← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مرَّةً مرَّةً، فقال: «هذا وظِيفَة (١) الوضوء، أو قال: هذا وضوء من لم يتوضَّأ لم يقبل الله له صلاة»، ثم توضَّأ مرَّتين مرَّتين، وقال: «هذا وضوء من توضَّأه (٢)؛ كان له كِفْلان من الأجر»، وتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا وضوئي، ووضوء المرسلين قَبلي» رواه ابن ماجَه (٣)، وقوله ﵇ في حديث عمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه أنه: «لمَّا سئل عن الوضوء فأراه (٤) ثلاثًا ثلاثًا، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدَّى وظَلَم» رواه أبو داود (٥). تكلَّم (٦) مسلم على قوله: «أو نقص»، وأوَّله البيهقي على نقصان العضو (٧)، واستحسنه الذَّهبي. وأمَّا الزيادة على الثَّلاث؛ فيكره، زاد بعضهم: لغير وسواس. وقيل: يحرم للخبر، قال أحمد: (لا يزيد عليها إلَّا رجل مبتلًى) (٨). خاتمة: ظاهِر كلامه: أنَّه لا يسنُّ مسْح العُنُق، وهو الصَّحيح؛ لعدم ثبوت ذلك في الحديث.

стр. 212

وعنه: يسنُّ، اختاره في «الغنية» وابن الجَوزي (١) وابن رَزين، وأطلق في «المحرر» الخلاف. وأنَّه لا يسنُّ غسل داخل العينين، واختاره القاضي والشَّيخان؛ نظرًا إلى أنَّ الضَّرَر المتوقَّعَ كالمتحقِّق. وقيل: يسنُّ مع أمن الضرر، جزم به صاحب «التلخيص». وحكى بعضهم رواية بالوجوب (٢) مخرَّجة من وجوب ذلك في الغسل. والأصحُّ أنَّه لا يجب غَسْلهما لنجاسة (٣).

стр. 213

(بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ) وشرطه (١)، (وَصِفَتِهِ) (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ)، الفروضُ: جمعُ فَرضٍ، وهُو لُغةً: التَّأثيرُ، وشرعًا؛ قِيل: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُهُ. وهُو عِبارةٌ عن استعمالِ الماءِ الطَّهور في الأعْضاء المخصوصةِ على صفةٍ مفتتحة بالنية، وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه (٢). ثمَّ اعلم أنَّ الْفرضَ والشَّرطَ يَشترِكان في تَوقُّف العبادة على وجودِهما، ويَفترِقان: بِأنَّ الشَّرْط خارجٌ عنها، والفرضَ داخلَها، وبِأنَّ الشَّرْطَ يُستصحَبُ فيها إلى انقضائِها، والفرْض يَنقضِي، ويَخلُفُه غيره. فمِنهمْ من نظَر إلى المعْنى الأوَّلِ؛ فَسَمَّى النِّيَّةَ ونحوَها فرْضًا (٣)، وهِي بالمعْنى الثَّانِي شرْطٌ. (غَسْلُ الْوَجْهِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]، (وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ)؛ أي: من الوجْهِ؛ لدُخولِهِمَا فِي حَدِّه. (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]. (وَمَسْحُ الرَّأْسِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]. (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦]؛ أي: كلَّ واحدة منهما، وهو فرضٌ عندنا وعند الجَماهيرِ؛ لقراءةِ نافعٍ وابنِ

стр. 214

عامِرٍ والكِسائِيِّ وحفصٍ بالنَّصبِ في (١): عطفًا على اليديْنِ، وقرأ الباقُون بالخفضِ للمجاورةِ (٢)، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥]. وقِيل: لمَّا كانتِ الأرْجُلُ في مَظِنَّةِ الإسراف في الماءِ، وهو منهيٌّ عنه مذمومٌ؛ عطفَها على المَمْسوح لا للتَّمسُّح، بل للتَّنبيه (٣) على الاقتصار على مقدارِ الواجِبِ، ثمَّ قيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] دَفْعًا لِظَنِّ ظانٍّ أنَّها مَمْسوحة؛ لأنَّ المسح لم يضرب له غاية في الشرع. ولفعله ﵇ (٤)، وقولِه: «ثمَّ يغسل رجليه كما أمره الله تعالى» رواه أحمد، والطَّبراني، وابن خزيمة، والدَّارقطني، وصحَّحاه (٥)، وقال سعيدٌ: ثنا يونسُ بن أبي يعفور (٦)، عن أبي الجَحَّاف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» إسناده حسن،

стр. 215

وقالتْ عائشةُ: «لَأَن يقطعا (١) أحبُّ إليَّ أن أمسح القدَميْن» (٢). وهذا (٣) في حقِّ غير لابِس الخُفِّ، فأمَّا لابِسُه؛ فغسلُهما ليس فرضًا مُتعيِّنًا (٤) في حقِّه. (وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى)، هذا هو الأصحُّ، وفي «الكافِي»: أنَّه ظاهِرُ المذهب؛ لأنَّ الله تعالى أدْخَل المَمْسوح بيْن المَغْسولاتِ، ولا يُعلم لهذا فائدةٌ غيرُ التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقتْ لبيان الواجب، والنَّبيُّ ﷺ رَتَّب الوُضوءَ، وقال: «هذا وضوءٌ لا يَقبلُ الله الصَّلاة إلا به» (٥)، ولأنَّه عبادةٌ تَبطُل بالحدث، فكان التَّرتيب من شرطِه؛ كالصَّلاة يَجِبُ فيها (٦) الرُّكوعُ قبْل السُّجودِ، ولو كان التَّنْكيس جائِزًا؛ لَفَعَلَهُ ولَوْ مَرَّةً لِيتَبينِ الجَوازِ.

стр. 216

وهذا كلُّه على أنَّ الواوَ للْجمعِ المُطْلَق، فأمَّا إذا قِيل: إنَّها للتَّرتيبِ فواضِحٌ، فعلى هذا: لو بدأ بشيء من الأعضاء قبل غسل الوجه؛ لم يُحسَب له. نعم؛ إن تَوضَّأَ مُنَكِّسًا أربعَ مرَّاتٍ؛ صحَّ وضوءُه إن قرُب الزَّمَنُ؛ لأنَّه حَصل له في كلِّ مرَّةٍ غَسْل عُضْوٍ. ولَوْ غسلَها جميعًا بانغِماسٍ واحدٍ، أوْ وضَّأَه أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ؛ لم يُجْزِئْه. وإنْ لبِثَ في جارٍ، فمرَّتْ عليه أربعُ جَرَياتٍ متعاقبة؛ سقَط التَّرتيبُ إن قيل بإجْزاءِ الغَسلِ عنِ المسحِ. وقِيلَ: إنْ أَمَرَّ يدَه على رأسِه كَفاهُ، وإلَّا فلا. ولوْ لم يَمرَّ (١) عليه إلَّا جَريةٌ واحدةٌ؛ لم يجزئْه. وإنِ (٢) انغَمَسَ فِي كثيرٍ راكِدٍ؛ فمَنصوصُهُ (٣) - وقَطَعَ به جَمْعٌ -: إن خرَج مُرَتَّبًا جازَ، وإلَّا فَلَا. والثَّانِيَةُ، وحكاها أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: بِعَدِم الوجوبِ، وأخَذُوا ذلك من نصِّه على جوازِ تأخيرِ المضْمضةِ والاِستِنشاق (٤)، وأبَى ذلك عامَّة الأصحابِ (٥). وقِيل: يَسقُط بالجهلِ والنسيان. (وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ذكَره ابنُ هُبَيرَة أنَّها المشهورةُ، وصحَّحها فِي «الرعاية»، وجزَم بها في «الوجيز»، ورَجَّحها فِي «الشَّرح»؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]؛ لأنَّ الأوَّلَ

стр. 217

شرطٌ، والثَّانِي جَوابٌ، وإذا وُجِدَ الشَّرط، وهو القيام؛ وجب ألا يتأخَّر عنه جوابُه، وهو غسلُ الأعضاء. يُؤيِّده ما رَوَى خالِدُ بن مَعْدان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا يُصلِّي وفي ظهْر قَدَمِه لمعةٌ قدْرَ الدِّرْهم لم يُصِبْها الماء، فأمره أنْ يُعيدَ الوُضوءَ» رواه أحمدُ وأبو داودَ، وزاد: «والصَّلاةَ»، وهذا صحيحٌ، وفيه بَقِيَّةُ (١)، وهُو ثِقةٌ رَوى له مُسلمٌ (٢). والثَّانِيةُ، - ونقلها حنبل عنه -: أنَّها لا تَجِبُ، وهي قولُ ابن المنذر؛ لأنَّ الله تعالَى أمرَ بالغَسل، ولم يَشتَرِطِ المُوالاةَ، وعن ابن عمر أنَّه غسل رجليه بعدما جفَّ وضوءُه (٣). ونصَر الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ ذلك (٤) (٥)، وزَعم أنَّه الأَشْبه بأُصولِ الشَّرِيعةِ، ولهُ

стр. 218

نَظائِرُ؛ مِنْها: التَّتَابُعُ في صوم شَهرَيِ الكفَّارةِ. وجوابُه: النَّصُّ والإجْماعُ، ثمَّ لوْ تركه لِعُذْرٍ؛ لم يَنقطِعْ، وكذا الموالاةُ في قراءةِ الفاتحةِ، وفي الطَّواف والسَّعْيِ؛ لا يَبطُل بِفعْلِ (١) المكْتوبةِ. (وَهُوَ: أَلَّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الذِي قَبْلَهُ) في زمَنِ مُعْتدِلٍ، أو بمقدارِه في الشِّتاءِ والصَّيفِ والْهواءِ، وهلِ الاِعتبارُ بما يَلِي (٢) العُضوَ المغسولَ، أو أوَّلِها، أو جميعِها؟ فِيهِ أقْوالٌ. والتَّفريقُ المُبطِلُ: ما يُعدُّ في العُرْف تفْريقًا، قال الخَلَّالُ: (هو الأشبهُ بقوْله، والعملُ عليْه). فلو جَفَّ الأوَّلُ لاِشتغالِه فِي الثَّاني بسُنَّةٍ؛ كتخْليلٍ وإِسْباغٍ لم يَضُرَّ، وكذا إنْ كان لِوَسْوسةٍ، وإزالةِ وسَخٍ فِي الأَصحِّ، وإن كان للاِشْتِغال (٣) بتحصيلِ الماء؛ فَرِوايتانِ. ويضُرُّ إسْرافٌ، وإزالةُ وَسَخٍ لغيرِ الطَّهارةِ، وزيادةٌ علَى الثَّلاثِ؛ لأنَّه ليس من (٤) الطَّهارةِ شرعًا. ولا تسقط هي، وترتيبٌ سهوًا؛ كبقيةِ الفُروض. (وَالنِّيَّةُ) لغةً: القصدُ يقال: نَواك اللهُ بِخيرٍ؛ أي: قصدك به، ومحلُّها القلبُ فلا بدَّ أن يَقصِدَ بقلبِه، وأن يخلِصها لله تعالى؛ لأنَّه عملُ القلب، والنَّصُّ دلَّ على الثَّواب في كلِّ وضوء، ولا ثواب في غير مَنْوِيٍّ بالإجماعِ. (شَرْطٌ) وهو لغةً: العلَامةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محَمَّد:

стр. 219

١٨]. واصْطِلاحًا: ما يَلزَمُ من عدمه العدمُ، ولا يَلزَمُ من وُجودِه (١) وُجودٌ ولا عَدَمٌ. (لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا)، بغيرِ خِلافٍ نعلمُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيّنَة: ٥]، والإخلاصُ مَحْضُ النِّيَّةِ، وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، وأكَّدهُ بقوله: «وإنَّما لامْرِئٍ ما نَوَى» (٢)، وقوله: «لا عملَ إلَّا بِنِيَّة» (٣)، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ؛ لقوله ﵇: «الطُّهور شَطرُ الإيمانِ» رواه مسلم (٤)، وأخبر أنَّ الخطايا تَخرجُ بالوُضوءِ، وكلُّ عبادة لا بدَّ لها من نيَّة. فالعِبادةُ: ما أُمِر به شرْعًا من غير اطِّرادٍ عُرْفِيٍّ، ولا اقتِضاءٍ عقْليٍّ. قِيل لأبي البَقاءِ: الإسلامُ والنِّيَّةُ عبادتان، ولا يَفتقِرانِ إلى النِّيَّةِ؟ فقال: الإسلامُ ليس بعبادةٍ؛ لصدوره من الكافرِ، وليس من أهلها، سَلَّمنا، لكن صحَّ للضرورة؛ لأنَّه لا يصدر إلَّا من كافرٍ، وأمَّا النِّيَّة فَلِقطْع التَّسلْسُل. ولأنَّها طهارةٌ حُكميَّةٌ، فافتقرتْ إلى النِّيَّةِ؛ كالكفَّارة، بخلاف طهارةِ الخبَث، فإنَّها نقلُ عيْنٍ، أشبه ردَّ الوَديعةِ، ولأنَّ طهارة الحدَثِ بابُها الفعلُ أشبهتِ الصَّلاةَ، وطهارةُ النَّجاسةِ بابُها التَّرْكُ أشبهتْ تركَ الزِّنى. وذكَرَ بعضُ أصحابنا عن طوائِفَ من العُلَماءِ: أنَّه ليس من شرْط العبادة النِّيَّةُ؛ بدليل السِّتارةِ، واستقبالِ القِبلةِ، وهما شَرْطانِ للعبادةِ. وأُجيب: بأنَّهما يُوجدان في جميع الصَّلاة لوجودِهما قبلها، فنيَّةُ الصَّلاةِ

стр. 220

متضمِّنةٌ لهما، بخلافِ طهارةِ الحَدَثِ، ولهذا لو حَلف لا يَتطهَّرُ وهو متطهِّر؛ لم يحنَثْ بالاستدامة (١)، ولو حَلَف لا يَستتِرُ، ولا يَسْتقبِل؛ حنِث باستِدامتِهِما. وظاهرُه (٢): أنَّها ليست بشرطٍ في طهارةِ النَّجَسِ، وهو كذلك في الأصحِّ. وفيه وَجْهٌ: يُشتَرط إن كانت على البدَنِ. وفي رواية: أنَّها شرط مطلقًا. (وَهِيَ: أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ)، وهُو المانِعُ ممَّا تُشْتَرَطُ له الطَّهارةُ، والمراد رفع حكمه، وإلا فالحدث إذا وقع لا يرتفع (٣)، (أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا)؛ أي: يَقصِدُ (٤) استباحةَ عِبادةٍ لا تُستباح إلَّا بالطَّهارة؛ كالصَّلاةِ، والطَّوافِ، ومسِّ المُصحَفِ؛ لأنَّ ذلك يَستلزِم رفعَ الحدثِ، ضَرورةَ أن صحَّة (٥) ذلك لا يَجتمِعُ معهُ. فإن نوى التَّبرُّدَ وما لا يُشرع له الطَّهارةُ؛ كأكلٍ وبيعٍ، ونوى مع ذلك الطَّهارة؛ صحَّتْ، وإلَّا فلَا. فإن غسَل أعضاءَه ليزيل عنها النَّجاسةَ، أو ليُعلِّم غيرَه؛ لم يجزئْه. وإن نوى صلاةً مُعيَّنة لا غيرَها؛ ارتَفع مطلقًا. وإن نوى طهارةً مُطلقةً، أو وُضوءًا مُطلقًا؛ فالرَّاجح أنَّه لا يرتفِع. وإن نوى الجنُبُ بغسله القراءةَ؛ ارتفعَ الأكبرُ، وفي الأصغر وجهان. وإن نَوى بغسله اللُّبْثَ في المسجدِ؛ ارتفع الأصغرُ، وفي الأكبرِ في أعضاءِ الوُضوءِ - وقِيل: وغيرِها - وجهان. وإن نَوى مَنْ حدَثُه مستمِرٌّ استباحةَ الصَّلاة؛ صحَّ، وارتفع حدثُه، ولا

стр. 221

يحتاج إلى تعيين النِّيَّة للفرض، فلو نَوى رفعَ الحدث؛ لم يرتفعْ في الأَقْيسِ. ويُسنُّ نُطقُه بها سِرًّا، ولا يضرُّ سبقُ لسانه بخلاف قصدِه. تنبيه: يُشتَرَط لصحَّة وضوءٍ: عقلٌ، وتمييزٌ، وإسلامٌ، ودخولُ وقتٍ على مَنْ حدَثُه دائمٌ لِفرضِه، وإزالةُ ما يمنعُ وصولَ الماء، وطهرٌ من حيضٍ ونفاسٍ، وفَراغُه من خروجِ خارج، وطَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه. (فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ (١) لَهُ الطَّهَارَةُ)؛ كقِراءةِ قُرآنٍ، وأذانٍ، ونحوِهما، (أَوِ التَّجْدِيدَ) ناسيًا حدَثَه؛ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يرتفع، اختارها ابن حامِد والشِّيرازي وأبو الخَطَّاب؛ كمن نوى التَّبرُّد. والأخرى: يرتفِع، اختارها أبو حفْص، والشَّيخان، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه نوى طهارةً شرعيَّةً. وصحَّح السَّامَرِّيُّ: أنَّه لا يرتفع إذا نوى ما تسنُّ له الطَّهارة. وفي «الرعاية»: إن جَدَّد محدِثٌ وضوءَه ناسيًا حدَثَه؛ لم يرتفِعْ في الأشهر، وفي حصول التَّجديدِ إذا لم يرتفِع احتمالان. (وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا)؛ كغسلِ الجمُعة (فَهَلْ يُجْزِئُ (٢) عَنِ الْوَاجِبِ)؛ كغسلِ الجَنابةِ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هما مَبنيان على الخِلافِ السَّابِقِ، والمذهبُ: الإجزاء؛ كعكسِه. فإن لم يرتفِع الواجِبُ؛ حصل المسنونُ. وقيل: لا. وقيل: يجزئه الواجِب؛ لأنَّه أعلى. فإن نواهما حصَلا، نصَّ عليه. (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ)؛ متنوِّعةٌ، قيل: معًا،

стр. 222

وقيل: أو متفرِّقة، (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهُمَا)، وقيل: وعلى ألا يرتفع غيره (١)، (فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا)؛ أي: باقيها، قال ابن هشام (٢): (ولا أعلم أحدًا من أئِمَّةِ اللُّغَة ذكر أنَّها بمعنى الجميع إلَّا الجوهري، وهو وهَمٌ) (٣)، (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يرتفع، وهو قول القاضي، وجزم به في «الوجيز»، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ الأحداث تتَداخَل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الجميع. والآخَر: لا يرتفع إلَّا ما نواه، وقاله أبو بكر عبد العزيز؛ لأنَّه لم يَنوِه، أشبَه ما لو لم ينوِ شيئًا. فعلى قوله؛ إذا اغتسلت من هي حائض جُنُب للحيض؛ حلَّ وطؤها دون غيره؛ لبقاء الحرمة. وفيه وجهٌ: إن سبق أحدُهما ونواه؛ ارتفع غير المَنْوِي (٤)، وإلَّا فلا. وفيه وجهٌ: تجزئ نيَّةُ حَيْضٍ (٥) عن جنابة من غير عكس، وما سوى ذلك يرتفع. وفيه وجه: لا يُجزِئ أحدُهما عن الآخر، ويجزئ في (٦) غيرهما. وظاهِرُه (٧): أنَّه إذا نوى الجميعَ ارتفع، وهو كذلك عند الأكثر؛ لأنَّه لم

стр. 223

ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ اغتسل من الجنابة إلَّا غسلًا واحدًا، وهو يتضمَّن التقاء الختانين والإنزال. (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ)؛ لأنَّ النِّيَّة شرطٌ لصحَّتها، فيُعتبر وجودُها في أوَّلها، فلو فعل شيئًا من الواجباتِ قبل وجود النِّيَّة؛ لم يُعتدَّ به. ويجوزُ تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ كالصَّلاة. وقيل: وطويلٍ ما لم يَفسخْها. والأصحُّ: أنَّه لا يُبطلها عملٌ يسير. (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا)؛ أي: يُستحَب تقديمُها على أوَّلِ المسنوناتِ منها (١)؛ كغَسل اليد إذا لم يكن قائمًا من نوم اللَّيل؛ ليشمَل مفروضَ الوضوء ومسنونَه، فلو فرَّق النِّيَّة على أعضاء الطَّهارة؛ صحَّ في الأَشهَر. فرع: غسل الذِّمِّيَّة من الحيض لا (٢) يفتقِر إلى نيَّة، واعتبره الدِّيْنَوَرِيُّ (٣)، قال في «الرعاية»: والنَّصُّ: أنَّه لا يُجزِئ غُسلٌ بلا نيَّة. (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا)، قال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ: (وهُو أفضلُ؛ لتكون أفعالُه (٤) مقرونةً بالنِّيَّةِ) (٥). (وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا؛ أَجْزَأَهُ)، ومعناهُ: أن (٦) ينويَ المتطهِّرُ في (٧)

стр. 224

أوَّلِها، ثم لا يَنوِيَ قَطْعَها (١)، فإن عزَبت عن خاطرِه وذَهِل عنها؛ لم يؤثِّر ذلك في قَطْعِها؛ كالصَّلاة والصِّيامِ. فرع: إذا شكَّ في النِّيَّة في أثناءِ طهارتِه؛ لزِمه استئنافُها، إلَّا أن يكون وَهْمًا؛ كالوسواس فلا يَلتفِتْ. والأصحُّ: أنَّها لا تبطلُ بعد فراغه؛ كالشَّكِّ في حدَث. والثَّاني: تبطُل؛ لأنَّ حكمَها باقٍ بخِلاف الصَّلاةِ. وإن أبطلها في أثناء طهارته؛ بطل ما مضى في الأصحِّ، ولم تبطل (٢) في آخر؛ لأنَّه وقع صحيحًا، فلم تبطُلْ (٣) بقطْع النِّيَّة، كما لو نوى قطعَها بعد الفَراغِ من الوضوء. ثمَّ هل يُتِمُّ على الأوَّلِ؟ يَنبَنِي على وُجوبِ الموالاة.

стр. 225

فصل (وَصِفَةُ الْوُضُوءِ)؛ المرادُ بها هنا: الكيفيَّةُ. (أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ) وقد تقدَّما، (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ)؛ أي: كفَّيْهِ (ثَلَاثًا)؛ لأنَّ مَنْ (١) وَصفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ ذكَرَ أنَّه كان يبدأ فيغسِل كفَّيه ثلاثَ مرَّات (٢)؛ لأنَّ اليديْنِ آلةٌ لنقل الماء، فاستُحِبَّ غسلُهما تحقيقًا لطهارتهما، وتنظيفًا لهما. وحينَئِذٍ فيتكرَّرُ غسلُهما عند الاِستِيقاظِ من النَّوم، وفي أوَّلِهِ، ومعَ كلِّ يَدٍ. (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ)؛ لما رَوى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوضَّأ، فأخذَ غَرْفةً مِنْ ماءٍ، فمضمضَ بها، واستنْشقَ» رواه البخاري (٣). والمضْمضةُ: إدارةُ الماءِ في الفم. والاِستنْشاقُ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَس إلى باطِنِ الأنْفِ، والسُّنَّةُ أن يكون بيمينِه، ويستنثِر بيَساره. وعنه: يجبُ في الصُّغرى. وظاهِره: أنَّهُ يُسنُّ تقديمُ المضمضة عليهِ، ويتوجَّه أنَّه يَجِبُ وش (٤)، ولأِنَّ الفمَ أشرفُ؛ لكونه محلَّ القراءة والذِّكر وغيرهما، وهما في ترتيبٍ وموالاةٍ كغيرهما. (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ)؛ للحديثِ المتَّفقِ عليه: «أنَّهُ أدخل يدَه في الإناءِ، فمَضْمضَ واستنْشقَ ثلاثًا بثلاثِ غَرَفاتٍ» (٥)، (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ)؛ لأنَّ في

стр. 226

حديث جدِّ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاقِ» رواه أبو داود (١)، وَوُضوءُه كان ثلاثًا ثلاثًا، فلزم كونُهما من سِتٍّ، والأفضل كما نصَّ عليه: أن يكون لهما من غرفةٍ واحدةٍ (٢). وفي تسمِيتِهما فرضًا وسقوطِهما سهوًا روايتان، والمذهب: أنَّهما يُسَمَّيان فرضًا، ولا يَسقطان سهْوًا. (وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ)، هذا هو المشهور؛ لأنَّ الله تعالى أمر بغسل الوجه وأطلق، وفسَّره النَّبيُّ ﷺ بفعله وتعليمه؛ فمضمض واستنشق في كلِّ وضوء توضَّأه، ولم ينقل عنه الإخلال به مع اقتصاره على المُجْزئ؛ وهو الوضوء مرَّةً مرَّةً، وقوله: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصَّلاة إلَّا به» (٣)، وفعلُه إذا خرج بيانًا كان حكمُه حكمَ ذلِك المُبَيَّنِ، ولو كان مستحبًا لتركه ولو مرَّةً لتَبْيِينِ (٤) الجوازِ كما في الثَّانيةِ والثَّالثةِ، وقد رَوى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي هريرة قال: «أمرنا النَّبيُّ ﷺ بالمضمضة والاستنشاقِ» وإسنادُه جيِّدٌ (٥)، وفي حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا توضَّأْتَ فتَمضمضْ» رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ جيِّدٍ (٦)، ولأنَّهما في حكم الظَّاهِر، بدليل أنَّ وضعَ

стр. 227

الطَّعام (١) والخمر فيهما؛ لا يوجب فطرًا، ولا يَنشُر حُرمةً، ولا يُوجب حدًّا (٢)، وحُصولُ النَّجاسةِ فيهما يُوجِبُ (٣) غسلهما، ويُنقَض الوضوء بوصولِها إليهِما، ولَا يَشقُّ إيصال الماء إليهما، بخلاف باطِن اللِّحية الكَثَّة. وعنه: أنَّ الاستنشاق وَحْدَه واجبٌ فيهما؛ لما في الصَّحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر»، وفي لفظ (٤): «فليستنشق» (٥)، وإذا (٦) ثبت ذلك في الوضوء ففي الغسلِ أولى، ولأنَّ (٧) طرَف الأنف لا يَزال مفتوحًا بخلاف الفَمِ، وقاله أبو عبيد وأبو ثور. (وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى)؛ لأنَّه يجب إيصالُ الماء فيها إلى باطن الشُّعور ونحوه، (دُونَ الصُّغْرَى)؛ لأنَّ المأمور فيها غَسلُ الوجهِ، وهو ما تقع به المواجَهة، وليسا كذلك، أشبها باطنَ اللِّحيةِ الكَثَّة. وعنه: يجِبان في الأصغر فقط، نقلها الميموني (٨). وعنه: يجب الاستنشاق وحدَه في الأصغر، ذكرها صاحب «الهداية». وعنه: عكسُها (٩) ذكرها ابن الجوزي. وعنه: هما سنة وم ش (١٠)، كانتِثاره.

стр. 228

(ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ)؛ للنَّصِّ، فيأخذ الماءَ بيديْه جميعًا، أو يغترف بيمينه ويضمُّ إليها الأخرى، ويغسل بهما ثلاثًا؛ لأنَّ السُّنَّة قد استفاضت به، خصوصًا حديثَ عثمانَ المتَّفق على صحَّته. (مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ) غالبًا، فلا (١) عِبرة بالأفْرَع (٢) الذي يَنبُت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعرُه عن مقدَّم رأسه، (إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ طُولًا، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا)؛ لأنَّ ذلك تحصل (٣) به المواجَهة. وعُلم من كلامه: أنَّ الأذنين ليسا من الوجه، وأنَّ البياضَ الذي بين العِذار والأذن منه، ونصَّ (٤) الخِرَقِيُّ عليه؛ لأنَّه يَغفُل النَّاسُ عنه، وقال م (٥): ليس من الوجه، ولا يجب غسله، قال ابن عبد البرِّ: (لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقوله هذا) (٦)، ولأنَّه يجب في حقِّ غير المُلتَحِي، فكذا غيره. فيدخل (٧) في حدِّ الوجه: -العِذارُ: وهو الشَّعْر الذي على العظم الناتِئِ سمْت صِماخ الأذن، مرتفِعًا إلى الصُّدْغ، ومنحطًّا إلى العارِض. -والعارض: وهو الشَّعر النابت على الخد. -واللَّحْيان: العظْمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه، وعليهما ينبت (٨) أكثرُ اللِّحية.

стр. 229

-والذَّقَن: وهو مَجْمَع اللَّحيَيْن. -والحاجِبان، وأهدابُ العينيْنِ، والشارِبُ، والعَنْفَقَةُ. ولا يَدخلُ صُدْغ: وهو الشَّعر الذي بعد انتهاء العذار يُحَاذي رأسَ الأذن، وينزل عن رأسها قليلًا في ظاهِر كلامِ أحمدَ، وهو الأصحُّ. واختُلِف في التَّحذيفِ: وهو الشَّعْر بين انتهاء العِذار والنَّزعة، فقال ابن حامد: هو منه، وذكر بعضهم أنَّه الأصحُّ. وضابِطُه: أن يضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثَّاني على أعْلى الجبهة، ويعرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجه؛ فهو موضِع التحذيف (١). ولا يدخل فيه النَّزَعتان: وهما ما انحسر عنه الشَّعر من الرأس متصاعدًا من جانبيه، واختار ابن عقيل والشِّيرازي خلافَه. ودلَّ كلامُه: أنَّه يجب غسل اللِّحية مع مُسترسِلِها، أوْ خرجَ عن حدِّ الوجه عرضًا، وهو ظاهر المذهب. وعنه: لا يجِبُ غَسْلُ ما خرج عن مُحاذاة البَشرة طولاً وعَرْضًا، وهو ظاهِر الخِرَقيِّ في المُسترسِل، كما لا يجب غسل ما استرسل من الرأس. والأوَّل أصح؛ لأنَّ اللحية تُشارك الوجهَ في معنى التوجُّه والمواجهة، وخرج ما نزل من الرأس عنه؛ لعدم مشاركة الرأس في الترؤُّس (٢). مسألة: يُستَحب أن يزيد في (٣) ماء الوجه لأسارِيرِه ودواخِلِه وخوارِجِه

стр. 230

وشُعوره، قاله أحمد (١)، وكره أن يأخذ الماء ثمَّ يصبَّه، ثمَّ يغسل وجهه، وقال: هذا مسح، وليس بغسل (٢). وتقدَّم أنَّه لا يجب غسل داخل العينين. (فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعْرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ؛ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ)؛ لأنَّها لا يُستر ما تحتها، أشبه الذي لا شعر عليه، ويجب غسل الشَّعْر تَبَعًا للمحلِّ. (وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا؛ أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ)؛ لحصول المُواجَهةِ به، فوجب تعلُّقُ الحكمِ به، بخلاف الغُسل. وقيل: لا؛ كتيمُّم. وقيل: يجب غَسلُه. وشعْرُ غيرِ اللِّحْية كَهِي، وقيل: يجب غسلُه وش (٣). (وَيُسْتَحَبُ تَخْلِيلُهُ) كما تقدَّم. فرع: لو كان (٤) شَعْرٌ خفيفٌ وكثيفٌ؛ فظاهِرُ كلامِهم: أنَّ لكلِّ واحِدٍ حُكمَه. (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ)؛ للنَّصِّ، ولا خلاف فيه بين الأمَّة (٥)، (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ). ويجب غسل أظفاره، ولا يضرُّ وسَخٌ يسيرٌ في الأصحِّ؛ كبَراجِمِه. وقيل: إن منع وصول (٦) الماء إلى ما تحته؛ كشَمْع؛ ففي صحَّة طهارته وجهان، وجزم ابن عَقيل بعدَمها. وقيل: يُسامح فلَّاحٌ ونحوُه. وظاهِره: أنَّه إذا نبتت له إصبَعٌ زائِدةٌ أو يَدٌ في محلِّ الفرض؛ فإنَّه يجب

стр. 231

غسلها معه، فلو كان النابِت في العَضُد أو المَنكِب، ولم يتميز الأصلي (١)؛ غُسِلَا وجهًا واحدًا، وإن تميَّز؛ لم يجب غسل ما لم يُحاذِ الفرضَ. وكذا إن حاذاه منها شيءٌ على المذهب. واختار القاضِي والشِّيرازِيُّ، وصحَّحه ابن حَمْدان: أنَّه يجب غسل المُحاذِي. وإذا تدلَّتْ جِلدةً إلى محلِّ الفرض، أو منه؛ غُسلتْ. وقيل: إن تدلَّت من محلِّ الفرض غسلت، وإلَّا فلا، ذكره ابن تميم. وإنِ التَحَمَ رأسها في محلِّ الفرض وجب غسل ما فيه منها. (ثَلَاثًا)؛ لحديث عثمانَ وغيره. (وَيُدْخِلَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ)؛ لما روى الدَّارقطني، عن جابر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضَّأ أمرَّ الماء على مِرْفَقِه» (٢)، وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية (٣) الكريمة. وعنه: لا يجب إدخالهما فيه، وقاله زُفَر (٤)؛ لأنَّ (إلى) للغاية. قلنا: وقد يكون بمعنى (مع)؛ كقوله تعالى: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هُود: ٥٢]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢]، فبيَّن ﵇ أنَّها كذلك.

стр. 232

أو يُقال: اليد تُطلَق حقيقةً إلى المنكِب (١)، و (إلى) أخرجت ما عدا المِرفق (٢). فإن كانت اليد لا مِرفَق لها؛ غُسل إلى قدر المرفق في غالِب النَّاس. (ثُمَّ يَمْسَحَ (٣) رَأْسَهُ)، وهو فرض بالإجماع، وسَنَده النَّصُّ، وهو ما نبت عليه الشَّعر في حقِّ الصَّبيِّ، قال في «الشرح»: (وينبغي أن يُعتبر غالبُ النَّاس، فلا يعتبر الأفْرع، ولا الأجلح كما سبق في حدِّ الوجه). (فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرَدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمَهِ)، كذا في «المحرر»، وفي «المغني» و «الشرح»: يَضَع طرَف إحدى (٤) سبَّابتَيه على طرَف الأخرى، ويضَعُهما على مقدَّم رأسِه، ويضَع الإبهامين على الصُّدغيْنِ، ثم يُمِرُّ يدَيه إلى قفاه، ثمَّ يردُّهما إلى المكان الذي بدأ منه؛ لما رَوى عبدُ الله بنُ زَيدٍ في وصْف وضوءِ رسول الله ﷺ قال: «فمسَح رأسَه بيديه، فأقبل (٥) بهما وأدبر، بدأ بمقدَّمِ رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه» متَّفق عليه (٦). ويُستثنَى من ذلك: ما (٧) إذا خاف أن ينْتَفِش شعْرُه بردِّ يديْه؛ فإنَّه لا يردُّهما، نصَّ عليه (٨)، بل يمسح إلى قفاه فقط، سواء كان رجلًا أو امرأةً.

стр. 233

وعنه: تبدأ بمؤخَّره، وتَختِمُ به. وعنه: تَبدأ هي من وسطه إلى مقدَّمه، ثمَّ من الوسط إلى مؤخَّرِه. قال في «المغني» و «الشرح»: وكيف مسح بعد استيعاب قدرِ الواجِب أجزأه. وتُجْزئ بعض يده، وبحائل في الأصحِّ، وه ش (١). (وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ)، هذا ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، ومختارُ عامَّةِ الأصحاب، وذكر القَاضِي والسَّامَرِّي: أنَّه أصحُّ الرِّوايات؛ لأنَّه تعالى (٢) أمرَ بمسح الرأس، وبمسح الوجه في التَّيمُّم، وهو يجب الاستِيعاب فيه، فكذا هنا؛ إذ لا فرق، ولأنَّه ﵇ مسح جميعَه، وفِعْلُه وقَعَ بيانًا للآية، والباء للإلصاق؛ أي: إلصاق الفعل بالمفعول، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم؛ أي: المسح بالماء، وهذا بخلاف لو قيل: امسحوا رؤوسكم؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه ثَمَّ شيءٌ مُلْصَقٌ، كما يقال (٣): مسحت رأس اليتيم. وأمَّا دعوى أنَّ الباء إذا وَلِيَتْ فعلاً متعدِّيًا أفادت التبعيض في مجرورها لغةً؛ فغير مسلَّم؛ دَفْعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّة. قال أبو بكرٍ (٤): سألتُ ابنَ دريد (٥) وابنَ عرفة (٦) عن الباء تبعِّض؛ فقالا:

стр. 234

(لا نعرفه في اللغة)، وقال ابن برهان (١): من زعم أنَّ الباء تبعِّض فقد جاء عن أهل اللغة بما لا يعرفونه. وقولُه تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسَان: ٦]، وقولُ الشاعر: شَرِبْن بماءِ البحر (٢) ........ … ................... فمن باب التَّضْمِين؛ كأنَّه قيل: يَروَى. وما رُوِيَ: «أنَّه ﵇ مسح مقدَّم رأسه»؛ فمحمول على أنَّ ذلك مع العِمامة؛ كما جاء مفسَّرًا في حديث المغيرةِ بنِ شُعْبةَ (٣)، ونحن نقول به. وظاهره: أنَّه يتعيَّن استيعاب ظاهِرِه كلِّه، لكن استَثْنَى في «المترجم» و «المبهج» اليسيرَ للمَشَقَّةِ. (مَعَ الْأُذُنَيْنِ)؛ أي: يجب مسحهما مع الرأس في رواية اختارها جماعةٌ؛

стр. 235

لقوله ﵇: «الأذنان من الرَّأْس» (١). وظاهِرُ المذهب: أنَّه لا يجب مسحهما وإن وجب الاستيعاب؛ لأنَّهما منه حُكمًا، لا حقيقةً؛ لأنَّ الرأس عند إطلاق لفظِه إنما يتناول ما عليه الشَّعر، بدليل: أنَّه لا يجزئ مسحهما عنه وإن قلنا بإجزاء البعض، قاله الجمهورُ. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ)؛ لأنَّه يطلق على الجميع كما يُقال: جاء العسكرُ، والمرادُ أكثرُه، ولأنَّ إيجاب الكلِّ قد يفضي إلى الحرج غالبًا، وأنَّه منفيٌّ شرعًا. فإن ترك الثُّلثَ فما دونُ؛ جازَ، وقاله محمَّدُ بن مَسلَمة (٢). وعنه: يُجزئ بعضُه، وفي «الانتصار»: في التجديد، وفي «التعليق»: للعذر. واختاره الشَّيخ تقي الدِّين، وأنَّه يمسح معه العِمامة، ويكون كالجَبِيرَة، فلا توقيتَ (٣). وعنه: يجزئ بعضُه للمرأة، وهي الظَّاهرة عند الخَلَّال والمؤلف؛ لأنَّ عائشة كانت تمسح مقدَّم رأسِها (٤).

стр. 236

وعنه: قدرُ النَّاصِية، وفي تعيينها وجهان، وهي مقدَّمه عند القاضي، وقدَّمه في «الفروع»، وقيل: قِصَاصُ الشَّعر. تذنيب: إذا مسح بَشَرة رأسه دون ظاهِر شعْره؛ لم يُجْزِئْه، وكذا إذا مسح ما نزل عن الرَّأس من الشَّعر ولو كان مَعْقُوصًا على الرأس. وإن غسل رأسَه بدلًا عن مسحه، ثمَّ أمرَّ يده عليه؛ جاز في الأشهر، وكذا الخُفُّ والجَبِيرة. قال ابن حامد: إنَّما (١) يجزئ الغَسل عنه إذا نواه به، فلو أصاب رأسَه ماءٌ من غير قصد، ثمَّ مسحَه بيده بعد نيَّة الوضوء؛ أجزأه في الأقيس. والثَّاني: لا، كما لو وضع يده مبلولةً على رأسه ولم يُمرَّها عليه، أو وضع عليه خِرقةً مبلولةً، أو بلَّها عليه. ولو كان على رأسه خِضابٌ فمسح عليه؛ لم يجزئه، نصَّ عليه (٢). (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ) في الصَّحيح من المذهب، قال التِّرمذي: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم) (٣)؛ لأنَّ أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنَّه مسح رأسه واحدةً (٤)، ولأنَّه مَسْحٌ في (٥) طهارة عن حدث، فلم يستحبَّ تكراره؛ كالمسح على الخفَّين وفي التيمُّم. (وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ)، قال في «المغني»: (ويحتمله كلامُ الخِرَقي؛ لقوله: «والثلاثُ أفضلُ»)، وفيه نظر، بماء جديد، نصره أبو الخطاب، وابن الجوزي؛ لما روى عثمان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسح رأسه ثلاثًا» رواه

стр. 237

أبو داود، قال ابن الصَّلاح: (حديث حسن) (١)، ولأنَّه أصل في الطَّهارة، فَسُنَّ تكراره كالوجه. والأوَّلُ أوْلَى، قال أبو داود: (أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مسح الرَّأس واحدةً؛ فإنَّهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وقالوا فيها: «ومسح برأسه»، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره) (٢)، قال في «الشرح»: (أحاديثُهم لا يصحُّ (٣) منها شيء (٤) صريحٌ). لا يُقال: إنَّ مسحَه ﵇ مرَّةً واحدة لتبيين الجواز، وثلاثًا لتبيين الفضيلة كما فعل في الغسل؛ لأنَّ قول الراوي: هذا طهور (٥) رسول الله ﷺ يدلُّ على أنَّه طهور على الدَّوام. فرع: إذا زال شعرُه بعد غَسْلِه أو مسحِه، أو ظُفُرٌ، أو عُضوٌ؛ لم يؤثِّر في طهارتِه في قول أكثر العلماء. وقيل: بلى، ورُوي عن بعض السلف (٦).

стр. 238

(ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ)؛ للآية الكريمة، (ثَلَاثًا)؛ لحديث عثمان وغيره، (إِلَى الْكَعْبَيْنِ)؛ أي: كلُّ رِجلٍ تُغسل إلى الكعبين، ولو أراد كِعابَ جميع الأرجل لذكره بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]؛ لأنَّ مقابلةَ الجمع بالجمع تقتضي (١) توزيع الأفراد على الأفراد؛ كقولك: ركب القوم دوابهم. والكَعْبان: هما العَظمان النَّاتِئان اللَّذان في أسفل الساق من جانبي القدم، وقاله أبو عُبَيد، ويدلُّ عليه حديث النعمان بن بشير، قال: «كان أحدُنا يُلزِق (٢) كَعبَه بكَعب صاحبِه في الصَّلاة» رواه أحمد وأبو داود (٣)، ولو كان مُشْط القدَم؛ لم يستقم ذلك. (وَيُدْخِلَهُمَا فِي الْغَسْلِ)؛ لما سبق، ولقوله ﵇: «ويلٌ للأعقاب من النَّار» متَّفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو (٤). (وَيُخلِّلَ أَصَابِعَهُ) وقد تقدَّم. (فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ؛ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «إذا أمَرْتُكُم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متَّفق عليه (٥)، (فَإِنْ (٦) لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) من محلِّ الفرض؛ (سَقَطَ)؛ لفوات المحلِّ.

стр. 239

فلو قُطع من المِرفَق؛ غسل رأس العَضُد، نصَّ عليه (١)، وقدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز». وفيه وجه: يُستَحبُّ مسح طرَفِه، صحَّحه في «الرعاية»، وهو ظاهِر كلام المؤلِّف. فإن كان القَطع من فوق المِرفَق؛ لم يجب شيء، ولم يستحبَّ مسحُ موضِع القطع. وقيل: يستحبُّ، وهو ظاهر ما في «الشرح»؛ لئلَّا يخلوَ العضوُ عن طهارة، وهو موضع التَّحْجيل. فأمَّا المتيمِّم إذا قُطعت يدُه مِنْ مَفصِل الكُوع؛ سقَط مسحُ ما بقِيَ هناك، وإن قلنا: يجِب في الغُسل؛ لأنَّ الواجبَ هناك مسح الكَفَّين (٢)، وقد ذهبا، بخلاف الوضوء (٣)؛ فإنَّ المِرفَق من جملة محلِّ الفرض، وهذا أحد الوجهين، والمنصوص: وجوب المسح أيضًا (٤)؛ لأنَّ المأمور به مسح اليد إلى الكوع. فرع: إذا تُبُرِّع بتطهيره؛ لزمه ذلك. ويتوجَّه: لا، ويتيمَّم. فإن لم يجد إلَّا بأجرة مثله؛ لزمه. وقيل: لا؛ لتكرُّر الضَّرَر دوامًا. فإن عجَز صلَّى، وفي الإعادة وجهان؛ كعادِم الطَّهورين. قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ في استنجاءٍ مثلُه. وفي «المُذهب»: يلزمه بأجرةِ مثلِه، وزيادةٍ (٥) لا تُجحِف (٦) في وجه.

стр. 240

(ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)؛ لما روى مسلمٌ عن عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ إلا فُتِحت له أبواب الجنَّة الثَّمانيةُ يَدخُل من أيِّها شاءَ» (١)، ورواه التِّرمذيُّ، وزاد: «اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٢)، ورواه أحمد، وأبو داود، وفيه: «ثمَّ رفع (٣) نظره إلى السماء» (٤). قال في «الفروع»: ويتوجَّه ذلك بعد الغسل، ولم يذكروه. (وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ)؛ كتقريب ماء الغسل أو الوضوء (٥) إليه، أو صبِّه عليه؛ لما روى المغيرة بن شعبة قال: «بينا أنا مع النَّبيِّ ﷺ ذات ليلة؛ إذ نزل فقضى (٦) حاجته، فصبَبْتُ عليه من إداوةٍ كانت معي، فتوضَّأ ومسح على خفَّيه» متَّفق عليه، ولفظه لمسلم (٧). ويقف عن يساره، وقيل: عكسُه. فرع: إذا وضَّأه غيرُه؛ اعتُبِرت النِّيَّة في المتوضِّئ؛ لأنَّه المخاطَب. وقيل: مع نيَّة من وضَّأه إن كان مسلمًا.

стр. 241

قال ابن تميم (١): (لو وضَّأه غيرُه ولا عذرَ؛ كُرِه وأجزأه، وعنه (٢): لا). وإن أكرهه عليه؛ لم يصحَّ في الأصحِّ. (وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) من غير كراهة فيهما؛ لما روى قيْس بن سعْد قال: «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فأمر له سعدٌ بغسل، فوُضع له (٣)، فاغتسل، ثمَّ ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس (٤)، فاشتمل بها» رواه أحمد وأبو داود (٥). وعنه: يُكرهان؛ كنفضِ يده، لخبر أبي هريرة: «إذا توضَّأتم فلا تنفضوا أيديَكم؛ فإنَّها مراوح الشَّيطان» رواه المعمري وغيره (٦). والمذهب: عدم الكراهة، اختاره الشَّيخانِ، لكن قيل لأحمدَ عن مسح بلل الخفِّ؛ فكرهه، وقال: لا أدري، لم أسمع فيه بشيء (٧). (وَلَا يُسْتَحَبُّ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه إزالةُ أثَرِ العبادة، فلم يستحبَّ؛ كإزالة دم الشَّهيد، ولو كان أفضل لداوم عليه.

стр. 242

مسائل: الأولى: المفاضَلة بين أعضاء الوضوء غير مكروهة؛ لحديث عبد الله بن زيد (١). وعنه: تكره؛ إذ لا مفاضلة بينها كما تدلُّ عليه الأحاديث. ويُعمل في عددها (٢) بالأقلِّ، وفي «النهاية»: بالأكثر. الثَّانية: يسنُّ التَّجديد لكلِّ صلاة؛ للأخبار، منها ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالوضوء عند كلِّ صلاة» وإسناده صحيح (٣). وعنه: لا؛ كما لا يُستَحبُّ تجديد الغسل، وكما لو لم يُصَلِّ (٤) بينهما. وقيل: يكره. وقيل: المداومة. ولا بأس أن يصلِّيَ به ما لم يحدِث، وهو قول الأكثر. وحكى الطَّحاويُّ عن ابن عمرَ وجماعةٍ وجوبَ الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ (٥)،

стр. 243

وقال النَّخَعِيُّ: لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثرَ من خمسِ صلواتٍ (١)، وخَصَّها قومٌ بالمسافر (٢). الثَّالثة: يُباح هو وغُسلٌ في مسجد إن لم يؤذِ به أحدًا، حكاه ابن المنذر إجماعًا (٣). وعنه: يُكرَه. وإن نَجُس (٤) المنفصِل حَرُم؛ كاستنجاءٍ وذَبح.

стр. 244

وهل تكره إراقتُه فيما يُداس؟ فيه روايتان، ويكره في مسجد. قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ولا يُغسَّل فيه ميِّتٌ)، قال: (ويجوز عمل مكان للوضوء للمصلحة بلا محذور) (١). الرَّابعة: إذا بقي لُمعة من محلِّ الفرض لم يُصِبْها الماءُ؛ فهل يجزئ مسحها؟ على روايتين مع التَّرتيب والموالاة في ظاهر المذهب. الخامسة: يُكرَه الكلام على الوضوء، والمراد: بغير ذكر الله تعالى، صرَّح به جَمْعٌ. وكذا السَّلام عليه، وظاهِرُ كلام الأكثر: لا يكره السَّلام، ولا (٢) الرَّدُّ، وإن كان على طهر فهو أكمل؛ لفعله ﵇ (٣). ويستقبل القبلة، وكذا في كلِّ عبادة إلَّا لدليل. السَّادسة: الحدَثُ يَحُلُّ جميعَ البدن؛ كالجَنابة، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه أعضاء الوضوء)، وهو ظاهر. السَّابعة: يجب الوضوء بالحدَث، وقيل: بإرادة الصَّلاة بعده، وقوَّاه ابن الجوزي، وذكر في «الفروع»: (ويتوجَّهُ قياسُ المذهب: بدخول الوقت لوجوب الصَّلاة إذَنْ، ووجوب الشَّرْط بوجوب المشروط، ويتوجَّه مثله في غسل، قال الشَّيخ تقي الدِّين: وهو لفظي). فائدة: الحِكمةُ في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها: أنَّه

стр. 245

ليس في البدن ما يتحرَّك للمخالفة أسرع منها، فأمر بغسلها ظاهرًا؛ تنبيهًا على طهارتِها الباطنة. ورتَّب غسلَها على ترتيبِ سُرعة الحركةِ في المخالفة، فأمرَ بغسل الوجه، وفيه الفمُ والأنفُ، فابتدأ بالمضمضة؛ لأنَّ اللِّسان أكبر (١) الأعضاء وأشدُّها حرَكَةً؛ لأنَّ غيرَه قد يسلَم، وهو كثيرُ العَطَب، قليلُ السَّلامةِ غالبًا، ثمَّ بالأنفِ؛ لينوب عمَّا يَشَمُّ به، ثمَّ بالوجه (٢)؛ لينوب عمَّا نظَر، ثمَّ باليدين؛ لتنوب عن البطشِ، ثمَّ خصَّ الرَّأسَ بالمسح؛ لأنَّه مجاوِر لمن تقع منه المخالفة، ثمَّ بالأذن؛ لأجل السَّماع، ثمَّ بالرِّجْل؛ لأجْل المَشْيِ، ثمَّ أرشدَه بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشَّهادتين.

стр. 246

(بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ) وفي «الفروع»: (مسح الحائل) وهو أولى؛ لشموله. وأعقبه للوضوء؛ لأنَّه لمَّا جاز للمتوَضِّئ أن يعدِلَ عن غَسل الرِّجلين إلى مسح الحائل أتى به بعده. وهو رخصة. وعنه: عزيمة. ومن فوائدها: المسح في سفر المعصية، وتعيين المسح (١) على لابسه. ويرفع الحدث على المشهور. وهو أفضلُ؛ لأنَّهُ ﵇ وأصحابَه إنَّما طلبوا الأفضلَ، وفيه مخالفةُ أهل البِدع. وعنه: الغسل؛ لأنَّه المفروض و (٢). وعنه: هما سواءٌ؛ لورود السُّنَّة بهما. وقيل: المسح أفضل إن لم يداومه. ولا يُستَحَبُّ أن يلبَسَ ليمسحَ؛ كالسَّفر ليترخَّصَ. (يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ)، هو (٣) ثابِتٌ بالسُّنَّة الصَّريحة، قال ابن المبارَك: (ليس فيه خلافٌ) (٤)، وقال الحسن: (روَى المسحَ سبعون نفْسًا

стр. 247

فِعْلًا منه ﵇ وقولًا (١) (٢)، وقال أحمدُ: (ليس في قلبي من المسح شيءٌ، فيه أربعون حديثًا عن النَّبيِّ ﷺ (٣). قلتُ: ومن أساسها (٤) حديثُ جَرِيرٍ قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ بال، ثمَّ توضَّأ ومسح (٥) على خُفَّيه»، قال إبراهيمُ النَّخَعِي: (فكان يُعجبهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جَرِيرٍ كان بعد نزول المائدة) متَّفق عليه (٦)، فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخًا (٧) للمسح كما صار إليه بعض الصحابة (٨).

стр. 248

وقد استنبطه بعضُ العلماء من القرآن في قراءة من قرأ: (وأرجلِكم) بالجرِّ، وحمل قراءة النَّصب على الغسل؛ لئلَّا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة. وظاهِرُه: أنَّه يجوز المسح حتَّى لِزَمِنٍ وامرأةٍ، ومن له رِجلٌ واحدةٌ لم يبقَ من فرض الأخرى شيء، ويستثنى منه الحاج إذا لبسهما لحاجة. (والْجُرْمُوقَيْنِ)؛ لما رَوى بِلالٌ قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يمسح على المُوقَيْن» رواه أحمد وأبو داود (١)، ولأنَّه (٢) ساتِرٌ يُمكن متابَعةُ المشي فيه، أشبه الخفَّ. تنبيه: المُوق هو الجرموق، وهو خفٌّ صغير، وقال الجوهري: (هو مثال الخف يلبس فوقه، لا سيَّما في البلاد الباردة، وهو معرَّب، وكذا كل كلمة فيها جيم وقاف) (٣). (وَالْجَوْرَبَيْنِ)؛ لما روى المغيرةُ بنُ شُعبةَ: «أنَّ رسول الله ﷺ مسح على الجَوربين والنَّعلين» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه، ورواته ثقات، وتكلَّم فيه جماعة حتَّى قال ابنُ معين: (النَّاسُ كلُّهم يَروُونه: «على الخُفَّين» غير أبي قيس)، وقال أبو داود: (كان ابن مهدي لا يحدِّث به؛ لأنَّ المعروف عن المغيرة الخفَّين) (٤)، وهذا لا يصلح مانعًا؛ لجواز رواية اللفظين.

стр. 249

وهو يدلُّ على أنَّ النَّعل لم يكن عليهما؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يذكر النَّعلين، كما لا يقال: مسحت الخفَّ ونعلَه، ولأنَّ جماعة من الصَّحابة مسحوا عليهما (١)، ولم يعرف لهم مخالف فكان كالإجماع، ولأنَّه ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخفَّ، وهو شامل (٢) للمجلَّد والمنعَّل، وصرَّح به غيره. واقتضى كلامُه: جوازَ المسح على جَورب الخِرَقِ (٣)، وهو أشهر. وعنه: لا، وجزم بها في «التلخيص». فإن ثبت بفعل متَّصل أو منفصل؛ مسحهما في قول القاضي، وقدَّمه في

стр. 250

«الرعاية». وعنه: أو أحدهما. وقيل: يمسح الجورب وحدَه. وقيل: عكسه. قال في «المغني» و «الشرح»: (الظَّاهر أنَّه ﵇ إنَّما مسح على سُيُور النَّعل التي على ظاهر القدم، فأمَّا أسفلُه وعقِبُه فلا يُسَنُّ مسحُه في الخفِّ، فكذا النَّعل). ويبطل الوضوء، وقيل: بل المسح بخلع أحدهما وإن لم يكن مسَحَ عليه؛ لأنَّه شرط لجواز المسح؛ كما لو ظهر قدم الماسِح. فائدة: الجَورب أعجمي معرَّب، قال الزركشي: هو غِشاء من صوف يُتَّخذ للدِّفْء. (وَالْعِمَامَةِ)؛ لما روى المغيرة بن شعبة قال: «توضَّأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفَّين والعمامة» رواه التِّرمذي، وصحَّحه (١)، وقال عُمرُ: «من لم يطهِّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله » رواه الخلَّال (٢)، ولأنَّ الرأس يسقط فرضُه في التَّيمُّم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، وخالف فيه الأكثر. (وَالْجَبَائِرِ)؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «انكسرت إحدى زندَيَّ، فأمرني النَّبيُّ ﷺ أن أمسح على الجبائر» رواه ابن ماجه من رواية عمرو بن خالد، وقد كذَّبه أحمد وابن معين (٣)، ويعضده حديث صاحب الشَّجَّة، وهو قول ابن عمر (٤)، … ... … ... … ... …
следующие страницы →