← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 2239–2278 · переход к 2244.

стр. 2239

الظُّهُورِ) (١) أَيْ: أَنَّهُمْ أَعِفَّاءُ عَنْ أَموَالِ النَّاسِ، وَفِي الحَدِيثِ: (تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا) (٢). وَقَوْلُهُ: (انْكَفَيْتُ) أَصْلُ الكَلِمَةِ مَهْمُوزَةٌ، وَمَعْنَاهَا: انْقَلَبْتُ. وَقَوْلُهُ: (بُهَيْمَةً) تَصْغِيرُ بَهْمَةٍ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الغَنَمِ. وَقَوْلُهُ: (دَاجِن) أَيْ: مَا يُرَبَّى فِي البَيْتِ وَلَا يَخْرُجُ إِلَى الْمَرْعَى. (فَحَيَّ هَلَا) كَلِمَةُ اسْتِدْعَاءٍ، وَفِيهَا حَثٌّ وَاسْتِعْجَالٌ. وَقَوْلُهُ: (لَتَغِطُّ) أَيْ: أَنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ، تَفُورُ فَيُسْمَعُ لَهَا غَطِيطٌ. وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ (حَتَّى أَغْمَرَ، بطنَهُ، أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ) (٣): (أَغْمَرَ) لَيْسَ

стр. 2240

بِمَحْفُوظٍ، وَأَصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ اللَّبْسِ وَالاِلْتِبَاسِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَنَسْوَاتُهَا تَنْظُفُ) (١)، وَفِي رِوَايَةِ مَحْمُودٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (وَنَوْسَاتُهَا) (٢) (نَسْوَاتُهَا): لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَنَوْسَاتُهَا، أَيْ: ذُؤَابَتُهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ جَاءَ وَذَهَبَ فَقَدْ نَاسَ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): النَّوْسُ: الاِضْطِرَابُ، قَالَ الرَّاجِزُ (٤): [من الرَّجَز] .................. … عَلَى البَعِيرِ نَائِسًا ذَبَاذِبِي وَإِنَّمَا سُمِّيَ البَسَنِي ذَا نَوَّاسِ (٥): لِذُؤَابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ كَانَتَا تَنُوسَانِ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ (فَلَمْ تَرْتَفِعْ لِلنَّاسِ طَبَاخٌ) (٦)، كَذَا فِي الكِتَابِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَالصَّحِيحُ: (وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ) وَفِي نُسْخَةٍ: (وَفِي النَّاسِ طَبَاخٌ)، وَالْمَحْفُوظٌ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالبَاءُ مُخَفَّفَةٌ.

стр. 2241

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): لَيْسَ بِهَا طَبَاخٌ، أَيْ: قُوَّةٌ، وَامْرَأَةٌ طَبَاخِيَّةٌ: مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ شَابَّةٌ، وَالطِّبَاخَةُ: طِبَاخَةُ القِدْرِ، وَهِيَ الَّتِي تَفُورُ مِنْ زَبَدِهَا. وَقَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٢): فُلَانٌ لَا طَبَاخَ لَهُ، أَيْ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَصْلُ الطَّبَاخِ: القُوَّةُ والسِّمَنُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ قَالَ: (ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣)، تَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَذُبُ عَنْهُ بِالشِّعْرِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): النَّفْحُ: نَفْحُ الدَّابَّةِ بِرِجْلِهَا، وَهُوَ رَمْيُهَا، وَفِي الحَدِيثِ: (أَوَّلُ نَفْحَةٍ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ) (٥) أَيْ: أَوَّلُ فَوْرَةٍ تَفُورُ، يُقَالُ: نَفَحَ الطَّيِّبُ إِذَا هَاجَتْ رَائِحَتُهُ، وَنَفَحَهُ بِالسَّيْفِ إِذَا تَنَاوَلَهُ بِهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَنَفَحَتِ الدَّابَّةُ إِذَا رَمَتْ بِحَافِرِهَا فَضُرِبَتْ بِهِ. وَفِي حَدِيثِ مَسْرُوقٍ: (دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَعِنْدَهَا حَسَّانُ يُنْشِدُهَا

стр. 2242

أَبْيَاتًا لَهُ (١): [من الطَّوِيل] حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ يُقَالُ: امْرَأَةٌ حَصَانٌ: بِفَتْحِ الحَاءِ: بَيِّنَةُ الحِصْنِ. وَقَوْلُهُ: (مَا تُزَنُّ) أَيْ: مَا تُتَّهَمُ، يُقَالُ: أَزْنَنْتُ الرَّجُلَ بِالشَّيْءِ: إِذَا اتَّهَمْتُهُ بِهِ. وَ (غَرْثَى) أَيْ: جَائِعَةٌ، يُقَالُ: رَجُلٌ غَرْثَانُ، وَامْرَأَةٌ غَرْثَى، يُرِيدُ: أَنَّهَا لَا تَغْتَابُ النَّاسَ، فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْكُلُ لُحُومَهُمْ، لَكِنَّهَا جَائِعَةٌ مِنْ لُحُومِ النَّاسِ. وَ (الرَّزَانُ): الرَّزِينَةُ، يُقَالُ: رَجُلٌ رَزِينٌ وَامْرَأَةٌ رَزَانٌ. وَفِي حَدِيثِ مَرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ (٢): (وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحْفَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ): حُفَالَةُ التَّمْرِ وَحُثَالَتُهُ: رَدِيئُهُ، وَهُوَ آخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهُ، وَالفَاءُ وَالثَّاءُ يَتَعَاقَبَانِ كَقَوْلِكَ: جَدَثَ وَجَدَفَ. وَفِي حَدِيثِ أَسْلَمَ: (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا، إِلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ ﵁: ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ) (٣). قَوْلُهَا: (مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا) تُرِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَكْفُونَ أَنْفُسَهُمْ خِدْمَةَ مَا يَأْكُلُونَهُ.

стр. 2243

وَ (الضبع): اسْمُ السَّنَةِ وَالجَدْب. وَ (بَعِيرٌ ظَهِيرٌ) أَيْ: قَوِيُّ الظَّهْرِ، شَدِيدٌ. وَقَوْلُهُ: (نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ)، نَسْتَفْعِلُ مِنَ الفَيْءِ، وَالفَيْءُ الغَنِيمَةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ فَاءَ إِذَا رَجَعَ، لأَنَّهُ (١) مَالٌ اسْتَرْجَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ﴾ (٢)، أَيْ: يَتَنَقَّلُ، وَالظُّلُّ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٣)، أَيْ: مَا رَدَّ. وَالفَيْءُ: مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَالغَنِيمَةُ: مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلظِّلٌّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْءٌ، لأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ جَانِبِ المَشْرِقِ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (٤)، أَيْ: حَتَّى تَرْجِعَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاءُو فَإِنَّ﴾ (٥) أَيْ: رَجَعُوا. * * * وَفِي حَدِيثِ أَسْلَمَ: فَقَالَ عُمَرُ ﵁: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ) أَيْ: يَا عُمَرُ. (نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ) (٦)، يُقَالُ: نَزَرْتُ

стр. 2244

الرَّجُلَ أَنْزُرُهُ إِذَا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ (١): النَّزْرُ: الإِلْحَاحُ فِي السُّؤَالِ. يَقُولُ: أَلْحَحْتَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِكَ إِلْحَاحًا أَدَّبَكَ بِسُكُوتٍ عَنْكَ، وإِضْرَابِهِ عَنْ جَوَابِكَ. وَقِيلَ: عَطَاءٌ مُنْزَوِرٌ إِذَا اسْتُخْرِجَ بَعْدَ شِدَّةِ سُؤَالٍ وَإِلْحَاحٍ، قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [من الطويل] فَخُذْ عَفْوَ مَنْ آتَاكَ لَا تَنْزُرَنَّهُ … فَعِنْدَ بُلُوغِ الكَدْرِ رَنْقِ الْمَشَارِبِ * * * * وفِي حَدِيثِ: عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵁: (كَانَ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ، فَأُخْبِرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى بَايَعَ) (٣). قَوْلُهُ: (يَسْتَلْئِمُ) أَيْ: يَلْبَسُ اللَّامَةَ، وَاللَّأمَةُ: الدِّرْعُ، وَجَمْعُهَا لُومٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. * * * * وفي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ: (لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ، فَقَالَ: مَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرِ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ

стр. 2245

نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الأَمْرِ) (١). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): أَفْضَعَ الأَمْرُ وَفَظَعَ أَيْ: اشْتَدَّ، وَهُوَ مُفْظِعٌ وَفَظِيعٌ، وَفَظَعَهُ الأَمْرُ وَأَفْضَعَهُ: اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَثَقُلَ. وَقَوْلُهُ: (أَسْهَلْنَ بِنَا) أَيْ: أَفْضَى بِنَا إِلَى سُهُولَةٍ. وَ (الخُصْمُ): الجَانِبُ مِنَ الشَّيْءِ. وَفِي الحَدِيثِ: (كُنْتُ أُنسِيتُ الدَّنَانِيرَ السَّبْعَةَ فِي خُصْمِ الفِرَاشِ) (٣)، أَيْ: فِي جَانِبِهِ وَنَاحِيَّتِهِ. وَقِيلَ لِلْخَصْمَيْنِ خَصْمَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْخُذُ فِي نَاحِيَّةٍ مِنَ الدَّعْوَى غَيْرِ نَاحِيَّةِ صَاحِبِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَصِمٌ، وَرِجَالٌ خِصَامٌ، مَعْنَاهُ: ذُو خَصْمٍ، وَذَوُو خَصْمٍ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع: (أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) (٤)، كَذَا فِي هَذِهِ

стр. 2246

الرِّوَايَةِ بِهَاءَيْنِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ هُنَيْهَةٌ عَلَى لُغَةِ قَوْمٍ، كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِيرِ السَّنَةِ: سُنَيْهَة، يُقَالُ: أَجَرْتُ الدَّارَ مُسَانَهَةً، وَنَخْلَةٌ سَنْهَاءُ إِذَا كَانَتْ تَحْمِلُ سَنَةً، وَلَا تَحْمِلُ سَنَةً. وَقِيلَ: أَصْلُ الهَنَةِ هَنِيَّةٌ أَوْ هَنْوَةٌ، وَتَصْغِيرُهَا: هُنَيَّةٌ، كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِيرِ السَّنَةِ: سُنيَّةٌ، وَأَصْلُ الهَنِ الهَنْوُ، وَالْمَعْنَى: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ أَرَاجِيزِكَ، جَمْعُ الأُرْجُوزَةِ. وَقَوْلُهُ: (عَوَّلُوا عَلَيْنَا) قِيلَ: صَاحُوا، وَالعَوِيلُ: الصِّيَاحُ، وَقِيلَ: عَوَّلُوا: اعْتَمَدُوا فَإِذَا كَانَ مَعْنَاهُ صَاحُوا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَجْلَبُوا عَلَيْنَا. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: (فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) (١). قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): يَدُلُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ العِنْقَ مُتَقَدَّمٌ عَلَى النِّكَاحِ، فَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ: (أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا فَأَعْتَقَهَا) يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، كَمَا جَاءَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ جَعَلَ عِنْقَهَا صَدَاقَهَا، فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكُونُ عِتْقُهَا عِوَضًا عَنْ بُضْعِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَخصُوصًا بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا اسْتُبِيحَ نِكَاحُهَا بِالعِتْقِ صَارَ العِتْقُ كَالصَّدَاقِ لَهَا، عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ (٣): [من الطَّوِيل]

стр. 2247

أُخِذْنَ اغْتِصَابًا خُطْبَةً عَجْرَفِيَّةً … وَأُمْهِرْنَ أَرْمَاحَا مِنَ الخَطِّ ذُبَّلا وَمِنْ بَابِ: دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (١). ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ (٢)، قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ (٣): (سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ وَأَنَا أَسْتَمِعُ، أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرًا؟ فَقَالَ: بَارَزَ وَظَاهَرَ). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): الظُّهُورُ: الغَلَبَةُ، وَظَاهَرَ فُلَانٌ بَيْنَ ثَوْبَيْهِ: إِذَا طَارَقَ بَيْنَهُمَا وَطَابَقَ. وَأَمَّا الْمُبَارَزَةُ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ (٥): فَإِنْ بَارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا، أَوْ مُشْرِكٌ مُسْلِمًا عَلَى أَنْ [لَا] (٦) يُقَاتِلَهُ غَيْرُهُ، وَفَّى بِذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ وَلَّى عَنْهُ الْمُسْلِمُ، أَوْ جَرَحَهُ فَأَثْخَنَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ وَيَقْتُلُوهُ، لأَنَّ قِتَالَهُمَا قَدِ انْقَضَى، وَلَا أَمَانَ

стр. 2248

لَهُ عَلَيْهِم، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ أَنَّهُ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَخْرَجِهِ مِنَ الصَّفِّ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ قَتْلُهُ، وَلَهُمْ دَفْعُهُ وَاسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِم مِنْهُ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): إِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا إِمَّا دَاعِيًا أَوْ مُجِيبًا، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْرِكِ الْمُبَارِزِ شَرْطٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُ مَعَ الْمُبَارِزِ مِنْهُمْ وَيَقْتُلُوهُ، لأنَّهُ عَلَى أَصْلِ الإِبَاحَةِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرْطٌ، يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ مَنْ بَرَزَ إِلَيْهِ، فَيَجِبُ الوَفَاءُ بِمَا شَرَطَهُ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) (٣). فَإِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى صَفِّهِ، يُوَفَّى بِالشَّرْطِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِ إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ يَبْطُلُ بِهَا أَمَانُهُ: إِحْدَاهُنَّ أَنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ الْمُسْلِمُ، فَيَتْبَعُهُ، فَيَبْطُلُ أَمَانُهُ.

стр. 2249

وَالخَصْلَةُ الثَّانِيَّةُ: أَنْ يَظْهَرَ الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيَعْزِمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْتَنْقَذَ مِنْهُ الْمُسْلِمُ، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اسْتِنْقَادِهِ مِنْهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ، جَازَ لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُ لاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ. وَالخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْتَنْجِدَ الْمُشْرِكُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي مَعُونَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْطُلَ أَمَانُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَشْرُوطًا بِالْمُبَارَزَةِ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُهَا بِالاِسْتِنْجَادِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (١): أَوَّلُ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، دَعَا إلَى الْمُبَارَزَةِ فِيهَا: عُتْبةُ، وَشَيْبَةٌ، وَالوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ حَمْزَةٌ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ ﵃، فَقَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ، وَقَتَلَ عَلِيٌّ الوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ مَرَّتَيْنِ، فَمَاتَ شَيْبَةُ، وَقُطِعَتْ رِجْلُ عُبَيْدَةَ، وَاحْتَمَلَ حَيًّا، فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ (٢)، فَقَالَ فِيهِ كَعْبُ بنُ مَالِكِ: [الْمُتَقَارِبُ] [أَيَا عَيْنُ جُودِي] (٣) وَلَا تَبْخَلِي … بِدَمْعِكِ حَقًّا وَلَا تَنْزَرِي عَلَى سَيِّدِ هَدَّنَا مُلْكُهُ … كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالعُنْصُرِ عُبَيْدَةُ أَمْسَى وَلَا نَرْتَجِيهِ … لِعُرْفٍ عَرَانَا وَلَا مُنْكَرِ ثُمَّ شَهِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحدًا، فَدَعَاهُ أُبَيُّ مِنْ خَلَفٍ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، وَهُوَ عَلَى

стр. 2250

فَرَسٍ لَهُ كَانَ حَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَرَمَاهُ بِحَرْبَةٍ كَسَرَ بِهَا إِحْدَى أَضْلاعِهِ، فَاحْتُمِلَ وَهُوَ يَخُورُ كَالثَّوْرِ، فَقِيلَ لَهُ مَا بِكَ مِنْ بَأْسٍ؟ فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ تَفَلَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي. ثُمَّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَمْرُو بنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، ثُمَّ دَعَا إِلَيْهَا فِي اليَوْمِ الثَّانِي فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَى إِحْجَامَهُمْ عَنْهُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ قَتَلَاكُمْ فِي الجَنَّةِ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ، وَقَتْلَانَا فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ، فَمَا يُبَالِي أَحَدُكُمْ أَيَقْدُمُ عَلَى كَرَامَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوْ يَقْدُمُ عَدْوًا إِلَى النَّارِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ (١): [من مَجْزُوءِ الكَامِل] وَلَقَدْ بَحَحْتُ مِنَ النِّدَا … ءِ بِجَمْعِهِمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزُ وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الْمُشَ … جَّعُ مَوْقِفَ القَرَنِ الْمُنَاجِزْ إِنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ … مُتَسَوِّفًا (٢) نَحْوَ الهَزَاهِزْ إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الفَتَى … وَالجُودَ مِنْ خَيْرِ الغَرَائِزُ فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مُبَارَزَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ (٣): [مِن مَجْزُوءِ الكَامِل] أَبْشِرْ أَتَاكَ مُجِيبُ صَوْ … تِكَ في الهَزَاهِزِ غَيْرَ عَاجِزْ

стр. 2251

ذُو نِيَّةٍ وَبَصِيرَةٍ … يَرْجُو الغَدَاةَ نَجَاةَ فَائِزْ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أُقِي … م عَلَيْكَ نَائِحَةَ الجَنَائِزْ فَتَجَاوَلَا، وَثَارَتْ عُجَاجَةٌ أَخْفَتْهُما عَنِ الأَبْصَارِ، ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهُمَا، وَعَلِيٌّ يَمْسَحُ سَيْفَهُ بِثَوْبِ عَمْرٍو، وَهُوَ قَتِيلٌ. ثُمَّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ بِخَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مَرْحَبُ اليَهُودِيُّ. فَخَرَجَ مُرْتَجِزًا يَقُولُ: [من الرَّجَز] قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ … إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ كَانَ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقْرَبُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ (١). وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةٍ: فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلَيٌّ ﵁، فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ: [مِنَ الرَّجز] أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ … لَيْثُ غَابَاتٍ شَدِيدُ القَسْوَرَة أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهُ

стр. 2252

وَدَعَا يَاسِرُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ بِخَيْبَرَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ ﵁، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ: يُقْتَلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ (١). قَالُوا (٢): وَإِذَا ابْتَدَأَ الْمُسْلِمُ فَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ، وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مَكْرُوهٌ (٣). وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ نَهَى بِصِفِّينَ عَنِ المُبَارَزَةِ، فَقَالَ لابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ: (لَا تَدْعُونَ إِلَى البِرَازِ أَحَدًا، فَإِذَا دُعِيتَ فَأَجِبْ، فَإِنَّ الدَاعِيَ بَاغِ، وَالْبَاغِي مَصْرُوعٌ) (٤). وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّمَا نَهَى عَلِيٌّ ﵁ عَنْ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا. وَقَدْ جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَيْشَ مُؤْتَةَ، وَقَالَ: (زَيْدٌ أَمِيرُكُمْ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالأَمِيرُ جَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالأَمِيرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا) (٥). فَتَقَدَّمَ زَيْدٌ، وَبَرَزَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ جَعْفَرٌ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ وَبَارَزَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَاخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ

стр. 2253

فَقَاتَلَ، وَحَمَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى خَلَصُوا وَعَادُوا، فَلَّمَا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَثْنَى عَلَيْهِمْ وَدَعَا لَهُمْ (١). وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ (٢): ظَاهَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلِجَوَازِهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (٣): أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مُقَاوَمَةِ مَنْ بَرَزَ إِلَيْهِ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَدْخُلَ بِقَتْلِ الْمُبَارِزِ ضَرَرٌ عَلَى المُسْلِمِينَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَأْذِنَ أَمِيرَ الجَيْشِ فِي بِرَازِهِ، لِيَكُونَ رِدْءًا لَهُ وَعَوْنًا. فَصْلٌ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: (لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (٤). (النَّتْنَى): الكَفَرَةُ الأَرْجَاسُ، يُقَالُ: نَتُنَ نَتْنا فَهُوَ نَتِينٌ، كَمَا يُقَالُ: ضَعُفَ ضَعْفًا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالجَمْعُ النَّتَنَى، كَالضَّعْفَى. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (٥): قَالَ ابن شِهَابٍ: إِنَّ قُرَيْشًا كَذَّبُوا صَحِيفَةً جَعَلُوا فِيهَا

стр. 2254

عُهُودًا وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صُلْحًا أَبَدًا، وَلَا تَأْخُذَهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسَلِّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَى القَتْلِ. فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَرِجَالٌ مِنْ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَجْمَعُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ وَالبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو البُخْتُرِيِّ العَاصُ بنُ هِشَامِ بن الحَارِثِ بن أَسَدٍ، وَالْمُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ وَزُهَيْرُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَرِبْعَةُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَهِشَامُ بنُ عَمْرٍو، وَهُوَ كَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ: نَحْنُ [بَرَاء] (١) مِمَّا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قِيلَ: فَشَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَرَادَ أَنْ يُكَافِئَهُ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ حَيًّا فَشَفَعَ إِلَيَّ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى لأَطلَقْتُهُمْ لَهُ. قيل (٢): إِنَّ أَبَا جَهْلٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَالَ: (هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ)، وَكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا جَاءَهُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً، نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى اللَّيْلِ، وَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. * * * * وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ: (الْتَقَى النَّبِيُّ ﷺ وَالمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَاقْتَتَلُوا، وَفِي المُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ مِنَ المُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ) (٣).

стр. 2255

قَوْلُهُ: (شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً)، يَعْنِي: مَنِ انْفَرَدَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ وَشَذَّ عَنْهُمْ. فَالشَّاذُّ: الَّذِي يَكُونُ مَعَ الجَمَاعَةِ ثُمَّ يُفَارِقُهُمْ، وَالفَاذُّ: الَّذِي لَمْ يَكُنِ اخْتَلَطَ بِهِمْ. وَقَوْلُهُ: (مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ)، أَيْ: مَا كَفَى أَحَدٌ كِفَايَتَهُ، وَلَا سَعَى سَعْيَهُ. وَ (ذُبَابُ السَّيْفِ): طَرَفُهُ، وَحَدُّ رَأْسِهِ. وَمِنْ بَابٍ غَزْوَةِ خَيْبَرَ حَدِيثُ: (فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا) (١). (الحَيْسُ): التَّمْرُ يُخْلَطُ بِالعَسَلِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): الحَيْسُ: [الخَلْطُ] (٣)، وَبِهِ سُمِّيَ الحَيْسُ. وَقَوْلُهُ: (يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ)، أَيْ: يَجْعَلُ حوية، وَهُوَ أَنْ يُدِيرَ كِسَاءً حَوْلَ السِّنَامِ، ثُمَّ يَرْكَبَ. وَ (سَدُّ الصَّهْبَاءِ)، مَوْضِعٌ بِقُرْبِ المَدِينَةِ (٤).

стр. 2256

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا) (١)، يُقَالُ: رَجُلٌ عَرُوسٌ، وَامْرَأَةٌ عَرُوسٌ، قَدِ اسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَأَعْرَسَ: أَيْ: اتَّخَذَ عَرُوسًا، وَأَعْرَسَ فُلَانٌ بِأَهْلِهِ، إِذَا بَنَى بِهَا وَغَشِيَهَا. وَالعَرِيسُ: مَأْوَى الأَسَدِ، وَالتَّعْرِيسُ: نُزُولُ القَوْمِ فِي السَّفَرِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ يَقَعُونَ فِيهِ وَقْعَةً، ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ، وَالعِرْسُ: امْرَأَةُ الرَّجُلِ. وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ) (٢)، يَعْنِي عَلَى البَعِيرِ، يُقَالُ: وَطَّأَ لَهُ فِرَاشَهُ، وَوَطُؤَ فِرَاشَهُ فَهُوَ وَطِيءٌ، أَيْ: وَطَّأَ لَهَا مَوْضِعَ الرُّكُوبِ، أَيْ: سَهَّلَهُ، وَالتَّوْطِئَةُ: التَّذْلِيلُ وَالتَّمْهِيدُ، يُقَالُ: دَابَّةٌ وَطِيءٌ: لَا تُحَرِّكُ رَاكِبَهَا، وَفَرَسٌ وَطِيءٌ: لَا يُؤْذِي جَنْبَ النَّائِم. وَفِي الحَدِيثِ: (أَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا) (٣)، يَعْنِي الَّذِي يَكُونُ نَاحِيَتُهُ سَهْلَةً وَطِيئَةً، يَتَمَكَّنُ فِيهَا صَاحِبُهَا لَا يَنْبُو بِهِ مَوْضِعُهُ وَلَا يُؤْذِيهِ. وَالأَكْنَافُ: الجَوَانِبُ، يُقَالُ: هُوَ فِي كَنَفِ فُلَانٍ، أَيْ: فِي نَاحِيَتِهِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن أَبي أَوْفَى: (فَأَصَابُوا حُمُرًا فَاطَّبَخُوهَا) (٤)، أَيْ:

стр. 2257

طَبَخُوهَا، وَأَصْلُ اطَّبَخَ: اطْتَبَخَ عَلَى وَزْنِ (افْتَعَلَ)، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ. وَقَوْلُهُ: (أَكْفِئُوا)، بِقَطْعِ الأَلِفِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): أَكْفَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَمَلْتُهُ، وَأَكْفَأْتَ الفَرَسَ إِذَا أَمَلْتَ رَأْسَهَا وَلَمْ تَنْصِبْهَا حِينَ تَرْمِي عَنْهَا. وَفِي الحَدِيثِ: (لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا) (٢)، إِنَّمَا هُوَ تَفْتَعِلُ مِنْ كَفَأْتَ القِدْرَ إِذَا كَبَيْتَهَا لِتُفْرِغَ مَا فِيهَا، وَمَعْنَاهُ: لِتَجُرَّ حَقَّ صَاحِبَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا إِلَى نَفْسِهَا. قَالَ الكِسَائِيُّ (٣): كَفَأْتُ الإِناءَ إِذَا كَبَبْتُهُ، وَأَكْفَأْتُهُ إِذَا أَمَلْتُهُ. وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ : (وَإِذَا مَشَى تَكَفَّا تَكَفِّيًا) (٤)، أَصْلُ الكَلِمَةِ مَهْمُوزَةٌ، وَقَدْ تُرِكَ (٥) مَعْنَاهُ: تَمَايَلَ إِلَى قُدَّامَ كَمَا تَتَكَفَّأُ السَّفِينَةُ فِي جَرْيِهَا. وفي الحَدِيثِ: (أَنَّهُ كَانَ يُكْفِئُ لِلْهِرَّةِ الإِناءَ) (٦)، أَيْ يُمِيلُهُ لَهَا، لِتَصِلَ إِلَى الشُّرْبِ بِسُهُولَة. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٧): كَفَأْتُ الإِنَاءَ فَانْكَفَأَ، أَيْ: قَلَبْتُهُ فَانْقَلَبَ.

стр. 2258

وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَفِينَةِ يَأْتُونَنِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونَنِي) (١). قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): جَاؤُوا أَرْسَالًا: يَتَّبِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، الوَاحِدَةُ: رَسَلٌ، بِفَتْحِ السِّينِ. وَأَمَّا الرَّسْلُ بِإِسْكَانِ السِّينِ: فَالسَّيْرُ السَّهْلُ، يُقَالُ: نَاقَةٌ رَسْلَةٌ أَيْ: لَيِّنَةٌ، وَشَعَرٌ رَسُلٌ أَيْ مُسْتَرْسَلٌ، وَالرَّسَلُ بِفَتْحِ السِّينِ أَيْضًا: مَا أُرْسِلَ مِنَ الغَنَمِ إِلَى الرَّعْيِ، وَيَقُولُونَ: امْشِ عَلَى رِسْلِكَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: عَلَى هَيْنَتِكَ. وَفِي الحَدِيثِ: قَالَ عُمَرُ: (الحَبَشِيَّةَ هَذِهِ؟ البَحْرِيَّةَ هَذِهِ؟) (٣)، فِيهِ مَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ، أَيْ: أَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ الحَبَشَةِ؟ أَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ البَحْرِ؟ و (البُعَدَاءُ): جَمْعُ البَعِيدِ. وَ (البَغَضَاءُ): جَمْعُ البَغِيض. (وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ)، أَيْ: كُنَّا غُرَبَاءَ بِأَرْضِ الغُرْبَةِ، يَنَالُنَا الْأَذَى، وَيَنَالُنَا الخَوْفُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا أَزِيغُ)، أَيْ: وَلَا أَعْدِلُ عَنِ الصِّدْقِ. * * *

стр. 2259

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (وَمَعَهُ عَبْدُ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ) (١)، بِكَسْرِ المِيمِ، عَلَى وَزْنِ مِفْعَلٍ، مِنْ قَوْلِكَ: دَعَمْتُ الشَّيْءَ دَعْمًا، وَالدَّعَامَتَانِ: خَشَبَتَا البَكْرَةِ. وَقَوْلُهُ: (أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ)، كَذَا فِي النُّسْخَةِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ: (بَنِي الضُّبَيب) (٢). وَقَوْلُهُ: (إِذْ أَتَاهُ سَهْمٌ عَائِرٌ)، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): سَهْمٌ عَائِرٌ: لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ أَتَى، وَيُقَالُ: عَوَائِرُ مِنَ الجَرَادِ، أَيْ: جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَعَارَ الفَرَسُ يَعْنِي: إِذَا انْفَلَتَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَرَجُلٌ عَيَّارٌ: كَثِيرُ التَّطْوَافِ، كَثِيرُ الحَرَكَةِ. وَقَوْلُهُ: (يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : الرَّحْلُ لِلْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ. وَ (الشَّمْلَةُ): كِسَاءٌ يَشْتَمِلُ بِهِ الرَّجُلُ. قَوْلُهُ: (لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ) أَيْ: لَمْ تُقْسَمْ أَيْ: أَخَذَهَا قَبْلَ القِسْمَةِ. * * * * وفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ

стр. 2260

شَيْءٌ) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: (حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ بَبَّانًا وَاحِدًا) (٢). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٣): قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي: يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَحْسِبُهُ عَرَبِيَّةً. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٤): لَا يَلْتَقِي فِي الأَسْمَاءِ حَرْفَانِ فِي صَدْرِ الكَلِمَةِ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ فِي العَرَبِيَّةِ المَحْضَةِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ (٥): لَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ بَبَّانٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: (بَيَّانًا وَاحِدًا)، وَالمَحْفُوظُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: (بَبَّانًا) بِبَاءَيْنِ، وَالمَعْنَى: لأُسَوِّيَنَّ بَيْنَهُمْ فِي العَطَاءٍ، حَتَّى يَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا، لَا فَضْلَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الأَزْهَرِيُّ (٦): لَيْسَ كَمَا ظَنَّ، وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ أَهْلُ الإِتْقَانِ، وَكَأَنَّهَا لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ لَمْ تَفْشُ فِي كَلَامٍ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ الْمُظَفَّرِ: هُوَ وَالبَاحُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَلَفْظُ الصَّحِيح: (لَوْلا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ

стр. 2261

عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا) (١). وَفِي حَدِيثِ أَبَانَ بن سَعِيدٍ: (وَأَنْتَ بِهَا يَا وَبْرُ) (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: (وَاعَجَبًا لَكَ وَبَرٌ تَدَأْدَأَ (٣) مِنْ قدوم ضان) اسْمُ جَبَلٍ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ: (قدوم ضال) بِاللَّامِ (٥)، وَفِي رِوَايَةٍ: (تَحَدَّرَ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (تَدَلَّى) (٦). وَمَعْنَى: (تَدَأْدَأَ) تَدَهْدَه، قُلِبَتِ الهَاءُ هَمْزَةً. وَ (الوَبَرُ) دُوَيبةٌ مِثْلُ السِّنَّوْرِ. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٧): وَفِي الحَدِيثِ (فِي الوَبَرِ شَاةٌ) (٨)، هِيَ دُوَيْبةٌ عَلَى

стр. 2262

قَدْرِ السِّنَّوْرِ أَوْ نَحْوِهِ. وَمَعْنَى: (يَنْعَى) أَيْ: يَعِيبُ عَلَيَّ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): يَنْعَى عَلَى فُلَانٍ، إِذَا وَبَّخَهُ وَعَابَهُ، وَاسْتَنْعَى بِفُلَانٍ الشَّرُّ، أَيْ: تَتَابَعَ، وَاسْتَنْعَى بِهِ حُبُّ الخَمْرِ، أَيْ: تَمَادَى بِهِ، وَاسْتَنْعَى الظِّبَاءَ: أَيْ: دَعَاهَا يَتَقَدَّمُهَا فَتَتْبَعُهُ، وَاسْتَنْعَيْتُ القَوْمَ: تَقَدَّمْتُهُمْ لِيَتْبَعُونِي. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ حُزْمَ خَيْلِهِمْ) جَمْعُ حِزَامٍ. وَقَوْلُهُ (وَأَنْتَ بِهَذَا)، يَعْنِي: وَأَنْتَ قَائِلٌ بِهَذَا، مُتَكَلِّمٌ بِهَذَا يَا وَبَرُ، كَأَنَّهُ اسْتَحْقَرَه. (تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسٍ ضانٍ)، أَيْ: جِئْتَ مِنْ أَرْضِ غُرْبَةٍ، وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ النَّوَاحِي، يَعْنِي: مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ. وَمِنْ بَابِ: اسْتِعْمَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، [ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ] (٢) جَنِيبًا) (٣). (الجَمْعُ وَالجَنِيبُ) نَوْعَانِ مِنَ التَّمْرِ. فَالجَمْعُ مِنْ أَلْوَانٍ شَتَّى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ.

стр. 2263

وَالجَنِيبُ: الخِيَارُ، كَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَانَبَهُ وَاجْتَنَبَهُ، إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهُ، كَأَنَّهُ يُمَيَّزُ مِنَ الرَّدِيءِ، أَوْ مُيِّز عَنْهُ، يُقَالُ: جَنَّبْتُهُ ذَلِكَ الأَمْرِ فَاجْتَنَبَهُ، قَالَ اللهُ : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ) (١). وَمِنْ بَابِ: عُمْرَةِ القَصَاءِ (وَقَدْ وَهَّنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ) (٢)، أَيْ: أَضْعَفَهُمْ، وَرُوِيَ: وَهَنَهُمْ بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ (٣): [من الرمل] ............................ … ........ لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ وَمِنْ بَاب: غَزْوَةِ مُؤْتَةَ (وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) (٤)، كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ صَيْرِ البَابِ، وَهُوَ شِقُّهُ (٥). وَقَوْلُهُ: (إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ) (٦). (الصَّفِيحَةُ): السَّيْفُ الَّذِي لَهُ صَفْحَةٌ.

стр. 2264

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): الصَّفيحَةُ: كُلُّ سَيْفٍ عِرِيضٍ، وَصَفْحَنَا السَّيْفِ: وَجْهَاهُ، وَكُلٌّ حَجَرٍ عَرِيض: صَفْحَةٌ. وَ (يَمَانِيَةٌ) بِتَخْفِيفِ اليَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ مِنْ الْعَنَاءِ) (٢) أَيْ: مِنَ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ. وَمِنْ بَابِ: غَزْوَةِ الفَتْحِ حَدِيثُ: (فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) (٣). (الظَّعِينَةُ): الْمَرْأَةُ الرَّاكِبَةُ. وَقَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ)، أَيْ: كُنْتُ حَليفًا لَهُمْ. وَ (تَعَادَى)، أَصْلُهُ: تَتَعَادَى، بِتَاءَيْنِ، وَتَعَادَى تَفَاعَلَ مِنَ العَدْوِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ عِقَاصِهَا)، يَعْنِي: مِنْ شَعَرِهَا. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): العقص: الْتِوَاءُ فِي قَرْنِ التَّيْسِ، وَالعقص: دُخُولُ الثَّنَايَا في الفم، والعقص: أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ [الخَصْلَة] (٥) مِنَ الشَّعَرِ، فَتَلْوِيَهَا، ثُمَّ تَعْقِدَهَا، حَتَّى يَبْقَى الْتِوَاؤُهَا، ثُمَّ تُرْسِلَهَا.

стр. 2265

وَقِيلَ: عَقْصُ الشَّعَرِ: ضَفْرُهُ وَفَتْلُهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ) (١). (الكَدِيدَ) بِفَتْحِ الكَافِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢)، الكَدِيدُ: التُّرَابُ الدَّقِيقُ الْمُكَدَّرُ الْمُرَكَّلُ بِالقَوَائِمِ. (مَرُّ الظَّهْرَانِ): مَوْضِعٌ (٣). وَقَوْلُهُ: (اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ) (٤) يَعْنِي يَوْمَ الْقِتَالِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: (فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ) (٥). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمَائَةِ نُصُبٍ) (٦). قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي (٧): اسْتَثْنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ قَتْلَ سِتَّةٍ مِنَ الرِّجَالِ،

стр. 2266

وَأَرْبَعٍ مِنَ النِّسَاءِ. فَأَمَّا الرِّجَالُ: فَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ سَعْدِ بن أَبِي سَرْحٍ، وَمِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ، وَالحُوَيْرِثُ بنُ نَقِيذٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ. وَأَمَّا النِّسْوَةُ: فَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ، وَقَيْنَتَانِ لابْنِ خَطَلٍ. فَتَعَلَّقَ ابْنُ خَطَلٍ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بنُ حُوَيْرِثٍ وَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ ﵄ وَمِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ قَتَلَهُ ثميلةُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَمَّا الحُوَيْرِثُ بنُ نَقِيذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقُتِلَتْ إِحْدَى قَيْنَتَيْ ابْنِ خَطَلٍ (١) وَاسْتُؤْمِنَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: اسْتِثْنَاءُ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الأَمَانِ، وَلَوْ لَمْ [يَكُنْ أَمَانًا] (٢)، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِثْنَائِهِمْ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ صُلْحًا، أَنَّهُ حِينَ دَخَلَهَا ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةُ أدم بِالحُجُونِ (٣) عِنْدَ رَايَتِهِ الَّتِي رَكَزَهَا الزُّبَيْرُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلَّا نَزَلْتَ فِي دُورِكَ؟ فَقَالَ: (هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ)، وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عُنْوَةً لَكَانَتْ رِبَاعُ مَكَّة كُلُّهَا لَهُ.

стр. 2267

قَالَ أَهْلُ التَّارِيخ (١): ثُمَّ بَدَأَ بِالطَّوَافِ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءَ، وَكَانَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، وَكَانَ أَعْظَمَهَا هُبَلُ، وَهُوَ تُجَاهَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِصَنَمٍ مِنْهَا، أَشَارَ إِلَيْهِ بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَقَالَ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢)، فَيَسْقُطُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَاهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ حَالَةُ مَنْ قَاتَلَ وَقُوتِلَ، فَدَلَّ عَلَى الصُّلْحِ وَالأَمَانِ. فَصْلٌ قَالَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي (٣) فِي دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ: لَمَّا تَأَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ، أَخْفَى أَمْرَهُ: وَقَالَ: (اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً)، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ (٤)، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَ أَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ، أَضَاءَتْ لَهَا

стр. 2268

بُيُوتُ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ إِرْهَابًا لَهُمْ وَإِيثَارًا لِلْبُقْيَا عَلَيْهِمْ لِيَنْقَادُوا لِلصُّلْحِ وَالطَّاعَةِ، وَلَوْ أَرَادَ اصْطِلَامَهُمْ لَفَاجَأَهُمْ بِالدُّخُولِ، فَلَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَنْ نَزَلَ بِهِمْ، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبَارَ. وَقَالَ العَبَّاسُ: وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ، وَاللهِ لَئِنْ دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْوَةً إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ آخرَ الدَّهْرِ، فَرَكِبَ بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الشَّهْبَاءَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ لِيُعْلِمَ قُرَيْشًا حَتَّى يَسْتَأْمِنُوهُ: فَبَيْنَا هُوَ بَيْنَ الْأَرَاكِ لَيْلًا إِذْ سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَتَعَارَفَا، وَاسْتَخْبَرَهُ عَنِ الحَالِ، فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، لا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا، فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ: تَأْتِيهِ فِي جَوَارِي فَتُسْلِمُ، فَتَسْتَأْمِنْهُ لِنَفْسِكَ وَلِقَوْمِكَ، وَأَرْدَفَهُ عَلَى البَغْلَةِ، وَعَادَ مُسْرِعًا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَخْبَرَهُ بِحَالِهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ مِنَ الغَدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَاهُ بِهِ، فَأَسْلَمَ، وَعَقَدَ مَعَهُ الأَمَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فَقَالَ ﷺ : (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ) (١). عَقَدَ الأَمَانَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَدَلَّ عَلَى انْعِقَادِ الصُّلْحِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا عَقَدَ الأَمَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ، أَنْفَذَهُ إِلَى مَكَّةَ مَعَ العَبَّاسِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ مَكْرَ أَبِي سُفْيَانَ فَأَنْفَذَ إِلَى

стр. 2269

العَبَّاسِ أَنْ يَسْتَوْقِفَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضْيَقِ الوَادِي لِيَرَى جُنُودَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: (أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ؟)، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: بَلْ أَنْتَ أَغْدَرُ، لَكِنْ لِتَرَى جُنُودَ اللهِ. فَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عَنْوَةً لَمْ يَقُلْ أَبُو سُفْيَانَ: (أَغَدْرًا) فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ كَتَائِبِهِ المُتَقَدِّمَةِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: (لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُلْكًا عَظِيمًا)، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ، فَقَالَ: نَعَمْ إذًا. ثُمَّ أَرْسَلَهُ العَبَّاسُ إِلَى مَكَّةَ مُنْذِرًا لِقَوْمِهِ بِالأَمَانِ، فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي المَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، قَالُوا: فمه؟ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟ قَالَ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُو آمِنٌ). فَحِينَئِذٍ كَفُّوا وَاسْتَسْلَمُوا، وَهَذَا مِنْ شَوَاهِدِ الصُّلْحِ. وَلِأَنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ ﵁ لَمَّا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ الأَنْصَارِ قَالَ: اليَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْبَى الحُرْمَةُ (١)، اليَوْمَ يَوْمُ يُذِلُّ اللَّهُ قُرَيْشًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَزَلَهُ عَن الرَّايَةِ، وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْن سَعْدٍ، وَقَالَ: (اليَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الحُرْمَةُ، اليَوْمَ يَوْمُ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا)، فَجَعَلَهُ يَوْمَ مَرْحَمَةٍ، فَدَلَّ عَلَى الصُّلْح دُونَ العَنْوَةِ. وَلِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ أَمَامَهُ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ، وَأَمَرَهُ

стр. 2270

أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كُدَى العُلْيَا، وَهِيَ أَعْلَى مَكَّةَ، وَفِيهَا دَارُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَرَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَفِيهَا دَارُ حَكِيمِ بن حِزَامٍ، وَأَوْصَاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا، فَدَخَلَ الزُّبَيْرُ حَتَّى غَرَسَ الرَّايَةَ بِالحُجُونِ، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ فَلَمْ يُقَاتِلْ أَحَدًا. وَأَمَّا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ فَإِنَّهُ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ، فِيهِمْ: عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وَقَاتَلُوهُ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى قَتَلَ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَمِنْ هُذَيْلٍ أَرْبَعَةً، وَوَلَّوا مُنْهَزِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ البَارِقَةَ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ، قَالَ: مَا هَذَا؟ وَقَدْ نَهَيْتُ عَنِ القِتَالِ؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ خَالِدًا قُوتِلَ فَقَاتَلَ، فَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَنْ [يَرْفَعَ] (١) السَّيْفَ. وَلَوْ كَانَ عَنْوَةً لَمْ يُنْكِرِ القِتَالَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ السِّيَرِ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَلَوْ دَخَلَهَا مُحَارِبًا لَرَكِبَ فَرَسًا، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ كَلْبَةً أَقْبَلَتْ مِنْ مَكَّةَ، فَاسْتَلْقَتْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَانْفَتَحَ فَرْجُهَا، وَدُرَّ لَبَنُهَا، فَقَصَّهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي عنه: ذَهَبَ كَلْبُهُمْ، وَأَقْبَلَ خَيْرُهُمْ، وَسَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْكَ بِالرَّحِمِ) (٢).

стр. 2271

وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى النِّسَاءَ اللَّاتِي خَرَجْنَ مِنْ مَكَّةَ، يَمْسَحْنَ وُجُوهَ الخَيْلِ بِخُمُرِهِنَّ قَالَ: اللَّهِ دَرُّ حَسَّانَ، فَقَالَ لَهُ [العَبَّاسُ] (١): كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُرِيدُ قَوْلَهُ (٢): [مِنَ الوَافِر] عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِذْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كِدَاءُ تُنازِعُنَا الأَعِنَّةُ مُسْرِعَاتٌ … تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الصُّلْحُ وَانْكَشَفَ الغِطَاءُ وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ … يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَقَالَ: نَعَمْ. وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ لِقُرَيْشٍ: (أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) (٣)، لِأَنَّهُ آمَنَهُمْ بَعْدَ الخَوْفِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ إِسَاءَتِهِمْ، وَصَفَحَ عَنْهُمْ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا بِتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ طُلَقَاءَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ) (٤)، فَلِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا شَرْطُ الأَمَانِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا شَاكِينِ فِي سِلَاحِهِمَا، وَقَدْ عَلَّقَ شَرْطَ الْأَمَانِ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ، وَإِغْلَاقِ الأَبْوَابِ فَبَقِيَا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ

стр. 2272

عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَقْتُلَهُمَا حَتَّى اسْتَجَارَا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَأَمَّنَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: (إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ) (١)، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الفِيلَ لَمْ يَظْفَرْ بهَا وَلَا دَخَلَهَا، وَأَظْفَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِهَا حَتَّى دَخَلَهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢): إِنَّمَا قَاتَلَهُ بَنُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِمَكَّةَ دَارٌ، وَقَاتَلَ عِكْرِمَةَ بنَ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ وَأَعْيَانِ مَكَّةَ، وَهِيَ دَارُهُمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ اسْتَأْنَفَ أَمَانَ مَنْ قَاتَلَ. رُوِيَ أَنَّهُ اسْتَجَدَّ لِعِكْرِمَةَ بن أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ أَمَانًا، وَأَمَّنَ مَنْ أَجَارَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَاتَلَ خَالِدٌ وَقَتَلَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) (٣)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خَالِدًا قَاتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْفَتْحِ، وَكَانَ بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى بَنِي خُزَيْمَةَ مِنْ كِنَانَةَ، وَكَانُوا أَسْفَلَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْهَا بِنَاحِيَّةِ يَلَمْلَمَ لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَتَاهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَتَلَ مَنْ ظَفَرَ بِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ)، وَأَنْفَذَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁

стр. 2273

بِدِيَّاتِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا خَالِدًا (١). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): النُّصُبُ: حَجَرٌ أَوْ صَنَمٌ كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تَنْصِبُهُ وَتَذْبَحُ عِنْدَهُ فَيَحْمَرُّ لِلدَّمِ. وَفِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ: (فَخَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، ثُمَّ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ) (٣)، يُرِيدُ أَنَّهُمْ أَدْمَوْهُ. وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٤)، بِضَمِّ النُّونِ، أَيْ: إِلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ. وَقِيلَ: النَّصْبُ: الصَّنَمُ يُنْصَبُ لِلْعِبَادَةِ، قَالَ (٥): [من الطويل] وَذَا النُّصُبِ الْمَنْصُوبَ لَا تَعْبُدَنَّهُ … ...................................

стр. 2274

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ﴾ (١)، يَعْنِي: عَلَى الصَّنَمِ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي السَّلْبِ الَّذِي أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: (فَقَالَ رَجُلٌ: سِلَاحُ هَذَا القَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: كَلَّا لَا تُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). (الأَصَيْبِغُ): تَصْغِيرُ الأَصْبُغِ، وَالأُصْبُغُ فَرَسٌ فِي طَرَفِ ذَنَبِهِ بَيَاضٌ، يَصِفُهُ بِالضَّعْفِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٣): يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُ بِنَبَاتٍ ضَعِيفٍ، يُقَالُ لَهُ الصَّبْغَاءُ. وَقَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٤) وَفِي الحَدِيثِ: (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، هَلْ رَأَيْتُمُ الصَّبْغَاءَ؟) (٥).

стр. 2275

قَالَ القُتَيبِيُّ (١): شَبَّهَ نَبَاتَ لُحُومِهِمْ بَعْدَ احْتِرَاقِهَا بِنَبَاتِ الطَّاقَةِ مِنَ النَّبْتِ، تَكُونُ صَبْغَاءَ حِينَ تَطْلُعُ، فَمَا يَلِي الشَّمْسَ مِنْ أَعَالِيهَا اخْضَرَّ، وَمَا يَلِي الظِّلَّ ابْيَضَّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ شَيْبَتَهُ وَبَيَاضَ شَعَرِهِ. وَقَوْلُهُ: (خِرَافًا)، الخِرَافُ: اسْمُ مَا يُخْتَرَفُ مِنَ التَّمْرِ، أَرَادَ: بُسْتَانَ خِرَافٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: (مَخْرَفًا) (٢) الْمَخْرَفُ: البُسْتَانُ. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٣): الْمَخْرَفُ: النَّخْلَةُ الَّتِي يُخْرَفُ مِنْهَا، وَالْمِخْرَفُ: الْمِكْتَلُ يُلْتَقَطُّ فِيهِ الرُّطَب. وَفِي الحَدِيثِ: (عَائِدُ الْمَرِيضِ عَلَى مَخَارِفِ الجَنَّةِ) (٤). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٥): قَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَاحِدُ الْمَخَارِفِ مَخْرَفٌ، وَهُوَ جَنْيُ النَّخْلِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ يُخْتَرَفُ [مِنْهُ] (٦) أَيْ: يُجْتَنَى. وَقَالَ ابن قُتَيْبَة (٧): الْمَخَارِفُ لَا تَكُونُ جَنْيَ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا هِيَ النَّخْلُ،

стр. 2276

وَالجَنْيُّ مَخْرُوفٌ، وَلَيْسَ بِمَخْرَفٍ. وَقَالَ الْأَنْبَارِيُّ (١): الْمَخْرَفُ يَقَعُ عَلَى النَّخْلِ، وَيَقَعُ عَلَى الْمَخْرُوفِ مِنَ النَّخْلِ، كَمَا يَقَعُ الْمَشْرَبُ عَلَى الشُّرْبِ، وَعَلَى الْمَوْضِعِ، وَعَلَى الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ، وَكَذَلِكَ الْمَطْعَمُ يَقَعُ عَلَى الطَّعَامِ [الْمَأْكُولِ]، وَالْمَرْكَبُ يَقَعُ عَلَى الْمَرْكُوبِ. قَالَ نَصِيبٌ (٢): [من الطويل] وَقَدْ عَادَ عَذْبُ الْمَاءِ بَحْرًا فَزَادَنِي … إِلَى ظَمَئِي أَنْ أَبْحَرَ الْمَشْرَبُ العَذْبُ وَقَالَ آخَرُ (٣): [من الوَافِر] فَأُعْرِضُ عَنْ مَطَاعِمَ قَدْ أَرَاهَا … تَعَرَّضُ لِي وَفِي البَطْنِ انْطِوَاءٌ أَرَادَ بِالْمَطَاعِمِ: الأَطْعِمَةِ. وَقَوْلُهُ: (تَأَثَّلْتُهُ)، أَيْ: جَعَلْتُهُ أَصْلَ مَالٍ، وَأَثَلَةُ كُلِّ شَيْءٍ: أَصْلُهُ. * * * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ،

стр. 2277

فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ) (١). يُرِيدُ: أَرْبَعَ عُكَنٍ فِي البَطْنِ مِنْ قُدَّامِهَا، فَإِذَا أَقْبَلَتْ رُؤيَتْ مَوَاضِعُهَا شَاخِصَةً، مُنْكَسِرَةَ الغُضُونِ، وَأَرَادَ بِالثَّمَانِيَ: أَطْرَافَ هَذِهِ العُكَنِ مِنْ وَرَائِهَا عِنْدَ مُنْقَطَعِ الجَنْبَيْنِ. ظَنُّوهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، فَلَمَّا رُئِيَ أَنَّهُ يَفْطِنُ لِمِثْلِ هَذَا، مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ: (الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ) (٢). الشِّعَارُ: مَا يَلِي الجَسَدَ مِنَ الثِّيَابِ، وَالدِّثَارُ: مَا فَوْقَ الشِّعَارِ، يُرِيدُ: أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ. وَقَوْلُهُ: (عَالَةٌ) (٣) هُوَ جَمْعُ عَائِلٍ، وَهُوَ الفَقِيرُ. وَقَوْلُهُ: (لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأَنْصَارِ) (٤). أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِطَابَةَ نُفُوسِهِمْ، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ، رَضِيَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْلَا مَا يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ سِمَةِ الهِجْرَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٥): وَالأَنْسَابُ عَلَى وُجُوهٍ: نَسَبٌ وِلَادِيٌّ، وَنَسَبٌ بِلَادِيٌّ،

стр. 2278

وَنَسَبٌ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ اعْتِقَادِيٌّ، وَنَسَبٌ صِنَاعِيٌّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ نَسَبِ البِلَادِ وَالأَوْطَانِ. وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ دَارَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتِ الهِجْرَةُ إِلَيْهَا أَمْرًا وَاجِبًا، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا بِهَا لَمْ يَتْرُكْ بِلَادَهُ وَيُفَارِقُ أَوْطَانَهُ، لَوْلَا هَذِهِ النِّسْبَةُ فِي الهِجْرَةِ الَّتِي لَا يَسَعُنِي تَرْكُهَا لَانْتَسَبْتُ إِلَى دَارِكُمْ. وَقَدْ يُنْسَبُ الرَّجُلُ إِلَى مَكَانٍ إِذَا طَالَ مُقَامُهُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: (لَوْ سَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا) أَيْ: رَأْيًا وَمَذْهَبًا. وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) (١)، أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَوْضِعَ العَجَلَةِ، وَتَرْكَ التَّثَّبُّتِ فِي أَمْرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ: صَبَأْنَا)، لأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلَى خُرُوجِ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ خَالِدٌ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِقِتَالِهِمْ إِلَى أَنْ يُسْلِمُوا. وَقَوْلُهُمْ: (صَبَأْنَا) كَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: انْتَقَلْنَا مِنْ دِينِنَا إِلَى دِينٍ آخَرٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا القَوْلُ صَرِيحًا فِي الْاِنْتِقَالِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ، ثَبَتَ عَلَى مَا أُمِرِ بِهِ مِنْ قِتَالِهِمْ، إِذْ لَمْ تُوجَدْ شَرِيطَةُ حَقْنِ الدَّمِ بِصَرِيحِ الاِسْمِ. وَقِيلَ: ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَدَلُوا عَنِ اسْمِ الإِسْلَامِ أَنْفَةً، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ القَوْلَ مِنْهُمْ إِقْرَارًا. وَرُوِيَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدًا إِلَى أُنَاسٍ مِنْ خَثْعَمَ، فَاسْتَعْصَمُوا