← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(وَعَنْهُ: يَجِبُ)، قدَّمها في «الرعاية»، وصحَّحها المؤلِّف؛ لأنَّ الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث، فيُناط الحكم به. (وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ)، اختاره القاضي في تعليقه؛ لأنَّه بقيَّة منِيٍّ دافقٍ بلذَّةٍ، (دُونَ مَا بَعْدَهُ)؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه غير الأول، وقد تخلَّف عنه شرطه (١)، وهو الدَّفق واللَّذَّة، وروي نحوها عن علي، وضعَّفه أحمد (٢). وعنه: يجب إذا خرج بعد البول دون ما قبله؛ لأنَّه منيٌّ جديدٌ، ولو كان من بقيَّة الأوَّل لما تخلَّف. وكذا لو جامع فلم يُنزل، واغتسل، ثمَّ خرج لغير شهوةٍ. وجزم جماعة، وهو المنصوص: يغتسل (٣). وظاهره: أنَّه لا يجب بمجرَّد الاِحتلام من غير إنزالٍ، وهو المنصوص (٤)؛ لحديث عائشة (٥).

стр. 317

وعنه: بلى. وعنه: إن وجد لذَّةَ الإنزال. فعلى الأوَّل: إن خرج لشهوة اغتسل في الحال، وإلَّا فروايتا الانتقال، والمنصوص: أنَّه يجب (١)؛ لئلَّا يلزم انتقال منيٍّ وخروجه من غير اغتسال. وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه إذا وطئ دون الفرج، فدبَّ منيُّه فدخل فرج المرأة، ثمَّ خرج، أو وطِئ في الفرج، ثمَّ خرج من فرجها بعد غسلها، أو خرج ما استدخلته بقُطْنة أو غيرها، ولم يَنزِل منيُّها، قال ابن حمدان: أو خرج ما دخَلَه من منِيِّ امرأةٍ بسِحاق؛ فإنه لا يجب على المنصوص (٢). وفي الكلِّ وجهٌ. مسألة: إذا انتبه بالِغٌ، أو من يُحتمل بلوغه، فوجد بلَلًا جهل أنَّه مَنِيٌّ؛ وجب على الأصحِّ؛ كمن ذكر معه حُلْمًا، نصَّ عليه (٣)؛ لحديث عائشة (٤)، رواه أحمد، واحتجَّ به (٥)، وغَسل بدنَه وثوبَه احتِيَاطًا، ولا يجب. والثَّانية: لا يجب، ذكرها الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٦)؛ لأنَّه يحتمل أن يكون منِيًّا أو مَذْيًا، وهو طاهر بيقين، فلا يزول بالشَّكِّ. وإن وجده يقَظةً وشكَّ فيه؛ توضَّأ، ولا يلزمه غسل ثوبِه وبدَنِه. وقيل: يلزمه حكم غير المَنِيِّ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمالُ: حكمهما.

стр. 318

وإن سبق نومه نظرٌ أو بردٌ أو ملاعَبةٌ؛ لم يجب، نصَّ عليه (١). وعنه: بلى. وعنه: إن ذكر معه حُلْمًا. وإن تيقَّنه مَذْيًا؛ فلا. وإن رأى منِيًّا بثوبٍ ينام فيه، وقال (٢) أبو المعالي والأَزَجِيُّ: لا بظاهره؛ لجوازه من (٣) غيره؛ اغتسل، ويعمل في الإعادة باليقين. وإن كان ينام فيه هو وغيره (٤)؛ فلا (٥) على الأصحِّ. (الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا جلس بين شُعَبِها الأرْبَعِ، ثمَّ جهَدَها؛ فقد وجب الغسل» أخرجه البخاريُّ ومسلم، وزاد هو وأحمد: «وإن لم يُنزِل» (٦)، وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا قعد بين شعبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتانَ؛ فقد وجب الغسل» رواه مسلم (٧). وما روي عن عثمانَ وعليٍّ والزُّبير وطلحة (٨): أنَّه لا يجب إلَّا بالإنزال؛

стр. 319

لقوله: «الماءُ من الماء» (١)؛ فمنسوخ؛ لما (٢) روى أُبيُّ بن كعب قال: «إنَّ الفُتيا التي كانوا يقولون: الماءُ من الماءِ، رُخصةٌ رخَّص بها رسول الله ﷺ ، ثمَّ أَمَر بالاِغتسال» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ وصحَّحه، قال الحافظ عبد الغَنِيِّ: (إسناد (٣) صحيح على شرط الشيْخيْن) (٤). ثم المُراد من التقائهما: مقابلتُهما وتحاذيهما، فقال: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الأصليةِ أو قدرِها إن فُقِدتْ، وإن لم يُنزِل (فِي الْفَرْجِ) الأصليِّ بلا حائل، وقيل: ومعه، وإن لم يجد حرارةً؛ ليحترِز به من الخنثى المشكل إذا أولج حشفته ولم ينزل في فرج أصلي، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل خنثى؛ فلا غسل على واحد منهما؛ لاحتمال كون الحشفة أو القُبُل خِلقة زائدة، ومن أنزل منهما؛ وجب عليه الغسل. وإن تواطأ خُنثيان في قُبُلَيْهما أو دُبُرَيْهما؛ فوجهان، وقيل: إن قلنا: الزائد كأصلي وجب، وإلَّا فلا. وإن تواطأ رجلٌ وخنثى في دبريهما؛ اغتسل الرَّجل بِيَقين، والأصحُّ وجوبه على الخنثى احتياطًا. وظاهره: أنَّه إذا مسَّ الخِتانُ الختانَ من غير إيلاج؛ فلا غسل؛ كمن أولج بعض الحشفة.

стр. 320

وأنَّه لا فرق بين العالِم والجاهِل، فلو مكث زمانًا لم يصلِّ؛ احتاط (١) في الصَّلاة، ويعيد حتَّى يتيقَّن (٢)، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه ممَّا اشتهرت به الأخبار، فلم يعذر بالجهل. والطائِعِ والمُكرَهِ؛ لأنَّ موجب الطَّهارة لا يشترط فيه القَصد؛ كسَبْق الحدَث، والنَّائِمُ كاليقْظانِ. (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) في المنصوصِ (٤)؛ لوُجود شرْطه، وقيل: على الواطِئ. (مِنْ آدَمِيٍّ)؛ لما تقدَّم، وكلامه شامل للبالِغِ وغيرِه، قال الإمام أحمد: يجب على الصغيرِ إذا وَطِئ، والصغيرةُ إذا وُطِئتْ (٥)، مستدِلًّا بحديث عائشة، والأصحُّ: يلزمه إن أراد ما يتوقَّف على الغُسل أو الوضوء، أو مات (٦) قبل فعله (٧) شهيدًا. لكنَّ القاضِيَ صرَّح بعدم الوجوب مستدلًّا بعدَم التَّكليف؛ كالحائض، وحمل كلام أحمد على الاستحباب. وردَّه في «المُغْني»؛ لكونه صرَّح بالوجوب. ولعلَّ الخلافَ لفظِيٌّ؛ إذْ مرادُه بالوجوب: اشتراطُه للصَّلاةِ ونحوِها، لا التَّأثيمُ بتأخيرِه، ومُرادُ القاضي بالاِستحباب: انتفاء إلزامه بذلك. وشرَط بعضُهم لوجوبه: مجامعةَ مثله، وشرَط بعضُهم للذكر: ابنَ عشر،

стр. 321

وللأنثى: بنتَ تِسع، وظاهر إطلاق الأكثر عَدَمُ الاشتراطِ. (أَوْ بَهِيمَةٍ)، حتَّى سمكةٍ، قاله القاضي في «تعليقه»، وتبعه في «الفروع»؛ لأنَّه إيلاج في فرْج أشبه الآدمية. ولو غيَّبت امرأةٌ حشفةَ بهيمة؛ اغتسلت (١)، وإن كانت مقطوعة؛ فلا. (حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ)؛ لما ذكرنا، فيُعاد غسل الميت. وذهب جَمْع؛ إلى أنَّه لا يجب بوطئها؛ لأنَّه ليس بمقصود. ورُدَّ: بأنَّه ينتقض بالعجوز والشوهاء. والمذهب: يجب على النائم والمجنون. فرع: لو قالت امرأةٌ: لي جِنِّيٌّ يجامِعني كالرَّجل؛ فلا غُسل؛ لعدم الإيلاج والاحتلام، ذكره أبو المعالي. وفيه نَظَرٌ. قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ﴾ الآية [الرَّحمن: ٥٦] (٢): فيه دليل على أنَّ الجِنِّيَّ يغشى المرأة كالإنسِيِّ. وفيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم من الغشيان الإيلاج؛ لاحتمال أن يكون غشيانُه عن ملابسة ببدنه خاصَّة. (الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرُ، أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) على الأصحِّ؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ ثُمامةَ بنَ أُثَالٍ أسلم، فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» رواه أحمد وابن خزيمة من رواية العمري، وقد تُكلِّم فيه، وروى له مسلم مقرونًا (٣)، وعن قيس بن عاصم: «أنَّه أسلم فأمره النَّبيُّ

стр. 322

ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسِدْرٍ» رواه أحمد، والتِّرمذي وحسَّنه (١)، ولأنَّه لا يَسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنَّة مقام الحقيقة؛ كالنَّوم والتقاء الختانين، ولأنَّ المرتدَّ مساوٍ للأصليِّ في المعْنى، وهو الإسلام، فوجب. وظاهره: لا فرق بين أن يغتسل قبل إسلامه، وبين من أجنب أوْ لا؛ لأنَّه ﵇ لم يستفصل، ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال. ولا فرق فيه بين البالِغ وغيره في ظاهر كلام الأكثر، وقيَّده ابن حمدان بالبالغ، ومقتضى ما ذكروه أنَّ الغُسل شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، فيصير بمنزلة وطء الصبي. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ)، وحُكي في «الكافي» رواية، فعلى هذا (٢): يُستحبُّ الغُسل، وليس بواجب. قال في «المغني» وغيره: إلَّا أن يكون وُجد منه سبَبُه قبلَ إسلامه؛ كجنابة؛ فيلزمه حينئذ، سواء اغتسل في كفرِه أو لَا؛ لأنَّه ﵇ لم يأمر به في حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن (٣)، ولو كان واجبًا لأمر به كغيره؛ إذ هو أوَّل الواجبات بعد الإسلام ويقع كثيرًا، وتتوفَّر الدَّواعي على نقله، ولو وقع لَنُقل، وحديث أبي هريرة في إسناده مقالٌ، ويحمل على الاستحباب؛ لحديث قيس؛ بقرينة السِّدْر. وأجيب: بأنَّ حديث معاذ إنَّما ذكر فيه (٤) أصول الإسلام لا شرائطها. فعلى هذا؛ الأشهر: لو أجنب في كفره ثمَّ أسلم؛ تداخلا.

стр. 323

وعلى الثَّاني: يجب للجنابة، فلو اغتسل في كفره أعاده؛ لعدم صحَّة نيَّته (١). واختار الشَّيخ تقي الدِّين: لا، إن اعتقد وجوبه، بناءً على أنَّه يثاب على طاعة في الكفر إذا أسلم (٢). وقيل: لا غسل على كافر مطلقًا. فرع: يستحبُّ أن يغتسل مع الماء بالسدر؛ كإلقاء شعره؛ للخبر، قال أحمد: (ويغسل (٣) ثيابَه) (٤). قال بعضهم: إن قلنا بنجاستِها وجَب، وإلَّا استحبَّ (٥). فرع: يحرم تأخير الإسلام لغسل أو غيره، ولو استشار مسلمًا فأشار بعدم الإسلام، أو أخَّر عرضَ الإسلام عليه بلا عذر؛ لم يجز. وذكر صاحب «التتمة» من الشافعية: أنَّه يصير مرتدًا. ورَدَّ عليه بعضُهم. (الرَّابِعُ: الْمَوْتُ)؛ لأنَّه مأمورٌ به كما يأتي، ولو لم يجب لما (٦) أمر به في قوله ﵇: «اغسلنها»، إلى غيره من (٧) الأحاديث. وهو تَعبُّدٌ لا عن حدَث؛ لأنَّه لو كان عنه؛ لم يرتفع مع بقاء سبَبِه؛ كالحائض لا تغتسل مع جريان الدَّم، ولا عن نجَس؛ لأنَّه لو كان عنه؛ لم يطهر مع بقاء سبب التَّنجيس، وهو الموت.

стр. 324

ويستثنى منه: شهيد المعركة والمقتولُ ظُلْمًا، وسيأتي. (الْخَامِسُ: الْحَيْضُ) بغير خلاف (١)؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيش: «وإذا (٢) ذهبت فاغتسلي وصلِّي» متَّفقٌ عليه (٣)، وأمر به أم حَبِيبة (٤)، وسهلة بنت سُهيل (٥)، وحَمْنَةَ (٦)، وغيرهنَّ، يؤكِّده (٧) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: إذا اغتسلن، فمنع الزَّوجَ من وطئها قبل غسلها، فدلَّ على وجوبه عليها. (السَّادِسُ: النِّفَاسُ)؛ كالحيض، يجتمع ثمَّ يخرج، قال في «المغني»: (لا خلاف في وجوب الغسل بهما). وظاهره: أنَّه يجب بالخروج، وهو المذهب؛ إناطةً للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحَّته اتِّفاقًا، وكلام الخِرَقِيِّ يدلُّ على أنَّه يجب بالانقطاع، وهو ظاهر الأحاديث. وينبني عليهما: أنَّ الحائض إذا استشهدت، فعلى الثَّاني: لا تغتسل (٨)؛

стр. 325

إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى الأوَّل: تغسل؛ للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسًّا؛ أشبَه ما لو طهُرت في أثناء عادتها. وقال بعضهم: لا يجب على الوجهين؛ لأنَّ الطُّهر شرط لصحَّة الغُسل، أو في السَّبب الموجِب له، ولم يوجد. وينبني عليهما: من علَّق عتقًا أو طلاقًا على ما يوجب غُسلًا؛ وقع بالخروج، وعلى الثَّاني: بالانقطاع. (وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنْ دَمٍ (١)، كذا قيَّده في «المحرر» و «المغني» و «الشرح»؛ (وَجْهَانِ)، وفي «الكافي» روايتان: أحدهما، وهو اختيار الشَّيْخين، وظاهر «الخرقي» و «الوجيز»: أنَّه لا يجب؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص. والثَّاني: بلى، وهو اختيار ابن أبي موسى وابن عَقيل وابن البَنَّاء؛ لأنَّها مظنَّة النِّفاس الموجِب، فأقيم مقامه؛ كالتقاء الخِتانين، أو لأنَّه مَنِيٌّ مُنعَقدٌ (٢). ورُدَّ: بخروج العَلقة؛ فإنَّها لا توجب غُسلًا بلا نزاع، زاد في «الرعاية»: بلا دم. وينبني عليهما: الفطر، وتحريم الوطء قبل الاغتسال. والولدُ طاهرٌ على الأصحِّ، وفي غَسله مع دم وجهان. مسألة: لا غُسل على حائض لجنابةٍ حتَّى ينقطع حيضُها في المنصوص (٣)؛ لعدم الفائدة. وعنه: يجب. وعلى الأوَّل: لو اغتسلت صحَّ، نصَّ عليه، وقال: (لا أعلم أحدًا منع

стр. 326

إلَّا عطاء، ثمَّ رجع عنه) (١)؛ لأنَّ بقاءَ أحدِ الحدثَيْن لا يمنع ارتفاعَ الآخَر؛ كما لو اغتسل المُحدِث الحدَث الأصغر، قاله في «الشرح». وعنه: لا يصح، وهي أظهر؛ لأنَّها لم تستفد به شيئًا. وفي وجوب غسل ذمِّيَّة طهرت من حيض لوطء زوج مسلم أو سيِّد؛ روايتان. (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: حَرُمَ عَلَيْهِ) ما يَحرم على المُحدِث. وحرم عليه (قِراءة آية فصاعدًا) على الأصحِّ، رويت (٢) كراهة ذلك عن عمر (٣) وعلي (٤)، وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي من رواية (٥) عبد الله بن سَلِمة - بكسر اللام - عن عليٍّ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ لا يحجبه - وربَّما قال:

стр. 327

لا يحجزه - من القرآن شيء ليس الجنابة» ورواه ابن خزيمة والحاكم والدَّارقطني، وصحَّحاه، قال شعبة: (ليس أروي حديثًا أجود من هذا) (١). فيدخل فيه الكافر إذا أسلم ولم يغتسل؛ فإنَّه يحرم عليه القراءة، وضعَّفه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وقال: (إنَّه لا وجه له (٢). وعن أحمد: جواز قراءتها، نقلها الخطَّابي، وأشار إليها في «التلخيص»، فقال: وقيل: يتخرَّج من تصحيح خُطبة الجنب؛ قراءة آية لاشتراطها. وظاهره: أنَّه لا يجوز قراءة آيات للتَّعوُّذ (٣). وفي «الواضح»: أنَّه يجوَزُ آيةً وآيتين؛ لأنَّه لا إعجاز فيه، بخلاف ما إذا طال. وقيل: يباح لحائض ونُفَساء بعد انقطاع الدم، قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد. وقيل: يباح لنُفَساء فقط، اختاره الخلَّال. وقيل: يباح لحائض أن تقرأ قبل الاِنقطاع، قال الجد: وهو بعيد. لكن اختار الشَّيخ تقي الدِّين: بأنَّه يباح لها أن تقرأه إذا خافت نسيانَه، بل يجب؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به واجب (٤).

стр. 328

(وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ)؛ أظهرهما: لا يجوز، قاله في «الشرح»، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» رواه ابن ماجه، والتِّرمذي وقال: (لا نعرفه إلَّا من حديث إسماعيل بن عيَّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر) (١)، ولأنَّه يطلق عليه، أشبه الكثير. ويُستثنى منه: قول: (باسم الله) تبرُّكًا على الغسل والوضوء، و (الحمد لله) عند تجدُّد نعمة؛ بشرط عدم قصد القراءة، نصَّ عليه (٢). والثَّانية: الجواز، وهي الأصحُّ، وقدَّمه في «المحرر» و «الرعاية»؛ كالذِّكر، ولو كرَّرها، ما لم يتحيَّل على قراءةٍ تحرم عليه. فإذا وافق نظم القرآن، ولم يقصده؛ جاز، نصَّ عليه (٣). وله تهجِّيه في الأصحِّ، والتفكُّر فيه، وتحريك شفتيه ما لم يبيِّن الحروف، وقراءة أبعاض آية متوالية، أو آيات يسكت بينها (٤) سكوتًا طويلًا. وظاهره: أنَّ من فَمُه نجِسٌ لا يُمنَع مِنْ قراءتِه، ويحتمل المنع، ذكر ابن تميم أنَّه أولى. فرع: الكافر كالجنب يُمنع من قراءته، ولو رُجِي إسلامه، نقل مُهنى: أكره أن يضعَه في غير موضعِه (٥).

стр. 329

(وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ)، وذكره في «المستوعب» و «المحرر»، وقدَّمه في «الرعاية» و «الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وهو الطريق، وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم (١)، أنبأنا أبو الزُّبير، عن جابر، قال: «كان أحدنا يمر في المسجد جُنبًا مجتازًا» (٢)، وحديثُ عائشة: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم (٣)، شاهد بذلك. وقيل: لحاجة، قاله في «الشرح» وابن تميم وصاحب «الوجيز»، وكونه طريقًا قصيرًا حاجة. وكرِه أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا (٤). وقيل: يحرم على حائض وجنب؛ كما لو حصل تلويث، نصَّ عليه (٥). وقيل: لهما دخوله للأخذ منه دون الوضوء. ويُمنَع منه سكران، وفي «الخلاف»: لا (٦). ومجنونٌ، وقيل فيه (٧): يكره كصغير (٨)، وفيه في (٩) «النصيحة»: يمنع

стр. 330

لِلَعب (١)، لا صلاةٍ وقراءةٍ، ونقل مُهَنَّى: (ينبغي أن يجنَّب الصبيان المساجد) (٢). وظاهره: أنَّه يجوز له العبور في كلِّ مسجد، حتَّى مصلَّى العيد؛ لأنَّه أُعِدَّ للصَّلاة حقيقةً، لا مصلَّى الجنائز، ذكره أبو المعالي. ولم يمنع في «النَّصيحة» حائضًا من مصلَّى العيد؛ لأنَّه ليس بمسجد، ومنعها في «المستوعب». (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ)، وكذا في «المحرّر» و «الوجيز» وغيرهما؛ لما روى سعيدٌ وحنبلٌ بإسنادهما عن عطاء بن يسار، قال: «رأيت رجالًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبُون إذا توضَّؤوا وضوءهم للصلاة» إسناد صحيح (٣)، ولأنَّ الوضوء يخفِّف حدَثَه، فيزول بعضُ ما منعه. وعنه: لا؛ وِفاقًا (٤)؛ للآية، ولقوله ﷺ : «لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا

стр. 331

جنب» رواه أبو داود من حديث عائشة ﵂، والأكثر يضعِّفه (١). وفي «الرعاية» روايةٌ: يجوز لجنب مطلقًا. وفيه وجه: لا يجوز لحائض ونُفَساء؛ لأنَّ حدَثَهما باقٍ لا أثر للوضوء فيه. فإن لم ينقطع الدَّم لم يجز، نصَّ عليه (٢). وإن تعذَّر واحتاج فبدونه، نصَّ عليه (٣)، وكمستحاضة ونحوها. وعند أبي المعالي والمؤلِّف: أنَّه يجوز بتيمُّم، وهو قول عليٍّ وابن عبَّاس (٤)؛ كلُبثِه لغسله فيه.

стр. 332

فرع: يُمنع مَنْ عليه نجاسةٌ تَتَعدَّى، وهو ظاهِرُ قول القاضي في اللبث. قال بعضُهم: يتيمَّم لها للعذر، وهو ضعيف. فرع: إذا كان الماء في المسجد؛ جاز دخوله بلا تيمُّم، وإن أراد اللُّبث فيه للاغتسال تيمم. قال ابن تميم: وفيه بُعْدٌ. وقال أبو علي العُكْبري: هذه المسألة سألها أبو يوسفَ لمالكٍ، فجوَّز الدخولَ بغير تيمُّم.

стр. 333

(فَصْلٌ) (وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا)، وكذا في «المحرر»: (لِلْجُمُعَةِ)؛ لما روى الحسن عن سمرة بن جندب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وإسناده جيِّد إلى الحسن، واختلف في سماعه منه، ونقل الأثرم عن أحمد: (لا يصحُّ سماعه منه) (١)، ويعضُده حديثُ عائشةَ (٢). ويكون في يومها لحاضرها إن صلَّى (٣)، ويستثنى منه المرأة، وقيل: ولها. وعنه: يجب على من تلزمه (٤)، ولا يُشترط؛ لما روى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «غسل الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلِم» متَّفَقٌ عليه (٥)، ويعضُده حديث ابن عمر: أنَّه ﵇ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٦). والأصحُّ الأوَّل، والأمر به محمول على الاستحباب، بدليل: «أنَّ عثمان ﵁ أتى الجمعة بغير غُسل» (٧).

стр. 334

وقوله: «واجب»؛ قيل (١): كان واجبًا، ثمَّ نسخ. وقيل: يُطْلَق ويراد به: متأكِّد الاستحباب؛ كما تقول: حقُّك واجب عليَّ، وبدليل ما عطف عليه. وهو آكدها على الأشهر. (وَالْعِيدَيْنِ)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يغتسل لذلك» رواه ابن ماجَهْ من طريقين، وفيهما ضعف (٢)، ولأنَّها صلاةٌ شُرط لها الجماعة، أشبهت الجمعة. وهو مقيَّد بما إذا حضرها وصلَّى، ولو منفردًا، وقاله جماعةٌ. وفي «التلخيص»: إن حضر ولو لم يصلِّ. ومثله الزِّينة والطِّيب؛ لأنَّه يوم الزينة بخلاف الجمعة. ووقْتُه كالجمعة. وعنه: بعد نصف ليلته، وقال أبو المعالي: في جميعها أو بعد نصفها كالأذان. قال ابن عقيل: المنصوص عن أحمد: أنَّه قبل الفجر وبعده؛ لأنَّ زمن العيد أضيق من الجمعة. (وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ) في الأصحِّ؛ لأنَّ ذلك عبادة يجتمع لها الناس كالجمعة. (وَمِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ) على الأصحِّ؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من غسل ميِّتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ» رواه أحمد وأبو داود

стр. 335

والتِّرمذي، وصحَّح جماعةٌ وقفَه عليه (١)، وعن عليٍّ نحوه (٢)، وهو محمول على الاستحباب، بدليل: «أنَّ أسماء غسَّلت أبا بكر، وسألت: هل عليَّ غسلٌ؟ قالوا: لا» رواه مالك مرسلًا (٣). والثَّانية: يجب مطلقًا، واختاره جماعة من العلماء، منهم: أبو إسحاق الجُوزَجانِيُّ. وعنه: من كافر؛ لأنَّه ﵇ أمر عليًّا أن يواري أبا طالب، فلما رجع قال: «اغتسل» رواه أحمد (٤).

стр. 336

وعنه: حتَّى الحي، قاله القاضي، وفي «المغني»: (لا نعلم لقائل هذا القولِ حُجَّةً مُوجِبَةً (١)، وأهل العلم على خلافه). وفيه وجه: لا يستحبُّ مطلقًا، قال أحمد وابن المَدِينِيِّ: (لا يَثبُت فيه شيء) (٢). (وَالْمَجْنُونِ، والمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ)، بغير خلاف نعلمه، قال ابن المنذر (٣): (ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ اغتسل من الإغماء) متَّفق عليه من حديث عائشة (٤)، وليس بواجب. والجُنونُ في معناه بل أولى؛ لأنَّ زوال العقل في نفسه لا يوجبه؛ كالنَّوم، ووجودُ الإنزال مشكوكٌ فيه، فلا يزال عن اليقين وإن وجد معه بلَّة على المعروف من المذهب قاله الزَّرْكشي؛ لأنَّه يحتمل أن يكون لغير شهوة أو مرض. فإن (٥) تيقَّن معهما الإنزال؛ وجب؛ لأنَّه من جملة الموجبات؛ كالنَّائم. وعنه: يجب مطلقًا؛ لأنَّ الأصل من أفعاله ﵇ الوجوب، وتكرَّر - مع مشقَّتِه - ولم يَتركْه. (وَغَسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لما رُوي: «أنَّ أمَّ حَبِيبة ﵂ استُحِيضَتْ، فسألت النَّبيَّ ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل (٦) عند كلِّ صلاة» متَّفق عليه (٧)، ففهِمتْ مِنْ الأمرِ به؛ الاغتسالَ لكلِّ صلاة،

стр. 337

وفي غير الصَّحيح: «أنَّه أمرها به لكلِّ صلاة»، وعن عائشة: أنَّ زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «اغتسلي لكلِّ صلاة» رواه أبو داود (١)، وليس بواجب؛ لأنَّه لو كان واجبًا لبيَّنه. وعنه: بلى؛ لأمره ﵇ زينبَ وأختَها به، وهو قولُ طائفةٍ من الصَّحابة والتابعين (٢)، وهو أشدُّ ما قيل فيها، وذكر ابن أبي موسى: أنَّ انقطاع دم الاستحاضة يوجب الغسل. (وَالْغُسْلُ لِلْإحْرَامِ)؛ لما روى زيد بن ثابت: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تجرَّد لإهلاله، واغتَسل» رواه التِّرمذي وحسَّنه، لكنَّه من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو مُتكلَّم فيه (٣).

стр. 338

وسواء كان بحجٍّ أو عمرة أو بهما، وظاهره: ولو مع حيض أو نفاس، «لأنَّ أسماء نُفِست بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتُهلَّ» رواه مسلم من حديث عائشة (١). لا يقال: أمرها به لأجل النِّفاس، فلا ينتهِض دليلًا؛ لأنَّ حدث النِّفاس مستمر، والغسل لا يؤثِّر فيه، فتعيَّن (٢) ما قلنا. (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ)؛ أي: حَرَمِها؛ «لفعله ﵇» متَّفَقٌ عليه من حديث ابن عمر، وكان يفعله (٣)، ولو مع حيض، قاله في «المستوعب». واختار الشَّيخ تقي الدِّين: لا (٤). (وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر (٥)، ورواه الشافعي عن عليٍّ، ورواه ابن ماجه مرفوعًا (٦).

стр. 339

(وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ)؛ لأنَّها مواضِعُ (١) يجتمع لها (٢) النَّاس ويزدحمون، فيَعْرَقون (٣)، فيؤذِي بعضُهم بعضًا به، فاستُحبَّ كالجمعة، وهو شامل لطواف الزيارة والوداع. وظاهره: أنَّه لا يستحبُّ لغير ذلك، ولكن نقل صالح عن أبيه: أنَّه يستحبُّ لدخول الحرم (٤). وفي «مَنْسَك ابنِ الزَّاغُونِيّ»: ولِسَعْيٍ (٥). وفيه وفي «الإشارة» و «المذهب»: وليالي منًى. وعنه: ولحجامة، ونصَّ أحمد: ولزيارة قبر النَّبيِّ ﷺ (٦). وقيل: ولكلِّ اجتماع مستحب، قال في «الرعاية»: في قياس المذهب. فرع: يَتيمَّمُ للكلِّ في الأصحِّ؛ لحاجة، نقله صالِحٌ في الإحرام (٧)، ولِما يسنُّ الوضوء له لعذر، وظاهر ما قدَّمه في «الرعاية»: لا لغير العذر (٨).

стр. 340

(فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ) لمَّا تمَّم الكلام على الواجب والمستحَبِّ؛ شرع في بيان صفته، والعلم بالموصوف متقدِّم (١) على العلم بالصفة. (وَهُوَ (٢) ضَرْبَانِ): (كَامِلٌ)، سُمِّي كامِلًا لاشتماله على الواجبات والسنن، (يَأْتِي فِيهِ بِعَشْرَةِ أَشْيَاءَ)، وكذا في «المحرر» و «الوجيز»، وجعلها في «الكافي» تسعةً، وفيه حديث عائشةَ وميمونةَ متَّفق عليهما (٣): (النِّيَّةِ)، وهو أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة ما لا يشرع إلا (٤) به؛ كقراءة القرآن ونحوها. (والتَّسْمِيَةِ)، قال أصحابنا: هي هنا كالوضوء؛ قياسًا لإحدى الطَّهارتين على الأخرى. وفي «المغني»: (أنَّ حكمها هنا أخف؛ لأنَّ حديث التَّسمية إنَّما (٥) تناول بصريحه الوضوء لا غيرُ) انتهى. ويتوجَّه عكسه؛ لأنَّ غسل الجنابة وضوء وزيادة، ولم يذكرها الخِرَقِيُّ هنا (٦)؛ نَظَرًا للحدَثين.

стр. 341

(وَغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا)؛ كما في الوضوء، لكن هنا آكَدُ باعتبار رفع الحدث عنهما بذلك، ولفعله ﵇ في حديث ميمونة: «فغسل (١) كفَّيه مرَّتين أو ثلاثًا»، ويكون قبل إدخالهما الإناءَ، ذكره في «الكافي» وغيره. (وَغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أَذًى)؛ لحديث عائشة: «ثمَّ يُفرِغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه»، وظاهره: لا فرق بين أن يكون على فرجِه أو بقيَّةِ بدنِه، نجسًا كان - كما صرَّح به في «المحرر» - أو طاهِرًا مُستقْذَرًا؛ كالمَنِيِّ كما ذكره بعضهم، وهو المراد بقوله في «الوجيز» و «الفروع»: وغَسْل ما لوَّثَه. (وَالْوُضُوءِ) الكامِلِ؛ لقوله ﵇: «ثم يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة». وعنه: يؤخِّر غَسل رجليه؛ لحديث ميمونة: «ثم تنحَّى عن مقامه فغسل رجليه». وعنه: هما سواء؛ لمجيء السُّنَّة بهما. والعمل على الأوَّل؛ لحديث عائشة؛ لأنَّه (٢) إخبار عن غالب فعله، وميمونة أخبرت عن غسل واحد. (وَيَحْثِي)، يقال: حَثَوْت، أحثو حثوًا؛ كغزوت (٣)، وحَثَيْتُ أحثي (٤) حثيًا؛ كرميت، (بِالْمَاءِ (٥) عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) (٦)؛ لقول ميمونة: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حَثَيات»، (يُرَوِّي بِهَا) في كلِّ مرَّة (أُصُولَ الشَّعْرِ)؛ لقول عائشة: «ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إذا رأى أنه قد استبرأ؛ حفن على رأسه ثلاث حفنات»، ولقوله ﵇: «تحت كلِّ شعرة

стр. 342

جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» رواه أبو داود (١). (وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا)؛ لقول (٢) عائشة ﵂: «ثُمَّ أفاض على سائر جسده»، ولقول ميمونة ﵂: «ثمَّ غسل سائر جسده». وما ذكره من التَّثليث فيه هو الصَّحيح، وجزم به في «المحرر» و «الوجيز»، وقيل: مرَّة، ولم يرجِّح في «الفروع» شيئًا (٣). (وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ)؛ لأنَّه ﵇ «كان يعجبه التَّيمُّنُ في طُهوره» (٤). (وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ)؛ لأنَّه أنقى، وبه يتيقَّن (٥) وصول الماء إلى مغابِنه وجميعِ بدنِه، وبه يخرج من الخلاف. (وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ) فيُعيد (غَسْلَ قَدَمَيْهِ)؛ لقول ميمونة: «ثمَّ تنحَّى عن مقامه فغسل رجليه». وقيل: لا يعيد غَسلهما إلَّا لطين ونحوه كالوضوء. وعنه: يخيَّر؛ لورودهما. وظاهر إحدى روايات حديث عائشة: أنَّه جمع بينهما، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، قاله الزَّرْكشي. فرع: يُستحَبُّ أن يخلِّل أصول شعر رأسِه ولحيتِه بماءٍ قبلَ إفاضتِه عليه، قاله في «المغني» و «الشَّرح». ويكفي ظنُّ وصول الماء إلى ما يجِب غَسلُه أو مَسحُه. قال بعضهم: ويحرِّك خاتَمه؛ ليَتيقَّن وصولَ الماء.

стр. 343

(وَمُجْزِئٌ)؛ أي: كافٍ (وَهُوَ: أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى)، ظاهره يقتضي أنَّ صحَّة الغسل متوقِّف على الحكم بزوال النَّجاسة، سواء كانت على فرجه أو غيره، وهو ظاهر «المستوعب»، وقد تَبِعا أبا الخطاب، لكن عبارته أبْيَنُ؛ فإنَّه قال: (يغسل فرجَه، ثمَّ ينوي)، وكذا قال ابن عبدوس. ومنهم من حمل كلامهما على ما قال أبو الخطاب، ويكون المراد به الاستنجاء بشرط تقدُّمه على الغسل كما هو في الوضوء، لكن قال الزَّرْكشي: (يُشكل هذا على المؤلِّف؛ فإنَّه اختار (١) ثَمَّ أنَّه لا يجب تقديم الاستنجاء، وعلى الخِرَقي؛ بأنَّه لا بدَّ من تقدُّمه (٢). وظاهر المذهب: أنَّه لا يشترط ذلك في المجزئ، فعلى هذا يرتفع الحدث مع بقاء النَّجاسة، وصرَّح به ابن عقيل، وهو المشهور، ونصَّ أحمد: أنَّ الحدَث لا يرتفع إلَّا مع آخر غسلة طهَّرت المحلَّ (٣)، فيعضُد الأول. ثمَّ هل يرتفع الحدث مع بقاء النَّجاسة، أو لا يرتفع إلَّا مع الحكم بزوالها؟ فيه قولان. ثمَّ محلُّهما ما لم تكن النَّجاسة (٤) كثيفةً تمنَع وصولَ الماء، فإن منَعتْه فلا. (وَيَنْوِيَ)؛ أي: يقصِد رفعَ الحدث، أو استباحَة (٥) أمرٍ لا يباح إلَّا بهما؛ كمسِّ المصحف. (وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]، ولما روى جابر: أنَّ ناسًا قدموا على النَّبيِّ ﷺ ، فسألوا عن غسل

стр. 344

الجنابة، وقالوا (١): إنَّا بأرضٍ بارِدةٍ، فقال: «إنَّما يكفي أحدكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات» رواه مسلم (٢). وظاهره: الاجتزاء (٣) بالتَّطهير والاغتسال من غير وضوء. والمراد بتعميمه: أن يغسل الظَّاهرَ جميعَه، وما في حكمه من غير ضرر؛ كالفم والأنف، وتركهما هنا اعتمادًا على ما سبق، وصرَّح به الخِرَقي، وأن يغسل البَشَرة التي تحت الشُّعور؛ كالرَّأس واللِّحية وإن كانت كثَّة. وذكر الدِّينَوَرِيُّ: أنَّ باطن اللِّحية الكثَّة في الجنابة كالوضوء. ويجب غسل الشعر ظاهره وباطنه، مع مسترسِله في ظاهر قول أصحابنا. والثَّانية: لا يجب غسل المسترسِل (٤)، ورجَّحه في «المغني» و «الشرح» (٥). فعلى الأوَّل: إن ترك غَسل شيءٍ منه؛ لم يتمَّ غُسله، فلو غَسَله ثمَّ تقطَّع؛ لم يجب غَسل موضِع القَطع. ولم يتعرَّض المؤلِّف لنقض الشَّعْر، والمنصوص: أنَّه يجب نقضه في الحيض (٦)، قال في «الشرح»: روايةً واحدة؛ لقول عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها - وكانت حائضًا -: «انقضي شعرك، واغتسلي» رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ (٧)، وعن أمِّ سلمة ﵂ نحوه، رواه مسلم (٨)؛ لأنَّ مدَّة الحيض

стр. 345

تطول فيتلبَّد، فشُرِع النَّقض طريقًا موصلًا إلى وصول الماء إلى أصول الشَّعر، ولا يتكرَّر، بخلاف الجنابة. وعنه: لا يجب كالجنابة، وصحَّحه في «المغني» و «الشرح»، واختاره ابن عبدوس وابن عَقِيل في «التذكرة»، وروى مسلم من رواية عبد الرزاق عن أم سلمة: أفأنقُضه من الحيض والجنابة؟ قال: «لا» (١). وفيه وجه: يجب كالحيض، وقيَّده ابن الزاغوني بما إذا طال وتلبَّد. والنُّفَساء كالحائض. أمَّا إذا كان على رأس إحداهنَّ ما يمنع وصول الماء؛ كالسِّدر ونحوه؛ وجب نقضه. والرَّجل كالمرأة، ذكره في «المغني». وكذا يجب غسل حَشَفَة الأقلف إذا أمكن تشميرها، كما يجب تطهيرها من النَّجاسة، بخلاف المُرْتَتق (٢). وكذا ما يظهر من فرجها عند قعودها لحاجتها؛ لأنَّه يمكن تطهيره (٣) من غير ضرر؛ كحشفة الأقلف. ونصَّ أحمد: أنَّه لا يجب غسله مطلقًا (٤)؛ لأنَّه من الباطن أشبه الحلقوم،

стр. 346

وكذلك (١) يثبت الفطر بحصول الحشفة فيه، لكن حمله القاضي على ما عَمُق منه. وظاهره: أنَّه لا تسمية (٢)، وقد تقدَّمت. ولا ترتيب، وهو كذلك اتِّفاقًا، قال أحمد: (إذا انغمس الجنب مرَّةً واحدةً، ثمَّ تمضمض واستنشق أجزأه) (٣)، بخلاف المحدث. ولا موالاة على الأصحِّ؛ للحاجة إلى تفريقه كثيرًا، ولكثرة المشقَّة بإعادته، ولخبر اللُّمعة (٤)، وحيث فاتت الموالاة فيه أو في وضوء، وقلنا: يجوز؛ فلا بدَّ للإتمام من نيَّةٍ مستأنَفةٍ؛ بناءً على أنَّ مِنْ شرط النِّيَّة الحُكْمِيَّة قُرْبَ الفعلِ منها، كحالة (٥) الاِبتداء، فدلَّ على الخلاف. ولا دلْكَ، وقد أوجبه م (٦) حيث يناله (٧)؛ لأنَّه لا يقال: اغتسل إلَّا لمن دلك نفسه، ولأنَّها طهارةٌ عن حدث، فوجب فيها إمرارُ اليدِ كالتَّيمُّم. مع أنَّ أحمد قال في رواية أبي داود، وسأله رجل عن إمرار اليد فقال: (إذا اغتسل بماءٍ باردٍ في الشتاء أمرَّ يده؛ لأنَّ الماء ينزلِق عن البدن في الشتاء) (٨). والجواب عن التَّيمُّم: بأنَّه (٩) أمرنا بالمسح، ويتعذَّر في الغالب إمرار التراب بغير اليد.

стр. 347

فإن عُلم أنَّ الماء لم يصل إلى محلِّه؛ فيجب؛ كباطِن الشُّعور الكثيفة. تذنيب: يُستحبُّ السِّدر في غسل الحيض، وظاهر نقل الميموني وكلام ابن عقيل: يجب (١)، وأن تأخذ (٢) مِسكًا فتجعله في قُطنة أو شيء وتجعلُها في فرجها بعد غسلها، فإن لم تجد فَطِيبًا (٣)، فإن لم يكن فطِينًا (٤)، ولم يذكره المؤلف، ليقطع الرائحة. وقال أحمد: (غسل حائِض ونُفَساءَ كَمَيِّتٍ) (٥)، قال القاضي في «الجامع»: (معناه: يجب مرَّةً، ويُستَحبُّ ثلاثًا، ويكون السِّدر والطِّيب؛ كغسل الميِّت). (وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ)، وهو رطل وثلث عراقي، وبالدَّراهم: مائة وأحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم. (وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ)، وهو أربعةُ أمْداد، فيكون خمسة أرطال وثُلُثًا بالعراقي، نصَّ عليه (٦)؛ لما رَوى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتوضَّأ بالمد، ويغتسل بالصاع» متَّفق عليه (٧)، وقال لكعب: «أطعم ستَّة مساكين فَرَقًا من طعام» (٨). قال أبو عبيد: (لا اختلاف بين النَّاس أعلَمُه أنَّ الفَرَق ثلاثةُ آصُعٍ)، والفَرق: ستَّةَ عشَرَ رطلًا بالعراقي.

стр. 348

وأوْمَأَ أحمد في رواية ابن مَشِيشٍ (١): أنَّه ثمانيةُ أرطال من الماء (٢)، اختاره في «الخلاف» و «مُنتهى الغاية»، لا مطلقًا هـ (٣). تنبيه: الرّطل العراقي: مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو تسعون مثقالًا، والمِثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، هكذا كان قديمًا. ثمَّ إنَّهم زادوا فيه مثقالاً فجعلوه أحدًا وتسعين مثقالًا، وكمل مائة وثلاثين درهمًا، وقصدوا بذلك زوال الكسر. والعمل على الأوَّل؛ لأنَّه الذي كان وقت تقدير العلماء المد به، وهو بالدمشقي: ثلاثة أواق وثلاثة أسباع أوقية، والصاع: رطل وأوقية وخمسة أسباع أوقية (٤)، وإن شئت: رطل وسبع رطل. (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا؛ أَجْزَأَهُ) في المنصوص (٥)؛ لحديث عائشة، قالت: «كنت أغتسل أنا والنَّبيُّ ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» رواه مسلم (٦). وفي كراهته وجهان. وذكر ابن تميم: أنَّ أحمد أوْمَأَ إلى عدَم الإجزاء؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يجزئ من الوضوء المُدُّ، ومن الغُسل الصَّاع» رواه أحمد

стр. 349

والأثرم (١)، فدلَّ على أنَّه لا يحصل الإجزاء بدونه. وجوابه: أنَّ الله تعالى أمر بالغسل، وقد أتى به، فوجب أن يجزئه، بدليل حديث عائشة، وبما (٢) روت أمُّ عمارة بنت كعب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، فأُتي بماء في إناء قدر ثُلثي المد» رواه أبو داود والنَّسائي (٣)، وحديثهم يدلُّ بمفهومه، وهذا بالمنطوق، وهو مقدَّم عليه اتِّفاقًا. مسألة: إذا زاد على ذلك جاز، لكن يكره الإسراف والزيادة الكثيرة فيه، قاله في «المغني» و «الشرح»؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على سعد وهو يتوضَّأ، فقال: «ما هذا السَّرف؟» فقال: أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ» رواه ابن ماجه (٤). (وَإذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ)، وقال الأَزَجي والشَّيخ تقيُّ الدِّين: أو الأكبر (٥)؛ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) على المنصوص (٦)، ولم يلزمه ترتيب، ولا موالاة؛ لأنَّ الله تعالى أمر الجنب بالتَّطهير، ولم يأمر معه بوضوء، ولأنَّهما عبادتان، فتداخلا في الفعل دون النِّيَّة، كما تدخل العمرة في الحج، ولا يرِد غُسل الحائض الجنب؛ لأنَّ موجِبهما واحدٌ.

стр. 350

(وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) عن الأصغر (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قبل الغسل أو بعده؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ لمَّا اغتسل (١)، وفعله يفسِّر (٢) الآية، ولأنَّهما عبادتان مختَلِفَتا القدر والصفة، فلم تتداخلا؛ كالحدود والكفَّارات. وقال أبو بكر: يتداخلان إذا أتى بخصائص الصُّغرى، وهي (٣) الترتيب، والموالاة، والمسح، فلو غسل وجهه، ثمَّ يديه، ثمَّ مسح رأسه حين أفاض عليه الماء، ثمَّ غسل رجليه؛ أجزأه. والأوَّل أصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، فجعل الاغتسال نهاية المنع من الصَّلاة، فيجب إذا اغتسل تجوز له الصَّلاة. لا يقال: النَّهي هنا عن قُرْبان مواضع الصَّلاة، وذلك يزول بالاغتسال؛ لأنَّا نقول: هو نهي عن الصَّلاة، وعن مسجدها. ولا يجوز حمله على المسجد فقط؛ لأنَّ سبب نزول الآية صلاة من صلَّى بهم، وخلط في القراءة، وسبب النزول يجب أن يكون داخلاً في الكلام. وسئل جابر: أيتوضَّأ الجنبُ بعد الغسل؟ قال: «لا»، وعن ابن عمر نحوه، رواهما سعيد (٤).

стр. 351

فإن نوى أحدهما؛ ارتفع وحدَه. وعلى الأول: لو نوى رفع الحدث، أو استباحة الصَّلاة، أو أمرًا لا يباح إلَّا بوضوء واغتسل؛ ارتفعا، وظاهِر كلامِ جماعةٍ عكسُه؛ كالثَّانية. قال ابن حامد: الجنابة المجرَّدة عن حدث قبلَها أو بعدَها لا يجب سوى الغسل، ذكره ابن عبد البَرِّ إجماعًا (١). وذكر في «الشرح»: لو اغتسل إلَّا أعضاء الوضوء؛ لم يجب الترتيب فيها؛ لأنَّ حكم الجنابة باقٍ. وقال ابن عَقيل والآمِدِي فيمن غَسل جميع بدنه إلَّا رجليه، ثمَّ أحدث: يجب الترتيب في الأعضاء الثلاثة؛ لاِنفرادِها في الأصغر، دون الرِّجلين؛ لبقاء حدث الجنابة عليهما، فيغسلهما عن الجنابة، ثمَّ يتوضَّأ في بقية أعضائه. وإن نوت من انقطع حيضها بغُسلها حِلَّ الوطء؛ صحَّ. وقيل: لا؛ لأنَّها إنَّما نوت ما يوجِب الغُسل، وهو الوطء، ذكره أبو المعالي. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ) ولو أنثى، وحائض ونفساء بعد انقطاع الدم، (إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ) أو الشرب أو (الْوَطْءَ (٢): أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ)؛ لإزالة ما عليه من الأذى، (وَيَتَوَضَّأَ)؛ رُوي ذلك عن عليٍّ (٣) وابنِ عُمرَ ﵄ (٤).

стр. 352

أمَّا كونه يستحبُّ بالنَّوم؛ فلما روى ابن عمر: أنَّ عمر قال: يا رسول الله! أيرقد أحدُنا وهو جنبٌ؟ قال: «نعم إذا توضَّأ فليرقد (١)» (٢)، وعن عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب (٣)؛ غسل فرجه، وتوضَّأ وضوءه للصلاة» متَّفق عليهما (٤). وفي كلام أحمد ما يقتضي وجوبَه، قاله (٥) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦). والأصحُّ خلافه؛ لما روت عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ ينام وهو جنب، ولا يَمَسُّ ماءً» رواه الخمسة، قال يزيد بن هارون: (هذا الحديث وهَم)، وضعَّفه أحمد وغيره، وصحَّحه آخرون (٧)، فيحمل على الجواز، والأوَّلان على الاستحباب؛ للجمع، ويكره تركه في الأصحِّ. وأمَّا كونه يستحَبُّ للأكل والشرب؛ فلما روت عائشة قالت: «رخَّص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة» رواه أحمد بإسناد صحيح (٨).

стр. 353

وعنه: يَغسِل يديه، ويتمضمض. وأمَّا كونه يستحبُّ لمعاودة الوطء (١) وفاقٌ (٢)؛ لما روى أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله، ثمَّ أراد أن يعاود (٣)؛ فليتوضَّأ بينهما وضوءًا» رواه مسلم، ورواه ابن خزيمة والحاكم، وزاد: «فإنَّه أنْشط للعَوْد» (٤)، ولا يكره تركه في المنصوص (٥). وغسله عند كلِّ مرَّة أفضل. وعنه: أنَّ ذلك خاصٌّ بالرَّجل؛ لأنَّ عائشة أخبرت عنه (٦) بالوضوء، ولم تذكر أنَّها كانت تفعله، ولا أمرها به مع اشتراكهما في الجنابة. ومن أحدث بعده؛ لم يُعِدْه في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفَّة الحدَث أو بالنَّشاط، (وظاهر كلام شيخنا (٧): يتوضَّأ؛ لمبيته على إحدى الطهارتين) قاله (٨) في «الفروع».

стр. 354

مسائل: الأولى: كرِه أحمد بناء الحمَّام، وبيعَه، وإجارتَه، قال (١): من بنى حمَّامًا للنِّساء ليس بعدل (٢)، وحرمه (٣) القاضي، وحمله الشَّيخ تقيُّ الدِّين على غير البلاد الباردة (٤). ويُكره كسب الحمَّامي، وفي «نهاية» الأزَجي: الصَّحيح: لَا. الثَّانية: له دخوله بشرط أن يَستُر عورتَه، ويغُضَّ بصرَه عن عوراتِهم، ولا يمسَّ عورة أحد، ولا يُمكِّنَ أحدًا من مسِّ عورته، وقال ابن البنَّاء: يكره، وجزم به في «الغنية»، واحتجَّ: بأنَّ أحمد لم يدخله لخوف وقوعه في محرَّم، وإن علمه (٥) حرم. وفي «التلخيص» و «الرعاية»: له دخوله مع ظنِّ السَّلامة غالبًا، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (الأفضل تجنُّبها بكلِّ حال مع الاستِغناء عنها؛ لأنَّها ممَّا أحدث النَّاس من رقيق العيش) (٦). الثالثة: للمرأة دخوله لعذر، وإلَّا حرُم، نصَّ عليه (٧)، وكرهه بدونه جماعة، وفي «عيون المسائل»: لا يجوز لها دخوله إلَّا من علَّة يصلحها الحمَّام. واعتبر القاضي والمؤلِّف مع العذر: تعذُّر غُسلها في بيتها لخوف ضرر ونحوه، وظاهر كلام أحمد وجماعة خلافه.

стр. 355

وقيل: اعتياد دخولها عذرٌ؛ للمشقَّة. وقيل: ولا تتجرَّد، فتدخله في قميص خفيف، وأومأ إليه (١). الرابعة: ثمن الماء؛ على الزوج، أو عليها، أو ماء الجنابة عليه فقط، أو عكسه؟ فيه أوجه، وماء الوضوء كالجنابة، ذكره أبو المعالي. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: يلزم السَّيِّد شراء ذلك لرقيقه، ولا يتيمَّم في الأصحِّ. الخامسة: تُكره القراءة فيه في المنصوص، ونقل صالح: لا يعجبني (٢)؛ لنهي عمر عنه، رواه ابن بطَّة (٣)، وظاهره (٤): ولو خفض صوته، وذكر ابن عبد البَرِّ قال: سئل مالك عن القراءة فيه، فقال: (القراءة بكلِّ مكان حسن، وليس الحمَّام بموضع قراءة، فمن قرأ الآيات فلا بأس) (٥).
следующие страницы →