← Акыда

Акыда · id 12624

الإسلام أصوله ومبادئه

محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

Полный текст (172 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[توطئة] الإسلام أصوله ومبادؤه

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ توطئة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، والحمد لله الذي جعلنا من أتباع محمد ﷺ ، والحمد لله الذي من علينا فجعلنا من المتمسكين بهديه، الداعين إلى سبيله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، أذعن له البر والفاجر، وشهدت بعدله وفضله الأبصار والبصائر، هدى من شاء - بفضله - إلى صراطه المستقيم، وصرف عن سبيله - بعدله - من استحق العذاب المقيم، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ﷺ ، أفنى عمره جهادا ومجاهدة وصبرا ومصابرة، ودعا إلى سبيل ربه في كل ساحة وواد، ونادى: حي على الفلاح حي على الجهاد، خصه الله بخصائص عظيمة تجل عن الحصر، وجعل شريعته باقية إلى يوم القيامة، ودعاته من خلفه يحملون راياته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا تزال طائفة منهم على الحق منصورة لا يضرها من خذلها أو خالف أمرها، إذ هم على بصيرة من أمرهم، يقتفون أثر نبيهم محمدا ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] ٤ ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]

стр. 3

(١) يدعون من ضل إلى الهدى، ويحذرون الخلق من الهلاك والردى، رغبة فيما عند الله، ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين أخذ عليهم الميثاق فنبذوه وراء ظهورهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) . أما بعد. . فإن كل من عمل في ميدان طباعة الكتب الإسلامية ونشرها وترجمتها يدرك عظم الحاجة إلى كتاب يدعو غير المسلمين إلى الإسلام، لأن الكتب التي تناولت الإسلام كثيرة جدا، سواء كانت مجملة أم مفصلة، ولكن قد لا تجتمع فيها الشروط المطلوبة في دعوة غير المسلمين، لأن بعضها ألف للمسلمين ولم يقصد به غير المسلمين، وبعضها فيه تفصيل في مسائل العبادات لا يناسب بسطه أمام غير المسلمين، وبعضها اشتمل على ملاحظات تمنع الإفادة منه. وقد عنيت بذا الأمر - منذ مدة - وكالة شؤون المطبوعات بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ولم تجد ذلك الكتاب الذي تطمح إليه، ولم يتيسر لنا في الوكالة الاتفاق مع مؤلف لكتابته، وإن كنا عرضنا ذلك على بعض المختصين، ولكن حال دون ذلك عقبات لعل مردها إلى كثرة الذنوب، والتقصير في حق علام الغيوب.

стр. 4

وبين آونة وأخرى يرد إلينا كتاب من مهتد جديد أو من مركز إسلامي يطلب منا أن نرشح له كتابا ليترجمه إلى أبناء أمته، مما يناسب أن تخاطب به أمم الكفر، فنلتمس يمينا وشمالا فلا نجد ذلك الكتاب، ونشعر بالضيق والحرج في عجزنا أن نبلغ شرع الله من خلال كتاب مختصر موجز. وبعد ذلك رأيت أن التسويف آفة لا تنتهي، وأن رجاء المعدوم وانتظاره سفه، وأنه لا عذر لنا في تقصيرنا، فاستخرت الله وسألته العون والتوفيق على كتابة كتاب يسد تلك الثغرة - ولو مؤقتا -، ويحقق شيئا من ذلك الحلم الذي طالما راودنا، ولا أدعي أنني حققت تلك الغاية التي كنا نطمح إليها، ولكنني أحاول أن أختط الطريق ليعمره من بعدي، وأضع البذرة، ليسقيها غيري. وقد حاولت قدر المستطاع أن أعرض الإسلام في هذا الكتاب عرضا موجزا من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام. وقد اعتمدت في هذا المنهج على الأحاديث الجامعة مثل خبر بعث معاذ ﵁ إلى اليمن حينما قال له النبي ﷺ : «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله،

стр. 5

فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (١) وعلى حديث عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. . . إلى أن قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (٢) .

стр. 6

ففي هذين الحديثين بين النبي ﷺ أصول الإيمان والإسلام والإحسان، ولم يتجاوز ذلك إلى فروع المسائل، بل في الحديث الأول لم يذكر ﷺ لمعاذ الصيام والحج، وعلل العلماء ذلك بتعليلات ليس هذا أوان بسطها. كما حاولت - قدر المستطاع - أن أستشهد لكل مسألة من مسائل العقيدة بآية أو أكثر من كتاب الله، استئناسا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] (١) فينبغي أن يسمعوا كلام الله، لأن له طلاوة تسلب العقول، وتأخذ بالألباب، كما أن كثيرا ممن أسلم يذكر أنه قرأ آيات من القرآن الكريم فكانت سبب هدايته، وقد حاولت - جاهدا - أن أتجنب بعض المسائل التي قد تستدعي التساؤلات والاعتراضات إلى ذهن القارئ، كذلك آثرت عدم الرد على بعض الشبهات، واكتفيت بذكر الأدلة والأصول التي تنفي هذه الشبهة أو تلك. واجتهدت أن يكون خفيفا لطيفا كالأدلة الإرشادية، بعيدا عن الأبواب والفصول، وثقل الكتب المنهجية. وهذا العمل جهد بشري مطبوع بطابع البشر فيه أن الضعف والنقص والخطأ، فما كان فيه من صواب وسداد فمن الله، وأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني، وأن يكتب له

стр. 7

القبول، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، والله منزه عن الخطأ والتقصير، وأسأل الله أن يبدل خطأ هذا الكتاب صوابا، وضلاله رشادا. وأشكر في نهاية هذا التمهيد كل من سعى لإخراج هذا الكتاب وطبعه وترجمته ونشره، وأسأل الله أن يضاعف لهم الأجر والمثوبة، وأن يجعله من العمل الصالح والعلم النافع، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحصد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. المؤلف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم ص ب ١٠٣٢ - الرياض ١١٣٤٢

стр. 8

[المقدمة] المقدمة (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا. أما بعد: فقد أرسل الله رسله إلى العالمين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأنزل الكتب هدى ورحمة ونورا وشفاء، فكان الرسل فيما مضى يبعثون إلى أقوامهم خاصة، ويستحفظون كتبهم؛ فلذلك اندثرت كتاباتهم، وحرفت وبدلت شرائعهم؛ لأنها أنزلت لأمة محدودة، في فترة معدودة. ثم اختص الله نبيه محمدا ﷺ بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٢) وأكرمه بخير كتاب أنزل، وهو القرآن العظيم،

стр. 9

وتكفل سبحانه بحفظه، ولم يترك حفظه لخلقه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (١) وجعل شريعته باقية إلى قيام الساعة، وبين - سبحانه - أن من لوازم بقاء شريعته الإيمان بها، والدعوة إليها، والصبر عليها، فكان منهج محمد ﷺ ومنهج أتباعه من بعده الدعوة إلى الله على بصيرة، قال - تعالى - موضحا هذا المنهج: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) وأمره بالصبر على الأذى في سبيل الله فقال تعالى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (٣) وقال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٤) واتباعا لهذا المنهج الإلهي الكريم كتبت هذا الكتاب دعوة إلى سبيل الله، مستبصرا بكتاب الله، ومسترشدا بسنة رسوله ﷺ ، وبينت فيه بيانا موجزا خبر خلق الكون، وخلق الإنسان وتكريمه، وإرسال الرسل إليه، وحال الديانات السابقة، ثم عرفت بالإسلام معنى وأركانا، فمن أراد الهدى، فهاهي أدلته بين يديه، ومن أراد النجاة فقد أوضحت له طريقها، فمن رغب في اقتفاء آثار الأنبياء والمرسلين والمصلحين فهاهي سبيلهم، ومن رغب عنهم فقد سفه نفسه، وسلك سبيل الضلال.

стр. 10

إن كل أصحاب ملة يدعون الناس إليها، ويعتقدون أن الحق فيها دون ما سواها، وكل أصحاب عقيدة يدعون الناس إلى اتباع صاحب عقيدتهم، وتعظيم قائد طريقهم. أما المسلم فلا يدعو إلى اتباع طريقته، لأنه ليس له طريقة تخصه، إنما دينه دين الله الذي ارتضاه لنفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (١) ولا يدعو إلى تعظيم بشر، فكل البشر في دين الله سواء لا فرق بينهم إلا بالتقوى، بل يدعو الناس إلى أن يسلكوا سبيل ربهم، ويؤمنوا برسله، ويتبعوا شرعه الذي أنزله على خاتم رسله محمد ﷺ ، وأمره أن يبلغه إلى الناس كافة. ومن أجل ذلك فقد حررت هذا الكتاب دعوة إلى دين الله الذي ارتضاه لنفسه، وأنزل به خاتم رسله، وإرشادا لمن أراد الهداية، ودليلا لمن أراد السعادة، فوالله لن يجد مخلوق السعادة الحقيقية إلا في هذا الدين، ولن يعرف الطمأنينة إلا من آمن بالله ربا، وبمحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا، فقد شهد الآلاف من المهتدين إلى الإسلام - في قديم الدهر وحديثه - بأنهم لم يعرفوا الحياة الحقيقية إلا بعد إسلامهم، ولم يذوقوا السعادة إلا في ظلال الإسلام. . . ولأن كل إنسان يتطلع إلى السعادة، ويبحث عن الطمأنينة، ويتحرى الحقيقة،

стр. 11

فقد أعددت هذا الكتاب، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، داعيا إلى سبيله، وأن يكتب له القبول، وأن يجعله من العمل الصالح الذي ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. وقد أذنت لمن أراد طبعه بأية لغة، أو ترجمته إلى أية لغة شريطة أن يلتزم الأمانة في نقله إلى اللغة التي سيترجمه إليها، وأن يتكرم علي بنسخة من ترجمته للإفادة منها، ولئلا تتكرر الجهود. كما أرجو من كل من له ملحوظة أو استدراك سواء على أصل الكتاب باللغة العربية، أو في أية ترجمة لهذا الكتاب أن يوافيني بها على العنوان المذكور هنا. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وله الحمد علانية وسرا، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء ربنا، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه ومن سار على منهجه وسلك سبيله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. المؤلف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم الرياض ١٣ / ١٠ / ١٤٢٠ هـ ص. ب ١٠٣٢ الرياض ١٣٤٢ وص. ب ٦٢٤٩ الرياض ١١٤٤٢

стр. 12

[أين الطريق] أين الطريق؟ حينما يكبر الإنسان ويعقل تتوارد على ذهنه أسئلة كثيرة من مثل: من أين جئت؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين المصير؟ ومن خلقني وخلق هذا الكون من حولي؟ ومن يملك هذا الكون ويتصرف فيه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة. ولا يستطيع الإنسان أن يستقل بمعرفة إجابات هذه الأسئلة، ولا يقدر العلم الحديث أن يرتقي إلى الإجابة عنها، لأن هذه القضايا مما يدخل ضمن دائرة الدين، ولأجل ذلك تعددت الروايات، وتنوعت الخرافات والأساطير حول هذه المسائل مما يزيد في حيرة الإنسان وقلقه، ولا يمكن أن يقف الإنسان على الإجابة الشافية الكافية لهذه المسائل إلا إذا هداه الله إلى الدين الصحيح الذي يأتي بالقول الفصل في هذه المسائل وغيرها، لأن هذه القضايا تعد من الأمور الغيبية، والدين الصحيح هو الذي ينفرد بالحق وقول الصدق، لأنه وحده من الله أوحاه إلى أنبيائه ورسله، ولذا كان لزاما على الإنسان أن يقصد الدين الحق ويتعلمه ويؤمن به، لتذهب عنه الحيرة، وتزول عنه الشكوك، ويهتدي إلى الصراط المستقيم. وفي الصفحات التالية أدعوك إلى اتباع صراط الله المستقيم، وأعرض أمام ناظريك بعض أدلته وبراهينه وحججه، لتنظر فيها بتجرد وتمعن وأناة.

стр. 13

[وجود الله وربوبيته ووحدانيته وألوهيته سبحانه] وجود الله وربوبيته ووحدانيته وألوهيته سبحانه (١) يعبد كثير من الناس آلهة مخلوقة مصنوعة كالشجر والحجر والبشر، ولذا سأل اليهود والمشركون رسول الله ﷺ عن صفة الله ومن أي شيء هو، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (٢) وعرف عباده بنفسه فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٣) وقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ - وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٢ - ٣] إلى أن قال تعالى

стр. 14

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ - عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٨ - ٩] (١) وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] (٢) وأقام سبحانه لهم آياته شواهد وبينات، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ - فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٧ - ٣٩] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ - وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم: ٢٢ - ٢٣] (٤) ووصف نفسه بنعوت الجمال والكمال فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ١٦ ﴿مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]

стр. 15

(١) وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] (٣) . هذا الرب الإله الحكيم القادر الذي عرف عباده بنفسه، وأقام لهم آياته شواهد وبينات، ووصف نفسه بصفات الكمال دلت على وجوده وربوبيته وألوهيته الشرائع النبوية، والضرورة العقلية، والفطرة الخلقية، وأجمعت الأمم على ذلك، وسأبين لك شيئا من ذلك فيما يلي، فأما أدلة وجوده وربوبيته فهي: ١ - خلق هذا الكون وما فيه من بديع الصنع: يحيط بك أيها الإنسان هذا الكون العظيم ويتكون من سماوات وكواكب ومجرات، وأرض ممدودة فيها قطع متجاورات يختلف ما ينبت فيها باختلافها، وفيها من كل الثمرات، ومن كل المخلوقات تجد زوجين اثنين. . فهذا الكون لم يخلق نفسه، ولا بد له من خالق حتما، لأنه لا يمكن أن يخلق نفسه، فمن الذي خلقه على هذا النظام البديع؟ وأكمله هذا الكمال الحسن؟ وجعله آية للناظرين إلا الله الواحد القهار

стр. 16

الذي لا رب سواه ولا إله غيره؟ قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦] (١) فتضمنت هاتان الآيتان ثلاث مقدمات هي: ١ - هل خلقوا من العدم؟ ٢ - هل خلقوا أنفسهم؟ ٣ - هل خلقوا السماوات والأرض؟ فإذا لم يكونوا خلقوا من عدم، ولم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا السماوات والأرض، فتعين أنه لا بد من الإقرار بوجود خالق خلقهم وخلق السماوات والأرض، وهو الله الواحد القهار. ٢ - الفطرة: الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق، وأنه أجل وأكبر وأعظم وأكمل من كل شيء، وهذا الأمر راسخ في الفطرة أشد رسوخا من مبادئ العلوم الرياضية، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل إلا من تغيرت فطرته، وعرض لها من الأحوال ما يصرفها عما تسلم به (٢) قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] (٣) وقال ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه

стр. 17

يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] » (١) وقال - أيضا ﷺ : «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٢) . ٣ - إجماع الأمم: أجمعت الأمم - قديمها وحديثها - بأن لهذا الكون خالقا وهو الله رب العالمين، وأنه خالق السماوات والأرض، ليس له شريك في خلقه، كما أنه ليس له شريك في ملكه سبحانه. ولم ينقل عن أية أمة من الأمم الماضية أنها كانت تعتقد أن آلهتها شاركت الله في خلق السماوات والأرض، بل كانوا يعتقدون أن الله خالقهم وخالق آلهتهم، فلا خالق ولا رازق غيره، والنفع والضر بيده سبحانه (٣) قال تعالى مخبرا عن إقرار المشركين بربوبيته:

стр. 18

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ - اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣] (١) وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] (٢) . ٤ - الضرورة العقلية: لا تجد العقول بدا من الإقرار بأن لهذا الكون خالقا عظيما، لأن العقل يرى الكون مخلوقا محدثا، وأنه لم يوجد نفسه، والمحدث لا بد له من محدث. والإنسان يعلم أنه تمر به أزمات ومصائب، وحينما لا يقدر البشر على دفعها فإنه يتجه بقلبه إلى السماء، ويستغيث بربه ليفرج همه، ويكشف غمه، وإن كان في سائر أيامه ينكر ربه ويعبد صنمه، فهذه ضرورة لا تدفع، ولا بد من الإقرار بها، بل إن الحيوان إذا ألمت به مصيبة رفع رأسه وشخص ببصره إلى السماء، وقد أخبر الله عن الإنسان أنه إذا أصابه ضر أسرع إلى ربه يسأله أن يكشف ضره، قال تعالى:

стр. 19

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨] (١) وقال تعالى مخبرا عن حال المشركين: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ - فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣] (٢) وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] (٣) . هذا الإله الذي أوجد الكون من عدم، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وركز في فطرته عبوديته والاستسلام له، وأذعنت العقول لربوبيته وألوهيته، وأجمعت الأمم على الاعتراف بربوبيته. . . لا بد أن يكون واحدا في ربوبيته وألوهيته، فكما أنه لا شريك له في الخلق، فكذلك لا شريك له في ألوهيته، والأدلة على ذلك كثيرة منها (٤) . ١ - ليس في هذا الكون إلا إله واحد هو الخالق الرازق، ولا يجلب النفع ويدفع الضر إلا هو، ولو كان في هذا الكون إله آخر لكان

стр. 20

له فعل وخلق وأمر، ولا يرضى أحدهما بمشاركة الإله الآخر (١) ولا بد لأحدهما من مغالبة الآخر وقهره، والمغلوب لا يمكن أن يكون إلها، والغالب هو الإله الحق، لا يشاركه إله في ألوهيته كما لم يشاركه إله في ربوبيته، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] (٢) . ٢ - لا يستحق العبادة إلا الله الذي له ملك السماوات والأرض، لأن الإنسان يتقرب إلى الإله الذي يجلب له النفع ويدفع عنه الضر، ويصرف عنه الشر والفتن، وهذه الأمور لا يستطيعها إلا من ملك السماوات والأرض وما بينهما، ولو كان معه آلهة كما يقول المشركون لاتخذ العباد السبل الموصلة إلى عبادة الله الملك الحق، لأن جميع هؤلاء المعبودين من دون الله إنما كانوا يعبدون الله ويتقربون إليه، فحري بمن أراد أن يتقرب إلى من بيده النفع والضر أن يعبد الإله الحق الذي يعبده من في السماوات والأرض بما فيهم هؤلاء الآلهة المعبودون من دون الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] (٣) وليقرأ مريد الحق قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] ٢٢ ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]

стр. 21

(١) فإن هذه الآيات تقطع تعلق القلب بغير الله بأربعة أمور هي: الأول: أن هؤلاء الشركاء لا يملكون مثقال ذرة مع الله، والذي لا يملك مثقال ذرة لا ينفع ولا يضر، ولا يستحق أن يكون إلها أو مشاركا لله، والله هو الذي يملكهم ويتصرف فيهم وحده. الثاني: أنهم لا يملكون شيئا من السماوات والأرض، وليس لهم مثقال ذرة من مشاركة فيهما. الثالث: ليس لله معين من خلقه، بل هو الذي يعينهم على ما ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم لكمال غناه عنهم، واضطرارهم إليهم. الرابع: أن هؤلاء الشركاء لا يملكون أن يشفعوا عند الله لأتباعهم، ولا يؤذن لهم فيها، ولا يأذن - سبحانه - إلا لأوليائه أن يشفعوا، ولا يشفع الأولياء إلا لمن رضي الله قوله وعمله واعتقاده (٢) .

стр. 22

٣ - انتظام أمر العالم كله وإحكام أمره أدل دليل على أن مدبره إله واحد، وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه، فكما يمتنع وجود خالقين لهذا الكون، فكذلك يمتنع وجود إلهين قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] (١) فلو فرض أن في السماء والأرض إلها غير الله لفسدتا، ووجه الفساد أنه إذا كان مع الله إله آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرا على الاستبداد والتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد (٢) وإذا كان البدن يستحيل أن يكون المدبر له روحان متساويان، ولو كان كذلك لفسد وهلك، وهذا محال، فكيف يتصور هذا في الكون وهو أعظم (٣) . ٤ - إجماع الأنبياء والمرسلين على ذلك: تجمع الأمم على أن الأنبياء والمرسلين هم أكمل الناس عقولا، وأزكاهم أنفسا، وأفضلهم أخلاقا، وأنصحهم لرعاياهم، وأعلمهم بمراد الله، وأرشدهم إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، لأنهم يتلقون الوحي عن الله، فيبلغونه للناس، وقد اتفق جميع الأنبياء والمرسلين من

стр. 23

أولهم آدم ﵇ إلى آخرهم محمد ﷺ على دعوة أقوامهم إلى الإيمان بالله، وترك عبادة ما سواه، وأنه الإله الحق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (١) وقال - جل ثناؤه - عن نوح ﵇ إنه قال لقومه: ﴿لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] (٢) وقال - سبحانه - عن آخرهم محمد ﷺ إنه قال لقومه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] (٣) . هذا الإله الذي أوجد الكون من عدم فأبدعه، وخلق الإنسان في أحسن تقويم وكرمه، وركز في فطرته الإقرار بربوبيته وألوهيته، وجعل نفسه لا تستقر إلا إذا استسلمت إليه وسارت على منهجه، وفرض على روحه ألا تطمئن إلا إذا سكنت إلى بارئها، واتصلت بخالقها، ولا صلة لها إلا من خلال صراطه المستقيم الذي بلغته الرسل الكرام، ومنحه عقلا لا يستقيم أمره، ولا يقوم بوظيفته على أكمل وجه إلا إذا آمن به سبحانه. فإذا استقامت الفطرة، واطمأنت الروح، واستقرت النفس، وآمن العقل تحققت له السعادة والأمن والاطمئنان في الدنيا والآخرة.

стр. 24

وإن أبى الإنسان غير ذلك عاش مشتتا متفرقا يهيم في أودية الدنيا، ويتوزع بين آلهتها، لا يدري من يحقق له النفع، ومن يدفع عنه الضر، ومن أجل أن يستقر الإيمان في النفس، وتتضح شناعة الكفر، ضرب الله لذلك مثلا - لأن المثل مما يقرب المعنى إلى الذهن -، قارن فيه بين رجل تفرق أمره بين آلهة متعددة ورجل يعبد ربه وحده فقال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] (١) يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على منهج، ولا يستقر على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح، فلا يستويان فهذا يخضع لسيد واحد وينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وذاك يخضع لسادة متشاكسين فهو معذب قلق لا يستقر على حال، ولا يرضي واحدا منهم فضلا عن أن يرضي الجميع. وبعد أن أوضحت الأدلة الدالة على وجود الله وربوبيته وألوهيته يحسن أن نتعرف على خلقه للكون والإنسان، وأن نتلمس حكمته في ذلك.

стр. 25

[خلق الكون] خلق الكون هذا الكون بسماواته وأرضه ونجومه ومجراته وبحاره وأشجاره وسائر حيواناته خلقه الله من عدم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] (١) . وقال جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ - وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ - وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠ - ٣٢] (٢) . هذا الكون خلقه الله لحكم عظيمة تجل عن الحصر، ففي كل

стр. 26

جزء منه حكم عظيمة، وآيات باهرة، ولو تأملت آية واحدة منها لوجدت فيها عجبا، فانظر إلى عجائب صنع الله في النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولا عرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الإحاطة بها وتفاصيلها، وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه، كيف تقوى على اجتذاب الماء من أسفل إلى أعلى، ثم يتنقل في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر، ثم انظر إلى تكون حمل الشجرة ونقلته من حال إلى حال، كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار، بينا تراها حطبا عاريا لا كسوة عليها إذ كساها ربها وخالقها من الورق أحسن كسوة، ثم أطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد أن أخرج ورقها صيانة له، وثوبا لتلك الثمرة، الضعيفة لتستجن به من الحر والبرد والآفات، ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به، كما يتغذى الطفل بلبن أمه، ثم رباها ونماها حتى استوت وكملت وتناهى إدراكها فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء. وأنت إذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها ومبدعها، خلقها سبحانه فراشا ومهادا وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادا تحفظها

стр. 27

لئلا تميد، ووسع أكنافها، ودحاها فمدها وبسطها، وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها، وكفاتا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء، وبطنها وطن للأموات، ثم انظر إلى هذا الفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه، وكيف يدور على هذا العالم هذا الدوران الدائم إلى آخر الأجل على هذا الترتيب والنظام، وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد، وما في ضمن ذلك من مصالح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنبات. ثم تأمل خلق السماء، وارجع البصر فيها كرة بعد كرة تراها من أعظم الآيات في علوها وسعتها وقرارها، فلا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا. وأنت إذا نظرت إلى هذا الكون وتأليف أجزائه، ونظمها على أحسن نظام - يدل على كمال قدرة خالقه، وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال لطفه - وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه، وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاد وبساط وفراش مستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيحه وزينته، تدل المتنقل في طرق هذه الدار، والجواهر والمعادن مخزونة فيه كالذخائر المهيأة، كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له، وصنوف النبات مهيأ لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة

стр. 28

لمصالحه، فمنها الركوب، ومنها الحلوب، ومنها الغذاء، ومنها اللباس، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المتصرف فيه بفعله وأمره. وأنت لو تأملت هذا الكون كله أو جزءا من أجزائه لوجدت فيه عجبا، ولو تمعنت فيه تمام الإمعان، وأنصفت من نفسك، وتخلصت من ربقة الهوى والتقليد لأيقنت تمام اليقين أن هذا الكون مخلوق، خلقه حكيم قدير عليم، قدره أحسن تقدير، ونظمه أحسن نظام، وأن الخالق يستحيل أن يكون اثنين، بل الإله واحد لا إله إلا هو، وأنه لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما، واختل نظامها، وتعطلت مصالحها. فإن أبيت إلا أن تنسب الخلق إلى غير خالقه، فما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته، وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه، بحيث لا يرى الناظر فيه خللا في مادته، ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها، ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، لكل صنف ما يليق به، ويقسم هكذا على الدوام. أترى هذا وقع اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ بل اتفق

стр. 29

وجود ذلك الدولاب والحديقة، وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا مدبر، أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ (١) . الحكمة من ذلك: بعد هذا التطواف والتأمل في خلق هذا الكون يحسن بنا أن نذكر بعض الحكم التي من أجلها خلق الله هذه الكائنات العظيمة والآيات الباهرة فمن ذلك: ١ - التسخير للإنسان: لما قضى الله أن يجعل في هذه الأرض خليفة يعبده فيها، ويعمر هذه الأرض خلق لأجله كل ذلك، لتستقيم حياته، ويصلح له أمر معاشه ومعاده، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] (٣) .

стр. 30

٢ - أن تكون السماوات والأرض وسائر ما في الكون شواهد على ربوبية الله، وآيات على وحدانيته: ذلك أن أعظم أمر في هذا الوجود هو الإقرار بربوبيته والإيمان بوحدانيته، ولأنه أعظم أمر فقد أقام عليه أعظم الشواهد، ونصب له أكبر الآيات، واحتج له بأبلغ الحجج، فأقام سبحانه السماوات والأرض وسائر الموجودات لتكون شاهدة على ذلك، ولذا يكثر في القرآن ورود: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم: ٢٢] كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ - وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٢ - ٢٥] (١) . ٣ - أن تكون شاهدة على البعث: لما كانت الحياة حياتين: حياة في الدنيا، وحياة في الدار الآخرة، وحياة الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] (٢) لأنها دار الجزاء والحساب، ولأن فيها الخلود الأبدي في النعيم لأهله، والخلود الأبدي في العذاب لأهله. ولما كانت هذه الدار لا يصل إليها الإنسان إلا بعدما يموت ويبعث بعد موته، أنكر ذلك كل من انقطعت صلته بربه، وانتكست

стр. 31

فطرته، وفسد عقله، فلأجل ذلك نصب الله الحجج وأقام البراهين، حتى تؤمن بالبعث النفوس، وتوقن به القلوب، لأن إعادة الخلق أهون من إيجاده أول مرة، بل خلق السماوات والأرض أعظم من إعادة خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (١) وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] (٣) . وبعد يا أيها الإنسان: إذا كان كل هذا الكون سخر من أجلك، وإذا انتصبت آياته وأعلامه شواهد أمام ناظريك تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإذا علمت أن بعثك وحياتك بعد موتك أهون من خلق السماوات والأرض، وأنك ملاق ربك فمحاسبك على عملك، وإذا علمت أن هذا الكون كله عابد لربه فكل مخلوقاته تسبح بحمد ربها، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] (٤) وتسجد لعظمته، قال جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] (٥) بل

стр. 32

هذه الكائنات تصلي لربها صلاة تناسبها، قال عز اسمه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] (١) . وإذا كان جسمك يسير في نظامه وفق تقدير الله وتدبيره فالقلب والرئتان والكبد وسائر الأعضاء مستسلمة لربها، مسلمة قيادها لربها، أفيكون قرارك الاختياري الذي خيرت فيه بين أن تؤمن بربك، وبين أن تكفر به، أفيكون هذا القرار هو النشاز والشذوذ عن هذه المسيرة المباركة في الكون من حولك بل وفي بدنك. إن الإنسان العاقل الكامل يربأ بنفسه أن يكون هو الشذوذ والنشاز في خضم هذا الكون العظيم الفسيح.

стр. 33

[خلق الإنسان وتكريمه] خلق الإنسان وتكريمه قضى الله أن يخلق خلقا جديرا بعمارة هذا الكون، فكان هذا المخلوق هو الإنسان، واقتضت حكمته سبحانه أن تكون المادة التي يخلق منها الإنسان هي الأرض، وبدا خلقه من طين، ثم صوره على هذه الصورة الحسنة التي عليها الإنسان، فلما استوى متكاملا في شكله نفخ فيه من روحه، فإذا هو إنسان في أحسن تقويم، يسمع ويبصر ويتحرك ويتكلم، فأسكنه ربه جنته، وعلمه كل ما يحتاج إلى معرفته، وأباح له كل ما في هذه الجنة، ونهاه عن شجرة واحدة - ابتلاء وامتحانا - وأراد الله أن يظهر منزلته ومكانته، فأمر ملائكته بالسجود له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس امتنع عن السجود تكبرا وعنادا، فغضب عليه ربه، لمخالفة أمره، وطرده من رحمته، لأنه تكبر عليه، فطلب إبليس من ربه أن يمد في عمره وأن يمهله إلى يوم القيامة، فأمهله ربه ومد في عمره إلى يوم القيامة، وحسد الشيطان آدم ﵇ لما فضل عليه هو وذريته، وأقسم بربه أن يغوي جميع بني آدم، وأنه سيأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، إلا عباد الله المخلصين الصادقين المتقين، فإن الله عصمهم من كيد الشيطان ومكره، وحذر الله آدم ﵇ من كيد الشيطان، فوسوس

стр. 34

الشيطان لآدم ﵇ وزوجه حواء، ليخرجهما من الجنة، وليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، وأقسم لهما إني لكما ناصح، وأن الله لم ينهكما عن تلك الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. فأكلا من تلك الشجرة التي نهى الله عنها، فكان أول ما أصابهما من عقوبة على مخالفة أمر الله أن بدت لهما سوآتهما، فذكرهما ربهما بتحذيره لهما من كيد الشيطان، فاستغفر آدم ﵇ ربه، فغفر له وتاب عليه واجتباه وهداه، وأمره أن يهبط من الجنة التي كان يسكنها إلى الأرض، إذ هي مستقره، وفيها متاعه إلى حين، وأخبره أنه منها خلق وعليها يعيش وفيها يموت، ومنها يبعث. فهبط آدم ﵇ إلى الأرض هو وزوجه حواء، وتناسلت ذريتهما، وكانوا يعبدون الله وفق ما أمرهم، إذ كان آدم ﵇ نبيا. وقد أخبرنا الله هذا الخبر فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ - قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ - قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ - قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ - قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٥] ٣٦ ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ - قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ - وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ - فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ - وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ - قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ - قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ٢٥] (١) . وحينما تتأمل عظيم صنع الله لهذا الإنسان، حيث خلقه في أحسن تقويم، وألبسه خلع الكرامة كلها من العقل، والعلم، والبيان، والنطق، والشكل، والصورة الحسنة، والهيئة الشريفة، والجسم المعتدل، واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر، واقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البر، والطاعة، والانقياد، فكم بين حاله وهو نطفة داخل الرحم مستودع هناك، وبين حاله والملك يدخل

стр. 35

عليه في جنات عدن؟ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (١) . فالدنيا قرية، والإنسان ساكنها والكل مشغول به، ساع في مصالحه، والكل قد أقيم في خدمته وحوائجه، فالملائكة الموكلون به يحفظونه آناء الليل وأطراف النهار، والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فيه، والأفلاك سخرت منقادة دائرة بما فيه مصالحه، والشمس والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب أزمنته وأوقاته وإصلاح رواتب أقواته، والعالم الجوي مسخر له برياحه وهوائه، وسحابه وطيره وما أودع فيه، والعالم السفلي كله مسخر له، مخلوق لمصالحه، أرضه وجباله، وبحاره وأنهاره، وأشجاره وأثماره، ونباته وحيوانه، وكل ما فيه كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] (٢) ومن تمام تكريمه أن خلق له جميع ما يحتاج إليه في حياته الدنيا، وما يحتاج إليه من الوسائل التي تبلغه الدرجات العلى في الدار الآخرة، فأنزل إليه كتبه، وأرسل إليه رسله، يبينون له شرع الله ويدعونه إليه.

стр. 36

ثم خلق له من نفسه - أي من نفس آدم ﵇ زوجا يسكن إليه، ملبيا لحاجاته الفطرية - نفسية وعقلية وجسدية - بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة، لأن تركيبهما الجسدي والنفسي والعصبي ملحوظ فيه تلبية وغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما لإنشاء جيل جديد، وأودعت نفوسهما هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارا للحياة والمعاش، وأنسا للأرواح والضمائر، واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء. واختص الله المؤمنين من بين بني الإنسان، فجعلهم أهل ولايته، استخدمهم في طاعته، يعملون له وفق شريعته، ليكونوا أهلا لمجاورة ربهم في جنته، اصطفى منهم الأنبياء والمرسلين والأولياء والشهداء، ومنحهم في هذه الدنيا أعظم نعمة تنعم بها النفوس ألا وهي عبادة الله وطاعته ومناجاته، واختصهم بنعم عظيمة - لا يجدها غيرهم - منها الأمن والطمأنينة والسعادة، بل أعظم من ذلك أنهم يعلمون الحق الذي جاء به المرسلون ويؤمنون به، وادخر لهم - في الدار الآخرة - من النعيم المقيم والفوز العظيم ما يليق بكرمه سبحانه، ويكافئ إيمانهم به وإخلاصهم له، بل ويزيدهم من فضله.

стр. 37

[مكانة المرأة] مكانة المرأة: بلغت المرأة في الإسلام منزلة عالية، لم تبلغها ملة ماضية، ولم تدركها أمة تالية، إذ إن تكريم الإسلام للإنسان تشترك فيه المرأة والرجل على حد سواء، فهم أمام أحكام الله في هذه الدنيا سواء، كما أنهم أمام ثوابه وجزائه في الدار الآخرة سواء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] (١) وقال عز من قائل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٤) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] (٥) وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] (٦) .

стр. 38

وقال جل ثناؤه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١) وقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] (٢) . وهذا التكريم الذي حظيت به المرأة في الإسلام لا يوجد له مثيل في أية ديانة أو ملة أو قانون، فقد أقرت الحضارة الرومانية أن تكون المرأة رقيقا تابعا للرجل، ولا حقوق لها على الإطلاق، واجتمع في روما مجمع كبير وبحث في شؤون المرأة، فقرر أنها كائن لا نفس له، وأنها لهذا لن ترث الحياة الأخروية، وأنها رجس. وكانت المرأة في أثينا تعد من سقط المتاع، فكانت تباع وتشترى، وكانت تعد رجسا من عمل الشيطان. وقررت شرائع الهند القديمة أن الوباء والموت والجحيم وسم الأفاعي والنار خير من المرأة، وكان حقها في الحياة ينتهي بانتهاء أجل زوجها - الذي هو سيدها -، فإذا رأت جثمانه يحرق ألقت بنفسها في نيرانه، وإلا حاقت عليها اللعنة. أما المرأة في اليهودية فقد جاء الحكم عليها في العهد القديم ما يلي: " درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلا،

стр. 39

ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمر من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها شراك، ويداها قيود " (١) . تلك هي المرأة في العصور القديمة، أما حالها في العصور الوسطى والحديثة فتوضحها الوقائع التالية: شرح الكاتب الدانمركي wieth kordsten اتجاه الكنيسة الكاثوليكية نحو المرأة بقوله: " خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربية محدودة جدا تبعا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعد المرأة مخلوقا في المرتبة الثانية "، وفي فرنسا عقد اجتماع عام ٥٨٦ م يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تعد إنسانا أو لا تعد إنسانا؟ وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي: " المرأة المتزوجة - حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها - لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها، ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية ". وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب

стр. 40

المقدس، وظلت النساء حتى عام ١٨٥٠ م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى عام ١٨٨٢ م ليس لهن حقوق شخصية (١) . أما المرأة المعاصرة في أوربا وأمريكا وغيرها من البلاد الصناعية، فهي مخلوق مبتذل مستهلك في الأغراض التجارية، إذ هي جزء من الحملات الإعلانية الدعائية، بل وصل بها الحال إلى أن تجرد من ملابسها لتعرض عليها السلع في واجهات الحملات التجارية، وأبيح جسدها وعرضها بموجب أنظمة قررها الرجال لتكون مجرد متعة لهم في كل مكان. وهي محل العناية مادامت قادرة على العطاء والبذل من يدها أو فكرها أو جسدها، فإذا كبرت وفقدت مقومات العطاء تخلى عنها المجتمع بأفراده ومؤسساته، وعاشت وحيدة في بيتها أو في المصحات النفسية. قارن هذا - ولا سواء - بما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٢) وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٣) وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]
следующие страницы →