← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 126

الكواكب الدرية على المنظومة البيقونية

سليمان بن خالد الحربي

Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.

стр. 106

وعلى تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: قد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً، وهكذا. مسألة: مظانّ الأفراد، أين أجد الحديث الفرد؟ أهل العلم ألفوا فيها كتب، فلمسلم ـ رحمه الله تعالى ـ كتاب في " الأفراد "، ومعجم الطبراني من مظانّ الأفراد فتجده يقول تفرد به فلان عن فلان أو لا أعلمه يرويه عن فلان إلا فلان، ومسند البزّار أيضاً من مظان الأفراد، وكثير من كتب " العلل " من مظان الأفراد. (الحديث المعلَّل) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما بعلةٍ غموضٍ أو خفا ... معلَّل عندهم قد عرفا انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع والعشرين وهو (الحديث المعلَّل) . المعلَّل: اسم مفعول من أعَلَّه فهو مُعَلّ، وأجاز بعض أهل العلم كذلك " معلَّل "، وإلا فإن الأصح لغةً يقال " حديثٌ مُعَلّ "، وجوزوا أن تقول " معلّل "، ويقولون: " حديث معلول "، وهذه اللفظة قال عنها الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ هي لحن، بل حتى إن بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ قال: هي مرذولة ـ أي من الكلام المهجور وفيه خطأ ـ، ويقول عنها ابن سيده ـ رحمه الله تعالى ـ لست منها على ثقة ولا ثلج ـ يعني لغة ما أظن أنها تصح ـ، مع أن عبارة " معلول " يستخدمها المحدثون فالإمام البخاري وأحمد والشافعي ـ رحمهم الله تعالى ـ يستخدمها، ويستخدمها أهل الكلام، وأهل البلاغة، وأهل العَرُوض. ولهذا يقول الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: - وسمِّ ما بعلّة مشمولُ ... معللاً، ولا تقلْ معلولُ عموماً هو اصطلاح وقد استخدمه أهل العلم، فهنا قاعدة أن الاصطلاح إذا درج عليه أهل العلم لا نلتفت إليه مادام أن المعنى واضح وعرف، فتأتي أنت وتصحح هذا المصطلح؟! فهذا لا يمكن حقيقة، ولكن ممكن أن نبيّن الضعف فيه لغةً، لكن نقول " معلول " استخدمه ولا حرج عليك. وقد عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فقال:

стр. 107

وما بعلةٍ غموضٍ أو خفا ... معلَّل عندهم قد عرفا أي: ما في إسناده علةٌ غامضةٌ أو خفيّة. أو نقول: هي قدحٌ في الإسناد مع أن ظاهره السلامة. وسبق لنا في تعريف الحديث الصحيح: أن لا يكون معللاً. وقلنا العلّة: هي العلة الخفيّة التي لا تظهر، وقد تكون بمعنى العلّة الظاهرة الواضحة. ولهذا تجد بعض أهل العلم يقول: في حديث منقطع ظاهر يقول: هو حديث معلول، فهو اصطلاح. إذاً نقول: اصطلاح أهل العلم في الحديث المعلول: قد يُستخدم في العلل الخفيّة، وقد يستخدم في العلل الظاهرة، فهذا اصطلاح فلا نستطيع أن نرجّح الآن، ونحاكم الأئمة على اصطلاحاتهم! مسألة: صور العلل الخفيّة، كيف تكون علّة خفيّة؟ أحياناً يأتي الإمام فيقول هذا ليس من حديث الزهري، فجاءنا فلان ما فيه مخالفة ولا شذوذ بل أمامي إسناد ما فيه مخالفة، فيأتي أبو حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ فيقول: هذا ليس من الزهري، كيف؟ هذه علّة خفيّة، فلا يمكن أن يعرفها إلا هؤلاء، كيف عرفها؟ قد ندرك هذا وقد لا ندركه، ولهذا هؤلاء الأئمة في صنعتهم ومعرفتهم للعلل تفرّدوا بهذه الميزة. فلو آتي وأضعّف حديث بعلّة قادحة، لا يقبل الناس مني أبداً حتى أبيّن الأسباب، فلا بد أن يكون عندي قرائن، قد تقبلها وقد لا تقبلها لكني بيّنت الأسباب، بينما أولئك الأئمة لا أستطيع، لأن عندهم أمور تيسّرت لهم لم تتيسّر لنا. فعندما يقول: هذا ليس من حديث الزهري، نقول لماذا؟ لأنه هو رأى كتاب الزهري الذي كتب فيه أحاديثه كلها وحفظها، أما نحن الآن لا نستطيع أن نقول هذا ليس من حديث الزهري فليس أحد الآن رأى كتاب الزهري. وهو رأى صحيفة سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁، ورأى صحيفة الحسن عن سمرة ﵁، فلما يأتيه حديث عن الحسن عن سمرة ﵁، وليس موجوداً في الصحيفة، يقول: هذا ليس من حديث الحسن.

стр. 108

فمثلاً يقول: فلان لم يفعل بهذا الإسناد شيئاً مع أنه رواه، لأنه يعرف تاريخ هذا الراوي، فشيخه في بلد معيّن وهو لم يره ولم يلتق به أبداً، فيعرف هذا من خلال تعاصره أما نحن فلا يمكن أن نعرف هذا. إذاً العلل الغامضة لا يمكن أن تستنبط إلا من خلال هؤلاء، وهي التي لا يمكن أن نعرف أسبابها، لكن نحن عندما نُعلّ بعلل غامضة وقادحة لا نستنتجها إلا مع البحث، فلا بد أن نذكر أسباب التضعيف، فقد تكون ظاهرة للناس فقد يقبلون تضعيفي وقد لا يقبلونه، ولهذا نقل عن ابن مهدي وابن معين وجماعة ـ رحمهم الله تعالى ـ يقولون: لا نستطيع أن نحكم على الحديث حتى نعرفه من عشرين وجهاً أو من ثلاثين وجهاً. ولهذا قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه " مقدمة الجرح والتعديل ": سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وهذا باطل، وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح، فقال: من أين علمت أن ذاك خطأ، وذاك باطل، وذاك كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت، أو بأني كذبت في حديث كذا؟ قلت: لا، ما أدري هذا الجزء من راوية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا الحديث باطل، فقال: تدعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادعاء الغيب. قال: فما الدليل على ما قلت؟ قلت: سل عما قلت، من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب. قال: فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فقال: ما قلت إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل.

стр. 109

قلت: الكذب والباطل واحد، قال: وما قلت: إنه منكر، قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحيح، قال: هو صحيح. ثم قال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما. قلت: فعند ذلك علمت أنا لم نجازف، وأنا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناه، والدليل على صحة ما نقوله أن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد. فإن قيل له:من أين قلت:إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا. قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك. قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغَ هذا زجاجا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذا نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه '' اهـ فهذا العلم الغامض حقيقة لا نستطيع نحن أن ندرك عللاً خفيّة، والإمام الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ فتح الله عليه بعلل خفيّة، والشيخ ابن باز ـ رحمه الله تعالى ـ فتح الله عليه بعلل خفيّة، وغيرهم من المحققين فتح الله عليهم بعلل خفيّة، لكنهم لا بد أن يذكروا سبب العلّة، بينما هؤلاء الأئمة تقف أمام إعلالهم أحياناً بلا أي دليل وما علينا إلا أن نأخذ بقولهم ما لم يتخالفوا.

стр. 110

والعلة أعم من أن تكون في الشذوذ، أعم من أن تكون في السماع، أعمّ من أن تكون في الانقطاع، إذاً قد تكون العلة في الانقطاع وقد تكون في السماع، وقد تكون في قلب الإسناد، قد تشمل كل ما سبق، وقد تكون في نفس الحديث كلّه وما شابه ذلك، فلا حصر لها. (الحديث المضطرب) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وذو اختلافِ سندٍ أو متنٍ ... مضطربٌ عند أهيل الفنِّ انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الخامس والعشرين وهو (الحديث المضطرب) . قال الإمام السخاوي ـ رحمه الله تعالى ـ: " لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلّة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح ـ وهو المضطرب ـ ". المضطرب: اسم مفعول من اضطرب، وأصلها اضترب، فأبدلت التاء طاءً، كما هو معلوم لهذا الوزن لعلّة صرفيّة مشهورة. والاضطراب لغةً: هو الاختلاف، تقول اضطرب الشيء إذا اختلف وتغيّر، وأحوالٌ مضطربة أي مختلفةٌ متغيّره، وفيه معنى الحركة وعدم الاستقرار، تقول ماء مضطرب أي غير ساكن. اصطلاحاً عرّف بعدّة تعريفات: التعريف الأول: ما اختلف سنداً أو متناً، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. وفي تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قصور يُعرف بالتعريف الآخر. التعريف الثاني: ما اختلفت أسانيده وتعددت طرقه على سبيل الاختلاف دون ترجيح لأي طريق مما يلزم منه الضعف. وهذا تعريف جيد. فذدنا في هذا التعريف أمريان: الأمر الأول: أنه لا يمكن الترجيح لأحد الطرق.

стр. 111

الأمر الثاني: أنه يلزم الضعف لأحد هذه الأوجه، فلو كان أحد الأوجه يلزم منه الضعف ففيه راوٍ ضعيف لهذا الإسناد مثلاً فلو رجّحت هذا الإسناد لكان هذا الحديث ضعيفاً، وفي المضطرب لا أدري أيهما المحفوظ، فقد يكون المحفوظ هو الإسناد الذي فيه الراوي الضعيف، احترازاً مما لو جاءت الأسانيد المختلفة كلها ثقات، فسواءً رجحت هذا صحّ الحديث، وإن رجّحت هذا صحّ الحديث أيضاً، فإن أخذت بهذا الإسناد فهو صحيح ليس فيه علّة سوى الاضطراب بين الأسانيد وما أدري أيها هو " المحفوظ ". وقولنا: وتعددت طرقه، يفهم من قول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ وذو اختلاف سند، فكأنه يشير إلى أن هناك عدّة طرق له،وهذا شرط في المضطرب أن يكون متعدد الأسانيد مختلفة مضطربة، أما إذا كان إسناداً واحداً كيف نحكم عليه بالاضطراب؟! فالمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قال: وذو اختلاف سند أو متن. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:- مضطرب الحديث ما قد وردا ... مختلفاً من واحدٍ فأزيدا في متن أو في سند إن اتّضح ... فيه تساوي الخُلْفِ، أما إن رجح بعض الوجوه لم يكن مضطربا ... والحكم للراجح منها وجبا كالخطِّ للسترة جَمُّ الخُلْفِ ... والاضطراب موجبٌ للضعفِ فهذا هو المضطرب: تأتيني أسانيد في حديث واحد فلا أستطيع أن أرجح بينهما، وسبق لنا أنا إذا حكمنا على هذا الإسناد بالشذوذ، فهذا ليس مضطرباً لأني رجحت أحدهما على الآخر، وقد أحكم على أحد الأسانيد بالضعف، وقد أحكم على الإسناد الآخر بأنه مقلوب فيكون الحديث الآخر هو المحفوظ إذاً هنا ترجيح لكن يأتيني أسانيد في حديث معيّن فلا أستطيع أن أرجح بين هذه الأوجه كلها. فعندنا في المضطرب عدّة أوصاف: الأول: أنه يأتي من عدّة أسانيد مختلفة. الثاني: أنه لا يمكن الترجيح بين هذه الأسانيد. الثالث: أنه يلزم الضعف لأحد هذه الأوجه. مثال للمضطرب:

стр. 112

اجتهد أهل العلم في التمثيل، فابن الصلاح والعراقي ـ رحمها الله تعالى ـ ذكرا حديث الخط من المصلي للسترة في الصلاة، من حديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليَخُطّ خطّاً، ثم لا يضرّه من مرّ بين يديه " فاختارا هذا المثال للتمثيل على المضطرب، وهو فعلاً مضطرب فحديث أبي هريرة ﵁ هذا أسانيده كثيرة جدّاً، لكن في الحقيقة أنه يمكن الترجيح بينهما، ولهذا صححه الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ، ولهذا بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في بلوغ المرام قال: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. أهـ، يقصد بذلك بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ. والمثال الذي أراه مستقيماً تماماً هو: حديث كعب بن عجرة ﵁ في تشبيك الأصابع قبل الصلاة في الطريق للصلاة، أن الرسول ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكنّ بين أصابعه فإنه في صلاة) ، فهذا في نظري هو من أحسن الأمثلة على الحديث المضطرب، وقد وجدت الحافظ بن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ حكم على هذا الحديث بالاضطراب قال: وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب، وهو كذلك، فتجد سعد بن إسحاق يروي عن كعب بن عجرة ﵁، مرةً يرويه عن أبي ثمامة، ومرةً يرويه عن أبي سعيد المقبري عن كعب، فلا تستطيع أن ترجح مع أن بعض هذه الأسانيد تصحح الحديث،فتتحيّر بين أسانيد الثقات والضعفاء في أي الأسانيد ترجح. وهو قد يكون عند عالم مضطرباً وقد يكون عند عالم آخر غير مضطرب، فلا مشاحة فنحن نتفق على أن هذا الحديث أسانيده مختلفة كثيرة فيها اضطراب واختلاف، لكن أنت قد تميل إلى ترجيح أحد الأسانيد، وأنا قد أميل إلى أنه لا يمكن الترجيح بينها.

стр. 113

ومثلاً بعض أهل العلم حكم على حديث (من غسل ميتاً فليتوضأ) بالاضطراب لأن هناك تسعة أسانيد لهذا الحديث، وإن كنت لا أرى أن هذا يستقيم مثالاً للمضطرب، لأنه يمكن الترجيح وبسهولة في هذا الإسناد، وعلى ذلك فقس. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: - وذو اختلافِ سندٍ أو متنٍ ... مضطربٌ عند أهيل الفنِّ فقوله " وذو اختلاف سندٍ أو متن ": أي أنه يأتي الاضطراب في السند والمتن، وأحياناً يكون في الإسناد فقط، ولا يلزم أن يكون هناك متن دون اضطرابٍ في إسناده هذا لا يكون اضطراب، وإنما يكون هذا في الإسناد لأن المتن ـ وإن ذكروا له أمثلة لكن الترجيح سهل جدّاً فلا أعرف متناً لا نستطيع أن نرجح في المتن، فتستطيع أن ترجح من خلال الإسناد المحفوظ. وقوله " أهيل ": تصغير كلمة أهل. فقوله: " أهيل الفنّ ": هم أهل الحديث. قد يسأل سائل فيقول: إذا كان في أحد الأسانيد المضطربة ضعف، فلنرجح الصحيح ونترك الضعيف؟ نقول نحن نتكلم عن ما هو الإسناد المحفوظ لهذا الحديث الذي سأحكم عليه؟ ، فلم أحكم عليه إلى الآن، هل هذا الراوي ساقط في الإسناد أو موجود؟ إذاً لا ندري نحن الآن، فقد يكون هذا الذي أسقط هذا الراوي ليس هو الإسناد المحفوظ لهذا الحديث الذي سأحكم عليه، وبعدما أختار وأرجح سأبدأ في البحث في إسناده. إذاً عندنا درجات:- أولاً: أختار ما هو المحفوظ في هذا الإسناد لهذا المتن؟ فعندي مثلاً خمسة أسانيد لهذا المتن، فما هو الإسناد الذي سأحكم عليه؟ ثانياً: أحكم على الإسناد الذي اخترته. فإذاً لا يخلو من ثلاث حالات أمام هذا المتن الذي له أربعة أسانيد: الحالة الأولى: إما أن أبحث في هذه الأسانيد لأختار أيها الأمثل، فأرجح بأن الأمثل هو الصحيح فهذا فعلاً محفوظ، إذاً سأحكم على الحديث بالصحة. الحالة الثانية: أو قد أحكم بأن المحفوظ لهذا المتن الإسناد الذي فيه راوٍ ضعيف، إذاً سأحكم عليه بالضعف.

стр. 114

الحالة الثالثة: أو أتردد فلا أستطيع أن أرجح فهذا هو المضطرب. الحالة الرابعة: قد أرجح هذا وهذ، وأقول إن الحديث جاء من هذا الوجه، وجاء الحديث من هذا الوجه. والاضطراب قد يكون من راوٍ واحد، فأنا مضطرب ما هو الحديث الذي حفظه؟ فيأتيني راوي مرة يقول شيخي كذا، ومرّة يقول شيخي كذا، فإن استطعت أن أرجح فإن كان ضعيفا هذا الراوي الذي اضطرب فالحديث إذاً ضعيف ولا يحتاج أن نقول بأنه مضطرب لأن الراوي ضعيف، فإن كان ثقة فهذا يختلف فقد أرجح وقد لا أرجح فأكون مضطرباً في هذا الإسناد، لكن هذا بقلة أن يكون الاضطراب من واحد. مسألة: حكم الحديث المضطرب. المضطرب من قسيم الحديث الضعيف. (الحديث المُدرج) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والمدرجات في الحديث ما أتت ... من بعض ألفاظ الرواة اتصلت انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السادس والعشرين وهو (الحديث المدرج) . مدرج: اسم مفعول. الإدراج لغة: هو الإدخال. اصطلاحاً: ما زيدت بعض ألفاظ من الرواة في الحديث، وهكذا عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. والمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر تعريف قسمٍ واحد من أقسام المدرجات، وهو المدرج في المتن فهو قال: من بعض ألفاظ. فلم يذكر الإدراج في الإسناد فكأنه خصّ باب الإدراج في المتون فقط، وهذا غير صحيح. والتعريف الصحيح هو: ما زيد في إسناده أو متنه مما ليس منه. فالمدرج قسمين: القسم الأول: إدراج في الإسناد، وصفته: أن يأتي الراوي فيدرج في إسناده متناً غير المتن الذي هو له. مثاله:

стр. 115

قصة ثابت بن موسى لما دخل على شريك وهو يملي على التلاميذ ويقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ، ثم سكت سكتة لطيفة، فلما نظر إلى وجه ثابت عند دخوله قال شريك: (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار) ، وكان يقصد ثابتاً لزهده وورعه، إلا أن ثابتاً ظن أن هذا هو متن ذلك الإسناد، فكان يحدّث به. وإلا فإن الحديث الذي ذكر متنه شريك هو: (إذا نام أحدكم فإن الشيطان يعقد على رأسه ثلاث عقد......الحديث) . وكذلك مما يمثل به، أن بعض الرواة يجد حديثاً متنه واحد، لكن إسناده مختلف، وهو كله عن أبي هريرة ﵁ مثلاً، فيأتي إلى لفظة في أحد الحديثين فيجعلها في الحديث الآخر، مثل حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا...........الحديث) . فقوله: (ولا تنافسوا) مدرجة من كلام سعيد بن أبي مريم وليست هي في هذا الحديث، بل هي في حديث آخر من حديث مالك عن أبي الزناد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا.......الحديث) . القسم الثاني: إدراج في المتن. وصفته: أن يذكر الراوي بعض الألفاظ التي هي غير موجودة في الحديث، فيدرجها. وهو ثلاث صور:- الصورة الأولى: إدراج في أول المتن. مثاله: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أسبغوا الوضوء (ويل للأعقاب من النار) . فقوله: (أسبغوا الوضوء) مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة ﵁. الصورة الثانية: إدراج في وسط المتن. مثاله:

стр. 116

حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي عند البخاري قالت: (كان رسول الله ﷺ يذهب إلى غار حراء فيتحنّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد) . فقوله في الحديث: (وهو التعبد) مدرج في الحديث من كلام الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ. الصورة الثالثة: إدراج في آخر المتن. مثاله: حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء) فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل. فقوله في الحديث " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل " مدرج من كلام أبي هريرة ﵁. مسألة: ما هو الطريق لمعرفة الإدراج في الأحاديث؟ يدرك الإدراج في الحديث بأحد الأمور التالية: ١) من خلال تتبع الأسانيد، فأجد في بعض الأحيان أن أبا هريرة ﵁ يقول: قلت: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل ". ٢) أن ينص الراوي على الإدراج بأن يقول ثم قال أبو هريرة ﵁: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل ". ٣) من خلال تأمل المعنى، فأحياناً تذكر أشياء لا يمكن أن يقولها النبي ﷺ فواضح أن الذي ذكرها هو الراوي. ٤) أن ينصّ بعض أهل الأئمة المطلعين على الإدرج، كشعبة، ووكيع، وأحمد، ويحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ. وقد اهتمّ أهل العلم في المدرجات إهتماماً عظيماً فألفوا فيه كتب، ومن أعظم الكتب في هذا كتاب " الفصل للوصل المدرج في النقل " للخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو مطبوع في مجلّدين. وكذلك للحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ كتاب في هذا، وكذلك هناك لبعض المعاصرين كتاب في هذا. مسألة: حكم الإدراج. قال بن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه على البيقونية ما نصّه:

стр. 117

إن كان يتغيّر المعنى بالإدراج فإنه لا يجوز إلا ببيانه. وإن كان لا يتغيّر به المعنى مثل: حديث الزهري (والتحنّث التعبّد) فإنه لا بأس به، وذلك لأنه لا يعارض الحديث المرفوع، وإذا كان لايعارضه فلا مانع من أن يُذكر على سبيل التفسير والإيضاح. وإذا تبيّن الإدراج فإنه لا يكون حجة، لأنه ليس من قول النبي ﷺ فلا يحتج به. (الحديث المدبَّج) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما روى كل قرين عن أخِهْ ... مدبّج فاعرفه حقاً وانتخه انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السابع والعشرين وهو (الحديث المدبّج) . مدبّج: اسم مفعول من دبّج مدبّج، ومادة دبّج من التحسين والتزيين. والمدبّج اصطلاحاً: هو رواية كل قرين عن قرينه، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو تعريف جيّد. ففي هذا التعريف وصفان مهمان في وصف المدبّج: - الوصف الأول: أن يكونا أقراناً، احترازاً من رواية الأكابر عن الأصاغر أو رواية الأصاغر عن الأكابر، فأحياناً يروي الشيخ عن تلميذه، فلا يكون هذا من باب التدبيج، لا بد أن يكونا قرينين، بأن يتفقا في السن مثلاً أو اتفقا في الشيوخ. الوصف الثاني: الرواية بأن يروي القرين عن قرينه، فإن كان في سنّه ولم يرو عنه فهم أقران وليس مدبّجاً، فإن روى عنه فهو المدبّج. وسمي هذا الحديث بالمدبّج، مأخوذ من الديباجة، ويقال ديباجتي الوجه أي جانبيه، سمي بذلك لتساوي القرينين وتقابلهما، وقيل: لأن فيه شدّة تحسين وتزيين وتواضع، أن يروي القرين عن قرينه ففيه تقارب بينهما، يقال: دبّج الشيء إذا زيّنه. وقوله " أخه ": هذه من الأسماء الستة، ولم تعرب هنا بالحركات الفرعيّة، وإنما هذه هي لغة النّقص، وهي لغة صحيحة فصيحة عربيّة. وذكرها بن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال: - أبٌ أخٌ حمٌ كذاك وهنُ ... والنقص في هذا الأخير أحسنُ وفي أبٍ وتالييه يندر ... وقصرها من نقصهن أشهر

стр. 118

فصار عندنا هنا ثلاث لغات: الإعراب بالحركات الفرعيّة، ولغة النقص، ولغة القصر. ولغة النقص هي: إعراب الاسم بالحركات فترفع بالضمة، وتنصب بالفتحة، وتجر بالكسرة. والهاء في قوله " أخه ": تسمى هاء السكت، ويأتي بها العرب من أجل إظهار حركة الحرف الأخير. وقوله " انتخه ": أي افتخر، واستمسك بهذا النوع، لأن فيه افتخار وفيه حسن وتعاون وأخلاق بين الأقران. (الحديث المتفق والمفترق) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: متفقٌ لفظاً وخطاً متّفق ... وضدّه فيما ذكرنا المفترق انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثامن والعشرين وهو (الحديث المتفق والمفترق) . تعريف المتّفق: ما اتفق لفظاً وخطاً، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أن هذا تعريف المتفق فقط، أما المفترق يكون على ظاهر كلامه هو: ما فترقا لفظاً وخطاً، وهذا على خلاف كلام أهل الفن، فمعروف أن محمد بن عبد الله، غير سعد بن صالح، فلا يحتاج للمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أن ينبه عليه، وهذا غير صحيح فالباب كله اسمه " المتفق والمفترق " فهو متفق من وجه ومفترق من وجه آخر، وهذا هو قصدهم في هذا الباب. وقد رأيت بعض الشرّاح المعاصرين يخطأ في هذا، لأن كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ موهم. وقد نعتذر للمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال: وضدّه فيما ذكرنا المفترق، أي ضد المفترق من حيث التباين، وإن كانت عبارته موهمة. فالمتفق والمفترق قال هو: ماتفق لفظاً وخطاً، لكنه مختلفٌ ذاتاً، فعندي عبد الكريم بن أبي أميّة اثنين، فهما متفقان لفظاً وخطاً، لكنهما مختلفان ذاتاً، وكذلك الخليل بن أحمد فيه ستة فهؤلاء متفقون خطاً ولفظاً، لكنهم مختلفون ذاتاً. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: وَلَهُمُ الْمُتَّفِقُ الْمُفْتَرِقُ ... مَا لَفْظُهُ وَخَطُّهُ مُتَّفِقُ لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ لِعِدَّةِ ... نَحْوَابْنِ أحْمَدَ الْخَلِيْلِ سِتَّةِ

стр. 119

وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَجَدُّهُ ... حَمْدَانُ هُمْ أَرْبَعَةٌ تَعُدُّهُ وَلَهُمُ الجَوْنيْ أَبُوْ عِمْرانَا ... اثْنَانِ والآخِرُ مِنْ بَغْدَانَا كَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ... هُمَا مِنَ الأَنْصَارِ ذُوْ اشْتِبَاهِ صفة الإتفاق كثيرة ومنها: - ١) أن يتفقوا في الكنية. ٢) أن يتفقوا في الإسم الثلاثي. كيف يعرف الإنسان هذا؟ يعرفه من خلال الممارسة، والرجوع إلى شروح الحديث، مثل كتاب " المتفق والمفترق " للخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ. ? تنبيه: - أحياناً يأتي راوي اسمه سفيان، يقول الراوي عن سفيان عن الزهري مثلاً، فهذا ليس من باب " المتفق والمفترق " عند أهل الفن، وإنما هو من باب " المهمل ". (الحديث المؤتلف والمختلف) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: مؤتلفٌ متّفق الخط فقط ... وضدّه مختلفٌ فاخش الغلط انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم التاسع والعشرين وهو (الحديث المؤتلف والمختلف) . المؤتلف والمختلف هو: مؤتلفٌ متّفق الخط فقط وضدّه مختلفٌ فاخش الغلط، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. وهذا التعريف يوهم أن المؤتلف تعريفه هو: متفق الخط، والمختلف: هو مختلف الخط. وهذا غير صحيح فهما باب واحد " المؤتلف والمختلف ". فتعريف " المؤتلف والمختلف " هو: ما اتفق كتابةً واختلف نطقاً. إذاً هو متفق من وجه، مختلف من وجه آخر. وقد نعتذر أيضاً هنا للمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال: وضدّه مختلفٌ فاخش الغلط، أي ضد المؤتلف من حيث التباين، وإن كانت عبارته موهمة. فالمؤتلف والمختلف هو: ما اتفق كتابةً واختلف نطقاً، وممكن هذا: - ففي العصور المتقدّمة من وجهين، لأنهم لا ينقّطون فعندهم: حرام وحزام واحد لا تستطيع أن تفرق بينهما، وكذلك ممكن من وجه آخر وهو الحركات مثل: عِمارة وعُمارة.

стр. 120

وفي عصرنا الآن ممكن من وجه واحد، لأنه وجدت النقط، فيكون ممكن في الحركات، فمثلاً: محمد بن سلاَم، ومحمد بن سلاّم. قال المؤلف " فاخش الغلط ": لأنه لا يسلم منه أحد، لأنه ليس على قياس، وليس على قاعدة، يعني مثلاً لما أقول: عَبِيْدِة وعُبْيدَة، فليس هناك قاعدة نحويّة أو صرفيّة في هذا. ولهذا يقول السخاوي ـ رحمه الله تعالى ـ: إنه لم يسلم منه عالِم. لكن مع الممارسة ومعرفة الرواة يستطيع الإنسان أن يضبط هذا ـ إن شاء الله ـ، وهناك كتب أيضاً كتبت في هذا مثل " المؤتلف والمختلف " للدارقطني وهو مطبوع. فائدة: قال الدمياطي ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه على البيقونيّة: كما يقع التصحيف في سند الحديث يقع أيضاً في متنه، كما وقع لابن لهيعة ـ رحمه الله تعالى ـ فيما رواه عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت ﵁: (أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد) ، وإنما هو (احتجر في المسجد بخُصٍّ أو حصيرٍ حجرةً يصلي فيها) ، فصحّفه ابن لهيعة، لكونه أخذه من كتاب بغير سماع. (الحديث المنكر) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والمنكر الفرد به راوٍ غدا ... تعديله لا يحمِلُ التفردا انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثلاثين وهو (الحديث المنكر) . المنكر: اسم مفعول، مأخوذ من النكارة. واصطلاحاً عرّف بعدّة تعريفات: - التعريف الأول: ما تفرّد به راوٍ قلّت ثقته ولا يحتمل تفرّده. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. فقولنا " ما تفرّد ": هو قول المؤلف " المنكر الفرد ". وقولنا " قلّت ثقته ": هو قول المؤلف " تعديله " فذكر أن هناك تعديلاً له، أي أنه في حيّز الثقات المقبولة روايتهم. التعريف الثاني: أن كلّ فردٍ منكر، فكل حديث فرد فهو منكر. التعريف الثالث: هو تفرّد الضعيف.

стр. 121

التعريف الرابع: هو ما خالف به الضعيف أو قليل الضبط الثقات، أي انه قسيم الشاذّ، وهذا هو المشهور عند المتأخرين، وهو المختار، وهو تعريف الحافظ ابن الصلاح، وهو اختيار الحافظ العراقي، والحافظ بن حجر ـ رحمها الله تعالى ـ. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: - والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلق، والصواب في التخريج إجراء تفصيلٍ مع الشذوذ مرْ ... فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر إذاً هو في باب الشذوذ، فاجتمع مع الشذوذ في " التفرّد والمخالفة "، واختلف مع الشذوذ من حيث " الضعف " فالشذوذ قلنا ثقة، وفي المنكر قلنا ضعيف أو خفيف الضبط. وهذه كلها اصطلاحات استخدمها العلماء فلا نستطيع أن نرجّح بين التعاريف. مثال للحديث المنكر: شبّه الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ على المنكر، بحديث وضع الخاتم عند الخلاء، وهو ما رواه أبي داود من حديث همّام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) ، وهذا يشكل على التعريف الذي اخترناه، وهو أنه مخالفة الضعيف، فهمّام بن يحيى ثقة وليس ضعيفاً، وهو قد خالف الرواة كلّهم فجعل هذا المتن الغريب المحفوظ في حديث الزهري عن أنس ﷺ أن رسول الله ﷺ (اتخذ خاتماً ووضع في خاتمه الشهادة) ، فهذا هو المحفوظ، ولكن همّام بن يحيى خالف فجعل هذا المتن أن رسول الله ﷺ (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) ، وهذا حديث منكر، أنكره الأئمة كالنسائي فقد قال: هذا حديث غير محفوظ. إذاً هذا هو المنكر، وقد سبق لنا التفصيل في هذا في باب الشاذ. مسألة: حكم الحديث المنكر. لا شك أنه من قسيم الضعيف. (الحديث المتروك) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: متروكه ما واحدٌ به انفرد ... وأجمعوا لضعفه فهو كردّ

стр. 122

انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الحادي والثلاثين وهو (الحديث المتروك) . المتروك: هو المهجور، وسمّاه الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ " الحديث المطّرَح "، أو نحن نزيد " الحديث الواهي "، أو " الحديث الباطل "، فهذه كلها أسماء صحيحة للمتروك. والمتروك هو: ما انفرد به ضعيفٌ مجمعٌ على ضعفه، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ. إذاً هذا الحديث يضعّف من وجهين: الوجه الأول: من جهة الإجماع على ضعف الراوي، بل حتى ولو لم يجمع على ضعفه. الوجه الثاني: من جهة أنه تفرّد بهذا الأصل بهذا الحديث، فكيف بواحد ضعيف مجمع على ضعفه، يروي لنا متناً عن رسول الله ﷺ ، والثقات يتركونه، فهذا لا يمكن. وبعض أهل العلم يقول: إن المتروك هو " الموضوع " وفي هذا تسامح، لما سيأتي في الحديث الموضوع . (الحديث الموضوع) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والكذب المختلَقُ المصنوع ... على النبي فذلك الموضوع انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثاني والثلاثين، وهو (الحديث الموضوع) . الحديث الموضوع هو: الحديث المكذوب المختلَق المصنوع عى رسول الله ﷺ . فالحديث الموضوع لآ بد من أن يشتمل على ثلاثة أوصاف: - ١) أن يكون مكذوباً. ٢) أن يكون مختلَقاً. ٣) أن يكون مصنوعاً. وهناك مسائل مهمة جداً في الحديث الموضوع. فالمؤلف قال: " مختلَق "، ولايختلِق الإنسان شيئاً إلا إذا تقصّد أن يختلِقَه، فهل من شرط الموضوع أن يتقصّد الواضع الوضع؟ هذه المسألة مما اختلف فيها المحدثون على قولين: -

стр. 123

القول الأول: أنه يشترط القصد في الوضع، فلا نحكم على حديثٍ بالوضع حتى يتقصّد الواضع الوضع، وأما إذا لم يتقصّد فنسمّيه خطأ، نسميه مقلوباً، نسميه مدرجاً، نسميه شاذاً، وهذا هو القول الراجح، وهو أضبط، لكنه من حيث اللغة يصحّ أن يكون هذا موضوعاً، فلا ينسب إلى الرسول ﷺ . القول الثاني: لا يشترط التقصّد، ونسميه موضوعاً بشرط أن نجزم جزماً يقينياً أنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وعليه المقلوب الذي علمنا قلبه يسمى " موضوعاً "، والمدرج الذي علمنا إدراجه يسمى " موضوعاً ". وهذا فيه تسامح ولا ينبغي التوسع فيه ولاينبغي الأخذ به، لأننا لا يمكن أن نضبط الناس، فأنا قد أجزم بأن هذا منقلب على الراوي فأقول " موضوع "، لكن هناك عالِم آخر يقول بأنه لم ينقلب على الراوي فيحكم عليه بالصحّة، فكيف أحكم عليه بالوضع، وهو يحكم عليه بالصحّة؟! فهذا غير جيد وهو يؤدي إلى اضطراب كبير لسنة رسول الله ﷺ وينبني عليه إشكالات كثيرة فمثلاً أن أنسف كل أحاديث المخطئ لأنني سأقول بأنه وضّاع، وكذلك أقطع باب البحث، فأنا لما آتي وأقول هذا الحديث موضوع، فمعناه لا تبحثوا في إسناده وهذا لا يمكن، أما لو حكم عليه بالصحة، وأنا أحكم عليه بالضعف، فهذا ممكن، ولا يغلق باب البحث، فربما لم يبحث هو أسانيده جيّداً. ولهذا اعترض الأئمة على ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه " العلل المتناهية " و " الموضوعات "، فابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ توسّع، فكل ما كان عنده لا يمكن أن يكون صحيحاً قال: هو " موضوع "، مع أن غيره من الأئمة يصححه فممكن البخاري ومسلم يصححانه ـ رحمهما الله تعالى ـ، وهو ـ رحمه الله تعالى ـ يحكم عليه بالوضع، لأنه جزم أنه لا يصحّ. قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:- وأخطأ الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف، عنى أبا الفرج

стр. 124

ولهذا بن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ له قاعدة في ذلك وهي: أن ما خالف المعقول، وما ناقض الأصول فهو الموضوع. نقول باين المعقول عند من؟! خالف المنقول عند من؟! وناقض الأصول عند من؟! إذاً نخطِّئ ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ في عمله. مسألة: حكم الكذب على رسول الله ﷺ . أجمع أهل العلم على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، وقد ورد في الحديث المتواتر (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار) . اختلفوا في تكفيره، وقد نقل عن الإمام الجويني ـ رجمه الله تعالى ـ أنه كفّره إذا علم أنه موضوع، لكن النووي ـ رحمه الله تعالى ـ ردّ عليه قال: لأن هناك عبّاداً زهّاداً لما رأو الناس لا يقرأون القرآن فوضعوا أحاديث في فضائل السور، فكيف أكفّره؟! فهو الآن مقصده الخير، وقد أخطأ فيه، فانتقد النووي ـ رحمه الله تعالى ـ هذا القول وقال: لا يمكن أن نقول هذا لأنه سيدخل في التكفير على أناس لم يقصدوا هذا. فالصحيح كما قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ وهو قول جماهير أهل العلم: أن الكذب على رسول الله ﷺ كبيرة من كبائر الذنوب لا يكفر فاعلُه حتى يستحلَّه. مظان الأحاديث الموضوعة:- كتاب " الموضوعات " و " العلل المتناهية " لابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ. (الخاتمة) قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وقد أتت كالجوهر المكنونِ ... سميّتها منظومة البيقوني فوق الثلاثين بأربع أتت ... أبياتها ثم بخيرٍ ختمت شبّه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ هذه المنظومة بالجوهر النفيس المكنون المحفوظ في وعاء. قال: سميّتها منظومة البيقوني، أي سمّاها هذا المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فهي اسمها منظومة البيقوني، وبه نعلم ما ذكرته لكم في أول درس، أن المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لم يتقصد أن يخفي نفسه، فلو قصد المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أن يخفي نفسه لما ذكر اسمه.

стр. 125

وقوله " فوق الثلاثين بأربع أتت ": أي عدد أبياتها أربعاً وثلاثين بيتاً. وقوله " ثم بخيرٍ ختمت ": ختمت بالصلاة على النبي ﷺ ، وهو خير ما يختم به الأشياء. ونحن نختم هذه المنظومة بالدعاء للمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأن يغفر له ذنوبه وأن يجزيه خير الجزاء على ما حفظ لنا سنة رسول الله ﷺ ، وأن يرفع درجاته، وأن يعلي قدره، وأن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يغفر له ما قد وما أخّر وما أسرر وما أعلن، كما ندعو لمن أفادنا في شرح هذه المنظومة، ولمن حظر ولمن تسبب في إقامة هذه الدورة بأن يجزيهم خير الجزاء وأوفره وأكمله وأتمّه، ومن سعى في نفع الناس إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات) وكتبه عبد العزيز بن أحمد المسعود الزلفي

стр. 126

الحديث الفرد.............................................................. ... ١٣٣ الحديث المعلل............................................................. ... ١٣٦ الحديث المدرج............................................................ ... ١٤٦ الحديث الدبّج............................................................. ... ١٥٠ الحديث المتفق والمفترق..................................................... ... ١٥٢ الحديث المؤتلف والمختلف.................................................. ... ١٥٤ الحديث المنكر............................................................. ... ١٥٦ الحديث المتروك............................................................ ... ١٥٨ الحديث الموضوع.......................................................... ... ١٥٩ الخاتمة................................................................ ... ١٦٢ الفهارس.................................................................. ... ١٦٤