Полный текст (3 296 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الكتاب: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة
المؤلف: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)
أصل التحقيق: رسائل ماجستير، كلية الحديث الشريف، بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
جـ ١: عبد المعطي بن عبد الرزاق البكور
جـ ٢: حسام الدين بن أمين حمدان
جـ ٣: إحسان الله بن عبد الوهاب مبارز البدخشي
جـ ٤: عبد المولى عبد السلام سالم الهاشمي
جـ ٥: سفيان بن فؤاد باسويدان
الناشر: مكتبة الميمنة المدنية (المدينة النبوية)، دار الميمنة للنشر والتوزيع (سورية - دمشق)
الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٧ م
стр. 2
أصل هذا التحقيق
رسالة علمية نوقشت في قسم علوم الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
بتقدير: ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى
أشرف عليها: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الصمد بن بكر آل عابد
وناقشها
فضيلة الأستاذ الدكتور: عبد الله بن محمد حسن دمفو
وفضيلة الدكتور: عبد الباري بن حمّاد الأنصاري
стр. 3
مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيِّئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ.
وبعدُ، فإنَّ الله أرسلَ محمدًا ﷺ إلى الناسِ كافَّةً، وأنزل عليه الكتابِ تبيانًا لكلِّ شيءٍ؛ فقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فكان رسولُ اللهِ ﷺ هو المبينَ عن اللهِ أمرَه، وعن كتابِه معانيَ ما خوطبَ به الناسُ وما أرادَ الله به، وما شرع من معاني دينِه وأحكامِه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤].
стр. 4
فكان السبيلُ إلى معرفةِ معاني كتابِ اللهِ ومعالمِ دينِه: الآثارَ الصحيحةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وعن أصحابِه الذين شهدوا التنزيلَ وعرفوا التأويلَ، رضي الله تعالى عنهم أجمعينَ.
ولأجلِ هذا حرص أهلُ العلمِ على تمييزِ صحيحِ الأخبارِ من سقيمِها، وتخليصِها مما دخلَ فيها وليس منها، لا سيَّما وقد راجت على ألسنةِ كثيرٍ من الناسِ أخبارٌ واهيةٌ ومكذوبةٌ، نُسِبَت إلى رسولِ اللهِ ﷺ وإلى أصحابِه ﵃.
فقيَّض الله لهذا الشأن أهلًا يذبُّون عن دينه وشرعه، وقام أهل الحديث يذودون عن حياض سنة سيد المرسلين ﷺ ، فوضعوا المصنفاتِ لنفي الدخيلِ عن السُّنَّةِ، مما اشتَهَرَ من الأخبارِ على الأَلسِنَةِ.
ومن أجمعِ ما صُنِّفَ في هذا البابِ كتابُ الحافظِ السَّخَاويِّ ﵀، الموسومُ بـ "المقاصد الحسنةِ في بيانِ كثيرٍ من الأحاديثِ المشتهِرةِ على الألسِنةِ".
ولأهميَّةِ هذا الكتابِ ومكانةِ مصنِّفِه العلميَّةِ فقد قمنا بتحقيقه في مجموعةٍ من رسائل العالمية (الماجستير)، بقسم علوم الحديث، في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية.
وقد أُجيزت جميع هذه الرسائل -بحمد الله وتوفيقه- بتقدير (ممتاز، مع مرتبة الشرف الأولى)، والحمد لله أولًا وآخرًا.
ثم الشكرُ موصولٌ للقائمين على هذه الجامعة المباركة، التي ما برحت تبثُّ العلم في شتى بقاع الأرض، فبارك الله في أعمالهم وأعمارهم، وسدَّد على طريق الخير والحق خطاهم.
ونتوجه بالشكر الجزيل والعرفان بالجميل إلى كلِّ من أسدى إلينا يدًا في عملنا هذا، وأعاننا بقليلٍ أو كثيرٍ، ونخصُّ بالذكر أصحاب الفضيلة المشايخ المشرفين على هذه الرسائل:
الشيخ: د. عبد الصمد بن بكر آل عابد.
والشيخ: أ. د. عبد الرحيم بن أحمد القشقري.
стр. 5
والشيخ: د. إبراهيم بن محمد نور بن سيف.
فجزاهم الله عنا خيرًا، وأجزل لهم الثواب، وبارك في أعمارهم وأعمالهم، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وختم لهم بالخير والتوفيق.
واللهَ نسأل أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله منا، وينفع به الإسلام والمسلمين.
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 6
تمهيد
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بالمشهور وبيان أقسامه.
المبحث الثاني: المصنفات في الأحاديث المشتهرة.
стр. 7
المبحث الأول: التعريف بالمشهور وبيان أقسامه
تعريف المشهور لغة:
(المشهور) اسم مفعول من شَهَر الشَّيءَ، يَشهَرَه، إذا أظهره (١)، وشهرتُ الحديث إذا أفشيته، فاشتَهَر (٢). فالشُّهرةُ: ظهور الشيء ووُضوحه (٣).
وسمي الحديث بذلك لوضوحه (٤).
تعريف المشهور اصطلاحًا:
وأما الحديثُ المشهورُ في لسانِ المحدثينَ فإنه يُطلَقُ على معنَيَينِ:
الأول: وهو أشهرُ ذَينِكَ المعنَيينِ وأكثرُهما إطلاقًا وأوسعهما استعمالًا: وهو "ما شاع بين الناس واشتهر على الألسنة".
قال البرهانُ الجَعبَريُّ (٧٣٢ هـ): "المشهورُ: الشائعُ عندَ الناسِ أو المحدِّثينَ أو الفقهاءِ أو الأصوليينَ" (٥).
_________
(١) انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" (٤/ ١٢٦).
(٢) انظر: "المصباح المنير" للفيومي (ص ٤٤٥).
(٣) كذا أطلقه الجوهري في "الصحاح" (ص ٧٠٥) وابن فارس في "مقاييس اللغة" (٣/ ٢٢٢). وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" (٦/ ٨٠) وابن سيده في "المحكم" (٤/ ١٣٢)، وابن الأثير في "النهاية" (١/ ٩٠٢) وغيرهم: "الشهرة: ظهور الشيء في شُنْعَةٍ، حتى يشهره الناس". اهـ.
(٤) انظر: "نزهة النظر" (ص ٤٦)، و"فتح المغيث" (٣/ ٣٨٩).
(٥) "رسوم التحديث" (ص ٧٩)، وهو أول من وقفنا عليه عرَّفَ (المشهور) بهذا المعنى تعريفًا صريحًا، وكلُّ من قبله يحومون حول هذا المعنى، لكنهم لم يصرحوا به. والله أعلم.
стр. 8
وقال الحافظ: "المشهور يطلَقُ … على ما اشتَهَرَ على الألسِنَةِ" (١).
وقال السخاويُّ: "كذلك المشهور أيضًا يقعُ على ما اشتَهَرَ على الألسنةِ، فيشملُ ما لَهُ إسنادٌ واحدٌ فصاعدًا، بل ما لا يوجدُ له إسناد أصلًا" (٢).
وقال السيوطي نحوًا كلامه في "التدريب" (٣).
وقال في "الألفية" (٤):
ويطلَقُ المشهورُ لِلَّذي اشتَهَرْ … في الناسِ مِن غيرِ شروطٍ تُعتَبَرْ
وفي كلام المتقدمين ما يشعر باستعمالهم لفظ "المشهور" بهذا المعنى:
قال الحاكم في "نوع: معرفة المشهور من الحديث" بعد أن ذكر أحاديثَ مشهورةً: "فهذه الأنواعُ التي ذكرنا من المشهورةِ التي يعرفُها أهل العلمِ، وقلَّ ما يخفى ذلك عليهِم، وهو المشهورُ الذي يستوي في معرفته الخاصُّ والعامُّ" (٥).
ويُشعرُ بذلك أيضًا ما ذكره ابنُ الصَّلاحِ في "معرفة المشهور من الحديث"؛ حيث قال: "وكما بلغَنا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ﵁ أنه قال: "أربعةُ أحاديثَ تدورُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في الأسواقِ ليس لها أصلٌ: "من بشَّرني بخروجِ آذارَ بشرتُه بالجنةِ" (٦)، و"من آذى ذِمِّيًا فأنا خصمُه يومَ القيامةِ" (٧)، و"يومُ نحرِكم يومُ صومِكم" (٨)، و"للسائلِ حقٌّ وإن جاءَ على فرسٍ" (٩).
ويغلب على هذا النوع من المشهور لقبُ (المشتهِر)، وعليه عامة من صنَّف في هذا الباب من أهل العلم.
والمعنى الثاني: وهو المعنى الخاص عند المحدثين؛ ولهم في ذلك تعريفان مشهوران؛
_________
(١) "نزهة النظر" (٥٠).
(٢) "فتح المغيث" (٤/ ١٣). وانظر: "الغاية في شرح الهداية" (١٤١).
(٣) "تدريب الراوي" (٢/ ١٧٣).
(٤) البيت رقم (١٩٨).
(٥) "معرفة علوم الحديث" (ص ٩٢).
(٦) لم نقف عليه في غير كلام الإمام أحمد.
(٧) انظر: من الأصل.
(٨) انظر: من الأصل.
(٩) انظر: من الأصل.
стр. 9
أحدهما: ما ذكره ابن الصلاح عن ابن منده حيث قال: "الغريب من الحديث، كحديث الزهري وقتادة وأشباههم من الأئمة ممن يُجمع حديثُهم، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا. فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديثٍ يسمى عزيزًا. فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمي مشهورًا" (١).
ومفهوم هذا، أن ما رواه أكثر من ثلاثة مطلقًا يسمى مشهورًا أيضًا، وهذا التعريف لا يفرق بين المشهور والمتواتر، ولذا صرح بأن من المشهور: "المتواترَ الذي يذكره أهل الفقه وأصوله" (٢).
ثم إنه لا يشترط عند ابن الصلاح ومن وافقه أن يكون العدد المذكور في جميع طبقات السند، بل يكتفى بطبقة واحدة، بحيث لا يمتنع أن يكون في غيرها من طباقه غريبًا، بأن ينفرد به راوٍ آخر عن شيخه. ودليل ذلك أنه مثَّل للمشهور بحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، فقال إنه "غريب مشهور"، وذلك بوجهَين واعتبارَين (٣).
وقد مشى بعض المتقدمين -كأبي نعيم الأصبهاني- على هذا، فإنه قال في حديث سفيان عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن الحَنَفِية، عن عليٍّ رفعه: "مفتاح الصلاة الطهور": إنه "مشهور لا نعرفه إلا من حديث ابن عقيل". فقال الحافظ ابن حجر: "إن مراده أنه مشهور من حديث ابن عقيل"، قال السخاوي: "فهذه الشُّهرة النِّسبية نظير الغرابة النِّسبية في قوله -فيما ينفرد به الراوي عن شيخه-: غريب" (٤).
والتعريف الثاني: -وهو المختار- ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: "ما له طرقٌ محصورةٌ بأكثر من اثنين" (٥). فقوله (محصورة) يخرج به المتواتر، فإنه
_________
(١) "علوم الحديث" (ص ٢٧٠)، وتبعه النووي كما في "تدريب الراوي" (٢/ ٦٣٢).
(٢) انظر: "علوم الحديث" (ص ٢٦٧).
(٣) انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٣٨٦). قال ابن الصلاح في "علوم الحديث" (ص ٢٧١): فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر.
(٤) انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(٥) "نزهة النظر" (ص ٤٦)، وانظر: "نخبة الفكر" (ص ٣٠).
стр. 10
بلا حصر عددٍ معيَّن على الصحيح (١). وقوله (بأكثر من اثنين) يخرج به العزيز والغريب.
وبعبارة أخرى، المشهور هو: ما رواه ثلاثة فصاعدًا، ما لم يجمع شروط التواتر (٢).
قال الحافظ ابن حجر: "وهو المستفيضُ على رأي جماعةٍ من أئمة الفقهاء، سُمِّى بذلك لانتشاره، من: فاضَ الماءُ يَفيضُ فَيضًا.
ومنهم من غايَرَ بين المستفيضِ والمشهور؛ بأنَّ المستفيضَ يكونُ في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهورَ أعمُّ من ذلك، ومنهم من غايَرَ على كيفيةٍ أخرى .. " (٣).
قال الحافظ السخاوي: "يعنى: بأنَّ المستفيضَ ما تلقَّته الأمةُ بالقبول، دونَ اعتبارِ عددٍ، ولذا قال أبو بكر الصَّيْرَفيُّ والقفَّال: إنه هو والمتواتر بمعنى واحدٍ" (٤).
أقسام الحديث المشتهِر (النوع الأول من المشهور):
سلك أهل الحديث مسالكَ شتى في تقسيم الأحاديث المشتهرة، والسبب في ذلك اختلافُ الحيثية الموجبة للتقسيم.
أ - فمن حيث الصحة وعدمها:
ينقسم إلى: مشهورٍ صحيحٍ، وغيرِه (٥).
فالصحيح؛ يعني: المحتجَّ به، الشامل للحسن (٦). وغيره؛ يعني: غير المحتج به، الشامل لجميع أنواع الضعيف.
_________
(١) وقد صرح بذلك في "النزهة" (ص ٤١ - ٤٢).
(٢) كما في المصدر نفسه (ص ٤٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) "فتح المغيث" (٣/ ٣٩٠).
(٥) انظر: "معرفة علوم الحديث" (ص ٣٠٤ - ٣٠٥)، و"علوم الحديث" (ص ٢٦٥).
(٦) انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٣٩١) و"تدريب الراوي" (٢/ ٦٢١).
стр. 11
فمثال المشهور الصحيح: حديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا … " الحديث.
وحديث: "من أتى الجمعة فليغتسل" (١). وكلاهما في الصحيحين.
ومثال المشهور الحسن: حديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، فقد قال المزي: إن له طرقًا يرتقي بها إلى رتبة الحسن (٢). وكذا حديث "من باع دارًا ولم يجعل ثمنها في مثلها، لم يبارك له فيه"، قال السخاوي: حديث حسن، ورد عن جماعة من الصحابة (٣).
ومثال المشهور الضعيف: حديث "من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعث يوم القيامة فقيهًا"، فقد رُوي عن جماعة من الصحابة وليس له إسناد ثابت، كما قال البيهقي والنووي والحافظ (٤).
ب - ومن حيث الجماعة أو الطائفة التي يشتهر فيها:
ينقسم إلى أقسام:
١ - مشهور عند أهل الحديث خاصة، كحديث أنس: "إن رسول الله ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على رِعْلٍ وذَكوان". أخرجه الشيخان من رواية سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس. وقد رواه عن أنس جماعةٌ غير أبي مجلز، منهم: أنس بن سيرين وعاصم وقتادة. وعن أبي مجلز جماعة، وعن سليمان جماعة، بحيث اشتهر بين أهل الحديث خاصة، وقد يستغربه غيرُهم؛ لأن الغالب على رواية التيمي عن أنس، كونها بلا واسطة (٥).
_________
(١) ذكرهما الحاكم في "المعرفة" (ص ٣٠٥)، وعنه السيوطي في "التدريب" (٢/ ٦٢٢).
(٢) المصدر نفسه (٢/ ٦٢٢)، وكذا حكاه عنه السخاوي في "المقاصد" (ص ٢٧٦). وقد مثَّل به الحاكم "المعرفة" (ص ٣٠٤) وابن الصلاح "المقدمة" (ص ٢٠٥) للمشهور غير الصحيح، فقال البلقيني: المراد ما لم يبلغ رتبة الصحيح "محاسن الاصطلاح" (ص ٤٥٠).
(٣) انظر: "الأجوبة المرضية" (ص ٢٦٤) وقد توسع في تخريجه فيه.
(٤) انظره مع تخريجه برقم (١١٢٥).
(٥) انظر: "علوم الحديث" (ص ٢٦٧)، و"الفتح" (٣/ ٣٩٥) و"تدريب الراوي" (٢/ ٦٢٣).
стр. 12
٢ - مشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام، كحديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١).
٣ - مشهور عند الفقهاء، كحديث: "أبغض الحلال عند الله الطلاق"، وحديث: "من سئل عن علم فكتمه … " الحديث، وحديث: "لا غيبة لفاسق"، وحديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وغيرها (٢).
٤ - مشهور عند الأصوليين، كحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" صححه ابن حبان، والحاكم بلفظ: "إن الله وضع" (٣)، وحديث: "أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر" (٤).
٥ - مشهور عند النحاة، كحديث: "نِعم العبدُ صهيبٌ، لو لم يخف الله لم يعصه" (٥).
وحديث: "الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير … " (٦)، وحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (٧).
٦ - مشهور عند أهل السير والمغازي، كحديث رضاعه ﷺ في بني. سعد وقصة شقِّ صدره ﷺ (٨).
_________
(١) انظر: "علوم الحديث" (ص ٢٦٦)، و"الفتح" (٣/ ٣٩٥)، و"المقاصد" رقم (١٠٢٥)، و"التدريب" (٢/ ٦٢٣).
(٢) انظر: "تدريب الراوي" (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤)، وذكرها السخاوي في "المقاصد" بأرقام (١٠، ٩٢١، ١١٣٥).
(٣) "تدريب الراوي" (٢/ ٦٢٤). وذكره في "المقاصد" رقم (٥٢٨) مشيرًا إلى شهرته عند الفقهاء أيضًا.
(٤) ذكره في "المقاصد" رقم (١٧٨) مشيرًا إلى شهرته عند الفقهاء أيضا.
(٥) "تدريب الراوي" (٢/ ٦٢٤). وذكره في "المقاصد" رقم (١٢٥٩).
(٦) ذكره في "المقاصد" رقم (٣٦٧).
(٧) وهو مشهور في كتب النحو، وقد استشهد به ابن مالك على لغة "أكلوني البراغيث" وسماه لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالنهار". انظر: "شرح الكافية الشافية" (ص ٥٨١)، و"شرح ابن عقيل" (١/ ٤٢٩).
(٨) انظر: "البداية والنهاية" (٣/ ٤١١ - ٤١٢) وقال ابن كثير عقبه: هذا الحديث قد روي من طرق أخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة عند أهل السير والمغازي.
стр. 13
٧ - مشهور عند العامة، كحديث: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" وهو في صحيح مسلم، وحديث: "اختلاف أمتي رحمة"، وحديث: "الخير عادة" (١)، وغيرها كثير.
* * *
_________
(١) ذكرها السخاوي في "المقاصد" بأرقام (٣٩، ٤٦٧ و ٤٧٨).
стр. 14
المبحث الثاني: المصنفات فيه
جرت العادة في مبدأ التصنيف في كل فن من الفنون أن يكون مختلطًا مع غيره من أبواب العلم، غير متميز عنها، ثم ينضج التصنيف فيه تبعًا لتمايز العلوم من جهة، وتزايد الحاجة إليه من جهة أخرى؛ فيصبح له مصنفاته المفردة، الخاصة به دون غيره.
ولذا قسمنا الكلام في هذا المبحث إلى قسمين:
الأول: المصنفات التي تحوي كثيرًا من الأحاديث المشتهرة ولا تختص بها:
١ - فأولها ما جاء عن ابن قتيبةَ ﵀ (٢٧٦ هـ) في "تأويل مختلف الحديث" (١)؛ حيث قال: "وقالوا في أحاديثَ موجودةٍ على ألسنةِ الناسِ: ليس لها أصلٌ، ومنها … ".
٢ - ثم جاء علاءُ الدينِ ابنُ العطَّارِ؛ فعقد ضمن "فتاوى النووي" (٢) بابًا جمع فيه أقوال النووي في أحاديثَ شائعةٍ.
٣ - ومنها ما جاء في "خاتمة سفر السعادة" للفيروز آبادي (ت ٨١٧ هـ) فقد ذكر فيها مجموعة من الأحاديث المشتهرة التي لم تثبت عن النبي ﷺ (٣).
_________
(١) "تأويل مختلف الحديث" (ص ٧٥).
واستفدنا هذا من مقدمة الدكتور محمد لطفي الصباغ لتحقيقه كتاب "الدرر المنتثرة" (ص ١١).
(٢) "فتاوى النووي" (ص ١١٨ - ١٣٢). وهذا استفدناه أيضًا من مقدمة الدكتور الصباغ.
(٣) انظر: "فهرس الفهارس" للكتاني (٢/ ٩٠٨).
стр. 15
وغيرها مما لا يختص بجمع الأحاديث المشتهرة على المعنى الذي تقدَّم.
الثاني: المصنفات التي تختص بجمع الأحاديث المشتهرة على الألسنة:
وفيما يأتي ذكر تلكم المصنفات، وسنرجئ الكلام عن المصنفات المتعلقة بالمقاصد إلى مبحث "عناية العلماء بالكتاب".
١ - "أحاديث القصاص" وهي رسالة منسوبة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀ (ت ٧٢٨ هـ).
وسميت أيضًا "أكاذيب القُصَّاص"، أو "أحاديث يرويها القصَّاص عن الله وعن رسول الله ﷺ " أو "رسالة في الأحاديث المتداولة بين الناس يذكرها القصَّاص" (١). والسبب في اختلاف التسميات أن الرسالة ليست من جمع المؤلف، بل جمعها بعض تلامذته من أجوبته على أحاديث سئل عنها (٢).
والرسالة لا تراعي ترتيبًا معينًا، بل أقرب ما تكون إلى فتاوى حديثية، وأسلوبها مرسَل من غير تكلُّف ولا تنميق (٣).
وهذه الرسالة -مع صغر حجمها- ذات قيمة كبيرة من الناحية التاريخية؛ لأنها من أول الرسائل التي ألِّفت في الأحاديث المشتهرة الشائعة بين الناس بسبب القصاص وبتأثيرهم غالبًا. ومعظمها باطل مكذوب، وفيها ما لا يصل إلى هذه الدرجة، بل فيها حديث صحيح، وهو قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا … ".
_________
(١) انظر: "الأثبات في مخطوطات الأئمة" شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب (ص ٤٥، ٥٣ و ١٠٥).
(٢) ومما يؤكد أنها ليست من جمع المؤلف: اختلاف ترتيب أحاديثها والعبارة التي تفتتح بها.
(٣) ولمعرفة المزيد عن مزايا الرسالة ومنهج المؤلف فيها، انظر: "مقدمة الدكتور الصباغ" (ص ١٥ - ٢٠).
стр. 16
والرسالة كانت أصلًا اعتمده الزركشي والسخاوي والسيوطي وغيرهم ممن ألف في الأحاديث المشتهرة، فأوردوا جل أحاديثها في مصنفاتهم، ونقلوا عبارات شيخ الإسلام فيها معزوة إليه تارة، وغير معزوة تارة أخرى (١).
وقد طُبِعت أولًا ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٨/ ٣٧٥ - ٣٨٥).
ثم طبعت ثانيًا بتحقيق د. محمد لطفي الصباغ في المكتب الإسلامي، الأولى عام ١٣٩٢ هـ، والثانية سنة ١٤٠٥ هـ.
وطبعت ثالثًا بتحقيق أحمد عبد الله باجور، بالدار المصرية اللبنانية عام ١٤١٣ هـ، والطبعتان الأخيرتان بعنوان (أحاديث القصاص).
وعدد الأحاديث المسؤول عنها حسب ترقيم الصباغ (٧٩) حديثا، وبترقيم باجور (٧٧) حديثًا.
٢ - "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" أو "التذكرة بالأحاديث المشتهرة"، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ).
سماه مؤلفه بالاسم الأول كما في آخر مقدمته للكتاب، ولكنه اشتهر بالاسم الثاني. بدأ المؤلف كتابه بمقدمة نفيسة، بين فيها أهمية التأليف في هذا الباب، فقال: (أما بعد، فإن من النصيحة الواجبة في الدين: التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألِفه الطبع، وليس له أصل في الشرع. وقد صنف الإمام تاج الدين الفزاري كتابا في تفقيه العوام وإنكار أمور قد اشتهرت بينهم لا أصل لها، أجاد فيها الانتقاد، وصان الشريعة أن يدخل فيها ما يخل بالاعتقاد، شكر الله صنعه، وأثاب جمعه. وقد رأيت ما هو أهم من ذلك: وهو تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوامّ وكثير من الفقهاء الذين لا معرفة لهم بالحديث).
_________
(١) المصدر نفسه (ص ١٥ - ١٦) بتصرف.
وانظر أيضًا: مقدمة الصباغ على "التذكرة" للزركشي (ص ٢٥) فقد بيَّن أن الزركشي اطلع على هذه الرسالة ونقل منها كثيرًا، وأورد معظم أحاديثها، بل نقل كلام شيخ الإسلام دون التصريح بالعزو إليه في كثير من المواضع. وقال: "ودرج من بعده من المؤلفين في الأحاديث المشتهرة على هذا الإغفال".
стр. 17
ففيه إشارة إلى ريادته في التأليف في الأحاديث المشتهرة، فقد توسع في تخريج أحاديثها، وأورد أسانيدها، وأقوال علماء الجرح والتعديل في بعض رواتها، وكلامهم عليها، فهو بهذا قد فتح الباب أمام طالب العلم الذي يريد التوسع في التحقيق والبحث (١)، وهذا لم يكن في رسالة شيخ الإسلام السابقة.
وقد تكلم الدكتور الصباغ على ملحوظات تتعلق بالكتاب، فبين منهج المؤلف فيه، ومزايا كتابه، مع بعض ما يؤخذ عليه، ومن أراد المزيد فليرجع إليه (٢).
والرسالة مطبوعة عدة طبعات.
* وهناك كتاب "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" الذي نسبه غير واحدٍ للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ (ت ٨٥٢ هـ).
ذكره عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته على المقاصد، وذكره أيضًا الدكتور بدر العماش حفظه الله في كتابه حين بين مصادر السخاوي في "المقاصد"، فقال: (اعتمد السخاوي في مادة كتابه على مصادر كثيرة، وفي مقدمة هذه المصادر المصنفات في الحديث المشهور … ) ثم ذكر في مقدمة تلك المصادر: اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة لشيخه ابن حجر، والتذكرة، وأحاديث القصاص (٣).
وفي هذا الكلام نظر مِنْ وجوه:
أولًا: عمدتهم في ذلك كلام العجلوني في مقدمته (٤)، وقد نقل قبل هذا
_________
(١) مختصر من كلام المحقق في "مقدمته" (ص ٢٩ - ٣١).
(٢) انظر: "مقدمة المحقق" (ص ٣١ - ٣٧).
(٣) انظر: "الحافظ السخاوي وجهوده في الحديث وعلومه" (١/ ٤٩١ - ١٩٢).
(٤) قال في "مقدمة الكشف" (١/ ٨ - ٩): ( … وضامًّا [أي: السخاوي] إليه [أي: المقاصد] مما في كتب الأئمة المعتبرين كاللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة لأمير الحفاظ والمحدثين من المتأخرين: الشهاب أحمد بن حجر العسقلاني … =
стр. 18
الكلام ثمانيةَ عشرَ سطرًا من مقدمة الكتاب المنسوب إلى الحافظ (انظر: ص ٧ - ٨)، وهي بحروفها موجودة في مقدمة الزركشي للتذكرة! فالكتاب كتاب الزركشي الذي سماه مؤلفه بهذا الاسم.
ثانيًا: لم ينسب أحدٌ هذا الكتاب إلى الحافظ ابن حجر قبل العجلوني، وهو متأخر عن الحافظ بثلاثة قرون تقريبًا. ولو كان السخاوي قد اعتمد عليه في المقاصد فلا بد أن يشير إليه ولو في موضعٍ واحدٍ في كتابه، لكنه لم يفعل، وإنما قال: (قال شيخنا) أو (قال شيخنا في بعض أجوبته) أو نحو ذلك. وقد وجدنا بعضها في "أجوبة الحافظ ابن حجر على أسئلة بعض تلامذته"، في المجموعتين الأولى والثانية، اللَّتَين حققهما الشيخ الدكتور عبد الرحيم القشقري.
ثالثًا: لم يذكر السخاوي في ترجمة شيخه -لما تكلم عن مصنفاته- أن له كتابًا في الأحاديث المشتهرة، لا بهذا الاسم ولا بغيره (١)، مع أنه لم يشاركه أحدٌ في كثرة ما قرأ من تصانيف الحافظ ومروياته عليه -كما صرح به في الضوء اللامع (٢/ ٤٠) - فَيبْعُد مع هذا أنه لم يعرفه.
ولعل سبب الوهم وجود حاشية للحافظ ابن حجر على النسخة الخطية لكتاب الزركشي -كما ذكره محققه مصطفى عبد القادر عطا-، فظُنَّ أنه من تصنيف الحافظ.
٣ - "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة"، للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ). وهو الكتاب الذي قمنا بتحقيقه، وسيأتي الكلام عليه في الفصل الثاني من القسم الأول إن شاء الله.
_________
= وقال: واعلم أني حيث أقول (قال في اللآلئ) أو (ذكر فيها)، فالمراد به كتاب الحافظ العسقلاني المذكور … ). اهـ.
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٧ - ٦٩٣). وقد استقصى في ذلك بحيث ذكر المصنفات التي شرع فيها الحافظ ولم يتمها، بل هي مسوداتٌ في ورقات … فكيف يمكن أن يترك كتابا كاملًا!
стр. 19
٤ - "التخريج الصغير والتحبير الكبير"، للإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي المعروف بابن المبرد (ت ٩٠٩ هـ).
جمع فيه الأحاديث المشتهرة بين الناس مما ليس في صحيحي البخاري ومسلم، وكذا الأحاديث الغرائب التي لم تقع في كثير من الكتب المشهورة المتداولة، إلا أنه ترك بيان حال كثير من أحاديثها، فلم يبين صحتها من ضعفها.
ومع ذلك فقد حوى تصنيفُه جملةً وافرةً من النفائس والمهمات التي التقطها من المسانيد والمصنفات والمعاجم والأمالي والمشيخات والأجزاء وكتب التاريخ والطبقات والفوائد، ولم يزل كثير منها مفقودًا أو لم ير النور بعد.
وقد طبع الكتاب (عام ٢٠١١ م) بتحقيق نور الدين طالب في مجلد واحد، عن دار النوادر. ويبلغ عدد أحاديثه (١٢٥٣) حديثًا (١).
٥ - "الدُّرَر المُنتَثِرة في الأحاديث المشتهرة"، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ).
قال في مقدمته (ص ٣٧): (وبعد، فإن من المهم بيان حال الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة العامة ومن ضاهاهم من الفقهاء الذين لا علم لهم بالحديث، وبيان ما له أصل من ذلك من غيره. وقد ألف الشيخ بدر الدين الزركشي في ذلك كتابا لطيفًا، غير أنه محتاج إلى تنقيح وزيادة، وتنكيت وإفادة، فلخصته هنا مع زيادة الجم الغفير، ونبهت على ما فيه اعتراض من كلامه وتنفير، وميزتُ ما زدته بقولي (قلت) في أوله، وبـ (انتهى) في آخره. ورتبته على حروف المعجم ليكون أسهل في الكشف، وسميته: "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" … ).
وترتيبه على الحروف مراعيا الحرف الأول فقط.
_________
(١) هذه المعلومات اختصرناها من كلام المحقق.
стр. 20
وبعد حرف الياء عقد فصلًا بعنوان: (فصل في أشياء لم تدخل في الحروف) وذكر (٣٤) حديثا.
ثم ختمه بخاتمة وكأنها مختصرة من خاتمة المقاصد، لتشابه محتواهما إلى حدٍّ كبير.
وهو مطبوع عدة طبعات.
٦ - "الغمَّاز على اللمَّاز"، لنور الدين علي بن عبد الله السمهودي المدني (ت ٩١١) (١). والكتاب تجريد للموضوع والضعيف وما لا أصل له من أحاديث الدرر للسيوطي، كما ذكر ذلك في مقدمته.
وهي رسالة مختصرة جدًّا، اكتفى فيها بذكر الأحاديث والحكم عليها من غير تخريج. وهو مطبوع أيضا.
٧ - "التخريجات المختصرة للأحاديث المشتهرة"، تأليف: علي بن ناصر بن محمد الحجازي (ت بعد ٩١٥ هـ). مخطوط (٢).
٨ - "الدرة اللامعة في بيان كثير من الأحاديث الشائعة"، لشهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد السلام المنوفي (ت ٩٣١ هـ)، وهو تلميذ السخاوي، وكتابه تلخيص للمقاصد (٣) ولم نقف عليه.
٩ - "الشذرة في الأحاديث المشتهرة"، لمحمد بن طولون الصالحي (ت ٩٥٣ هـ)، اختصر فيه التذكرة والمقاصد والدرر (٤). وهو مطبوع.
_________
(١) انظر: "كشف الظنون" (٢/ ١٢٠٩)، و"هدية العارفين" (١/ ٧٤٠)، و"الرسالة المستطرفة" (ص ١٩١)، و"الأعلام" (٤/ ٣٠٧).
(٢) له نسخة على ميكروفيلم في مكتبة الجامعة الإسلامية برقم (٨٥٦)، وانظر: "فهارس آل البيت" (١/ ٣٥٣ رقم ٢٤٨).
(٣) ذكره صاحب "كشف الظنون" (٢/ ١٧٨٠)، و"هدية العارفين" (١/ ١٤١) وقال: إنه تلخيص من تمييز الطيب من الخبيث. وأبهم الكتاني اسمَ مؤلفه في "الرسالة المستطرفة" (ص ١٩١).
(٤) انظر: "مقدمة الشذرة" (ص ١٧).
стр. 21
١٠ - "البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير"، لعبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣ هـ). انتخبها من جوامع السيوطي (الكبير والصغير وزوائده) مع المقاصد الحسنة (١)، وهو مطبوع.
١١ - "رسالة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة"، تأليف: المُلَّا علي القاري (ت ١٠١٤ هـ). مخطوط (٢)، ولم نطلع عليه.
١٢ - "مختصر الأحاديث المشتهرة على الألسنة وبيان الصحيح والحسن والضعيف والموضوع على الطريق الحسنة"، للقاري أيضًا. مخطوط (٣) ويحتمل أنه نفس الذي قبله، والله أعلم.
١٣ - "أجوبة الشنواني على الدرر المنتثرة" للسيوطي، تأليف: أبي بكر بن إسماعيل بن عمر الشنواني (ت ١٠١٩ هـ). مخطوط (٤).
١٤ - "التذكرة المشهورة على الألسنة"، لمحمود بن صلاح الدين بن عيسى القباني المقدسي، تلميذ الرملي (ت ١٠٤٣ هـ) (٥). لم نقف عليه.
١٥ - "البدور المنورة في معرفة رتب الأحاديث المشتهرة"، لأحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي (ت ١٠٦٩ هـ). مخطوط (٦).
١٦ - "الأحاديث المشتهرة"، تأليف: إبراهيم بن سليمان بن محمد
_________
(١) انظر: "الرسالة المستطرفة" (ص ١٩٢)، و "معجم المطبوعات" ليوسف سركيس (١/ ١١٣٠)، و"الأعلام" (٤/ ١٨٠).
(٢) له نسخة في المكتبة المركزية بالرياض، برقم (١٧٤٣)، وانظر: "فهارس آل البيت" (٢/ ٨١٥ رقم ١٨٢).
(٣) له نسخة في دار الكتب القطرية، برقم (٤٥٦ - الحديث وعلومه)؛ وأخرى في مكتبة عبد الله بن عباس بالطائف، برقم (٣/ ١٦٦).
(٤) له نسخة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة (١٤ عن دار الكتب ١٧٢٤ - الحديث).
(٥) انظر: "إيضاح المكنون" (١/ ٢٧٧)، و"هدية العارفين" (٢/ ٤١٥)، و"معجم المؤلفين" (٣/ ٨٠٠).
(٦) انظر: "فهارس آل البيت" (١/ ٢٩٣ رقم ٥٠)، و"معجم المؤلفين" (١/ ٩٤).
стр. 22
الجينيني (ت ١١٠٨ هـ). مخطوط (١).
١٧ - "زيادات إتقان ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن"، للجينيني أيضًا. مخطوط (٢). ويحتمل أنه الذي قبله.
١٨ - "الجوهرة النضرة في الأحاديث المشتهرة"، تأليف: إسماعيل بن عبد الباقي اليازجي (ت ١١٢١ هـ). مخطوط (٣) ولم نطلع عليه.
١٩ - "النوافح العطرة في الأحاديث المشتهرة"، للشيخ محمد بن أحمد بن جار الله الصعدي اليمني المعروف بالمشحم الكبير (ت ١١٨١ هـ) (٤)، جمع فيه درر السيوطي ومختصر الزرقاني وتمييز ابن الديبع وزاد عليهما كثيرًا. وهو مطبوع (٥).
٢٠ - "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب"، للشيخ محمد بن درويش الحُوت البيروتي (ت ١٢٧٦ هـ) (٦)، بترتيب ابنه عبد الرحمن، الذي قال في مقدمته: (إنني كثيرًا ما سئِلتُ من بعض المترددين عليَّ، الذين لهم حسن نظر إليَّ، عن فقرات اشتهرت بين الأنام، وتناقلها ألسنة الخاص والعام، هل هي من حديث سيد المرسلين، أم من كلام غيره من العالمين؟ فكنت أجيب عنها بما ذكره علماء هذا الفن، الذين بينوا أحاديثه ﷺ
_________
(١) له نسخة على ميكروفيلم في مكتبة الجامعة الإسلامية برقم (٤٦١) ونسخة أخرى في مكتبة المخطوطات بجامعة الكويت برقم (٦٥٧٨)، وهي مصورة عن دار الكتب الظاهرية بدمشق.
(٢) له نسخة على ميكروفيلم في مكتبة الجامعة الإسلامية برقم (٤٥٨٨/ ١٩).
(٣) له نسخة في مركز الملك فيصل برقم (٢٦٨٦ - ٢) وانظر: "فهرس مخطوطات المركز" (٢/ ٨٥)، و"فهارس آل البيت" (١/ ٦٧٣ رقم ٦١٢).
(٤) انظر: "إيضاح المكنون" (٢/ ٦٨٢)، وسماه "النوافح المعطَّرة … "، و"هدية العارفين" (٢/ ٣٣٦) وسماه: "النوافح المعطرة والأحاديث المشتهرة" ولعله خطأ مطبعي.
(٥) انظر: "مقدمة المقاصد" لعبد الوهاب عبد اللطيف ص (ك)، و"دليل المؤلفات" (١/ ٦٢٢).
(٦) انظر: "إيضاح المكنون" (١/ ٨١)، و"هدية العارفين" (٢/ ٣٧٧)، و"الرسالة المستطرفة" (ص ١٩٢)، و"الأعلام" (٧/ ٧٤)، و"معجم المؤلفين" (٣/ ٢٨٦).
стр. 23
وميزوا ضعيفها من الحسن، وكان والدي الشيخ محمد ﵀ ممن عُنِي بهذا العلم الشريف، وألف به عدة تآليف، منها كتابه الذي جرد من مختصر الإمام العالم الشيخ عبد الرحمن اليمني ﵀ (١) وزاد في آخره ذيلًا، ذكر فيه عدة أحاديث ليست في الأصل، ولكنه لم يرتبها على حروف المعجم، وكذلك ذكر في هامش النسخة التي بخطه أحاديث ليست في الذيل المذكور، وتكلم على بعض مآثر وفوائد ومطالب تتعلق بهذا الفن، فخدمة للعلم وتعميمًا للنفع تبادرت بطبع الكتاب المذكور، ورتبت جميع الأحاديث على حروف الهجاء تسهيلًا لتحصيلها، وألحقت تلك الفوائد والمآثر بآخر الكتاب تتميمًا للفائدة، وسميته: "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب" … ) (٢). وهو مطبوع.
٢١ - "تحذير المسلمين من كثير من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين"، لمحمد البشير ظافر الأزهري (ت ١٣٢٥ هـ)، وهي رسالة في الموضوعات المشهورات، قال مؤلفها بعد الكلام على انتشار الموضوعات في زمنه (فلذلك عزمت على جمع الأحاديث الموضوعة المشتهرة على الألسنة في رسالة، أذكر فيها الأحاديث مرتبة على حروف المعجم، وسميتها: تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين … ) (٣)، وقد طبعت سنة ١٣٢١ هـ بمطبعة جريدة الراوي اليومية بمصر في (١٠٠ ص)، ولها مقدمة نافعة عن الأحاديث الموضوعة وما يتعلق بها.
٢٢ - "الكواكب المنتثرة في الأحاديث المشتهرة"، لمحمد بن إدريس القادري المغربي (ت ١٣٥٠ هـ)، ذكره ابن سُودة في سل النصال (٤)، ولم نقف عليه.
_________
(١) يعني: ابن الديبع في التمييز.
(٢) "مقدمة المرتب" (ص ١٥).
(٣) "المقدمة" (ص ٣).
(٤) انظر: "موسوعة أعلام المغرب" (٨/ ٣٠٠٣).
стр. 24
٢٣ - "رفع الجهالة والالتباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، لمحمد بن محمد بن حامد الجرجاوي المراغي (ت بعد ١٣٥٥ هـ)، وهو مخطوط كما أشار إليه الزركلي (١).
٢٤ - "المشتهر من الحديث الموضوع والضعيف والبديل الصحيح"، لعبد المتعال محمد الجبري (ت ١٤١٥ هـ).
قال في مقدمته: ( … فهذه الرسالة في الحديث المشهور مما هو ضعيف أو موضوع، أقدمها تحذيرًا من رواية الموضوع وما لا أصل له، مما يجري على ألسنة الوعاظ الذين لا دراية لهم بالسُّنَّة … ). وبين في المقدمة بعض المصطلحات الحديثية المستخدمة في الكتاب. والكتاب مرتب على الأبواب العلمية -سماها فصولًا-، فيه خمسة فصول (الإيمان - العلم والاجتهاد - السياسة والملك - اجتماعيات - العبادات)، وتحت كل فصل عناوين الموضوع. وكانت طريقته فيه مختصرة في التخريج والكلام على الأحاديث، وقد بدأ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في كل عنوان، ثم أتبعه بالبديل الصحيح، وهذه هي ميزة الكتاب. وهو مطبوع.
٢٥ - "أحاديث مردودة مشتهرة على ألسنة الناس"، للدكتور سعيد بن صالح الرقيب الغامدي.
وهي رسالة لطيفة ألفها مؤلفها لما رأى من كثرة الأحاديث التي اشتهرت عند الناس ولا يصح نسبتها للنبي ﷺ ، وقد بنوا عليها أحكامًا وعبادات ومفاهيم وأفكارًا. لم يتوسع المؤلف في التخريج وبيان العلل رغبة الاختصار، وقد يحيل إلى الكتب والمراجع التي استقى منها الحكم على الحديث. رتبه على الحروف وعدد أحاديثه (٣١٢) حديثًا. وهو مطبوع.
٢٦ - "أحاديث مقبولة مشتهرة على ألسنة الناس"، للمؤلف نفسه، وقد أشار إليه في مقدمة الكتاب السابق (٢).
_________
(١) "الأعلام" (٧/ ٨١).
(٢) انظر: "المقدمة" (ص ٣ - ٥).
стр. 25
وتتميمًا للفائدة: هناك كتاب قد يدخل في هذا الباب ولم نقف عليه، ولا على من تعرض له، وهو:
٢٧ - "كشف الباس في كلمات يقولها كثير من الناس"، للعلامة محمد مكي بن عزوز التونسي (ت ١٣٣٣ هـ) (١). لم نقف عليه.
* * *
_________
(١) ذكره البغدادي في "إيضاح المكنون" (٢/ ٣٥٧).
وابن عزوز كان معاصرًا لعبد الحي الكتاني، وقد ترجم له في "فهرس الفهارس" (٢/ ٨٥٦ - ٨٦١)، ولم يذكر هذا الكتاب في مصنفاته.
стр. 26
القسم الأول: دراسة عن الحافظ السخاوي وكتابه "المقاصد الحسنة"
وفيه فصلان:
الفصل الأول: ترجمة موجزة للحافظ السخاوي.
الفصل الثاني: كتاب "المقاصد الحسنة".
стр. 27
الفصل الأول: ترجمة موجزة للحافظ السَّخَاوي (١)
ويشتملُ على سبعةِ مباحثَ:
* المبحثُ الأولُ: اسمُهُ ونَسَبُه، ومَولِدُه ووفاتُه.
* المبحثُ الثاني: نشأتُه العلميَّةُ ورحلاتُه.
* المبحثُ الثالثُ: شيوخه.
* المبحثُ الرابعُ: تلاميذُه.
* المبحثُ الخامسُ: عقيدته ومذهبه الفِقهيُّ.
* المبحثُ السادسُ: مَنزلَته العِلمِيَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه.
* المبحثُ السابعُ: مؤلَّفاته.
_________
(١) مصادر ترجمة السخاوي كثيرة، من أهمها ترجمته لنفسه في: "الضوء اللامع" (٨/ ٢ - ٣٢)، وفي "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة" (٣/ ٦٣٠)، وفي "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٤٦). وله كتابٌ مفردٌ صنفه في ترجمته الذاتية اسمه "إرشاد الغاوي"، أشار إليه في "التحفة اللطيفة" (٣/ ٦٣٠)، وقد طُبعَ. ومن أشهر مصادر ترجمته:
١ - "نظم العقيان في أعيان الأعيان" (ص ١٥٢ - ١٥٣)، للسيوطي (٩١١ هـ). وفيه حطٌّ على السخاوي، وذلك لما كان بينهما من منافسة ومنافرة -رحمهما الله-.
٢ - "النور السافر عن أخبار القرن العاشر" (ص ٤٠ - ٤٧)، لعبد القادر العيدروس (١٠٣٨ هـ).
٣ - "الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة" (١/ ٥٣ - ٥٤)، للنجم الغزي (١٠٦١ هـ).
٤ - "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" (١٠/ ٢٣ - ٢٥)، لابن العماد الحنبلي (١٠٨٩ هـ).
٥ - "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" (٧٠١)، للشوكاني (١٢٥٠ هـ).
٦ - "فهرس الفهارس والأثبات" (٢/ ٩٨٩ - ٩٩٣)، لعبد الحي الكتاني (١٣٨٢ هـ).
٧ - "الأعلام" (٦/ ١٩٤ - ١٩٥)، لخير الدين الزركلي (١٣٩٦ هـ).
ومن التراجم الحديثة المفردة للسخاوي ﵀:
١ - "السخاوي مؤرخًا"، للدكتور عبد الله بن ناصر الشقاري (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام).
٢ - "الحافظ السخاوي وجهوده في الحديث وعلومه"، للشيخ الدكتور بدر بن محمد العمَّاش، (رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية).
стр. 28
المبحثُ الأولُ: اسمُهُ ونَسَبُه، ومَولِدُه ووفاتُه
اسمُه ونسبُه:
هو الحافظُ شمسُ الدِّينِ محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرِ بنِ عثمانَ بن محمد السَّخَاوِيُّ القاهِريُّ. ويُكنى بـ "أبي الخير" و"أبي عبدِ الله".
والسَّخاويُّ نسبةٌ إلى"سَخَا": مدينة بأسفل مصر، وهي قصبة الكُورة الغربية (١).
مَولِدُه:
أرَّخ الحافظ السخاوي مولده في شهر ربيع الأولِ من سنة إحدى وثلاثينَ وثمانمائةٍ بحارة بهاء الدين علو الدرب المجاور لمدرسة البلقيني (٢).
وفاتُه:
توفي بالمدينة النبوية (٣) عصرَ يومِ الأحدِ سادسَ عشرَ (٤) شعبانَ سنة اثنتين وتسعمائةٍ، وعمرُهُ إحدى وسبعونَ سنةً، وصُلِّي عليه بعدَ صلاةِ الصبحِ يوم الاثنينِ بالروضة الشريفة، ودُفِنَ بالبقيعِ بجوارِ الإمامِ مالكٍ.
_________
(١) "معجم البلدان" (٣/ ١٩٦).
وهي الآن قريةٌ من قرى مركز كَفْر الشيخ بمديرية الغربية بمصر، وكَفْرُ الشيخِ يبعدُ عن القاهرة حوالي ١٧ كم. يُنظر: "الحافظ السَّخاوي وجهوده" (١/ ٣٢).
(٢) "الضوء اللامع" (٨/ ٢).
(٣) على الأرجح. كما في "النور السافر" و"شذرات الذهب" و"البدر الطالع" وغيرها.
(٤) كما ذكر تلميذه جار الله بن فهد. نقله عنه الشوكاني في "البدر الطالع" (٢/ ١٨٦). وقيل: في الثامن والعشرين. كما في "النور السافر"، و"شذرات الذهب".
стр. 29
المبحثُ الثاني: نشأتُه العلميَّةُ ورِحلاتُه
نشأ السخاويُّ في بيت علمٍ وفضلٍ، فأدخله أبوهُ المكتَبَ صغيرًا عند المؤدِّب الشرف عيسى بن أحمد المَقسي (٨٦٥ هـ) فأقام عنده يسيرًا جدًا، ثم نقله لزوج أخته الفقيه الصالح البدر حسين بن أحمد الأزهري (٨٧٨ هـ)، فقرأ عنده القرآنَ وصلى بالناسِ التراويحَ في رمضان بزاوية لأبي أمه الشيخ شمس الدين العدوي المالكي، ثم توجَّه به أبوه إلى الفقيه الشمس محمد بن أحمد الحريري (٨٤٩ هـ)، فجوَّد عليه القرآن، وانتفع به في آداب التجويد وغيرها وعلق عنه فوائد ونوادر، وقرأ القرآن وجوَّده على غير واحدٍ من مشايخه، وحفظَ بعضَ "عمدةِ الأحكامِ"، ثم انتقل للعلامة الشهابِ بنِ أسدٍ فأكملَ عندَه حفظَها مع حفظِ "التنبيه"، و"المنهاج"، و"ألفية ابن مالك"، و"النُّخبة"، وقرأ عليه شيئًا من القراءاتِ.
ثم حفظَ "ألفية العراقي"، و"شرح النخبة"، وغالبَ "الشاطبية"، و"مقدمة الساوي" في العَروضِ، وسمع الكثيرَ من الجمعِ للسبعِ وللعشرِ على الزَّينِ رضوانَ العُقْبيِّ، ولازمَ البرهانَ ابنَ خضرٍ وقرأ عليه غالب "شرح الألفية" لابن عقيل، وسمع الكثيرَ من "توضيحِها" لابن هشام، وأخذ العربية أيضًا عن الشهابِ الأبدي المغربيِّ والجمالِ بنِ هشامٍ الحنبليِّ.
وأخذ الكثيرَ من الفقهِ عن العَلَم صالحٍ البُلقينيِّ وغيره، وأخذَ طرفًا من الفرائضِ والحسابِ والميقاتِ، وقرأ الأصولَ على الكمالِ ابنِ إمامِ الكامِلِيَّةِ، وحضر كثيرًا من دروسِ التقى الشُّمُنِّيِّ في الأصلينِ والمعاني والبيانِ والتفسيرِ، وقرأ عليه "شرحَه" نظمَ والدهِ للنخبةِ.
وسمع مع والده ليلًا الكثيرَ من الحديثِ على إمامِ عصرِه ووحيدِ دهرِه
стр. 30
أبي الفضلِ الشهابِ بنِ حجرٍ العسقلانيِّ، فكانَ أولُ سماعِهِ عليهِ في سنة ثمانٍ وثلاثينَ وثمانمائة -وعمره إذ ذاكَ سبعُ سنينَ-، ولازمَ مجلسَه حتى حملَ عنه علمًا جمًّا بحيث كان من أكثرِ الآخذينَ عنه، وأعانه على ذلك قربُ منزِله منهُ، فكان لا يفوتُه مما يُقرأُ عليه إلا النادرُ، وعلمَ الحافظُ شدَّةَ حرصِه على ذلك، فكان يرسلُ خلفَه أحيانًا بعضَ خدمه لمنزِله يأمرهُ بالمجيءِ للقراءةِ.
وقرأ عليه الاصطلاحَ بتمامِه، وسمع عليه جُلَّ كتبِه وأكثرَ تصانيفِه في الرجالِ وغيرِها، وأذن له في الإقراءِ والإفادةِ والتصنيفِ، وصلى به إمامًا التراويح في بعض ليالي رمضان، ولم ينفكَّ عن ملازمتِه ولا عدلَ عنه بملازمةِ غيرِه ولا ارتحلَ إلى الأماكن النائية، بل ولا حجَّ إلا بعدَ وفاتِه.
وبعد وفاةِ شيخه الحافظِ ﵀ سافرَ لدمياطَ -وكان إذ ذاك ابنَ إحدى وعشرين سنة- فسمعَ بها، ثم توجَّه في البحرِ للحجِّ فلقي بالطورِ والينبوعِ وجُدَّةَ غيرَ واحدٍ أخذ عنهُم، ووصل لمكةَ أوائلَ شعبانَ فأقام بها إلى أن حجَّ، وقرأ بها على جمعٍ من أهل العلم؛ كأبي الفتحِ المراغيِّ، والبرهانِ الزَّمزَميِّ، والتقيِّ بن فهدٍ وغيرهم.
وقرأ في رجوعِه بالمدينةِ النبوِيَّةِ على البدرِ بنِ فرحونَ وغيرِهِ من أهلِ العلمِ.
ثم رجعَ للقاهرةِ، ثم توجَّه لمنوفٍ العُليا، ثم إلى فيشا الصُّغرى، ثم ارتحل إلى الثغرِ السَّكَندَريِّ ودَسوق والمحلَّةِ وسَمَنُّود وغيرها من الديار المصرية.
ثم ارتحلَ إلى حلب، وسمع في توجهه إليها بسرياقوسَ والخانقاه وبلبيس وغزةَ والمجدَلِ والرملةِ وبيتِ المقدسِ والخليلِ ونابُلُسَ ودِمَشقَ وصالحيَّتِها والزبداني وبعلَبَكَّ وحمصَ وحماةَ وحلب وجبرين ثم بالمعَرَّة وطرابُلُسَ وغيرها من ديار الشام. وقال ﵀ في ترجمته لنفسه: وكلما انتهى حفظه لكتابٍ عرضه على شيوخ عصره.
وقد زادَ عددُ الأماكنِ التي ارتحلَ إليها من البلاد والقرى على الثمانينَ.
стр. 31
وكانت هذه رحلاته زمنَ الطَّلَبِ، وارتحل بعدها أربع مراتٍ حجَّ فيها وجاور بمكة، كان آخرها سنة ستٍّ وتسعين (١)، رجع بعدها إلى المدينة ولم يزل بها إلى أن توفي.
* * *
_________
(١) "الضوء اللامع" (٨/ ٢ - ١٠) باختصار.
стр. 32
المبحثُ الثالثُ: شيوخه
تقدَّم ذكرُ جماعةٍ من شيوخه الذين أخذ عنهم في المبحث السابق، وقد ذكر السخاويُّ أنَّ عددَ من أخذ عنه من الشيوخِ بمصرَ وحدَها أكثرُ من أربعمائةِ شيخٍ (١)، وعددَ من أخذَ عنه عامةً يزيد على ألفٍ ومائتي نفسٍ (٢).
ويرجع سببُ كثرةِ شيوخِهِ إلى بدئه بطلب العلم في سنٍّ مبكرةٍ بعناية والدِه المباركة، وإلى حرصه الشديد على التحصيل والسماع، ثم إلى ارتحاله وتطوافه في البلاد طالبًا لقاء أهل العلم ومشافهتهم به.
وقد ذكر أنه أفرد كتابًا في تراجم من أخذ عنهم على حروف المعجم سماه "بغية الراوي بمن أخذ عنه السخاوي" (٣)، وأفرد أيضًا رحلاته الثلاث: السكندرية والحلبية والمكية مع تراجم كلٍّ منها، وصنفَ أيضًا "الثَّبَتَ المصريَّ" (٤).
ولكثرة عدد شيوخِ السخاوي، فإننا سنقتصر على ذكرِ أبرزِهم -بحسب وفياتهم-:
١ - محمد بن أحمدَ بنِ عمرَ، الشمسُ النحريريُّ ثم القاهريُّ الشافعيُّ المؤدِّبُ الضَّريرُ، المعروف بالسعوديِّ (٨٤٩ هـ) (٥).
٢ - عزُّ الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن علي المصريُّ الحنفيُّ المعروف بابنِ الفرات (٨٥١ هـ) (٦).
_________
(١) "الضوء اللامع" (٨/ ٧).
(٢) "الضوء اللامع" (٨/ ١٠).
(٣) "الضوء اللامع" (٨/ ١٦).
(٤) المصدر السابق.
(٥) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٤/ ١٨٦).
(٦) انظر ترجمته في: "الضوء اللامع" (٧/ ٣٠).
стр. 33
٣ - أبو الفضل شهابُ الدينِ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، المعروف بالحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ).
٤ - علمُ الدين أبو البقاءِ صالحُ بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني العسقلاني المعروف بابن البُلقينيِّ (٨٦٨ هـ) (١).
٥ - شرفُ الدين أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن أحمد الحدادي المناوي الشافعي، المعروف بالمُناوي (٨٧١ هـ) (٢).
٦ - أحمدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ بنِ حسنٍ التقيُّ أبو العباسِ التميميُّ الداريُّ القاهريُّ، المعروف بالشُّمُنِّيِّ (٣) (٨٧٢ هـ).
٧ - زين الدين وشرف الدين أبو العدل قاسم بن قُطْلُوبُغا بن عبد الله الجَمَّالي الحنفي (٨٧٩ هـ) (٤).
* * *
_________
(١) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٣/ ٢١٣).
(٢) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١٠/ ٢٥٤).
(٣) بضمِّ المعجَمَةِ والميمِ، ثم نونٌ مشدَّدةٌ. كما في ترجمته من: "الضوء اللامع" (٢/ ١٧٤).
(٤) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٦/ ١٨٤).
стр. 34
المبحثُ الرابعُ: تلاميذُه
كان السخاويُّ ﵀ إمامًا من أئمة عصره بلا مدافعة، أقرَّ له بذلك الموافقُ والمخالفُ، وشهِدَ بفضله وعِلمه القاصي والداني، لا سيما في علم الحديث وفنونه، فهو المقدَّمُ فيه من أصحابِ الحافظِ ابنِ حجر، كما شَهِدَ له بذلك الحافظُ نفسه (١)، فلهذا كثُرَ الآخذون عنه من طلبة العلم، وقصدوه من كل حَدبٍ وصَوب.
ولكثرة الآخذين عنه فإننا سنقتصرُ على ذكرِ أشهر من أخذَ عنهُ ولازمَهُ:
١ - ابن أبي حرفوش أحمد بن محمد بن محمد أبو العباس الأبشيهي (بعد ٨٥٠ هـ) (٢).
٢ - أبو الغيث محمدُ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ النبهانيُّ الخانكيُّ قاضيها الشافعيُّ (٨٩١ هـ) (٣).
٣ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن رجب الشهاب الطوخي ثم القاهري الشافعي، يُعرف بـ"ابن رجب" (٨٩٣ هـ) (٤).
٤ - أبو فارس عبدُ العزيزِ بن عمرَ بنِ محمدِ بن محمدٍ الهاشميُّ المكيُّ الشافعيُّ، المعروف بـ "ابنِ فهدٍ المكي" (٩٢١ هـ) (٥).
_________
(١) كما سيأتي في مبحث "منزلته العلمية وثناء العلماء عليه".
(٢) انظر ترجمته في: "الضوء اللامع" (٢/ ١٨٧).
(٣) ترجمته في: "الضوء اللامع" (١١/ ١٢١).
(٤) انظر ترجمته في: "الضوء اللامع" (٢/ ١٢١).
(٥) ترجمته في: "الضوء اللامع" (٤/ ٢٢٤).
стр. 35
٥ - أبو العباسِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ القُسطلانيُّ (١) المصريُّ الشافعيُّ (٩٢٣ هـ).
٦ - أبو محمد عبدُ الرحمنِ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ الشيبانيُّ الزَّبِيديُّ الشافعيُّ، المعروف بـ"ابنِ الدَّيبَع" (٢) (٩٤٤ هـ).
* * *
_________
(١) بضم القاف، كما في "تاج العروس" (٣٠/ ٢٥١)، وترجمته في: "الضوء اللامع" (٢/ ١٠٣).
(٢) بمهمَلةٍ مفتوحةٍ، بعدها تحتانيَّةٌ، ثم موحَّدةٌ مفتوحةٌ، وآخره مهملةٌ. كما في "الضوء اللامع" (٤/ ١٠٤).
стр. 36
المبحثُ الخامسُ: عقيدته ومذهبه الفِقهيُّ
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عقيدته.
المطلب الثاني: مذهبه الفقهي.
* * *
المطلب الأول: عقيدتُه (١)
نشأ الحافظُ السخاويُّ -كما يظهر من تراجم شيوخه وأهل عصره ومِصره- في بيئةٍ سادَت فيها عقيدةُ الأشاعرة، وقُرِّرَت هذه العقيدة على أنها عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، فالتَبَسَ الحقُّ بالباطل، واعتُقِدَ في صفاتِ الله -جل وعلا- غيرُ المذهبِ الحقِّ.
وقد عُلِمَ أنَّ طريقةَ سلفِ الأمةِ وأئمَّتِها إثباتُ ما أثبَتَه اللهُ لنفسه وما أثبته له رسولُه ﷺ من الصفات من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ومن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل (٢). كما أنَّ الطرقَ الصوفيَّةَ قد ذاعَ صيتُها وانتَشَرَت في البلدِ الذي نشأ فيه السَّخاوي، وقلَّما ينجو أحدٌ من الانتسابِ إلى تلك الطرقِ، فضلًا عن أنْ يسلمَ من التأثُّرِ بها.
_________
(١) يُنظر في هذا المبحث: "الحافظ السخاوي وجهوده في الحديث وعلومه" (١/ ١٤١ - ١٥٣)
(٢) انظر: "الرسالة التدمرية" (ص ٧).
стр. 37
فكان لهذه البيئة أثرٌ على عقيدة السخاويِّ ﵀ ظهرت معالِمُ هذا الأثر في جوانب من اعتقادِه، نُشير -فيما يأتي- إلى شيءٍ منها بإيجازٍ:
ففي الأسماء والصفات:
نشأ السخاوي وتربَّى على عقيدةِ الأشاعرةِ: فكان يعتقدُ أنَّ ظواهرَ نصوصِ الصفاتِ الخبرية تقتضي التشبيهَ والتجسيمَ وإثباتَ الجوارحِ والأعضاءِ -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا-، ويرى أنه لا بدَّ من تأويلِها وصرفِها عن ظواهرِها، وأنَّ الواجبَ تجاه أحاديثِ الصفاتِ أنْ لا تُروى إلا لأهلها خوفَ الافتتان والضلال (١).
وذكر في ترجمة أحمد بن ناصر الباعوني الشافعي عدة أبيات من قصيدةٍ له في الاعتقاد -ولم يتعقَّبه-، ومَفَاد هذه الأبيات: إثبات الصفات السبع -وهي صفات المعاني- التي يُثبتها الأشاعرة -ولا يُثبتون غيرها-، وذكر في هذه الأبيات أنَّ كلام الله قديمٌ قائمٌ بذاته (٢).
كما أنَّه على عقيدتِهم في مسألةِ رؤيةِ اللهِ يومَ القيامةِ، فيقول بأنَّ اللهَ تعالى يُرى لا في جِهَةٍ (٣).
وقد أوَّل صفة الرحمة لله تعالى، بإرادة الخير بعبيده (٤).
ويقول بنفي الجهة عن الله تعالى (٥)، وهي من الألفاظ المجملة التي لم يتعرَّض لها السلف الصالح إثباتًا أو نفيًا، وقد جَرَت عادةُ من ينفي الجهة عن الله أن ينفيها فِرَارًا من إثبات العلو لله تعالى.
_________
(١) انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٢٧١).
(٢) "الضوء اللامع" (٢/ ٢٣٢).
(٣) انظر: "الغاية في شرح الهداية" (٢/ ٥٥٩).
(٤) انظر: "فتح المغيث" (١/ ١٣).
(٥) انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٣٥٠).
стр. 38
وفي توحيد الألوهية:
ففيما يتعلق بالتوسل والتبرك:
يرى السَّخَاويُّ جوازَ التوسُّلِ بالأنبياءِ والصالحينَ (١).
ويرى أيضًا جوازَ التبرُّكِ بالصالحينَ وآثارِهم (٢)، بل وبقبورهم؛ فقال في ترجمة حمزة بن عبد المطلب ﵁ من "التحفة اللطيفة": "وجُعِلَ على قبره قُبة، فهو يُزار ويُتبرك به وبمحلِّه" (٣).
وفي التصوُّف:
تأثَّر السَّخاويُّ أوَّل أمره بالصوفية وكان معهم، ولبس الخِرْقَة من عددٍ من مشايخه، وألْبَسَها لغيره، وقال: "نعم قد دخلتُ في إجازةِ خلقٍ من المُعتَبَرين هي إلى الخصوص أقرب، وهي الاستجازة لأبناء صوفية الخانقاه البِيْبَرْسَيَّة، وكنتُ إذ ذاك منهم" (٤).
ويُفهم من قوله: وكنتُ إذ ذاك منهم: أنه رَجَعَ عن التصوَّفِ، أو أنه لم يدخلْ في التصوُّفِ الغالي، ويدلُّ على ذلك أنه ألَّفَ كتابَ "القول المُنْبي في ترجمةِ ابنِ عربي"، و"الكفاية في طريق الهداية" في الردِّ على الاتحادية، وأيضًا فقد انتَقَدَ كثيرًا من المُتَرجمين في "الضوء اللامع" بسبب سلوكهم هذا المسلك وانتحالهم هذا المذهب.
وفي جانب البدع:
يرى السَّخاوي أنَّ البدعةَ لها الأحكامُ الخمسةُ (٥)؛ وعليه فإنَّ في
_________
(١) كما في "ارتياح الأكباد"، وكما يُفهم من ترجمته لمحمد بن محمد بن عبد الله ابن إبراهيم المسوفي المدني المالكي في "الضوء اللامع" (٩/ ١١٥)، وكما في خطبة كتابه "التماس السعد"، وللتوسع يُنظر: "الحافظ السخاوي وجهوده" (١/ ١٤٤).
(٢) كما في ترجمة إبراهيم بن رجب بن حماد الكلابي من "التحفة اللطيفة" (١/ ١١٤).
(٣) "التحفة اللطيفة" (١/ ٥٣٢).
(٤) انظر: "فتح المغيث" (٢/ ٤٢١).
(٥) "الأجوبة المرضية" (٣/ ١٠٨٩).
стр. 39
الدِّينِ بدعةً حسنةً: فحسَّن بدعةَ جهرِ المؤذِّنِ بالصلاةِ على النبيِّ ﷺ عقبَ الأذانِ (١).
وحسَّن أيضًا بدعةَ إقامةِ المولدِ، مع إقرارِه أنها لم تُنقَلْ عن أحدٍ من السلفِ (٢)!
المطلب الثاني: مذهبُه الفِقهيِّ
هو شافعيُّ المذهبِ كما صرَّح بذلك في ترجمته لنفسه في "الضوء اللامع" (٣)، وكذا كلُّ من ترجم له من بعده.
ويدلُّ على ذلك أيضًا ذكرُه للشافعيِّ بلفظ: "إمامنا" (٤).
ويظهر ذلك أيضًا في نشأته العلمية والكتب التي درسها (٥).
* * *
_________
(١) "القول البديع" (ص ٢٨٠).
(٢) "الأجوبة المرضية" (٣/ ١١١٦).
(٣) "الضوء اللامع" (٨/ ٢)، وصرَّح بذلك أيضًا في "فتح المغيث" (٢/ ٣٢).
(٤) كما في الأحاديث (٨، ١٥، ٢٢٣) من هذا الكتاب، وكما في سائر كتبه.
(٥) كما سبق في مبحث "نشأته العلمية".
стр. 40
المبحثُ السادسُ: مَنزِلَته العِلمِيَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه
حَظِيَ السخاويُّ ﵀ بمنزلةٍ علميةٍ رفيعةٍ بين أهل العلم من لدن عصره إلى يومنا هذا، أقرَّ له بذلك الموافقُ والمخالفُ، وكَثُرَت كلماتُ أهل العلم -من شيوخه وأقرانه وتلاميذه وغيرهم- في الثناء عليه، والشهادة له بالفضل والعلم والتقدُّم والإمامة فيه، لا سِيما علمِ الحديثِ.
ومما يدلُّ على ذلك:
١ - أنه قد أذِنَ له عددٌ من شيوخه بالإفتاء والتدريس والإملاء في وقتٍ مبكرٍ، بل كان كثيرٌ منهم يُرسلُ له بالفتاوى أو يسألهُ مشافهةً، بل ربما أخذ بعضهم عنه (١).
٢ - إذنُ الحافظ ابن حجر له بالإقراء والإفادة والتصنيف، وقد تقدَّم أنَّ الحافظَ ابن حجر توفي وللسخاوي إحدى وعشرون سنةً، فدلَّ ذلك على نبوغه وهو صغير.
٣ - ثناء العلماء -المعاصرين له ومن جاء بعدهم- عليه، فمن ذلك:
قال الحافظُ ابنُ حجر: "الشيخ المبارك الفاضل المحدث البارع النبيه المُفنّن الأوحد المُكثر المُفيد المُحصِّل المجيد في الطلب الجميل" (٢)، وقال أيضًا: "إنه أنبه طلبتي الآن (٣)، وليس في جماعتي مثله" (٤). وقام الحافظ بتقريظِ غير واحدٍ من تصانيفِ السخاوي.
وشهدَ الزينُ بنُ قُطلُوبُغا أنَّ الحافظَ شافهه بأنَّ السخاويَّ أنبهُ طلبته،
_________
(١) انظر: "الضوء اللامع" (٨/ ٥).
(٢) "إرشاد الغاوي".
(٣) "الضوء اللامع" (٨/ ٢٠).
(٤) "الضوء اللامع" (٢/ ٤٠).
следующие страницы →