِلْنَ كُلَّ مُلَبَّدٍ مَأْجُورٍ (٢) و (الضَّافِرُ): الذي فُتِل شعره كما يُضفر الخيل، و (العَاقِصُ): الذي لواه فأدخل أطرافه في أصوله، ومنه قيل للشاة الملتوية القرن: عقصاء، هذا آخر الألفاظ الغريبة التي تعرض في كتاب المناسك (٣). * * *

стр. 193

ومن باب ما يجتنب المحرم من اللباس [٩٦] حديث ابن عمر ﵁: (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) (١) السراويلات، نصب، وعلامة النصب فيه كسرة التاء؛ لأن جمع سلامة المؤنث يكون في حال النصب بالكسر، وقوله: (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ)، قيل: الورس: نبات أحمر قاني، ويقال لعروقه: الكُركُم، وله قوة صابغة وهو طيب. ومن باب: تصنع في العمرة مثل ما تصنع في الحج [٩٧] حديث يعلى بن مرة ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ - أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةِ - فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟) وذكر الحديث (٢). في أخبار هذا الباب والباب الذي قبله: دلالة على أن الإحرام أصله إظهار التذلل لله ، واحتمالُ المشقة لمرضاته، سنة الإحرام؛ أن يَعرَى من الثياب المَخيطة، وأن يتوقَّى الطيب والثياب المُصبغة بالطيب. وفيه دليل أن الخَلوق لا ينبغي أن يَتضمَّخ به الرجال، رَوي عمران بن حصين عن النبي ﷺ : (أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَونَ، أَلَا وَطِيبُ النِّسَاءِ لَونٌ لَا رِيحَ) (٣)، ورُوي عن أنس ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ صُفْرَةٌ، فَلَمَّا

стр. 194

قَامَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَو أَمَرْتُمْ هَذَا يَدَع هَذِهِ الصُّفْرَةَ) (١)، وكان النبي ﷺ لا يواجه الرجل بشيء في وجهه. وروي عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تُقبَلُ صَلَاةُ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِن خَلُوقٍ) (٢)، وعن أنس ﵁ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّزَعفُرِ لِلرَّجَالِ) (٣). وفي قوله: (اصْنَع فِي عُمرَتِكَ، مَا تَصنَعُ فِي حَجِّكَ) أي: اجتنب فيها ما يُجتنب في الحج، لا أن عليه في العمرة جميع ما عليه في الحج. وفيه دليل أن النسيان في الطيب واللُّبس لا يوجب فدية، إذ لم يوجب على من كان فعل ذلك، وفيه دليل على أن العورة ما بين السرة إلى الركبة. وقوله: (فَلَا تَلْبَسُوا ثَوبًا مَسَّهُ زَعفَرَانٌ أَو وَرسٌ) (٤) قيل إذا غسل ذلك منه؛ ذهب المعنى الذي له كان النهي، وعاد الثوب إلى أصله الأول؛ قبل أن يصيبه ذلك الذي غسل منه، وهذا كالثوب الطاهر يصيبه النجاسة فينجس بذلك، ولا تجوز الصلاة به، فإذا غسل حتى يخرج منه النجاسة، طهُر وحلَّت الصلاة فيه، وقد روي عن النبي ﷺ الاستثناء من ذلك فقال: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا) (٥) رواه عبد الرحمن بن صالح الأزدي عن أبي معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵁.

стр. 195

وفي قوله ﷺ : (انزع عَنكَ جُبَّتَكَ): دليل على أنه جائز أن ينزعه نزعا (١)، بخلاف قول من قال: لا ينبغي أن يخلعه؛ كما يخلع الحلال قميصه، لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام؛ بل يشقه (٢)، واحتج برواية ابن لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر قال: (كنتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِن رِجلَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي أَمَرتُ بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَن تُقَلَّد اليَومَ وَتُشْعَر، فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسيتُ فَلَمْ أَكُن لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِن رَأْسِي، وَكَانَ بَعَثَ بِبُدنِهِ وَأَقَامَ بِالمَدِينَة) (٣)، وإسناد حديث يعلى أصح وأقوى من إسناد حديث جابر (٤). و (التَّضَمُّحُ): التلطّخ، و (الغَطِيطُ): غطيط النائم، وهو كالصوت يخرج من حلقه، وقوله: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) أي: كشف وزال عنه؛ ما اعتراه من شدة الوحي، وقوله: (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أي: غطاه، أي: جعل الثوب كالظُّلة له، وقوله: (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) أي: كصوت الفَتِيّ من الإبل. وفي الحديث: دليل أن المحرم منهي عن الطيب في ثيابه، كما هو منهي عنه في بدنه وفي معناها الطيب في طعامه؛ والاكتحال بالكحل الذي فيه الطيب.

стр. 196

وفي قوله: (وَانزع الجُبَّةَ): دليل على أنه إذا نزعها من رأسه؛ لم يلزمه لذلك فدية، وعمل العمرة عمل الحج، إلا أنه لا يجب فيها الوقوف بعرفة مع توابعه. وقوله: (لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ) دخل في معناه كلُّ ما يغطي الرأس من قلنسوة أو عصابة يعصب بها رأسه، أو نحو ذلك. ومن باب مواقيت الإهلال بالحج [٩٨] قوله: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ) (١) وهي: الجُحفة، يقال: أهلَّ الرجل فهو مُهِلٌّ بكسر الهاء، والموضع الذي يُهل فيه: مُهَلٌّ بفتح الهاء، وإنما سميت مهيعةَ الجحفة؛ لأن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة، ومعنى أجحفهم استأصلهم (٢). و (قَرنٌ) بسكون الراء: جبل معروف كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر، يقال له: يوم قرن، و (يَلَملَم): اسم جبل، قيل إنما وقت النبي ﷺ مواقيت الحج رفقا بأمته؛ وتيسيرًا عليهم. * * * [٩٩] وقوله: (لَبَّيكَ اللهُمَّ، لَبَّيكَ) الحديث (٣)، قال شراحيل بن القعقاع: سمعت عمرو بن معْدي كربَ يقول: لقد رأيتنا منذ قريب؛ ونحن إذا حججنا نقول: لَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عُذْرًا … هَذِي زَبِيدٌ قَدْ أَتَتْكَ قَسْرًا

стр. 197

تَعْدُو [بها] (١) مُضْمَرَاتٌ شَزَرًا … يَقْطَعْنَ خَبْتًا وَجِبَالًا وَعْرَا قَدْ خَلَعُوا الْأَنْدَادَ خِلْوًا صِفْرَا ونحن اليوم نقول كما علمنا رسول الله ﷺ ، قال قلت وكيف علمكم؟ فقال لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك (٢). * * * [١٠٠] وفي رواية ابن عباس ﵁: (كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ" فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) (٣). قوله: (قَدْ قَدْ) أي: لا تزيدوا على هذا، لا تقولوا: (إلا شريكا هو لك)، فكرر اللفظ مرتين ليكون أوكد، قال أهل اللغة (٤): قدك أي: حسبك، وقدني وقدي أي: حسبي، قال: قَدْنِيَ مِن نَصرِ الحُبَيبَينِ قَدِي (٥). * * * [١٠١] وقوله: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ) (٦) البيداء: المفازة، والجمع بيد، وهي البيداء التي قُدام ذي الحليفة في طريق مكة، و (فِيهَا) أي: في سببها، أي: تقولون: أحرم

стр. 198

النبي ﷺ من البيداء، وإنما أحرم من عند الشجرة، (والرُّغبَى) (١) على وزن فُعلى الرغبة، وكذلك (الرَّغْبَاء) على وزن فعلاء، وقوله: (تَلَقَّيتُ التَّلْبِيَةَ) (٢) وفي نسخة: (تَلَقَّفتُ التَّلْبِيةَ) ومعناهما واحد. قال قوم من أهل العلم (٣): لا بأس للرجل أن يزيد على ما ورد في التلبية من الذكر لله ، وقال آخرون (٤): لا ينبغي أن يُزاد في التلبية على ما قد علمه رسول الله ﷺ الناس، وسمع سعد رجلا يلبي يقول: لبيك ذا المعارج لبيك، فقال سعد: (مَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٥)، وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (كَانَ مِن تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَبَّيكَ إِلَهَ الحَقِّ) (٦) وروي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يزيد في التلبية ما ذكره مسلم (٧). وفي الحديث دليل على رفع الصوت بالتلبية لما فيها من التوحيد، وفي ذلك: اكتساب الأجر وطرد الشيطان، وفيه دلالة أن العبارة عما في الضمير أوكد

стр. 199

من السكوت عليه. وفيه دليل أن كلا من الصحابة ﵃ أدى ما سمع، ووجه الجمع بين خبر ابن عمر ﵁: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ الَّتِي تَكذِبُونَ فِيهَا) وبين خبر جابر ﵁: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حِينَ اسْتَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ فَأَهَلَّ) (١) أن ابن عمر ﵁ شاهد النبي ﷺ يهل عند مسجد ذي الحليفة، فحكاه عنه، ورآه جابر يلبي لما استوت به ناقته على البيداء، [أو كلاهما] (٢) صادق؛ وكل واحد من الخبرين ممكن، ومعنى: (تَكذِبُونَ) تغلطون، وفي زيادة ابن عمر ﵁ على ما سمع من النبي ﷺ من التلبية: دليل أن للرجل أن يزيد من الذكر ما يشاكل المسنون. و (الإهْلَالُ بِالحَجِّ): هو إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى؛ التي عند رفع اليدين في ابتداء الصلاة: إحرام الصلاة، ومعنى: (التلبية): الاستجابة، أي: أنا مقيم عندك قد أجبتك، والتثنية فيها للتوكيد، وفي رواية: (يُهِلَّ مُلَبَّدا) (٣) قيل: تَلِبيد الرأس: تلبيد الشعر بالشيء اللزج؛ كانوا إذا أرادوا البُقْيا على الشعر لئلا يتشعَّث؛ أخذوا شيئا لزجا كالصمغ ونحوه؛ فلبّدوا به شعر الرأس، وذلك لمن لم يرد أن يحلق رأسه للإحرام. * * *

стр. 200

ومن باب الإهلال حين تنبعث به راحلته [١٠٢] حديث ابن عمر ﵁ ﵁: (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيين) (١) إنما قيل: (الْيَمَانِيَيْنِ) لأنهما من ناحية اليمن، وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن الذي يتصل به من ناحية مغرب الشمس، وكان يمَسهما في الطواف. وقوله: (فَأَمَّا النِّعَالُ السِّبتِيَّةُ) السبت: جلود مدبوغة بقرظ، والسِّبتية منسوبة إليه، والسَّبْتُ: حلق الرأس (٢)، وفي الحديث: (يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) قيل كان يلبسها حين يتوضأ، وقوله: (وَأَمَّا الصُّفَرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا) الثياب لا الشعر، وقوله: (يَنبَعِثَ) (٣) أي: يقوم، وقوله: (إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ فِي الْغَرزِ) يعني: ركاب الناقة، ويكون من خشب، كما أن ركاب الفرس من حديد. * * * [١٠٣] وحديث ابن عمر ﵁: (بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيفَةِ مَبْدَأَه) (٤) يعني: وقت ابتدائه بالسفر؛ وخروجه إلى الحج.

стр. 201

ومن باب الطيب للإحرام [١٠٤] قوله: (لِحُرمِه حِينَ أَحْرَمَ) (١) الحُرُمُ: الإحرام (٢)، و (لحلِّه) حين حلَّ من إحرامه يَحِل حلًّا، وقولها: (بِذَرِيرَةِ) الذَّرِيرة: ضرب من الطِّيب. * * * [١٠٥] و (وَبِيصِ الطِّيبِ) (٣) تلألؤه وبريقه، وقوله: (فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: في مَفرقه وما حوله. * * * [١٠٦] وقوله: (أنتضِحُ طيبًا) (٤) يريد انتشار رائحته، وروي: (أنتضِحُ) بالخاء المعجمة ومعناه أُسيل، والنضخ فوق النضح. ومن باب كراهية لحم الصيد للمحرم [١٠٧] حديث الصعب بن جثّامة: (إِنَّا لَم نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) (٥)، وروي: (وَهُوَ بِبَطْنِ الغَمِيمِ) (٦)، وروي: (وَهُوَ بِقَدِيدٍ) (٧).

стр. 202

[١٠٨] وفي رواية: (لَوْلَا أَنَّا مُحرِمُونَ، لَقَبِلنَاهُ مِنكَ) (١). * * * [١٠٩] وفي حديث أبي قتادة: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالقَاحَةِ) (٢) القاحة: موضع، وقوله: (يَتَرَاءَونَ شَيْئًا) هو يتفاعلون من الرؤية، و (الأَكَمَةُ): الرابية، (فَعَقَرْتُهُ) أي: جرحته، (ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ) أي: حمل عليه، (فَطَعَنتُهُ فَأَثْبَتْهُ) أي: أسقطته، (وخَشِينَا أَن نُقْتَطَعَ) أي: يقطعنا العدو عنك، وقوله: (أَرْفَع فَرَسِي) وروي: (أُرَفِّع فَرَسِي) أي: أحمله على هذا النوع من العدو، و (الشَّأْو): غاية العدو وغاية السير، و (تَعْهِنْ) (٣) موضع على وزن تفعل، ومن باب هذه الكلمة: (العهن): وهو الصوف المصبوغ. وقوله: (وَهُوَ قَائِلٌ السُّقيَا) أي: يقصد هذا المنزل، وقوله: (إِنِّي اصَّدْتُ) (٤)، وفي نسخة: (اصْطَدْتُ)، واصاد واصطاد كلاهما افتعل من الصيد، وقوله: (وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ) أي بقية فضلت، وفي رواية: (أَنَّ عِندَنَا مِن لَحمِهِ فَاضِلَةً) بالنصب على أن يكون اسم أن. * * *

стр. 203

[١١٠] وفي حديث طلحة ﵁: (فَلَمَّا استَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَن أَكَلَهُ) (١) أي: نسبه إلى التوفيق، قيل رَفع الفرس ركضُه، وقوله: (شَاوًا) أي: عَدوة واحدة. وقيل: إنما رد على الصعب بن جثّامة ما أهدى إليه، لأنه لم يأمن أن يكون شرَكه فيه محرم، أو كان مَصيدا لأجله، وأباح أكل ما صاده أبو قتادة، لأنه علم أنه لم يصده حرام، قال أهل العلم: الأصل في تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. ومن باب ما يجوز قتله للمحرم من الدواب [١١١] (فَقُلْتُ لِلقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقتَلُ بِصُغرٍ لَهَا) (٢) أي: بصَغار وهوان، و (الغُرَابُ الأَبَقَعُ): غراب ذو لونين، قال أهل اللغة (٣): البقع: اختلاف اللونين، و (الحُدَيَّا) الحِدَأَة (٤)، و (الكَلبُ العَقُورُ) الذي يجرح، قال الشعبي: (مَنْ حَلَّ بِكَ فاحْلِلْ بِهِ) (٥) أي: من عرض لك فحلَّ بك، فكن أنت أيضا حلالا، وقيل الكلب العقور: كل سبع يَعقِر، ولم يخص به الكلب (٦)، قال الله تعالى:

стр. 204

﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، والمكلب اسم مشتق من الكلب، ودخل فيه الفهد، والبازي، والصقر. وفي المذكورات في هذا الباب: دلالة أنها لا تؤكل، وفيه رد على من يستبيح كل ما لم ينطق بتحريمه القرآن (١)، وبيان أن كل ما لا يكون صيدا؛ وكان من جملة الخبائث - ما ذكر منها وما لم يذكر - فإنه في معنى النص، ولا جزاء على المحرم في قتلها. ومن باب ما جاء في فدية الأذى [١١٢] حديث كعب بن عجرة: (وَأَنَا أُوقِدُ تَحتَ بُرمَةٍ لِي) (٢) البُرمة: القِدر من الحجارة، (وَالقَمَلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) يعني: يتساقط، (فَقَالَ: أَيُؤذِيكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟): جمع هامَّة، والهامَّة التي تدب والهميم: الدبيب، وقوله: (أَو تَصَدَّق بِفَرَقٍ)، والفَرَق: مكيال يسع ثلاثة أصع. وفي رواية: (وَالْقَمَلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِي) (٣)، التهافت: التساقط مع التتابع، وفي رواية: (فَقَمِلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ) أي: وقع فيها القمل. هذا الحديث بيان قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يعني: فحلق فعليه فدية من صيام، وهو مخير أيّ هذه الثلاثة فعل جاز، وأوجب هاهنا لكل مسكين نصف صاع، وسن النبي ﷺ لكل مسكين في

стр. 205

كفارة المُجامع مدّا، وهذا المقدار من الطعام لا على معنى الكفاية في الأقوات، ألا ترى أنه قال: (ففدية) جعل الابتداء بذلك من غير علة تعلم. وفي الحديث دليل على أن الخطاب؛ قد يخرج على سبب بشرط لناس بأعيانهم، ثم يكون لهم ولغيرهم، كما في التخفيف في فرض قيام الليل لأصحاب الرسول ﷺ ، ثم كان لهم ولجميع الأمة، وكالعرايا خرج تحليلها بسبب، ثم كانت مباحة لمن عُدم فيه السبب في المقدار المقرر، وهو أقل من خمسة أوسق. وقوله: (أو انسُك نَسِيكَةً): أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: (أو انسُك مَا تَيَسَّرَ)، قيل في التفسير: يعني: شاة، وقوله: (هَل عِندَكَ نُسُكٌ؟) أي: ما تذبحه، و (الحديبية): بتخفيف الياء. ومن باب الحجامة للمحرم [١١٣] حديث ابن بحينة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ) (١)، وفي هذه الرواية خارج الصحيح: (احْتَجَمَ بِلَحي جَمَلٍ) (٢) على لفظ الواحد، ورُوي (بِلَحيَي جَمَلٍ) (٣) على لفظ التثنية، وهو اسم مكان. وفي الحديث دليل أن للمحرم أن يتعالج في إحرامه، ودليل أن الحجامة يستشفى بها. * * *

стр. 206

ومن باب إباحة التداوي للمحرم [١١٤] حديث: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ) (١) بلامين، وهو اسم مكان، وقوله: (أَنِ اضمِدُهُمَا بِالصَّبِرِ) قيل: الضَّمْد العصب، والعصابة يقال لها: الضِّماد، وضمَّد بالتشديد أيضا، قال: (ضَمَّدَهَا بِالصَّبِرِ) (٢)، يعني: هذا الدواء المُر. وفي الحديث دليل على إباحة العلاج للمحرم، ودليل أن الصفرة للمحرم لا تكره، وإن كانت زينة؛ ما لم تكن طيبا، و (الروحاء): موضع، و (الضِّماد): المَرهم. ومن باب ما جاء في الاغتسال للمحرم [١١٥] حديث: (فَوَجَدْتُهُ يَعْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَين) (٣)، يعني: عمودَي البئر، قال القتبي (٤): القرنان: قرنا البئر، وهما منارتان يبنيان من حجارة أو مدَر؛ على رأس البئر في جانبيها، فإن كانتا من خشب فهما الزَّرنوقان، ويقال للزَّرنوق أيضا: القامة. وفي الحديث دليل على أن التنظف محمود في الإحرام وغيره، وقوله: (فَطَأطَأَهُ) أي: حطَّه شيئا، وقوله: (لَا أُمَارِيكَ)، أي: لا أخالفك ولا أجادلك. * * *

стр. 207

ومن باب غسل المحرم إذا مات [١١٦] حديث ابن عباس ﵁: (خَرَّ رَجُلٌ مِن بَعِيرِهِ) (١)، أي: سقط، هي عنه (فَوُقِصَ) أي: انكسر عنقه، و (السِّدرُ): شجرة يغسل بورقها الرأس، (وَلَا تُخَمِّرُوا) أي: لا تغطوا، وفي رواية: (فَأَوْقَصَتْهُ) يعني: راحلتَه، واللغة الفصيحة فوقصته، وفي رواية: (فَأَقعَصَتْهُ)، قال أهل اللغة (٢): ضربه فأقعصه أي: قتله مكانه، والقَعْص: الموت الوَحِيُّ (٣). ومن باب الاشتراط عند الإهلال بالحج [١١٧] حديث عائشة ﵂: (وَأَنَا شَاكِيَةٌ) (٤) أي: مريضة، وفي رواية: (وَاللهِ، مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً) وفي رواية: (فَقَالَتْ - يعني ضباعة -: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) (٥). في هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان إذا كان وجيعا وأراد الحج؛ جاز له الاشتراط على ما في الحديث (٦)، وإذا لم تكن به علة واشترط ذلك، فمن العلماء

стр. 208

من أجازه (١)، إذ لو لم يشترط فحبس بعلة؛ كان له أن يبعث بالهدي. وحديث ابن عمر في حصر العدو (٢): أن المحرم إذا منع بعدو، أنه ينحر هديه ويحل حيث أحصر في حل أو حرم. ومن باب إهلال النفساء والحائض بالحج [١١٨] حديث: (نُفِسَت أَسْمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبا بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَن تَعْتَسِلَ وَتُهِلَّ) (٣)، نُفِست المرأة: إذا ولدت، ويقال لها إذا وضعت: نفَساء، وإنما أمرها بالغسل على وجه التنظُّف؛ لا على وجه إزالة الحدث، وفيه دلالة أن الإحرام لا يفسد بالنِّفاس، وإنما تمنع النفساء من الطواف بالبيت، فإنها لا تطوف حتى تطهر. ومن باب ما جاء في الإفراد والقران والتمتع [١١٩] حديث عائشة ﵂: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) (٤)، وفي حديث ابن شهاب عن عروة: (فَأَهْلَلَنَا بِعُمْرَةٍ)، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم: (وَنَحْنُ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) (٥)، أي: لا ننوي إلا ما

стр. 209

فُرض علينا في الحج المفروض في كتاب الله . ثم لما جاءت عائشة ﵂ إلى بيان النسك؛ فصلت فقالت: (أَهلَلَنَا بِعُمرَةٍ)، وسن النبي ﷺ وأن من كان معه هدي؛ وكان معتمرا؛ أن يُدخل الحج على عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، وقولها: (حَتَّى جِئنَا سَرِفَ)، سَرِف: اسم موضع، (فَطَمِثْتُ) أي: حضت، والطامث الحائض، قال أهل اللغة (١): طمِئت وطمَثت لغتان، والطَّمث: المس أيضا في غير هذا الموضع، يقال طمَث الرجل المرأة أي: مسَّها بالجماع. وقوله: (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلتُ: نَعَم)، قيل: نَفِست المرأة: إذا حاضت بفتح النون، ونُفست المرأة غلاما إذا وضعته، تنفَس نِفاسا وهي منفوسة، ونفِسْتُ عليك بالشيء أنفس نفاسة أي: بخلت (٢). وقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: (انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عُمْرَتِكِ) (٣)، وفي رواية: (وَدَعِي العُمرَةَ) أي عملَ العمرة، إذ عملُها الطواف؛ ولا يجوز إلا بالطهارة، وقولها: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت)، وصفت حال المتمتعين: ألا ترى أنها قالت: (ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) وهو طواف الزيارة، (بَعدَ أَن رَجَعُوا مِن مِنًى)، وذلك وقته.

стр. 210

وقوله ﷺ : (عَقْرَى حَلْقَى) العَقر: الجرح، يقال: عقرت الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه، وقيل: العقر: أن يقطع رأس النخلة؛ فلا يخرج من ساقها شيء أبدا، ويقال: جدَعا لفلان وعقرًا وللمرأة: عقرى حلقى أي: عقر الله جسدها عقرا فأصابها بداء في حلقها، وكلبٌ عَقور. ثم وصفت حال من جمع بالعمرة والحج أنهم لم يحلوا، وأنهم طافوا طوافا واحدا لحجهم وعمرتهم، وهو خلاف ما ذهب إليه أهل الرأي (١): أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. وفي قول النبي ﷺ : (لولا أَنِّي أَهدَيتُ لأَهلَلتُ بِعُمرَةٍ)، اختيار التمتع، وكذلك قوله: (لَوِ اسْتَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا اسْتَدبَرتُ مَا سُقت الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمَرَةً) (٢)، وقولها: (فَلَمَّا قَضَيتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ) (٣) وكانت تلك عمرة مستحبة، ولم تكن عمرة قضاء، وقولها: (مَكَانَ عُمَرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنهَا) (٤) أي: التي تركت عملها للحيض. وفيه من الفقه أن أحدا لا يهل بعمرة من جوف مكة، فإنما يُهل لها من الحل، وأن المرأة لا تخرج إلى سفر - وإن قلَّت مسافته - إلا مع ذي محرم، و (التَّنعِيم): أدنى الحل.

стр. 211

و (لَيلَةُ الحَصبَةِ): ليلة ينفر الناس من منى، وقولها: إن النبي ﷺ : (أَفَرَدَ الحَجَّ) أي: أفرده عن العمرة بذكر التلبية. * * * [١٢٠] وقول جابر ﵁: (أَمَرَ النَّبِي ﷺ أَن يُحِلَّ [من] لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ) (١) هذه سنة رآها النبي يا بغير علة. * * * [١٢١] وقول جابر: (أَهلَلنَا بِالحَجِّ خَالِصًا) (٢) أي: أفردنا ذكر الحج في التلبية من العمرة، وقول النبي ﷺ : (المُتْعَةُ لِلْأَبَدِ) (٣) أي: جائزة على الأبد، وقول علي ﵁: (أَهْلَلتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٤) فيه دليل أن الحج والعمرة مخصوصان بعللهما، إذ سائر الفرائض لا يجوز أداؤها إلا إذا نُويت بأعيانها، وجاز تعليق الإحرام بما لم يدر كيفيته، ولم يكن واقعا على صورته، ثم تم على إحرامه مؤديا لتوابعه على بيان النبي ﷺ . والذين كانوا أفردوا الحج ففسخوه بالعمرة قضوا العمرة، ثم ابتدأوا الحج محرمين به يوم التروية. وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) أي: إذا أحبت عائشة ﵂ الشيء وأرادته وافقها عليه، وقوله: (أَمَرَنَا أَن نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) أي: أن نصيب من نسائنا، وقوله: (فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي: نحل من

стр. 212

ماذا؟، (قَالَ الحِلُّ كُلُّهُ): أي: تحلون من كل شيء حرم عليكم. وقوله: (أَحسُرُ عَن عُنُقِي) (١) أي: أكشف عن عنقي، وقوله: (فَيَضرِبُ رِجلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ) تعني عبد الرحمن بن أبي بكر؛ يشير إليها ألا تكشف عن عنقها، فيضرب رجلها بعلة ضرب الراحلة. ومن باب حجة النبي ﷺ [١٢٢] (فَقَامَ فِي سَاجَةٍ) (٢) الساجَة: الطَّيلَسان، وقوله: (مُلتَحِفًا بِهَا) أي: متغطيا بها. وفي هذا الحديث دليل الرغبة في طلب العلم، وجواز رواية الأعمى، ودلالة أن وقت الحج متراخ، ومنها: إفراد الحج لمن أراده. (والمِشجَبُ): عيدان تجمع ثم تشد فتُنصب، أي: يغرز بعضها في بعض؛ فتوضع عليه الثياب، وقوله: (اعْتَسِلِي، وَاسْتَذفِرِي بِثَوبٍ) (٣) وفي رواية: (واستَغفِرِي) (٤) قيل: الاستثفار: يحتمل أن يكون مأخوذا من ثفْر الدابة، تشده كما يشد الثَّفْر تحت الذَّنَب، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثفر؛ أريد به الفرج، وإن كان أصله للسباع ثم استعير، يقال: استثفر الكلب؛ إذا أدخل ذنَبه بين رجليه،

стр. 213

ثم يقال: استثفر الرجل إذا أدخل ذيله بين رجليه، ومنه حديث ابن مسعود ﵁: (فَإِذَا نَحنُ رِجَالٌ طِوالٌ مُستَثفِرين) (١). وفي الحديث أنه أمر المستحاضة أن تستثفِر وتتلجَّم، هو أن تشدَّ فرجها بخِرقة عريضة توثق طرفيها في خيط تشده على وسطها؛ بعد أن تحتشي كُرسفا، فتمنع بذلك الدم، وقيل: الاستذفار بالذال بمعنى الاستثفار. وقوله: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ) والقصواء: اسم ناقة النبي ﷺ ، وهي التي قُطع طرف أذنها، وفي الحديث دلالة على إفراد الحج لمن أراده. [وقوله: (تَمَتَّعَ رَسُولُ ﷺ ) أي: أمر به أمرا، (وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ) أي: فعلا، وتأويل نهي عمر ﵁ عن المتعة (٢) أن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن الذي أمر به النبي ﷺ من المتعة كان مخصوصا؛ وقد ارتفع حكمه، وقيل: لم ينه عنها نهي تحريم، ولكنه كرهه لما خاف من مواقعة النساء في الإحرام] (٣). وقوله: (فَرَقَى عَلَيْهِ) لغة قليلة، واللغة الفصحية: (فَرَقِيَ عَلَيهِ) بكسر

стр. 214

القاف، وقوله: (حَتَّى انصبَّت قَدَمَاهُ) الانصباب: الانحدار. [١٢٣] وفي الحديث دليل أن القوم كانوا حِراصا على أن يأخذوا عن النبي ﷺ هديه وسنته، وفيها سنة الرمَل وهو: الخَبب في الطواف، ومنها تثبيت أمر المتعة، وفيها دليل أن العمرة فرض لقوله: (دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ) (١)، ومنها: إبطال أفعال الجاهلية، ومنها تحريم الربا ووضعه، ومنها: إثبات حق الزوجة على زوجها، وقوله: (فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاستَحلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)، يعني: بأمر الله، وقوله: (غَيرَ مُبَرِّحٍ) أي: غير شديد. ومنها مباشرة ذبح الضحايا، وجواز الأكل منها إذا كان تطوعا، و (حبل الْمُشَاةِ): طريق في الرمل، وقوله: (حَتَّى غَابَ القُرص) أي: قرص الشمس، وقوله: (شَنَقَ لِلقَصَوَاءِ الزَّمَامَ) يقال: شنق الرجل بزمام ناقته؛ إذا فعل بها ما يفعل الفارس بفرسه. وقوله: (لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ) الوَرِك ما فوق الفخذ، وجلس متورِّكا أي: ألصق ورِكه بالأرض، وفي الحديث (٢) أن يسجد الرجل متوركا؛ هو: أن يرفع ورِكه حتى يفحش في ذلك، وقيل: هو أن يلصق وركه بعقبيه في السجود، وقيل: المورك: ثوب أو شيء يكون بين يدي الرحل؛ يضع الرجل رجليه عليها، وهي المَورِكة أيضا، يقال: ورك عليها وورَّك بالتشديد والتخفيف. وقوله: (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ) السكينة: السكون، وهو نصب على
следующие страницы →