← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 629–668 · переход к 634.

стр. 629

فَأَبْلِغْ يَزِيدًا إِنْ عَرَضَتْ وَمُنْذِرًا … وَعَمَّيْهِمَا وَالْمُسْتَسِرَّ الْمُنَامِسَا وَعَلَى وَزْنِهِ: قَامُوسُ البَحْرِ وَهُوَ وَسَطُهُ، وَأَظُنُّ - بَلْ أَسْتَيْقِنُ - أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ النِّمْسِ، وَهُوَ دُويْبَّةٌ تَدِبُّ تَحْتَ الثَّرَى، هُوَ مِنَ الخَفَاءِ، وَمِنْهُ: نَامُوسُ الصَّائِدِ وَهِيَ قُتْرَتُهُ، لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي فِيهِ. وَ (الجَذَعُ): الشَّابُّ الفَتِيُّ، قَالَ (١): [مِنَ الكَامِلِ] ................... … جَذَعَ البَصِيرَةِ قَارِحَ الإِقْدَامِ (جَذَعًا) نَصْبٌ (٢) عَلَى الحَالِ، (يَا [لَيْتَنِي فِيهَا] (٣) جَذَعًا)، فَجَعَلَ (فِيهَا) خَبَرَ لَيْتَ، كَمَا أَنَّكَ تَقُولُ: لَيْتَ زَيْدًا فِي الدَّارِ. وَ (عُودِيَ): فُوعِلَ مِنَ العَدَاءِ، يُقَالُ: عَادَاهُ مُعَادَاةً مِنَ العَدَاوَةِ. وَقَوْلُهُ: (نَصْرًا مُؤَزَّرًا) أَيْ: قَوِيًّا مِنَ الأَزْرِ، وَهُوَ القُوَّةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٤). وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ (٥): [مِنَ الطَّوِيلِ]

стр. 630

أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ … وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ) أَيْ: لَمْ يَلْبَثْ. وَقَوْلُهُ: (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ لَا غَيْرُ، أَيْ: فُزِعْتُ، وَوَقَعَ فِي قَلْبِي الرَّوْعُ. وَقَوْلُهُ: (فَحَمِيَ الوَحْيُ) أَيْ: كَثُرَ، [ .... ] (١) كَتَتَابَع. وَقَوْلُهَا قَبْلَ هَذَا: (وَفَتَرَ الوَحْيُ) أَيْ: وَقَفَ، وَلَمْ يَنْزِلْ زَمَانًا، قَالَ وَرَقَهُ فِي ذَلِكَ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَإِنْ يَكُ حَقًّا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي … حَدِيثَكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا … مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ * * * * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٣) قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٤) قَالَ: جَمَعَهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَؤُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٥) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٦) ثُمَّ إِنَّ

стр. 631

عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ) (١). (عَبَّاسٌ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ العُبُوسِ. وَ (القُرْآنُ): اسْمٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ هَا هُنَا مَصْدَرُ قَرَأْنَاهُ، أَيْ: حَمَلْنَاهُ، يُقَالُ: مَا قَرَأَتِ النَّاقَةُ سَلًا قَطُّ، أَيْ: مَا حَمَلَتْ (٢)، وَأَصْلُ الكَلِمَةِ: الجَمْعُ. وَ (أَنْصَتَ) وَنَصَتَ: لُغَتَانِ بِمَعْنَى سَكَتَ، وَيَجُوزُ فِي الحَدِيثِ [حَذْفُ] (٣) الأَلِفِ، وَانْصِتْ بِكَسْرِهَا. وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَأَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وَيَبْتَدِئُ القِرَاءَةَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: اصْبِرْ حَتَّى يَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ، فَاحْفَظْهُ كَمَا يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ اقْرَأْهُ (٤). * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) (٥). قَوْلُهُ: (أَجْوَدَ) أَفْعَلَ مِنَ الجُودِ.

стр. 632

وَقَوْلُهُ: (فَيُدَارِسُهُ) أَيْ: يَقْرَأُ مَعَهُ، مِنْ دَرَسْتُ، أَيْ: قَرَأْتُ، وَالْمُدَارَسَةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالدَّرْسُ: القِرَاءَةُ عَلَى سُرْعَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَيْهِ، كَأَنَّكَ تَجْعَلُ الشَّيْءَ الَّذِي تَقْرَؤُهُ مُذَلَّلًا لَكَ، لِأَنَّ أَصْلَ الدَّرْسِ هُوَ [ … ] (١) وَالتَّذْلِيلُ، قَالَ سَلَامَةُ بنُ جَنْدَلٍ (٢): [مِنَ البَسِيطِ] شِيبِ الْمَبَارِكِ مَدْرُوسٍ مَدَافِعُهُ … هَابِي المَرَاغِ قَلِيلِ الوَدْقِ مَوْظُوبِ قَوْلُهُ: (شِيبِ الْمَبَارِكِ) أَيْ: لَهُ مَبَارِكٌ [ابْيَضَّتْ] (٣) مِنَ الجَدْبِ وَالصَّقِيعِ، (مَدْرُوسٍ مَدَافِعُهُ) أَيْ: قَدْ دَرَسَتْ وَوُطِئَتْ [ … ] (٤) وَدُقَّتْ وَأُكِلَ نَبْتُهَا، وَالدِّرَاسُ: الدِّيَاسُ. قَالَ ابن مَيَّادَةَ (٥): [مِنَ الرَّجَزِ] يَكْفِيكَ مِنْ بَعض ازْدِيَارِ الآفَاق … سَمْرَاءُ مِمَّا دَرَسَ ابْنُ مِخْرَاق (سَمْرَاءُ): حِنْطَةٌ، وَ (دَرَسَ): رَوَّضَ (٦). وَقَوْلُهُ: (مَوْظُوبٌ) أَيْ: وُظِبَ عَلَيْهِ حَتَّى أُكِلَ مَا فِيهِ. (هَابِي التُّرَابِ) أَيْ: مُنْتَفِخَ التُّرَابِ لَا يَتَمَرَّغُ فِيهِ بَعِيرٌ، قَدْ تُرِكَ لخَوفِهِ.

стр. 633

وَقَوْلُهُ: (أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) لِسُرْعَتِهِ فِيهِ، وَمُبَادَرَتِهِ إِلَيْهِ. * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ ( .... مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا تُرْجُمَانَهُ، وَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا؟ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرْبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُل لهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذَّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ سَخَطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، فَقَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلَ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا، وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ

стр. 634

الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَن لَّا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّه لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشَرْافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَل يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الله، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمٍ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ

стр. 635

تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ اليَرِيسِيِّينَ وَ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيْظَهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ - صَاحِبُ إِيلْيَاءَ وَهِرَقْلَ - أُسْقُفًا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلْيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ! قَالَ ابن النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً، يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَة حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلَا يَهُمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَلْيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبَ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ.

стр. 636

ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ - وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ - وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حِيصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نُفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ، وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ) (١). (هِرَقْلُ): هُوَ صَاحِبُ حُرُوب الشَّامِ، عَظِيمُ الرُّومِ، مَلَكَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقُسْطَنْطِينُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَهُ هُوَ: قُسْطَنْطِينُ بنُ هِرَقْلَ، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ، وَحَرْبُ صِفِّينَ، مَلَكَ الرُّومَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَا يَنْصَرِفُ، لاجْتِمَاعِ التَّعْرِيفِ وَالعُجْمَةِ فِيهِ، قَالَ الفَرَزْدَقُ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَتَحْتَ لَهُمْ حَتَّى فَكَكْتَ قُيُودَهُمْ … قَنَاطِرَ مَنْ قَدْ كَانَ قَبْلَكَ قَنْطَرَا [ … ] مِنْ ضَرْبٍ كِسْرَى وَقَوْمِهِ … وخمرا مِنْ كَنْزَي هِرَقْلَ وقَيْصَرَا وَ (رَكْبٌ) جَمْعُ: رَاكِبٍ، كَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ، وَشَارِبٍ وَشَرْبٍ، وَصَاحِبٍ

стр. 637

وَصَحْبٍ، وَطَائِرٍ وَطَيْرٍ فِي قَوْلِ الكَافَّةِ إِلَّا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَإِنَّهُ مَعَهُمْ، ثُمَّ انْفَرَدَ، فَقَالَ: يُقَالُ: طَيْرٌ لِلْوَاحِدِ مَكَانَ الطَّائِرِ، قَالَ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدٌ … جَنِيبٌ وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ وَكَثِيرًا مَا نَجِدُ هَذَا فِي أَشْعَارِ العَرَبِ. (وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ) يَجُوزُ فِيهِ: (تُجَّارٌ) عَلَى وَزْنِ فَعَّالٍ، كَخُدَّامٍ، وَيَجُوزُ: (تِجَارٌ) أَيْضًا، قَالَ (٢): [مِنَ الْمُتَقَارِبِ] وَمَا إِنْ رَحِيقٌ سَبَتْهَا التِّجَارُ … ........................ (سَبَتْهَا) أَيْ: سَبَأَتْهَا، فَتَرَكَ الهَمْزَةَ. يُقَالُ: تَاجِرٌ، وَتُجَّارٌ، وَتَجْرٌ، وَتِجَارٌ عَلَى وَزْنِ صِحَاب بِالكَسْرِ فِي جَمْعِ صَاحِبٍ، وَهَذَا الجَمْعُ قَلِيلٌ جِدًّا، وَمِنْهُ: كَافِرٌ وَكِفَارٌ، وَأَنْشَدَ (٣): [مِنَ الوَافِرِ] وَشُقَّ البَحْرُ عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى … وَغُرِّقَتِ الفَرَاعِنَةُ الكِفَارُ وَقَوْلُهُ: (مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ) أَيْ: ضَرَبَ الْمُدَّةَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، أَيْ: ضَرَبَ مَعَهُ الْمُدَّةَ، كَوَادَّ وَحَادَّ وَشَادَّ.

стр. 638

وَ (إِيلْيَاءَ) قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الشَّامِ. وَ (تُرْجُمَانُهُ) هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ، وَتَرْجَمْتَ الشَّيْءَ: إِذَا بَيَّنْتَهُ، وَوَقَّفْتَ عَلَيْهِ غَيْرَكَ مِمَّنْ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ: تَرْجَمَةُ الأَبْوَابِ وَالكُتُبِ، وَتُرْجُمَانُ الْمَلِكِ: هُوَ مَنْ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ، فَيَسْمَعُ كَلَامَ أَنْوَاعِ النَّاسِ، فَيَنْقُلُهُ إِلَى الْمَلِكِ، وَيُبَيِّنُهُ لَهُ بِلِسَانِهِ. وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ: (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا) لأَنَّهُ هُوَ: أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بنُ حَرْبِ بن أُمَيَّةَ بن عَبْدِ شَمْسٍ بِنِ عَبْدِ مَنَافِ بن قُصَيِّ بن كِلَابٍ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ مُحَمَّدُ [بنُ عَبْدِ اللهِ] (١) بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بن هَاشِمِ بن عَبْدِ مَنَافٍ، فَهُوَ فِي التَّعَدُدِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ مِثْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ كَذَبَنِي) أَيْ: نَقَلَ إِلَيَّ الكَذِبَ، وَقَالَ الكَذِبَ فِي حَدِيثِهِ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، يُقَالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ، وَكَذَا نَظِيرُهُ: صَدَقَ، [قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ (٢)] (٣)، وَهُمَا مِنْ غَرَائِبِ الكَلَامِ، فَفَعَّلَ بِالتَّشْدِيدِ: يَقْتَصِرُ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَفَعَلَ بِالتَّخْفِيفِ: يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ (٤). أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ

стр. 639

كُذِبُوا﴾ (١) أَيْ: قِيلَ لَهُمُ الكَذِبَ، وَقَدْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ (٢). وَالآخَرُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: صَدَقَنِي [ … ] (٣). وَأَثَرْتَ الحَدِيثَ: إِذَا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ، وَمِنْهُ: المَأْثَرَةُ، (يَأْثِرُوا) أَيْ: يَذْكُرُوا. وَقَوْلُهُ: (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) أَيْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَكَذَبْتُ فِي قَوْلِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْ: لَكَذَبْتُ المَلِكَ، أَوِ التُّرْجُمَانَ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: (فَهَلْ يَغْدِرُ؟) أَيْ: هَلْ يَنْقُضُ العَهْدَ، يُقَالُ: غَدَرْتُ بِالرَّجُلِ أَغْدِرُ غَدْرًا: إِذَا لَمْ تَفِ لَهُ بِمَا وَعَدتَّهُ، يُقَالُ: وَفَّى بِذِمَّتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ (٤): [مِنَ الكَامِلِ] يَا حَارِ مَنْ يَغْدِرْ بِذِمَّةِ جَارِهِ … مِنْكُمْ فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدِرُ وَقَالَ آخَرُونَ: بالغَدْرِ يذكُرُهُ مُتَبَجِّحًا بِهِ. [مِنَ الكَامِلِ] قَالُوا غَدَرْتَ فَقُلْتُ: إِنَّ وَرُبَّمَا … نَالَ الْمُنَى وَشَفَى الغَلِيلَ الغَادِرُ (٥)

стр. 640

والغَدْرُ مَذْمُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، لَاسِيَّمَا عِنْدَ العَرَبِ، وَكَانَ أَبُو حَنْبَلٍ حَارِثُ بنُ مُسَيَّرٍ الطَّائِيُّ مِنْ وُفَاةِ العَرَبِ، وَكَانَتْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ عَظِيمَةٌ هَمَّ أَنْ يَغْدِرَ بِذِمَّةٍ عَهْدَهَا، وَفِيهِ قِصَّةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الوَادِيَ فَنَادَى: أَلَا إِنَّ أَبَا حَنْبلٍ غَادِرٌ، فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ الصَّدَى الجَبَلُ، ثُمَّ نَادَى: أَلَا إِنَّ أَبَا حَنْبَلٍ وَافٍ، فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ الصَّدَى، فَقَالَ: "هَذِهِ أَحْسَنُ مِنْ تِلْكَ"، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ، فَحَلَبَ جَذَعَةً مِنْ غَنَمِهِ، فَشَرِبَ لَبَنَهَا، وَمَسَحَ بَطْنَهُ، فَقَالَ: أَغْدِرُ وَقَدْ أَجْزَانِي لَبَنُ جَذَعَةٍ؟! فَوَفَّى، وَقَالَ (١): [مِنَ الوَافِرِ] [لَقَدْ آلَيْتُ] (٢) أَغْدِرُ فِي جَدَاعِ … وَلَوْ مُنِّيتُ أُمَّاتِ الرَّبَاعِ لِأَنَّ الغَدْرَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ … وَأَنَّ [الحُرَّ] (٣) يَجْزَأُ بِالكُرَاعِ إِلَّا أَنَّهُمْ [ … ] يَغْدِرُونَ لِضَرِورَةٍ تَلْحَقُهُمْ، وَلَيْسَ البَقَاءُ عَلَى الوَفَاءِ إِلَّا لِلرُّسُلِ كَمَا ذَكَرَهُ هِرَقْلُ. قَوْلُهُ: (الحَربُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سِجَالٌ) قَدْ ذَكَرَ مَا يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ، وَأَصْلُهُ فِي المُسَاقَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا سَجْلٌ مِنَ المَاءِ، وَلِذَلِكَ سَجْلٌ. وَالسَّجْلُ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ بِمَائِهَا، وَ [ … ] (٤) الْمُسَاجَلَةُ، ثُمَّ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّصِيبِ وَالحَظِّ مِنَ الشَّيْءِ، وَكَذَا الذَّنُوبُ الَّذِي بِمَعْنَاهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ

стр. 641

لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ (١) مَعْنَاهُ: نَصِيبًا مِنَ العَذَابِ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِأَصْحَابِهِمْ. وَقِيلَ: نَصِيبًا وَحَظًّا مِنَ الحَيَاةِ يَنْقَضِي كَنَصِيبِ غَيْرِهِمْ مِنْهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ - وَهُوَ حُذَافَةُ بنُ عَامْرٍ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَكُلُّ قُرَيْشٍ قَدْ أُصِيبَ بِنِعْمَةٍ … وَقَدْ نَالَ قَومِي مِنْ فِدَاكَ ذَنُوبُ وَقَالَ آخَرُ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ] ........... … فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نِدَاكَ ذَنُوبُ وَقَالَ (٤): [مِنَ الرَّجَزِ] إِنَّا إِذَا نَازَعَنَا شَرِيبُ … لَنَا ذَنُوبٌ [وَلَهُ ذُنُوبُ] وَقَالَ آخَرُ (٥): [مِنَ الرَّجَزِ] لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذُنُوبُ … فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ

стр. 642

وَ (بَشَاشَةُ الإِسْلَام): طَاقَتُهُ، وَأُبَّهَتُهُ وَانْشِرَاحُهُ، وَانْفَتَاحُهُ، وَوُضُوحُهُ. وَقَوْلُهُ: (أَخْلُصُ إِلَيْهِ) أَيْ: أَصِلُ، يُقَالُ: خَلَصَ إِلَيْهِ، أَيْ: وَصَلَ، وَتَخَلَّصَ: تَوَصَّلَ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ) أَيْ: لَتَكَلَّفْتُهُ، وَحَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى الارْتِحَالِ إِلَيْهِ وَلِقَائِهِ لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الوُصُولَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَعُوقَنِي عَنْهُ عَائِقٌ، فَأَكُونَ قَدْ تَرَكْتُ بِلَادِي وَمُلْكِي، وَلَمْ أَصِلْ إِلَى خِدْمَتِهِ وَلِقَائِهِ، وَغَسْلِ قَدَمَيْهِ. وَ (بُصْرَى) قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الشَّامِ أَيْضًا، يُجَادُ فِيهَا عَمَلُ السَّيْفِ، فَيُقَالُ: صَفَائِحُ بُصْرَى. قَالَ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] صَفَائِحُ بُصْرَى أَخْلَصَتْهَا قُيُونُهَا … .......................... وَقَوْلُهُ: (دِعَايَةُ الإِسْلَامِ) أَيْ: دَعْوَةُ الإِسْلَامِ، وَهُوَ كَالدِّرَايَةِ، وَالشِّكَايَةِ، وَالسِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ اليَرِيسِيِّينَ) كَذَا وَجَدْتُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (اليَرِيسِيِّينَ) بِاليَاءِ وَالنِّسْبَةِ (٢)، وَمَعْنَاهُ: الأَكَّارِينَ وَالزَّرَّاعِينِ.

стр. 643

وَالَّذِي أَعْرِفُهُ: الأَرِيسُ، وَجَمْعُهُ: أَرَارِيسُ، فَلَعَلَّ اليَرِيسِيَّ لُغَةٌ، وَلَمْ نَجِدْهَا، وَلَا سَمِعْنَا بِهَا، أَوْ صَحِيحَةٌ (الأَرِيسِيِّينَ) كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (١)، فَنُسِبَ أَرِيسٌ لَهُ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا قَالَ (٢): [مِنَ الرَّجَزِ] ................. … وَالدَّهْرُ بِالإِنْسَانِ دَوَّارِيُّ ثُم جَمَعَهُ (أَرِيسِيِّينَ)، ثُمَ أَبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ يَاءً، أَمَّا اليَرِيسِيُّ بِالفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ فَلَا أَعْرِفُهُ. وَقَوْلُهُ: (أَمِرَ أَمْرُ ابن [أَبِي] (٣) كَبْشَةَ) أَيْ: عَظُمَ وَصَارَ أَمْرًا، وَمِنْهُ: أَمِرَ القَوْمُ (٤)، أَيْ: عَظُمَ سَوَادُهُمْ [ .... ] (٥)، وَأَصْلُهُ الكَثْرَةُ يُقَالُ: أَمِرَ القَوْمُ، وَأَمِرَهُمُ اللهُ يُؤْمِرُهُمْ إِيمَارًا: إِذَا كَثُرُوا، وَمَالٌ آمِرٌ، أَيْ: كَثِيرٌ. قَالَ الشَّاعِرُ (٦): [مِنَ الْمُنْسَرِحِ] وَالإِثْمُ مِنْ شَرِّ مَا يُصَالُ بِهِ … وَالبِرُّ كَالخَيْرِ نَبْتُهُ أَمِرُ

стр. 644

وَقَالَ لَبِيدٌ (١): [مِنَ الْمُنْسَرِحِ] إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمِرُوا … يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهُلْكِ وَالنَّكَدِ وَ (ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ) يَقْصِدُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، لِأَنَّ أَبَا كَبْشَةَ رَجُلٌ كَانَ خَالَفَ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَآبَاؤُهُمْ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ [عَبَدَ] (٢) الشِّعْرَى العُبُور، فَجَعَلُوهُ ابْنًا لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّه يُشْبِهُهُ فِي مُخالَفَتِهِ لَهُمْ، وَدُعَائِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ الوَثَنِ. وَمِمَّنْ نَسَبَ مِنْ قُرَيشِ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَى [أَبِي] (٣) كَبْشَةَ: أَبُو سُفْيَانَ فِي قَوْلِهِ هَذَا، وَمِنْهُمْ: أُبَيُّ [بنُ] (٤) خَلَفٍ لَعَنَهُ اللهُ، وَقَدْ كَانَ لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ [فَقَالَ: لأَقْتُلَنَّكَ، فَقَالَ ﷺ : (بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ)، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ مِنَ الأَنْصَارِ (٥)، وَحَلِيفٌ لَهُمْ، [فَمَالَ] (٦) طَرَفٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : (أَلَا رَجُلٌ يَرُدُّ عَنَّا هَؤُلَاءِ)، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: (أَلَا رَجُلٌ)، فَيَقُومُ رَجُلٌ فَيُقَاتِلُ حَتَّى يُقْتَلُ، فَبَقِيَ رَسُولُ اللهِ وَالحَلِيفُ، وَبَصُرَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَيْسَ دُونَهُ أَحَدٌ، فَحَمَلَ [عَلَى] (٧) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: إِذَا دَنَا فَآذِنِّي، وَكَانَ أُبيٌّ

стр. 645

يُنَادِي، [فَكَأَنَّمَا يُنَاجِي] (١) صَخْرَةً، فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ هَمَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يُلْجِئَ ظَهْرَهُ إِلَى أَحُدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُبَيًّا قَدْ [غَشِيَكَ] (٢)، فَطَعَنَهُ ﷺ بِالعَنَزَةِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى أَصْحَابِهِ يَقُولُ: قَتَلَنِي ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ خَدْشٌ، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ بِأَهْلِ ذِي المَجَازِ لَقَتَلَتْهُمْ). رَاوِي هَذَا الحَدِيثِ: الْمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ (٣). (مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ)، أَيْ: مَلِكُ بَنِي الرُّومِ، وَالرُّومُ هُوَ الأَصْفَرُ، وَالرُّومُ هُوَ ابْنُ عَيْصُو، وَلَدَتْهُ لَهُ ابْنَةُ عَمَّهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ الرُّومُ رَجُلًا فِيهِ بَيَاضٌ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ. وَ (ابن النَّاطُورِ) عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الرُّومِ، وَكَانَ عارِفًا بِالنُّجُومِ، وَ (النَّاطُورُ) بِالطَّاءِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ: الحَافِظُ لِلزَّرْعِ، وَهُوَ مِنَ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الزَّرْعِ، وَالأَصْلُ: (النَّاظُورُ) بِالظَّاءِ المُعْجَمَةِ، ثُمَّ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ إِبْدَالُ الظَّاءِ مِنَ الطَّاءِ، فَلَا أَدْرِي أَهُوَ فِي لُغَةِ الرُّومِ، أَمْ هَذَا اسْمٌ آخَرُ؟! (٤) (وَسُقِّفَ) (٥) أَيْ: جُعِلَ سَقْفًا عَلَيْهِمْ.

стр. 646

وَالأَسْقُفُ: وَاحِدُ الأَسَاقِفَةِ: [ .... ] (١) النَّصَارَى، وَسُمِّيَ النَّصَارَى: لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَنَاصُرِهِمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ النَّصَارَى نَصَارَى لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ نَاصِرَةٌ. وَقِيلَ: سُمُّوا نَصَارَى لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ مِنَ النَّصْرِ، فَنَصَارَى جَمْعُ نَصْرَانٍ، فَعْلَانُ مِنَ النَّصْرِ، كَسَكْرَانُ وَسَكَارَى. وَنُنْشِدُ مَا أَنْشَدَ الفَرَّاءُ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ] تَرَاهُ إِذَا دَارَ العَشِيَّ مُحَنّفًا (٤) … تَرَاهُ وَيُضْحِي وَهُوَ نَصْرَانُ شَامِسُ يَصِفُ الحِرْبَاءَ، وَهِيَ دُوَيبَّةٌ تُشْبِهُ القَطَاةَ، إِلَّا أَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْهَا، تَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ، وَتَتَحَوَّلُ مَعَهَا إِذَا تَحَوَّلَتْ، فَشَبَّهَ إِقْبَالَهَا عَلَى القِبْلَةِ بِالإِسْلَامِ، وَتَحَوُّلَهَا عَنْهَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُهَا (٥): [مِنَ الطَّوِيلِ] إِذَا حَوَّلَ (٦) الظِّلَّ العَشِيُّ رَأَيْتَهُ … حَنِيفًا، وَفِي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنَصَّرُ

стр. 647

(خَبِيثَ النَّفْسِ): مَهْمُومًا غَيْرَ نَشِطٍ وَلَا مُتَبسِّطٍ، وَهُوَ ضِدُّ الطَّيِّبِ، يُقَالُ: طَابَتْ نَفْسُهُ: إِذَا كَانَ فَرِحًا مُنْفَتِحًا، وَخَبُثَتْ نَفْسُهُ: إِذَا صَارَ مَهْمُومًا. وَ (البَطَارِقَةُ): جَمْعُ بِطْرِيقٍ، يُقَالُ: بِطَرِيقٌ، وَبَطَارِيقُ، وَبَطَارِقَةٌ، كَطَيَالِيسَ وَطَيَالِسَةٍ، وَالبِطْرِيقُ: القَائِدُ بِلُغَةِ الرُّومِ، قَالَ الْمُتَنَبِّي (١): [مِنَ البَسِيط] كَمْ مِنْ حُشَاشَةِ بِطَرِيقِ تَضَمَّنَهَا … لِلبَاتِرَاتِ أَمِينٌ مَا لَهُ وَرَعُ (اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ) أَيْ: أَنْكَرْنَاهَا، وَرَأَيْنَاهَا مُخَالِفَةً لَهَا فِي سَائِرِ الأَيَّام، يُقَالُ: اسْتَنْكَرَ بِمَعْنَى أَنْكَرَ، قَالَ أَبُو نَوَّاسٍ (٢): [مِنَ السَّرِيعِ] وَلَيْسَ للهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدِ وَ (الهَيْئَةُ): السَّمْتُ وَالحَالَةُ. (وَالحَزَّاءُ) الكَاهِنُ، بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ: نَبْتٌ، وَهُوَ بِنَاءُ المُبَالَغَةِ، وَالحَازِنَةُ: الكَاهِنَةُ، وَالجَمْعُ: الحَوَازِي، وَقَدْ جَاءَ الحَوَازِي فِي الشِّعْرِ. (مَلِكَ الخِتَانِ): هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يَخْتَتِنُونَ (٣)، وَأَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، اخْتَتَنَ بِالقَدُومِ (٤). يُقَالُ: خَتَنْتُ الصَّبِيَّ خَتْنًا، وَاخْتَتَنَ اخْتِتَانًا.

стр. 648

وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ العَزِيزِ بن مَرْوَانَ، فَشَكَا خَتَنَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بن مَرْوَانَ: وَمَنَ خَتَنَكَ؟ قَالَ: خَتَنَنِي الخَتَّانُ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَلَى كَاتِبِهِ، وَقَالَ: مَا أَجَابَنِي عَنْ سُؤَالِي؟ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَلَامَكَ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ لَهُ: وَمَنْ خَتَنُكَ؟ قَالَ الأَعْرَابِيُّ: خَتَنِي فُلَانٌ، فَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: أَرَانِي أَتَكَلَّمُ بِمَا لَا تَعْرِفُهُ العَرَبُ! لَا خَالَطْتُ النَّاسَ حَتَّى أَفْهَمَ الإِعْرَابَ، فَشَغَلَ نَفْسَهُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ حَتَّى عَرَفَهَا، فَكَانَ يُعْطِي عَلَى الإِعْرَابِ، وَيُحْرِمُ عَلَى اللَّحْن (١). وَكَذَلِكَ كَانَ الفُصَحَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ؛ كَانُوا إِذَا خَاطَبَهُمْ مَنْ يَلْحَنُ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَعْنَى أَكْثَر مِنْ كَلَامِهِ. (فَلَا يَهُمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ) أَيْ: لَا يُحْزِنْكَ وَمِنْهُ: "هَمُّكَ مَا أَهَمَّكَ" (٢)، أَيْ: أَذَابَكَ مَا أَحْزَنَكَ. يُقَالُ: هَمَمْتُهُ فَانْهَمَّ، أَيْ: أَذَبْتُهُ فَذَابَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣). وَلَا أَعْرِفُ يَهُمَّنَكَ فِي الحُزْنِ، إِنَّمَا الهَمُّ: حَدِيثُ النَّفْسِ بِالشَّيْء، يُقَالُ:

стр. 649

هَمَمْتُ بِكَذَا وَلَمْ أَفْعَلْهُ، وَمِنْهُ: الهَمُّ وَهُوَ: الفِكْرُ، وَأَهَمَّهُ الأَمْرُ: إِذَا عُنِيَ بِهِ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِهِ، وَأَهَمَّنِي الشَّيْءُ فَهُوَ مُهِمٌّ لِي، وَيَهُمُّنِي: أَذَابَنِي، وَهَمَمْتُ بِالأَمْرِ: إِذَا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ الرَّاجِزُ (١): [مِنَ الرَّجَزِ] لَا يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ إِنْ هَمَّتْ بِهِمْ … كَثْرَةُ مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمْ (فَلَمْ يَرمْ حِمْصَ) أَيْ: لَمْ يَبْرَحْ، يُقَالُ: رَامَ يَرِيمُ، وَمَا رُمْتُ، وَلَمْ أَرُمْ، وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَعَ حَرْفِ النَّفْيِ. (الدَّسْكَرَةُ): كَالبِنَاءِ العَظِيمِ، وَهِيَ تُشْبِهُ القَصْرَ. قَالَ (٢): [مِنَ المديد] في قِبَابٍ وَسْطَ دَسْكَرَةٍ … عِنْدَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنِعَا (يَنِعَ): لُغَةٌ فِي أَيْنَعَ، وَهُمَا بِمَعْنَى: أَدْرَكَ. وَ (الفَلَاحُ): البَقَاءُ، وَخِصَالُ الخَيْرِ، وَيُقَالُ: لَيْسَ شَيْءٌ [أَجْمَعَ لِـ] (٣) خِصَالِ الخَيْرِ مِنَ الفَلَاحِ.

стр. 650

(١) وَ (حَاصُوا) أَيْ: نَفَرُوا يُقَالُ: حَاصَ: إِذَا نَفَرَ وَانْدَفَعَ بِسُرْعَةٍ، وَلَوْ رُوِيَ: (٢) (جَاضُوا جَيْضَةَ الوَحْشِ) لَاحْتَمَلَهُ المَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى جَاضَ: فَرَّ، قَالَ (١): [مِنَ (٣) الطَّويل] وَلَمْ نَدْرِ إِنْ جِضْنَا مِنَ المَوْتِ جَيْضَةً … كَمِ العُمْرُ بَاقٍ وَالمَدَى مُتَطَاوِلُ وَ (آنِفًا) أَيْ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَالأَنْفُ: أَوَّلُ الشَّيْء؛ وَمِنْهُ: أَنْفُ الإِنْسَانِ. وَآنِفًا مَأْخُوذٌ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (٢) أَيْ: مَاذَا قَالَ السَّاعَةَ، وَالمَعْنَى: مَاذَا قَالَ في أَوَّلِ وَقْتِ يَقْرُبُ مِنَّا. وَقَوْلُهُ: (آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ) أَيْ: آخِرَ أَمْرِهِ، وَقِصَّتِهِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 651

[كِتَابُ الإِيمَانِ] الإِيمَانُ بِاللهِ وَللهِ: التَّصْدِيقُ، وَأَمِنَ العَبْدُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْنِ، لِأَنَّ العَبْدَ إِذَا صَدَقَ الله أَمِنَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ دِينِهِ، فَلَمْ يَحِلَّ دَمُهُ وَلَا مَالُهُ (١)، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) (٢). وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ ؛ فَقَالَ [ … ] (٣) القُتَيْبِيُّ (٤): العَبْدُ [مُؤْمِنٌ] (٥) أَيْ: مُصَدِّقُ مُحَقِّقٌ، وَاللهُ مُؤْمِنٌ، أَيْ: مُصَدِّقٌ مَا وَعَدَهُ، وَمُحَقِّقُهُ، أَوْ قَابِلُ إِيمَانَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الله [مُؤْمِنٌ] (٦) لِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ عَبْدَهُ (٧) الْمُؤْمِنَ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصَدِّقُهُمُ الله . وَأَظْهَرُ مِنَ الكُلِّ أَنَّ مَعْنَاهُ وَاللهُ أَعْلَمُ: الَّذِي أَمِنَ عِبَادُهُ جَوْرَهُ، وَأَمِنَ أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْ عَذَابِهِ.

стр. 652

وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُو مُؤْمِنٌ) (١) الخَبَرَ. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَرَادَ نَفْيَ كَمَالِ الإِيمَانِ، كَمَا يُقَالُ: لَا فَتىً إِلَّا عَلِيٌّ، وَلَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الفَقَارِ، وَلَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَيُرَادُ بِهِ نَفْيُّ الْوَصْفِ، لَا نَفْيُّ الْأَصْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا زَنَا خَرَجَ مِنَ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ وَأَضْيقُ، إِلَى الإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ وَأَوْسَعُ. وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى وُقُوعِ الفَرْقِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَا ابْتِدَاءً خِلَّانِ، وَيَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ قَوْلُهُ : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢)، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الفُقَهَاءِ (٤).

стр. 653

وَالإِسْلَامُ: الدُّخُولُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالإِيمَانُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ أَخَصَّ، وَالإِسْلَامُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ. وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ لَمَّا لَاحَتْ لَهُ الأَدِلَّةُ، وَزَالَتْ عَنْ قَلْبِهِ الشُّبُهَاتُ فِي وَقْتِ حُضُورِ الْمَوْتِ الَّذِي لَا تَنْفَعُ عِنْدَه تَوْبَةٌ، قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ (١) أَيْ: أَخْلَصْتُ، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) أَيْ: مِنَ الْمُسْتَسْلِمِينَ، وَالدَّاخِلِينَ فِي شَرِيعَةِ الحَقِّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا لاِخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ (٤): [مِنَ الطَّويل] فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكًا … مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ فَنَسَقَ يَبْعُدُ عَلَى يَنْأَ، وَقَالَ آخَرُ (٥): [مِنَ الطَّويل] .................. … وَهِنْدُ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالبُعْدُ وَقَالَ (٦): [مِنَ الوَافِر]

стр. 654

فَإِنْ تَكُنِ الْمَنِيَّةُ أَقْصَدَتْهُ … وَحَمَّ عَلَيْهِ بِالتَّلَفِ القَضَاءُ فَقَدْ أَوْدَى بِهِ كَرَمٌ وَخَيْرٌ … وَعَوْدٌ بِالفَضَائِلِ وَابْتِدَاءُ وَالخَيْرُ: الكَرَمُ. وَقَالَ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ (١): [مِنَ الوَافِرِ] وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ … وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا وَهَذَا غَيْرُ مُحَصَّلٍ عِنْدِي، لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْغَى فِيهِ حَرْفٌ مِنَ الفَائِدَةِ مَعَ إِمْكَانِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلٍ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى مَعْنًى مُجَرَّدٍ (٢). وَقَالُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) مَعْنَاهُ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ القَتْلِ. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّهُ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، أَوْ مِنْ إِخْلَاصِ القَلْبِ، فَإِنَّا نُوقِعُ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا نُخَاطِبُهُمْ بِأُصُولِ الإِسْلَامِ وَفُرُوعِهِ. وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الإِسْلَام وَالإِيمَانِ، لأَنَّا لَا نَقُولُ: آمَنَ إِلَّا إِذَا كَانَ مُخْلِصًا لِوَجْهِ اللهِ وَنَقُولُ: أَسْلَمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَالِصٍ، وَكَلِمَةُ الإِسْلَامِ تَجْمَعُ المُخْلِصَ فِي الظَّاهِرِ.

стр. 655

وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، يَحْمِلُ قَوْلَهُ ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (١) أَيْ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ إِذَا اعْتَقَدَ تَحْلِيلَ الزِّنَا، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَالشَّارِبُ، وَالصَّحِيحُ القَوْلُ الأَوَّلُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ مُفَارِقٌ لِلإِيمَانِ: إِفْرَادُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي حَالِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ (٢). وَيُحْتَجُّ أَيْضًا بِقَوْلِ الأَئِمَّةِ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: الإِسْلَامُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (٣). قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤): لِيَزْدَادَ قَلْبِي إيمَانًا (٥).

стр. 656

وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ مِنَ العِلْمِ وَعِظَمِ القَدْرِ، وَالقَدَمِ السَّابِقَةِ فِيهِ بِمَنْزِلَةٍ لَا تَخْفَى!!، وَلَا يَذْكُرُ هَذَا إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (١): مَا الإِيمَانُ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ قَمِيصِ أَحَدِكُمْ يَلْبَسُهُ مَرَّةٌ، وَيَنْزِعُهُ أُخْرَى، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَمِنَ عَبْدٌ قَطُّ أَنْ يُسْلَبَ الإِيمَانَ إِلَّا سُلِبَهُ سَرِيعًا، ثُمَّ لَمْ يَجِدْ لَهُ فَقْدًا. وَقَوْلُ البُخَارِيِّ بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) (٢) وَهُوَ قَوْلٌ

стр. 657

وَفِعْلٌ: رَاجِعُ إِلَى الإِيمَانِ. وَالأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيُدُ وَيَنْقُصُ بِمَحَلٍّ مِنَ القِرَاءَةِ وَالسَّدَادِ لَيْسَ فَوْقَهُ مَحَلٌّ. وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ (١): سَمِعْتُ سُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ عُيَيْنَةَ: لَا تَقُلْ يَنْقُصُ، فَغَضِبَ وَقَالَ: اسْكُتْ يَا صَبِي!! بَلْ يَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ: (مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) أَيْ: مَا ثَبَتَ فِيهِ (٢)، وَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. وَقَوْلُهُ: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) كَأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الأَشْيَاءُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الإِسْلَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مَا لَمْ يَشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَإِنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالحَجِّ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَإِنَّا نَحْكُمُ فِي الوَقْتِ بِإِسْلَامِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّهُ

стр. 658

مُسْلِمٌ، ثُمَّ إِذَا أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ هَذِهِ الأَحْكَامِ المَذْكُورَةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى الإِسْلَامِ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ إِسْلَامِهِ، إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ بَيَانَ أَنَّ الإِسْلَامَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ وَوُجُودِهَا مَعَهُ جَعَلَهُ مَبْنِيًّا [عَلَيْهَا] (١)، وَلِهَذَا المَعْنَى سَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَهَادَةِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الإِسْلَامَ بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الإِسْلَامِ: الاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ الله ، وَالخُضُوعُ لَهُ. وَ (إِيتَاءُ الزَّكَاةِ): إِعْطَاؤُهَا، يُقَالُ: آتَيْتَهُ الشَّيْءَ: إِذَا أَعْطَيْتَهُ إِيَّاهُ. وَأَمَّا أُمُورُ الإِيمَانِ فَهِيَ مَا ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٢) وَقُرِئَ (٣): البِرُّ، وَالبِرَّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) فَأَفْلَحَ: دَخَلَ فِي الفَلَاحِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الإِحَاطَةَ بِهَا فَاقْرَأْهُمَا.

стр. 659

* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ - (١): وَهُوَ ابْنُ دَوْسِ بن عَدْنَانَ بن عَبْدِ اللهِ بن رَهْوَانَ بن الْأَزْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَأَكْثَرُوا (٢)؛ فَقَالَ الوَاقِدِيُّ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَبْدُ عُمَرَ بن عَبْدِ غَنَمٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ شَمْسٍ، وَيُقَالُ: عُمَيْرُ بنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: جُرْثُومٌ. وَيُكَنَّى بِهُرَيْرَةَ: تَصْغِيرُ هِرَّةٍ، وَهِيَ السِّنَّوْرَةُ. (بِضْعَةٌ وَسِتُّونَ) أَيْ: سِتُّونَ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَالأَمْثَلُ: زَعَمُوا أَنَّهُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى تِسْعَةٍ، وَكَذَا (بِضْعٌ) بِلَا هَاءٍ. وَأَمَّا (الشُّعْبَةُ) فَهِيَ الْمُتَشَعِّبُ مِنَ الشَّيْء (٣) الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهِ، أَيْ: كَذَا وَكَذَا خَلَّةً وَخَصْلَةً. وَهَذِهِ الخِصَالُ الَّتِي عَدَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ عَلَى مَا عَنَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عَلَى سَبِيلِ الكَمَالِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُحِيطُ عِلْمًا بِأَكْثَرِهَا، ثُمَّ إِيمَانُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وُجُودِ هَذِهِ الخِصَالِ فِيهِ. (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (٤) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيَ أَصْلِ الإِسْلَام عَمَّنْ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ هُوَ إِذَا أَتَى الخِصَالَ الخَمْسَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا

стр. 660

كَانَ مُسْلِمًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِصِفَةِ الكَمَالِ، لأنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانُوا فِي تَهِيُّبٍ مِنْهُ، دَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى خَلَلٍ فِي العَقِيدَةِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ الْمُلْتَزِمِينَ أَحْكَامَ الإِسْلَامِ، وَأَصَّلَ لَهُمْ: [أَيُّهَا] (١) الْمُسْلِمُونَ، قَدْ حَصَلَ لَكُمْ أَصْلُ الإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ كَمَالَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى سَلَامَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْكُمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (المُهَاجِرُ [مَنْ هَجَرَ] (٢) مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) أَيْ: بِمُفَارَقَتِكُمُ الوَطَنَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمُ اسْمُ الهِجْرَةِ، وَأَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ، وَإِنَّمَا الْمُهَاجِرُونَ الآنَ مَنْ يَهْجُرُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. فَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ هَذَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَجْعَلُ غَيْرَهُ فِي سَلَامَةٍ مِنْ نَفْسِهِ ذَهَابًا بِهِ إِلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: الرَّجُلُ فُلَانٌ، أَيْ: الرَّجُلُ عَلَى صِفَةِ الكَمَالِ، أَوِ: الرَّجُلُ كَالرَّجُلِ فَلَانٍ. وَ (سَلِمَ) فَعِلَ مِنَ السَّلَامَةِ، يُقَالُ: سَلِمَ مِنْ مَرَضِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُسْلِمُ عَلَى الكَمَالِ، سُؤَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (٣). أَيْ: إِذَا حَصَّلَ [ … ] (٤) هَذِهِ الصِّفَةِ، كَانَ الإِسْلَامُ بِصِفَةِ الأَفْضَلِيَّةِ وَالكَمَالِ، وَلَمْ يَسْأَلْ مَا الإِسْلَامُ؟ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى (٥) الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ بَعْدَ هَذَا.

стр. 661

وَ (مُوسَى) قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُفْعَلٌ - مِنْ أَوْسَيْتُ رَأْسَهُ إِذَا حَلَفْتُهُ، أُوسِيهِ، فَأَنَا مُوسِي، وَهُوَ مُوسَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (١): هُوَ فُعْلَى كَحُبْلَى، وَهُوَ مِنْ: مَاسَيْتَ رَأْسَهُ بِمَعْنَى حَلَقْتَهُ أيضًا. * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو (٢). و (العَمْرُ) بِالفَتْحِ لُغَةٌ فِي العُمْرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي القَسَمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ (٣). وَالعَمْرُ وَاحِدُ عُمُورِ الأَسْنَانِ، وَهِيَ اللَّحْمُ بَيْنَهُمَا، وَالعَمْرُ: الشَّنْفُ، وَالنَّخْلُ الطَّوِيلُ، وَلَا أَدْرِي هَذِهِ الأَشْيَاءَ نَوَى تَسْمِيَتَهُ. وَقَوْلُهُ: (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ) أَيْ: أَيُّ خِصَالِ الإِسْلَامِ خَيْرٌ، فَحُذِفَ الْمُضَافَ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامِهُ وَإِنْ كَانَ الكَلَامُ يَتَّصِفُ فِي نَفْسِهِ بِالخَبَرِيَّةِ بِوُجُودِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ فِيهِ، وَخَصْلَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ تَقْتَضِيهِ، إِلَّا أَنَّا تَلَقَّيْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الجَوَابِ، لأَنَّهُ إِنَّمَا أصا [ ......... ] (٤) بِخِصَالِ الإِسْلَامِ، وَهُوَ إِطْعامُ الطَّعَامِ، وَقِرَاءَةُ السَّلَامِ، وَفُهِمَ مِنْهُ ﷺ : أَيُّ خِصَالِ الإِسْلَامِ خَيْرُ؟ فَأَخْرَجَ الجَوَابَ عَلَى وَفْقٍ فَاتَّبَعْنَاهُ.

стр. 662

وَجَعَلَ خَيْرَ خِصَالِهِ: إِطْعَامَ الطَّعَامِ، وَهُوَ مِنْ مَعَاظِمِ العِبَادَاتِ، وَكَذَلِكَ جَعَلَهُ بَدَلًا عَنِ الصَّوْمِ فِي إِجْزَائِهِ عَنِ الكَفَّارَةِ الَّتِي هِيَ لِتَمْحِيصِ الكَبَائِرِ وَمَحْوِ الجَرَائِمِ. وَالْمُرَادُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ حِينَ لَا تَلْزَمُ الكَفَّارَةُ وَالسَّبَبُ. وَقَوْلُهُ: (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفُ) فِيهِ حَذْفٌ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: عَرَفْتَ وَلَمْ تَعْرِفْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسْلِيمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مِنْ عُدَاةِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ (١). إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا حَذَفَهُ، فَقَدْ قَالَ: السَّلَامُ تَحِيَّةُ الإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يَكُونُ لِخَالِص وَجْهِ اللهِ إِذَا صَدَرَ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ. فَأَمَّا إِذَا كُنْتَ عَارِفًا بِالشَّخْصِ؛ فَرُبَّمَا يَكُونُ تَسْلِيمُكَ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَالاتِّصَالِ بِهِ، فَإِذَا سَلَّمْتَ عَلَى مَنْ لَمْ تَسْبِقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ، ظَهَرَ أَنَّكَ إِنَّمَا سَلَّمْتَ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى خَالِصًا، وَلِمُرَاعَاةِ أُخُوَّةِ الإِسْلَامِ، وَالْمُوَافَقَةِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ دَاخِلًا في الخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ، فَقَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ) أَيْ: عَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْهُ إِلَّا بِالإِسْلَامِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَقِفْ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَشَكَكْتَ فِيهِ فَلَا تَهْرِفْ بِمَا لَا تَعْرِفْ.

стр. 663

* حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ - (١): (أَنَسٌ): مَصْدَرُ أَنِسَ بِالشَّيْءِ يَأْنَسُ بِهِ أُنسًا. قَدْ دَلَّكَ ﷺ عَلَى مَعْرِفَةِ الإِيمَانِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ أَمْ لَا؟ فَانْظُرْ: فَإِنْ أَحْبَبْتَ لأَخِيكَ فِي الإِسْلَام، وَاخْتَرْتَ لَهُ مَا تَخْتَارُ لِنَفْسِكَ، فَقَدْ فُزْتَ، وَاتَّصَفْتَ بِصِفَةِ الإِيمَانِ، وَإِنْ فَرَّقْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فِي إِرَادَةِ الخَيْرِ وَكَرَاهِيَّةِ الشَّرِّ، فَلَمْ تَتَحَصَّلْ عَلَى حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، فَاعْلَمْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الأَمْنِ، أَيْ: إِنَّهُ يُؤَمِّنُ أَخَاهُ الَّذِي هُوَ مَعَهُ عَنْ أَنْ يَضِيمَهُ، أَوْ يُرِيدَ بِهِ شَرًّا، أَوْ يَخْذِلَهُ، أَوْ يَكْتُمَهُ خَيْرًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ هَذَا إِذَا سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، فَكَانَ وُصُولُ الشَّرِّ إِلَى أَخِيهِ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ حُصُولُهُ عَلَى الخَيْرِ أَثَرَ مِنْ حُصُولِ أَخِيهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ أَمَانًا تَامًّا (٢). وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَيْضًا: (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ) (٣). (الحُبُّ): مَيْلُ القَلْبِ إِلَى الشَّخْصِ، مِنْ حَبَّةِ القَلْبِ وَسُوَيْدَائِهِ، يُقَالُ: أَحَبَّ يُحِبُّ إِحْبَابًا، وَالحُبُّ: الاِسْمُ. وَأَمَّا (حَلَاوَةُ الإِيمَانِ) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ (٤) فَهُوَ حُسْنُهُ.

стр. 664

يُقَالُ: حَلَا الشَّيْءُ فِي الفَمِ: صَارَ حُلْوًا، فَإِنْ حَسُنَ فِي العَيْنِ [أَوِ القَلْبِ] (١) قِيلَ: حَلَا بِعَيْنِي، وَمَصْدَرُهُمَا: الحَلَاوَةُ. وَقَوْلُهُ: (يُقْذَفَ) أَيْ: يُرْمَى. * * * * وَأَمَّا حَدِيثُ: (حُبُّ الأَنْصَارِ … ) مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَيْضًا (٢): فـ (الأَنْصَارُ) جَمْعُ نَاصِرٍ، وَهُوَ جَمْعٌ يَقِلُّ، وَمِثْلُهُ: شَاهِدٌ وَأَشْهَادٌ، وَصَاحِبٌ وَأَصْحَابٌ. * * * * حَدِيثُ عُبَادَة (٣): (عُبَادَةُ) فَعَالَةٌ مِنْ: عَبَدَ فُلَانٌ فُلانًا: إِذَا خَضَعَ لَهُ وَأَذْعَنَ. وَ (الصَّامِتُ): اسْمُ الفَاعِلِ مِنْ صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وَصُمَانًا إِذَا سَكَتَ. (النُّقَبَاءُ): وَاحِدُ النَّقِيبِ، وَهُوَ شَاهِدُ القَوْمِ وَضَمِينُهُمْ، وَقَدْ نَقُبَ عَلَيْهِمْ. وَ (العِصَابَةُ) وَالعُصْبَةُ: الجَمَاعَةُ، وَالعِصَابَةُ أَيْضًا: خِرْقَةٌ تُشَدُّ عَلَى الجَبْهَةِ فِي الحُرُوبِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الإِحَاطَةِ، يُقَالُ: عَصَبَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا أَحَاطَ بِهِ، وَمِنْهُ: عُصْبَةُ الرَّجُلِ لِقَرَابَتِهِ لِأَبِيهِ.

стр. 665

وَ (المُبَايَعَةُ): مُفَاعَلَةٌ مِنَ البَيْعَةِ، وَهِيَ عَقْدُ عَهْدِ الإِمَامِ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. وَخَصَّ القَتْلَ بِالأَوْلَادِ لِمَعْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا: [أَنَّ قَتْلَهُمْ] (١) هُوَ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِمْ، [وَهُوَ الوَأْدُ] (٢)، وَهُوَ أَشْنَعُ القَتْلِ. [وَثَانِيهِمَا] (٣): لأَنَّهُ قَتْلٌ وَقَطِيعَةُ رَحِمٍ، فَصَرَفَ العِنَايَةَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا صَرَفَهُ إِلَى قَتْلِ غَيْرِهِمْ [ … ] (٤) أَنْ يُبَايِعَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ فِي ابْتِلَاءِ النِّسَاءِ الْمُهَاجِرَاتِ، وَهُوَ جل وعلا إِنَّمَا ذَكَرَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ [وَغَيْرَهُ] بِمَا يُعِينُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ (٥) عَلَى ذَلِكَ. وَالبُهْتَانُ: الكَذِبُ الْمُوَاجَهُ بِهِ، بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بَهْتًا، ثُمَّ شَاعَ (٦)، وَاسْتُعْمِلَ فِي حَقِّ كُلِّ [إِنْسَانِ] (٧) وَاجَهَ إِنْسَانًا بِشَيْءٍ يُحَيِّرُهُ صِدْقًا كَانَ أَوْ كَذِبًا، قَالَ اللهُ :

стр. 666

﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (١)، وَتَقُولُ إِذَا تَعَجَّبْتَ لِمَنْ بَهَتَ الرَّجُلَ: يَا لَلْبَهِيتَةِ، وَالرَّجُلُ: بَاهِتٌ وَبَهَّاتٌ وَمُبَاهِتٌ، وَبَهُوتٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (اليَهُودُ قَوْمٌ بُهْتٌ) (٢) أَيْ: مُوَاجِهُونَ بِالكَذِبِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) فَقَدْ ذَكَرَ الخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَينِ (٣): أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمَقْصُودَ إِضَافَةُ عَمَلِ كُلِّ البَدَنِ إِلَى هَذَيْنِ العُضْوَينِ، لِحُصُولِ الكَثْرَةِ بِهِمَا، وَهَذَا هُوَ المُخْتَارُ فِي الحَدِيثِ. وَالثَّانِي: أَنَّه قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ بِالعُيُوبِ كِفَاحًا، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ: بِحَضْرَتِكَ، وَلَمْ يُصِبْ فِي هَذَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ العَرَبَ وَإِنْ قَالَتْ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ أَيْدِي القَوْمِ، أَيْ: بِحَضْرَتِهِمْ، فَلَمْ تَقُلْ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ أَرْجُلِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ هَذَا الْبَتَّةَ، وَلَا فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَاعْلَمْ. * * * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٤)، وَاسْمُهُ: سَعْدُ بنُ مَالِكِ بن سِنَانٍ. (سَعِيدٌ): فَعِيلٌ مِنْ سَعِدَ، كَكَبِيرٍ مِنْ كَبِرَ، وَالسَّعَادَةُ: ضِدُّ الشَّقَاوَةِ. وَ (الخُدْرِيُّ): مَنْسُوبٌ إِلَى خُدْرَةٍ، وَهُمْ مِنَ اليَمَنِ (٥)، وَهِيَ السَّوَارُ الْمُطِلُّ

стр. 667

كَالحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ. وَالأَصْلُ فِيهِ: التَّسَتُّرُ، وَمِنْهُ الخَدْرُ، وَأَسَدٌ خَادِرٌ، وَالخُدَارِيَةُ: العُقَابُ، سُمِّيَ بِهِ لِمَوْنِهِ، وَاللَّيْلُ الخُدَارِيُّ وَهُوَ الْمُظْلِمُ، وَلَعَلَّ الأَخْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ حِمَارُ الوَحْشِ مِنْ هَذَا أُخِذَ أَيْضًا لِتَوَحُّشِهِ، وَسُكُونِهِ رُؤُوسَ الجِبَالِ، وَتَسَتُّرِهِ فِي الْأَغْلَبِ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. قَوْلُهُ ﷺ (يُوشِكُ) أَيْ: يَقْرُبُ، يُقَالُ: أَوْشَكَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا إِذَا قَرُبَ، وَالوَشِيكُ: السَّرِيعُ، وَوَشْكَانُ: مَا كَانَ كَذا فِي مَعْنَى عَجْلَانَ، وَوَاشَكَ وِشَاكًا: إِذَا أَسْرَعَ السَّيْرَ. وَيَجُوزُ (يَتَّبِعُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَ (يَتْبَعُ) بِسُكُونِهَا، فَإِذَا كَانَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهُوَ مِنْ: اتَّبَعَهُ، وَإِذَا كَانَ (يَتْبَعُ) بِالسُّكُونِ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ تَبِعْتُهُ، أَوْ مِنْ اتَّبَعْتُهُ. وَ (الشَّعَفُ) جَمْعُ الشَّعْفَةِ، وَهِيَ أَعْلَى الجَبَلِ. وَ (مَواقِعَ القَطْرِ): يُرِيدُ الأَوْدِيَةَ وَالرِّحَابَ وَالبَرَارِي. وَوَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرَ أَمْوَالِهِمْ: أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فِتَنٌ وَعَذَابٌ وَفَسَادٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِذَا حَضَرَتْ تِلْكَ الفِتَنُ وَالعَذَابُ أَصَابَتِ [ ........ ] (١) الأَشْرَار مِنْهُمُ الرُّبَى وَغَيْرَهُ مِنَ الجِنَايَاتِ الجَارِيَةِ فِي الْأَمْوَالِ، فَمَنْ يَكُونُ لَهُ غَنَمٌ فَإِنَّهَا تَنْمُو [ ........ ] (٢) صَاحِبِهِ عَلَى الذَّبْحِ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَابٍ وَتَقَلُّبٍ مِنْهُ فِي طَلَبِهِ، وَلَا اخْتِلَاطٍ مِنْهُ بِالنَّاسِ مَعَ فَسَادِهِمْ، وَارْتِفَاعِ الأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ مِنْ بَيْنِهِمْ،

стр. 668

فَلَمَّا كَانَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الرِّفْقِ فِي الذَّبْحِ، وَصِيَانَةِ الدِّينِ كَانَ خَيْرَ الأَمْوَالِ الَّتِي يَعْتَنِي بِهَا المُسْلِمُ. * * * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ) (١). مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ وَيُدَاوِمُونَ، فَإِنْ كَانُوا هُمْ ﵃ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ وَأَعْظَمُ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَاقِبَةِ الأَمْرِ، (فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى) (٢) وَخَيْرُ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ (٣). فَلَمَّا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِأَحْوَالِهِمْ غَضِبَ لِذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْلَمُ بِأُمورِكُمْ، وَأَعْرَفُ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْمَرُوا بِهِ. وَقَوْلُهُمْ: (إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) أَيْ: لَيْسَتْ هَيْئَتُنَا كَهَيْئَتِكَ. وَ (الهَيْئَةُ): الحَالَةُ، فَحَذَفُوا الْمُضَافَ وَأَقَامُوا الْمُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، قَالَ
следующие страницы →