← Акыда

Акыда · id 12624

الإسلام أصوله ومبادئه

محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

Полный текст (172 стр.). Показаны 141–172 · переход к 146.

стр. 141

(١) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (٢) فإذا شاء الله أمرا قال له: كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (٣) والله سبحانه كما أنه قدر كل شيء فهو الخالق لكل شيء، قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (٤) وقال عز من قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] (٥) فخلق العباد لطاعته، وبينها لهم، وأمرهم بها، ونهاهم عن معصيته، وبينها لهم، وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكنون بها من فعل أوامر الله، فيحصل لهم الثواب، ومن ارتكاب معاصيه، فيستحقون العذاب. فإذا آمن الإنسان بالقضاء والقدر تحقق له ما يلي: ١ - اعتماده على الله عند فعل الأسباب، لأنه يعلم أن السبب والمسبب كلاهما بقضاء الله وقدره. ٢ - راحة النفس وطمأنينة القلب، لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله وقدره، وأن المكروه المقدر كائن لا محالة ارتاحت نفسه ورضي بقضاء الله، فلا أحد أطيب عيشا وأريح نفسا وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر. ٣ - طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والفلاح؛ فيشكر الله على ذلك.

стр. 142

٤ - طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه، لأن ذلك بقضاء الله الذي لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو كائن لا محالة، فيصبر ويحتسب الأجر من الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] (١) . ٥ - التوكل التام على الله سبحانه، لأن المسلم يعلم أنه سبحانه بيده - وحده - النفع والضر، فلا يرهب قويا لقوته، ولا يتوانى عن فعل خير مخافة أحد من البشر، قال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (٢) .

стр. 143

[المرتبة الثالثة] المرتبة الثالثة الإحسان وهو ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيعبد الإنسان ربه على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في أداء العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها. فالعبد يراقب ربه في أداء العبادة، ويستحضر قربه منه حتى كأنه يراه، فإن شق عليه ذلك فليستعن على تحقيقه بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره (١) . فالعبد الذي بلغ هذه المنزلة يعبد ربه مخلصا، لا يلتفت إلى أحد سواه، فلا ينتظر ثناء الناس، ولا يخشى ذمهم، إذ حسبه أن يرضى عنه ربه، ويحمده مولاه. فهو إنسان تساوت علانيته وسره، فهو عابد لربه في الخلوة والجلوة، موقن - تمام اليقين - أن الله مطلع على ما يكنه قلبه وتوسوس به نفسه، هيمن الإيمان على قلبه، واستشعر رقابة ربه عليه، فاستسلمت جوارحه لبارئها، فلا يعمل بها من العمل إلا ما يحبه الله ويرضاه، مستسلم لربه.

стр. 144

وحيث تعلق قلبه بربه فلا يستعين بمخلوق، لاستغنائه بالله، ولا يشتكي لإنسان، لأنه أنزل حاجته بالله سبحانه وكفى به معينا، ولا يستوحش في مكان، ولا يخاف من أحد، لأنه يعلم أن الله معه في كل أحواله، وهو حسبه ونعم النصير، ولا يترك أمرا أمره الله به، ولا يقترف معصية لله، لأنه يستحيي من الله، ويكره أن يفقده حيث أمره، أو يجده حيث نهاه، ولا يعتدي أو يظلم مخلوقا أو يأخذ حقه، لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأنه سبحانه سيحاسبه على أفعاله. ولا يفسد في الأرض، لأنه يعلم أن ما فيها من خيرات ملك لله تعالى، سخرها لخلقه فهو يأخذ منها على قدر حاجته، ويشكر ربه أن يسرها له. إن ما ذكرته لك، وعرضته أمامك في هذا الكتيب ما هو إلا الأمور المهمة، والأركان العظيمة في الإسلام، وهذه الأركان هي التي إذا آمن العبد بها، وعمل بها أصبح مسلما، وإلا فإن الإسلام - كما ذكرت لك - دين ودنيا، عبادة ومنهج حياة، إنه نظام إلهي شامل كامل حوى في تشريعاته كل ما يحتاج إليه الفرد والأمة على حد سواء في جميع مجالات الحياة الاعتقادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويجد فيه الإنسان قواعد وأصولا وأحكاما تنظم السلم

стр. 145

والحرب، والحقوق الواجبة، وتحافظ على كرامة الإنسان والطير والحيوان والبيئة من حوله، وتبين له حقيقة الإنسان والحياة والموت، والبعث بعد الموت، ويجد فيه - أيضا - المنهج الأمثل لمعاملة الناس من حوله من مثل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٣) . ويحسن بنا وقد عرضنا مراتب هذا الدين، وأركان كل مرتبة من مراتبه أن نذكر نبذة يسيرة من محاسنه.

стр. 146

[من محاسن الإسلام] من محاسن الإسلام (١) يعجز القلم عن الإحاطة بمحاسن الإسلام، وتضعف العبارة عن الوفاء بذكر فضائل هذا الدين؛ وما ذاك إلا لأن هذا الدين هو دين الله ، فكما لا يحيط البصر بالله إدراكا، ولا يحيط به البشر علما، فكذلك شرعه سبحانه لا يحيط القلم به وصفا، وقد قال ابن القيم ﵀: " وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم، والملة الحنيفية، والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها، ولا يدرك الوصف حسنها، ولا تقترح عقول العقلاء - ولو اجتمعت وكانت على أكمل رجل منهم - فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها، وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها. . ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة بكمال العلم، وكمال الحكمة، وسعة الرحمة والبر والإحسان، والإحاطة بالغيب والشهادة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده، فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أنه هداهم لها، وجعلهم من أهلها، وممن ارتضاهم لها، فلهذا امتن على عباده بأن هداهم لها قال

стр. 147

تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (١) وقال معرفا لعباده ومذكرا عظيم نعمته عليهم، مستدعيا منهم شكره على أن جعلهم من أهلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٢) . ومن شكر الله علينا بهذا الدين أن نذكر طرفا من محاسنه فنقول: ١ - أنه دين الله:: أن الدين الذي ارتضاه الله لنفسه، وبعث به رسله، وأذن لخلقه بأن يعبدوه من خلاله، فكما لا يشابه الخالق المخلوق، فكذلك لا يشابه دينه - وهو الإسلام - قوانين الخلق وأديانهم، وكما اتصف سبحانه بالكمال المطلق فكذلك دينه له الكمال المطلق في الوفاء بالشرائع التي تصلح معاش الناس ومعادهم، والإحاطة بحقوق الخالق سبحانه وواجبات العباد نحوه، وحقوق بعضهم على بعض، وواجبات بعضهم لبعض. ٢ - الشمول:: من أبرز محاسن هذا الدين شموله لكل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٣) فشمل هذا الدين كل ما يتعلق بالخالق

стр. 148

من أسماء الله وصفاته وحقوقه، وكل ما يتعلق بالمخلوق من شرائع وتكاليف وأخلاق وتعامل، وأحاط هذا الدين بخبر الأولين والآخرين، والملائكة والأنبياء والمرسلين، وتحدث عن السماء والأرض والأفلاك والنجوم والبحار والأشجار والكون، وذكر سبب الخلق وغايته ونهايته، وذكر الجنة ومآل المؤمنين، وذكر النار ونهاية الكافرين. ٣ - أنه يصل الخالق بالمخلوق: اختص كل دين باطل وكل ملة بأنها تصل الإنسان بإنسان مثله عرضة للموت والضعف والعجز والمرض، بل ربما تربطه بإنسان مات منذ مئات السنين وأصبح عظاما وترابا. . . واختص هذا الدين الإسلام بأنه يصل الإنسان بخالقه مباشرة، فلا قسيس ولا قديس، ولا سر مقدس، إنما هو الاتصال المباشر بين الخالق والمخلوق، اتصال يربط العقل بربه فيستنير ويسترشد ويسمو ويتعالى ويطلب الكمال، ويترفع عن السفاسف والصغائر، إذ كل قلب لم يرتبط بخالقه فهو أضل من بهيمة الأنعام. وهو اتصال بين الخالق والمخلوق يتعرف من خلاله على مراد الله منه، فيعبده على بصيرة، ويتعرف على مواطن رضاه فيطلبها، ومواطن سخطه فيجتنبها. وهو اتصال بين الخالق العظيم وبين المخلوق الضعيف الفقير، فيطلب منه المدد والعون والتوفيق، ويسأله أن يحفظه من كيد الكائدين وعبث الشياطين.

стр. 149

٤ - مراعاة مصالح الدنيا والآخرة: بنيت شريعة الإسلام على مراعاة مصالح الدنيا والآخرة، وإتمام مكارم الأخلاق. أما بيان مصالح الآخرة: فقد بين هذا الشرع وجوهها، ولم يغفل منها شيئا، بل فسرها وأوضحها لئلا يجهل منها شيء، فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها. أما بيان المصالح الدنيوية: فقد شرع الله في هذا الدين ما يحفظ على الإنسان دينه ونفسه وماله ونسبه وعرضه وعقله. أما بيان مكارم الأخلاق: فقد أمر بها ظاهرا وباطنا، ونهى عن رذائلها وسفاسفها، فمن المكارم الظاهرة النظافة والطهارة والتنزه عن الأقذار والأوساخ، وندب إلى التطيب وتحسين الهيئة، وحرم الخبائث كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وأمر بأكل الطيبات، ونهى عن الإسراف والتبذير. أما النظافة الباطنية فترجع إلى التخلي عن مذموم الأخلاق، والتحلي بمحامدها ومستحسنها، فالأخلاق المذمومة كالكذب والفجور والغضب والحسد والبخل ومهانة النفس وحب الجاه وحب الدنيا والكبر والعجب والرياء، ومن الأخلاق المحمودة: حسن الخلق وحسن الصحبة للخلق والإحسان إليهم والعدل والتواضع والصدق وكرم

стр. 150

النفس والبذل والتوكل على الله والإخلاص والخوف من الله والصبر والشكر (١) . ٥ - اليسر: إحدى الصفات التي تميز هذا الدين؛ ففي كل شعيرة من شعائره يسر، وكل عبادة من عبادته يسر، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٢) وأول هذا اليسر: أن من يريد أن يدخل في هذا الدين فلا يحتاج إلى وساطة بشرية، أو اعتراف بماض سابق، بل كل ما عليه أن يتطهر ويتنظف، ويشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يعتقد معناهما ويعمل بمقتضاهما. ثم إن كل عبادة يدخلها اليسر والتخفيف إذا سافر الإنسان أو مرض، ويكتب له من العمل مثلما كان يعمل صحيحا مقيما، بل إن حياة المسلم تصبح ميسرة مطمئنة، بخلاف حياة الكافر فإنها ضنك وعسر، وكذلك موت المؤمن يكون يسيرا فتخرج روحه كما تخرج القطرة من الإناء، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] (٣) أما الكافر فتحضر الملائكة الشداد الغلاظ عند موته ويضربونه بالسياط، قال تعالى:

стр. 151

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] (٢) . ٦ - العدل: أن الذي شرع الشرائع الإسلامية هو الله وحده، وهو خالق الخلق كلهم الأبيض والأسود والذكر والأنثى، وهم أمام حكمه وعدله ورحمته سواء، وقد شرع لكل من الذكر والأنثى ما يناسبه، فحينئذ يستحيل أن تحابي الشريعة الرجل على حساب المرأة، أو تفضل المرأة وتظلم الرجل، أو تخص الإنسان الأبيض بخصائص وتحرم منها الإنسان الأسود، فالكل أمام شرع الله سواء، لا فرق بينهم إلا بالتقوى. ٧ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تضمن هذا الشرع مزية شريفة، وخصيصة منيفة، ألا وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب على كل مسلم ومسلمة بالغ عاقل مستطيع أن يأمر وينهى وفق استطاعته، حسب مراتب الأمر والنهي، وهي أن يأمر أو ينهى بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وبهذا تصبح الأمة كلها رقيبة على الأمة، فكل فرد

стр. 152

يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من قصر في معروف أو ارتكب منكرا، سواء كان حاكما أو محكوما حسب استطاعته ووفق الضوابط الشرعية التي تضبط هذا الأمر. فهذا الأمر - كما ترى - واجب على كل فرد حسب استطاعته، في حين تفخر كثير من النظم السياسية المعاصرة بأنها تتيح لأحزاب المعارضة أن تراقب سير العمل الحكومي وأداء الأجهزة الرسمية. فهذه بعض محاسنه، ولو أردت الإطالة لاستدعى ذلك الوقوف عند كل شعيرة وكل فرض وكل أمر وكل نهي لبيان ما فيه من الحكمة البالغة، والتشريع المحكم، والحسن البالغ، والكمال المنقطع النظير، ومن تأمل شرائع هذا الدين علم - علم اليقين - أنها من عند الله، وأنها الحق الذي لا شك فيه، والهدى الذي لا ضلال فيه. فإن أردت الإقبال على الله، واتباع شرعه، واقتفاء أثر أنبيائه ورسله فباب التوبة أمامك مفتوح، وربك الغفور الرحيم يدعوك ليغفر لك.

стр. 153

[التوبة] التوبة قال ﷺ : «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (١) والإنسان ضعيف في نفسه، وضعيف في همته وعزمه، ولا يستطيع أن يحتمل تبعة ذنبه وخطيئته، فخفف الله على الإنسان رحمة به، فشرع له التوبة، وحقيقة التوبة: ترك الذنب لقبحه - خوفا من الله، ورجاء لما أعده لعباده -، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما بقي من العمر بالأعمال الصالحة (٢) فهي كما ترى عمل قلبي صرف بين العبد وبين ربه، لا تعب عليه ولا نصب، ولا معاناة عمل شاق، إنما هي عمل القلب، والإقلاع عن الذنب، وألا تعود إليه، وفي الامتناع ترك وراحة (٣) . فلا تحتاج لأن تتوب على يد بشر يفضح أمرك، ويكشف سترك ويستغل ضعفك؛ إنما هي مناجاة بينك وبين ربك، تستغفره وتستهديه فيتوب عليك. فليس في الإسلام خطيئة موروثة، ولا مخلص منتظر من البشر، بل كما وجدها اليهودي النمساوي المهتدي محمد أسد حيث قال: " لم

стр. 154

أستطع أن أجد في أيما مكان في القرآن أيما ذكر لحاجة إلى " الخلاص " ليس هناك في الإسلام من خطيئة أولى موروثة تقف بين الفرد ومصيره؛ ذلك أنه ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (١) ولا يطلب من الإنسان أن يقدم قربانا أو يقتل نفسه لتفتح له أبواب التوبة ويتخلص من الخطيئة " (٢) بل كما قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] (٣) . وللتوبة آثار وثمار عظيمة، نذكر منها: ١ - أن يعرف العبد سعة حلم الله وكرمه في ستره، وأنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده، فلم يطب له معهم عيش، بل جلله بستره، وغشاه بحلمه، وأمده بالحول والقوة، والرزق والقوت. ٢ - أن يعرف حقيقة نفسه، وأنها نفس أمارة بالسوء، وأن ما صدر منها من خطيئة وذنب وتقصير فهو دليل على ضعف النفس وعجزها عن الصبر عن الشهوات المحرمة، وأنه لا غنى بها عن الله - طرفة عين - ليزكيها ويهديها. ٣ - شرع سبحانه التوبة ليستجلب بها أعظم أسباب سعادة العبد، وهو اللجوء إلى الله والاستعانة به، كما يستجلب بها أنواع الدعاء والتضرع والابتهال والفاقة والمحبة والخوف والرجاء، فتقرب النفس من خالقها قربا خاصا لم يكن ليحصل لها بدون التوبة واللجوء إلى الله.

стр. 155

٤ - أن يغفر الله له ما سلف من ذنبه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] (١) . ٥ - أن تبدل سيئات الإنسان حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (٢) . ٦ - أن يعامل الإنسان بني جنسه - في إساءتهم إليه، وزلاتهم معه - بما يحب أن يعامله الله به في إساءته وزلاته وذنوبه، فإن الجزاء من جنس العمل، فإذا عامل الناس بهذه المعاملة الحسنة تعرض لمثلها من ربه تعالى، وأنه سبحانه يقابل إساءته وذنوبه بإحسانه، كما كان هو يقابل إساءة الخلق إليه. ٧ - أن يعلم أن نفسه كثيرة الزلات والعيوب، فيوجب له ذلك الإمساك عن عيوب الخلق، ويشتغل بإصلاح نفسه عن التفكر في عيوب الآخرين (٣) . وأختم هذه الفقرة بخبر رجل جاء إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله ما تركت حاجة ولا داجة إلا قد أتيت قال: (أليس تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟) ثلاث مرات، قال: نعم. قال:

стр. 156

(ذاك يأتي على ذاك) » ، وفي رواية: «فإن هذا يأتي على ذلك كله» (١) . وفي رواية أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: «أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها فلم يشرك بالله تعالى شيئا، وهو في ذلك لا يترك حاجة أو داجة إلا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من توبة؟ قال: هل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله ﷺ . قال: (نعم! تفعل الخيرات، وتترك السيئات؛ فيجعلهن الله لك خيرات كلهن) . قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: (نعم) . قال: الله أكبر. فما زال يكبر حتى توارى» (٢) . فالإسلام يجب ما قبله، والتوبة الصادقة تمحو ما قبلها، كما ثبت بذلك الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 157

[عاقبة من لم يلتزم بالإسلام] عاقبة من لم يلتزم بالإسلام كما تبين لك في هذا الكتاب أن الإسلام هو دين الله، وهو الدين الحق، وهو الدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين، وقد رتب الله الأجر العظيم في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وتوعد بالعذاب الشديد من كفر به. وبما أن الله هو الخالق المالك المتصرف في هذا الكون، وأنت أيها الإنسان خلق من خلقه، خلقك وسخر لك جميع ما في الكون، وشرع لك شرعه، وأمرك باتباعه؛ فإن آمنت وأطعت ما أمرك به، وانتهيت عما نهاك عنه، فزت بما وعدك الله به في الدار الآخرة من النعيم المقيم، وسعدت في الدنيا بما يمن عليك من أصناف النعم، وكنت متشبها بأكمل الخلق عقولا، وأزكاهم نفوسا، وهم الأنبياء والمرسلون والصالحون والملائكة المقربون. وإن كفرت وعصيت ربك خسرت دنياك وأخراك، وتعرضت لمقته وعذابه في الدنيا والآخرة، وكنت متشبها بأخبث الخلق، وأنقصهم عقولا، وأحطهم نفوسا من الشياطين والظلمة والمفسدين والطواغيت، هذا على سبيل الإجمال.

стр. 158

وسأبين لك شيئا من عواقب الكفر على وجه التفصيل، وهي: ١ - الخوف وعدم الأمن: وعد الله الذين آمنوا به واتبعوا رسله بالأمن التام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] (١) والله هو المؤمن والمهيمن، وهو المالك لجميع ما في الكون، فإذا أحب عبدا لإيمانه منحه الأمن والسكينة والطمأنينة، وإذا كفر به المرء سلبه طمأنينته وأمنه، فلا تراه إلا خائفا من مصيره في الدار الآخرة، وخائفا على نفسه من الآفات والأمراض، وخائفا على مستقبله في الدنيا، ولذا يقوم سوق التأمين على النفس وعلى الممتلكات لعدم الأمن، ولعدم التوكل على الله. ٢ - المعيشة الضنك: خلق الله الإنسان، وسخر له جميع ما في الكون، وقسم لكل مخلوق حظه من الرزق والعمر، فأنت ترى الطير يغدو من عشه ليجد رزقه فيلتقطه، وينتقل من غصن إلى غصن، ويتغنى بأعذب الألحان، والإنسان مخلوق من هذه المخلوقات التي قسم لها رزقها وأجلها، فإن آمن بربه، واستقام على شرعه، منحه السعادة والاستقرار، ويسر له أمره، وإن لم يتوافر له إلا أدنى مقومات الحياة.

стр. 159

وإن كفر بربه، واستكبر عن عبادته جعل حياته ضنكا، وجمع عليه الهموم والغموم، وإن ملك جميع وسائل الراحة، وأصناف المتاع. ألست ترى كثرة المنتحرين في الدول التي كفلت لأفرادها جميع وسائل الرفاهية؟ ألست ترى الإسراف في أصناف الأثاث وأنواع الأسفار من أجل الاستمتاع بالحياة؟ إن الذي يدفع إلى الإسراف في ذلك هو خلو القلب من الإيمان، والشعور بالضيق والضنك، ومحاولة تبديد هذا القلق بوسائل متغيرة ومتجددة، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] (١) . ٣ - أنه يعيش في صراع مع نفسه، ومع الكون من حوله: ذلك أن نفسه فطرت على التوحيد، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] (٢) وجسده استسلم لخالقه، وسار على نظامه، فأبى الكافر إلا أن يناقض فطرته، ويعيش في أموره الاختيارية معارضا لأمر ربه، فلئن كان جسده مستسلما فإن اختياره معارضا. وهو في صراع مع الكون من حوله، ذلك لأن هذا الكون كله من أكبر مجراته إلى أصغر حشراته يسير على التقدير الذي شرعه له ربه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]

стр. 160

(١) بل هذا الكون يحب من وافقه في استسلامه لله، ويكره من خالفه، والكافر هو النشاز في هذا الخلق حيث نصب نفسه معارضا لربه مظاهرا عليه، ولذا حق للسماوات والأرض وسائر المخلوقات أن تبغضه وتبغض كفره وإلحاده، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] (٢) وقال سبحانه عن فرعون وجنده: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] (٣) . ٤ - أنه يعيش جاهلا: إذ الكفر هو الجهل، بل هو أعظم الجهل؛ لأن الكافر يجهل ربه، يشاهد هذا الكون الذي خلقه ربه فأبدعه، ويرى من نفسه عظيم الصنعة، وجليل الخلقة، ثم يجهل من خلق هذا الكون، ومن ركب نفسه، أليس هذا أعظم الجهل؟ ؟ ٥ - أن يعيش ظالما لنفسه، ظالما لمن حوله: لأنه سخر نفسه لغير ما خلقت له، ولم يعبد ربه، بل عبد غيره،

стр. 161

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وأي ظلم أعظم من توجيه العبادة لغير مستحقها، وقد قال لقمان الحكيم مبينا شناعة الشرك: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (١) . وهو ظلم لمن حوله من البشر والمخلوقات، لأنه لا يعرف لذي حق حقه، فإذا كان يوم القيامة قام في وجهه كل من ظلمه من إنسان أو حيوان يطلب من ربه أن يقتص له منه. ٦ - أنه عرض نفسه لمقت الله وغضبه في الدنيا: فيكون عرضة لأن تنزل به المصائب، وتحل به الكوارث؛ عقوبة عاجلة، قال جل ثناؤه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١] (٣) وقال عز من قائل: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] (٤) وهذا شأن كل من أعرض عن ذكر الله، قال تعالى مخبرا عن عقوبات الأمم الماضية الكافرة:

стр. 162

﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] (١) وكما ترى مصائب من حولك ممن حلت به عقوبة الله ونكاله. ٧ - أن تكتب له الخيبة والخسران: فبسبب ظلمه خسر أعظم ما تتمتع به القلوب والأرواح، وهو معرفة الله والأنس بمناجاته، والسكينة إليه، وخسر الدنيا، لأنه عاش فيها حياة بائسة حائرة، وخسر نفسه التي كان يجمع من أجلها، لأنه لم يسخرها لما خلقت له، ولم يسعد بها في الدنيا؛ لأنها عاشت شقية، وماتت شقية، وستبعث مع الأشقياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] (٢) وخسر أهله، لأنه عاش معهم على الكفر بالله، فهم مثله في الشقاء والضنك سواء، ومصيرهم إلى النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] (٣) ويوم القيامة يحشرون إلى النار، وبئس القرار، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣] (٤) .

стр. 163

٨ - أنه يعيش كافرا بربه جاحدا لنعمه: فإن الله أوجده من عدم، وأسبغ عليه جميع النعم، فكيف يعبد غيره، ويوالي سواه، ويشكر من دونه. . . وأي جحود أعظم من هذا؟ وأي نكران أشنع من هذا؟ ٩ - أنه يحرم الحياة الحقيقية: ذلك أن الإنسان الجدير بالحياة هو الذي آمن بربه، وعرف غايته، وتبين مصيره، وأيقن بمبعثه، فعرف لكل ذي حق حقه، فلا يغمط حقا، ولا يؤذي مخلوقا، فعاش عيشة السعداء، ونال الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] (١) وفي الآخرة: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] (٢) . أما من عاش في هذه الحياة عيشة شبيهة بحياة البهائم، فلا يعرف ربه، ولا يدري ما غايته؟ ولا يعلم أين مصيره؟ بل غايته أن يأكل ويشرب وينام. . فأي فرق بينه وبين سائر الحيوانات؟ بل هو أضل منها، قال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] (٣) وقال عز من قائل: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] (٤) .

стр. 164

١٠ - أنه يخلد في العذاب: ذلك أن الكافر ينتقل من عذاب إلى عذاب، فهو يخرج من الدنيا - وقد تجرع غصصها ومصائبها - إلى الدار الآخرة، وفي أول مرحلة منها تنزل به ملائكة الموت تسبقها ملائكة العذاب، لتذيقه من العذاب ما يستحقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] (١) ثم إذا خرجت روحه ونزل في قبره لقي من العذاب أشده، قال تعالى مخبرا عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (٢) ثم إذا كان يوم القيامة وبعثت الخلائق، وعرضت الأعمال، ورأى الكافر أن الله قد أحصى عليه جميع أعماله في ذلك الكتاب الذي قال الله عنه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] (٣) هناك يود الكافر لو كان ترابا: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٤) . ولشدة هول الموقف فإن الإنسان لو كان يملك جميع ما في الأرض لافتدى به من عذاب ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الزمر: ٤٧] (٥) وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ - وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ - وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١١ - ١٤] (٦) .

стр. 165

ولأن تلك الدار دار جزاء وليست دار أماني فلا بد أن يلقى الإنسان جزاء عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وشر ما يلقى الكافر في الدار الآخرة عذاب النار، وقد نوع الله على أهلها أصناف العذاب ليذوقوا وبال أمرهم، فقال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ - يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤] (١) وقال مخبرا عن شرابهم وملابسهم: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ١٩ - ٢١] (٢) .

стр. 166

[الخاتمة] الخاتمة يا أيها الإنسان: كنت عدما محضا، قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] (١) ثم خلقك الله من نطفة، فجعلك سميعا بصيرا، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا - إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ١ - ٢] (٢) ثم تدرجت من ضعف إلى قوة، ومردك إلى ضعف، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] (٣) ثم النهاية التي لا شك فيها الموت. وأنت في تلك المراحل تنتقل من ضعف إلى ضعف، لا تستطيع أن تدفع عن نفسك الضر، ولا تجلب لنفسك النفع إلا باستعانتك على ذلك بنعم الله عليك من الحول والقوة والقوت، وأنت فقير محتاج من حيث الفطرة، فكم هناك من شيء تحتاج إليه لاستبقاء حياتك ليس في متناول يدك، وقد تناله مرة، وتسلبه أخرى، وكم هناك من أشياء تنفعك وتريد الحصول عليها، وقد تفوز بها مرة ولا تظفر بها أخرى، وكم من شيء

стр. 167

يضرك ويخيب آمالك، ويضيع جهودك ويجلب لك المحن والآفات، وتريد دفعه عن نفسك، فتدفعه مرة وتعجز أخرى. . ألم تستشعر فقرك وحاجتك إلى الله؟ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] (١) . يعترضك فيروس ضعيف لا تراه العين المجردة، فيرديك صريع المرض، فلا تستطيع دفعه، وتذهب إلى إنسان ضعيف مثلك ليعالجك، فمرة يصيب الدواء، وتارة يعجز الطبيب، فتعم الحيرة المريض والطبيب. ألا ما أضعفك يا ابن آدم، لو سلبك الذباب شيئا ما استطعت استعادته منه، وصدق الله حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] (٢) فإذا كنت لا تستطيع استنقاذ ما سلبك الذباب فماذا تملك من أمرك؟ : " ناصيتك بيد الله، ونفسك بيده، وقلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، وحياتك وموتك بيده، وسعادتك وشقاوتك بيده، وحركاتك وسكناتك وأقوالك بإذن الله ومشيئته، فلا تتحرك إلا بإذنه ولا تفعل إلا بمشيئته، إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى عجز وضعف وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكلك إلى غيرك، وكلك

стр. 168

إلى من لا يملك لك ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فلا غنى لك عنه طرفة عين، بل أنت مضطر إليه على مدى الأنفاس ظاهرا وباطنا، يسبغ عليك النعم، وأنت تتبغض إليه بالمعاصي والكفر مع شدة الضرورة إليه من كل وجه، قد اتخذته نسيا ومردك إليه ومرجعك وموقفك بين يديه " (١) . يا أيها الإنسان: نظرا لضعفك وعجزك عن تحمل تبعات ذنوبك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] (٢) أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع، ونصب أمامك الطريق المستقيم، وأقام البينات والحجج والشواهد والبراهين، حتى جعل لك في كل شيء آية دالة على وحدانيته وربوبيته وألوهيته، وأنت تدفع الحق بالباطل، وتتخذ الشيطان وليا من دون الله، وتجادل بالباطل: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (٣) أنستك نعم الله التي تتقلب فيها بدايتك ونهايتك! أولا تذكر أنك خلقت من نطفة؟ ومردك إلى حفرة، ومبعثك إلى جنة أو نار، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ - وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] (٤) قال تعالى

стр. 169

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ - الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ - فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨] (١) . يا أيها الإنسان لماذا تحرم نفسك لذة الوقوف بين يدي الله تناجيه؟ ليغنيك من فقر، ويشفيك من مرض، ويفرج كربتك، ويغفر ذنبك، ويكشف ضرك، وينصرك إن ظلمت، ويدلك إن تحيرت وضللت، ويعلمك ما جهلت، ويؤمنك إذا خفت، ويرحمك حال ضعفك، ويرد عنك أعداءك، ويجلب لك رزقك (٢) . يا أيها الإنسان إن أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان - بعد نعمة الدين - هي نعمة العقل، ليميز به بين ما ينفعه وما يضره، وليعقل عن الله أمره ونهيه، وليعرف به أعظم غاية وهي عبودية الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ - ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤] (٣) . يا أيها الإنسان إن الإنسان العاقل يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها، ويود أن يقتدي بكل صالح وكريم من الأنبياء والصالحين، وتتطلع نفسه إلى أن يلحق بهم وإن لم يدركهم، والسبيل إلى ذلك هو ما أرشد إليه سبحانه بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (٤)

стр. 170

وإذا امتثل ذلك ألحقه الله بالأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (١) . يا أيها الإنسان إنما أعظك بأن تخلو بنفسك، ثم تتأمل ما جاءك من الحق، فتنظر في أدلته، وتتدبر براهينه، فإن رأيته حقا فهلم إلى اتباعه، ولا تكن أسير الإلف والعادة، واعلم أن نفسك أعز عليك من أقرانك وأترابك وميراث أجدادك، وقد وعظ الله الكفار بهذا وندبهم إليه فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] (٢) . يا أيها الإنسان إنك حينما تسلم لن تخسر شيئا، قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩] (٣) قال ابن كثير ﵀: " وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة، وآمنوا بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها، وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم، فيوفقه ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي الذي من

стр. 171

طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة " (١) إن إسلامك لن يحول بينك وبين أي شيء تريد عمله أو تناوله مما أحله الله لك، بل إن الله يأجرك على كل عمل تعمله تبتغي به وجه الله، وإن كان مما يصلح دنياك ويزيد في مالك أو جاهك أو شرفك، بل حتى ما تتناوله من المباحات إذا احتسبت أن تكتفي بالحلال عن الحرام، فلك فيه أجر، قال ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٢) . يا أيها الإنسان إن الرسل جاءوا بالحق، وبلغوا مراد الله، والإنسان محتاج إلى معرفة شرع الله، ليسير في هذه الحياة على بصيرة، وليكون في الآخرة من الفائزين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] (٣) وقال عز شأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] (٤) . يا أيها الإنسان إنك إن أسلمت لن تنفع إلا نفسك، وإن كفرت لن تضر إلا نفسك، إن الله غني عن عباده، فلا تضره معصية العاصين،

стр. 172

ولا تنفعه طاعة الطائعين، فلن يعصى إلا بعلمه، ولن يطاع إلا بإذنه، وقد قال الله كما أخبر عنه نبيه ﷺ : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (١) . والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.