← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وعنه: الفاحِش قدرُ الكَفِّ. وعنه: قدرُ عشرِ أصابع. (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ)؛ لما روى مَعْدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاءَ فتوضَّأ، فلقيتُ ثوبانَ في مسجد دمشق فسألته (١)، فقال: صدق، أنا صببتُ له وَضوءَه» رواه أحمد، واحتجَّ به، وقال التِّرمذي: (هو أصحُّ شيء في الباب) (٢)، وعن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من أصابه قيْءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، أو مذي؛ فلينصرف فليتوضَّأ» رواه ابن ماجه والدَّارقطني، من رواية إسماعيل بن عيَّاش، عن ابن جريج، وهو حجازي، وروايته عن الحجازيين ضعيفة عند أكثر المحدِّثين (٣)، وكخارِجٍ معتادٍ، لكن قال في «المغني»: (لا نعرف (٤) هذه الرِّواية، ولم يذكرها الخلَّال في جامعه إلَّا في القلَس، واطَّرَحَها). وقال الشَّيخ تقي الدِّين: لا ينقض (٥) مطلقًا (٦)، واختاره الآجُرِّي في غير القيء. فإن شرب ماء وقذفه في الحال؛ فنَجِسٌ. وبالجملة: فيحملان على الفاحش؛ جمعًا بين الأدلَّة. فائدة: القَلَسُ بالتحريك، وقيل بالسكون: ما خرج من الجوف ملءَ الفم، أو دونه، وليس بقيءٍ، فإن عاد فهو قيْءٌ.

стр. 282

(الثَّالِثُ: زَوَالُ الْعَقْلِ) أو تغطيتُه، قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجَّم ولم يخرج شيء؛ إلحاقًا بالغالِب؛ لأنَّ الحِسَّ يذهب معَه. والمُزِيلُ له على ضَربيْن: نومٌ وغيرُه. فغيرُ النوم؛ كالجُنون والإغماء والسُّكْر؛ ينقض كثيرها ويسيرُها إجماعًا على كلِّ الأحوال؛ لأنَّ هؤلاء لا يشعُرون بحال، بخلاف النائم، وفي إيجاب الوضوء بالنَّوم تنبيهٌ على وجوبِه بما هو آكد منه. وأمَّا النَّوم؛ فرحمةٌ من الله تعالى على عبده ليستريح بدنه عند تعبِه، وهو غَشْيةٌ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، فينقض في الجملة؛ لما روى علي بن أبي طالب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العين وكاء السَّه (١)، فمن نام فليتوضَّأ» رواه أحمد وأبو داود عن بقيَّة عن الوَضِين بن عطاء (٢)، ولأنَّه مَظِنَّة خروج الحدث، فأقيم مقامَه؛ كالتقاء الختانين. ونقل الميموني: أنَّه لا ينقض، قال الخلَّال: (هو خطأ بيِّن)، واختاره الشَّيخ تقي الدِّين إذا ظنَّ بقاء طُهره، ولا تفريع عليها. ثمَّ هو (٣) ينقسم إلى أقسام، فقال: (إلَّا النَّوم اليسير (٤) عُرْفًا؛ لأنَّه لا حدَّ

стр. 283

له في الشرع. وقيل: ما لم يتغير عن (١) هيئته؛ كسقوطِه. وقيل: مقدار الكثير ركعتين، ونصَّ أحمد أنَّه إذا رأى فيه حُلُمًا (٢). ومن لم يَغْلِبْ على عقله؛ فلا وضوء عليه، فلو شكَّ في كثرتِه؛ لم ينتقِض. (جَالِسًا أَوْ قَائِمًا)، اختاره الخِرَقي، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه ابن تميم؛ لما روى أنسٌ قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة (٣) حتَّى تخفِق رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّون ولا يتوضَّؤون» رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤)، وهو محمول على اليسير؛ لأنَّه اليقين، والقائِمُ كالقاعِدِ؛ لاشتراكهما في انضمام محلِّ الحدث. وظاهره: أنَّه يَنقُض إذا كان كثيرًا، وهو كذلك على المذهب؛ لأنَّ (٥) مع الكثرة لا يُحِسُّ بما يخرج منه، بخلاف اليسير. وعنه: لا. (وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ)؛ لأنَّهما من أحوال الصَّلاة، أشبه الجالس. وظاهره: أنَّه ينقض اليسير منهما على المذهب، وهو (٦) كذلك، وقياسهما على الجالس غير مستقيم؛ لأنَّ محلَّ الحدث فيهما منفتح، بخلاف الجالس.

стр. 284

وقدَّم في «المحرر» و «البلغة» استثناءَ اليسير في الحالات الأربع. وعنه: ينقض اليسير إلَّا في الجالس. وعنه: لا نقض فيها، وهي اختيار القاضي والشريف وأبي الخطاب والشِّيرازي وابن عقيل؛ لما رَوى أحمد في «الزهد» عن الحسن البصري: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نام العبدُ وهو ساجد؛ يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وهو ساجد» (١)، فسمَّاه ساجدًا مع نومه، ولأنَّ الأصل الطَّهارة، فلا تزول (٢) بالشَّك. وظاهره: أنَّ نوم المستند، والمتَّكئ، والمحتَبِي؛ كالمضطجع، وهو كذلك على الأشهر. (الرَّابِعُ: مَسُّ الذَّكَرِ)؛ أي: ذَكَرِ الآدمي في ظاهر المذهب، لما رَوتْ بُسْرةُ بنتُ صفْوان: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من مسَّ ذكره فليتوضَّأ» رواه مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصحَّحه أحمد وابن معين، قال البخاري: (أصحُّ شيء في هذا الباب حديث بسرة) (٣)، وعن أمِّ حبيبة معناه، رواه ابن ماجه

стр. 285

والأثرم، وصحَّحه أحمد وأبو زرعة (١)، وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أفْضى أحدُكم بيده إلى ذكره؛ فقد وجب عليه الوضوء» رواه الشافعي وأحمد، وفي رواية له: «وليس دونه ستر (٢)» (٣)، وقد روي ذلك عن بضعة عشر صحابيًّا (٤)، وهذا لا (٥) يدرك بالقياس، فعُلم أنَّهم قالوه عن توقيف. وعنه: لا ينقض (٦)؛ لما روى قيس بن طَلْقٍ عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن الرَّجل يمَسُّ ذكره وهو في الصَّلاة، هل عليه وضوء؟ قال: «لا، إنَّما هو

стр. 286

بَضْعة منك» رواه الخمسة، ولفظه لأحمد، وصحَّحه الطحاوي وغيره (١)، ولأنَّه جزء من جسده أشبه رجله. فعليها: يستحبُّ الوضوء من مسِّه، واختارها الشَّيخ تقي الدِّين في فتاويه (٢). والأولى أصحُّ؛ لأنَّ حديث قيس ضعَّفه الشافعي وأحمد، قال أبو زرعة وأبو حاتم: (قيس لا تقوم بروايته حجَّة)، ولو سُلِّم صحَّتُه فهو منسوخٌ؛ لأنَّ «طَلْق بن علي قدم على النَّبيِّ ﷺ وهو يؤسِّس في المسجد» رواه الدَّارقطني (٣)، وفي رواية أبي داود قال: «قدمنا على النَّبيِّ ﷺ فجاءه رجل كأنَّه بدوي، فسأله … » الحديث، ولا شكَّ أنَّ التَّأسيس كان في السَّنة الأولى من الهجرة، وإسلام أبي هريرة كان في السَّنة السابعة، وبُسرة في السَّنة الثامنة عام الفتح، هذا وإن لم يكن نصًّا في النَّسخ؛ فهو ظاهِرٌ فيه، وحديثُهم مبقٍ على الأصل، وأحاديثنا ناقِلة عنه، وهي أولى، فإن كان الأمر به هو المنسوخ؛ لزم التغيير مرَّتين، وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ؛ لم يلزم (٤)

стр. 287

التَّغيير إلَّا مرَّةً واحدةً، فيكون أولى. وقياسهم الذَّكر على بقيَّة البدن؛ لا يستقيم؛ لأنَّه يتعلَّق به أحكام ينفرد بها من إيجاب الغُسل بإيلاجه، والحدِّ، والمهر، وغير ذلك. ومنهم من حمله على المسِّ من وراء حائل؛ لأنَّه كان في الصَّلاة، والمُصَلِّي في الغالب إنَّما يمسُّه من فوق ثيابه، ولهذا علَّل بأنَّه بَضعة منه. قلت: وقد روى الطَّبراني بإسناده وصحَّحه، عن قيس، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من مسَّ ذكره فليتوضَّأ»، قال: (ويشبه أن يكون طَلْقٌ سمع الناسِخَ والمنسوخَ) (١)، وفي تصحيحه نظرٌ؛ فإنَّه من (٢) رواية حماد بن محمَّد الحنفي وأيوب بن عتبة، وهما ضعيفان، وحينئذ فتتعارض روايتاه (٣)، ويرجع إلى أحاديث النقض. (بِيَدِهِ)، وهي (٤) من رؤوس الأصابع إلى الكوع؛ كالسَّرقة والتَّيمُّم (٥)، (أَوْ بِبَطْنِ (٦) كَفِّهِ (٧)؛ للعموم، والأوَّل مُغنٍ عنه؛ لأنَّه يشمله. وعنه: يختصُّ النَّقض ببطن الكفِّ؛ لأنه آلة (٨) اللَّمس، وفي حَرْفِ كَفِّه وجهان.

стр. 288

وظاهرُه: أنَّه لا فرقَ بين: - ذَكَرِ نفسِه وذكَرِ غيرِه؛ لقوله ﵇: «ويتوضَّأ من مس الذَّكر» رواه أحمد والنَّسائي (١). وعنه: يختص بذكر نفسِه. -والصغيرِ والكبيرِ على المنصوص (٢). وعنه: لا نقضَ بمسِّ ذكر طفل، ذكرها الآمِدِيُّ. -والحيِّ والميِّتِ على المذهب. وسواءٌ مسَّه سهوًا، أو لغيرِ شَهوةٍ على المشهور. وعنه: إن تعمَّد مسَّه نقَضَ. وعنه: إن مسَّه من فوقِ حائلٍ لشهوةٍ نَقَضَ. ولا فرق أيضًا بين أصل الذَّكر ورأسه على المذهب. وعنه: يختصُّ بالثُّقْب. وعنه: بالحَشَفَة، وهما بعيدان. ومراده: إذا كان أصليًّا، سواءٌ كان صحيحًا أو أشلَّ، فلو كان زائدًا؛ لم ينقُض في الأصحِّ. وشمل كلامُه: اليدَ الصَّحيحةَ والشلَّاءَ والزائدةَ على الصَّحيح. والمذهب: أنَّه ينقُض إذا مسَّه من غيرِ حائِلٍ، ولو بزائِدٍ، خلا ظفره. (وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ) في ظاهر المذهب، كالعَضُد؛ لأنَّ الحُكم المعلَّق على مُطلق اليد لا يتجاوزُ الكُوع. وعنه: بلى، وهي قول الأوزاعي؛ لأنَّها في الوضوء كذلك، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه إنَّما غَسله فيه لتقييده بها. وعُلم منه: أنَّه لا ينقض مسُّه بغير اليد. زاد ابن تميم: وفي الفرجِ وجهان، واختار الأكثرُ النقضَ بمسِّه بفرجٍ، والمراد: لا ذكرُه بذَكرِ غيره، وصرَّح به أبو المعالي.

стр. 289

(وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ) المنفصِلِ (وَجْهَانِ)، وقيل: روايتان، كذا في «المحرر» و «الفروع»، ظاهر المذهب: أنَّه لا ينقض؛ لذهاب الحُرمة. والثَّاني: ينقض (١)، وقطع (٢) به الشِّيرازي؛ لبقاء الاسم. وكذا الخلاف في مسِّ محلِّه، وذكر الأَزَجِيُّ وأبو المعالي فيه: ينقُض. ولا يتعلَّق بالذكر البائن شيء من أحكام الخِتَانَينِ (٣)؛ لأنَّه كيَدٍ بائنَةٍ، بخلافِ فرجٍ بائنٍ. وحكم لَمْسِ القُلْفَةِ، وهي الجِلْدَةُ التي تُقطَع في الختان قبلَ قطعِها كالحشفةِ؛ لأنَّها منه، ولا ينقض مسُّها بعد قطعها؛ لزوال الاِسمِ والحُرمةِ. (وَإذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ؛ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ)؛ لأنَّ لمس الفرجِ متيقَّنٌ؛ لأنَّ الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره، وإن كان امرأةً فقد مسَّ فرجَها. (وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ)؛ لاحتمال أن يكون غيرَ فرْج، فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال، (إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ)؛ أي: الخنثى (لِشَهْوَةٍ)؛ فإنَّه ينتقض؛ لأنَّ الخنثى إن كان رجلًا فقد لمس ذكرًا، وإن كان امرأةً فقد لمس الرَّجل امرأةً لشهوة. وفي «المحرر» و «الوجيز» و «الفروع» صورة أخرى، وهي: إذا لمَست المرأةُ قُبُلَه؛ لأنَّ الخنثى إن كان امرأة، فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان رجلاً فقد لمسته لشهوة. (وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا) هو اسم لمخرَج الحدَث، وهو ما

стр. 290

بين شُفريْها دون إِسْكَتَيْها؛ (روايتان): إحداهما، - ونقلها أبو داود (١) -: أنه يَنتقِض، قدَّمها في «المحرر» و «الفروع»، واختارها أكثر الأصحاب؛ لقوله ﵇: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ» رواه ابن ماجه وغيره (٢)، والفرج: اسم جنس مضاف، فيعمُّ، ولقوله ﵇: «أيُّما امرأة مسَّت فرجها فلتتوضَّأ» رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، وإسناده جيِّد إليه (٣)، وكالذَّكر. والأخرى: لا ينقض، أمَّا الدُّبُر، فقال الخلَّال: (إنَّها الأشْيَع في قوله)، واختارها (٤) جماعةٌ، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لأنَّ غالب الأحاديث تقييده (٥) بالذَّكَر. وأمَّا الفرج؛ فقال المرُّوذي: قيل لأبي عبد الله: الجارية إذا مسَّت فرجها أعليها وضوء؟ قال: (لم أسمع فيه بشيء) (٦)، ولا يُفضي مسُّه (٧) إلى خروج خارِج، بخلاف الذَّكر. وظاهره: أنَّ الخلاف مختصٌّ بما إذا مسَّت فرجَ نفسِها (٨)، والأشهر: لا فرق بين مسِّ فرجها وفرج غيرها.

стр. 291

وفي «التلخيص» و «البلغة»: ينقض مسُّ فرج المرأة، وفي مسِّ فرج غيرها وجهان. وظاهر كلامهم: لا يشترط للنقض بذلك الشهوة، وهو مفرَّع على المذهب، وشرطها ابن أبي موسى. (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ)؛ لما سبق. وظاهره: أنَّه لا نقض بمسّ (١) غير الفرجين من (٢) البدن، وهو كذلك في قول أكثر العلماء. وقال عروة: يجب من (٣) مس الأنثيين. وقال عكرمة: يجب على من مسَّ ما بين فرجيه. ولا (٤) بمسِّ فرج بهيمة ولو كانت مأكولة؛ لأنَّه ليس بمنصوص عليه، ولا في معناه، وفيه احتمال، وهو قول الليث، زاد في «الرعاية»: لشهوة. ولا بمسِّ المخرج المعتاد إذا استدَّ وانفتَح غيره، وفيه وجه، وقيل: معها (٥). فرع: إذا انتشر عضوه بتكرُّر (٦) نظر؛ لم ينتقض (٧) في الأصحِّ؛ كما لو كان عن فكر. (الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ)، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّه

стр. 292

﵇ «صلَّى وهو حامِلٌ أمامة» (١)، والظَّاهر أنَّه لا يسلم من مسِّها، ولأنَّه ليس بحدث، وإنَّما هو داعٍ إليه، فاعتبرت الحالة التي تدعو إليها، وهي حالة الشهوة. وفي «الوجيز»: بشهوة بالباء، وهو أحسن؛ ليدلَّ (٢) على المصاحبة والمقارنة. وهو شامل للأجنبية وذات المحرم، والصغيرة والكبيرة؛ لعموم النَّص، واللمس الناقض معتبر مع الشهوة، فإذا وجدت فلا فرق. لكنْ في العجوز، والمحرَم، والصغيرة وجهٌ، وهو ظاهر الخِرَقي فيها، وصرَّح به المَجْدُ مقيِّدًا بالتي لا تُشتهى. وللميِّتة والحية؛ لأنَّ الموت لا يرفع عنها الاسم، وكما يجب الغسل بوطئها. واختار الشريفُ وابنُ عَقيل خلافَه؛ لأنَّها ليستْ محلًّا للشهوة. وسواء كان المس (٣) باليد، أو غيرها في (٤) سائر البشَرة للعموم، والتَّخصيصُ تَحكُّمٌ. ولا فرْق أيضًا بين مسِّها بِعُضوٍ زائدٍ، أو مسِّ عُضْو زائدٍ منها. وخرج من كلامه: إذا كان اللَّمس بحائل، وهو المنصوص (٥)، ولو مع شهوةٍ، ذكره المؤلف وغيره؛ لأنَّه لم يمسها، والشهوة المجرَّدة لا توجب الوضوء.

стр. 293

وعنه: ينقض، ذكر القاضي أنَّه قياس المذهب، قال ابن حمدان: وهو بعيدٌ. وخُرِّج منه أيضًا: مسُّ الرَّجلِ الرَّجلَ، والمرأةِ المرأةَ لشهوةٍ؛ لأنَّه ليس بداخل في الآية الكريمة. وأمَّا لمْسُها له مع الشَّهوة (١)؛ فروايتان: إحداهما لا أثر له؛ لأنَّ النَّص إنَّما ورد في الرَّجل، واللَّمس منه مع الشَّهوة مظنَّة لخروج الحدث، فأقيم مقامه. والأخرى، وهي أصحُّ، قال في «المغني»: وهي (٢) ظاهِرُ كلام الخِرَقي: ينقض؛ لأنَّها ملامسة ناقضة، فاستَوَيَا فيها؛ كالجِماع، وهي أدعى إلى الحدث؛ لفرط شهوتها. (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ)، اختارها الآجُرِّيُّ والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٣)؛ لما روت عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبِّل بعض نسائه، ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأُ» رواه أبو داود والنَّسائِيُّ، واحتجَّ به أحمدُ، وضعَّفه يحيى القَطَّان وابن مَعين والتِّرمذيّ وغيرهم (٤)، «ووقعتْ يدُ عائشة على قدمه (٥) ﵇ وهو يصلِّي، ومسَّها برجله وهو يصلي» رواه النَّسائي (٦)، ولو بطل وضوءه لفسدت صلاته،

стр. 294

ولأنَّه مَسٌّ فلم ينقض كمس البهيمة، والمُلامسة في الآية أريد بها الجِماعُ، قاله عليٌّ (١) وابنُ عبَّاس (٢). ولو باشر مباشرةً فاحشةً، وقيل: إن انتشر؛ نقض. وإذا لم ينقُض مسُّ فرْجٍ وأنثى؛ استُحِبَّ الوضوء، نصَّ عليه (٣). (وَعَنْهُ: يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ)، وهو (٤) قول ابن مسعود (٥)، ورواه الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه (٦)، وقال عمرُ وابنُ مسعود: «القُبلةُ من اللَّمْس، وفيها الوضوء» رواه الأثرم (٧).

стр. 295

وحقيقةُ اللَّمْسِ: التِقاءُ البشَرتين، قال الشاعر: لمَسْتُ بِكَفِّي كفَّه أطْلُبُ الغِنى (١) … ..................... ولأنَّه مسٌّ ينقُض (٢)، فلم يُعتبَر فيه الشهوة كالذَّكر. والأوَّل أصحُّ؛ جمعًا بين الآية والأخبار، إذ (٣) الآيةُ محمولةٌ على الشهوة، وفعله ﵇ على عدَمها، ولو أريد بها الجِماعُ لاكتفى بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]. (وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعْرِ والظُّفُرِ وَالسِّنِّ (٤) لشهوة، نصَّ عليه (٥)؛ لأنَّ ذلك ينفصل عنها حال السَّلامة، أشبه الدمع، ولا يقع عليها الطلاق بإضافته إليه.

стр. 296

وفيه وجْه: يَنقُض (١)؛ لأنَّه من جملتها. قال بعضهم: وكذا الخلاف إن لمَسها الرَّجُل بهذه الأشياء. (وَالْأَمْرَدِ)؛ أي: لا يَنقُض لمسه مع شهوةٍ، نصَّ عليه (٢)، وهو المذهب؛ لعدم تناول الآية له، ولأنَّه ليس بمحل للشهوة شرعًا. وعنه: بلى، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ لآدَمِيٍّ حقيقةً. ولا نقْض بمسِّ خُنثى مشكِلٍ، ولا بمسِّه رجلاً أو امرأةً؛ لأنَّه متيَقِّنٌ للطَّهارة شاكٌّ في الحدَث. (وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ)، أظهرُهما: لا نَقْض، قاله ابن هُبَيرةَ، واختارها المَجْدُ، وهي ظاهِرُ «الوجيز»؛ لأنَّه (٣) لا نصَّ فيه، وقياسُه على اللَّامِس لا يَصِحُّ؛ لفرْط شهوته. والثَّانيةُ: بلى، وهي (٤) اختيارُ ابن عَبْدوس؛ لأنَّ ما يَنقُضُ بالتِقاء البَشَرتين لا فرق فيه بيْن اللَّامس والمَلْموس؛ كالتِقاء الخِتانين، ثمَّ مَحَلُّها إذا وُجدتِ الشَّهوة من (٥) الملْموس كما ذكره الشيخان، وخصَّ بعضهم الملموس بالمرأة. وفي «الرِّعاية»: وفي نقْضِ وضوءِ المَلْموسِ فرجُه وجْهان، وقيل: لا يُنقَض وضوءُ الملْمُوسِ ذكَرُه، بخلاف لمْسِ قُبُلِ المرأةِ. (السَّادِسُ: غَسْلُ الْمَيِّتِ)، هذا هو المنصوص عن أحمد (٦) وعامَّة أصحابه، وجزم به في «الكافي» و «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛

стр. 297

لما رَوى عطاءٌ: «أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عبَّاسٍ كانا يأمران غاسِل الميت بالوضوء» (١)، وكان شائِعًا لم (٢) يُنقَل عنهم الإخْلال به، ولأنَّ الغاسِل لا يسلم من مسِّ عورة الميِّت غالبًا، فأقيم مقامَه؛ كالنَّوم مع الحدَث. وعنه: لا، اختاره التَّمِيميُّ، وصحَّحه المؤلِّف؛ لما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليس عليكم في ميِّتكم غُسْلٌ إذا غسَّلتموه، فإنَّ ميِّتكم ليس بنجِس، فحسبكم - أي: يكفيكم - أن تَغسِلوا أيديَكم» وإسناده جيد (٣)، ولأنَّه الأصل، ولأنَّه ليس بمنصوص عليه، ولا في معناه،

стр. 298

وكغسل (١) الحيِّ. فعلى الأوَّل: لا فرْق فيه بين المسلم والكافِر، والرَّجل والمرأة، والكبير والصَّغير؛ للعموم، وسواء غسله في قميص أوْ لا. وفيه وجه: أنه (٢) لا ينقض إذا غسله في ثوب ولم يمسَّ فرجه، ذكر في «الرِّعاية» أنَّه الأظهر. وخرج من كلامه: إذا غسل بعضه، وهو أظهر الاحتمالين عند ابن حمدان. وإذا يمَّمه عند تعذُّر غسله، وفيه قولٌ. فرع: الغاسِل من يقلبه (٣)، ويباشِره، ولو مرَّةً، لا من يَصُبُّ الماءَ ونحوُه. (السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) على الأصحِّ؛ لقول رسول الله ﷺ : «توضَّؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضَّؤوا من لحوم الغنم» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي من حديث البراء بن عازب، وصحَّحه أحمد وإسحاق، وقال ابن خُزَيمةَ: (لم نَرَ خِلافًا بين علماء الحديث أنَّ هذا الخبر صحيحٌ)، وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سَمُرة، قال الخطَّابِيُّ: (ذهب إلى هذا عامَّة أصحاب الحديث) (٤). فعلى هذا: لا فَرْق فيه بين قليلِه وكثيرِه، نِيئِه أو مطْبوخِه، عالمًا كان

стр. 299

الآكِل أو جاهِلًا. وعنه: إن عَلِم النَّهْيَ نقض، قال الخلَّال: (وعلى هذا استقرَّ قوله)؛ لأنَّه خبر آحاد فيعذر بالجهل كما يُعْذَر (١) بجهل الزنى ونحوِه الحديثُ العهدِ بالإسلام. وعنه: ينقض نِيئُه (٢). وعنه: إن طالت المدَّة؛ كعشر سنين، لم يُعِد، بخلاف ما إذا قصرت. وعنه: لا يعيد إذا تركه متأوِّلًا. وعنه: إذا كثُر أكلُها. وعنه: لا نقْضَ مُطْلَقًا، وهُوَ قَولُ أكثرِ العلماء؛ لما رَوى جابِرٌ قال: «كان آخِرَ الأمْريْن من رسول الله ﷺ تركُ الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي، وإسناده جيد (٣)، وقال عمر وابن عبَّاس: «الوضوء ممَّا خرج، وليس ممَّا دخل» رواه سعيد (٤)، ولأنَّه مأكول أشبه سائِر المأكولاتِ.

стр. 300

والأوَّل أصحُّ، لا يقال: يحتمل أن يراد بالوضوء غَسْلُ اليديْن؛ لأنَّه مقرونٌ بالأكل، كما حُمل أمر النَّبيِّ ﷺ بالوضوء قبل الطعام وبعده، ويحتمل أن يراد به على وجه الاستحباب؛ لأنَّ الوضوء الوارد في الشَّرع يُحمل على موضوعِه الشَّرعي، ولأنَّه جمَع بين ما أُمِر به، وهو الوضوء من لحومِها، وبين ما نُهِي عنه، وهو عدم الوضوء من لحوم الغنم، والخصم يقول: بأنَّه يُستَحبُّ فيهما، ولأنَّ السُّؤال وقع عن الوضوء والصَّلاة، والوضوء المقترن بها لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي، ولأنَّ مقتضى الأمر الإيجابُ؛ لأنَّه أوجب الوضوء منه، ودعوى النَّسخ مردودة بأمور. وقيل: الوضوء منه معلَّل بأنَّها من الشَّياطين؛ إذ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شَيطانٌ، فالكلبُ الأسودُ شيطانُ الكِلابِ، والإبِلُ شياطينُ الأنعامِ، فالأَكْل منها يُورث حالًا شيطانية (١)، والشَّيْطان يُطفِئُه بارِدُ الماءِ. (فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المغني» و «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يَنقض؛ لما رَوى أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «توضَّؤوا من لحوم الإبل وألبانها» رواه أحمد وابن ماجه من رواية الحجَّاج بن أرطاة، وروى الشَّالَنْجِيُّ (٢)

стр. 301

نحوَه من حديث البَرَاء بن عازِب، وإسناده جيِّد (١). والأخرى: لا، وهي (٢) ظاهر «الوجيز»، قال الزَّرْكشي: (واختيار الأكثرين)؛ لما روى ابن ماجه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مضمضوا من اللَّبن؛ فإنَّ له دَسَمًا» (٣)، فدلَّ على أنَّه يُكتَفى بها في كلِّ لبن، ولأنَّ الأخبارَ الصَّحيحةَ إنَّما وردت في اللحم، والحكمُ فيه غيرُ معقول المعنى، فيُقتصر على مَوْرِد النَّصِّ فيه. (وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الفروع» روايتان: إحداهما: لا يَنقُض؛ لأنَّ النَّصَّ لم يتناولْه. والثَّانيةُ: بلى؛ لأنَّ ذلك من جُملة الجَزور، فإطلاق لفظ اللَّحم يتناولُه، بدليل أنَّ الله تعالى لمَّا حرَّم لحم الخنزير تناول جميع أجزائه. والأشهرُ الأوَّلُ. والحكمُ في بقيَّة الأجزاء؛ كالكرش، والمُصران، والسَّنام، والدُّهن؛ كذلك.

стр. 302

وعُلم: أنَّه لا وضوء من (١) غيره، سواء مسَّته النَّار أو لَا، وهو قول أكثر العلماء، ورُوِي عن الخلفاء الرَّاشدين (٢). ولا وُضوءَ بأكْلِ لحْمٍ محرَّمٍ، وكذا طعامٌ محرَّمٌ على الأصحِّ. وعنه: يختصُّ النَّقض بلحم الخنزير، قال أبو بكر: وبقيَّة النَّجاسات تُخرَّج عليه، حكاه ابن عقيل. وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: (الخبيثُ المباحُ للضرورة؛ كلحم السِّباع أبلغ من الإبل، فالوضوء منه أولى)، قال: (والخلاف فيه مبنيٌّ على أنَّ لحم الإبل تَعَبُّدِيٌّ، أو عُقِل معناه) (٣). (الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ)، هذا هو المجزومُ (٤) عند أكثر الأصحاب،

стр. 303

وهو أشهر الرِّوايتين؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥]، ولقول ابن عبَّاس: «الحدَث حَدثان؛ حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث اللسان أشدُّ، وفيهما الوضوء» (١)، لكن في إسناده بقيَّةُ بصِيغةِ (عن)، قال في «التَّحقيق»: لا يَصِحُّ، ورواه ابن شاهين مرفوعًا (٢)، فيَدخُل في عموم قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ» متَّفق عليه (٣)، ولأنَّها طهارة عن حدث، فأبطلتها الرِّدَّة كالتَّيمُّم. لكنَّ الآيةَ دالَّةٌ على أنَّ الرِّدَّة تحبط العمل بمجرَّدها، والأشهر عن أصحابنا: أنَّها لا تحبطه إلَّا بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢١٧]، وبنوا على ذلك: صحَّة الحجِّ في الإسلام الأوَّل، وقضاء ما فاته من صلاة وزكاة وصوم على المشهور، ثمَّ الإحباط إنَّما ينصرف إلى الثَّواب دون الفعل، بدليل مُصلٍّ خلفَه وهو مسلم.

стр. 304

ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخِطاب، والمنطوق مقدَّم عليه. وعنه: لا نقضَ، حكاها ابن الزَّاغوني، ولم يذكرْها القاضِي وعامَّة أصحابِه في النَّواقِض؛ لعدم فائدتها؛ لوجوب الغسل عليه إذا عاد إلى الإسلام، فيدخل فيه الوضوء، وصرَّح به جماعةٌ. وردَّه الشَّيخ تقي الدِّين: بأنَّ فائدته تظهر إذا عاد إلى الإسلام، فإنَّا نوجِبُهما عليه، فإن نواهما بغسله؛ أجزأه على المشهور، ولو لم ينتقِض لم يجب إلَّا الغُسلُ فقط (١). ويمكِن أن يكون مراد القاضي: ما أوجب غُسلًا أوجب وضوءًا، فهو ملازم له. وظاهِرُه: أنَّه لا نقض (٢) بغيرها من غِيبةٍ ونَميمةٍ وقَهْقهةٍ، ونقله الجماعة (٣). نعم، يستحبُّ من الكلام المحرَّم، وفي استحبابه من (٤) القهقهة وجهان. (وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ)، اليقين: ما أذعَنتِ النَّفس للتَّصديق به، وقطعَت به، وقطعت بأنَّ قطعَها صحيح (٥)، (وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ)، الشَّكُّ: خلافُ اليقينِ، (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ لِما رَوى عبد الله بن زَيد قال: شُكِي إلى النَّبيِّ ﷺ الرَّجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشَّيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينصرف حتَّى يَسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا» متَّفَق عليه (٦)، ولمسلم

стр. 305

معناه مرفوعًا من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: «وهو في الصَّلاة» (١)، ولأنَّه إذا شكَّ تعارَض عنده الأمران، فيَجِب سُقوطهما؛ كالبيِّنتَين إذا تعارضا (٢)، ويَرجع إلى اليقين. وسواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها، تساوَى عنده الأمرانِ أو غلب على ظَنِّه أحدُهما؛ لأنَّ غلبةَ الظَّنِّ إذا لم يكن لها ضابط في الشَّرع؛ لم يُلتَفَتْ إليها؛ كظنِّ صدق أحد المتداعيين، بخلاف القِبلة والوقت، هذا اصطلاح الفقهاء. وعند الأصوليِّين: إن تساوى الاحتمالان فهو شَكٌّ، والرَّاجِح ظنٌّ، والمرجوح وهَم. (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا)؛ أي: تيقن الطَّهارةَ والحَدثَ في وقتِ الظُّهْر مثلًا، (وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا)؛ أي: لم يعلم الآخِر منهما؛ (نَظَرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا)؛ أي: قبل الطَّهارة والحدث، وهو ما قبل الزَّوال، (فَإِنْ كِانَ مُحْدِثًا فَهُوَ) الآنَ (مُتَطَهِّرٌ)؛ لأنَّه تيقَّن زوال ذلك الحدث بطهارة، ولم يتيقَّن زوال تلك الطَّهارة بحدثٍ آخَرَ؛ لاحتمال أن يكون الحدث الذي تيقَّنه بعد الزَّوال هو الذي كان قبله، فلم يزل يقينُ الطَّهارة بالشك، (وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ)؛ لما ذكرنا. هذا في تيقُّن الحالين، وأمَّا تيقُّن الفعلين؛ فإذا تيقَّن أنَّه في وقت الظهر - مثلًا - تطهَّر عن حدث، وأحدث عن طهر، ولا يعلم أسبقهما؛ فإنَّه يكون على مثل حاله قبلهما جزمًا، فإن كان متطهِّرًا فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ الطَّهارةَ التي قبل الزوال قد تيقَّن زوالها بالحدث، وتيقَّن زوال الحدث بالطَّهارة التي

стр. 306

في وقت الظهر، والأصل بقاؤها، وإن كان محدِثًا فهو الآن محدِثٌ، وكذا لو عيَّن وقتًا لا يَسعُهما. فإن جهل حالهما وأسبقهما، أو تيقَّن حدثًا وفِعْل طهارةٍ فقط؛ فبضدِّ حاله قبلهما. وإن تيقَّن أنَّ الطَّهارة عن حدث، ولا يدري الحدث (١) عن طهارةٍ؛ فمتطهِّرٌ مطلقًا، وعكس هذه بعكسها. مسألة: إذا سَمِعَا صوتًا، أو شَمَّا رِيحًا من أحدهما لا بعينه؛ فلا وضوء عليهما على الأصحِّ، ولا يأتَمُّ أحدُهما بصاحبه (٢)، ولا يصافِفْه في الصَّلاة إن كانا وحدَهما. وإن كان أحدهما إمامًا؛ أعادا صلاتهما، نصَّ عليه (٣). وقيل: عنه: ينوي كل منهما الانفراد، ويتمُّ صلاتَه وحدَه. (وَمَنْ أَحْدَثَ حَرُمَ (٤) عَلَيْهِ): (الصَّلَاةُ)؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» رواه مسلم (٥)، وهو يعمُّ الفرضَ والنَّفْلَ، والسُّجود المجرَّد؛ كسجدة التِّلاوة، والقيام المجرَّد؛ كصلاة الجنازة، وسواءٌ كان عالمًا أو جاهِلاً، فلو صلَّى مع الحدث؛ لم يكفر. وحكى ابنُ حَزْم والنَّوويُّ عن بعض العلماء: جواز الصَّلاة على الجنازة بغير وضوء ولا تيمَّم (٦).

стр. 307

(وَالطَّوَافُ)؛ لما روى التِّرمذي بإسناده (١) عن عطاء بن السَّائب، عن طاوُس، عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّواف حول البيت مثل الصَّلاة، إلَّا أنَّكم تتكلَّمون فيه، فمن تكلَّم فلا يتكلَّمْ إلَّا بخيْرٍ»، إسناده جيِّد إلى عطاء، وهو مختلَف فيه، واختلط في آخر عمره، وقال أحمد: (عطاءٌ رجلٌ صالِحٌ)، قال التِّرمذي: (وقد روي عن طاوس عن ابن عبَّاس موقوفًا (٢)، ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث عطاء بن السَّائب) (٣). (وَمَسُّ الْمُصْحَفِ)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقِعَة: ٧٩]؛ أي: لا يمسُّ القرآن، وهو خبرٌ بمعنى (٤) النَّهي، وحُرِّك بالضم لالتقاء الساكنين. ورُدَّ: بأنَّه اللَّوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون الملائكة؛ لأنَّ المطهَّر من طهَّره غيره، ولو أريد بنو (٥) آدم قيل (٦): المتطهِّرون. وجوابُه: بأنَّ المراد هم بنو آدم قياسًا عليهم، بدليل ما روى عبد الله بن

стр. 308

عمرو بن حزم (١)، عن أبيه، عن جده: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وكان فيه: «لا يَمَسُّ القرآنَ إلَّا طاهِرٌ» رواه الأثرم والنَّسائي والدَّارَقُطْني متَّصِلًا، قال الأثرم: (واحتجَّ به أحمد)، ورواه مالك مرسَلًا (٢)، ومقتضاه: أنَّه لا يباح مسُّه بشيء من جسده حتَّى يتطهر، ولو بتيمُّم. قال المؤلِّف: (إن احتاجه)، وهو شامِلٌ لما يُسمَّى مُصحَفًا من الكتابة، والجلد، والحواشي، والورق الأبيض المتَّصل به، بدليل البيع على المذهب. وله حمله بعِلاقته (٣)، أو بحائل منفصل عنه لا يتبعه في البيع كغلافِه، أو بحائل تابع للحامِل؛ كحمله في كمِّه، أو ثوبِه، أو تصفُّحِه بعود، ونحوه على المشهور، جزم به أبو الخطاب وابن عبدوس والقاضي والمؤلف. وعنه: المنعُ من حمله بعِلَاقتِه وتصفُّحِه بكُمِّه، وخرَّجه القاضي منه إلى بقِيَّة الحوائل (٤)، ولم يُعوِّل عليه في «المغني». وله الكتابة منه من غير مسٍّ، جزم به كثير من الأصحاب. وقيل: هو كالتَّقلُّب بالعود. وقيل: يجوز للمحدِث دون الجنب، وهذا إذا لم يحمله على مقتضى ما هو في «التَّلخيص» وغيره. وله مسُّ تفسيرٍ على المذهب، ومنسوخ تلاوته على الأصحِّ، والأحاديث المأثورة، والتَّوراة والإنجيل؛ لأنَّها ليست بقرآن.

стр. 309

وحكم البعض كالكلِّ، فلو كتب بعضه منفردًا (١)؛ لم يَجُز مسُّه وإن لم يُسمَّ مصحفًا. نعم، في مسِّ الصبيان ألواحَهم (٢)، وفي رواية ذكرها القاضي: والمصحف، ومسِّ الدراهم المكتوب عليها القرآن (٣)، وثوب طُرِّز به؛ روايتان، أظهرهما: الجواز؛ لمسيس الحاجة إليه (٤). وعُلم منه: أنَّ طهارة الخبث (٥) لا يشترط انتفاؤها، نعم يمنع من مسِّه بعضو نجس لا بغيره على المذهب. والذميُّ لا يمَسُّه، لكن له نسخُه دون حمل ومَسٍّ. وعنه: المنع، وحمله القاضي على حمله حال كتابَته. ولا يجوز مسُّه بعضو (٦) طهَّره حتَّى يُكملها. مسائل: الأولى: يُكره تحليته بذهب أو فضة؛ لتضييق النَّقدين. وعنه: لا؛ كالضَّبَّة، وكتطييبه، نصَّ عليه (٧)، وكيسة (٨) الحرير، نقله الجماعة (٩)؛ لأنَّ ذلك قدر يسير.

стр. 310

وقيل: يُكره للرِّجال لا النِّساء. وقيل: يحرم، جزم به جماعة؛ ككتب العلم في الأصحِّ. وقال ابن الزَّاغوني: كَتْبُه بذهب حرام؛ لأنَّه زخرفة، ويؤمر بحكِّه، فإن اجتمع منه ما يتموَّل؛ زكَّاه، قال أبو الخطَّاب: إن بلغ نصابًا. وكره أحمد توسُّدَه، وفي تحريمه وجهان، وكذا كتب العلم التي (١) فيها قرآن، وفي معناه: التخطِّي، ورميُه بالأرض بلا وضعٍ ولا حاجةَ تدعو إلى ذلك. ويحرم كَتْبه بحيث يُهان؛ كبول حيوان ونحوِه، وتجب إزالته، ويحرم دَوسُه، والمراد غير حائط المسجد. قال في «الفصول» وغيره: يُكره أن يَكتب على حيطان المسجد ذِكْرًا وغيرَه؛ لأنَّ ذلك يشغَلُ المصلِّي ويلهيه. ويدفن إذا بلي؛ لتعظيمه وصيانته. وله نَقْطُه، وشَكْلُه، وكتابةُ الأعشار، والسُّور، وعدد (٢) الآيات في رواية. وعنه: يستحبُّ نَقْطُه، وعلَّله أحمد: بأنَّ فيه منفعة النَّاس (٣)، واختاره أبو الحسين بن المُنادي (٤). الثَّانية: يجوز تقبيله. وعنه: يستحب. ونقل جماعة الوقف (٥)، ولا يجعله على عينيه؛ لعدم النقل.

стр. 311

وظاهره: أنَّه لا يقام له، لكن يؤخذ من فعل أحمد الجواز (١). الثَّالثة: له أخذ الفأل فيه، فَعَله ابن بَطَّة، ولم يره غيره من الأصحاب، ونقل ابن العربي أنَّه يحرم، حكاه القرافي عن الطرطوشي (٢) المالكي، وظاهر مذهب ش: الكراهة (٣). الرابعة: يحرم السَّفر به إلى دار الحرب. وقيل: إلَّا مع غلبة السَّلامة، وفي «المستوعب»: يكره بدون غلبتها. الخامسة: لا يجوز أن يُملَّك لكافر، فلو مَلَكه بإرثٍ؛ أُلزم على إزالة ملكه عنه؛ لأنَّه يتديَّن بانتهاكِه وإزالةِ حُرمته.

стр. 312

(بَابُ الْغُسْلِ) هو مصدر من غسل الثوب والبدن (١)، يغسله غسلًا، قال عياض: (بالفتح: الماء، وبالضم: الفعل) (٢)، وذكر ابن بَرِّيّ (٣): (أنَّ غسل الجنابة بفتح الغين)، وقال ابن مالك: (بالضم: الاغتسال والماء الذي يغتسل به) (٤)، وقال الجوهري: (غسلتُ الشيءَ غَسْلًا بالفتح، والاِسمُ: الغُسل بالضم، وبالكسر: ما يغسل به الرأس من خِطْمِيٍّ وغيره) (٥). وهو واجِبٌ إجْماعًا (٦)، وسندُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]. يقال: رَجُلٌ جُنُبٌ، وكذا المثنَّى والمجموع، قال الجوهري: (وقد يقال جنبان وجنبون) (٧)، وفي «صحيح مسلم»: «ونحْن جنُبان» (٨)؛ سمِّي به لأنَّه نُهي أن يقرَب مواضع الصَّلاة، وقيل: لمجانبتِه الناسَ حتَّى يتطهر (٩)، وقيل: لأنَّ الماء جانَب محلَّه، والأحاديث مشهورة بذلك.

стр. 313

(وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ)، وفي «المحرر» و «الفروع»: ستَّة. (خُرُوجُ الْمَنِيِّ) من مخرجه، فإن خرج من غيره؛ كما لو انكسر صلبه فخرج منه؛ لم يجب، وحكمه كالنَّجاسة المعتادة، (الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ) ولو دَمًا. (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ؛ لَمْ يُوجِبْ) في أصحِّ الرِّوايتين؛ لما روى عليٌّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا فَضَخت الماءَ فاغتَسِل، وإن لم تكن فاضَخًا فلا تغتَسِل» رواه أحمد (١)، والفَضْخُ: هو خروجه بالغَلَبة، قاله إبراهيم الحَرْبِيُّ (٢). ويستثنى منه: النَّائم. فعلى ما ذكره: يكون نجسًا، وليس مَذْيًا، قاله في «الرعاية». والثَّانيةُ: يَجِبُ، ذكرها ابن عبدوس، والقاضي، وأخذها من نصِّه فيمن جامع، ثمَّ اغتسل، ثمَّ أنزل؛ فعليه الغسل (٣)، مع أنَّ ظاهر حاله أنَّه يخرج (٤) لغير شهوة، وفي الصَّحيحين عن أمِّ سلمة: أنَّ أمَّ سُليم قالت: يا رسول الله! إنَّ الله لا يستحْيِي من الحقِّ، هل على المرأة من غسل إذا احتَلمت؟ قال: «نعم إذا رأتِ الماءَ» (٥)، وقال ﵇ في حديث عليٍّ: «ومِنَ (٦) المَنِيِّ الغسل» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٧).

стр. 314

وهذا ما لم يَصِرْ سَلَسًا، قاله القاضي وجَمْعٌ، فيجب الوضوء فقط، لكن قال في «المغني» و «الشرح»: (يمكن منع كون هذا منِيًّا؛ لأنَّ الشارع وصفه بصفة غير موجودة فيه). وظاهِرُه: أنَّه واجِبٌ بالخروج، ويتوجَّه: بإرادة القيام إلى الصَّلاة. فائدة: المَنِيُّ يُخلَق منه الحَيَوان؛ لخروجه من جميع البدن، وينقص به جزء منه، ولهذا يَضْعُف بكثرته، فجُبر بالغسل. (فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ) من ظَهْره، (فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجُ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يجب، اختارها المؤلِّف والشِّيرازي، وهي ظاهر الخِرَقي؛ لما تقدَّم من الأخبار؛ إذ الحكم في الجميع مرتَّب على الرُّؤية؛ لأنَّ الشَّهوة بمجرَّدها (١) لا توجِب (٢) غسلًا؛ لأنَّها أحد وصفي العلَّة، ويسمَّى جُنُبًا، ولا يحصل إلَّا بخروجه. والثَّانيةُ: بلى، وهي المذهب المنصوص عنه (٣)، وجزم بها الأكثرُ؛ لأنَّ الجنابةَ أصلُها البعد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النِّسَاء: ٣٦]؛ أي: البعيد، ومع الانتقال قد باعد الماء محلَّه، فصدق عليه اسم الجنب، وإناطةً للحكم بالشَّهوة، وتعليقًا له على المظنَّة؛ إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه. قيل: ومحلُّهما فيما إذا لم يَخرج إلى قَلفة الأقلف، وفرج المرأة، أمَّا إذا خرج إليهما؛ فإنَّه يجب روايةً واحدةً. فعلى الأولى: يجب الغسل إذا خرج روايةً واحدةً، ذكره ابن تميم وغيره،

стр. 315

وإن خرج بغير شهوة؛ لأنَّ انتقاله كان لشهوة، زاد في «الرعاية»: وأعاد ما صلَّى. وعلى الثَّانية: يحصل به البلوغُ، والفِطرُ، وفسادُ النُّسُك، ووجوب بَدَنةٍ في الحج، حيث وجبت لخروج المَنِيِّ، قاله القاضِي في «تعليقه» إلْزامًا، وجعله ابن حمدان وجهًا، وبعَّده، وأطلق في «الفروع» الوجهين. وكذا انتقال حيْض، قاله الشَّيخ تقي الدِّين (١). (وَإِنْ) قلنا: يجب بالانتقال فاغتسل له، ثمَّ (خَرَجَ بَعْدَ الْغَسْلِ، أَوِ) اغتسل لمَنِيٍّ خرج بعضُه، ثمَّ (خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ؛ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ)، ذكر الخلَّال أنَّه الذي تواترت عليه الرِّواية، واختاره القاضي وابن أبي موسى، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى سعيد عن ابن عبَّاس: أنَّه سئل عن الجُنُبِ يخرج منه الشَّيءُ بعد الغسل، قال: «يتوضَّأ» (٢)، وكذا ذكره الإمام أحمد عن عليٍّ (٣)، ولأنَّه مَنِيٌّ واحدٌ، فأوجب غسلًا واحدًا كما لو خرج دفعة واحدةً، ولأنَّه خارج لغير شهوةٍ، أشبه خروجه في البرْد، وبه علَّل أحمد، قال: (لأنَّ الشهوةَ ماضيةٌ، وإنَّما هو حدَث، أرجو أنَّه يجزئه الوضوء) (٤).

стр. 316

(وَعَنْهُ: يَجِبُ)، قدَّمها في «الرعاية»، وصحَّحها المؤلِّف؛ لأنَّ الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث، فيُناط الحكم به. (وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ)، اختاره القاضي في تعليقه؛ لأنَّه بقيَّة منِيٍّ دافقٍ بلذَّةٍ، (دُونَ مَا بَعْدَهُ)؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه غير الأول، وقد تخلَّف عنه شرطه (١)، وهو الدَّفق واللَّذَّة، وروي نحوها عن علي، وضعَّفه أحمد (٢). وعنه: يجب إذا خرج بعد البول دون ما قبله؛ لأنَّه منيٌّ جديدٌ، ولو كان من بقيَّة الأوَّل لما تخلَّف. وكذا لو جامع فلم يُنزل، واغتسل، ثمَّ خرج لغير شهوةٍ. وجزم جماعة، وهو المنصوص: يغتسل (٣). وظاهره: أنَّه لا يجب بمجرَّد الاِحتلام من غير إنزالٍ، وهو المنصوص (٤)؛ لحديث عائشة (٥).

стр. 317

وعنه: بلى. وعنه: إن وجد لذَّةَ الإنزال. فعلى الأوَّل: إن خرج لشهوة اغتسل في الحال، وإلَّا فروايتا الانتقال، والمنصوص: أنَّه يجب (١)؛ لئلَّا يلزم انتقال منيٍّ وخروجه من غير اغتسال. وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه إذا وطئ دون الفرج، فدبَّ منيُّه فدخل فرج المرأة، ثمَّ خرج، أو وطِئ في الفرج، ثمَّ خرج من فرجها بعد غسلها، أو خرج ما استدخلته بقُطْنة أو غيرها، ولم يَنزِل منيُّها، قال ابن حمدان: أو خرج ما دخَلَه من منِيِّ امرأةٍ بسِحاق؛ فإنه لا يجب على المنصوص (٢). وفي الكلِّ وجهٌ. مسألة: إذا انتبه بالِغٌ، أو من يُحتمل بلوغه، فوجد بلَلًا جهل أنَّه مَنِيٌّ؛ وجب على الأصحِّ؛ كمن ذكر معه حُلْمًا، نصَّ عليه (٣)؛ لحديث عائشة (٤)، رواه أحمد، واحتجَّ به (٥)، وغَسل بدنَه وثوبَه احتِيَاطًا، ولا يجب. والثَّانية: لا يجب، ذكرها الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٦)؛ لأنَّه يحتمل أن يكون منِيًّا أو مَذْيًا، وهو طاهر بيقين، فلا يزول بالشَّكِّ. وإن وجده يقَظةً وشكَّ فيه؛ توضَّأ، ولا يلزمه غسل ثوبِه وبدَنِه. وقيل: يلزمه حكم غير المَنِيِّ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمالُ: حكمهما.

стр. 318

وإن سبق نومه نظرٌ أو بردٌ أو ملاعَبةٌ؛ لم يجب، نصَّ عليه (١). وعنه: بلى. وعنه: إن ذكر معه حُلْمًا. وإن تيقَّنه مَذْيًا؛ فلا. وإن رأى منِيًّا بثوبٍ ينام فيه، وقال (٢) أبو المعالي والأَزَجِيُّ: لا بظاهره؛ لجوازه من (٣) غيره؛ اغتسل، ويعمل في الإعادة باليقين. وإن كان ينام فيه هو وغيره (٤)؛ فلا (٥) على الأصحِّ. (الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا جلس بين شُعَبِها الأرْبَعِ، ثمَّ جهَدَها؛ فقد وجب الغسل» أخرجه البخاريُّ ومسلم، وزاد هو وأحمد: «وإن لم يُنزِل» (٦)، وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا قعد بين شعبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتانَ؛ فقد وجب الغسل» رواه مسلم (٧). وما روي عن عثمانَ وعليٍّ والزُّبير وطلحة (٨): أنَّه لا يجب إلَّا بالإنزال؛

стр. 319

لقوله: «الماءُ من الماء» (١)؛ فمنسوخ؛ لما (٢) روى أُبيُّ بن كعب قال: «إنَّ الفُتيا التي كانوا يقولون: الماءُ من الماءِ، رُخصةٌ رخَّص بها رسول الله ﷺ ، ثمَّ أَمَر بالاِغتسال» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ وصحَّحه، قال الحافظ عبد الغَنِيِّ: (إسناد (٣) صحيح على شرط الشيْخيْن) (٤). ثم المُراد من التقائهما: مقابلتُهما وتحاذيهما، فقال: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الأصليةِ أو قدرِها إن فُقِدتْ، وإن لم يُنزِل (فِي الْفَرْجِ) الأصليِّ بلا حائل، وقيل: ومعه، وإن لم يجد حرارةً؛ ليحترِز به من الخنثى المشكل إذا أولج حشفته ولم ينزل في فرج أصلي، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل خنثى؛ فلا غسل على واحد منهما؛ لاحتمال كون الحشفة أو القُبُل خِلقة زائدة، ومن أنزل منهما؛ وجب عليه الغسل. وإن تواطأ خُنثيان في قُبُلَيْهما أو دُبُرَيْهما؛ فوجهان، وقيل: إن قلنا: الزائد كأصلي وجب، وإلَّا فلا. وإن تواطأ رجلٌ وخنثى في دبريهما؛ اغتسل الرَّجل بِيَقين، والأصحُّ وجوبه على الخنثى احتياطًا. وظاهره: أنَّه إذا مسَّ الخِتانُ الختانَ من غير إيلاج؛ فلا غسل؛ كمن أولج بعض الحشفة.

стр. 320

وأنَّه لا فرق بين العالِم والجاهِل، فلو مكث زمانًا لم يصلِّ؛ احتاط (١) في الصَّلاة، ويعيد حتَّى يتيقَّن (٢)، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه ممَّا اشتهرت به الأخبار، فلم يعذر بالجهل. والطائِعِ والمُكرَهِ؛ لأنَّ موجب الطَّهارة لا يشترط فيه القَصد؛ كسَبْق الحدَث، والنَّائِمُ كاليقْظانِ. (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) في المنصوصِ (٤)؛ لوُجود شرْطه، وقيل: على الواطِئ. (مِنْ آدَمِيٍّ)؛ لما تقدَّم، وكلامه شامل للبالِغِ وغيرِه، قال الإمام أحمد: يجب على الصغيرِ إذا وَطِئ، والصغيرةُ إذا وُطِئتْ (٥)، مستدِلًّا بحديث عائشة، والأصحُّ: يلزمه إن أراد ما يتوقَّف على الغُسل أو الوضوء، أو مات (٦) قبل فعله (٧) شهيدًا. لكنَّ القاضِيَ صرَّح بعدم الوجوب مستدلًّا بعدَم التَّكليف؛ كالحائض، وحمل كلام أحمد على الاستحباب. وردَّه في «المُغْني»؛ لكونه صرَّح بالوجوب. ولعلَّ الخلافَ لفظِيٌّ؛ إذْ مرادُه بالوجوب: اشتراطُه للصَّلاةِ ونحوِها، لا التَّأثيمُ بتأخيرِه، ومُرادُ القاضي بالاِستحباب: انتفاء إلزامه بذلك. وشرَط بعضُهم لوجوبه: مجامعةَ مثله، وشرَط بعضُهم للذكر: ابنَ عشر،
следующие страницы →