وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره، ويشرك به سواه، هو مستسلم من حيث فطرته التي فطر عليها.
إذا أدركت هذا فتعال ننظر في أمر الإنسان، فستجد أن الإنسان يتنازعه أمران: الأول: الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان من الاستسلام لله، ومحبة التعبد له والتقرب إليه، ومحبة ما يحبه الله من الحق والخير والصدق، وبغض ما يبغضه الله من الباطل والشر والجور والظلم، وما يتبع ذلك من دواعي الفطرة من محبة المال والأهل والولد، والرغبة في الأكل والشرب والنكاح، وما يتطلبه ذلك من قيام أعضاء الجسم بوظائفها اللازمة لها.
الثاني: مشيئة الإنسان واختياره، وقد أرسل الله إليه الرسل، وأنزل الكتب ليميز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، وأمده بالعقل والفهم ليكون على بصيرة في اختياره، فإن شاء سلك طريق الخير فقاده إلى الحق والهدى، وإن شاء سلك سبل الشر فقادته إلى الشر والبوار.
فإذا نظرت إلى الإنسان باعتبار الأمر الأول وجدته مجبولا على الاستسلام، مفطورا على التزامه ولا محيد له عنه شأنه شأن غيره من المخلوقات.
وإذا نظرت إليه باعتبار الأمر الثاني وجدته مختارا يختار ما يشاء
стр. 107
فإما أن يكون مسلما، وإما أن يكون كافرا: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] (١) .
ولذا تجد الناس على نوعين: إنسان يعرف خالقه، ويؤمن به ربا ومالكا وإلها يعبده وحده، ويتبع شريعته في حياته الاختيارية، كما هو مفطور على الاستسلام لربه لا محيد له عنه تابع لتقديره، وهذا هو المسلم الكامل الذي قد استكمل إسلامه، وقد أصبح علمه صحيحا، لأنه عرف الله خالقه وبارئه الذي أرسل إليه الرسل، وأولاه قوة العلم والتعلم، وأصبح عقله صحيحا ورأيه سديدا، لأنه أعمل فكره ثم قضى ألا يعبد إلا الله الذي أكرمه بموهبة الفهم والرأي في الأمور، وأصبح لسانه صحيحا ناطقا بالحق لأنه لا يقر الآن إلا برب واحد هو الله تعالى الذي أنعم عليه بقوة النطق والكلام، فكأن حياته ما بقي فيها الآن إلا الصدق، لأنه منقاد لشرع الله فيما له الخيرة فيه من أمره، وامتدت بينه وبين سائر المخلوقات في الكون آصرة التعارف والتآنس، لأنه لا يعبد إلا الله الحكيم العليم، الذي تعبده وتذعن لأمره وتنقاد لتقديره المخلوقات كلها، وقد سخرها من أجلك أيها الإنسان.
стр. 108
[حقيقة الكفر]
حقيقة الكفر وبإزائه إنسان آخر، ولد مستسلما، وعاش مستسلما طول حياته، من غير أن يشعر باستسلامه أو يفطن له، ولم يعرف ربه، ولم يؤمن بشرعه، ولم يتبع رسله، ولم يستخدم ما منحه الله من العلم والعقل ليعرف من خلقه، وشق سمعه وبصره، فأنكر وجوده، واستكبر عن عبادته، وأبى أن ينقاد لشرع الله فيما أوتي فيه حق التصرف والاختيار من أمور حياته أو أشرك به غيره، وأبى أن يؤمن بآياته الدالة على وحدانيته، وهذا هو الكافر.
ذلك بأن معنى الكفر هو الستر والتغطية والمواراة، يقال: كفر درعه بثوبه إذا غطاها به ولبسه فوقها، فيقال لمثل هذا الرجل: " كافر "، لأنه ستر فطرته وغطاها بغطاء من الجهل والسفاهة.
وقد علمت أنه ما ولد إلا على فطرة الإسلام، ولا تعمل أعضاء جسده إلا طبقا لفطرة الإسلام، ولا تسير الدنيا حوله بأسرها إلا على سنن الاستسلام، ولكنه غطي بحجاب مستور من الجهل والسفاهة، وتوارت عن بصيرته فطرة الدنيا وفطرة نفسه، فتراه لا يستخدم قواه الفكرية والعلمية إلا فيما يخالف فطرته، ولا يرى إلا ما يناقضها، ولا يسعى إلا فيما يبطلها.
ولك أن تقدر الآن بنفسك ما ارتكس فيه الكافر من الضلال
стр. 109
البعيد والغي المبين (١) .
وهذا الإسلام الذي يطلب منك أن تمتثله ليس بالأمر العسير، بل هو يسير على من يسره الله عليه، فالإسلام هو ما سار عليه هذا الكون كله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] (٢) وهو دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٣) وهو إسلام الوجه لله كما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] (٤) وقد بين النبي ﷺ معنى الإسلام فقال: «أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك لله، وتؤتي الزكاة المفروضة» (٥) «وسأل رجل الرسول ﷺ : ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت» (٦) وكما قال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة،
стр. 110
وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١) وقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) .
وهذا الدين - وهو دين الإسلام - الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] (٣) وقال جل ثناؤه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (٤) وقال عز شأنه عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] (٥) وقال تعالى في خبر المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] (٦) .
وهذا الدين - الإسلام - يستمد تشريعاته وعقائده وأحكامه من الوحي الإلهي - القرآن والسنة - وسأذكر لك نبذة مختصرة عنهما.
стр. 111
[أصول الإسلام ومصادره]
[من مصادر الإسلام القرآن العظيم]
أصول الإسلام ومصادره اعتاد أتباع الأديان المنسوخة والملل الوضعية أن يقدسوا كتبا متوارثة فيهم، كتبت في أزمنة غابرة، وقد لا يعلم حقيقة من كتبها، ولا من ترجمها، ولا في أي زمن كتبت، إنما كتبها أناس يعتريهم ما يعتري البشر من الضعف والنقص والهوى والنسيان.
أما الإسلام فإنه يتميز عن غيره حيث يعتمد على المصدر الحق (الوحي الإلهي) القرآن والسنة، وفيما يلي تعريف موجز بهما: أ - القرآن العظيم: علمت فيما سبق أن الإسلام هو دين الله، ولأجل ذلك أنزل الله القرآن على رسوله محمد ﷺ هدى للمتقين، ودستورا للمسلمين، وشفاء لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء، ونبراسا لمن أراد الله لهم الفلاح والضياء، وهو مشتمل على الأصول التي بعث الله من أجلها الرسل (١) ولم يكن القرآن بدعا من الكتب، كما لم يكن محمد ﷺ بدعا من الرسل، فقد أنزل الله على إبراهيم ﵇ صحفا، وأكرم موسى ﵇ بالتوراة، وداود ﵇ بالزبور، وجاء المسيح ﵇ بالإنجيل، وهذه الكتب وحي من الله أوحاه إلى أنبيائه ورسله، ولكن هذه الكتب المتقدمة فقد كثير منها، واندرس معظمها، ودخلها التحريف والتبديل.
стр. 112
أما القرآن العظيم فقد تكفل الله بحفظه، وجعله مهيمنا وناسخا لما سبقه من الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (١) ووصفه الله بأنه تبيان لكل شيء، فقال جل ثناؤه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (٢) وأنه هدى ورحمة، فقال عز من قائل: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] (٣) وأنه يهدي للتي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] (٤) فهو يهدي البشرية لأقوم سبيل في كل شأن من شؤون حياتها.
ومن استحضر كيف نزل القرآن الكريم، وكيف حفظ عرف للقرآن قدره، وأخلص لله قصده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] (٥) .
فمن نزل القرآن هو الله رب العالمين.
ومن نزل به هو الروح الأمين جبريل ﵇.
ومن نزل على قلبه هو النبي ﷺ .
وهذا القرآن آية باقية لمحمد ﷺ ضمن آيات باقيات إلى يوم القيامة - فقد كانت آيات الأنبياء السابقين ومعجزاتهم تنتهي بانتهاء
стр. 113
حياتهم، أما هذا القرآن فقد جعله الله حجة باقية.
وهو الحجة البالغة، والآية الباهرة، تحدى الله البشر أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة من سوره، فعجزوا على الرغم من أنه يتكون من حروف وكلمات، والأمة التي أنزل عليها هي أمة الفصاحة والبلاغة، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] (١) .
ومما يشهد لهذا القرآن أنه وحي من عند الله أنه تضمن أخبارا كثيرة عن الأمم السابقة، وتنبأ عن حوادث مستقبلية وقعت كما أخبر، وذكر من البراهين العلمية الشيء الكثير مما لم يتوصل العلماء إلى بعضه إلا في هذا العصر، ومما يشهد لهذا القرآن - أيضا - أنه وحي من عند الله أن النبي الذي أنزل عليه هذا القرآن لم يعهد عنه مثله، ولم ينقل عنه ما يشابهه قبل تنزل القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] (٢) بل كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتردد على شيخ، ولم يجلس إلى معلم، ومع ذلك يتحدى الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٣) وهذا الرجل الأمي الذي وصف في التوراة والإنجيل بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب يأتي إليه أحبار اليهود والنصارى - الذين لديهم بقايا من التوراة والإنجيل - يسألونه عما
стр. 114
يختلفون فيه، ويحتكمون إليه فيما يتشاجرون فيه، قال تعالى موضحا خبره في التوراة والإنجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١) وقال تعالى مبينا سؤال اليهود والنصارى لمحمد ﷺ : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] (٥) .
ولقد حاول القس إبراهيم فيلبس في أطروحة الدكتوراة النيل من القرآن، فعجز عن ذلك وقهره القرآن بحججه وبراهينه ودلائله، فأعلن عجزه واستسلم لخالقه وأعلن إسلامه (٦) .
وحينما أهدى أحد المسلمين نسخة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الدكتور الأمريكي جفري لانغ وجد أن هذا القرآن يخاطب نفسه، ويجيب على أسئلته، ويزيل الحواجز التي بينه وبين نفسه، بل قال: " إن
стр. 115
الذي أنزل القرآن كأنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي " (١) كيف لا والذي أنزل القرآن هو الذي خلق الإنسان؟ وهو الله سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٢) ثم كانت قراءته لترجمة معاني القرآن الكريم سببا في إسلامه وتأليفه لهذا الكتاب الذي نقلت لك منه.
والقرآن العظيم شامل لكل ما يحتاج إليه البشر، فهو شامل لأصول القواعد والعقائد والأحكام والمعاملات والآداب، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٣) ففيه الدعوة إلى توحيد الله، وذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، ويدعو إلى صحة ما جاء به الأنبياء والمرسلون، ويقرر المعاد والجزاء والحساب، ويقيم الحجج والبراهين على ذلك، ويذكر أخبار الأمم الماضية وما حل بها من المثلات في الدنيا، وما ينتظرهم من العذاب والنكال في الآخرة.
وفيه من الآيات والدلائل والبراهين الشيء الكثير مما يدهش العلماء، ويناسب كل عصر، ويجد فيه العلماء والباحثون ضالتهم، وسأذكر لك ثلاثة أمثلة فقط تكشف لك شيئا من ذلك، وهذه الأمثلة هي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] (٤) وقال عز شأنه:
стр. 116
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] (١) .
ومن المعلوم أن محمدا ﷺ لم يركب البحر، ولم يكن في عصره الوسائل المادية التي تعين على اكتشاف أعماق البحر، فمن الذي أخبر محمدا ﷺ بهذه المعلومات إلا الله؟
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] (٢) ولم يكتشف العلماء هذه التفاصيل الدقيقة عن مراحل خلق الجنين إلا في هذا العصر.
٣ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٣) فلم تعتد البشرية هذا التفكير الشامل ولا تفكر فيه، فضلا عن أن تستطعيه، بل إذا رصد فريق من العلماء نبتة أو حشرة وسجلوا ما عرفوا عنها تملكنا الإعجاب لذلك، علما أن ما خفي عليهم من حالها أكثر مما رصدوه.
стр. 117
وقد قارن العالم الفرنسي موريس بوكاي بين التوراة والإنجيل والقرآن، وبين ما توصلت إليه الاكتشافات الحديثة فيما يتعلق بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان؛ فوجد أن الاكتشافات المعاصرة موافقة لما ورد في القرآن، بينما وجد التوراة والإنجيل المتداولة اليوم متضمنة لمعلومات كثيرة خاطئة عن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان والحيوان (١) .
[من مصادر الإسلام السنة النبوية]
ب - السنة النبوية: أنزل الله إلى الرسول ﷺ القرآن الكريم، وأوحى إليه مثله وهو السنة النبوية الشارحة والمبنية للقرآن، قال ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (٢) فقد أذن له أن يبين ما في القرآن من عموم أو خصوص أو إجمال، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (٣) .
والسنة هي المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وهي جميع ما روي عن النبي ﷺ بسند صحيح متصل إلى الرسول - من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
стр. 118
وهي وحي من الله إلى رسوله محمد ﷺ ، لأن النبي ﷺ لا يتكلم عن هوى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥] (١) إنما يبلغ إلى الناس ما أمر به، قال تعالى ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] (٢) .
والسنة المطهرة هي التطبيق الفعلي للإسلام أحكاما وعقائد وعبادات ومعاملات وآدابا، فقد كان النبي ﷺ يمتثل ما أمر به، ويبينه للناس، ويأمرهم أن يفعلوا مثل فعله كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به في أفعاله وأقواله، حتى يتم لهم كمال إيمانهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٤) ونقل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أقوال النبي ﷺ وأفعاله إلى من بعدهم، ونقلها هؤلاء إلى من بعدهم، ثم تم تدوينها في دواوين السنة، وقد كان نقلة السنة يتشددون فيمن ينقلون عنه، ويطلبون فيمن يأخذون عنه أن يكون معاصرا لمن أخذ عنه، حتى يتصل السند من الراوي إلى رسول الله ﷺ (٥) وأن يكون جميع رجال السند ثقات عدولا صادقين أمناء.
стр. 119
والسنة كما أنها التطبيق الفعلي للإسلام، فهي - أيضا - تبين القرآن الكريم، وتشرح آياته، وتفصل المجمل من أحكامه، حيث كان النبي ﷺ يبين ما نزل إليه تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما معا، وقد تستقل السنة عن القرآن الكريم ببيان بعض الأحكام والتشريعات.
ويجب الإيمان بالقرآن والسنة على أنهما المصدران الأساسيان في دين الإسلام اللذان يجب اتباعهما والرد إليهما، واتباع أمرهما، واجتناب نهيهما، وتصديق أخبارهما، والإيمان بما فيهما من أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما أعده الله لأوليائه المؤمنين، وما توعد به أعداءه الكافرين، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٢) .
وبعد التعريف بمصادر هذا الدين يحسن بنا أن نذكر مراتبه، وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسنتناول بشيء من الإيجاز أركان هذه المراتب.
стр. 120
[مراتب الدين]
[المرتبة الأولى]
[شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ]
المرتبة الأولى (١) الإسلام: وأركانه خمسة، وهي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ : ومعنى شهادة ألا إله إلا الله: أي لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق، وكل إله غيره باطل (٢) وتقتضي إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عما سواه، ولا تنفع قائلها حتى يتحقق فيه أمران:
الأول: قول لا إله إلا الله عن اعتقاد وعلم ويقين وتصديق ومحبة.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فمن قال هذه الشهادة ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم ينفعه هذا القول (٣) .
стр. 121
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وأن تعلم وتعتقد بأن محمدا رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقي التشريع سواء في العقيدة، أم في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أم في نظام الحكم والتشريع، أم في مجال الأخلاق، أو في مجال بناء الأسرة، أو في مجال التحليل والتحريم. . لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ لأنه رسول الله المبلغ عنه شريعته (١) .
[من مراتب الدين الصلاة]
الثاني: الصلاة: (٢) هي الركن الثاني من أركان الإسلام، بل هي عمود الإسلام، إذ هي صلة بين العبد وربه، يكررها كل يوم خمس مرات، يجدد فيها إيمانه، ويطهر فيها نفسه من أدران الذنوب، وتحول بينه وبين الفواحش والآثام، فإذا استيقظ العبد من نومه في صباحه - مثل بين يدي ربه طاهرا نظيفا - قبل أن ينشغل بحطام الدنيا - ثم كبر ربه، وأقر بعبوديته واستعانه واستهداه، وجدد ما بينه وبين ربه من ميثاق الطاعة والعبودية ساجدا وقائما وراكعا، يكرر ذلك في كل يوم خمس مرات، ويلزم لأداء هذه
стр. 122
الصلاة أن يكون متطهرا في قلبه وبدنه وثوبه ومكان صلاته، وأن يؤديها المسلم جماعة مع إخوانه المسلمين - إن تيسر له ذلك - متوجهين بقلوبهم إلى ربهم، ومتوجهين بوجههم إلى الكعبة المشرفة بيت الله، فالصلاة قد وضعت على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبد بها الخالق ﵎ عباده، من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح، من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين والرأس وحواسه، وسائر أجزاء بدنه، كل يأخذ حظه من هذه العبادة العظيمة.
فالحواس والجوارح تأخذ بحظها منها، والقلب يأخذ حظه منها، فهي مشتملة على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير، وشهادة الحق، وقراءة القرآن الكريم، والقيام بين يدي الرب مقام العبد الذليل الخاضع للرب المدبر، ثم التذلل له في هذا المقام والتضرع والتقرب إليه، ثم الركوع والسجود والجلوس خضوعا وخشوعا واستكانة لعظمته وذلا لعزته، قد انكسر قلبه، وذل له جسمه، وخشعت له جوارحه، ثم يختم صلاته بالثناء على الله، والصلاة والسلام على نبيه محمد ﷺ ، ثم يسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة (١) .
[من مراتب الدين الزكاة]
الثالث: الزكاة: (٢) هي الركن الثالث من أركان الإسلام، ويجب على المسلم الغني
стр. 123
أن يخرج زكاة ماله، وهي جزء يسير جدا، ويدفعها إلى الفقراء والمساكين وغيرهم ممن يجوز دفعها إليهم.
ويجب أن يدفعها المسلم إلى مستحقها طيبة بها نفسه، ولا يمن بها على أهلها، ولا يؤذيهم بسببها، ويجب أن يدفعها المسلم ابتغاء رضوان الله، لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا من الخلق؛ بل يدفعها خالصة لوجه الله لا رياء ولا سمعة.
وفي إخراج الزكاة استجلاب للبركة، وتطييب لنفوس الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وإغناء لهم عن ذل السؤال، ورحمة بهم من التلف والعوز إذا تركهم الأغنياء، وفي إخراج الزكاة اتصاف بصفات الكرم والجود والإيثار والبذل والرحمة، وتخل عن سمات أهل الشح والبخل والدناءة، وفيها يتكاتف المسلمون، ويرحم غنيهم فقيرهم، فلا يبقى في المجتمع - إذا طبقت هذه الشعيرة - فقير معدم، ولا مدين مرهق، ولا مسافر منقطع.
[من مراتب الدين الصيام]
الرابع: الصيام: (١) وهو صيام شهر رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يدع فيه الصائم الطعام والشراب والجماع وما في حكمها عبادة لله ، ويكف نفسه عن شهواتها، وقد خفف الله الصيام عن
стр. 124
المريض والمسافر والحامل والمرضع والحائض والنفساء، فلكل منهم حكم يناسبه.
وفي هذا الشهر يكف المسلم نفسه عن شهواتها، فتخرج نفسه بهذه العبادة من شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين، حتى إن الصائم ليتصور بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضى الله.
والصيام يحيي القلب، ويزهد في الدنيا، ويرغب فيما عند الله، ويذكر الأغنياء بالمساكين وأحوالهم؛ فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا شكرا.
والصيام يزكي النفس، ويقيمها على تقوى الله، ويجعل الفرد والمجتمع يستشعر رقابة الله عليه في السراء والضراء في السر والعلانية، حيث يعيش المجتمع شهرا كاملا محافظا على هذه العبادة، مراقبا لربه، يدفعه إلى ذلك خشية الله تعالى، والإيمان بالله وباليوم الآخر، واليقين بأن الله يعلم السر وأخفى، وأن المرء لا بد له من يوم يقف فيه بين يدي ربه فيسأله عن أعماله كلها صغيرها وكبيرها (١) .
[من مراتب الدين الحج]
الخامس: الحج: (٢) إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر، يملك وسيلة النقل أو أجرتها إلى البيت الحرام، ويملك ما
стр. 125
يكفيه من النفقة في ذهابه وإيابه، على أن تكون هذه النفقة فاضلة عن قوت من يعولهم، وأن يكون آمنا على نفسه في طريقه، وآمنا على من يعولهم أثناء غيابه عنهم، ويجب الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا.
وينبغي لمن أراد الحج أن يتوب إلى الله، لتتطهر نفسه من دنس الذنوب، فإذا بلغ مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أدى شعائر الحج عبودية وتعظيما لله، ويعلم أن الكعبة وسائر المشاعر لا تعبد من دون الله، وأنها لا تنفع ولا تضر، ولو لم يأمر الله بالحج إليها لما صح للمسلم أن يحج إليها.
وفي الحج يلبس الحاج إزارا ورداء أبيضين، فيجتمع المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد، يلبسون زيا واحدا، يعبدون ربا واحدا، لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، وغني أو فقير، أو أبيض أو أسود، الكل خلق الله وعباده، لا فضل لمسلم على مسلم إلا بالتقوى والعمل الصالح.
فيحصل للمسلمين التعاون والتعارف، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعا، ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون بطاعة الله تعالى لما بعد الموت (١) .
стр. 126
العبادة في الإسلام: (١) هي العبودية لله معنى وحقيقة، فالله خالق وأنت مخلوق، وأنت عبد والله معبودك، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يسير المرء في هذه الحياة على صراط الله المستقيم متبعا لشرعه، مقتفيا أثر رسله، وقد شرع الله لعباده شرائع عظيمة كتحقيق التوحيد لله رب العالمين والصلاة والزكاة والصيام والحج.
ولكن ليست هذه هي كل العبادات في الإسلام، فالعبادة في الإسلام أشمل إذ هي: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فكل عمل أو قول عملته أو قلته مما يحبه الله ويرضاه فهو عبادة، بل كل عادة حسنة عملتها بنية التقرب إلى الله فهي عبادة، فمعاشرتك الحسنة لأبيك وأهلك وزوجك وأولادك وجيرانك إذا قصدت بها وجه الله فهي عبادة، ومعاملتك الحسنة في البيت والسوق والمكتب إذا قصدت بها وجه الله فهي عبادة، وأداء الأمانة والتزام الصدق والعدل، وكف الأذى وإعانة الضعيف، واكتساب الحلال والنفقة على الأهل والأولاد، ومواساة المسكين وزيارة المريض، وإطعام الجائع ونصرة المظلوم كل ذلك عبادة إذا قصد به وجه الله، فكل عمل تعمله لنفسك أو لأهلك أو لمجتمعك أو لبلدك تقصد به وجه الله فهو عبادة.
стр. 127
بل حتى تحقيق شهوات نفسك في حدود ما أباح الله لك تكون عبادة إذا قارنتها نية صالحة، قال ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.» (١) .
وقال ﷺ : «على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد! قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة.» (٢) .
стр. 128
[المرتبة الثانية]
[الإيمان بالله]
المرتبة الثانية (١) الإيمان وأركانه ستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر.
الأول: الإيمان بالله: أن تؤمن بربوبية الله تعالى، أي أنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، وتؤمن بألوهية الله تعالى، أي أنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، وتؤمن بأسمائه وصفاته، أي بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى الكاملة.
وتؤمن بوحدانية الله في ذلك، بأنه لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (٢) .
وتؤمن بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه له ملك السماوات والأرض: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٣) .
стр. 129
وتؤمن بأنه تعالى على عرشه عال على خلقه، وهو أيضا مع خلقه يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويدبر أمورهم، يرزق الفقير، ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو على كل شيء قدير (١) .
ومن ثمرات الإيمان بالله ما يلي: ١ - يثمر للعبد محبه الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره، واجتناب نهيه، وإذا قام العبد بذلك نال بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة.
٢ - أن الإيمان بالله ينشئ في النفس الأنفة والعزة؛ لأنه يعلم أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما في هذا الكون، وأنه لا نافع ولا ضار إلا هو، وهذا العلم يغنيه عن غير الله، وينزع من قلبه خوف سواه، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف سواه.
٣ - أن الإيمان بالله ينشئ في نفسه التواضع؛ لأنه يعلم أن ما به من نعمة فمن الله، فلا يغره الشيطان، ولا يبطر ولا يتكبر، ولا يزهو بقوته وماله.
٤ - أن المؤمن بالله يعلم علم اليقين أنه لا سبيل إلى الفلاح والنجاة إلا بالعمل الصالح الذي يرضاه الله، في حين يعتقد غيره اعتقادات باطلة كاعتقاد أن الله أمر بصلب ابنه تكفيرا عن خطايا البشر، أو
стр. 130
يؤمن بآلهة ويعتقد أنها تحقق له ما يريد، وهي في حقيقتها لا تنفع ولا تضر، أو يكون ملحدا فلا يؤمن بوجود خالق. . وكل هذه أماني، حتى إذا وردوا على الله يوم القيامة وعاينوا الحقائق أدركوا أنهم كانوا في ضلال مبين.
٥ - أن الإيمان بالله يربي في الإنسان قوة عظيمة من العزم والإقدام والصبر والثبات والتوكل حينما يضطلع بمعالي الأمور في الدنيا ابتغاء لمرضاة الله، ويكون على يقين تام أنه متوكل على ملك السماوات والأرض، وأنه يؤيده ويأخذ بيده، فيكون راسخا رسوخ الجبال في صبره وثباته وتوكله (١) .
[الإيمان بالملائكة]
الثاني: الإيمان بالملائكة: وأن الله خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] (٢) وأنهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] (٣) حجبهم الله عنا فلا نراهم، وربما كشف الله بعضهم لبعض أنبيائه ورسله.
وللملائكة أعمال كلفوا بها، فمنهم جبريل الموكل بالوحي، ينزل به من عند الله على من يشاء من عباده المرسلين، ومنهم الموكل بقبض
стр. 131
الأرواح، ومنهم الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم، ومنهم الموكلون بكتابة أعمالهم فلكل شخص ملكان: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] (١) .
ومن ثمرات الإيمان بالملائكة: ١ - أن تتطهر عقيدة المسلم من شوائب الشرك وأدرانه، لأن المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون.
٢ - أن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم.
[الإيمان بالكتب]
الثالث: الإيمان بالكتب: الإيمان بأن الله أنزل كتبا على أنبيائه ورسله، لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (٢) وهذه الكتب كثيرة منها: صحف إبراهيم، والتوراة التي أوتيها موسى، والزبور الذي أرسل به داود، والإنجيل الذي جاء به المسيح ﵈.
стр. 132
فالإيمان بهذه الكتب السابقة يتحقق بأن تؤمن بأن الله أنزلها على رسله، وأنها تضمنت الشرع الذي أراد الله إبلاغه إلى الناس في ذلك الزمان.
وهذه الكتب التي أخبرنا الله عنها اندثرت، فلم يبق لصحف إبراهيم وجود في الدنيا، أما التوراة والإنجيل والزبور فإنها وإن كانت توجد بأسمائها عند اليهود والنصارى إلا أنها حرفت وبدلت وفقد الكثير منها، ودخل فيها ما ليس منها، بل نسبت إلى غير أصحابها، فالعهد القديم فيه أكثر من أربعين سفرا، وينسب إلى موسى خمسة فقط، والأناجيل الموجودة اليوم لا ينسب واحد منها إلى المسيح.
أما آخر الكتب التي أنزلت من عند الله فهو القرآن العظيم الذي أنزله على محمد ﷺ ، ولا يزال محفوظا بحفظ الله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل في حروفه أو كلماته أو حركاته أو معانيه.
والفرق بين القرآن العظيم وبين هذه الكتب الماضية من وجوه كثيرة منها: ١ - أن هذه الكتب الماضية قد ضاعت ودخلها التحريف والتبديل، ونسبت إلى غير أصحابها، وأضيف إليها شروحات وتعليقات وتفاسير، وتضمنت من الأمور المنافية للوحي الإلهي والعقل والفطرة الشيء الكثير.
أما القرآن الكريم فهو لا يزال محفوظا بحفظ الله، بنفس الأحرف والكلمات التي أنزلها الله على محمد ﷺ ، لم يطرأ عليه
стр. 133
تحريف، ولم يدخله زيادة، إذ حرص المسلمون على أن يبقى القرآن الكريم خالصا من كل شائبة، فلم يخلطوه بغيره من سيرة الرسول ﷺ ، أو سيرة الصحابة ﵃، أو تفسير القرآن الكريم، أو أحكام العبادات والمعاملات.
٢ - أن الكتب القديمة لا يعرف لها اليوم سند تاريخي، بل بعضها لا يعرف على من نزلت، ولا بأي لغة كتبت، بل قسم منها نسب إلى غير من جاء به.
أما القرآن فنقله المسلمون عن محمد ﷺ نقلا متواترا شفهيا وكتابيا، ولدى المسلمين في كل عصر ومصر آلاف الحفاظ لهذا الكتاب، وآلاف النسخ المكتوبة منه، وما لم تتفق النسخ الشفهية منه مع النسخ المكتوبة فلا يعتد بالنسخ المخالفة، فلا بد أن يتفق ما في الصدور مع ما في السطور.
وفوق ذلك فإن القرآن نقل نقلا شفهيا لم يحظ به أي كتاب من كتب الدنيا، بل لم توجد صورة هذا النقل إلا في أمة محمد ﷺ ، وطريقة هذا النقل: أن يحفظ الطالب القرآن على شيخه حفظا عن ظهر قلب، وشيخه قد حفظه على شيخه، ثم يمنح الشيخ تلميذه شهادة تسمى " إجازة " يشهد فيها الشيخ بأنه أقرأ تلميذه ما قرأه هو على مشايخه شيخا بعد شيخ، كل منهم يسمي شيخه باسمه إلى أن يصل السند إلى رسول الله ﷺ ، وهكذا يتسلسل السند الشفهي من الطالب إلى الرسول ﷺ .
стр. 134
وقد تضافرت الأدلة القوية والشواهد التاريخية - المتسلسلة بالسند أيضا - على معرفة كل سورة وكل آية من القرآن الكريم: أين نزلت؟ ومتى نزلت على محمد ﷺ ؟
٣ - أن اللغات التي أنزلت بها الكتب الماضية قد اندثرت منذ زمن بعيد، فلا يوجد أحد يتكلم بها، وقليل من يفهمها في العصر الحاضر، أما اللغة التي نزل بها القرآن فلغة حية يتكلم بها اليوم عشرات الملايين، وهي تدرس وتعلم في كل قطر من أقطار الأرض، ومن لم يتعلمها يجد في كل مكان من يفهمه معاني القرآن الكريم.
٤ - أن الكتب القديمة كانت لزمن معين، وكانت موجهة إلى أمة بعينها دون سائر الناس، ولذلك تضمنت أحكاما خاصة بتلك الأمة وذلك الزمن، وما كان كذلك فلا يناسب أن يكون للناس جميعا.
أما القرآن العظيم فهو كتاب شامل لكل زمان، مناسب لكل مكان، متضمن من الأحكام والمعاملات والأخلاق ما يصلح لكل أمة، ويناسب كل عصر؛ إذ الخطاب فيه موجه إلى الإنسان بعامة.
ومن خلال ذلك يتبين أنه لا يمكن أن تكون حجة الله على البشر في كتب لا توجد نسخها الأصلية، ولا يوجد على ظهر الأرض من يتكلم اللغات التي كتبت بها تلك الكتب بعد تحريفها. . . إنما تكون حجة الله على خلقه في كتاب محفوظ سالم من الزيادة والنقص والتحريف، نسخه مبثوثة في كل مكان، مكتوب بلغة حية يقرأ بها الملايين من الناس، ويبلغون رسالات الله إلى الناس، وهذا الكتاب هو [القرآن العظيم] الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، وهو المهيمن على هذه
стр. 135
الكتب السابقة، والمصدق لها - قبل تحريفها -، والشاهد عليها، وهو الذي يجب على جميع البشرية اتباعه، ليكون لهم نورا وشفاء وهدى ورحمة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] (١) وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٢) .
[الإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم]
الرابع: الإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم: أن الله أرسل إلى خلقه رسلا يبشرونهم بالنعيم إذا آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وينذرونهم العذاب إذا عصوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) وقال جل ثناؤه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (٤) .
وهؤلاء الرسل كثير، أولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ ، ومنهم من أخبرنا الله عنهم كإبراهيم وموسى وعيسى وداود ويحيى وزكريا وصالح ﵇، ومنهم من لم يذكر الله خبره، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] (٥)
стр. 136
وهؤلاء الرسل كلهم بشر مخلوقون لله، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية نصيب، فلا يصرف لهم من العبادة أي جزء، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، قال الله - تعالى - عن نوح ﵇ وهو أولهم - أنه قال لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] (١) وأمر الله تعالى محمدا - وهو آخرهم - أن يقول: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٢) وأن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٣) .
فالأنبياء عبيد مكرمون، اصطفاهم الله وأكرمهم بالرسالة، ووصفهم بالعبودية، دينهم الإسلام، ولا يقبل الله دينا سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٤) اتفقت رسالاتهم في أصولها، وتنوعت شرائعهم، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٥) وخاتمة هذه الشرائع شريعة محمد ﷺ ، وهي ناسخة لكل شريعة سابقة، وأن رسالته خاتمة الرسالات، وهو خاتم المرسلين.
فمن آمن بنبي وجب عليه أن يؤمن بهم جميعا، ومن كذب نبيا فقد كذبهم جميعا؛ لأن جميع الأنبياء والمرسلين يدعون إلى الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولأن دينهم واحد، فالذي يفرق بينهم، أو يؤمن ببعضهم ويكفر ببعض فقد كفر بهم جميعا؛ لأن كلا منهم
стр. 137
يدعو إلى الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين (١) قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (٣) .
[الإيمان باليوم الآخر]
الخامس: الإيمان باليوم الآخر: ذلك أن نهاية كل مخلوق في الدنيا الموت، فما مصير الإنسان بعد الموت؟ فما مآل الظلمة الذين سلموا من العذاب في الدنيا؟ هل يسلمون من طائلة ظلمهم؟ والمحسنون الذين فاتهم نصيبهم وجزاء إحسانهم في الدنيا هل تضيع أجورهم؟
إن البشرية تتتابع إلى الموت، جيلا بعد جيل، حتى إذا أذن الله بانقضاء الدنيا، وهلك كل مخلوق على ظهرها، بعث الله جميع الخلائق في يوم مشهود، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ثم يحاسب العباد على أعمالهم من خير أو شر كسبوه في الدنيا، فالمؤمنون يساقون إلى الجنة، والكفار يقادون إلى النار.
والجنة هي النعيم الذي أعده الله لأوليائه المؤمنين، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مائة درجة، لكل درجة
стр. 138
سكان على قدر إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى من النعيم مثل ملك ملك من ملوك الدنيا وعشرة أضعافه.
والنار هي العذاب الذي أعده الله لمن كفر به، فيها من ألوان العذاب ما يهول ذكره، ولو أذن الله بالموت لأحد في الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها.
وقد علم الله - بسابق علمه - ما سوف يقوله ويعمله كل إنسان من خير أو شر سرا كان أم علانية، ثم وكل بكل إنسان ملكين: أحدهما يكتب الحسنات، والآخر يكتب السيئات، لا يفوتهما شيء، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] (١) وتدون هذه الأعمال في كتاب يعطى للإنسان يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٢) فيقرأ كتابه لا ينكر منه شيئا، ومن أنكر شيئا من أعماله أنطق الله سمعه وبصره ويديه ورجليه وجلده بجميع عمله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٢] (٣) .
стр. 139
والإيمان باليوم الآخر (١) - وهو يوم القيامة، يوم البعث والنشور - جاءت به جميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] (٢) وقال سبحانه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣) وهو ما تقتضيه الحكمة الإلهية، فإن الله لم يخلق خلقه عبثا، ولم يتركهم سدى، إذ أضعف الناس عقلا لا يمكن أن يعمل عملا - ذا بال - دون غاية معلومة لديه، ودون قصد منه، فكيف لا يتصور هذا من الإنسان، ثم يظن الإنسان بربه أنه خلق خلقه عبثا، وسيتركهم سدى؟ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] (٤) وقال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] (٥) .
وشهد على الإيمان به جميع العقلاء، وهو الذي يقتضيه العقل، وتسلم له الفطر المستقيمة، لأن الإنسان إذا آمن بيوم القيامة أدرك لماذا يترك الإنسان ما يترك، ويعمل ما يعمل رجاء ما عند الله، ثم أدرك أيضا أن من يظلم الناس لا بد أن يأخذ نصيبه، وأن يقتص الناس منه في
стр. 140
يوم القيامة، وأن الإنسان لا بد أن يأخذ جزاءه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، لتجزى كل نفس بما تسعى، ويتحقق العدل الإلهي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] (١) .
ولا يعلم أحد من الخلق متى يأتي يوم القيامة، فهذا يوم لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، بل اختص الله ذلك بعلمه، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (٣) .
[الإيمان بالقضاء والقدر]
السادس: الإيمان بالقضاء والقدر: أن تؤمن بأن الله علم ما كان وما سيكون، وعلم أحوال العباد وأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] (٤) وقال جل ثناؤه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٥) وكتب كل ذلك في كتاب عنده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]
стр. 141
(١) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (٢) فإذا شاء الله أمرا قال له: كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (٣) والله سبحانه كما أنه قدر كل شيء فهو الخالق لكل شيء، قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (٤) وقال عز من قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] (٥) فخلق العباد لطاعته، وبينها لهم، وأمرهم بها، ونهاهم عن معصيته، وبينها لهم، وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكنون بها من فعل أوامر الله، فيحصل لهم الثواب، ومن ارتكاب معاصيه، فيستحقون العذاب.
فإذا آمن الإنسان بالقضاء والقدر تحقق له ما يلي: ١ - اعتماده على الله عند فعل الأسباب، لأنه يعلم أن السبب والمسبب كلاهما بقضاء الله وقدره.
٢ - راحة النفس وطمأنينة القلب، لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله وقدره، وأن المكروه المقدر كائن لا محالة ارتاحت نفسه ورضي بقضاء الله، فلا أحد أطيب عيشا وأريح نفسا وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر.
٣ - طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والفلاح؛ فيشكر الله على ذلك.
стр. 142
٤ - طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه، لأن ذلك بقضاء الله الذي لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو كائن لا محالة، فيصبر ويحتسب الأجر من الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] (١) .
٥ - التوكل التام على الله سبحانه، لأن المسلم يعلم أنه سبحانه بيده - وحده - النفع والضر، فلا يرهب قويا لقوته، ولا يتوانى عن فعل خير مخافة أحد من البشر، قال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (٢) .
стр. 143
[المرتبة الثالثة]
المرتبة الثالثة الإحسان وهو ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيعبد الإنسان ربه على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في أداء العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها.
فالعبد يراقب ربه في أداء العبادة، ويستحضر قربه منه حتى كأنه يراه، فإن شق عليه ذلك فليستعن على تحقيقه بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره (١) .
فالعبد الذي بلغ هذه المنزلة يعبد ربه مخلصا، لا يلتفت إلى أحد سواه، فلا ينتظر ثناء الناس، ولا يخشى ذمهم، إذ حسبه أن يرضى عنه ربه، ويحمده مولاه.
فهو إنسان تساوت علانيته وسره، فهو عابد لربه في الخلوة والجلوة، موقن - تمام اليقين - أن الله مطلع على ما يكنه قلبه وتوسوس به نفسه، هيمن الإيمان على قلبه، واستشعر رقابة ربه عليه، فاستسلمت جوارحه لبارئها، فلا يعمل بها من العمل إلا ما يحبه الله ويرضاه، مستسلم لربه.
стр. 144
وحيث تعلق قلبه بربه فلا يستعين بمخلوق، لاستغنائه بالله، ولا يشتكي لإنسان، لأنه أنزل حاجته بالله سبحانه وكفى به معينا، ولا يستوحش في مكان، ولا يخاف من أحد، لأنه يعلم أن الله معه في كل أحواله، وهو حسبه ونعم النصير، ولا يترك أمرا أمره الله به، ولا يقترف معصية لله، لأنه يستحيي من الله، ويكره أن يفقده حيث أمره، أو يجده حيث نهاه، ولا يعتدي أو يظلم مخلوقا أو يأخذ حقه، لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأنه سبحانه سيحاسبه على أفعاله.
ولا يفسد في الأرض، لأنه يعلم أن ما فيها من خيرات ملك لله تعالى، سخرها لخلقه فهو يأخذ منها على قدر حاجته، ويشكر ربه أن يسرها له.
إن ما ذكرته لك، وعرضته أمامك في هذا الكتيب ما هو إلا الأمور المهمة، والأركان العظيمة في الإسلام، وهذه الأركان هي التي إذا آمن العبد بها، وعمل بها أصبح مسلما، وإلا فإن الإسلام - كما ذكرت لك - دين ودنيا، عبادة ومنهج حياة، إنه نظام إلهي شامل كامل حوى في تشريعاته كل ما يحتاج إليه الفرد والأمة على حد سواء في جميع مجالات الحياة الاعتقادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويجد فيه الإنسان قواعد وأصولا وأحكاما تنظم السلم
стр. 145
والحرب، والحقوق الواجبة، وتحافظ على كرامة الإنسان والطير والحيوان والبيئة من حوله، وتبين له حقيقة الإنسان والحياة والموت، والبعث بعد الموت، ويجد فيه - أيضا - المنهج الأمثل لمعاملة الناس من حوله من مثل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٣) .
ويحسن بنا وقد عرضنا مراتب هذا الدين، وأركان كل مرتبة من مراتبه أن نذكر نبذة يسيرة من محاسنه.