← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 664–703 · переход к 669.

стр. 664

يُقَالُ: حَلَا الشَّيْءُ فِي الفَمِ: صَارَ حُلْوًا، فَإِنْ حَسُنَ فِي العَيْنِ [أَوِ القَلْبِ] (١) قِيلَ: حَلَا بِعَيْنِي، وَمَصْدَرُهُمَا: الحَلَاوَةُ. وَقَوْلُهُ: (يُقْذَفَ) أَيْ: يُرْمَى. * * * * وَأَمَّا حَدِيثُ: (حُبُّ الأَنْصَارِ … ) مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَيْضًا (٢): فـ (الأَنْصَارُ) جَمْعُ نَاصِرٍ، وَهُوَ جَمْعٌ يَقِلُّ، وَمِثْلُهُ: شَاهِدٌ وَأَشْهَادٌ، وَصَاحِبٌ وَأَصْحَابٌ. * * * * حَدِيثُ عُبَادَة (٣): (عُبَادَةُ) فَعَالَةٌ مِنْ: عَبَدَ فُلَانٌ فُلانًا: إِذَا خَضَعَ لَهُ وَأَذْعَنَ. وَ (الصَّامِتُ): اسْمُ الفَاعِلِ مِنْ صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وَصُمَانًا إِذَا سَكَتَ. (النُّقَبَاءُ): وَاحِدُ النَّقِيبِ، وَهُوَ شَاهِدُ القَوْمِ وَضَمِينُهُمْ، وَقَدْ نَقُبَ عَلَيْهِمْ. وَ (العِصَابَةُ) وَالعُصْبَةُ: الجَمَاعَةُ، وَالعِصَابَةُ أَيْضًا: خِرْقَةٌ تُشَدُّ عَلَى الجَبْهَةِ فِي الحُرُوبِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الإِحَاطَةِ، يُقَالُ: عَصَبَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا أَحَاطَ بِهِ، وَمِنْهُ: عُصْبَةُ الرَّجُلِ لِقَرَابَتِهِ لِأَبِيهِ.

стр. 665

وَ (المُبَايَعَةُ): مُفَاعَلَةٌ مِنَ البَيْعَةِ، وَهِيَ عَقْدُ عَهْدِ الإِمَامِ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. وَخَصَّ القَتْلَ بِالأَوْلَادِ لِمَعْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا: [أَنَّ قَتْلَهُمْ] (١) هُوَ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِمْ، [وَهُوَ الوَأْدُ] (٢)، وَهُوَ أَشْنَعُ القَتْلِ. [وَثَانِيهِمَا] (٣): لأَنَّهُ قَتْلٌ وَقَطِيعَةُ رَحِمٍ، فَصَرَفَ العِنَايَةَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا صَرَفَهُ إِلَى قَتْلِ غَيْرِهِمْ [ … ] (٤) أَنْ يُبَايِعَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ فِي ابْتِلَاءِ النِّسَاءِ الْمُهَاجِرَاتِ، وَهُوَ جل وعلا إِنَّمَا ذَكَرَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ [وَغَيْرَهُ] بِمَا يُعِينُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ (٥) عَلَى ذَلِكَ. وَالبُهْتَانُ: الكَذِبُ الْمُوَاجَهُ بِهِ، بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بَهْتًا، ثُمَّ شَاعَ (٦)، وَاسْتُعْمِلَ فِي حَقِّ كُلِّ [إِنْسَانِ] (٧) وَاجَهَ إِنْسَانًا بِشَيْءٍ يُحَيِّرُهُ صِدْقًا كَانَ أَوْ كَذِبًا، قَالَ اللهُ :

стр. 666

﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (١)، وَتَقُولُ إِذَا تَعَجَّبْتَ لِمَنْ بَهَتَ الرَّجُلَ: يَا لَلْبَهِيتَةِ، وَالرَّجُلُ: بَاهِتٌ وَبَهَّاتٌ وَمُبَاهِتٌ، وَبَهُوتٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (اليَهُودُ قَوْمٌ بُهْتٌ) (٢) أَيْ: مُوَاجِهُونَ بِالكَذِبِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) فَقَدْ ذَكَرَ الخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَينِ (٣): أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمَقْصُودَ إِضَافَةُ عَمَلِ كُلِّ البَدَنِ إِلَى هَذَيْنِ العُضْوَينِ، لِحُصُولِ الكَثْرَةِ بِهِمَا، وَهَذَا هُوَ المُخْتَارُ فِي الحَدِيثِ. وَالثَّانِي: أَنَّه قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ بِالعُيُوبِ كِفَاحًا، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ: بِحَضْرَتِكَ، وَلَمْ يُصِبْ فِي هَذَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ العَرَبَ وَإِنْ قَالَتْ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ أَيْدِي القَوْمِ، أَيْ: بِحَضْرَتِهِمْ، فَلَمْ تَقُلْ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ أَرْجُلِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ هَذَا الْبَتَّةَ، وَلَا فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَاعْلَمْ. * * * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٤)، وَاسْمُهُ: سَعْدُ بنُ مَالِكِ بن سِنَانٍ. (سَعِيدٌ): فَعِيلٌ مِنْ سَعِدَ، كَكَبِيرٍ مِنْ كَبِرَ، وَالسَّعَادَةُ: ضِدُّ الشَّقَاوَةِ. وَ (الخُدْرِيُّ): مَنْسُوبٌ إِلَى خُدْرَةٍ، وَهُمْ مِنَ اليَمَنِ (٥)، وَهِيَ السَّوَارُ الْمُطِلُّ

стр. 667

كَالحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ. وَالأَصْلُ فِيهِ: التَّسَتُّرُ، وَمِنْهُ الخَدْرُ، وَأَسَدٌ خَادِرٌ، وَالخُدَارِيَةُ: العُقَابُ، سُمِّيَ بِهِ لِمَوْنِهِ، وَاللَّيْلُ الخُدَارِيُّ وَهُوَ الْمُظْلِمُ، وَلَعَلَّ الأَخْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ حِمَارُ الوَحْشِ مِنْ هَذَا أُخِذَ أَيْضًا لِتَوَحُّشِهِ، وَسُكُونِهِ رُؤُوسَ الجِبَالِ، وَتَسَتُّرِهِ فِي الْأَغْلَبِ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. قَوْلُهُ ﷺ (يُوشِكُ) أَيْ: يَقْرُبُ، يُقَالُ: أَوْشَكَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا إِذَا قَرُبَ، وَالوَشِيكُ: السَّرِيعُ، وَوَشْكَانُ: مَا كَانَ كَذا فِي مَعْنَى عَجْلَانَ، وَوَاشَكَ وِشَاكًا: إِذَا أَسْرَعَ السَّيْرَ. وَيَجُوزُ (يَتَّبِعُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَ (يَتْبَعُ) بِسُكُونِهَا، فَإِذَا كَانَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهُوَ مِنْ: اتَّبَعَهُ، وَإِذَا كَانَ (يَتْبَعُ) بِالسُّكُونِ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ تَبِعْتُهُ، أَوْ مِنْ اتَّبَعْتُهُ. وَ (الشَّعَفُ) جَمْعُ الشَّعْفَةِ، وَهِيَ أَعْلَى الجَبَلِ. وَ (مَواقِعَ القَطْرِ): يُرِيدُ الأَوْدِيَةَ وَالرِّحَابَ وَالبَرَارِي. وَوَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرَ أَمْوَالِهِمْ: أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فِتَنٌ وَعَذَابٌ وَفَسَادٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِذَا حَضَرَتْ تِلْكَ الفِتَنُ وَالعَذَابُ أَصَابَتِ [ ........ ] (١) الأَشْرَار مِنْهُمُ الرُّبَى وَغَيْرَهُ مِنَ الجِنَايَاتِ الجَارِيَةِ فِي الْأَمْوَالِ، فَمَنْ يَكُونُ لَهُ غَنَمٌ فَإِنَّهَا تَنْمُو [ ........ ] (٢) صَاحِبِهِ عَلَى الذَّبْحِ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَابٍ وَتَقَلُّبٍ مِنْهُ فِي طَلَبِهِ، وَلَا اخْتِلَاطٍ مِنْهُ بِالنَّاسِ مَعَ فَسَادِهِمْ، وَارْتِفَاعِ الأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ مِنْ بَيْنِهِمْ،

стр. 668

فَلَمَّا كَانَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الرِّفْقِ فِي الذَّبْحِ، وَصِيَانَةِ الدِّينِ كَانَ خَيْرَ الأَمْوَالِ الَّتِي يَعْتَنِي بِهَا المُسْلِمُ. * * * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ) (١). مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ وَيُدَاوِمُونَ، فَإِنْ كَانُوا هُمْ ﵃ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ وَأَعْظَمُ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَاقِبَةِ الأَمْرِ، (فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى) (٢) وَخَيْرُ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ (٣). فَلَمَّا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِأَحْوَالِهِمْ غَضِبَ لِذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْلَمُ بِأُمورِكُمْ، وَأَعْرَفُ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْمَرُوا بِهِ. وَقَوْلُهُمْ: (إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) أَيْ: لَيْسَتْ هَيْئَتُنَا كَهَيْئَتِكَ. وَ (الهَيْئَةُ): الحَالَةُ، فَحَذَفُوا الْمُضَافَ وَأَقَامُوا الْمُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، قَالَ

стр. 669

الشَّاعِرُ (١): [مِنَ الْمُتَقَارِبِ] .............. … خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ أَيْ: كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ. وَ (الهَيْئَةُ): الحَالَةُ وَالطَّرِيقَةُ، أَيْ: لَا يُسَاوِي حَالُنَا حَالَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَنَحْنُ لَا نَأْمَنُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُغْفَرْ لَنَا، فَقَالَ ﷺ : لَئِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ عِبَادَةَ اللهِ تَعَالَى لاِتِّقَائِكُمْ إِيَّاهُ، فَأَنَا أَتْقَاكُمْ للهِ، وَأَنَا أَحْوَجُ إِلَى العَمَلِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ عِلْمُكُمْ بِاللهِ ، وَمَعْرِفْتُكُمْ بِهِ، وَوُقُوفُكُمْ عَلَى عَظِيمٍ [ … ] (٢) له قَدْرِهِ، وَإِنَّمَا تُطِيعُونَهُ لِذَلِكَ، وَأَنَا أَعْرِفُهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، وَأُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ، فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ قَدَّرْنَا، فَأَنَا أَحْوَجُ إِلَى الطَّاعَةِ وَل [] (٣) مِنْكُمْ، فَقِفُوا عِنْدَ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَلَا تَعْتَرِضُوا. * * * * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) (٤). فِيهِ إِضْمَارُ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَابُدَّ مِنْ إِضْمَارِهَا فِيهِ لِيَصِحَّ ثَلاثٌ، لأَنَّ ثَلاثًا بلا هَاءٍ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا العَدَدِ مِنَ الإِنَاثِ، وَلَا يَجُوزُ إِضْمَارُ: أَشْيَاء، أَوْ أُمُور، لأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: ثَلَاثَةٌ، وَ (لَقَدْ كَانَتْ فِيهِ)، فَالْمُضْمَرُ

стр. 670

فِيهِ أَوْ مِثْلُهُ (١). وَقَوْلُهُ: (مِمَّا سِوَاهُمَا) إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مِمَّنْ سِوَاهُمَا لِأَنَّ (مَا) أَعَمُّ مِنْ (مَنْ)، وَمَعْنَاهُ: أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُمَا. (أَنْقَذَهُ اللهُ) أَيْ: خَلَّصَهُ اللهُ وَأَنْجَاهُ، يُقَالُ: أَنْقَذَ فُلانًا، وَاسْتَنْقَذَهُ إِذَا نَجَّاهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٢) أَيْ: أَنْجَاكُمْ. * * * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارِ) (٣). (المِثْقَالُ) بِوَزْنِ الْمِقْدَارِ هَا هُنَا: الْمِفْعَالُ مِنَ الثِّقَلِ، وَهُوَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: العَظِيمُ الثِّقَلِ الكَثِيرُهُ. وَ (الخَرْدَلُ): الحَرْفُ، وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، يُشْبِهُ الشَّيْءَ القَلِيلَ البَلِيغَ فِي القِلَّةِ، يُقَالُ: هُوَ أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وَمِنْ حَبَّ الخَرْدَلِ، وَمَقْصُودُهُ المُبَالَغَةُ فِي القِلَّةِ. يَعْنِي: يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَقَلُّ قَدْرٍ مِنَ الإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ: (قَدِ اسْوَدُّوا) أَيْ: صَارُوا كَالحُمَمِ، اسْوَدُّوا مِنْ تَأْثِيرِ النَّارِ.

стр. 671

وَ (الحَيَا أَوِ الحَيَاةُ) الَّذِي شَكَّ فِيهِ مَالِكٌ، فَأَمَّا (الحَيَا) فَهُوَ الْمَطَرُ. وَأَمَّا (الحَيَاةُ) فَمَعْنَاهُ: الْمَاءُ الَّذِي يَحْيَا مَنِ انْغَمَس فِيهِ وَدَخَلَهُ. وَ (الحِبَّةُ) وَاحِدَةُ الحِبِّ بِالكَسْرِ، وَهِيَ بُذُورُ الرَّيَاحِينِ، فَأَمَّا الَّذِي سَبَقَ فَهُوَ (الحَبَّةُ) وَاحِدَةُ الحَبِّ بِالفَتْحِ، وَهُوَ مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهَا. (أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةٌ) يُرِيدُ الرَّيْحَانَةَ، وَالاصْفِرَارُ مِنْ أَحْسَنِ أَلْوَانِ الرَّيَاحِينِ، وَسَيِّدُ رَيَاحِينِ الجَنَّةِ الحِنَّاءُ (١)، وَهُوَ أَصْفَرُ. وَ (مُلْتَوِيَةً) أَيْ: مُنْعَطِفَةً مُنْثَنَيَةً، وَذَلِكَ أَيْضًا يَزِيدُ الرَّيحَانَ حُسْنًا، أَعْنِي: اهْتِزَازَهُ وَتَمَيُّلَهُ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ

стр. 672

الْمَاءِ حَسَنًا نَضِرًا، مُتَنَشِّطًا، مُتَثَنِّيًا، خُرُوجَ هَذِهِ الرَّيَاحِينِ مِنْ جَانِبِ السَّيْلِ صَفْرَاءَ مُمْتَلئَةً. * * * * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ - (١): (بَيْنَا) إِخْبَارٌ عَنْ حَالَةِ الشَّخْصِ الَّتِي هُوَ فِيهَا. (رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) يَعْنِي: فِي حَالَةِ نَوْمِي. وَ (القُمُصُ) جَمْعُ قَمِيصٍ، كَرَغِيفٍ وَرُغْفٍ. وَ (عُرِضَ عَلَيَّ) أَيْ: أُبْدِيَ لِي، يُقَالُ: عَرَضَ الشَّيْءَ: إِذَا أَبْدَاهُ، وَأَعْرَضَ إِذَا بَدَأَ بِنَفْسِهِ. وَ (أَوَّلَ): فَعَّلَ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالتَّأْوِيلُ: ذِكْرُ مَا تَؤُولُ إِلَيْهِ عَاقِبَةُ الرُّؤْيَا. وَالدِّينُ لِلْإِنْسَانِ كَالقَمِيصِ فِي أَنَّهُ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّارِ، وَيَحْجُبُهُ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهِ، كَمَا أَنَّ القَمِيصَ يَسْتُرُ عَوْرَةَ الإِنْسَانِ، فَلَعَلَّهُ ﷺ إِنَّمَا أَوَّلَهُ بِالدِّينِ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ. * * * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى (٢) رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ … ) (٣). (الحَيَاءُ): الاسْتِحْيَاءُ، وَالاسْتِحْيَاءُ: تَرْكُ الشَّيْءِ لِدَهْشَةٍ (٤) تَلْحَقُهُ عِنْدَهُ، قَالَ

стр. 673

اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (١) أَيْ: يَتْرُكُونَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ (٢) أَيْ: لَا يَتْرُكُهُ، وَأَظُنُّ الحَيَاةَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ البَقَاءِ مِنَ الشَّخْصِ، أَوِ الإِمْهَالُ وَالتَّرْكُ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَ (الوَعْظُ): الزَّجْرُ، يَقُولُ: يَزْجُرُهُ عَلَى الحَيَاءِ، وَيَقُولُ لَهُ: لَا تَسْتَحِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهُ يَسْتَحْيِي، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ، إِذِ الشَّخْصُ قَدْ يَكُفُّ عَنِ الأَشْيَاءِ مِنْ مَنَاهِي الشَّرْعِ لِلْحَيَاءِ. وَيَكْثُرُ مِثْلُ هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ (٣)، يَلُومُ الرَّجُلُ أَخَاهُ عَلَى الحَيَاءِ، يَظُنُّ أَنَّ حَيَاءَهُ وَانْكِفَافَهُ عَنِ التَّمَهُّلِ فِي الأُمُورِ يَعُودُ عَلَيْهِ بِضَرَرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ. * * * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (٤). وَالشَّرَائِطُ (٥): يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَأَتَى بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَى وُجُوهِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ.

стр. 674

وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا فِعْلًا يَنْقُضُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَهُوَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ الإِيمَانِ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ (١). (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ) يُرِيدُ أَنَّ العِصْمَةَ إِنَّمَا تُرْفَعُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ لَا غَيْرُ، فَأَمَّا دُخُولُ النَّارِ وَالجَنَّةِ، وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا فِي عِلْم اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ مِمَّا لَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُهُ اللهُ فِي الآخِرَةِ. (وَالعِصْمَةُ): الحَقْنُ وَالحِفْظُ، يُقَالُ: عَصَمَ الشَّيْءَ إِذَا حَفِظَهُ. بَابُ الإِيمَان (٢) قَالَ البُخَارِيُّ بِعَقِبِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وَإِنَّمَا قَالَهُ اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مَعْنَاهُ: تُؤْمِنُونَ، وَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (٤). أَيْ: فَلْيُؤْمِنُوا، إِلَّا أَنْ يُخَاطِبَ بِهَذَا الكُفَّارَ، يَقُولُ: لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلُ هَذَا النَّعِيمِ، وَلَكُمْ فِي الجَحِيمِ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وَنَحْوُهَا مِنَ الأَوْزَارِ وَالبَلِيَّاتِ، فَلِمِثْلِ

стр. 675

نَعِيمِ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيُؤْمِنِ الكُفَّارُ (١). * * * وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَعَلَمٌ مُبِينٌ عَلَى مَا عُقِدَ لَهُ البَابُ. وَقَوْلُهُ: (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أَيْ: مَقْبُولٌ، يُقَالُ: بُرَّ حَجُّكُ أَيْ: قُبِلَ، وَجُعِلَ مِنَ الأَعَمْالِ [ ...... ] (٣)، فَهُوَ مَبْرُورٌ، وَالبِرُّ: فِعْلُ الخَيْرِ. * * * حَدِيثُ سَعْدِ بن أَبِي وَقَاصٍ (٤). (السَّعْدُ) ضِدُّ النَّحْسِ. وَ (الوَقَّاصُ): الكَثِيرُ الكَسْرِ، يُقَالُ: مِنْ وَقَصْتُ الشَّيْءَ: إِذَا كَسَرْتُهُ. وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ: مَالِكُ بنُ أُهَيْبِ بن عَبْدِ مَنَافِ بن زُهْرَةَ بن كِلَابٍ. وَقَوْلُهُ: (يَكُبُّهُ اللهُ فِي النَّارِ) أَيْ: يُوقِعُهُ فِيهَا مَنْكُوسًا، وَهُوَ مِنْ كَبَبْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَوْقَعْتُهُ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ اللُّغَةِ: فَعَلَ مُتَعَدٍّ، وَأَفْعَلَ لَازِمٌ، وَلَهُ نَظَائِرُ نَذْكُرُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالبَابُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، وَقَدْ سَبَقَ الكَلَامُ فِيهِ بِقَدْرِ الحَاجَةِ وَالإغْنَاء. * *

стр. 676

* حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفُ) (١). (السَّلَامُ) مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلَامَةِ، لِأَنَّهُ أَمَانٌ وَصَوَابٌ، فَإِذَا سَلَّمَ الرَّجُلُ عَلَى الآخَرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَلِمْتَ مِنْ أَنْ أَتَنَاوَلَكَ بِيَدِي وَلِسَانِي، أَيْ: أَنْتَ سَالِمٌ مِنِّي، آمِنٌ مِنْ شَرِّي، قَالَ : ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٢) أَيْ: سَلِمْتُمْ مِنْ آفَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقِيلَ: لِهَذَا كُرَّرَ مَرَّتَيْنِ. وَهُوَ فِي اسْمِ اللهِ مِنْ هَذَا أَيْضًا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: ذُو السَّلَامَةِ مِمَّا يَلْحَقُ المَخْلُوقِينَ مِنَ العَيْبِ وَالنَّقْصِ وَالفَنَاءِ وَالْمَوْتِ وَالزَّوَالِ وَالتَّغَيُّرِ. وَمِنْهُ: الجَنَّةُ دَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ السَّلَامَةِ، لِأَنَّ الصَّائِرَ إِلَيْهَا سَلِمَ مِنْ كُلِّ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الآفَاتِ كَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ وَالهَرَمِ. وَالسَّلَامُ: السَّدَادُ مِنَ القَوْلِ وَالصَّوَابِ؛ لِسَلَامَتِهِ مِنَ الكَذِبِ وَالإِثْمِ وَالعَيْبِ، قَالَ الله : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٣) مِنْ هَذَا، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التَّحِيَّةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ العُلَمَاءِ. وَالسَّلَامُ: شَجَرٌ قَوِيٌّ، اشْتَقَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ مِنْ هَذَا، قَالَ (٤): لِسَلامَتِهِ مِنَ الآفَاتِ، وَمِنْهُ: السَّلِيمُ: يَطْلُبُ السَّلَامَةَ، وَالسَّلَمُ: الصُّلْحُ، لأَنَّهُمْ يَتَسَالَمُونَ بِهِ.

стр. 677

وَيُقَالُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ بِالتَّنْوِينِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِسْقَاطِ التَّنْوِينِ، وَهُمَا سَوَاءٌ. فَأَمَّا فِي التَّحِيَّاتِ: فَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١): سَلَامٌ عَلَيْكَ بِالتَّنْوِينِ، لِحَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ (٢)، فَيُرَجِّحُهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣)، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ، رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ [عَنْهُ]، وَهُوَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ، فَهُوَ أَوْلَى. وَأَمَّا اخْتِيَارُ الكُوفِيِّينَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ (٤): السَّلَامُ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ، ذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ ابن مَسْعُودٍ، وَقَالُوا: هَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حَرْفَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمَا سَوَاءٌ، لأَنَّ التَّنْوِينَ يَقُومُ مَقَامَ الأَلِفِ وَاللَّامِ. وَقَوْلُ عَمَّارِ بن يَاسِرٍ: (وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ) (٥) يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : (جُهْدٌ

стр. 678

مِنْ مُقِلٍّ) (١)، لأَنَّ الإِقْتارَ هُوَ الفَقْرُ، يُقَالُ: أَقْتَرَ فَهُوَ مُقْتِرٌ أَيْ: أَعْدَمَ، وَأَضَافَ: قَتَر، وَقَتَّرَ، وَأَقْتَرَ: ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ. وَ (عَمَّارٌ) فَعَالٌ مِنَ العُمْرِ أَوِ العُمْرَةِ، أَوْ فَعَالٌ مِنْ عُمَرَ، فَهُوَ عَامِرٌ إِذَا طَالَ عُمُرُهُ، أَوْ مِنْ عَمَرَ يَعْمُرُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ خَرِبَ. وَ (يَاسِرٌ) فَاعِلٌ، يُقَالُ: يَسَّرْتُ فُلانًا إِذَا ضَرَبْتُ يَسَارَهُ، وَيَمَّنْتُهُ: ضَرَبْتُ يَمِينَهُ.

стр. 679

* حَدِيثُ كُفْرَانِ العَشِيرِ (١): أَصْلُ الكُفْرِ التَّغْطِيَةُ، يُقَالُ: كَفَرَ رَأْسَهُ بِالْمِغْفَرِ، كَمَا يُقَالُ: غَفَرْتُ، فَالْغَفْرُ وَالكُفْرُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنْهُ: الكَافِرُ: اللَّيْلُ لأَنَّهُ غَطَّى ضِيَاءَ النَّهَارِ، أَوْ يُغَطِّي الأَشْيَاءَ، وَالكَافِرُ: الزَّارِعُ؛ لأَنَّهُ يُغَطِّي البَذْرَ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ الكَافِرُ، لِأَنَّهُ يُغَطِّي تَوْحِيدَ اللهِ وَيَسْتُرُهُ. وَأَمَّا (الكُفْرانُ): هَا هُنَا، فَهُوَ أَنَّهُنَّ يَسْتُرْنَ نِعْمَةَ الْأَزْوَاجِ عَلَيْهِنَّ، وَلَا يَنْشُرْنَهَا. وَ (العَشِيرُ) بِمَعْنَى الْمُعَاشِرِ، كَالشَّرِيبِ بِمَعْنَى الْمُشَارِبِ، وَالأَكِيلِ بِمَعْنَى الْمُؤَاكِلِ، وَهُوَ الزَّوْجُ هَاهُنَا. وَالْمُعَاشَرَةُ: الْمُلَازَمَةُ، وَإِحْكَامُ الْمَحَبَّةِ. وَالعَشِيرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الزَّوْجَةُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. * * * * حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ (٢): [البَكْرَةُ] (٣) مِنَ الإِبِلِ وَاحِدَةُ البَكْرِ، وَبَكْرَةُ البِئْرِ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ الأدَاةُ

стр. 680

الخَشَبِيَّةُ الَّتِي يُلْقَى عَلَيْهَا الحَبْلُ فَيُسْتَقَى عَلَيْهَا، وَكَذَا كُلُّ خَشَبَةٍ يَدُورُ فِيهَا الحَبْلُ: بَكْرَةٌ، وَإِنَّمَا كُنِّي أَبُو بَكْرَةَ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثٍ مَشْهُورٍ (١). وَاسْمُهُ: نُفَيْعُ بنُ الحَارِثِ بن كَلَدَةَ طَبِيبُ العَرَبِ، وَالكَلَدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الأَرْضِ الغَلِيظَةُ. وَنُفَيْعٌ: تَصْغِيرُ نَفْعٍ، وَالحَارِثُ: الكَاسِبُ، وَالزَّارِعُ عَلَى الخُصُوص. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الشَّيْءِ، وَالاهْتِمَامَ بِهِ، وَالتَّهَيُّؤ لَهُ، وَالعَزْمَ عَلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ العَمَلِ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِلْمَقْتُولِ بِنِيَّتِهِ قَتَلَ القَاتِلِ كَمَا أَوْجَبَهُ لِلْقَاتِلِ بِقَتْلِهِ المَقْتُولَ. وَقَوْلُ الْأَحْنَفِ بن قَيْسٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: (لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) يَعْنِي عَلِيًّا ﵁. * * * * حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ - (٢): (الذَّرُّ): جَمْعُ الذَّرَّةِ، وَهِيَ صِغَارُ النَّمْلِ، وَاسْمُهُ: جُنْدُبُ بنُ السَّكَنِ، وَلَقَبُهُ: بُرَيْرُ بنُ عُبَادَةَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: ابن جُنَادَةَ، وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ. وَالجُنْدُبُ: وَاحِدُ الجَنَادِبِ، وَبُرَيْرٌ: تَصْغِيرُ بَرَّ، وَعِبَادَةُ: فَعَالَةٌ مِنْ عَبَدَ، وَجُنَادَهُ: فُعَالَةٌ مِنَ الجُنْدِ، وَهُمُ الأَعْوَانُ، أَوْ مِنَ الجَنَدِ: وَهِيَ الْأَرْضِ الغَلِيظَةُ فِيهَا حِجَارَةٌ بيضٌ.

стр. 681

وَ (سَابَبْتُ) فَاعَلْتُ مِنَ السَّبِّ وَهُوَ الشَّتْمُ، يُقَالُ: سَابَبْتُهُ وَسَبَبْتُهُ، وَهُوَ سَبَّنِي. (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) أَيْ أَلْزَمْتُهُ العَارَ بِأُمَّهِ، لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةٌ أَمَةً، يُقَالُ: عَيَّرْتُهُ الشَّيْء، وَعَيَّرْتُهُ بِالشَّيْء، وَالأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُجَاوَرَةٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَيْضًا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَوْ كَانَ (خَوَلُكُمْ إِخْوَانُكُمْ) قَالَ: هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ أَرَادَ إِظْهَارَ هَؤُلَاءِ الإِخْوَانِ فَقَالَ: (خَوَلُكُمْ) (١). وَ (الخَوَلُ): الخَدَمُ اسْمٌ كَالجِنْسِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الإِصْلَاح وَحِفْظِ الأُمُورِ، يُقَالُ: تَخَوَّلَهُ إِذَا تَعَهَّدَهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: فُلَانٌ خَالُ مَالٍ، وَخَائِلُ مَالٍ إِذَا كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهِ، حَافِظًا لَهُ، وَخَوَّلَهُ: نِعْمَةً أَيْ: أَعْطَاهُ، كَأَنَّهُ أَحْفَظَهَا إِيَّاهُ. وَمِنْهُ الخَبَرُ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا) (٢) هُوَ الْمَشْهُورُ بِاللَّامِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَبُو عَمْرِو بنُ العَلَاءِ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يَتَحَوَّلُنَا، أَوْ هُوَ: يَتَخَوَّنُنَا، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ التَّخَوُّنَ النَّقْصُ وَالتَّعَهدُ، إِلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ مَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ. وَرَوَى (٣) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بن العَلَاءِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُهُمْ بِالحَاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: يَطْلُبُ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي يَنْشَطُونَ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ، فَيَعِظُهُمْ

стр. 682

وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِمْ فِيهَا فَيَمَلُّوا. وَحَاصِلُ الحَدِيثِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ ﵁ إِنَّمَا كَانَ أَلْبَسَ غُلَامَهُ مِثْلَ لُبْسِهِ عَمَلًا بِهَذَا الحَدِيثِ، وَمَقْصُودُ البُخَارِيِّ ﵀ مِنْهُ فِي البَاب قَوْلُهُ: (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ). وَقَوْلُهُ: (مَا يَغْلِبُهُمْ) أَيْ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِكُلْفَةٍ وَصُعُوبَةٍ، وَالتَّكْلِيفُ: تَحْمِيلُكَ الشَّخْصَ شَيْئًا مَعَ كَلَفٍ يَلْحَقُهُ. * * * * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ - (١): (مَسْعُودٌ): مَفْعُولٌ مِنَ السَّعْدِ، يُقَالُ: سَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، أَيْ: أَصَابَهُ السَّعْدُ، وَيُقَالُ نَقِيضُهُ: نَحِسَ فَهُوَ مَنْحُوسٌ: أَصَابَهُ النَّحْسُ. وَقَوْلُهُ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ (٢): [أَيْ: لَمْ يُفْسِدُوا إِيمَانَهُمْ وَيُبْطِلُوهُ بِكُفْرٍ] (٣)، اللَّبْسُ: الخَلْطُ. [وَالخَلْطُ] (٤) بَيْنَهُمَا لَا يُتَصَوَّرُ، فَصَيَّرَهُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: لَمْ يَخْلِطُوا صِفَةَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَحَصَلَ لَهُمْ الصِّفَتَانِ إِيمَانٌ مُتَقَدِّمٌ، وَكُفْرٌ مُتَأَخِّرٌ، بِأَنْ

стр. 683

كَفَرُوا بَعْدَ أَنْ آمَنُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: يُنَافِقُوا، فَيَجْمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَانَا لَا يَجْتَمِعَانِ، وَيُبْطِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. * * * * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ - (١): (آيَةُ المُنَافِقِ) أَيْ: عَلَامَتُهُ، وَالعَلَامَةُ مَا يُعْلَمُ بِهِ الحَالُ لِلشَّيْء. قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [مِنَ الوَافِرِ] أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ … بِآيَةِ مَا يُحِبُّونَ الطَّعَامَا وَالآيَةُ مِنَ القُرْآنِ سُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ لانْقِطَاعِ كَلَامٍ مِنْ كَلَامٍ. وَ (النِّفَاقُ) هُوَ الخَصْلَةُ الْمَذْمُومَةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الإخْلاصِ. وَأَصْلُ البَابِ: الخُرُوجُ، فَنَافِقَا الفَأْرِ مِنْ هَذَا، لِأَنَّ النَّافِقَاءَ: مَوْضِعٌ يُرَقِّقُهُ اليَرْبُوعُ مِنْ جُحْرِهِ، فَإِذَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ القَاصِعَاءِ ضَرَبَ النَّافِقَاءَ بِرَأْسِهِ، فَانْتَفَقَ، أَيْ: خَرَجَ (٣)، وَكَأَنَّ الْمُنَافِقَ كُلَّمَا أَخَذَ شَيْئًا (٤) خَرَجَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ.

стр. 684

وَهُوَ البَيْعُ لِأَنَّهُ ضِدُّ الكَسَادِ، وَأَنْ يَكْثُرَ طَالِبُو الشَّيْءِ فَيَخْرُجُ المَتَاعُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا: نَفَقَتِ الدَّابَّةُ؛ كَأَنَّ رُوحَهَا خَرَجَتْ. فَنَفَقَ الشَّيْءُ إِذَا نَقَصَ وَانْقَطَعَ [ … ] (١) وَخَرَجَ مِنْ يَدِكَ، فَكَأَنَّ الْمُنَافِقَ خَرَجَ مِنْ هَذَا الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ الدِّينِ. وَالنِّفَاقُ أَيْضًا جَمْعُ نَفَقَةٍ، ذَكَرَهُ الفَارَابِي فِي دِيوَانِ الأَدَبِ (٢)، وَيُنَاسِبُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَخَرَ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الجُزْء الَّذِي يَضْرِبُهُ بِرَأْسِهِ ظَاهِرُهُ بُرَازٌ كَالأَرْضِ، وَبَاطِنُهُ حَفْرٌ فِي الْأَرْضِ، فَشُبَّهَ الْمُنَافِقُ بِهِ لإِظْهَارِهِ الإِيمَانَ، وَإِضْمَارِهِ الكُفْرَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِسَتْرِهِ كُفْرَهُ، فَهُوَ مِنَ النَّفَقِ، وَهُوَ السَّرْبُ يُسْتَرُ فِيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)، قَالَ الشَّاعِرُ (٤): [مِنَ الكَامِل] إِنَّ اللَّئِيْمَ وَإِنْ أَرَاكَ بَشَاشَةً … فَالغَيْبُ مِنْهُ وَالفِعَالُ لَئِيمُ وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى لَئِيمٍ فَاتَّخِذُ … نَفَقًا كَأَنَّكَ خَائِفٌ مَهْزُومُ قَوْلُهُ: (إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (٥) أَيْ: جُعِلَ أَمِينًا، وَهُوَ مَهْمُوزٌ فِي الأَصْلِ، إِلَّا أَنَّهُ من [ … ] (٦) فعله.

стр. 685

فَإِذَا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: أُوتُمِنَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا وَاوٌ، وَالأَصْلُ (أُؤْتُمِنَ) بِهَمْزَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ العَرَبَ تَكْرَهُ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، فَلَمَّا [ … ] (١) أَيْ الهَمْزَتَيْنِ فِي الوَصْلِ هُمِزَتْ عَلَى الأَصْلِ، وَيَجُوزُ فِيهِ: (ايتُمِنَ) لِأَنَّهُ تُخَفَّفُ الهَمْزَةُ، وَيُبْدَلُ مِنْهَا وَاوٌ، ثُمَّ تُقَلَبُ الوَاوُ يَاءً. * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ: (مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ) (٢): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْلَةُ القَدْرِ فَيَقُومَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا إِلَى قِيَامِ هَذِهِ اللَّيَالِي الَّتِي الغَالِبُ أَنَّ فِيهَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَهِيَ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ، فَإِذَا قَامَ هَذِهِ اللَّيَالِي، مُعْتَقِدًا أَنَّ فِيهَا لَيْلَةَ القَدْرِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ صَلَاتَهُ فِيهَا سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ، مُحْتَسِبًا بِفِعْلِهَا أَجْرًا. وَالاحْتِسَابُ: وَالحِسْبَةُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. * * * * حَدِيثُهُ الآخَرُ: (انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) (٣). أَيْ: اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ، وَأَوْجَبَ لَهُ، يُقَالُ: نَدَبَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا دَعَاهُ، وَانْتَدَبَ أَيْ: اسْتَجَابَ كَأَنَّهُ جَعَلَ جِهَادَ العَبْدِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى سُؤَالًا مِنْهُ الله ، وَدُعَاء لَهُ إِيَّاهُ.

стр. 686

وَقَوْلُهُ: (أَنْ أَرْجِعَهُ) أَرْجِعُ هَا هُنَا مُتَعَدٍّ. وَلِلْمُجَاهِدِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: حَالَتَانِ مَعَ الرُّجُوعِ، وَحَالَةٌ مَعَ القَتْلِ. وَإحْدَى الحَالَتَيْنِ مَعَ الرُّجُوعِ أَنْ يَنْصَرِفَ بِأَجْرٍ وَلَا غَنِيمَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ يَجْعَلُهَا الله أَجْرًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالحَالَةُ الَّتِي مَعَ القَتْلِ: هِيَ دُخُولُ الجَنَّةِ وَالتَّنَعُّمُ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: (مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةِ) أَيْ: مَا تَخَلَّفْتُ عَنْهَا، بَلْ خَرَجْتُ فِي جَمِيعِهَا بِنَفْسِي لِعِظَمِ الأَجْرِ فِيهِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَنَيْلِ السَّعَادَاتِ بِسَبَبِهِ. وَوَجْهُ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ مَا قَالَهُ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى: (وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي) (١) يَعْنِي: فَأَجْلِسُ لِهَذَا المَعْنَى. * * * * حَدِيثُهُ الآخرُ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ … ) (٢). الْمُحْتاجُ إِلَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الخَطَّابِيُّ فِيهِ مَا يَكْفِي (٣). قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ) (٤).

стр. 687

وَ (الحَنِيفِيَّةُ): مِلَّهُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ اللهُ : ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (١). وَالحَنيفُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، ثُمَّ تَسَمَّى مَنِ اخْتَتَنَ وَحَجَّ البَيْتَ حَنِيفًا. وَالحَنيفُ اليَوْمَ الْمُسْلِمُ، قَالَ الرَّاعِي (٢): [مِنَ الكَامِلِ] أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ … حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يَعْنِي: مُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا، لِأَنَّهُ حَنَفَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، أَيْ: مَالَ عَنْهَا وَعَدَلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ فِي الرَّجْلِ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَلَى ظَهْرِهَا. وَقَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: الحَنِيفُ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ: بُعِثْتُ بِالْمِلَّةِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ، الْمُخَالِفَةِ لِأَدْيَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا يَتَكَلَّفُهُ أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ مِنَ الشَّدَائِدِ. * * * * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) (٣). (اليُسْرُ): الخِفَّةُ وَالسُّهُولَةُ.

стр. 688

وَ (لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ) أَيْ: لَنْ يُغَالِبَ، يُقَالُ: شَادَدْتُهُ أَشَادُّهُ: فَاعَلْتُهُ مِنَ الشِّدَّةِ، كَشَارَرْتُهُ أَشَارُّهُ؛ مِنَ الشَّرِّ، وَكَذَا يَكُونُ فِي كِتَابِ البُخَارِيِّ، (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ)، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ (أَحَدٌ). أَيْ: لَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ، وَقَدْ وَرَدَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ (١). وَلَوْ رُوِيَ: (لَنْ يُشَادَّ الدِّينُ إِلَّا غَلَبَ) بِلا هَاءٍ لَكَانَ صَحِيحًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فَاعِلًا لِيُشَادَّ (٢)، فَيَكُونُ: كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ (٣) مَنْصُوبَي الْمَوْضِعِ. (فَسَدَّدُوا) أَيْ: الْزَمُوا السَّدَادَ، وَالسَّدَادُ: الصَّوَابُ، وَسَدَّدَ: أَقَامَ عَلَى السَّدَادِ، وَأَسَدَّ: إِذَا جَاءَ بِالسَّدَادِ، كَأَنَّكَ سُدَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. وَقَوْلُهُ: (وَقَارِبُوا): لَهُ مَعْنَيَانِ لَطِيفَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: قَارِبُوا في العِبَادَة، وَلَا تَتَشَدَّدُوا وَلَا تُبَاعِدُوا فِيهَا؛ فَإِنَّكُمْ وَإِنْ بَاعَدْتُمْ فِي ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغُوهُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: سَاعِدُوا، يُقَالُ: قَارَبْتُ فُلانًا إِذَا سَاعَدْتُهُ، أَيْ: لِيُسَاعِدْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الأُمُورِ (٤)، وَالأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَأَلْيَقُ بِالتَّرْجَمَةِ.

стр. 689

وَقَوْلُهُ: (وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ) قَدْ ذَكَرَهَا الخَطَّابِيُّ (١)، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَسْتَوْعِبُوا أَيَّامَكُمْ بِالعِبَادَةِ، بَلْ اعْبُدُوا الله تَعَالَى فِي طَرَفَي النَّهَارِ الَّذِي تَكُونُ العِبَادَةُ فِيهِ أَسْهَلَ. (وَشَيْءٍ مِنَ اللَّيلِ) أَيْ: وَلَا تَسْتَوْعِبُوا اللَّيْلَ أَيْضًا بِالعِبَادَةِ. * * * * حَدِيثُ البَرَاءِ ﵁ - (٢): هُوَ ابْنُ عَازِبٍ، وَ (البَرَاءُ) مَمْدُودٌ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَالبَرَى مَقْصُورٌ: التُّرَابُ، وَيُقَالُ فِي الحَدِيثِ: البَراءُ بْنُ عَازِبٍ فَيُمَدُّ وَيُقْصَرُ. وَ (عَازِبٌ) فَاعِلٌ مِنْ عَزَبَ، أَيْ: بَعْدَ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ): (مَا) هَذِهِ تُسَمَّى مَصْدَرِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ: (قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ: نَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي) لِمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ، لأَنَّ قِبْلَتَهُمْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَإِنَّمَا تَحَوَّلُوا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الكَعْبَةِ لِقَوْلِ الرَّجُلِ، وَحَلِفِهِ بِاللهِ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ. * * *

стр. 690

* حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (١): قَوْلُهُ: (زَلَفَهَا) أَيْ: قَدَّمَهَا، مِنَ الزُّلْفَةِ. إِنْ يُسْلِمْ يُوضَعْ كُلُّ شَيْءٍ مُمَاثَلَةً الشَّيْءَ، فَتَكُونُ الحَسَنَةُ مُقَابَلَةً بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. * * * * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ - (٢): (مَه): عِبَارَةٌ عَنِ الزَّجْرِ، أَيْ: انْزَجِرْ، وَيَكُونُ فِيهِ: مَهْ، وَمَهٍ، وَهُوَ اسْمٌ لِلزَّجْرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ مَا ذَكَرْنَا مِنْ دُخُولِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ التَّنْوِينُ كَانَ نَكِرَةً، فَإِذَا حَذَفُوا كَانَ مَعْرِفَةً، وَمِثْلُهُ: (صَهْ)، وَكَذَلِكَ: (إِيهِ وَإِيهٍ) بِمَعْنَى زِدْ، وَ (إِيهْ) بِمَعْنَى اقْطَعْ وَ (أَيْهًا)، وَ (هَيْهَاتَ وَهَيْهَاتٍ وَهَيْهَاتًا). وَهَذَا القِسْمُ مِنْ أَقْسَامِ التَّنْوين الَّذِي يَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى النَّكِرَةِ لِيَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا قُلْتَ: صَاحَ الغُرَابُ: غَاقِ غَاقٍ، فَالأَوَّلُ مَعْرَفَةٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ، وَالثَّانِي نَكِرَةٌ لِأَنَّهُ مُنَوَّنٌ (٣). وَقَوْلُهُ: (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا) قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ كَثِيرًا، وَقَدْ أَتَى الخَطَّابِيُّ (٤) فِي كِتَابِهِ مِنْهُ بِقَدْرٍ صَالِحٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ.

стр. 691

ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى: قَالَ اللهُ: لَا أَمَلُّ أَبَدًا مَلَلْتُمْ أَنْتُمْ أَوْ لَمْ تَمَلُّوا، فَجَرَى هَذَا مَجْرَى قَوْلِ العَرَبِ: لَا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يَشِيبَ الغُرَابُ، وَلَا أَلْقَاكَ حَتَّى يَبْيَضَّ القَارُ، يُرَادُ بِهِ: لَا أُكَلِّمُكَ وَلَا أَلْقَاكَ أَبَدًا (١). وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا القَائِلَ أَصَابَ لَعَمْرِي فِي مَعْنَى الحَدِيثِ (٢)، فَإِنَّ مَعْنَاهُ هَذَا، إِلَّا أَنَّهُ أَفْسَدَهُ بِالاسْتِشْهَادِ، فَإِنَّ العَرَبَ إِنَّمَا تَقُولُ: لَا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يشِيبَ الغُرَابِ [وَيَبْيَضَ القَارُ] (٣)، وَابْيضَاضُ القَارِ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ عُرْفًا (٤)، وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَنَّكُمْ لَا تَمَلُّونَ أَبَدًا، بَلْ مَقْصُودُهُ: تَمَلُّونَ وَلَا يَمَلُّ الله. وَمَقْصُودُ الأَوَّلِ: كَمَا لَا يَشِيبُ الغُرَابُ أَبَدًا لَا أَلْقَاكَ أَبَدًا، مَكَانَ المَسْأَلَةِ مَعَ الاسْتِشْهَادِ ضِدَّانِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَمَلُّ إِذَا مَلَلْتُمْ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ أُخْتِ تَأَبَّطَ شَرًّا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لِخَلَفٍ الأَحْمَرِ (٥): [مِنَ المَدِيدِ] صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيْلٌ بِخِرْقٍ … لَا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا

стр. 692

وَقَدْ ذَكَرَ الخَطَّابِيُّ (١) هَذَا الوَجْهَ، وَهُوَ صَالِحٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ (٢): أَنَّ الله لَا يَغْضَبُ عَلَيْكُمْ، وَيَطْرَحَكُمْ حَتَّى تَتْرُكُوا العَمَلَ لَهُ، وَتَزْهَدُوا فِي سُؤَالِهِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَسَمَّى الفِعْلَيْنِ مَلَلًا، وَلَيْسَا فِي الحَقِيقَةِ بِمَلَلٍ، عَلَى مَذْهَبِ العَرَبِ فِي وَضْعِ الفِعْلِ مَوْضِعَ الفِعْلِ إِذَا وَافَقَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الصَّلَتَان يَرْثِي الْمُغِيرَةَ مِنَ الْمُهَلَّبِ (٣): [مِنَ الكَامِل] سَبَقَتْ يَدَاكَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ … سَفِهَتْ لِمَنْقَذِهَا أُصُولُ جَوَانِحِ فَسَمَّى نُفُوذَ الطَّعْنَةِ سَفَهًا، وَلَيْسَ بِسَفَهٍ فِي الحَقِيقَةِ، وَقَوْلُ عَدِيِّ بن زَيْدٍ (٤): [مِنَ الرَّمَلِ] ثُمَّ أَضْحَوا لَعِبَ الدَّهْرُ بِهِمْ … وَكَذَاكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالرِّجَالُ فَجَعَلَ إِهْلَاكَهُ إِيَّاهُمْ لَعِبًا، وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ (٥): [مِنَ الطَّوِيلِ] وَأَبْيَضَ مَوْشِيِّ القَمِيصِ عَصَبْتُهُ … عَلَى ظَهْرِ مِقْلَاتٍ سَفِيهٍ جَدِيلُهَا أَرَادَ: مُتَحَرِّكٍ جَدِيلُهَا، فَجَعَلَ كَثرَةَ حَرَكَتِهَا سَفَهًا، وَمِثْلُهُ كَمَا يُقَالُ: حَزَنَتِ

стр. 693

الدَّارُ، وَبَكَتِ الدَّارُ، قَالَ ابن مُقْبِلٍ (١): [مِنَ الْمُتَقَارِبِ] لَعَمْرُ أَبِيكِ لَقَدْ شَاقَنِي … مَكَانٌ حَزِنْتُ لَهُ أَوْ حَزِنْ وَقَالَ مُزَاحِمٌ العُقَيْلِيُّ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] بَكَتْ دَارُهُمْ مِنْ نَأْيِهِمْ فَتَهَلَّلَتْ … دُمُوعِي فَأَيُّ الجَازِعِينَ أَلُومُ وَلَوْ أَتَيْنَا بِكُلِّ مَا وَرَدَ عَنِ العَرَبِ فِي هَذَا لَكَثُرَ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ، وَأَلْصَفُهَا بِالقُلُوبِ مَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مِنَ الأَئِمَّةِ [ … ] (٣). وَاخْتَارَ ابن الأَنْبَارِي أَنَّ الله لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ سُؤَالِهِ، فَسَمَّى فِعْلَ اللهِ مَلَلًا؛ وَلَيْسَ بِمَلَلٍ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى جِهَةِ الازْدِوَاجِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى اللَّفْظَتَينِ مُوافِقَةً لِلَّفْظَةِ الأُخْرَى وَإِنْ خَالَفَتْ مَعْنَاهَا كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) مَعْنَاهُ: فَجَازِهِ عَلَى اعْتِدَائِهِ، فَسَمَّاهُ اعْتِدَاءً وَهُوَ عَدْلٌ، لِتَزْدَوِجَ اللَّفْظَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الأُولَى. وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٥)، وَالسَّيِّئَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِسَيِّئَةٍ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهَا جَزَاءٌ، وَالْمُجَازِي بِمِثْلِ الفِعْلِ لَيْسَ بِظَالِمٍ وَلَا مُسِيءٍ، فَسَمَّاهَا سَيِّئَةً لِمَا ذَكَرْنَا.

стр. 694

وَقَالَ عَمْرُو بنُ كُلْثُومٍ (١): [مِنَ الوَافِرِ] أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا أَرَادَ: فَنْجَازِيَهِ، فَسَمَّاهُ جَهْلًا، وَالجَهْلُ لَا يَفْخَرُ بِهِ ذُو عَقْلٍ، [وَلَكِنَّهُ] (٢) عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، ذَكَرَهُ ابن الأَنْبَارِي، وَقَالَ: [هَذَا] (٣) الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ الحَدِيثِ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الحُسْنِ. وَقَوْلُهُ: (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أَيْ: أَحَبُّ العِبَادَةِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): أَحَبُّ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ: الطَّاعَةُ، وَالدِّينُ: العِبَادَةُ، وَقَالَ في كِتَابِهِ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (٥) أَيْ: مِنْ طَاعَةِ الإِمَامِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الخُرُوجُ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي لَفْظٍ آخَرَ: (يَمْرِقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (٦). وَالصَّوابُ مَا ذَكَرَهُ الخَطَّابِيُّ ﵀، لِأَنَّ الخَوَارِجَ (٧) غَيْرُ خَارِجِينَ مِنَ الدَّائِرَةِ

стр. 695

بِالاتِّفَاقِ مِنَ الفُقَهَاءِ (١). وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ وَرَدَ فِي لَفْظٍ آخَرَ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ)، فَمَنْ يَحْمِلُ الدِّينَ عَلَى الطَّاعَةِ، يَحْمِلُ الإِسْلَامَ عَلَى الاسْتِسْلَامِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ، يُقَالُ: أَسْلَمَ بِمَعْنَى: اسْتَسْلَمَ. وَالْمَقْصُودُ بِالدِّينِ: دِينُ الحَقِّ، لِأَنَّ الدِّينَ إِذَا أُطْلِقَ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ مُضَافٍ إِلَيْهِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إِلَّا دِينُ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ دِينٍ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا دُووِمَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ. * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (فِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ) (٢). إِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِي هَذَا البَابِ لِأَجْلِ الرِّوَايَةِ الأُخْرَى الَّتِي أَتْبَعَهَا، فَاسْتَدَلَّ بِالرِّوَايَةِ الأُخْرَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الخَيْرِ هَا هُنَا: الإِيمَانُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنَ الإِيمَانِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى نَقْصَانِ الإِيمَانِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِوَاحِدٍ وَزْنُ شَعِيرَةٍ، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ البُرَّةِ، ثُمَّ البُرَّةُ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الذُّرَّةِ، ثُمَّ الذُّرَّةُ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ لِلشَّخْصِ القَائِلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ قَدْرٌ مِنَ الإِيمَانِ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ القَدْرُ لِمَنْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ (٣).

стр. 696

* وَحَدِيثُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ - ضي الله عنه - (١). إِنَّمَا أَوْرَدَ الآيَةَ الَّتِي فِيهَا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ البَابِ، وَقَالَ: إِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نُقْصَانٌ. * حَدِيثُ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللهِ ﵁ (٣): (الطَّلْحَةُ) وَاحِدَةُ الطَّلْحِ، وَهُوَ شَجَرٌ. وَ (عُبَيْدٌ): تَصْغِيرُ عَبْدٍ. وَعُبَيْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ عُثمَانَ بن عَمْرِو بن كَعْبِ بن سَعْدِ بن تَمِيمٍ بِنِ مُرَّةَ كُنْيتُهُ: أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ لَهُ: طَلْحَةُ الخَيْرِ، وَطَلْحَةُ الفَيّاض، وَطَلْحَةُ الطَّلَحَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ (٤): [مِنَ الخَفِيفِ] رَحِمَ اللهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا … بِسِجْسَتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خُزَاعَةَ (٥). وَقَوْلُهُ: (ثَائِرَ الرَّأْسِ) أَيْ: مُنْتَفِشَ شَعَرِ الرَّأْسِ، يُقَالُ: ثَارَ الغُبَارُ، أَيْ:

стр. 697

انْتَشَرَ، وَفِتْنَةٌ ثَائِرَةٌ: مُنْتَشِرَةٌ، وَأَوْقَعَ اسْمَ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعَرِ [لِأَنَّهُ] (١) مِنْهَا نَبَتَ، كَمَا تُطْلِقُ العَرَبُ اسْمَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَطَرِ، لِأَنَّهُ مِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ. وَ (دَوِيُّ صَوْتِهِ) الدَّوِيُّ: مَا تَسْمَعُهُ وَلَا تَفْهَمُهُ، كَدَوِيِّ النَّحْلِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا فَهِمْتَ الكَلَامَ مِنْهُ لَمْ تَقُلْ لَهُ الدَّوِيُّ. وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) التَّشْدِيدُ مِنَ الطَّاءِ وَالتَّخْفِيفُ فِيهَا؛ فَإِذَا شَدَدْتَ فَلإِدْغَامٍ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاءِ، وَإِذَا خَفَّفْتَ: فَلإِسْقَاطِكَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَهِيَ التَّاءُ الأَصْلِيَّةُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَوْلَى بِالإِسْقَاطِ مِنَ التَّاءِ العَارِضَةِ الزَّائِدَةِ، لِأَنَّ الزَّائِدَةَ إِنَّمَا دَخَلَتْ لإِظْهَارِ مَعْنًى، فَلَا تُحْذَفُ لِيَزُولَ الغَرَضُ الَّذِي لِأَجْلِهِ دَخَلَتْ. وَخَصَّ هَذَا الحَدِيثَ بِالإِيرَادِ فِي هَذَا البَابِ - وَهُوَ بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الإِيمَانِ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ دِلَالَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّومَ مِنَ الإِيمَانِ، لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى فِي غَيْرِ هَذَا البَابِ بِغَيْرِ هَذَا الحَدِيثِ، وَلَمْ يَجِدْ فِي هَذَا شَيْئًا آخَرَ فَخَصَّهُ بِهَذَا البَابِ فَاعْلَمْ. حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ - (٢): قَوْلُهُ ﷺ : (مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ فَلَهُ كَذَا): لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَهُ أَوْ مَشَى مُحَاذِيًا لَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ مَا لَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ، بَل المَشْيُ فِي

стр. 698

أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، سَوَاءٌ عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا (١)، وَكُونُهُ وَرَاءَهَا أَوْلَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢) رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى أَنَّ الْمَشْيَ قُدَّامَهَا أَفْضَلُ، وَحَمَلَ الاتِّباعَ عَلَى الكَوْنِ مَعَهَا، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ [وَعُمَرَ] (٣) وَعُثْمَانَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): وَأَخْبَرَ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ، وَالْمُدَاوَمَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى الأَفْضَلِ،

стр. 699

لِأَنَّهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَى الجَنَازَةِ شُفَعَاءُ الْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَقُولُ فِي الدُّعَاءِ: (وَقَدْ جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهُ) (١). وَمِنْ شَأْنِ الشَّفِيعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، وَإِلَى هَذَا صَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢) وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ (٣) وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): الْمَشْيُ وَرَاءَهَا أَفْضَلُ، لَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ.

стр. 700

وَالقِيرَاطُ: هُوَ النَّصِيبُ مِمَّا يَأْخُذُهُ الْمُتَّبِعُ لِلْجَنَازَةِ مِنَ النَّصِيبِ وَالثَّوَابِ: يُقَالُ: لَهُ قِيرَاطٌ وَقِيرَاطَانِ. حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ (١): (السَّبَابُ): الْمُسَابَّةُ، وَهِيَ الْمُشَاتَمَةُ، يُقَالُ: سَابَبْتُهُ وَسَبَبتُهُ إِذَا شَاتَمْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِالشَّتْمِ. وَالسَّبُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الحَبْلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّبِيبَةِ وَهِيَ الرَّقِيقُ مِنَ الثَّوْبِ. فَأَمَّا وَجْهُ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنْ سَبَبِ الحَبْلِ، فَلِأَنَّهُ امْتِدَادٌ فِي الشَّرِّ، كَمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطْن لاِمْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ، وَبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنَ السَّبِيبَةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ تَرْقِيقَ جَاهِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ كَمَا يُقَالُ: [ … ] (٢) لَيْلَتَهُ أَيْ: ضَعَفَهَا وَرَفَّقَهَا، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ بَدِيعٌ. وَقَوْلُهُ: (فُسُوقٌ) أَيْ: خُرُوجٌ عَنِ الطَّاعَةِ، وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ فَاسِقٌ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا قُشِرَتْ عَنْ قِشْرِهَا، قَالَ اللهُ : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ﴾ (٣) أَيْ: خَرَجَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ، وَالذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي تُسَمَّى فُسُوقًا.

стр. 701

بِسْمِ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ بَابِ: خَوْفِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَإِلَيْه انْتَهَى [مَا تَوَلَّاهُ] (١) وَلَدِي أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵀، وَنَوَّرَ قَبْرَهُ مِنْ شَرْحِ الكِتَابِ، وَمِنْ هَاهُنَا تَوَلَّيتُ أَنَا شَرْحَهُ، فَأَقُولُ وَأَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَسْأَلُهُ أَنَّ يُجْرِيَ فِي ذَلِكَ الصَّوَابَ عَلَى لِسَانِي، وَأَنْ يُجْزِلَ الثَّوَابَ لابْنِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ لِسَبْقِهِ إِلَى هَذَا الشَّرْحِ، وَشَرْحِ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَحماله عَلَيْهِمَا، وَاخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ إِيَّاهُ دُونَ إِتْمَامِهَا، فَذَهَبَ بِطَرَائِهِ، وَأَوْجَعَ القُلُوبَ، وَأَدْمَعَ العُيُونَ ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَبَلَغَهُ دَرَجَةً عَالِيَةً فِيهِ. فيهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (٢). (تَلَاحَى) أَيْ: تَخَاصَمَ، وَفِي الحَدِيثِ: (وَعَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ) (٣)، قِيلَ:

стр. 702

الْمُلَاحَاةُ: السِّبَابُ. وَقَوْلُهُ: (عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ) أَيْ: إِنَّمَا نُسِّيتُ ذِكْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا لِتَزيدُوا فِي الاجْتِهَادِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَيَكُونَ زِيَادَةً فِي ثَوَابِكُمْ. وَمَعْنَى: (رُفِعَتْ): أَيْ نَسِيتُهَا، وَرُفِعَتْ مِنْ قَلْبِي. وَفِيهِ دِلَالَةٌ أَنَّ الخُصُومَةَ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، وَأَنَّهَا تَشْغَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الخَيْرِ. بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ (١) وَأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ تَرْتِيبٍ وَتَفْصِيلٍ لِمَا يَتَضَمَّتُهُ اسْمُ الإِيمَانِ مِنْ قَوْلٍ

стр. 703

وَفِعْلٍ وَإِخْلَاصٍ، أَلَا تَرَى كَيْفَ فَسَّرَ الإِحْسَانَ بِالإِخْلَاصِ فِي العِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا المَعْنَى خَارِجًا عَنِ الْجَوَابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ [حَدِيثُ] (١) وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: (تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ) (٢)، فَجَعَلَ هَذِهِ الأَعْمَالَ كُلَّهَا إِيمَانًا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ [أَنَّ] (٣) الإِسْلَامَ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ العَمَلَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الاِسْمِ. وَفِي قَوْلِهِ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ) إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) أَيْ: عَلَامَاتِهَا، وَفِي الحَدِيثِ: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا) (٤)، أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِهَا. قَالَ الأَصْمَعِيُّ (٥): وَمِنْهُ الاِشْتِرَاطُ الَّذِي يَشْتَرِطُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، إِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ يَجْعَلُونَهَا بَيْنَهُمْ.
следующие страницы →