← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أصحابنا: يجب غسله؛ لأنَّ مخرج الحيض غير مخرج البول. وفي «المغني» احتمالٌ لا يجب؛ لأنَّ هذا عادة في حقِّها، فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد. الثَّاني: يبدأ الرَّجل والبِكر بالقُبُل، وقيل: يتخيَّر كالثَّيِّب، وذكر السَّامَرِّي أنَّها تبدأ بالدُّبر، فلا تدخل إصبعها، بل يكفي ما ظهر؛ لأنَّ المشقة تلحق به كداخل العينين، وهو في حكم الباطن، وقال أبو المعالي وابن حمدان: هو في حكم الظَّاهر، واختلف كلام القاضي، ويخرَّج على ذلك إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض. مسألة: إذا استجمر في فرج، واستنجى في آخر؛ فلا بأس، ويستحبُّ لمن استنجى نضح فرجه وسراويله بالماء؛ لدفع الوسواس، وعنه: لا لمن استجمر، ومن ظنَّ خروج شيء، فقال أحمد: لا يلتفت حتَّى يتيقَّن، ولم ير حشو الذَّكر (١)، فإن فعل فصلَّى، ثمَّ أخرجه فوجد بللًا؛ فلا بأس، ما لم يظهر خارجًا. (وَيَجُوزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي كَالْحَجَرِ) إجماعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ)، هذا هو الصَّحيح في المذهب؛ لما روى أحمد وأبو داود والدَّارقطني، وقال: إسناد صحيح، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنَّها تجزئ عنه» (٢). والثَّانية، واختارها أبو بكر، وهي (٣) قول داود: لا يجزئ (٤) إلَّا

стр. 177

الأحجار؛ لأنَّه نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها. والأوَّل أولى؛ لأنَّ المراد بالأحجار كلُّ مُستحْجِر، فيدخل فيه جميع الجامدات، ولقول سلمان: «أمرنا ﵇ إلَّا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم» (١)، فلولا أنَّه يعمُّ الجميع؛ لم يكن لاستثناء الرَّجيع والعظم معنًى، وإنَّما خصَّ الحجر بالذِّكر؛ لأنَّه أعمُّ الجامدات وجودًا، وأسهلها (٢) تناولًا. لا يقال: المراد بالرَّجيع الحجر الذي استجمر به مرة؛ لأنَّه في اللغة اسم الرَّوث، سمِّي بذلك لأنَّ الحيوان رجعَه بعد أن أكله، يؤيِّده ما رواه أحمد من حديث رُوَيْفِع بن ثابت مرفوعًا: «من استجمر برجيع دابَّة فإنَّ محمَّدًا بريء منه» (٣). (إلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ)؛ لما روى ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ» رواه مسلم (٤)، وفي رواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يُستنجى بروث أو عظم، وقال: «إنَّهما لا يطهران» رواه الدَّارقطني، وقال: (إسناد صحيح) (٥)، وإذا ثبت ذلك في طعام الجن، ففي طعام الآدمي أولى.

стр. 178

وبالجملة: فيشترط في المستجمَر به شروط: الأول: أن يكون جامدًا؛ لأنَّ المائع إن كان ماء فهو استنجاء، وإن كان غيره امتزج بالخارج، فيزيد المحلَّ نجاسة، ويؤخذ هذا من تمثيله بالحجر والخِرَق. الثَّاني: أن يكون طاهِرًا، لما روى ابن مسعود: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ النَّبيُّ ﷺ الحجرين، وألقى الرَّوثة، وقال: «إنَّها لركس» رواه البخاري (١)، والركس: النَّجس. الثالث: أن يكون مُنقِيًا، فلا يجوز بالفحم الرخو، قاله في «الشرح» وغيره، ولا بالزجاج، ولا الحجر الأملس والبِلَّور؛ إذ المقصود الإنقاء، ولم يحصل. الرابع: ألَّا (٢) يكون محترمًا، فلا يجوز بطعامنا، ولا طعام دوابنا، وكذا طعام الجنِّ ودوابهم، وكذلك كتب الفقه والحديث وما فيه اسم الله تعالى؛ لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها، وإذا ثبت ذلك في (٣) الطَّعام لحرمة الأكل؛ فههنا أولى. وكذلك ما يتَّصل بحيوان؛ كيَده، وذنَبه، وصوفه المتَّصل به؛ لأنَّ له حرمة فهو كالطَّعام، وقد ينجس الغير. فقوله: (وما له حرمة) يدخل فيه الطَّعام، وما يتَّصل بحيوان، فذكره كافٍ عنهما، ولهذا اقتصر في «المحرَّر» و «الوجيز» عليه (٤).

стр. 179

الخامس: ألَّا يكون محرَّمًا، فلا يجوز بمغصوب، ولا ذهبٍ، ولا فضَّةٍ، ذكره في «النهاية»، وجزم به في «الوجيز»، ولم يذكره المؤلف. وقيل: يجوز بالمغصوب، وهو مخرج من رواية صحَّة الصَّلاة في بقعة غصب. وردَّ: بأنَّ الاستجمار رخصة، والرُّخص لا تستباح على وجه محرَّم. واختار الشَّيخ تقي الدِّين: الإجزاء في ذلك، وبما نُهي عنه، قال: (لأنَّه لم يُنهَ عنه لكونه لا يُنقي، بل لإفساده) (١)، وفي (٢) مذهبه: أنَّ النَّجاسة تُزال بغير الماء، وهي من باب التُّروك (٣)، بدليل أنَّه لا يشترط لزوالها قصد. وجوابه: رواية الدَّارقطني السَّابقة. وحيث قيل بعدم الإجزاء؛ فإنَّه يتعيَّن الماء في الشَّرط الأول، وكذا في الثَّاني على ما قطع به المجد والمؤلف في «الكافي»، وفي «المغني» احتمال بإجزاء الحجَر، وهو وهَمٌ، وفي الثالث: يعدل إلى طاهر مُنْقٍ، وفي الرابع والخامس: هل يجزئه الحجر؛ جعلاً لوجود آلة النهي كعدمِها، أو يعدل إلى الماء لعدم فائدة الحجرِ إذن لنقاء (٤) المحل؟ فيه وجهان. (وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنْقِية؛ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كبير (ذِي شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ)، إذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فهي مجزئة بغير خلاف. وأمَّا الحجر الكبير الذي له شعب؛ فيجوز (٥) الاقتصار عليه في ظاهر المذهب، اختاره الخِرَقِي وجلُّ المشايخ.

стр. 180

وعنه: لا بدَّ من ثلاثة أحجار، اختارها أبو بكر والشِّيرازي؛ لأنَّه ﵇ نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها، ولأنَّه إذا استجمر به تنجَّس؛ فلم يَجُز كالصَّغير. والأوَّل أصحُّ؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا تغوَّط أحدكم فليتمسَّح ثلاث مرَّات» رواه أحمد (١)، وهذا يبيِّن أنَّ المقصود تكرار التَّمسُّح، لا تكرار الممسوح به، ولأنَّه يحصل بالشُّعب الثَّلاثة ما يحصل بالأحجار الثَّلاثة من كلِّ وجه (٢)، فلا معنى للفرق. فعلى هذا: إن كسر ما تنجَّس، أو غسله، أو استجمر ثلاثةٌ بثلاثة أحجار لكلٍّ منها ثلاث شعب؛ أجزأه (٣)؛ لحصول المعنى والإنقاء. وعلى قول أبي بكر: لا يجزئه؛ جمودًا على اللفظ. قال في «الشرح»: وهو بعيد. قال ابن عقيل: ولو مسح بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع، فهو كالحجر الكبير. تذنيب: الإنقاءُ بالحجر بقاءُ أثر لا يزيله إلا (٤) الماء، وقال المؤلف: خروج الحجر؛ أي: الأخير لا أثر به (٥) إلَّا يسيرًا، فلو بقي ما يزول بالخرق لا بالحجر؛ أزيل على ظاهر الأوَّل لا الثَّاني (٦).

стр. 181

ويندب نظره إلى الحجر قبل رميه؛ ليعلم هل قلع (١) أم لا. والإنقاء بالماء: خشونة المحلِّ كما كان، والأَولى أن يقال: أن يعود المحلُّ إلى ما كان عليه؛ لئلَّا ينتقض بالأمرد ونحوه. ويكفي الظن، جزم به جماعة، وفي «النهاية»: بالعلم (٢)، ومثله طهارة الحدث. مسألة: ينبغي أن يعمَّ بكل مسحة المحلَّ، ذكره الشريف وابن عقيل. وذكر القاضي: أنَّ المستحبَّ أن يُمرَّ الحجر الأوَّل من (٣) مقدَّم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى حتَّى يصل به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثَّاني من صفحة (٤) اليسرى كذلك، ثم يُمرُّ الثَّالث على المَسْرُبة والصفحتين. وقال ابن تميم: إن أفرد كلَّ جهة بحجر فهل يجزئ؟ على وجهين، وذكره ابن الزاغوني رواية. (فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا)؛ أي: بالمسحات الثَّلاث؛ (زَادَ حَتَّى يَنْقَى)؛ لأنَّ المقصود إزالة أثر النَّجاسة (٥)، (وَيَقْطَعُ) في الزِّيادة (عَلَى وَتْرٍ) استحبابًا؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من استجمر فليوتر» رواه الشَّيخان (٦). فإن قطع على شفع جاز؛ لأنَّ في رواية (٧) أبي داود وابن ماجه: «من فعل

стр. 182

فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (١). (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) أو الاستجمار (مِنْ كُلِّ خَارِجٍ)؛ لخبر عائشة وغيره؛ إذ الأمر يقتضي الوجوب، وأكد (٢) ذلك بلفظ الإجزاء؛ فإنَّه غالبًا يستعمل فيه. وكلامه شامل للمعتاد؛ كالغائط والبول، والنَّادِر؛ كالدُّود والحصى، والطَّاهرِ والنَّجس، وهو ظاهر كلام الأصحاب. وظاهر «المحرر»: أنَّه لا يجب من (٣) طاهر؛ كمَنِيٍّ، ودواءٍ تحمَّلت به إن قيل بطهارة فرجها، والمَذْي على رواية. وللرَّطب واليابس، حتَّى لو أدخل ميلاً في ذكره، ثمَّ أخرجه؛ لزمه الاستنجاء، وهو المشهور؛ ربطًا للحكم بالمظنَّة، وهي استصحاب الرُّطوبة. وقال في «المغني» و «الشرح»: القياس أنَّه لا يجب من يابس لا ينجس المحلَّ، وذكر ابن تميم ذلك وجهًا. (إِلَّا الرِّيحَ)؛ فإنَّه لا يجب؛ لقوله ﷺ : «من استنجى من ريح فليس منَّا» رواه الطَّبراني في «معجمه الصَّغير» (٤)، قال أحمد: (ليس فيها استنجاء في

стр. 183

كتاب الله تعالى، ولا سنَّة رسوله ﵇ (١)، ولأنَّ الغسل إنَّما يجب لإزالة النَّجاسة، ولا نجاسة فيها. قال في «المُبهِج»: (لأنَّها عرَضٌ باتِّفاق الأصوليِّين)، وفيه نظر؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ للريح الخارجة من الدُّبر رائحة منتنة قائمة بها، ولا شكَّ في كون الرَّائحة عرَضًا، فلو كانت الرِّيح أيضًا عرضًا لزم قيام العرض بالعرض، وهو غير جائز عند المتكلِّمين. وهي طاهرة (٢)، وفي «النهاية»: (نجِسة؛ فتُنجِّس ماء يسيرًا)، وفيه بُعد. وذكر أبو الخطاب: أنَّها غير ناقضة بنفسها، بل بما يتبعها من النَّجاسة، ويعفى عن خلع السَّراويل للمشقَّة. وقيل: لا استنجاء من نوم وريح، وإنَّ أصحابنا بالشَّام قالت: الفرج يَرْمَص كما ترمَص (٣) العين، وأوجبَتْ غسله، ذكره أبو الوقت الدينوري. (فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل الاستنجاء إذا كانت النَّجاسة عليه؛ (فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يصحُّ، قدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحها القاضي، وفي «الشرح»: لأنَّها إزالة نجاسة، فلم تشترط (٤) لصحَّة الطَّهارة كالتي على غير الفرج.

стр. 184

فعليها: يباح له به مسُّ المصحف، ولبس الخف، والصَّلاة عند عجزه عمَّا يستنجى به، ويستمرُّ وضوءه ما لم يحدث، ثم يزيلها بخرقة أو غيرها. والأخرى: لا يصحُّ، وهي ظاهر الخِرَقِي، وقدَّمها في «الرعاية» و «الفروع»، وذكر أنَّها اختيار الأكثر؛ لقوله ﷺ في حديث المقداد: «يغسِل ذكره، ثم يتوضَّأ» (١)، فرتَّب الوضوء بعد الغسل، ولأنَّها طهارة يبطلها الحدث (٢)، فاشترط تقديم الاستنجاء عليها؛ كالتَّيمُّم، فعلى هذه لا يستبيح شيئًا ممَّا ذكرنا. (وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) السَّابقتين؛ فيصحُّ عند ابن حامد، واختار القاضي وابن حمدان البطلان، وبناه في «المغني» و «الشرح» على رواية صحَّة الوضوء فقط. (وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يرفع الحدث، وإنَّما تستباح به (٣)، ولا تباح (٤) مع قيام المانع؛ كالتَّيمُّم (٥)، فعلى هذا إذا كانت على غير الفرج فهو كما لو كانت عليه، ذكره القاضي وابن عقيل. وفي وجه: يجزئ؛ لأنَّه استباح الصَّلاة بغيرها، أشبه ما لو كانت على الثَّوب، قال في «المغني»: (وهو الأشبه؛ لأنَّ نجاسة الفرج سبب وجوب

стр. 185

التَّيمُّم، فجاز أن يكون بقاؤها مانعًا، بخلاف سائر النَّجاسات). مسألة: يحرم منع المحتاج إلى الطَّهارة، ولو وُقفت على طائفة معينة، ولو (١) في ملكه، لبذلها للمحتاج شرعًا وعُرْفًا، ولو صرَّح الواقف بالمنع، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (يمنع أهل الذِّمَّة من دخول طهارة (٢) إن حصل بهم ضرر، ومع عدمه لا مزاحمة لهم) (٣).

стр. 186

(بَابُ السِّوَاكِ) السِّواك والمِسْواكُ: اسمٌ للعُودِ الذي يُتسوَّك به، وهو مشتقٌّ من التَّساوك، وهو التَّمايل والتَّردُّد؛ لأنَّ المتسوِّك يردِّده في فِيه ويحرِّكه، يقال: جاءت الإبل تَساوَكُ، إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال (١). وقيل هو (٢): مُشتَقٌّ من ساك إذا دَلَكَ. وهو يُذكَّر ويُؤنَّث، وقيل: يذكَّر فقط، وجمعه سُوُك ككُتُب، ويقال: سُؤُك بواو مهموزة. وفي الشرع: استعمال عود أو نحوه في الأسنان؛ لإذهاب التَّغير ونحوه. (وَسُنَّةُ الْوُضُوءِ)، السُّنَّة لغة: الطَّريقة (٣)، واصطلاحًا: عبارة عن قولِ النَّبيِّ ﷺ وفعلِه وتقريرِه. وإذا أطلقتْ في مُقابلةِ الواجبِ؛ فالمرادُ بها المستحبُّ، ومنهُ قولُه ﵇: «إنَّ اللهَ فَرَض صيامَ (٤) رمَضانَ، وسنَنْتُ قِيَامهُ» (٥). والوَضوءُ بالفتْح: اسمٌ للماء الذي يُتَوضَّأ به. وقيل: بالفتْح فِيهما. وقيل: بالضَّم فيهما، وهُو أضْعفُها، وأَصْلُه: من الوَضاءةِ، وهِي النَّظافةُ.

стр. 187

وفي الشَّرْع: أفْعالٌ مخْصوصةٌ مُفْتَتَحةٌ بالنِّيَّةِ. (السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ)، اتَّفقَ العلماءُ على أنَّهُ سنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ لحثِّ الشَّارعِ، ومُوَاظبتِه عليه، وترغيبِه فيه، وندبه إليه، يُوضِّحه ما روت عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «السِّواكُ مَطْهرةٌ للفم، مَرْضاةٌ للرَّبِّ» رواهُ الشَّافعيُّ وأحمدُ وابنُ خُزيْمةَ، والبخاريُّ تعْليقًا، ورواهُ أحمدُ أيضًا عن أبي بكرٍ وابنِ عُمَرَ (١). وهذا شاملٌ للنَّبيِّ ﷺ ، واختاره ابنُ حامِدٍ، وقيل: كان واجبًا عليه، اختاره القاضِي وابنُ عقيلٍ، وليس بواجبٍ على الأمَّةِ إجْماعًا (٢)؛ لما رَوى أبو هُريرةَ مرْفوعًا قال: «لوْلا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمرْتهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ» متَّفقٌ عليْهِ (٣)، قال الشَّافعيُّ: (لوْ كان واجبًا لأمرهمْ به، شَقَّ أوْ لمْ يَشُقَّ) (٤). ويعضُده ما روتْ عائشةُ مَرْفوعًا قال: «فضل الصَّلاة بسواكٍ على الصَّلاةِ بِغيرِ سواكٍ سبعين ضِعْفًا» رواه الحاكم وصحَّحه، وقال: (على شرط مسلم)، وهذا ممَّا أُنكر عليه، وضعَّفه البيهقي بسبب أنَّ ابن إسحاق مدلِّس، ولم

стр. 188

يسمعه من الزُّهري (١). (إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ فَلَا يُسْتَحَبُّ) في المشهورِ، حتَّى ذكرَ ابنُ عَقِيل: أنَّ المذْهبَ لا يَخْتَلِف فيهِ؛ لما رَوى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ أطْيبُ عند الله من ريحِ المِسكِ» متَّفق عليه (٢)، وهُو إنَّما يظهَر غالبًا بعْد الزَّوالِ، فوجب اختِصاصُ الحُكمِ به، ولأنَّه أثَر عِبادةٍ مُسْتَطَابٌ شَرعًا، فتستحب إدامته (٣)؛ كَدَمِ الشَّهِيدِ. فإن قلتَ: لِمَ وُصف دمُ الشَّهيدِ بريح المسكِ من غير زيادةٍ، وخُلوف فم الصَّائم: بأنَّه أطيب منه، ولا شكَّ أنَّ الجهاد أفضل من الصوم؟ قلتُ: الدَّمُ نجِسٌ، وغايتُه أن يُرفَعَ إلى أن يصيرَ طاهرًا؛ بخلاف الخُلوف. ولا فرق فيه بين المُواصِل وغيره. وظاهره: لا فرق فيه بين العود الرَّطب وغيره، فلو خالف؛ كُره في رواية صحَّحها في «التلخيص»، وقدَّمها في «الرعاية» و «الفروع»، وهي المذهب لما تقدَّم. وعنه: يباح؛ لما روى عامر بن ربيعة قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ ما لا أحصي يتسوَّك وهو صائم» رواه أحمد وأبو داود، والبخاري تعليقًا (٤).

стр. 189

وعنه: يستحبُّ مطلقًا، اختارها الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ (١)، قال في «الفروع»: (وهي أظهَرُ)؛ لقوله ﵇: «مِنْ خيرِ خِصال الصَّائِمِ السِّواكُ» رواه ابن ماجه (٢). وعنه: يُكره قَبْله بعود رطب، اختارها القاضِي، وجزَم به الحُلْوانيُّ وغيره. وعنه: فيه لا (٣)، اختاره المجد وغيره، وهو قولُ عمرَ (٤)، وابنِه (٥)،

стр. 190

وابنِ عَبَّاسٍ (١)، وكالمضمضةِ المسنونةِ، ونقل حنْبلٌ: (لا ينْبغِي أن يَستاكَ بالعشي) (٢). وقال التِّرمذيُّ: (لم يرَ الشَّافِعِيُّ بأسًا بالسِّواك للصَّائم أوَّلَ النَّهارِ وآخرَه) (٣)، كما حكاه البخاريُّ عن ابنِ عمرَ (٤). وظاهِر كلامه: أنَّه لا يكره قبل الزَّوال، وهو كذلك، ويؤخذ منه: أنَّ الكراهة تزول بغروب الشَّمس. (وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ (٥) فِي ثَلَاثِ (٦) مَوَاضِعَ): (عِنْدَ الصَّلَاةِ)؛ لِما تقدَّمَ، وهُو عامٌّ فِي الفرضِ والنَّفلِ حتَّى صلاةِ المتيَمِّم، وفاقِدِ الطَّهوريْنِ، وصلاةِ الجنازة، والظَّاهِرُ: أنَّه لا يَدخُل فيه الطَّواف (٧) وسجدةُ الشُّكر، والتلاوةِ (٨). (وَالاِنْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ)؛ لما رَوى حُذيْفةُ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام من اللَّيل يَشُوص فاهُ بالسِّواك» متَّفق عليه (٩)، يقال: شاصَهُ، وماصه: إذا غَسَلهُ،

стр. 191

وقِيل: هُو الدَّلْك والحَكُّ، ولأنَّ النَّائمَ يتغيَّرُ فاهُ؛ لِانطِباقِه. (وَتَغيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ) بكلامٍ، أو سكوتٍ، أو أكْلٍ، أو جُوعٍ، أو عطَشٍ؛ لحديث عائشةَ، ولأنَّه شُرِع في الأصل لتَنْظيف الفمِ. ويتَأَكَّدُ أيضًا في مواضع: منها: عند الوضوءِ في المضْمضةِ، قاله في «المحرر» وغيره؛ لقوله ﵇: «لأَمرتهم بالسِّواك مع كلِّ وضوءٍ» رواه أحمدُ (١)، ولأنَّه أبلغُ في التَّنظيفِ، زاد في «الرِّعاية»: والغُسل. ومِنها: قراءةُ القرآن، ذكرهُ في «الفروع»، وسبقه إليه أبو الفرَج. ومِنها: دخولُ المنزل؛ لما رَوى المِقدادُ بن شُرَيح عن أبيه (٢) قال: «قلت لعائشةَ: بأيِّ شيء كان يبدأ النَّبيُّ ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسِّواك» رواه مسلم (٣)، فدخول المسجد أولى (٤). ومِنها: اصفِرارُ الأسنانِ، وصرَّح به بعضُهم. (وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُنْقِي الْفَمَ)؛ كالأَراكِ ونحوِه؛ لِمَا رَوى ابنُ مسعودٍ قال: «كنتُ أجْنِي (٥) لرسول الله ﷺ سِواكًا مِنْ أَراك» رواه أبو يعلى

стр. 192

المَوصِلِيُّ (١)، وما في (٢) معناه العُرجون (٣) كالأراك، لكن قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال أنَّ الأراك أولى؛ لفعله ﵇. وذكر الأَزَجِيُّ: أنَّه لا يُعدَلُ عنه، وعن الزَّيتونِ والعُرجونِ - وهو ساعِدُ النَّخل الذي تكون فيه الثمرة - إلَّا لتعذُّره. قال صاحِب «التَّيسير» من الأطبَّاء (٤): (زَعمُوا أنَّ التَّسوُّك من أصول الجَوْزِ في كلِّ خامس (٥) من الأيَّام يُنَقِّي الرَّأسَ، ويُصَفِّي الحَواسَّ، ويُحِدُّ الذِّهنَ، والسِّواكُ باعتدال يُطيِّب الفَم والنَّكْهةَ، ويَجْلُو الأسنانَ ويقوِّيها، ويَشُدُّ اللِّثة) (٦). بحيث (٧) (لَا (٨) يَجْرَحُهُ، وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ)، يحترز بذلك عن الرَّيحان والرُّمَّان؛ فإنَّه (٩) روى قبيصة بن ذؤيب مرفوعًا: «لا تَخَلَّلوا بعُود

стр. 193

الرَّيحانِ ولا الرُّمَّان؛ فإنَّهما يحرِّكان (١) عِرْقَ الجُذامَ»، رواه محمَّد بن الحسين الأزدي (٢). وقيل: السِّواك بالرَّيحان يَضرُّ بِلَحمِ الفم، وكذا الطَّرفاء (٣) والآس (٤) والأعواد الذَّكيَّة، التَّخللُ (٥) بذلك كلِّه مكروهٌ كالسِّواك. (فَإِنِ اسْتَاكَ بِإِصْبَعِهِ أِوْ خِرْقَةٍ (٦)، فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كذا في «المحرر». أحدهما: لا يصيبُ، قَدَّمَهُ في «الكافي» و «الرِّعاية» وابن تميم، وهو المذهب؛ لأنَّه لا يَحصلُ الإنقاءُ به حصولَه بالعُود. والثَّاني: بلى، وه (٧)، وقاله في «الوجيز» في الإصبع؛ لما روى أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُجزِئُ في السِّواك الأَصابِعُ» رواه البيهقي، والحافظ الضِّيَاءُ (٨) في «المُخْتارة»، وقال: (لا أرى بإسنادِ هذا الحديثِ بأْسًا) (٩).

стр. 194

وفي «المغني» و «الشرح»: أنَّه يُصِيب من السُّنَّة بقدْرِ (١) ما يَحصلُ مِنْ الإنْقاءِ، وذكرا أنَّه الصَّحيحُ. ولم يتعرَّضِ الأصحابُ لإصبعِ غيرِه، ولا إليها إذا كانت منفصلة، وظاهره: الإجزاء إذا قلنا بطهارتها، وإن كان دفنها على الفور واجبًا (٢). وقيَّدَ في «الرعاية» الخِرْقةَ: بكونها خشِنةً وش (٣). وفيه وجْهٌ: يصيب إن لم يجد عُودًا. وفيه وجهٌ: لا يصيب بإصبع مع وجود خِرقةٍ. وفيه وجهٌ: العُودُ والخِرقةُ سواءٌ، ثمَّ الإصبعُ. وفيه وجهٌ: يصيب بالإصبع عند الوضوء خاصَّةً. (وَيَسْتَاكُ عَرْضًا عَلَى لِسَانِهِ وَأَسْنَانِهِ)، زاد في «الرعاية»: ولِثَتِه؛ «لأنَّه ﵇ كان يستاك عرضًا» رواه الطَّبراني والحافظ الضِّياء، وضعَّفه (٤)، ولأنَّ التَّسوُّك (٥) طولًا ربَّما أدمى اللِّثَة وأفسد الأسنان، وقيل: الشَّيطان يستاك طولًا. وقال في «المبهج» (٦) و «الإيضاح»: طولًا. وفي «الشرح»: إن اسْتاك على لسانه أو حلْقه؛ فلا بأس أن يستاك طولًا؛

стр. 195

لخبر أبي موسى، رواه أحمد (١). فائدةٌ: ذكر ابنُ تَميم وغيرُه أنَّه يغسل السِّواك، وأنَّه لا بأس أن يستاك بالواحد اثنان أو أكثر، قال في «الرعاية»: ويقول إذا استاك: «اللهمَّ طهِّر قلبِي، ومحِّصْ ذُنوبي»، قال بعض الشَّافعيَّة (٢): وينوي به الإتيان بالسُّنَّة. (وَيَدَّهِنُ غِبًّا)؛ لأنَّه ﵇ «نهى عن التَّرَجُّل إلَّا غِبًّا» رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وصحَّحه (٣)، والتَّرجُّلُ (٤): تسْريحُ الشَّعر ودهنُه. والغبُّ: يومًا ويومًا، نقله يعقوب (٥) عن أحمد (٦). وفي «الرعاية»: ما لم يَجِفَّ (٧) الأوَّل. لا مطلقًا للنِّساءِ (٨). واللِّحيةُ كالرَّأس في ظاهر كلامهم. ويفعله كلَّ يوم لحاجة؛ لخبر أبي قتادة، رواه النَّسائي (٩)، وقال الشَّيخ

стр. 196

تقي الدِّين: (يفعل ما هو الأصلح بالبلد؛ كالغسل بماء حارٍّ ببلد رطب؛ لأنَّ المقصود ترجيل الشَّعر، وهو فعل الصَّحابة (١)، وأنَّ مثله نوع اللبس والمأكل) (٢). غريبة: قال الشَّافعي: (ما رأيت شيئًا أنفع للوباء من البنفسج، يُدَّهَنُ به ويُشرب) (٣). (وَيَكْتَحِلُ) في كلِّ عين (وِتْرًا) بالإثْمِد المطيَّب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرَج» رواه أحمد وأبو داود (٤)، في كلِّ عين ثلاثةَ أطراف؛ كما أخرجه التِّرمذي وحسَّنه (٥).

стр. 197

وعن أحمد: في اليُمنى ثلاثًا، وفي اليسرى اثنتين. وقيل: مُرودين في كلِّ واحدة، والخامس: يقسم بينهما، وكان ابن سيرين يفعله؛ تسوية بينهما. (وَيَجِبُ الْخِتَانُ) عند البلوغ، واختار (١) الشَّيخ تقي الدِّين الوجوب إذا وجبت الطَّهارة والصَّلاة (٢). (مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ) ذكره معظم الأصحاب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اختَتَن إبراهيمُ خليلُ الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنةً» رواه البخاري ومسلم، ولم يذكر السنين (٣). وقد عُورِض بما رواه الوليد بن مسلم بإسناده (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا قال: «اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة، ثمَّ عاش بعد ذلك ثمانين سنةً» (٥). وقال الزُّهري: (كان الرَّجل إذا أسلم أُمر بالِاختِتان وإن كان كبيرًا) رواه البخاري في «الأدب» بإسناد صحيح (٦)، وأصرح (٧) منه قوله ﵇: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» رواه أبو داود (٨)، خرج منه إلقاء الشَّعر بدليل،

стр. 198

فبقي (١) الختان على أصل الوجوب. وهو شاملٌ للذَّكر؛ وهو قطعُ جِلدة غاشية على الحشفة، ذكره جماعة، ونقل الميموني: أو أكثرها (٢)، وللأنثى، وهو قطع جلدة (٣) فوق محل الإيلاج تشبه عَرْف الديك، ويستحبُّ ألا تؤخذ كلَّها، نصَّ عليه (٤). وعنه: لا يجب على النِّساء، وصحَّحها بعضهم. وعنه: يستحبُّ. فعلى الأوَّل: يختتن الخنثى في ذكره وفرجه. وأنَّه إذا خِيف منه؛ فظاهر «المحرر» وجزم به في «الوجيز» وغيره: أنَّه يسقط، قال ابن تميم: على الأصحِّ. ونقل حنبل: يختتن (٥)، فظاهره يجب؛ لأنَّه قلَّ من يَتْلَفُ منه. قال أبو بكر: والعمل على ما نقله الجماعة، وأنَّه متى خُشي عليه؛ لم يختتن (٦). ويُعتَبَر لذلك زمنٌ معتدلٌ، ولو أمره به وليٌّ في حرٍّ أو برد، فتلِف؛ ففي ضمانه وجهان، وإن أمره به، وزعم الأطبَّاء أنَّه يتلف، أو ظنَّ تلفه؛ ضمن؛ لأنَّه ليس له. تذنيب: فعله (٧) زمن الصغر أفضل على الأصحِّ. وقيل: التَّأخير. زاد بعضهم على الأوَّل: إلى التَّمييز، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (هذا هو المشهور) (٨).

стр. 199

وفي «التلخيص»: قبل مجاوزة عشر (١). وفي «الرعاية»: بين سَبْعٍ وعَشْرٍ. فإن أخَّره حتَّى يدرك؛ جاز؛ لقول ابن عبَّاس: «كانوا لا يختِنون (٢) الرَّجلَ حتَّى يدرك» (٣). ويُكره يوم السابع؛ للتَّشبُّه (٤) باليهود. وعنه: لا، قال الخلَّال: (العملُ عليه). (وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ)، وهو حلْقُ بعض رأسه، نصَّ عليه (٥)؛ لما روى نافع عن ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن القزع»، فقيل لنافع: ما القزع؟ قال: «أن يحلق بعض رأس الصَّبي، ويترك بعض (٦)» متَّفق عليه (٧). وقيل: بل حَلْق وسطه. وقيل: بل حلْق بُقَعٍ منه (٨)، وكنتف الشيب، وهو قول الأكثر. وظاهره يقتضي: أنَّ له حلقه كلِّه وإن لم يكن في نسك، وهو كذلك؛ كقَصِّه. وعنه: يُكره لغير نسك وحاجة وم (٩)، وكحلق القفا، زاد فيه جمع: لمن لم (١٠) يحلق رأسه ولم يحتج إليه لحجامة أو غيرها، نصَّ عليه، وقال: (هو

стр. 200

من فعل المجوس) (١). ويكره لامرأة حلقه كقَصِّه. وقيل: يَحرُمان عليها، نقل الأثْرَم: (أرجو ألَّا (٢) بأس لضرورة) (٣). ويُستثنى على الأوَّل ما جزم به بعضهم: أنَّه يحرم حلقه على مريد (٤) لشيخه؛ لأنَّه ذلٌّ وخضوع لغير الله تعالى. مسائل: يجوز اتِّخاذ الشَّعر، قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال: لا إن شقَّ إكرامه، وش (٥). ولهذا قال أحمدُ: (هو سنَّة، لو نَقْوَى عليه اتَّخذناه، ولكن له كُلْفةٌ ومؤونةٌ) (٦). ويسرِّحه، ويَفْرُقه، ويكون إلى أذْنيه (٧)، وينتهي إلى منكبيْه (٨) كشعْره ﵇ (٩)، ولا بأس بزيادته على منكبيه وجعله ذُؤابة. ويُعفِي لحيتَه، وذكر ابن حزم: (أنَّ ذلك فرضٌ كقصِّ الشَّارب) (١٠)،

стр. 201

وأطلق أصحابنا وغيرهم: أنَّ ذلك سنَّة، وفي المذهب: ما لم يستهجن طولها، وم (١). ويحرم حلقها، ذكره الشَّيخ تقي الدِّين (٢). ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ونصُّه: (لا بأس بأخذه وما تحت حلقه؛ لفعل ابن عمر) (٣)، وفي «المستوعب»: وتركه أولى، وأخذ أحمد من حاجبه وعارضه (٤). ويحُفُّ شاربه، وهو أولى في (٥) المنصوص (٦)، وه ش (٧)، ولا يمنع منه. ولا بأس أن ينظِّف أنفه، خصوصًا إذا فحُش؛ كإبِطه. ويحلق عانَته، وله إزالته بما شاء، والتَّنْوير فعَله أحمدُ في (٨) العورة (٩)،

стр. 202

وكرِه الآمِدي (١) كثرته. ويدفن ذلك، نصَّ عليه (٢). ويفعله كلَّ أسبوع، ولا يتركه فوق أربعين يومًا عند أحمد (٣). وأمَّا الشارب؛ ففي كل جمعة؛ لأنَّه يصير وحِشًا. وقيل: عشرين. وقيل: للمقيم. ويقلِّم أظفاره مخالفًا يوم الجمعة قبل الزَّوال. وقيل: يوم الخميس. وقيل: يخيَّر. ويسنُّ ألَّا يحيف عليها في الغزو؛ لأنَّه يحتاج إلى حلِّ (٤) شيء، نصَّ عليه (٥). وينظر في مِرآة، ويقول: «اللهمَّ كما حسَّنت خَلقي فحسِّن خُلُقي، وحرِّم وجهي على النَّار» لحديث أبي هريرة، رواه أبو بكر بن مَردَويْه (٦). ويتطيَّب الرجلُ بما (٧) ظهر ريحُه وخفِي لونُه، والمرأة عكسُه؛ لأثر رواه

стр. 203

النَّسائي والتِّرمذي وحسَّنه، من حديث أبي هريرة (١). (وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ)؛ أي: يبدأ بجانبه الأيمن، ويستاك بيساره، نقله حرب، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ما علمت أحدًا خالف فيه) (٢)؛ كانتثاره (٣)، وفيه نظر، وذكر جدُّه: إن قلنا: يستنجي بيمينه؛ فيستاك (٤) بها. (وَطُهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ)، وأكلِه، وشربِه؛ لحديث عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يحبُّ التَّيمن في تنعُّله وترجُّله (٥) وطُهوره، وفي شأْنه كلِّه» متَّفق عليه (٦). (وَسُنَنُ الْوُضُوءِ) سُمِّي وُضوءًا؛ لِتنظيفِهِ المُتوضِّئَ وتحسينِه؛ (عَشْرٌ): (السِّوَاكُ)؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لوْلا أنْ أشُقَّ على أمَّتِي لأمرتُهمْ بالسِّواكِ معَ كلِّ وُضوءٍ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ أبي هُريْرةَ، وللبخاريِّ تعليقًا (٧): «عند كلِّ وُضوءٍ»، والمراد عند المضمضة. (وَالتَّسْمِيَةُ)، هذا اختِيارُ الخِرَقي والمُؤلِّفِ، قال الخَلَّال: (إنَّه الذي استقرَّتْ عليه الرِّواية)؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المَائدة: ٦]، فلم يذكرْها، ولأنَّها طَهارة، فلمْ تجب (٨) لها التَّسميةُ؛ كطهارة الخَبَث.

стр. 204

قال أحمدُ: (ليْس يَثبُتُ في هذا حديثٌ، ولا أعلم فيه حديثًا له إسناد جيِّدٌ) (١)، وإن صحَّ فهُو محمولٌ على تأكيدِ الِاسْتحبابِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ)، اختارها أبو بُكْرٍ وابنُ شاقْلا وأبو جعْفرٍ وأبو الحسيْن، والقاضِي وأصحابُه؛ لما رَوى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوء لمن لم يذكرِ اسمَ اللهِ عليْه» رواه أحمد وأبو داود، ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيدِ بن زيدٍ وأبي سعيد مثلُه، قال البخاري: (أحسن ما في هذا الباب حديث سعيد بن زيد)، وكذلك قال إسحاقُ: (هو أصحُّها) (٢). فعلى هذا؛ تَسقُط (٣) سهوًا، نصَّ عليه (٤)، وهو المذهب؛ لأنَّ الوُضوءَ عبادةٌ تَتَغايَر أفعالُها، فكان في (٥) واجباتها ما يَسقط (٦) سهوًا؛ كالصَّلاة. ولا تسقط (٧) في أخرى، فعلى هذا تكون شرطًا، اختارها ابن عَبْدوس

стр. 205

والمَجْد، لكن قال الشِّيرازيُّ وابن عَبْدوس: متى سمَّى في أثنائه أجزأه على كلِّ حال؛ لأنَّه قد ذكر الله على وضوئه. وإذا قيل بوجوبها؛ فهل تسمَّى فرضًا أو سنَّةً؟ فيه رِوايتانِ. والأَخْرَس تَكفي إشارتُه بها. تمامٌ (١): محلُّها اللِّسانُ؛ لأنَّها ذِكْر، ووقتها بعد النِّيَّة؛ لِتَكونَ شاملةً لجميع أفعال الوُضوء. وصفتها: بِاسْم اللهِ، فإن قال: بِاسْم الرَّحْمن أو القُدُّوس؛ لم يُجزئْه على الأشهر، كما لو قال: اللهُ أكْبرُ، على المُحقَّق. (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ)؛ أي: قبل الوضوء مطلقًا؛ لِما رَوى أحمدُ والنَّسائيُّ عن أوْسِ بن أوْسٍ الثَّقَفي قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ توضَّأ فاسْتوْكَف ثلاثًا» (٢)؛ أي: غَسَل كفَّيْه، والمذهبُ أنَّهما يُغسلان ثلاثًا ولو تَحقَّق طهارتَهما، نصَّ عليه. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) ناقض للوضوء؛ (فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ)؛ الأَصحُّ والظَّاهِرُ عن أحمدَ: وُجوبُ (٣) غسلِهما تَعبُّدًا، واختاره أكثر أصحابنا؛ لما تقدَّم من الأمر به، وهو يقتضي الوجوبَ. والثَّانيةُ: هي مستحبَّةٌ، اختارها الخِرَقيُّ والشَّيْخان؛ لأنَّ الله تعالى أمر القائم إلى الصَّلاة بغسل أعضاء الوضوء، وهو شامل للقائِمِ من النَّوم، لا سيَّما وقد فسَّره زيد بن أسْلم (٤)

стр. 206

بالقيام من اللَّيل (١)، ولم يذكر غسل اليدين، وحُمِل الأمر على النَّدب؛ لأنَّه علل بوهم النَّجاسة، وطريان الشَّك على يقين (٢) الطَّهارة غير مؤثِّر فيها. فرع: إذا نسي غَسْلهما؛ سقط مطلقًا؛ لأنَّها طهارة مُفرَدة، وإن وجب. وفيه وجه: لا يسقط؛ لأنَّه من تمام الوضوء. والأوَّل أقْيس؛ لأنَّه يجوز تقدم غسلهما قبل الوضوء بِزمنٍ طويلٍ. ووجوب غسلهما لمعنًى فيهما. وقيل: بل لإدخالهما الإناء. ويعتبر لغسلهما نيَّةٌ وتسميةٌ. مسألة: يتوجَّه كراهة غمسها (٣) في مائع، وأكل شيء رطب بها. (وَالْبَدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ)؛ أي: قبل غسل الوجه؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ في حديث عثمان: «أنَّه أدخل يده في الإناء، فمَضْمض واستنثر، ثمَّ غسل وجهه (٤)» (٥)، ولأنَّهما في حكم الباطن، فقُدِّما لئلَّا يخرج منه أذًى بعد (٦) غَسْل الظَّاهر فيلوِّثه. وقيل (٧): يجب.

стр. 207

(وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) إلى أقاصيهما، هذا قول عامَّة المتأخِّرين؛ لأنَّ في (١) بعض ألفاظ لَقِيط بن صَبِرَة: «وبالغ في الاستنشاق»، واقتصر الخِرَقيُّ عليه تبعًا لحديث لقِيط قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، فقال: «وبَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذي (٢)، وصرَّح به ابن الزَّاغوني وابن شاقْلا، وإنَّما لم يجب على المشهور ونصَّ أحمد؛ لسقوطها (٣) بصوم النَّفل، والواجِبُ لا يسقط بالنَّفل. وعن أحمدَ وُجوب المبالَغة فيهما على (٤) المُفطِر. وقيل: في الكبرى. والمبالغة في الاستنشاق: اجتذاب (٥) الماء بالنفَس إلى أقصى الأنف، ولا يصيِّره سعوطًا (٦). وفي المضمضة: إدارةُ الماء في أقاصِي الفَمِ، زاد في «الرعاية»: أو أكثرِه، ولا يصيِّره وَجُورًا، وله بلعُه كلَفْظِهِ. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا)؛ فإنَّها مكروهة، صرَّح به غير واحد، وحرَّمه أبو الفرج الشِّيرازي، وينبغي أن يقيَّد ذلك بصوم الفرض، وصرَّح به الزَّرْكَشيُّ. (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ)؛ لما روي عن عثمان: «أنَّه توضَّأ، وخلَّل لحيته حين غسل وجهه، ثمَّ قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلتُ» رواه

стр. 208

التِّرمذي وصحَّحه، وحسَّنه البخاري (١). وهذا (٢) إذا كانت كثيفة، فأمَّا إن كانت خفيفة تصف البشرة؛ فإنَّه يجب غسلها. وقيل: يجب التَّخليل؛ لظاهر الأمر، وهو قول إسحاق. وقيل: لا يستحبُّ، وهو بعيدٌ. وعلى (٣) الأوَّل: فيخلِّلُها من تحتها بأصابعه، نصَّ عليه (٤)، أو من جانِبيْها بماء الوجه، وقيل: بماء جديد. ونصَّ أحمدُ على أنَّه إن شاء خلَّلها مع وجهه، وإن شاء إذا مسح رأسه (٥). وحكم بقيَّة الشُّعور؛ كعَنْفَقَة، وشارِب، وحاجِبٍ، ولِحْيةِ امرأة، وخنثى؛ كذلك. (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ)؛ أي: تخليل (٦) أصابع اليدين والرِّجلين؛ لما روى لَقيط بن صَبِرَة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وخلِّل بين الأصابع» رواه الخمسة،

стр. 209

وصحَّحه التِّرمذي (١)، وهو في الرِّجلين آكد، ذكره في «الشرح». وعنه: لا يسنُّ تخليل أصابع اليدين؛ إذ تفريجهما يغني عن تخليلهما. ويخلِّل أصابع رجليه بخِنصره اليسرى؛ لأنَّها مُعدَّة لإزالة الوسخ والدَّرَن، من باطن رجله؛ لأنَّه أبْلغُ، يبدأ بخنصرها إلى إبهامها، وفي اليسرى بالعكس؛ ليحصل التيامن فيه، وأصابع يديه إحداهما بالأخرى، فإن كانت أو بعضها ملتصقة؛ سقط. (وَالتَّيَامُنُ)، بغير خلاف علمناه؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بمَيامِنكُم» رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد (٢). وشذَّ الرَّازِيُّ فحكى في «تفسيره» (٣) عن أحمدَ: وجوبَ غَسْل اليمنى قبل اليسرى، وهو منكر، فقد قال ابن عبدوس: هما في حكم اليد الواحدة، حتَّى لو غسل إحداهما بماء الأخرى؛ جَازَ. (وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذْنَيْنِ)، ظاهرهما وباطنهما في رواية، وهي المذهب؛ لما روى عبد الله بن زيد: «أنَّه رأى رسول الله ﷺ يتوضَّأ، فأخذ لأذنيه ماءً خلافَ الذي لرأْسه» رواه البيهقي، وقال: إسناده (٤) صحيح (٥)، ولأنَّ من فعل

стр. 210

ذلك خرج من الخلاف. والثَّانية، واختارها القاضي وأبو الخَطَّاب والمَجْد: لا يُسنُّ؛ لأنَّ غالب من وصف وضوء النَّبيِّ ﷺ ذكر أنَّه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد (١)، يؤكِّده قوله ﵇: «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجه (٢). فعلى الأولى: يُدخِل سَبَّاحتيه في صِماخَي أذنيْه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، كذا وصفه ابن عبَّاس عنه ﷺ ، رواه النَّسائي (٣). وتُسنُّ مجاوزة موضع الفرض. (وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ)؛ لما روى عبد الله بن زيد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضأ (٤) مرَّتين مرَّتين» رواه البخاري (٥)، وفي رواية: أنه ﵇ دعا بماءٍ فتوضَّأ

стр. 211

مرَّةً مرَّةً، فقال: «هذا وظِيفَة (١) الوضوء، أو قال: هذا وضوء من لم يتوضَّأ لم يقبل الله له صلاة»، ثم توضَّأ مرَّتين مرَّتين، وقال: «هذا وضوء من توضَّأه (٢)؛ كان له كِفْلان من الأجر»، وتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا وضوئي، ووضوء المرسلين قَبلي» رواه ابن ماجَه (٣)، وقوله ﵇ في حديث عمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه أنه: «لمَّا سئل عن الوضوء فأراه (٤) ثلاثًا ثلاثًا، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدَّى وظَلَم» رواه أبو داود (٥). تكلَّم (٦) مسلم على قوله: «أو نقص»، وأوَّله البيهقي على نقصان العضو (٧)، واستحسنه الذَّهبي. وأمَّا الزيادة على الثَّلاث؛ فيكره، زاد بعضهم: لغير وسواس. وقيل: يحرم للخبر، قال أحمد: (لا يزيد عليها إلَّا رجل مبتلًى) (٨). خاتمة: ظاهِر كلامه: أنَّه لا يسنُّ مسْح العُنُق، وهو الصَّحيح؛ لعدم ثبوت ذلك في الحديث.

стр. 212

وعنه: يسنُّ، اختاره في «الغنية» وابن الجَوزي (١) وابن رَزين، وأطلق في «المحرر» الخلاف. وأنَّه لا يسنُّ غسل داخل العينين، واختاره القاضي والشَّيخان؛ نظرًا إلى أنَّ الضَّرَر المتوقَّعَ كالمتحقِّق. وقيل: يسنُّ مع أمن الضرر، جزم به صاحب «التلخيص». وحكى بعضهم رواية بالوجوب (٢) مخرَّجة من وجوب ذلك في الغسل. والأصحُّ أنَّه لا يجب غَسْلهما لنجاسة (٣).

стр. 213

(بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ) وشرطه (١)، (وَصِفَتِهِ) (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ)، الفروضُ: جمعُ فَرضٍ، وهُو لُغةً: التَّأثيرُ، وشرعًا؛ قِيل: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُهُ. وهُو عِبارةٌ عن استعمالِ الماءِ الطَّهور في الأعْضاء المخصوصةِ على صفةٍ مفتتحة بالنية، وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه (٢). ثمَّ اعلم أنَّ الْفرضَ والشَّرطَ يَشترِكان في تَوقُّف العبادة على وجودِهما، ويَفترِقان: بِأنَّ الشَّرْط خارجٌ عنها، والفرضَ داخلَها، وبِأنَّ الشَّرْطَ يُستصحَبُ فيها إلى انقضائِها، والفرْض يَنقضِي، ويَخلُفُه غيره. فمِنهمْ من نظَر إلى المعْنى الأوَّلِ؛ فَسَمَّى النِّيَّةَ ونحوَها فرْضًا (٣)، وهِي بالمعْنى الثَّانِي شرْطٌ. (غَسْلُ الْوَجْهِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]، (وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ)؛ أي: من الوجْهِ؛ لدُخولِهِمَا فِي حَدِّه. (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]. (وَمَسْحُ الرَّأْسِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]. (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦]؛ أي: كلَّ واحدة منهما، وهو فرضٌ عندنا وعند الجَماهيرِ؛ لقراءةِ نافعٍ وابنِ

стр. 214

عامِرٍ والكِسائِيِّ وحفصٍ بالنَّصبِ في (١): عطفًا على اليديْنِ، وقرأ الباقُون بالخفضِ للمجاورةِ (٢)، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥]. وقِيل: لمَّا كانتِ الأرْجُلُ في مَظِنَّةِ الإسراف في الماءِ، وهو منهيٌّ عنه مذمومٌ؛ عطفَها على المَمْسوح لا للتَّمسُّح، بل للتَّنبيه (٣) على الاقتصار على مقدارِ الواجِبِ، ثمَّ قيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] دَفْعًا لِظَنِّ ظانٍّ أنَّها مَمْسوحة؛ لأنَّ المسح لم يضرب له غاية في الشرع. ولفعله ﵇ (٤)، وقولِه: «ثمَّ يغسل رجليه كما أمره الله تعالى» رواه أحمد، والطَّبراني، وابن خزيمة، والدَّارقطني، وصحَّحاه (٥)، وقال سعيدٌ: ثنا يونسُ بن أبي يعفور (٦)، عن أبي الجَحَّاف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» إسناده حسن،

стр. 215

وقالتْ عائشةُ: «لَأَن يقطعا (١) أحبُّ إليَّ أن أمسح القدَميْن» (٢). وهذا (٣) في حقِّ غير لابِس الخُفِّ، فأمَّا لابِسُه؛ فغسلُهما ليس فرضًا مُتعيِّنًا (٤) في حقِّه. (وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى)، هذا هو الأصحُّ، وفي «الكافِي»: أنَّه ظاهِرُ المذهب؛ لأنَّ الله تعالى أدْخَل المَمْسوح بيْن المَغْسولاتِ، ولا يُعلم لهذا فائدةٌ غيرُ التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقتْ لبيان الواجب، والنَّبيُّ ﷺ رَتَّب الوُضوءَ، وقال: «هذا وضوءٌ لا يَقبلُ الله الصَّلاة إلا به» (٥)، ولأنَّه عبادةٌ تَبطُل بالحدث، فكان التَّرتيب من شرطِه؛ كالصَّلاة يَجِبُ فيها (٦) الرُّكوعُ قبْل السُّجودِ، ولو كان التَّنْكيس جائِزًا؛ لَفَعَلَهُ ولَوْ مَرَّةً لِيتَبينِ الجَوازِ.
следующие страницы →