ثم خلق له من نفسه - أي من نفس آدم ﵇ زوجا يسكن إليه، ملبيا لحاجاته الفطرية - نفسية وعقلية وجسدية - بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة، لأن تركيبهما الجسدي والنفسي والعصبي ملحوظ فيه تلبية وغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما لإنشاء جيل جديد، وأودعت نفوسهما هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارا للحياة والمعاش، وأنسا للأرواح والضمائر، واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء.
واختص الله المؤمنين من بين بني الإنسان، فجعلهم أهل ولايته، استخدمهم في طاعته، يعملون له وفق شريعته، ليكونوا أهلا لمجاورة ربهم في جنته، اصطفى منهم الأنبياء والمرسلين والأولياء والشهداء، ومنحهم في هذه الدنيا أعظم نعمة تنعم بها النفوس ألا وهي عبادة الله وطاعته ومناجاته، واختصهم بنعم عظيمة - لا يجدها غيرهم - منها الأمن والطمأنينة والسعادة، بل أعظم من ذلك أنهم يعلمون الحق الذي جاء به المرسلون ويؤمنون به، وادخر لهم - في الدار الآخرة - من النعيم المقيم والفوز العظيم ما يليق بكرمه سبحانه، ويكافئ إيمانهم به وإخلاصهم له، بل ويزيدهم من فضله.
стр. 37
[مكانة المرأة]
مكانة المرأة: بلغت المرأة في الإسلام منزلة عالية، لم تبلغها ملة ماضية، ولم تدركها أمة تالية، إذ إن تكريم الإسلام للإنسان تشترك فيه المرأة والرجل على حد سواء، فهم أمام أحكام الله في هذه الدنيا سواء، كما أنهم أمام ثوابه وجزائه في الدار الآخرة سواء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] (١) وقال عز من قائل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٤) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] (٥) وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] (٦) .
стр. 38
وقال جل ثناؤه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١) وقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] (٢) .
وهذا التكريم الذي حظيت به المرأة في الإسلام لا يوجد له مثيل في أية ديانة أو ملة أو قانون، فقد أقرت الحضارة الرومانية أن تكون المرأة رقيقا تابعا للرجل، ولا حقوق لها على الإطلاق، واجتمع في روما مجمع كبير وبحث في شؤون المرأة، فقرر أنها كائن لا نفس له، وأنها لهذا لن ترث الحياة الأخروية، وأنها رجس.
وكانت المرأة في أثينا تعد من سقط المتاع، فكانت تباع وتشترى، وكانت تعد رجسا من عمل الشيطان.
وقررت شرائع الهند القديمة أن الوباء والموت والجحيم وسم الأفاعي والنار خير من المرأة، وكان حقها في الحياة ينتهي بانتهاء أجل زوجها - الذي هو سيدها -، فإذا رأت جثمانه يحرق ألقت بنفسها في نيرانه، وإلا حاقت عليها اللعنة.
أما المرأة في اليهودية فقد جاء الحكم عليها في العهد القديم ما يلي: " درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلا،
стр. 39
ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمر من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها شراك، ويداها قيود " (١) .
تلك هي المرأة في العصور القديمة، أما حالها في العصور الوسطى والحديثة فتوضحها الوقائع التالية:
شرح الكاتب الدانمركي wieth kordsten اتجاه الكنيسة الكاثوليكية نحو المرأة بقوله: " خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربية محدودة جدا تبعا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعد المرأة مخلوقا في المرتبة الثانية "، وفي فرنسا عقد اجتماع عام ٥٨٦ م يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تعد إنسانا أو لا تعد إنسانا؟ وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل.
وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي: " المرأة المتزوجة - حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها - لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها، ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية ".
وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب
стр. 40
المقدس، وظلت النساء حتى عام ١٨٥٠ م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى عام ١٨٨٢ م ليس لهن حقوق شخصية (١) .
أما المرأة المعاصرة في أوربا وأمريكا وغيرها من البلاد الصناعية، فهي مخلوق مبتذل مستهلك في الأغراض التجارية، إذ هي جزء من الحملات الإعلانية الدعائية، بل وصل بها الحال إلى أن تجرد من ملابسها لتعرض عليها السلع في واجهات الحملات التجارية، وأبيح جسدها وعرضها بموجب أنظمة قررها الرجال لتكون مجرد متعة لهم في كل مكان.
وهي محل العناية مادامت قادرة على العطاء والبذل من يدها أو فكرها أو جسدها، فإذا كبرت وفقدت مقومات العطاء تخلى عنها المجتمع بأفراده ومؤسساته، وعاشت وحيدة في بيتها أو في المصحات النفسية.
قارن هذا - ولا سواء - بما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٢) وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٣) وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]
стр. 41
(١) .
وحينما كرمها ربها هذا التكريم أوضح للبشرية قاطبة بأنه خلقها لتكون أما وزوجة وبنتا وأختا، وشرع لذلك شرائع خاصة تخص المرأة دون الرجل.
стр. 42
[حكمة خلق الإنسان]
حكمة خلق الإنسان سبق الحديث في الفقرة السابقة أن الله خلق آدم، وخلق له زوجه حواء وأسكنهما الجنة، ثم عصى آدم ربه، ثم استغفره فتاب عليه وهداه، وأمره بأن يخرج من الجنة، وينزل إلى الأرض، ولله في ذلك من الحكم ما تعجز العقول عن معرفته، والألسن عن صفته، وسنستعرض في هذه الوقفات شيئا من هذه الحكم فمنها: ١ - أن الله - سبحانه - خلق الخلق لعبادته، وهي الغاية من خلقهم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) ومعلوم أن كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل في دار النعيم والبقاء، إنما يحصل في دار المحنة والبلاء، أما دار البقاء فدار لذة ونعيم، لا دار امتحان وتكليف.
٢ - أنه - سبحانه - أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلا وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه، فخلى بينهم وبين أعدائه وامتحنهم بهم، فلما آثروه وبذلوا نفوسهم وأموالهم في مرضاته ومحبته، نالوا من محبته ورضوانه والقرب منه ما لم يكن لينال بدون ذلك أصلا،
стр. 43
فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة من أفضل الدرجات عند الله، ولم يكن ينال الإنسان هذا إلا على هذا الوجه الذي قضاه الله سبحانه من إهباط آدم ﵇ وذريته إلى الأرض.
٣ - أنه - سبحانه - الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى ويثيب ويعاقب، ويهين ويكرم، ويعز ويذل، فاقتضى ملكه سبحانه أن أنزل آدم وذريته دارا تجرى عليهم فيها أحكام الملك، ثم ينقلهم إلى دار يتم فيها جزاؤهم على أعمالهم.
٤ - أن الله خلق آدم ﵇ من قبضة من جميع الأرض، والأرض فيها الخبيث والطيب، والحزن والسهل، فعلم سبحانه أن في ذرية آدم ﵇ من لا يصلح لمساكنته في داره؛ فأنزله إلى دار استخرج فيها الطيب والخبيث، ثم ميزهم - سبحانه - بدارين: فجعل الطيبين أهل جواره ومساكنته، وجعل الخبيثين أهل دار الشقاء دار الخبثاء.
٥ - أنه - سبحانه - له الأسماء الحسنى، فمن أسمائه: الغفور، الرحيم، العفو، الحليم. . . ولا بد من ظهور آثار هذه الأسماء، فاقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم ﵇ وذريته دارا يظهر عليهم فيها أثر أسمائه الحسنى، فيغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء، ويعفو عمن يشاء، ويحلم على من يشاء إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته.
стр. 44
٦ - أن الله - سبحانه - خلق آدم ﵇ وذريته من تركيب قابل للخير والشر، ومستلزم لداعي الشهوة والفتنة، وداعي العقل والعلم، فإنه - سبحانه - خلق فيه العقل والشهوة، ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده، ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته، ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه؛ فاقتضت حكمته أن أنزل آدم ﵇ وذريته إلى الأرض ليتم الامتحان وتظهر آثار استعداد الإنسان لهذه الدواعي واستجابته لها، وتكريمه أو إهانته تبعا لذلك.
٧ - أن الإيمان بالغيب هو الإيمان النافع، أما الإيمان بالمشاهدة فكل أحد يؤمن يوم القيامة، فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الإيمان بالغيب الذي تعقبه اللذة والكرامة الحاصلة بسبب الإيمان بالغيب، فلذلك أنزلهم إلى دار يكون لإيمانهم فيها بالغيب مجال.
٨ - أن الله - سبحانه - أراد من ذلك أن يعرف عباده الذين أنعم عليهم تمام نعمته عليهم وقدرها، ليكونوا أعظم محبة وشكرا، وأعظم التذاذا بما أعطاهم من النعيم، فأراهم - سبحانه - فعله بأعدائه وما أعد لهم من العذاب، وأشهدهم تخصيصهم بأعلى أنواع النعيم، ليزداد سرورهم، وتكمل غبطتهم، ويعظم فرحهم، وكان ذلك من تمام الإنعام عليهم ومحبتهم، ولم يكن
стр. 45
بد في ذلك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختيارهم، وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلا، وخذلان من شاء منهم حكمة منه وعدلا، وهو العليم الحكيم.
٩ - أن الله أراد أن يعود إليها آدم ﵇ وذريته وهم على أحسن أحوالهم، فأذاقهم قبل ذلك من نصب الدنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم إليها في الدار الآخرة؛ فإن الضد يظهر حسنه الضد (١) .
وبعد أن أوضحت بداية الإنسان فيحسن أن نبين احتياجه إلى الدين الصحيح.
стр. 46
[حاجة البشر إلى الدين]
حاجة البشر إلى الدين حاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجتهم إلى ما سواه من ضرورات الحياة، لأن الإنسان لا بد له من معرفة مواقع رضى الله - سبحانه - ومواقع سخطه، ولا بد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن للناس أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه.
وإذا كان للإنسان إرادة فلا بد له من معرفة ما يريده، وهل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ وهذا قد يعرفه بعض الناس بفطرهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال إليه بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم إياهم (١) .
فمهما استعلنت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت، ومهما تعددت الأفكار والنظريات فلن تغني الأفراد والمجتمعات عن الدين الصحيح، ولن تستطيع أن تلبي متطلبات الروح والجسد، بل كلما توغل
стр. 47
الفرد فيها أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه آمنا، ولا تروي له ظمأ، وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح، يقول أرنست رينان: " إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية " (١) .
ويقول محمد فريد وجدي: " يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين، لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها، ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان، بل إن هذا الميل سيزداد، ففطرة التدين ستلاحق الإنسان مادام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح، وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه " (٢) .
فإذا ابتعد الإنسان عن ربه فعلى قدر علو مداركه واتساع آفاق علمه، يدرك عظم جهله بربه وما يجب له، وجهله بنفسه وما يصلحها ويفسدها، ويسعدها ويشقيها، وجهله في جزئيات العلوم ومفرداتها كعلوم الأفلاك والمجرات وعلوم الحاسب والنواة وغيرها. . . وحينئذ يتراجع العالم من مرحلة الغرور والكبرياء إلى التواضع والاستسلام، ويعتقد أن وراء العلوم عالما حكيما، ووراء الطبيعة خالقا قادرا، وتلزم
стр. 48
هذه الحقيقة الباحث المنصف بالإيمان بالغيب والإذعان للدين القويم، والاستجابة لنداء الفطرة والغريزة الجبلية. . وإذا تخلى الإنسان عن ذلك انتكست فطرته، وتردى إلى مستوى الحيوان الأعجم.
ونخلص بهذا إلى أن التدين الحق - الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد، والتعبد له وفق ما شرع - عنصر ضروري للحياة، ليحقق المرء من خلاله عبوديته لله رب العالمين، ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين، وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان، فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا.
وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان، إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالا ثرا، ومنهلا لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها.
وهو عنصر ضروري لتكتمل قوة الإرادة بما يمدها بأعظم البواعث والدوافع، ويدرعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط.
وعلى هذا فإذا كان هناك من يقول: إن الإنسان مدني بطبعه، فينبغي أن نقول: " إن الإنسان متدين بفطرته " (١) لأن للإنسان قوتين: قوة علمية نظرية، وقوة علمية إرادية، وسعادته التامة موقوفة على
стр. 49
استكمال قوتيه العلمية والإرادية، ولا يتحقق استكمال القوة العلمية إلا بمعرفة ما يلي:
١ - معرفة الإله الخالق الرازق الذي أوجد الإنسان من عدم وأسبغ عليه النعم.
٢ - معرفة أسماء الله وصفاته، وما يجب له - سبحانه -، وأثر هذه الأسماء على عباده.
٣ - معرفة الطريق التي توصل إليه سبحانه.
٤ - معرفة المعوقات والآفات التي تحول بين الإنسان وبين معرفة هذا الطريق وما توصل إليه من النعيم العظيم.
٥ - معرفة نفسك معرفة حقيقية، ومعرفة ما تحتاج إليه، وما يصلحها أو يفسدها، ومعرفة ما تشتمل عليه من المزايا والعيوب.
فبهذه المعارف الخمس يستكمل الإنسان قوته العلمية، واستكمال القوة العلمية والإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد، والقيام بها إخلاصا وصدقا ونصحا ومتابعة وشهودا لمنته عليه، ولا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته، فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى أولياءه إليه (١) .
стр. 50
بعد أن عرفنا أن الدين الصحيح هو المدد الإلهي لقوى النفس المختلفة، فإن الدين - أيضا - هو الدرع الواقي للمجتمع، ذلك لأن الحياة البشرية لا تقوم إلا بالتعاون بين أعضائها، ولا يتم هذا التعاون إلا بنظام ينظم علاقاتهم، ويحدد واجباتهم، ويكفل حقوقهم، وهذا النظام لا غنى له عن سلطان نازع وازع يردع النفس عن انتهاكه، ويرغبها في المحافظة عليه، ويكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته، فما هو هذا السلطان؟ فأقول: ليمس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام النظام، وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.
والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمع ولا بصر، وإنما هو عقيدة إيمانية تهذب الروح وتزكي الجوارح، فالإنسان مقود أبدا بعقيدة صحيحة أو فاسدة، فإذا صلحت عقيدته صلح فيه كل شيء، وإذا فسدت فسد كل شيء.
والعقيدة والإيمان هما الرقيب الذاتي على الإنسان، وهما - كما يلاحظ في عموم البشرية - على ضربين: - إيمان بقيمة الفضيلة وكرامة الإنسانية وما إلى ذلك من المعاني المجردة التي تستحي النفوس العالية من مخالفة دواعيها حتى ولو أعفيت من التبعات الخارجية والأجزية المادية.
стр. 51
- وإيمان بالله وأنه رقيب على السرائر، يعلم السر وأخفى، تستمد الشريعة سلطانها من أمره ونهيه، وتلتهب المشاعر بالحياء منه إما محبة له أو خشية منه أو بهما معا، ولا ريب أن هذا الضرب من الإيمان هو أقوى الضربين سلطانا على النفس الإنسانية، وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواطف، وأسرعهما نفاذا في قلوب العامة والخاصة.
من أجل ذلك كان الدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العدالة والإنصاف، وكان لذلك ضرورة اجتماعية، فلا غرو إن حل الدين من الأمة محل القلب من الجسد (١) .
وإذا كان الدين عموما بهذه المنزلة، فالمشاهد اليوم تعدد الأديان والملل في هذا العالم، وتجد كل قوم بما لديهم من الدين فرحون مستمسكون به، فما الدين الصحيح الذي يحقق للنفس البشرية ما تصبو إليه؟ وما ضوابط الدين الحق؟
стр. 52
[ضوابط الدين الحق]
ضوابط الدين الحق كل صاحب ملة يعتقد أن ملته هي الحق، وكل أتباع دين يعتقدون أن دينهم هو الدين الأمثل والمنهج الأقوم، وحينما تسأل أتباع الأديان المحرفة أو أتباع الملل البشرية الوضعية عن الدليل على اعتقادهم، فيحتجون بأنهم وجدوا آباءهم على طريقة، فهم على آثارهم مقتدون، ثم يذكرون حكايات وأخبارا لا يصح سندها، ولا يسلم متنها من العلل والقوادح، ويعتمدون على كتب متوارثة لا يعلم من قالها ولا من كتبها، ولا بأي لغة كتبت أول مرة، ولا في أي بلد وجدت، إنما هي أمشاج جمعت فعظمت فتوارثتها الأجيال دون تحقيق علمي يحرر السند، ويضبط المتن.
وهذه الكتب المجهولة والحكايات والتقليد الأعمى لا تصلح حجة في باب الأديان والعقائد، فهل كل هذه الأديان المحرفة والملل البشرية صحيحة أم باطلة؟
يستحيل أن يكون الجميع على حق، لأن الحق واحد لا يتعدد، ويستحيل أن تكون كل هذه الأديان المحرفة والملل البشرية من عند الله وأنها حق، وإذا تعددت - والحق واحد - فأيها الحق؟ إذا فلا بد من
стр. 53
ضوابط نعرف بها الدين الحق من الدين الباطل، فإذا وجدنا هذه الضوابط منطبقة على دين علمنا أنه الحق، وإذا اختلت هذه الضوابط أو واحد منها في دين علمنا أنه باطل.
الضوابط التي نميز بها بين الدين الحق والدين الباطل هي: الأول: أن يكون الدين من عند الله أنزله بواسطة ملك من الملائكة على رسول من رسله ليبلغه إلى عباده، لأن الدين الحق هو دين الله، والله - سبحانه - هو الذي يدين ويحاسب الخلائق يوم القيامة على الدين الذي أنزله إليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٢) وبناء على ذلك فأي دين يأتي به شخص ما وينسبه إلى نفسه لا إلى الله فهو دين باطل لا محالة.
الثاني: أن يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالعبادة، وتحريم الشرك، وتحريم الوسائل المفضية إليه، لأن الدعوة إلى التوحيد هي أساس دعوة
стр. 54
جميع الأنبياء والمرسلين، وكل نبي قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] (١) وعليه فإن أي دين اشتمل على الشرك وأشرك مع الله غيره من نبي أو ملك أو ولي فهو دين باطل ولو انتسب أصحابه إلى نبي من الأنبياء.
الثالث: أن يكون متفقا مع الأصول التي دعت إليها الرسل من عبادة الله وحده، والدعوة إلى صراطه، وتحريم الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] (٣) وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] (٤) .
الرابع: ألا يكون متناقضا ولا مختلفا بعضه مع البعض الآخر، فلا يأمر بأمر ثم ينقضه بأمر آخر، ولا يحرم شيئا ثم يبيح ما يماثله من غير
стр. 55
علة، ولا يحرم أمرا أو يجيزه لفرقة ثم يحرمه على أخرى، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١) .
الخامس: أن يتضمن الدين ما يحفظ على الناس دينهم وأعراضهم وأموالهم وأنفسهم وذرياتهم بما يشرع من الأوامر والنواهي والزواجر والأخلاق التي تحفظ هذه الكليات الخمس.
السادس: أن يكون الدين رحمة للخلق من ظلم أنفسهم وظلم بعضهم لبعض، سواء أكان هذا الظلم بانتهاك الحقوق، أم بالاستبداد بالخيرات، أم بإضلال الأكابر للأصاغر، قال - تعالى - مخبرا عن الرحمة التي ضمنها التوراة التي أنزلها على موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] (٢) وقال سبحانه مخبرا عن مبعث عيسى ﵇: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾ [مريم: ٢١] (٣) وقال جل ثناؤه عن صالح ﵇: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: ٦٣] (٤) وقال عز من قائل
стр. 56
عن القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] (١) .
السابع: أن يتضمن الهداية إلى شرع الله، ودلالة الإنسان على مراد الله منه، وإخباره من أين أتى؟ وإلى أين المصير؟ قال تعالى مخبرا عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (٢) وقال عز شأنه عن الإنجيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (٣) وقال جل ثناؤه عن القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] (٤) والدين الحق هو الذي يتضمن الهداية إلى شرع الله، ويحقق للنفس الأمن والطمأنينة، حيث يدفع عنها كل وسوسة، ويجيب عن كل تساؤل، ويبين عن كل مشكل.
الثامن: أن يدعو إلى مكارم الأخلاق والأفعال كالصدق والعدل والأمانة والحياء والعفاف والكرم، وينهى عن سيئها كعقوق الوالدين وقتل النفس وتحريم الفواحش والكذب والظلم والبغي والبخل والفجور.
التاسع: أن يحقق السعادة لمن آمن به، قال تعالى: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] (٥) وأن يكون متفقا مع الفطرة السوية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] (٦) متفقا مع العقل الصحيح
стр. 57
لأن الدين الصحيح هو شرع الله، والعقل الصحيح هو خلق الله، ومحال أن يتناقض شرع الله وخلقه.
العاشر: أن يدل على الحق ويحذر من الباطل، ويرشد إلى الهدى وينفر من الضلال، وأن يدعو الناس إلى صراط مستقيم لا التواء فيه ولا اعوجاج، قال تعالى مخبرا عن الجن إنهم حينما سمعوا القرآن قال بعضهم لبعض: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] (١) فلا يدعوهم إلى ما فيه شقاؤهم قال تعالى: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] (٢) ولا يأمرهم بما فيه هلاكهم قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (٣) ولا يفرق بين أتباعه بسبب الجنس أو اللون أو القبيلة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] (٤) فالمعيار المعتبر للتفاضل في الدين الحق هو تقوى الله.
وبعد أن استعرضت الضوابط التي تفرق بها بين الدين الحق والدين الباطل - واستشهدت لذلك بما جاء في القرآن الكريم مما يدل على أن هذه الضوابط عامة لكل الرسل الصادقين الذين أرسلوا من عند الله - فمن المناسب أن نستعرض أقسام الديانات.
стр. 58
[أقسام الديانات]
أقسام الديانات تنقسم البشرية بحسب أديانها إلى قسمين: قسم لهم كتاب منزل من عند الله كاليهود والنصارى والمسلمين، فاليهود والنصارى بسبب عدم عملهم بما ورد في كتبهم، وبسبب اتخاذهم البشر أربابا من دون الله، وبسبب تطاول العهد فقدت كتبهم التي أنزلها الله على أنبيائهم، فكتب لهم الأحبار كتبا زعموا أنها من عند الله، وما هي من عند الله، إنما هي انتحال المبطلين وتحريف الغالين.
أما كتاب المسلمين [القرآن العظيم] فهو آخر الكتب الإلهية عهدا، وأوثقها عقدا، تكفل الله بحفظه، ولم يكل ذلك إلى البشر قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (١) فهو محفوظ في الصدور والسطور، لأنه الكتاب الأخير الذي ضمنه الله الهدى لهذه البشرية، وجعله حجة عليهم إلى قيام الساعة، وكتب له البقاء، وهيأ له في كل زمان من يقيمون حدوده وحروفه، ويعملون بشريعته ويؤمنون به، وسيأتي مزيد تفصيل عن هذا الكتاب العظيم في فقرة قادمة (٢) .
стр. 59
وقسم ليس لهم كتاب منزل من عند الله، وإن كان لديهم كتاب متوارث منسوب إلى صاحب ديانتهم كالهندوس والمجوس والبوذيين والكنفوشيسيين وكالعرب قبل مبعث محمد ﷺ .
وما من أمة إلا ولها علم وعمل بحسب ما تقوم به مصالح دنياهم، وهذا من الهداية العامة التي جعلها الله لكل إنسان، بل لكل حيوان، كما يهدى الحيوان إلى جلب ما ينفعه من الأكل والشرب، ودفع ما يضره، وقد خلق الله فيه حبا لهذا، وبغضا لهذا، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] (١) وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] (٢) وقال الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] (٣) ومن المعلوم لكل عاقل - له أدنى نظر وتأمل - أن أهل الملل أكمل في العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، ممن ليسوا من أهل الملل، فما من خير يوجد عند غير المسلمين من أهل الملل إلا وعند المسلمين ما هو أكمل منه، وعند أهل الأديان ما لا يوجد عند غيرهم، وذلك أن العلوم والأعمال نوعان:
стр. 60
النوع الأول: يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب والصناعة، فهذه الأمور عند أهل الملل كما هي عند غيرهم، بل هم فيها أكمل، أما ما لا يعلم بمجرد العقل كالعلوم الإلهية وعلوم الديانات، فهذه مختصة بأهل الأديان، وهذه منها ما يمكن أن يقام عليه أدلة عقلية، والرسل هدوا الخلق وأرشدوهم إلى دلالة العقول عليها فهي عقلية شرعية.
النوع الثاني: ما لا يعلم إلا بخبر الرسل - فهذا لا سبيل إلى تحصيله من طريق العقول - كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته وما في الدار الآخرة من النعيم لمن أطاعه، والعذاب لمن عصاه، وبيان شرعه، وخبر الأنبياء السابقين مع أممهم وغير ذلك (١) .
стр. 61
[حال الديانات القائمة]
حال الديانات القائمة أصبحت الديانات العظمى، وصحفها العتيقة، وشرائعها القديمة فريسة للعابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، وعرضة للحوادث الدامية والخطوب الجسيمة، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون، وأنبياؤها المرسلون لأنكروها وتجاهلوها.
أصبحت اليهودية (١) - اليوم - مجموعة من طقوس وتقاليد لا روح فيها ولا حياة، وهي - بصرف النظر عن ذلك - ديانة سلالية مختصة بقوم وبجنس معين، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، ولا للإنسانية رحمة.
وقد أصيبت هذه الديانة في عقيدتها الأصلية التي كانت لها شعارا من بين الديانات والأمم، وكان فيها سر شرفها وهي عقيدة التوحيد التي وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﵈، فقد اقتبس اليهود كثيرا من عقائد الأمم الفاسدة التي جاوروها أو وقعوا تحت سيطرتها، وكثيرا من عاداتها وتقاليدها الوثنية الجاهلية، وقد اعترف بذلك مؤرخو اليهود المنصفون، فقد جاء في " دائرة المعارف اليهودية " ما معناه:
стр. 62
" إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان تدل على أن عبادة الأوثان والآلهة كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائيليين، وقد قبلوا معتقدات شركية وخرافية، إن التلمود أيضا يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة لليهود (١) .
وتلمود (٢) بابل - الذي يبالغ اليهود في تقديسه، وقد يفضلونه على التوراة، وكان متداولا بين اليهود في القرن السادس النصراني، وما زخر به من نماذج غريبة من خفة العقل وسخف القول، والاجتراء على الله، والعبث بالحقائق، والتلاعب بالدين والعقل يدل على ما وصل إليه المجتمع اليهودي في هذا القرن من الانحطاط العقلي وفساد الذوق الديني (٣) .
أما النصرانية (٤) فقد امتحنت بتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، ووثنية الرومان المتنصرين (٥) منذ عصرها الأول، وأصبح كل ذلك
стр. 63
ركاما، دفنت تحته تعاليم المسيح العظيمة، واختفى نور التوحيد وإخلاص العبادة لله وراء هذه السحب الكثيفة.
يتحدث كاتب نصراني عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحي منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، فيقول: " تغلغل الاعتقاد بأن الإله الواحد مركب من ثلاثة أقانيم في أحشاء حياة العالم المسيحي وفكره منذ الربع الأخير للقرن الرابع، ودامت عقيدة رسمية معتمدة في جميع أنحاء العالم المسيحي، ولم يرفع الستار عن تطور عقيدة التثليث وسرها إلا في النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي (١) .
ويتحدث مؤرخ نصراني معاصر في كتاب: " تاريخ المسيحية في ضوء العلم المعاصر " عن ظهور الوثنية في المجتمع النصراني في مظاهر مختلفة وألوان شتى، وتفنن النصارى في اقتباس الشعائر والعادات والأعياد والأبطال الوثنية من أمم وديانات عريقة في الشرك بحكم التقليد أو الإعجاب أو الجهل، فيقول: " لقد انتهت الوثنية، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس، واستمر كل شيء فيها باسم المسيحية وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم وتخلوا عنهم أخذوا شهيدا من شهدائهم، ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالا، وهكذا انتقل هذا الشرك وعبادة الأصنام إلى هؤلاء الشهداء
стр. 64
المحليين، ولم ينته هذا القرن حتى عمت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهية، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقا وسطا بين الله والإنسان، وغيرت أسماء الأعياد الوثنية بأسماء جديدة، حتى تحول في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح " (١) . أما المجوس فقد عرفوا من قديم الزمان بعبادة العناصر الطبيعية وأعظمها النار، وقد عكفوا على عبادتها أخيرا، يبنون لها هياكل ومعابد، وانتشرت بيوت النار في طول البلاد وعرضها، وانقرضت كل عقيدة وديانة غير عبادة النار وتقديس الشمس، وأصبحت الديانة عندهم عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصة (٢) .
يصف مؤلف " إيران في عهد الساسانيين " الدنماركي " آرتهر كرستن سين طبقة رؤساء الدين ووظائفهم فيقول: " كان واجبا على هؤلاء الموظفين أن يعبدوا الشمس أربع مرات في اليوم، ويضاف إلى ذلك عبادة القمر والنار والماء، وكانوا مأمورين بألا يدعوا النار تنطفئ وألا تمس النار والماء بعضهما بعضا، وألا يدعوا
стр. 65
المعدن يصدأ، لأن المعادن عندهم مقدسة " (١) .
وقد دانوا بالثنوية في كل عصر، وأصبح ذلك شعارا لهم، وآمنوا بإلهين اثنين: أحدهما النور أو إله الخير ويسمونه " أهور مزدا " أو " يزدان "، والثاني الظلام أو إله الشر وهو " أهرمن "، ولا يزال الصراع بينهما قائما والحرب دائمة (٢) .
أما البوذية - الديانة المنتشرة في الهند وآسيا الوسطى فهي ديانة وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت، وتبني الهياكل، وتنصب تماثيل " بوذا " حيث حلت ونزلت (٣) .
أما البرهمية - دين الهند - فقد اشتهرت بكثرة المعبودات والآلهة، وقد بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس الميلادي، فبلغ عدد الآلهة في هذا القرن ٣٣٠ مليون (٤) وقد أصبح كل شيء رائع، وكل شيء هائل، وكل شيء نافع إلها يعبد، وارتمت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، وتأنق فيها المتأنقون.
стр. 66
يقول " سي، وي، ويد " الهندكي في كتابه " تاريخ الهند الوسطى " وهو يتحدث عن عهد الملك هرش " ٦٠٦ - ٦٤٨ م "، وهو العهد الذي يلي ظهور الإسلام في الجزيرة العربية:
" كانت الديانة الهندكية والديانة البوذية وثنيتين سواء بسواء، بل ربما كانت الديانة البوذية قد فاقت الديانة الهندكية في الإغراق في الوثنية، كان ابتداء هذه الديانة - البوذية - بنفي الإله، ولكنها بالتدريج جعلت " بوذا " الإله الأكبر، ثم أضافت إليه آلهة أخرى مثل " bodhistavas "، وقد بلغت الوثنية أوجها في الهند، حتى أصبحت كلمة " بوذا buddha " مرادفه لكلمة " الوثن " أو " الصنم " في بعض اللغات الشرقية ".
ومما لا شك فيه أن الوثنية كانت منتشرة في العالم المعاصر كله، فلقد كانت الدنيا كلها من البحر الأطلسي إلى المحيط الهادئ غارقة في الوثنية، وكأنما كانت المسيحية والديانات السامية والديانة البوذية تتسابق في تعظيم الأوثان وتقديسها، وكانت كخيل رهان تجري في حلبة واحدة (١) .
ويقول هندكي آخر في كتابه الذي سماه: " الهندكية السائدة ": (إن عملية صنع الآلهة) لم تنته على هذا، فلم تزل تنضم آلهة صغيرة في فترات تاريخية مختلفة إلى هذا " المجمع الإلهي " في عدد كبير،
стр. 67
حتى أصبح منهم حشد يفوق الحد والإحصاء (١) .
هذا شأن الديانات، أما البلاد المتمدنة التي قامت فيها حكومات عظيمة، وشاعت فيها علوم كثيرة، وكانت مهد الحضارة والصناعات والآداب، فقد كانت بلادا مسخت فيها الديانات، وفقدت أصالتها وقوتها، وفقد المصلحون، وغاب المعلمون، واستعلن فيها الإلحاد، وكثر فيها الفساد، وتبدلت فيه المعايير، وهان الإنسان فيها على نفسه؛ ولذا كثر الانتحار، وتقطعت الروابط الأسرية، وتفككت العلائق الاجتماعية، وغصت فيها عيادات الأطباء النفسيين بالمراجعين، وقام فيها سوق المشعوذين، وجرب الإنسان فيها كل متعة، واتبع كل نحلة مستحدثة، رغبة في إرواء روحه وإسعاد نفسه وطمأنينة قلبه، فلم تفلح هذه المتع والملل والنظريات في تحقيق ذلك، وسيستمر في هذا الشقاء النفسي، والعذاب الروحي حتى يتصل بخالقه، ويعبده وفق منهجه الذي ارتضاه لنفسه وأمر به رسله، قال تعالى موضحا حال من أعرض عن ربه، وابتغى الهدى من غيره: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] (٢) وقال مخبرا عن أمن المؤمنين وسعادتهم في هذه الحياة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] (٣) وقال جل ثناؤه:
стр. 68
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (١) .
هذه الديانات - غير الإسلام - لو طبقنا عليها ضوابط الدين الحق التي سبقت (٢) لوجدناها قد فقدت أكثر تلك العناصر، كما هو واضح من خلال هذا العرض الموجز عنها.
وأعظم ما أخلت فيه هذه الأديان توحيد الله، فقد أشرك أتباعها مع الله آلهة أخرى، كما أن هذه الأديان المحرفة لا تقدم للناس شريعة صالحة لكل زمان ومكان تحفظ على الناس دينهم وأعراضهم وذرياتهم وأموالهم ودماءهم، ولا تدلهم وترشدهم إلى شرع الله الذي أمر به، ولا تمنح أهلها الطمأنينة والسعادة؛ لما اشتملت عليه من تناقض وتعارض.
أما الإسلام فسيأتيك في الفصول القادمة ما يبين أنه دين الله الحق الباقي الذي ارتضاه الله لنفسه ورضيه للبشرية.
وفي ختام هذه الفقرة يناسب أن نعرف حقيقة النبوة وآيات النبوة، وحاجة البشر إليها، وأن نبين أصول دعوة الرسل، وحقيقة الرسالة الخاتمة الخالدة.
стр. 69
[حقيقة النبوة]
حقيقة النبوة إن أعظم ما يجب على الإنسان أن يعلمه في هذه الحياة معرفة ربه الذي أوجده من عدم، وأسبغ عليه النعم، وإن أعظم غاية خلق الله الخلق لأجلها هي عبادته وحده سبحانه.
ولكن كيف يعرف الإنسان ربه حق معرفته وما يجب له من الحقوق والواجبات؟ وكيف يعبد ربه؟ إن الإنسان يجد من يعينه على نوائب دهره، ويقضي له مصالحه من علاج مرض، وتقديم دواء، وإعانة على بناء مسكن وما شابه ذلك، ولكنه لن يجد في سائر الناس من يعرفه بربه، ويبين له كيف يعبد ربه، لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة مراد الله منها، إذ العقل البشري أضعف من أن يدرك مراد بشر مثله قبل أن يخبره بمراده، فكيف بمعرفة مراد الله؟ ولأن هذه المهمة مقصورة على الرسل والأنبياء الذين يصطفيهم الله لإبلاغ الرسالة، وعلى من بعدهم من أئمة الهدى ورثة الأنبياء، الذين يحملون منهاجهم، ويقتفون آثارهم، ويبلغون عنهم رسالتهم، لأن البشر لا يمكن أن يتلقوا عن الله مباشرة، وهم لا يستطيعون ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] (١) فلا بد من واسطة وسفير يبلغ عن الله شرعه إلى
стр. 70
عباده، وهؤلاء السفراء والوسطاء هم الرسل والأنبياء، فيحمل الملك رسالة الله إلى النبي، فيبلغها الرسول إلى الناس، ولا يحمل الملك الرسالات إلى الناس مباشرة، لأن عالم الملائكة يختلف عن عالم الناس في طبيعته، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (١) .
وقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، ليفقهوا عنه، ويفهموا منه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث الرسول من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه (٢) وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] إلى أن قال جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] (٤) .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣] (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٦)
стр. 71
ويتصف هؤلاء الرسل والأنبياء بكمال العقل، وسلامة الفطرة، والصدق في القول والعمل، والأمانة في تبليغ ما عهد إليهم، والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة الأبدان مما تنبو عنه الأبصار، وتنفر منه الأذواق السليمة (١) وقد زكاهم الله في أنفسهم وأخلاقهم، فهم أكمل الناس خلقا، وأزكاهم أنفسا، وأكرمهم يدا، جمع الله لهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، كما جمع لهم الحلم والعلم، والسماحة والكرم والجود، والشجاعة والعدل حتى تميزوا في هذه الأخلاق بين أقوامهم، فهؤلاء قوم صالح ﵇ يقولون له - كما أخبر الله تعالى عنهم -: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢] (٢) وقال قوم شعيب لشعيب ﵇: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] (٣) واشتهر محمد ﷺ في قومه بلقب " الأمين " قبل أن تتنزل عليه الرسالة، ووصفه ربه - جل وعلا - بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٤) .
فهم خيرة الله من خلقه، اصطفاهم واختارهم لحمل الرسالة
стр. 72
وتبليغ الأمانة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٢) .
وهؤلاء الرسل والأنبياء ﵈ على الرغم مما وصفهم الله به من صفات سامية، وما اشتهروا به من صفات عالية، إلا أنهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر البشر، فهم يجوعون ويمرضون وينامون ويأكلون ويتزوجون ويموتون، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] (٤) بل ربما اضطهدوا أو قتلوا أو أخرجوا من ديارهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (٥) ولكن العاقبة والنصر والتمكين لهم في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] (٦) وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] (٧) .
стр. 73
[آيات النبوة]
آيات النبوة لما كانت النبوة وسيلة إلى معرفة أشرف العلوم، والقيام بأشرف الأعمال وأجلها، كان من رحمته سبحانه أن جعل لهؤلاء الأنبياء علامات تدل عليهم، ويستدل بها الناس عليهم، ويعرفونهم من خلالها - وإن كان كل من ادعى دعوة ظهر عليه من القرائن والأحوال ما يبين صدقه إن كان صادقا، ويفضح كذبه إن كان كاذبا -، وهذه العلامات كثيرة من أهمها:
١ - أن يدعو الرسول إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ إذ هذه هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق.
٢ - أن يدعو الناس إلى الإيمان به وتصديقه والعمل برسالته، فقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) .
٣ - أن يؤيده الله بدلائل متنوعة من دلائل النبوة، ومن هذه الدلائل الآيات التي يأتي بها النبي ولا يستطيع قومه أن يردوها أو يأتوا بمثلها، ومن ذلك آية موسى ﵇ حينما انقلبت عصاه ثعبانا، وآية عيسى ﵇ حينما كان يبرئ الأكمه
стр. 74
والأبرص بإذن الله، وآية محمد ﷺ وهي القرآن العظيم على الرغم من كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب إلى غير ذلك من آيات الأنبياء.
ومن هذه الدلائل: الحق الواضح البين الذي يأتي به الأنبياء والمرسلون ﵈، ولا يستطيع خصومهم دفعه أو إنكاره، بل إن هؤلاء الخصوم يعلمون أنما جاء به الأنبياء هو الحق الذي لا يدفع.
ومن هذه الدلائل ما اختص الله به أنبياءه من كمال الأحوال، وجميل الشمائل، وكريم الخصال والأخلاق.
ومن هذه الدلائل نصر الله لهم على خصومهم وإظهار ما يدعون إليه.
٤ - أن تتفق دعوته في أصولها مع الأصول التي دعا إليها الرسل والأنبياء (١) .
٥ - ألا يدعو إلى عبادة نفسه أو صرف شيء من العبادة إليه، وألا يدعو إلى تعظيم قبيلته أو طائفته، فقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٢) .
стр. 75
٦ - ألا يطلب من الناس عرضا من أعراض الدنيا مقابلا لدعوته، قال تعالى مخبرا عن أنبيائه: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ أنهم قالوا لقومهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] (١) وقال محمد ﷺ لقومه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٢) .
وهؤلاء الرسل والأنبياء - الذين ذكرت لك شيئا من صفاتهم ودلائل نبوتهم - كثيرون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) وقد سعدت بهم البشرية، وحفل التاريخ بتسجيل أخبارهم، وتواتر نقل شرائع دينهم، وأنها هي الحق والعدل، وتواتر - أيضا - نقل ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك أعدائهم كطوفان قوم نوح، وغرق فرعون، وعذاب قوم لوط، وانتصار محمد ﷺ على أعدائه، وانتشار دينه، فمن عرف ذلك علم يقينا أنهم جاءوا بالخير والهدى، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرهم، وأولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ .