← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 594–633.

стр. 594

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ [] * * * الحَمْدُ للهِ عَلَى نِعَمِهِ الْمُتَوَالِيَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ، وَأَيَادِيهِ الْمُتَعَالِيَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، مُنْزِلِ الغُيُوثِ عَلَى رُبَى الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ، الجَامِعِ بَيْنَ الأُجَاجِ [ ........ ] (١) رسلا أعالي طباق الحال [ .......... ] (٢) عن [ .... ] (٣) الشَّافِي لَهُمْ مِنْ مُعْضِلَاتِ الأَدْوَاءِ، الكَافِي إِيَّاهُمْ حَوَادِثَ [ ...... ] (٤) حَتَّى دَبِيبَ النَّمْلَةِ العَرْجَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، الْمُفَضِّلِ لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَصْنَافِ الخَلَائِقِ [ .............. ] (٥) مِنْ بَيْنِهِمْ بِالفَصَاحَةِ البَارِعَةِ، وَالبَلاغَةِ الرَّائِقَةِ، الجَاعِلِ سَائِرَ اللُّغَاتِ عَلَى كَثْرَةِ أَصْنَافِهَا، الْمُعْطِي لَهُمْ [ ......... ] (٦) العَالِي القِمَمِ، وَصَوَابِ الْمَجْدِ. وَإِنَّ أَرْفَعَهُمْ مَحْتِدًا، وَأَبَرَّهُمْ مَنْطِقًا، وَأَطْيَبَهُمْ مَوْلِدًا، وَأَقْعَدَهُمْ نَسَبًا، الصَّادِقُ فِيمَا ذَكَرَ مِنَ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ، [ ......................... ] (٧) بركته [سُورَ] الكُفْرِ، وَهَدَمَ أَرْبَاعَ الشِّرْكِ وَقَلَبَ

стр. 595

رِبَاعَهُ، وَمَدَّ [ ........... ] (١) حَتَّى أَصْبَحَ البَرِيَّةُ [ ................. ] (٢) بطل وَكَفَى، حَتَّى كَأَنْ لَم يَكُنْ بِالأَمْسِ وَخَفَى، وَبَيَّنَ لِأُمَّتِهِ البَاطِلَ وَنَهْجَ الحَقِّ، وَعَرَّفَهُمُ الكَذِبَ مِنَ الصِّدْقِ، وَأَظْهَرَ لَهُمُ الإِيمَانَ، وَجَعَلَ أَعَالِيَهُ أَسَافِلَهُ، وَخَاطَبَهُمْ بِمَا أَمَرَ اللهُ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِهِ مِنَ الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الأَهْوَاءِ وَالفِتَنِ، حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى؛ وَقَدْ تَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، كَانَ خَيْرَ نَبِيٍّ لِخَيْرِ أُمَّةٍ، وَأَدْعَى رَسُولٍ إِلَى مَنْهَجِ الحَقِّ، وَكَانُوا أَطْوَعَ فِيهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا يُقَرِّبُنَا بِهِ إِلَيْهِ زُلْفَى. وَبعدُ؛ فَإِنَّ أَشْرَفَ العُلُومِ عِلْمُ الحَدِيثِ وَمَعْرِفَةُ أَخْبَارِ الرَّسُولِ، الَّتِي فِيهَا جُمَلُ أُصُولِ الدِّينِ وَتَفَاصِيلُهُ، وَعَلَيْهَا تَأْسِيسُ بِنَاءِ الإِسْلَامِ وَتَأْصِيلُهُ، فَوَقَعَ فِي مَعْرِضِ سُؤَالِكَ إِيَّايَ أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْكَ شَيْئًا يُعِينُكَ عَلَى الإِحَاطَةِ بِشَطْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أَشْرَحَ كِتَابَ البُخَارِيِّ ﵀، الَّذِي هُوَ دُسْتُورُ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَذَا العِلْمِ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ مَا صُنِّفَ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ فَإِنَّ مُصَنِّفَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ أَقْرَانِهِ مِنْ جَامِعِي الصَّحِيحِ، [ ........ ] (٣) كَانَ مُسْلِمٌ يُكَبِّرُ شَأْنَهُ يُخَاطِبُهُ حِينَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ (٤): "يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَيَا سَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الحَدِيثِ.

стр. 596

وَكَانَ يَفْزَعُ فِي الْمُشْكِلَاتِ العَارِضَةِ فِي كِتَابِهِ إِلَى قَوْلِهِ، فَيَقُولُ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا [ ................ ] (١). كِتَابه وَ [ … ] احْتَذَوْا لِمِثَالِهِ، وَقَدْ شَاهَدَهُمْ كُلَّهُمْ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ بن خُزَيْمَةَ وَهُوَ مِنَ الكِبَرِ وَالتَّقَدُّمِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى، وَكَانَ يَقُولُ (٢): مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مُحَمَّدِ بن إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ. وَإِنْ كَانَ الخَطَّابِيُّ ﵀ عَقَدَ كِتَابَ "الأَعْلَامِ" لِشَرْحِ هَذَا الكِتَابِ، وَوَفَّاهُ حَظَّهُ، وَلَمْ يَبْخَسْهُ نَصِيبَهُ وَحَقَّهُ، إِلَّا أَنَّهُ ﵀ رَامَ الإِيجَازَ فِي بَعْضِهَا، وَتَرَكَ الدُّخُولَ فِي شَرْح كَثِيرٍ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانٍ وَبَسْطٍ، لَاسِيَّمَا بِالإِضَافَةِ إِلَى طَلَبَةِ الحَدِيثِ الَّذِينَ كَدُّهُمُ البَلِيغُ اليَوْمَ فِي كَتْبِ الحَدِيثِ، دُونَ الإِحَاطَةِ بِعَمَلِهَا وَجَمْعِهَا، تَوَقُّدًا لِدَاعِيهِ عَلَى حِفْظِهَا، وَطَوَّلَ فِي بَعْضِهَا. وَإِذَا رَأَيْتَ كِتَابَنَا وَتَأَمَّلْتَهُ وَلَحَظْتَهُ بِعَيْنِ الرِّضَى، وَجَدتَّهُ مُشْتَمِلًا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الفَوَائِدِ لَمْ يَتَعرَّضْ لَهَا ﵀، عَلَى أَنِّي لَا إِخَالُكَ تُنْصِفُنِي فِيمَا أَصَبْتُ فِيهِ، أَوْ فِيمَا أَخْطَأْتُ فِيهِ، وَأَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ (٣)؟ سَلمْتَ، وَهَلْ عِيٌّ عَلَى النَّاسِ يَسْلَمُ؟

стр. 597

وَقَصْدِي فِي ذَلِكَ تَجَنُّبُ مَا أَوْرَدَهُ الخَطَّابِيُّ ﵀، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الاخْتِصَارِ، فَبَسَطتُّ القَوْلَ فِيهِ، أَوْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ فِي حَدِيثٍ أَوْ لَفْظٍ وَجْهًا، فَيَكُونَ عِنْدِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَذْكُرُهُ، وَأُزَيِّفَ مَا ذَكَرَهُ إِنْ كَانَ زَائِفًا. وَلَا تَنْسُبْنِي فِيمَا أَذْكُرُهُ إِلَى بُغْضٍ مِنَ الخَطَّابِيِّ، أَوْ تَقْصِيرٍ بِكِتَابِهِ عَنِ الحَدِّ الْمَرْضِيِّ، فَنَحْنُ فَشَلٌ مِنْ بَحْرِهِ وَقَطْرِهِ: [مِنَ البَسِيط] وَابنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ … لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ (١) أَخَذْنَا مَا أَخَذْنَا عَنْهُ وَعَنْ أَمثَالِهِ، وَاتَّخَذْنَاهُمْ قُدْوَةً فِيمَا نَتَعَاطَاهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، رَجَاءَ أَنْ نَدْخُلَ فِي غِمَارِهِمْ، وَنُعَدَّ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَإِنْ لَمْ نُعَدَّ مِنْ خِيَارِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ ﵀ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الاعْتِنَاءُ بِهِ، لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ مِنْ فُنُونِ العِلْمِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ أَنْوَاعَهُ، غَيْرَ مُقْتَصِرٍ فِيهِ عَنْ فَنٍّ دُونَ فَنٍّ. وَقَلَّ مَا نَجِدُ مَنْ يَعْلَمُ عِظَمَ هَذَا الكِتَابِ وَيُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ، وَكُنْتُ أَظُنُّهُ سَهْلَ الْمَأْخَذِ، بَعِيدًا مِنَ الصُّعُوبَةِ، قَرِيبًا مِنَ الفَهْمِ، وَأَخْطَأْتُ! فَإِنَّ سَيِّدَنَا وَإِمَامَنَا الوَالِدَ أَبَا القَاسِمِ حَرَسَ اللهُ تَعَالَى وَآنَسَ بِبَقَائِهِ رِبَاعَ العِلْمِ نَبَّهَنِي عَلَى صُنُوفٍ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، حَدَانِي ذَلِكَ عَلَى أَنْ أَقْرَأَ هَذَا الكِتَابَ [ ....... ] (٢) وَقَارِئه، وَأَسْتَفِيدَ مِنْهُ فَوَائِدَهُ، حَتَّى إِنِّي كُنْتُ يَوْمًا أَقْرَأُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ: نَفَقَةِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 598

بَعْدَ وَفَاتِهِ، [حَدِيثَ] (١) عَائِشَةَ قَالَتْ: (تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي) (٢) الحَدِيثَ … فَتَجَاوَزَ لَهُ مِنِّي (٣) بِأَنَّهُ كَالظَّوَاهِرِ، فَقَالَ لِي حَفِظَهُ اللهُ: مَا مَعْنَى: (فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ)؟ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: (كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ) (٤)؟ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَوَقَفَ جَمَادِي، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: (كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ) أَيْ: كِيلُوا عِنْدَ البَيْعِ وَالشَّرْيِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَكِلْتُهُ فَفَنِي)، فَهُوَ لِأَنَّ الكَيْلَ عِنْدَ التَّفْقِيرِ مَكْرُوهٌ (٥). فَزَادَ فِيَّ هَذَا حِرْصًا، وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَسْتَأْنِفَ قِرَاءَةَ الكِتَابِ، وَأَتَفَقَّدَ ظَوَاهِرَهُ بِاسْتِقْصَاءِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ عَنِ الْفَهْمِ، فَفَعَلْتُ حَتَّى تَمَّ لِي قِرَاءَةُ هَذَا الكِتَابِ عَلَيْهِ، فَمَا مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا وَقَدْ أَطْلَعَنِي فِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَهُ لِي فِي المَثَالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، فَأَطَالَ اللهُ بَقَاءَهُ، وَلَا حَرَمَ أَهْلَ العِلْمِ غَزِيرَ بَحْرِ [هِ] (٦)، وَلَا أَخْلَاهُمْ مِنْ فَوَائِدِ عِلْمِهِ، وَسَائِحِ فِكْرِهِ، فَهُوَ [الجَامِعُ] (٧) لِأَطْرَافِ العُلُومِ، الْمُسَيْطِرُ عَلَيْهَا، الْمُسَلَّطُ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِيمَا يَقَعُ فِي الدِّينِ مِنَ الْمُعْضِلَاتِ، وَأَقُولُ: [من الطَّوِيلُ]

стр. 599

لِيَهْنَ امْرُؤٌ يُثْنَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ … يَقُولُ وَإِنْ أَرْبَى وَلَا يَتَقَوَّلُ وَهَذَا ثَنَاءٌ لَوْ سَكَتُّ كُفِيتُهُ … ......................... وَسَبِيلِي فِي هَذَا الكِتَابِ: ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ مِنَ الكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ [ ...... ] (١) سَمْت أَهْل التَّحْقِيقِ، [ ......... ] (٢) بِطُرُقِ [العَرَبِيَّة] (٣)، وَالفِقْهِ مِنَ الكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ، وَاسْتِنبَاطِ الْمَعَانِي مِنْ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ، وَالاسْتِشْهَادِ عَلَى مَا أَذْكُرُهُ بِالآيَاتِ وَالأَخْبَارِ وَأَشْعَارِ العَرَبِ، غَيْرَ مُتَعَدٍّ هَذِهِ العُدْوَةَ، وَلَا مُتَخَطٍّ هَاتِيكَ الخُطَّةَ. وَأَذْكُرُ فِيهِ أَسَامِيَ رُوَاةِ الصَّحَابَةِ، فَإِنِّي كُنْتُ [ ...... ] (٤) أَنْ أَشْرَحَ (٥) الْمُشْكِلَ مِنْ أَسَامِي رُوَاةِ الصَّحَابَةِ، فَأَذْكُرُ فِي هَذَا الكِتَابِ مَا فِيهِ مِنَ الأَسَامِي وَأَشْرَحُهُ، وَأُفْرِدُ لِمَا بَقِيَ مِنْهَا كِتَابًا، وَإِنِّي إِذَا تَعَرَّضْتُ فِي الحَدِيثِ لِكُنْيَةِ صَحَابِيٍّ ذَكَرْتُ اسْمَهُ، مُبْتَغِيًا بِهِ وَجْهَ اللهِ ، وَدُعَاءً مِنَ الخَلْقِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ: [مِنَ البَسِيط] مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يَعْدَمُ جَوَازِيَهُ … لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ (٦) وَاعْلَمْ أَنَّ مَقْصُودَ البُخَارِيِّ مِنْ كِتَابِهِ جَمْعُ جُمَلٍ مِنْ صِحَاحِ الحَدِيثِ، لَا اسْتِيعَابُهَا جَمِيعِهَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِيرَادَ كُلِّ حَدِيثٍ صَحَّ عِنْدَهُ لَصَعُبَ عَلَى القَارِئِ

стр. 600

وَالآخِذِ الإِتْيَانُ عَلَى جَمِيعِهِ، وَلأَوْرَثَ الْمَلَالَ وَالتَّنْفِيرَ، وَهُوَ ﵀ إِنَّمَا يَقْصِدُ التَّخْفِيفَ وَالتَّأْلِيفَ، وَهُوَ بِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ مَا صُـ[ـنِّفَ فِي] (١) هَذَا الفَنِّ، نَوَّرَ اللهُ قَبْرَهُ. وَهَا نَحْنُ وَاغِلُونَ فِي شَرْحِ هَذَا الكِتَابِ بِعَونِ اللهِ، فَنَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ كِتَابَهُ، وَهُوَ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ كِتَابُهُ مَعْقُودًا عَلَى [أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ ] (٢) طَلَبَ تَصْدِيرَ كِتَابِهِ بِأَوَّلِ شَأْنِ الرِّسَالَةِ وَالوَحْيِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلِهَذَا لَمْ يُقَدِّمْ عَلَيْهِ الخُطْبَةَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَالتَّرْجَمَةُ لِبَيَانِ بَدْءِ شَأْنِ الوَحْيِ، وَالحَدِيثُ لِبَيَانِ كَوْنِ الْأَعْمَالِ مُحْتَاجَةً إِلَى النِّيَّةِ؟ قُلْنَا: قَدْ قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّ البُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذَا الحَدِيثَ بَدَلًا مِنَ الخُطْبَةِ، وَأَنْزَلَـ[ـه] مَنْزِلَتَهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَدَأْتُ بِهَذَا الكِتَابِ، وَصَدَّرْتُهُ بِكَيْفِيَّةِ بَدْءِ الوَحْيِ، وَقَصَدتُّ [بِهِ التَّقَرُّبَ] (٣) إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ. وَ (كَيْفَ): سُؤَالٌ عَنِ الحَالِ، وَوَجْهُهُ هَاهُنَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَقُولُ: أَيُّهَا [القَاصِدُ] (٤) كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ؟ فَاقْرَأْ مَا بَعْدَ ..............

стр. 601

[هَذِهِ] (١) التَّرْجَمَةِ. أَوْ إِذَا سُئِلْتَ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ؟ فَاذْكُرْ لَهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَإِنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﵀ لَوْ قَالَ: كَيْفَ كَانَ الوَحْيُ وَبَدْءُ الوَحْيِ؟ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرَّضٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ بَدْءِ الوَحْيِ فَحَسْبُ، وَحَدِيثُ الحَارِثِ بن هِشَامٍ (٢) لَا يَتَعَرَّضُ لِهَذَا، إِنَّمَا يَتَضَمَّنُ بَيَانَ كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ، لَا بَيَانَ كَيْفِيَّةِ بَدْءِ الوَحْيِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ بِعَقِبِ التَّرْجَمَةِ غَيْرَهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الحُسْنِ. وَكَذَا حَدِيثُ [ابن] (٣) عَبَّاسٍ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ … ) (٤) لَا يَدُلُّ عَلَى بَدْءِ الوَحْيِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ تَحْسِينَ العِبَارَةِ وَتَسْوِيَتَهَا، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ فَهْمُ السَّامِعِ، وَالقَارِئُ إِذَا قَرَأَ الحَدِيثَ عَلِمَ مَقْصُودَهُ مِنَ التَّرْجَمَةِ، فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهَا تَعْوِيلًا مِنْهُ عَلَى فَهْمِ القَارِئِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (٥). وَبَدْءُ الشَّيْءِ: []، وَالوَحْيُ: أَصْلُهُ: الإِشَارَةُ، يُقَالُ: أَوْحَى إِذَا أَشَارَ، وَوَحَى أَيْضًا، وَأحيا وَأَصْلُهُ: التَّفْهِيمُ، فَكُلُّ مَا فُهِمَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِشَارَةِ وَالإِلْهَامِ وَالكَتْبِ فَهُوَ وَحْيٌ.

стр. 602

قِيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١)، أَيْ: كَتَبَ، وَإِنْ كَانَ قِيلَ أَيْضًا: أَشَارَ، وَقَوْلُهُ : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٢) أَيْ: أَلْهَمَ. وَالوَحْيُ اسْمٌ لِمَا يُوحَى أَيْضًا. فَأَمَّا الوَحْيُ بِمَعْنَى الإِشَارَةِ، فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ (٣): [من الكَامِل] يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوَالِ وَتَارَةً … وَحْيَ المَلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ وَقِيلَ لِأَبِي عَمْرِو بن العَلَاءِ (٤): هَلْ كَانَتِ العَرَبُ تُطِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِيُسْمَعَ مِنْهَا، قِيلَ: فَهَلْ كَانَتْ تُوجِزُ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِيُحْفَظَ عَنْها. وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ يُنْشِدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الحِكَايَةِ: يَرْمُونَ بِالخُطَبِ [الطِّوَالِ] (٥). البَيْتَ. وَقَالَ القَتَّالُ الكِلَابيُّ (٦): [من الكَامِل]

стр. 603

وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَعَرَّفُوا … وَوَحَيْتُ وَحْيًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَأَمَّا الوَحْيُ بِمَعْنَى [الكِتَابِ] (١) الَّذِي يُوحَى، فَقَدْ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ (٢): [مِنَ الطَّوِيل] لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي … كَوَحْيِ زَبُورٍ فِي عَسِيبٍ يَمَانِ وَجَمْعُهُ وُحِيٌّ. قَالَ لَبِيدٌ (٣): [من الكَامِل] فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرّيَ رَسْمُهَا … خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلَامُهَا * * * * حَدِيثُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهَجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهَجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) (٤). (عُمَرُ): اسْمٌ مَعْدُولٌ مِنْ عَامِرٍ، وَلَا يَنْصَرِفُ لاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ فِيهِ: العَدْلُ وَالتَّعْرِيفُ. وَ (الخَطَّابُ): يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَّالًا مِنَ الخِطْبَةِ وَالخُطِبَةِ مَعًا.

стр. 604

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَلِمَ قَدَّمَ هَذَا الطَّرَفَ وَصَدَّرَ بِهِ كِتَابَهُ؟ قُلْنَا: لِرِوايَتِهِ إِيَّاهُ عَنِ الإِمَامِ الكَبِيرِ الْمُقَدَّمِ عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ الحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ (١). (النِّيَّاتُ): جَمْعِ نِيَّةٍ، وَهِيَ هَا هُنَا: وِجْهَةُ القَلْبِ (٢)، وَالنِّيَّةُ: كُلُّ وِجْهَةٍ يُقْصَدُ إِلَيْهَا، وَمِنْهُ النَّوَى؛ لِأَنَّهُ مَا نَوَيْتَ مِنْ قُرْبٍ وَبُعْدٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تَنْوِي المَصِيرَ إِلَيْهِ، أَيْ: تَقْصِدُ. وَمَعْنَى اللَّفْظَةِ: أَنَّ العَمَلَ إِنَّمَا يَكْمُلُ عَمَلًا، وَيُرْجَى فِيهِ القَبُولُ إِذَا وَجَّهْتَ قَلْبَكَ إِلَيْهِ، وَقَصَدْتَ بِهِ التَقَرُّبَ إِلَى اللهِ . وَالعِبَادَةُ وَالخُضُوعُ [إِنَّمَا] (٣) تَحْصُلُ [الرَّجُلِ] مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا يَنْوِيهِ وَيَتَعَاطَاهُ، وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى مَا قَالَ: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى). وَقَدْ بَنَى الشَّافِعِيُّ (٤) ﵁ مَذْهَبَهُ فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ وَ [ … ] (٥) الاعْتِدَادِ [ … ] (٦) بِهِمَا، وَالنِّيَّةُ أَبْلَغُ مِنَ العَمَلِ،

стр. 605

وَلِهَذَا الْمَعْنَى [تُقْبَلُ] (١) النِّيَّةُ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَإِنْ نَوَى حَسَنَةً فَإِنَّهُ يُجَازَى عَلَيْهَا، وَلَوْ عَمِلَ حَسَنَةً بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَقَصْدٍ [ … ] (٢) لَمْ يُجَازَ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَ اللهُ لَهُ وَاحِدَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا كَتَبَ لَهُ عَشْرًا) (٣). وَرُوِيَ أَنَّهُ أَيْضًا قَالَ: (نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ) (٤)، وَفِي رِوَايَةٍ: (أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ) (٥)، فَالنِّيَّةُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ دُونَ العَمَلِ، وَفِي الثَّانِي خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ؟

стр. 606

قُلْنَا: أَمَّا الحَدِيثُ الأَوَّلُ فَلِأَنَّ الهَامَّ بِالحَسَنَةِ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ خِلَافَ العَامِلِ [لِأَنَّ] (١) الهَامَّ لَمْ يَعْمَلْ، وَالعَامِلَ لَمْ يَعْمَلْ حَتَّى هَمَّ، ثُمَّ عَمِلَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ)، فَلِأَنَّ تَخْلِيدَ اللهِ العَبْدَ [فِي الجَنَّةِ] (٢) لَيْسَ لِعَمَلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِنيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَمَلِهِ لَكَانَ خُلُودُهُ فِيهَا بِقَدْرِ مُدَّةِ عَمَلِهِ، أَوْ ضِعْفِهِ، أَوْ أَضْعَافِهِ، إِلَّا أَنَّهُ جَازَاهُ بِنِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يُطِيعَ الله أَبَدًا لَوْ بَقِيَ أَبَدًا، فَلَو اخْتَرمَتْهُ مَنِيَّتُهُ دُونَ نِيَّتِهِ جَازَاهُ عَلَيْهَا. وَكَذَا الكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُجَازَى بِعَمَلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ إِلَّا بِقَدْرِ مُدَّةِ كُفْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَنْ يُقِيمَ عَلَى كُفْرِهِ أَبَدًا، فَجَازَاهُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَقَدْ رُفِعَ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِفُقْدَانِ النِّيَّةِ فِيهَا. وَالعَرَبُ تَقُولُ: هَذَا امْرُؤٌ، وَهَذَانِ امْرُآنِ، وَلَا تَجْمَعُ إِلَّا قَوْمًا وَرِجَالًا، جَاءَ جَمْعُهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا مَرْءٌ، وَهَذَانِ مَرْآنِ، وَالجَمْعُ عَلَى مَا سَبَقَ.

стр. 607

وَأُنْثَى امْرُؤٌ: امْرَأَة، وَأُنْثَى مَرْءٌ، مَرْأَةٌ، وَقَدْ جَاءَ بِهِمَا القُرْآنُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (١) وَقَالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢)، وَقَالَ فِي اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ (٣)، وَلَمْ يَأْتِ فِي القُرْآنِ أُنْثَى: مَرْأَةٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي الكَلَامِ. وَ (الهِجْرَةُ) وَالْمُهَاجَرَةُ: التَّحَوُّلُ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، يُقَالُ: هَاجَرَ فُلَانٌ مِنَ البَادِيَةِ إِلَى المِصْرِ هِجْرَةً حَسَنَةً، إِذَا تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى المِصْرِ، وَمِنْهُ الْمُهَاجِرُونَ: تَحَوَّلُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. وَالهِجْرَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ: هِيَ الانْتِقَالُ مِنَ الوَطَنِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَمَا [بَسَطَ] (٤) الإِسْلَامُ أَبْوَاعَهُ، وَمَدَّ ذِرَاعَهُ، وَرَحُبَتِ الأَرْضُ بِالْمُسْلِمِينَ ارْتَفَعَتِ الهِجْرَةُ، فَلَا هِجْرَةَ إِلَّا هَجْرُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ مُهَاجِرِينَ لِمُهَاجَرَتِهِمْ أَوْطَانَهُمْ، وَمَوَاقِعَ رُؤُوسِهِمْ، وَمَقَاطِعَ سِرِّهِمْ، وَبَنِي أَعْمَامِهِمْ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَعْزِمُ عَلَى اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَصُحْبَتِهِ فِي سَفَرِهِ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ زَوْجَتُهُ، وَيَبْكِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَدُهُ، فَرُبَّمَا أَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ أَجْلِهَا مَعَ الكُفَّارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٥).

стр. 608

وَقَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ (١): [من الطَّوِيل] بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبَّهِمْ … وَأَنْصَارِهِ حَقًّا وَأَيْدِي المَلَائِكَ فَكَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ: مَنْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ لِلْوَطَنِ، وَتَوَجُّهُهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِوَجْهِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالانْقِطَاعِ إِلَيْهِمَا، وَإِلَى طَاعَتِهِمَا، فَقَدْ وَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ مُؤَاخَذًا بِنِيَّتِهِ. مَعْنَى الحَدِيثِ: كُلُّ عَمَلٍ مَحْسُوبٌ عَلَى مَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ عَامِلُهُ، فَالقَاصِدُ بِمُفَارَقَةِ الوَطَنِ رِضَى اللهِ ، وَالارْتِحَالَ إِلَيْهِ مُهَاجِرٌ إِلَيْهِ، مَجْزِيٌّ بِقَدْرِ نِيَّتِهِ، وَالْمُفَارِقُ لَهُ لإِصَابَةِ الدُّنْيَا، وَالتَّزَوُّجِ بِامْرَأَةٍ مُهَاجِرٌ إِلَيْهَا عَلَى مَا قَصَدَهُ. وَ (الدُّنْيَا): تَأْنِيثُ الأَدْنَى، مِثْلُ: حُبْلَى، لَا يَنْصَرِفُ لاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ فِيهَا؛ أَحَدُهُمَا: الوَصْفِيَّةُ، وَالثَّانِي: لُزُومُ حَرْفِ التَّأْنِيثِ آخِرَهُ (٢). وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الهَمْزَةَ وَالأَلِفَ لَا تُفَارِقَانِ الكَلِمَةَ، وَهَاءُ التَّأْنِيثِ تُفَارِقُ الكَلِمَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ فِي قَائِمَةٍ: قَائِمٌ، وَلَا تَقُولُ فِي حَمْراءَ: حَمْرٌ، وَلَا فِي حُبْلَى: حُبْلٌ، وَلَا فِي دُنْيَا: دُنْيٌ.

стр. 609

* حَدِيثُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الحَارِثَ مِنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَس وَهُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمثَّلُ لِي المَلَكُ [رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) قَالَتْ] (١) عَائِشَةُ ﵁: (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ [البَرْدِ] (٢) فَيُفْصَمُ عَنْهُ، [وَإِنَّ جَبِينَهُ] (٣) لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) (٤). عَائِشَةُ: اسْمُ الفَاعِلَةِ مِنْ عَاشَتْ، وَإِنَّمَا يَتَسَمَّونَ بِهَا تَفَاؤُلًا، قَالَ الهُذَلِيُّ (٥): [مِنَ الوَافِرِ] أَعَائِشُ مَا لِأَهْلِكِ لَا أَرَاهُمْ تُولَعُ بِعَيْشَةٍ. وَلَا يَنْصَرِفُ لاجْتِمَاعِ التَّأْنِيثِ وَالتَّعْرِيفِ فِيهِ. وَالحَارِثُ بنُ هِشَامٍ ﵁ هُوَ أَخُو أَبِي [جَهْلِ عَمْرِو] (٦) بن هِشَامِ بن الْمُغِيرَةِ. وَقَوْلُهُ: (أَحْيَانًا): جَمْعُ حِينٍ، وَهُوَ الوَقْتُ، وَنُصِبَ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ. وَ (الصَّلْصَلَةُ): صَوْتُ كُلِّ [حَدِيدٍ] (٧) إِذَا جُرَّ عَلَى مِثْلِهِ، كَصَلْصَلَةِ اللَّجَامِ،

стр. 610

وَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ فِي الجَرَسِ مِثْلُهُ أَيْضًا، لِأَنَّ الجَرَسَ شِبْهُ سَطْلٍ بِهِ قِطْعَةُ نُحَاسٍ يُعَلَّقُ مَنْكُوسًا، فَإِذَا مَشَى البَعِيرُ، أَوْ تَحَرَّكَ تَحَرَّكَتِ النُّحَاسَةُ فَأَصَابَتِ السَّطْلَ، فَذَلِكَ الجَرَسُ. وَقَدْ رُوِيَ: (لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ) (١). وَالعَامَّةُ تَقُولُ: (جَرَصٌ) بِالصَّادِ، وَلَمْ يَجِئْ عَنِ العَرَبِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ [كَلِمَةٌ] (٢) ثُلاثِيَّةٌ، [وَلَا] (٣) رُبَاعِيَّةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الصَّادُ وَالجِيمُ إِلَّا الصَّمَجُ، وَاحِدَتُهَا: صَمَجَةٌ، وَهِيَ القَنَادِيلُ، فَأَمَّا الجِصُّ فَمُعَرَّبٌ (٤). وَالجَرْسُ [بِسُكُونِ] (٥) الرَّاءِ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وَمِنْهُ الجَرَسُ، وَجَرْسُ الطَّيْرِ: صَوْتُ مَنَاقِيرِهَا [عَلَى كُلِّ شَيْءٍ] (٦) تَأْكُلُهُ، وَفِي الحَدِيثِ: (فَيَسْمَعُونَ جَرْسَ طَيْرِ الجَنَّةِ) (٧)، قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ (٨): [مِنَ الطَّوِيلِ] قَلِيلَةُ جَرْسِ اللَّيْلِ إِلَّا وَسَاوِسًا … وَتَبْسُمُ عَنْ عَذْبِ الْمَذَاقَةِ سِلْسَال

стр. 611

أَيْ: قَلِيلَةُ صَوْتِ اللَّيْلِ إِلَّا صَوْتَ الحُلِيِّ. وَأَمَّا الجِرْسُ بِالكَسْرِ: فَهُوَ بِمَعْنَى الجَرْسِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّكَ إِذَا أَفْرَدتَّ فَتَحْتَ الجِيمَ، فَإِذَا جَعَلْتَهُ مَعَ الحِسِّ قُلْتَ: مَا سَمِعْتُ لَهُ حِسًّا وَلَا جِرْسًا، فَأَتْبَعْتَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ. وَقَوْلُهُ: (فَيَفْصِمُ عَنِّي) كَثِيرًا مَا يُرَى بِخَطِّ الْمَعْرُوفِينَ فِي النُّسَخِ: (فَيُفْصَمُ) بِالفَتْحِ، وَالَّذِي أَخْتَارُهُ وَأَعْرِفُهُ: (فَيَفْصِمُ عَنِّي)، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: يُفْصَمُ عَنِّي، أَيْ: يُقْطَعُ، فَلَا يَخْلُو إِلَّا أَنْ تُرِيدَ بِالانْقِطَاعِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ القَطْعِ: انْقِطَاعَ الوَحْيِ، أَوِ انْقِطَاعَ شِدَّتِهِ وَكَرْبِهِ. فَإِنْ أَرَدْتَ انْقِطَاعَ الوَحْيِ (فَيُفْصَمُ) أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا قُلْتَهُ فَقَدْ عَلَّقْتَ الفِعْلَ عَلَى الوَحْيِ، فَيَحْصُلُ بِهِ اتِّسَاقُ الكَلَامِ، وَكَمَا أَنَّ إِتْيَانَ الوَحْيِ الَّذِي هُوَ التَّفْهِيمُ هَا هُنَا مُضَافٌ إِلَى الوَحْيِ، فَذَهَابُهُ وَهُوَ إِفْصَامُهُ وَإِقْلَاعُهُ يَكُونُ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَاعْتِنَاءُ العَرَبِ وَمُحَافَظَتُهَا عَلَى نَسَقِ الكَلَامِ مِمَّا لَا يَخْفَى. فَإِنْ أَرَدْتَ انْقِطَاعَ كَرْبِهِ وَشِدَّتِهِ، فَـ (ـإِفْصَامٌ) بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الإِفْصَامَ فِي العَوَارِضِ وَالكُرُوبِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنَ الفَصْمِ وَالانْفِصَامِ؛ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَفْصَمَ عَنْهُ الْمَرَضُ، أَيْ: أَقْلَعَ، وَأَفْصَمَ السَّحَابُ أَيْ: أَقْلَعَ، فَاعْلَمْ. فَأَمَّا وَجْهُ مَا كَتَبُوهُ إِذَا تُمُحِّلَ فَأَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَيُقْطَعُ عَنِّي كَمَا ذَكَرَهُ الخَطَّابِيُّ (١).

стр. 612

وَالفَصْمُ: الصَّدْعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِينَ (١). وَقَوْلُهُ: ﴿لَا انْفِصَامَ لها﴾ (٢) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَا انْقِطَاعَ لَهَا دُونَ رِضَى اللهِ وَالجَنَّةِ، فَانْفَصَمَ: فَانْقَطَعَ، وَفَصَمَ: قَطَعَ. (يُفْصَمُ عَنِّي) أَيْ: يُقْطَعُ الوَحْيُ، وَمِنَ الإِنْفِصَامِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بن رَوَاحَةَ (٣): [مِنَ الْمُتَقَارِبِ] وَأَنْتَ مِنْ نَسْلٍ كَفَى نَسْلَهُ … وَخَلَّفَ نَسْلًا إِذَا مَا انْفَصَمْ وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ) أَيْ: حَفِظْتُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا فِي العِلْمِ، يُقَالُ: وَعَيْتُ العِلْمَ إِذَا حَفِظْتُهُ، وَأَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الوِعَاءِ إِذَا حَرَزْتُهُ فِيهِ. وَقَدْ تَجَاوَزُوا بِالْوَعْيِ إِلَى غَيْرِ العِلْمِ، فَقَالُوا: نِعْمَ وَاعِي اليَتِيمِ هُوَ، أَيْ: حَافِظُهُ، وَالكَلِمَتَانِ مِنْ [بَابٍ] (٤) وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (يَتَمَثَّلُ) أَيْ: يَتَصَوَّرُ، مِنَ الْمِثَالِ وَالصُّورَةِ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ: (وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَفَصَّدَ: إِذَا سَالَ، وَالفَصْدُ: قَطْعُ العِرْقِ لإِخْرَاجِ الدَّمِ وَإِسَالَتِهِ.

стр. 613

يَعْنِي أَنَّ جَبِينَهُ يَسِيلُ مِنَ العَرَقِ، وَانْتِصَابُ (عَرَقًا) عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقَوْلُهَا: (فِي اليَوْمِ شَدِيدِ البَرْدِ) دَلَالَةٌ مِنْهَا عَلَى كَثْرَةِ مُعَانَاةِ التَّعَبِ وَالكَرْبِ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ البَرْدِ يَعْرَقُ هَذَا العَرَقَ، بِحَيْثُ يَتَسَايَلُ عَنْهُ ﷺ . وَشَبَّهَتْ عَرَقَهُ عَائِشَةُ أَيْضًا بِالجُمَانِ فِي حَدِيثِ الإِفْكِ (١)، وَ [هُوَ] (٢) تَشْبِيهٌ حَسَنٌ، شَبَّهَ بِهِ الشُّعَرَاءُ. قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ يُشَبِّهُ المَاءَ الَّذِي يَتَحَدَّرُ مِنْ بَدَنِ عَشِيقَتِهِ إِذَا اغْتَسَلَتْ بِالجُمَانِ: [مِنَ الطَّوِيلِ] إِذَا مَا اسْتَحَمَّتْ كَانَ فَضْلُ حَمِيمِهَا (٣) … عَلَى مَتْنَتَيْهَا كَالجُمَانِ لَدَى الجَالِي (٤) فَزَادَ حُسْنًا بِقَوْلِهِ: (لَدَى الجَالِي)، لأَنَّه أَصْفَى مَا يَكُونُ وَأَحْسَنَهُ إِذَا جُلِّيَ. * * * * حَدِيثُهَا الآخَرُ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، [فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ] (٥) ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ [ذَوَاتِ العَدَدِ] (٦)، قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ

стр. 614

وَيَتَزَوَّدُ] (١) لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ [فَجَاءَهُ المَلَكُ] (٢) فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٣)، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى - ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، [لَيْتَنِي] (٤) أَكُونُ حَيًّا

стр. 615

إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَهُ أَنْ تُوفِيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ) (١). قَالَ ابن شِهَابٍ رَاوِي الحَدَيثِ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ - فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢) فَحَمِي الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) (٣). (الرُّؤْيَا): مَصْدَرُ رَأَى، كَالرُّجْعَى مَصْدَرُ رَجَعَ، وَيَخْتَصُّ هَذَا بِرُؤْيَا المَنَامِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْيَ يَخْتَصُّ بِرُؤْيَةِ القَلْبِ، وَأَمَّا العِلْمُ وَالرُّؤْيَةُ فَتَخْتَصُّ بِهَا العَيْنُ. وَ (فَلَقُ الصُّبْحِ) قَالُوا: يَعْنِي انْشِقَاقَهُ، وَالانْفِلَاقُ: الإِنْشِقَاقُ، وَكَذَا فَرَقُ الصُّبْحِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الفَلَقَ بِمَعْنَى الْمَفْلُوقِ، وَالفَرَقَ بِمَعْنَى الْمَفْرُوقِ. وَالفَرَقُ: اسْمٌ لِلصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ الفَلَقُ، غَيْرَ أَنَّهُ أُضِيفَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ لاِخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ (٤) حَبْلُ الوَرِيدِ، وَحِنْدِسُ الظُّلْمَةِ.

стр. 616

وَقَدْ جَاءَ الفَلَقُ مُنْفَرِدًا عَنِ الصُّبْحِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (١)، قَالَ الشَّاعِرُ: [مِنَ البَسِيطِ] يَا لَيْلَةً لَمْ أَنَمْهَا بِتُّ مُرْتَقِبًا (٢) … أَرْعَى النُّجُومَ إِلى أَن نوَّرَ الفَلَقِ (٣) وَلَمْ يَجِئِ الفَرَقُ مُنْفَرِدًا عَنِ الصُّبْحِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِي الشَّيْءِ الوَاضِحِ البَيِّنِ. وَ (الخَلَاءُ): الخَلْوَةُ، يُقَالُ: خَلَتِ الأَرْضِ تَخْلُو خَلَاءً: مَمْدُودٌ، وَخَلَا فِي مَكَانِ كَذَا يَخْلُو خَلْوَةً، وَقَدْ جَاءَ: خَلَا بِمَكَانِ كَذَا، وَخَلَا فُلَانٌ بِفُلَانٍ، وَأَخْلَى بِهِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ. وَكَلَامُ العَرَبِ صَرَفَ (حِرَاءً) عَلَى فَعَالٍ، وَفُعَالٍ، وَفِعَالٍ، فَهُوَ مُنْصَرِفٌ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ (٤): [مِنَ الطَّوِيلِ] ..................... … وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ وَمِنَ العَرَبِ مَنْ يَتْرُكُ صَرْفَ حِرَاءٍ فِي الشِّعْرِ، وَسَوَّى بِحِرَاءِ بُقْعَةً، فَلَا يَنْصَرِفُ، وَكَذَا قُبَاءٌ يَنْصِرِفُ لِأَنَّهُ فَعَالٌ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَمِنَ العَرَبِ مَنْ لَا يَصْرِفُهُ:

стр. 617

سَوَّى بِهِ البُقْعَةَ. وَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى صَرْفِ حُنَيْنٍ، وَجَاءَ بِهِ القُرْآنُ، لِأَنَّهُ اسْمُ وَادٍ، وَمِنَ العَرَبِ مَنْ لَا يَصْرِفُهُ: يُسَوَّي بِهِ اسْمَ بُقْعَةٍ. وَهَكَذَا الْمَوَاضِعُ كُلُّهَا إِذَا كَانَتْ فِي بُلْدَانٍ تَنْصَرِفُ صَرْفَهَا، فَإِذَا نَقَلْتَهَا إِلَى البِقَاعِ لَمْ تَصْرِفْهَا. مِثَالُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ (١)، فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَكَانِ وَالبَلَدِ صَرَفَهُ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى البَلْدَةِ وَالْمَكَانَةِ وَالبَقْعَةِ مَنَعَهُ الصَّرْفَ. وَأَصْحَابُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ: حِرَا مَقْصُورٌ. قَالَ بَعْضُ الْمِلَاحِ (٢): إِنَّ العَامَّةَ لَحَنَتْ فِي حِرَاءٍ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فَتَحَتِ الحَاءَ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ، وَقَصَرَتْهُ وَهُوَ مَمْدُودٌ، وَتَرَكَتْ صَرْفَهُ وَهُوَ مَصْرُوفٌ فِي الاخْتِيارِ، لِأَنَّهُ اسْمُ جَبَلٍ (٣). وَقَوْلُهُ: (يَتَحَنَّثُ) أَيْ: يَتَعَبَّدُ، وَيَتَجنَّبُ الحَنَثَ [ .......... ] (٤) يَتَحَرَّجُ أَيْ: [ ....... ] (٥) يَتَحَرَّجُ أي: يَفْعَلُ شَيْئًا يُخْرِجُ مِنَ الحَرَجِ

стр. 618

[ ....... ] (١) أي: يَتْرُكُ، [ ........... ] (٢) الإِثْم. وَظَفِرْتُ أَنَا بِقَوْلِهِمْ: تَحَيَّنَ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا تَعَهَّدَهُ وَحَفِظَهُ؛ فَكَأَنَّهُ اجْتَنَبَ الحيا [ ..... ] (٣) الَّذِي هُوَ إِخْلَالٌ بِالحَقِّ، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الأَضْدَادِ، وَمِنْ [ ......... ] (٤) تَقُولُ العَرَبُ: تَحَيَّنْ لِي هَذَا الصَّبِيَّ أَيْ: طَهَّرُهُ. وَالبَابُ بَاب [ .......... ] (٥) إِذَا أَزَلْتَ عَنْهُ مَرَضَهُ بِالقِيَامِ عَلَيْهِ، وَقَذَّيْتُهُ: أَخْرَجْتُ عَنْهُ القَذَى، وَشَذَّبْتُ الشَّجَرَةَ: إِذَا أَلْقَيْتُ عَنْهَا شَذَبَهَا وَالغُصْنِ الْمَقْطُوعِ، وَفَزَّعْتُ عَنْ قَلْبِهِ، أَيْ: أَخْلَيْتُهُ مِنَ الفَزَعِ، قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٦). ومِنْهُ قَوْلُهُم: [أَشْكَيْتُهُ] (٧) أَيْ: دَفَعْتُ مِنْهُ مَا كَانَ يَشْكُونِي بِهِ وَلَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ: (شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي الظَّهِيرَةِ فَلَمْ يُشْكِنَا) (٨). وَأَنْشَدَ ابن الأَعْرَابِي (٩): من الرَّجَز]

стр. 619

تَمُدُّ بِالأَعْنَاقِ أَوْ تَلْوِيهَا … وَتَشْتَكِي لَوْ أَنَّنَا تُشْكِيهَا [وَقَالَ الكُمَيتُ] (١) فِي التَّحَوُّبِ، يَذْكُرُ ذِئْبًا أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ: [مِن الطَّوِيلِ] وَصُبَّ لَهُ شَوْلٌ مِنَ الْمَاءِ غَائِرٌ … بِهِ كَفَّ عَنْهُ الحِيبَةَ الْمُتَحَوِّبُ اخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتُهُ وَأَزَلْتُ عَنْهُ الخَفَاءَ، وَمِنْهُ الْمُخْتَفِي لِلنَّاسِ، وَأَعْجَمْتُ الكِتَابَ: إِذَا نَفَيْتُ عَنْهُ العُجْمَةَ. وَلِكُلِّ [ .... ] (٢) تَوَابِعٌ فِي كَلَامِ العَرَبِ وَتَقْدِيرَاتٌ لَمْ نَسْتَقْصِهَا. وَمِمَّا لَا يَهْتَدِي لَهُ سِوَى الحُذَّاقِ مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُمْ: سَهِرَ فَهُوَ سَاهِرٌ، وَهُوَ خِلَافُ الرُّقَادِ، لأَنَّ السَّاهِرَ مِنَ السَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ الأَرْضِ، وَالسَّاهِرُ لَا يَقْصِدُ الأَرْضَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ [ ....... ] (٣) إلى [ … ] (٤) لَا الْمُتَجَافِي عَنْهَا، كَمَا قَالَ (٥): [مِنَ الرَّجَز] وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا … إِذَا الكَرَى فِي عَيْنِهِ تَمَضْمَضَا فَقَامَ عَجْلَانَ وَمَا تَأَرَّضَا … ....................

стр. 620

[ … ] (١) لَا يَنْتَقِل [ ...... ] (٢) إِلَى الأَرْضِ، إِلَّا أَنَّ السَّاهِرَ [فيها] (٣) عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا كَأَنَّ السَّهَرَ زَوَالٌ وَتَجَافٍ عَنِ السَّاهِرَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. قَوْلُهُ: (مَا تَأَرَّضَ) أَيْ: مَا جَنَحَ إِلَى الأَرْضِ، هَذَا أَصْلُهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ تَأَرَّضَ بِمَعْنَى تَلَبَّثَ وَانْتَظَرَ، قَالَ (٤): [مِنَ الكَامِلِ] قُبْحُ الحُطَيْئَةِ مِنْ مُنَاخِ مَطِيَّةٍ … عَوْجَاءَ سَائِمَةٍ تَأَرَّضُ [لِلْقِرَى] سَأَلَ الوَلِيدَةَ: هَلْ سَقَتْنِي بَعْدَمَا … شَرِبَ الْمُرِضَّةَ فُصْعُلٌ حَدَّ الضُّحَى تَأَرَّضَ أَيْ: تَلَبَّثَ، وَالفُصْعُلُ: وَلَدُ العَقْرَبِ، وَالقُصْعُلُ أَيْضًا، وَالْمُرِضَّةُ: الرَّثِيئَةُ الخَاثِرَةُ (٥)، يُقَالُ: سَقَا [ … ] (٦)، قَالَ ابن الأَحْمَرِ (٧): [مِنَ الوَافِرِ] إِذَا شَرِبَ الْمُرِضَّةَ قَالَ أَوْكِي … عَلَى مَا فِي سِقَائِكِ قَدْ رَوِينَا وَقَوْلُهُمْ: رَاوَيْتُهُ، أَيْ: أَزَلْتُ عَنْهُ الرواي، وهُوَ الفَسَادُ.

стр. 621

وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الكَلَامَ فِي هَذِهِ الكَلِمَةِ وَشَعَّبْنَاهُ لإِشْكَالِهِ، وَإِخْرَاجِ الشَّيْءِ إِلَى بَسْطِ القَوْلِ فِي كَلَامِ العَرَبِ أَمْثَالِ هَذَا، فَسَلَكْنَا فِيهِ طَرِيقَةَ القُدَمَاءِ. وَسُئِلَ ابن الأَعْرَابِي عَنْ قَوْلِهِ: (يَتَحَنَّثُ)، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَسَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ عَنْهُ - وَكَانَ خَيِّرًا - فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ، إِنَّمَا هُوَ يَتَحَنَّفُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ (١)، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ (٢). وَقَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ. وَ (يَتَزَوَّدُ)، أَيْ: يَأْخُذُ الزَّادَ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ) أَيْ: الوَحْيُ. وَالغَطُّ والغَطِيطُ فِي [ ....... ] (٣) وَهُمَا القَبْضُ الشَّدِيدُ بِبَذْلٍ مِنَ الطَّاقَةِ، يُقَالُ: غَطَطْتُ فُلَانًا إِذَا أَخَذْتُهُ بِشِدَّةٍ. قَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الجَهْدَ) وَالجُهدُ بِضَمِّ الجِيمِ يَجُوزُ، فَالجَهْدُ: الْمَشَقَّةُ، وَالجُهْدُ: الطَّاقَةُ. وَيَجُوزُ هَا هُنَا رَفْعُ الدَّالِ وَنَصْبُهُ، أَمَّا وَجْهُ الرَّفْعِ فَعَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: بَلَغَ مِنِّيَ

стр. 622

الجَهْدُ مَبْلَغَهُ، يَقُولُ: قَبَضْتُ حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الطَّاقَةَ. وَأَمَّا النَّصْبُ: فَعَلَى أَنَّ الْمَلَكَ بَلَغَ مِنْهُ الجَهْدَ. وَ (العَلَقُ) جَمْعُ عَلَقَةٍ. وَقَوْلُهُ: (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) أَصْلُ الرَّجَفِ: الاضْطِرَابُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (١)، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ سَائِرُ مَا فِي البَابِ، وَالإِرْجَافُ مِنْهُ، يُقَالُ: رَجَفَ النَّاسُ إِذَا اضْطَرَبُوا. وَ (البَوَادِرُ): اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَةِ وَالعُنُقِ، تَضْطَرِبُ عِنْدَمَا يَفْزَعُ الإِنْسَانُ، قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [مِنَ البَسِيطِ] وَجَاءَتِ الخَيْلُ مُحْمَرًّا بَوَادِرُهَا … ............... وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (بَآدِلُهُ)، وَهِيَ مَا بَيْنَ العُنُقِ وَالتَّرْقُوَةِ، وَاحِدَتُهَا: "بَأْدِلَةٌ" فِي قَوْلِ الفَرَّاءِ، وَ"بَأْدِلٌ" فِي قَوْلِ أَبِي عَمْرٍو. قَالَتْ زَيْنَبُ أُخْتُ يَزيدَ بن الطَّثْرِيَةِ تَرْثِيهِ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ]

стр. 623

فَتًى قُدَّ قَدَّ السَّيْفِ لَا مُتَضَائِلٌ … وَلَا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وَبَآدِلُهْ وَقَوْلُهُ: (زَمَّلُونِي) أَيْ: دَثِّرُونِي وَلَفِّفُونِي فِي ثَوْبٍ، وَالمُزَّمِّلُ هُوَ الْمُتَزَمِّلُ وَالْمُتَلَفِّفُ بِثَوْبِهِ. قَالَ ذُو الرُّمَّة (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] وَكَائِنْ تَخَطَّتْ نَاقَتِي مِنْ مَفَازَةٍ … وَمِنْ نَائِمٍ عَنْ لَيْلِهَا مُتَزَمِّلُ وَ (كَلَّا): كَلِمَةُ نَفْيٍ وَتَنْزِيهٍ وَإِبْعَادٍ، وَهُوَ فِي الحَدِيثِ تَنْزِيهٌ. (مَا يُخْزِيكَ)، أَيْ: مَا يُذِلُّكَ، مِنَ الخِزْيِ وَهُوَ الهَوَانُ. وَ (الكَلُّ): الثِّقَلُ وَالْمُؤْنَةُ، يُقَالُ: مَتَى أَلْقَى عَلَيْهِ كَلَّهُ؟ ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (٢). وَالكَلُّ: اليَتِيمُ، وَالكَلُّ فِي الحَدِيثِ: الثِّقَلُ. وَقَوْلُهُ: (تَكْسِبُ المَعْدُومَ) أَيْ: تُعْطِيهِ وَتُعَاوِنُهُ عَلَى حَوَائِجِهِ وَ [الكَسْب] (٣) هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ: كَسَبْتُ الْمَالَ، وَكَسَبْتُهُ غَيْرِي بِلَا أَلِفٍ، إِلَّا

стр. 624

ابنَ الأَعْرَابِي، فَإِنَّهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْفَرَدَ وَحْدَهُ فَقَالَ: كَسَبْتُ المَالَ، وَأَكْسَبْتُهُ غَيْرِي، وَأَنْشَدَ: فَأَكْسَبَنِي حَمْدًا، وَأَكْسَبْتُه أَجْرًا. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ أَكْسَبْتُهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي الحَدِيثِ: (تُكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بِضَمِّ التَّاءِ. وَجَعَلَتْ خَديجَةُ العَاجِزَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ فِي التَّعَيُّشِ، وَتَحْصِيلِ مَا تُرْجَى بِهِ الأَيَّامُ بِمَنْزِلَةِ المَعْدُومِ. وَالعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالقِلَّةِ عَنِ العَدَمِ، وَالعَدَمِ عَنِ القِلَّةِ، وَالْمُحَقِّقُونَ يَذْهَبُونَ فِي قَوْلِ الْمُتَنَبِّي (١): [مِنَ البَسِيطِ] .................... … إِذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ [ … ] (٢) فِي الْمُسْتَحِيلَاتِ، بَلْ مَقْصُودُهُ: إِذَا رَأَى شَخْصًا ضَعِيفًا، وَشَيْئًا قَلِيلًا ظَنَّهُ رَجُلًا (٣)، فَأَرَادَ التَّعْبِيرَ عَنِ المَرْءِ الضَّعِيفَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّكَ إِذَا لَقِيتَ رَجُلًا مُسْتَضْعَفًا جَبَانًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ بَخِيلًا، لَا شَيْء وَلَا شَيْء، فَتُنَزَّلُهُ مَنْزِلَةَ المَعْدُومِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي العَجْزِ وَالحَفَارَةِ.

стр. 625

وَهَذِهِ هِيَ اللَّفْظَةُ الْمَحْفُوظَةُ بَيْنَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ الخَطَّابِيُّ (١) أَنَّ صَوَابَهُ: [الْمُعْدِمَ] (٢)، وَلَمْ يُصِبْ إِذْ حَكَمَ عَلَى اللَّفْظَةِ الصَّحِيحَةِ بِالخَطَأِ، فَإِنَّ الصَّوَابَ مَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ (٣)، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ السَّعْيُ فِي حَاجَاتِ الضِّعَافِ، وَعَلَى مَا رُوي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الضِّعَافِ وَالأَرْمَلَةِ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن أَبِي أَوْفَى: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقِلُّ اللَّغْوَ) (٤). أَيْ: لَا يَلْغُو أَصْلًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الكَسْبَ [هُوَ] (٥) التَّقَلُّبُ، فَالكَسْبُ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْضًا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ وَالتَّقَلُّبِ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ. فَأَمَّا إِنْ وُهِبْتَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ تَكْسِبُهُ، وَلَمْ يُكْسَبْ هُوَ، وَكَذَا إِذَا حَصَلَ لَهُ

стр. 626

الْمَالُ بِوِرَاثَةٍ أَوْ غَيْرِهَا صَفْوًا عَفْوًا فَلَا يَكُونُ كَاسِبًا. وَفِقْهُ اللُّغَةِ يَحْمِلُنَا أَيْضًا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ الكَسْبُ هَا هُنَا: التَّصَرُّفَ لِلْعَاجِزِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا - فِي تَحْصِيلِ المَالِ لَهُ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ. وَذَكَرَ إِمَامُنَا الوَالِدُ (١) فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَجْهًا آخَرَ اسْتَحْسَنَهُ، قَالَ: مَعْنَاهُ: تَسْعَى فِي طَلَبِ عَاجِزٍ تُنْعِشُهُ، كَمَا أَنَّ غَيْرَكَ يَسْعَى فِي طَلَبِ مَالٍ يُثْمِرُهُ. فَالكَسْبُ هُوَ الاسْتِفَادَةُ، فَكَمَا يَرْغَبُ غَيْرُكَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مَالًا، تَرْغَبُ أَنْ تَسْتَفِيدَ عَاجِزًا تَجْبُرُهُ، [وَهَذَا] (٢) أَوْلَى؛ لِأَنَّكَ لَا تَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضْمَارِ شَيْءٍ كَمَا يُحْتَاجُ هُنَالِكَ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالأَصْلُ الإِظْهَارُ. وَقَوْلُهَا: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) أَيْ: تُطْعِمُهُ، يُقَالُ: قَرَى ضَيْفَهُ يَقْرِيهِ، فَهُوَ قَارٍ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ امْرَأَةً: [مِنَ الطَّوِيلِ] مِنَ الْمُهْدِيَاتِ المَاءَ بِالماءِ بَعْدَمَا … [رَمَى] (٣) بِالمَقَاري كُلَّ قَارٍ وَمُعْتِمِ (٤) القَارِي: الَّذِي يَقْرِي الضَّيْفَ، وَالْمُعْتِمُ: الَّذِي يَتَحَبَّسُ بِالقِرَى وَيُبْطِئُ بِهِ، وَالْمَقَارِي: جَمْعُ مِقْرَاءَ: مَا يُقْرَى فِيهِ (٥)، وَالمَقَارِي فِي بَيْتِ كَعْبِ بْنِ

стр. 627

زُهَيْرٍ (١): [مِنَ الكَامِل] قَوْمٌ إِذَا خَوَتِ النُّجُومُ فَإِنَّهُمْ … لِلطَّارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَارِي جَمْعُ مِقْراءَ أَيْ: كَثِيرِ الإِطْعَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ مَقْرِيٍّ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ حَسَنَةٌ، لأَنَّ العَرَبَ تُسَمِّي المِطْعَامَ جَفْنَةً، وَعَلَى هَذَا مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّ الْقَوْمَ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : (أَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ الجَفْنَةُ الغَرَّاءُ) (٢). وَيُقَالُ: فُلَانٌ ضَائفٌ أَيْ: نَزَلَ عَلَيْهِ ضَيْفٌ، وَخَوتِ النُّجُومُ أَيْ: أَخْلَفَتْ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَطَرٌ. وَ (النَّوائبُ): جَمْعُ نَائِبَةٍ، وَهِيَ مَا يَنُوبُ الإِنْسَانَ مِنَ الحَوادِثِ؛ سَوَاءٌ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا. قَالَ لَبِيدٌ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ] نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كِلَاهُمَا … فَلَا الخَيْرُ مَمْدُودٌ وَلَا الشَّرُّ لَازِبُ يَعْنِي: [ … ] (٤) عَوْنًا لِلشَّخْصِ عَلَى مَا يَنُوبُهُ.

стр. 628

وَ (وَرَقَة) وَاحِدَةُ الوَرَقِ. وَ (النَّوْفَلُ): كَثِيرُ العَطَاءٍ، قَالَ (١): [مِنَ البَسِيطِ] ........................ … يَأْبَى الظُّلامَةَ مِنْهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ وَ (الأَسَدُ): السَّبُعُ المَعْرُوفُ. وَ (العُزَّى): تَأْنِيتُ الأَعَزِّ. وَ (خَدِيجَةُ) فَعِيلَةٌ، مِنْ خَدَجَتِ النَّاقَةُ: إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا إِنْ كَانَ تَامًّا. وَ (تَنَصَّرَ)، أَيْ: صَارَ نَصْرَانِيًّا. وَ (الجَاهِلِيَّةُ): زَمَانُ الفَتْرَةِ. (وَالكَلامُ العِبْرَانِيُّ): هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ جَمِيعُ الكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ (٢). وَعَنَى بِـ (النَّامُوسِ): جِبْرِيلَ، وَالنَّامُوسُ: صَاحِبُ السَّرَّ، يُقَالُ: نَامَسْتَ الرَّجُلَ: إِذَا سَاوَرْتَهُ وَأَطْلَعْتَهُ [ .......... ] (٣) قَالَ الشَّاعِرُ (٤): [مِنَ الطَّوِيلِ]

стр. 629

فَأَبْلِغْ يَزِيدًا إِنْ عَرَضَتْ وَمُنْذِرًا … وَعَمَّيْهِمَا وَالْمُسْتَسِرَّ الْمُنَامِسَا وَعَلَى وَزْنِهِ: قَامُوسُ البَحْرِ وَهُوَ وَسَطُهُ، وَأَظُنُّ - بَلْ أَسْتَيْقِنُ - أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ النِّمْسِ، وَهُوَ دُويْبَّةٌ تَدِبُّ تَحْتَ الثَّرَى، هُوَ مِنَ الخَفَاءِ، وَمِنْهُ: نَامُوسُ الصَّائِدِ وَهِيَ قُتْرَتُهُ، لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي فِيهِ. وَ (الجَذَعُ): الشَّابُّ الفَتِيُّ، قَالَ (١): [مِنَ الكَامِلِ] ................... … جَذَعَ البَصِيرَةِ قَارِحَ الإِقْدَامِ (جَذَعًا) نَصْبٌ (٢) عَلَى الحَالِ، (يَا [لَيْتَنِي فِيهَا] (٣) جَذَعًا)، فَجَعَلَ (فِيهَا) خَبَرَ لَيْتَ، كَمَا أَنَّكَ تَقُولُ: لَيْتَ زَيْدًا فِي الدَّارِ. وَ (عُودِيَ): فُوعِلَ مِنَ العَدَاءِ، يُقَالُ: عَادَاهُ مُعَادَاةً مِنَ العَدَاوَةِ. وَقَوْلُهُ: (نَصْرًا مُؤَزَّرًا) أَيْ: قَوِيًّا مِنَ الأَزْرِ، وَهُوَ القُوَّةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٤). وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ (٥): [مِنَ الطَّوِيلِ]

стр. 630

أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ … وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ) أَيْ: لَمْ يَلْبَثْ. وَقَوْلُهُ: (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ لَا غَيْرُ، أَيْ: فُزِعْتُ، وَوَقَعَ فِي قَلْبِي الرَّوْعُ. وَقَوْلُهُ: (فَحَمِيَ الوَحْيُ) أَيْ: كَثُرَ، [ .... ] (١) كَتَتَابَع. وَقَوْلُهَا قَبْلَ هَذَا: (وَفَتَرَ الوَحْيُ) أَيْ: وَقَفَ، وَلَمْ يَنْزِلْ زَمَانًا، قَالَ وَرَقَهُ فِي ذَلِكَ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَإِنْ يَكُ حَقًّا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي … حَدِيثَكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا … مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ * * * * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٣) قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٤) قَالَ: جَمَعَهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَؤُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٥) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٦) ثُمَّ إِنَّ

стр. 631

عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ) (١). (عَبَّاسٌ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ العُبُوسِ. وَ (القُرْآنُ): اسْمٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ هَا هُنَا مَصْدَرُ قَرَأْنَاهُ، أَيْ: حَمَلْنَاهُ، يُقَالُ: مَا قَرَأَتِ النَّاقَةُ سَلًا قَطُّ، أَيْ: مَا حَمَلَتْ (٢)، وَأَصْلُ الكَلِمَةِ: الجَمْعُ. وَ (أَنْصَتَ) وَنَصَتَ: لُغَتَانِ بِمَعْنَى سَكَتَ، وَيَجُوزُ فِي الحَدِيثِ [حَذْفُ] (٣) الأَلِفِ، وَانْصِتْ بِكَسْرِهَا. وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَأَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وَيَبْتَدِئُ القِرَاءَةَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: اصْبِرْ حَتَّى يَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ، فَاحْفَظْهُ كَمَا يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ اقْرَأْهُ (٤). * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) (٥). قَوْلُهُ: (أَجْوَدَ) أَفْعَلَ مِنَ الجُودِ.

стр. 632

وَقَوْلُهُ: (فَيُدَارِسُهُ) أَيْ: يَقْرَأُ مَعَهُ، مِنْ دَرَسْتُ، أَيْ: قَرَأْتُ، وَالْمُدَارَسَةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالدَّرْسُ: القِرَاءَةُ عَلَى سُرْعَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَيْهِ، كَأَنَّكَ تَجْعَلُ الشَّيْءَ الَّذِي تَقْرَؤُهُ مُذَلَّلًا لَكَ، لِأَنَّ أَصْلَ الدَّرْسِ هُوَ [ … ] (١) وَالتَّذْلِيلُ، قَالَ سَلَامَةُ بنُ جَنْدَلٍ (٢): [مِنَ البَسِيطِ] شِيبِ الْمَبَارِكِ مَدْرُوسٍ مَدَافِعُهُ … هَابِي المَرَاغِ قَلِيلِ الوَدْقِ مَوْظُوبِ قَوْلُهُ: (شِيبِ الْمَبَارِكِ) أَيْ: لَهُ مَبَارِكٌ [ابْيَضَّتْ] (٣) مِنَ الجَدْبِ وَالصَّقِيعِ، (مَدْرُوسٍ مَدَافِعُهُ) أَيْ: قَدْ دَرَسَتْ وَوُطِئَتْ [ … ] (٤) وَدُقَّتْ وَأُكِلَ نَبْتُهَا، وَالدِّرَاسُ: الدِّيَاسُ. قَالَ ابن مَيَّادَةَ (٥): [مِنَ الرَّجَزِ] يَكْفِيكَ مِنْ بَعض ازْدِيَارِ الآفَاق … سَمْرَاءُ مِمَّا دَرَسَ ابْنُ مِخْرَاق (سَمْرَاءُ): حِنْطَةٌ، وَ (دَرَسَ): رَوَّضَ (٦). وَقَوْلُهُ: (مَوْظُوبٌ) أَيْ: وُظِبَ عَلَيْهِ حَتَّى أُكِلَ مَا فِيهِ. (هَابِي التُّرَابِ) أَيْ: مُنْتَفِخَ التُّرَابِ لَا يَتَمَرَّغُ فِيهِ بَعِيرٌ، قَدْ تُرِكَ لخَوفِهِ.

стр. 633

وَقَوْلُهُ: (أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) لِسُرْعَتِهِ فِيهِ، وَمُبَادَرَتِهِ إِلَيْهِ. * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ ( .... مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا تُرْجُمَانَهُ، وَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا؟ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرْبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُل لهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذَّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ سَخَطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، فَقَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلَ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا، وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ
следующие страницы →