Полный текст (126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هذا ليس إبهاماً، وإنما هو من باب المجهول، إذاً هناك فرق بين مصطلح المجهول، ومصطلح المبهم.
فالمبهم: هو مافيه راوٍ لم يسم، فإذا كان هناك اسم موجود لكنه غير معروف ولم يُعرّف فإنه سينتقل إلى باب المجهول.
(الحديث العالي)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وكل ما قلّت رجاله علا ... ..........................
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثالث عشر وهو (الحديث العالي) أو (الإسنادالعالي) .
الحديث العالي أو الإسناد العالي: هو كلّ ما قلّت رجاله.
مثال:
اثنا عشر راوياً أعلى من ثلاثة عشر راوياً، وخمسين راوياً أعلى من مائة راوٍ وهكذا.
إذاً كل ما قارنت بين إسنادين فالإسناد العالي هو الأقل.
فإذا قال مالك: حدثني نافع عن ابن عمر ﵄، وقال البخاري: حدثني الحميدي حدثني سفيان حدثني إبراهيم حدثني علقمة حدثني عمر ﵁، فإسناد مالك أعلى من إسناد البخاري، إذاً لا تستطيع أن تحكم على إسناد لوحده حتى تقارنه بين آخر.
الإسناد العالي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
الإسناد العالي باعتبار قربه إلى النبي ﷺ فهذا يسمى الإسناد العالي المطلق.
مسألة: الأسانيد الثلاثية عند أصحاب الكتب الستة وعند الإمام أحمد:
أولاً: البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ عنده ٢٢ إسناداً ثلاثياً، جاءت من خمسة طرق:
الطريق الأول: من طريق شيخه المكي بن إبراهيم.
الطريق الثاني: من طريق شيخه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، كلاهما ـ أعني المكي وأبوعاصم ـ عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁.
الطريق الثالث: من طريق شيخه محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس بن مالك ﵁.
الطريق الرابع: من طريق شيخه عصام بن خالد عن حَريز بن عثمان عن عبد الله بن بُسْر ﵁.
стр. 72
الطريق الخامس: من طريق شيخه خلاد بن يحيى عن عيسى بن طهمان عن أنس بن مالك ﵁.
ثانياً: مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي.
ثالثاً: أبو داود ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي.
رابعاً: الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ عنده حديث واحد إسناده ثلاثياً، من طريق شيخه إسماعيل بن موسى الفزاري بن بنت السُدّي الكوفي عن عمر بن شاكر عن أنس بن مالك ﵁.
خامساً: النسائي ـ رحمه الله تعالى ـ ليس عنده إسناد ثلاثي.
سادساً: ابن ماجه ـ رحمه الله تعالى ـ عنده خمسة أحاديث أسانيدها ثلاثية، كلها من طريق شيخه جبارة بن مُغَلِّس عن كثير بن سليم عن أنس بن مالك ﵁.
سابعاً: الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ عنده ٣٣٢ إسناداً ثلاثياً، شرحها السفّاريني في كتابه " شرح ثلاثيات المسند ".
وتعرف الأسانيد العالية من خلال كتب المصطلح في باب " الإسناد العالي والنازل ".
القسم الثاني:
العلو بالنسبة إلى إمام أو مصنَّف.
مثال: الإمام البيهقي ـ رحمه الله تعالى ـ إذا كان له إسناد بينه وبين البخاري أربعة، وإسناد آخر بينه وبين البخاري ثلاثة فهذا الإسناد الذي بينه وبين البخاري ثلاثة، إسناده عالٍ بالنسبة إلى الإمام البخاري، وليس إسناداً عالياً مطلقاً، لأنه قد يكون هناك إسناد أقوى من البخاري يقرب إلى النبي ﷺ أقرب جداً، لكن نحن نتكلم عمن إلى البخاري نفسه.
قد يقول قائل: إذا صاروا ثلاثة إلى البخاري، وهذا أربعة إلى البخاري، سيكون عالٍ إلى الإمام وعالٍ إلى الرسول ﷺ ، لأنه قلّ رجل، لا. هذا غلط، لأنه قد يكون هناك إسناد من غير البخاري يصل إلى النبي ﷺ بأقل من هذا.
стр. 73
إذاً نقول إن الإسناد العالي إلى إمام لا يلزم منه أن يكون هو الإسناد العالي، قد يكون هناك إسناد أقل منه عالي مطلقاً لا إشكال في هذا لكن من حيث الوصول إلى الإمام يكون إسناداً عالياً.
فمثلاً الحاكم كم بينه وبين البخاري؟ ، أبو عوانة كم بينه وبين مسلم؟ ، وهذه هي صفة المستخرجات على الكتب كمستخرج أبي عوانة، ومستخرج أبي نعيم على البخاري وعلى مسلم، أيش معنى مستخرج؟ يأتي هذا الإمام فيوافق هذا الإمام في أسانيده وفي أحاديثه، فيستخرج على هذا الكتاب أسانيد أخرى.
إذاً نقول الإسناد العالي ينقسم إلى قسمين:
١) إسناد عالٍ مطلقاً.
٢) إسناد عالي بالنسبة إلى إمام أو كتاب، وهذا تكلم فيها أهل العلم بكلام لا فائدة منه يعني هناك الإسناد العالي الموافقة، وهناك المساواة، وهناك الإبدال، وهناك المصافحة، هذه كلها ليس لها كبير فائدة وهي سهلة موجودة في الشروح، وقلّ من يعتني بهذا العلم.
(الحديث النازل)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
....................... ... وضده ذاك الذي قد نزلا
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع عشر وهو (الحديث النازل) أو (الإسناد النازل) .
قال: وضدّه: أي ضد العالي، الإسناد النازل.
ما معنى نزلاً: أي نزل من حيث العلو، وهو الآن مثلاً في السُّلّم في الدرجة الرابعة فنزل إلى الدرجة الثالثة، إذاً هو نزل أو صعد؟ نزل.
قد نزلاً: أي من حيث العلو قد نزل ومن حيث الدنو يكون اقترب.
إذاً وضدّه ذاك الذي قد نزلا: قد نزل إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى إمام أو مصنَّف.
والألف في قوله (قد نزلا) للإطلاق.
مسألة: هل يلزم من علو الإسناد صحة الحديث؟
لا يلزم، إذاً مباحث العلو والنزول ليست من مباحث الصحة والضعف، فقد يكون الإسناد النازل هو الصحيح، والإسناد العالي هو الضعيف.
стр. 74
مسألة: ما ثمرة الكلام على الإسناد العالي والإسناد النازل، لا سيما ونحن قلنا بأنه لا يفيد الصحة ولا الضعف؟
نقول بأن هذا هو اهتمام من المحدثين ـ رحمهم الله تعالى ـ، وقد نقل عن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: " طلب الإسناد العالي سنة عمّن سلف "، ونقل عن الإمام أحمد وغيره أنهم يبحثون عن الأسانيد العالية للقرب من رسول الله ﷺ فهذه هي ثمرة الإسناد العالي القرب من رسول الله ﷺ ، ولهذا روي عن ابن المديني وأبي عمرو المستملي النيسابوري ـ رحمهما الله تعالى ـ أهنما قالا: " الإسناد النازل شؤم "، وروي عن يحيى بن معين ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: " الإسناد النازل قرحة في الوجه "، فكأنهم يستقبحون هذا الإسناد لأنك تستطيع أن تقرب إلى النبي ﷺ ومع ذلك لا تحرص، وهذه هو وجه قولهم أنه " شؤم "، وأنه " قرحة في الوجه"، فهذا هو ثمرة هذا المبحث.
(الحديث الموقوف)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وما أضفته إلى الأصحاب من ... قول وفعل فهو موقوف زكن
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الخامس عشر وهو (الحديث الموقوف) .
الحديث الموقوف: وما أضفته إلى الأصحاب من قول وفعل. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
إذاً الحديث الموقوف هو: كل إسنادٍ أضيف إلى أحدِ صحابة رسول الله ﷺ .
انتهى به الإسناد إلى الصحابي.
وقد مرّ معنا المقطوع: وهو كل ما وقف به الإسناد إلى التابعي، وهنا وقف الإسناد إلى الصحابي.
فلو جاءنا الإسناد عن ابن عمر ﵁ أنه كان يفعل أو يقول كذا، فهذا نقول عنه إنه حديث موقوف.
وكذلك إذا قال التابعي " فعلنا كذا "، يقصد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فهذا أيضاً موقوف.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: وما أضفته إلى الأصحاب.
من هو الصحابي؟
стр. 75
هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. ولو لم يره كأن يكون أعمى، ولو لم يخاطبه كأن يحضر له خطبة، ولو لم يجلس معه فقط رآه مثلاً في حجة الوداع، فإنه يأخذ شرف الصحبة، ولا شك أن شرف الصحبة من أعظم الأوصاف، وهذا من فضل الله عليهم، قال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) ، قد يقول قائل ما هذا الفضل؟ ما الذي فعلوه؟ فهناك من التابعين من نشر العلم وغيره؟
أولاً: هذا محض فضل الله ـ جل وعلا ـ عليهم، وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فأنت أيها الرجل، ما الذي فضّلك على المرأة، وعلى الرقيق، فهذا محض فضل الله، فالنبي ﷺ فُضّل بالنبوة وهو محض فضل الله ـ جل وعلا ـ.
ثانياً: أنه دائماً عند ابتداء الشيء يكون العمل أشدّ وأصعب مما إذا جاءه بعد تحريره، فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أتاهم شيء جديد خالفوا الناس كلهم، وليس قومهم فقط، فهذا يصعب على الإنسان أن يتخذ هذا القرار، فأنت مثلاً لو رأيت موضوعاً جديداً جاء إليك ورأيت الناس كلهم يقولون هذا خطأ وليس بصحيح، ومن يفعل هذا فهو كذا وكذا، فلا يمكن أن تتخذ قراراً بأنك تخالف فصعبٌ عليك، ومع هذا فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عزّروا الرسول ﷺ ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهذا ليس سهلاً.
بعضهم يقول الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردّه.
стр. 76
وأنا أعرضت عن هذا قصداً، فنحن لسنا ملزمين بهذا ولا نسأل عنه، ولهذا لا أرى البحث في مثل هذا، فيعرض الإنسان عن هذا لأنه لن يُسأل، يعرض عن مسألة من الذين ارتدوا من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وهل ارتدوا؟ وهل فلان بن فلان ثبتت ردته أو لم تثبت؟ ، نحن نقول الإعراض عن هذا أسلم للإنسان لأنه إن أثبتت صحبته وهو قد ارتد فهذا إشكال، وإن أثبت ردته وهو لم يرتدّ فهذا إشكال أيضاً، الثمرة ماهي؟ هل له حديث نرى صحته؟ هؤلاء مالهم حديث نحتاج إلى البحث في إسناده، ولكن هو تحرير مصطلح للصحابي، يبحثون لتحرير مصطلح الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، ونحن نحرر مصطلح الصحابة من أجل صحة كلام رسول الله ﷺ فقط، إذاً ما يهمنا هذا، أما لو كنت سؤألّف كتاباً في معجم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، احتجت أن أحرر هذا المصطلح، لكن أنا الآن لا أحتاج لتحريره فأنا الآن أحرر كلام الرسول ﷺ لأجل أن أتأكد، لا أجد حديثاً لفلان من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ اختلفوا فيه هل هو مرتد أو لا.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: " فهو موقوف زكن ".
" زكن ": أي عُلِم، وكثيراً ما تستخدم هذه العبارة ـ أعني " زكن " ـ في المنظومات فقد استخدمها ابن مالك في ألفيته والسيوطي في عقود الجمان ـ رحمهما الله تعالى ـ.
مسألة: هل يشترط الاتصال في الحديث الموقف؟
اختلف في هذا أهل العلم، وأشار إلى ذلك الحافظ ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ وذكر قولين:
القول الأول:
أن الموقوف يشترط فيه شرطان:-
الشرط الأول: أن يكون موقوفاً على الصحابي ﵁.
الشرط الثاني: أن يكون متصلاً.
فالحديث المنقطع ولو انتهى إلى الصحابي فليس بموقوف.
القول الثاني: أنه لا يشترط الاتصال، وإنما يشترط أن ينتهي الإسناد إلى الصحابي ﵁، وهذا هو الذي عليه جماهير المحدثين والفقهاء.
стр. 77
فالحديث المنقطع عندهم يسمى موقوفاً إذا انتهى إلى الصحابي.
مسألة: هل يسمى الموقوف أثراً؟
الأثر يطلق على الإسناد المرفوع إلى الرسول ﷺ ويطلق على الصحابي وعلى التابعي، ويطلق على كل حديث مسند، تقول مثلاً هناك أثر عن الزهري أو معمر أو وهب بن منبه.
(الحديث المرسل)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
ومرسل منه الصحابي سقط ... .........................
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السادس عشر وهو (الحديث المرسل) .
الإرسال في اللغة: الإطلاق، تقول أرسلت الشيء أي أطلقته، وقد يكون الإرسال بمعنى التفرق والتقطّع تقول: جاء القوم أرسالاً أي متفرقين، وقد يكون الإرسال بمعنى السرعة، تقول: ناقة مِرْسالَة أي سريعة، وهذه الإطلاقات اللغوية كلها تصبّ في معنى " الحديث المرسل ".
والحديث " المرسل " عرّف بعدّة تعريفات: -
التعريف الأول:
ما سقط الصحابي من إسناده. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ، حيث قال: ومرسل منه الصحابي سقط.
فإذا رأيت حديثاً سقط صحابيه فاعلم أنه " مرسل " سواء كان الذي قبل الصحابي الذي رفعه إلى النبي ﷺ تابعي أو تابع التابعي أو تابع تابع التابعي.
ونحتاج إلى قيد آخر في الحد وهو أن نقول: ورفع إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ هذا مع أنه معلوم لديه، لكن عندما يقولون الحدّ لا بد أن نذكر جميع ما هيّات المحدود.
إذاً نقول " المرسل ": ما سقط منه الصحابي ورفع إلى النبي ﷺ . فلا بد أن نذكر هذا لنخرج غيره.
стр. 78
وهذا الحدّ هو حدّ الإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ،وقد اعترض بعض أهل العلم على هذا الحدّ: بأنه حدّ غير جامع ووجهه: أن قول المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: " ومرسل منه الصحابي سقط "، معناه أن الذي سقط هو الصحابي، فتحديد أن الساقط هو الصحابي إشكال، وقد سبق لنا بأن إبهام الصحابي لا يضر، فإذا علمنا أن الصحابي هو الذي سقط فلا إشكال فالصحابة كلهم عدول، فإذا قال سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ عن رسول الله ﷺ وعلمنا بأن الساقط هو صحابي فلا إشكال، وليس هذا هو حدّ المرسل عندهم فهم لا يعنون بهذا المرسل، فمالذي جعلهم يضعّفون المرسل؟ هو أننا لا نعرف من الذي سقط هل هو صحابي أو تابعي؟! فقد يكون سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ سمعه من محمد بن سيرين ـ رحمه الله تعالى ـ ومحمد بن سيرين ـ رحمه الله تعالى ـ قد يكون سمعه من أبي حازم ـ رحمه الله تعالى ـ، وأبو حازم ـ رحمه الله تعالى ـ قد يكون سمعه من صفيّة أحد التابعيات ـ رحمها الله تعالى ـ، إذاً ما نعرف من هو الساقط يقولون الجهل بالساقط.
стр. 79
فتحديد الساقط بأنه صحابي فيه إشكال، لكن على توجيهنا الذي ذكرناه قبل قليل يندثر هذا الإشكال، وهو أننا قلنا بأنه جعل ضابطاً، هولم يقصد تحديد الساقط من هو؟ وإنما جعل ضابطاً للمرسل بالنسبة للرآئي، هو لا يقصد أن يحدد من هو الساقط؟ وإنما أراد أن يعطي ضابطاً للرآئي في هذا الإسناد فقط لم يقصد أن يجعل حداً أن يحدد من هو الساقط؟ وإذا فسرنا تعريف الذهبي والمؤلف ـ رحمها الله تعالى ـ بهذا لم يكن عندنا إشكال لأنه لم يحدد المؤلف من هو الساقط، وإنما أراد بأن تقول كلما رأيت إسناداً ليس فيه صحابي وهو مرفوع فإنه مرسل، وهذا يندفع به الإشكال، ولا تكاد تجد من عرّف بهذا التعريف إلا اعترض عليه من شارح أو مُحشٍّ بهذا الإعتراض، ولكن نقول بأن المؤلف ما قصد تحديد الساقط، وإنما قصد أن يجعل ضابطاً في معرفة ما هو الإسناد المرسل؟ بأن ترى الإسناد ليس فيه صحابي من صحابة رسول الله ﷺ والحديث مرفوع إلى النبي ﷺ قل مرسل.
إذاً هذا هو التعريف الأول للمرسل، وعليه إشكال نستطيع أن نجيب عنه بما ذكرته لكم.
التعريف الثاني:
ما رفعه التابعي إلى رسول الله ﷺ ، ومن عرّفه بهذا أراد أن ينفك من الإيراد الذي أورد على المؤلف ﵀، كذلك أراد أن يحدّ المرسل، فلا بدّ أن يكون الذي رفع الحديث تابعي، فلو رفعه غير التابعي فإنه لا يكون مرسلاً عنده، وإنما يكون منقطعاً أو معضلاً أو ماشابه ذلك من الذي سنأخذه ـ إن شاء الله ـ.
فلو قال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ بلغني عن رسول الله ﷺ ، فهذا نقول عنه ـ على التعريف الثاني ـ معضل أو منقطع كما سيأتي، وهو مرسل على التعريف الأول، أما على التعريف الثاني فليس بمرسل.
التعريف الثالث:
ما رفعه التابعي الكبير إلى رسول الله ﷺ .
стр. 80
يخرج التابعي الصغير، ويخرج تابع التابعي، فسعيد بن المسيب ﵀ مثلاً تابعي كبير، لكن مجاهد ـ رحمه الله تعالى ـ مثلاً هو من أواسط التابعين ليس من كبار التابعين.
وكلها اصطلاحات مستخدمة عند الأئمة.
مسألة: ما حكم الحديث " المرسل "؟
اختلف أهل العلم في الحديث المرسل في صحته وضعفه على أقوال:-
القول الأول: أن المرسل صحيح، بشرط أن يرسله تابعي كبير معروف بالرواية عن الصحابة ﵃، مثل سعيد بن المسيب أو أبي حازم ـ رحمهما الله تعالى ـ أو نحوهما.
القول الثاني: أن المرسل ضعيف مطلقاً، وهو قول جماهير النقّاد من أهل الحديث، وقد ذكر الإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ في صدر صحيحه رد الحديث " المرسل " وأن عليه الجماهير، وأصّل هذا الرأي تأصيلاً طويلاً بأن الحديث " المرسل " ضعيف، وكذلك ابن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ في التمهيد نقل قول جماهير النقّاد بأنه ضعيف، وذلك للجهل بالساقط في الإسناد، فهم مشوا على القاعدة ففيه سقط فكيف يصحح هذا الحديث مع وجود هذا السقط؟
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
وردّه جماهر النّقّادِ ... للجهل بالساقط في الإسنادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقله ... ومسلم صدر الصحيح أصله
والإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ له تفصيل في الإسناد " المرسل "، واختلف الشرّاح في شرح كلامه ولكن إليكم زبْدة الكلام واختصاره ومن فَقِه هذا الكلام يستطيع أن يَفْقه كلام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه " الرسالة ".
فالشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ جعل شروطاً للراوي، وشروطاً للمروي لصحة الحديث " المرسل ":-
أولاً: شروط الراوي.
١) أن يكون ثقةً.
٢) أن يكون من كبار التابعين.
٣) أن يكون ممن عرف بأنه لا يروي عن الضعفاء والمجاهيل.
وهذه الشروط ليست على سبيل البدل فلا بدّ من توفّرها جميعاً.
ثانياً: الشروط في المروي.
стр. 81
١) أن يعضد هذ المرسل حديث مسند موصول وإن كان ضعيفاً.
٢) أو يعضده مرسل آخر، فلو جاءنا مرسل عن الحسن ـ رحمه الله تعالى ـ على القول بأن مراسيله جيدة كما هو رأي يحيى بن سعيد القطّان، أو مرسل سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ كما هو رأي أكثر أهل الحديث بأن مراسيله جيّدة، فنبحث هل له مرسل آخر لمحمد بن سيرين أو مجاهد أو أبي حازم ـ رحمهم الله تعالى ـ يعضد هذا المرسل الأول فيقبل، بشرط أن يكون المخرج مختلفاً بأن يكون المرسل الأول له إسناد لوحده، والمرسل الثاني له إسناد لوحده، فلا يكون المخرج واحد، إذاً أن يصحّ لنا مخرجه من طريق آخر.
وهذان الشرطان على سبيل البدل فإذا وجد واحداً منها قُبل وكفى.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
لكن إذا صحّ لنا مخرجه ... بمسنَدٍ أو مرسَلٍ يُخْرِجُه
من ليس يروي عن رجال الأول ... نقبله،.............................
٣) أن يوافق هذا المتن الموجود في هذا المرسل فتوى الصحابة أو فتوى العلماء، أوعليه العلماء بأن أخذوه وقبلوه، فلا يكون مهجوراً.
والصحيح في المرسل أنه ضعيف.
مسألة: الاحتجاج بالحديث " المرسل ".
وهذه مسألة منفكّة عن الصحة والضعف، فمسألة الاحتجاج غير مسألة التصحيح، فهل يحتج بالحديث " المرسل "؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:-
القول الأول: وهو قول الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ وقد سبق قوله متى يحتج بالحديث "المرسل" فهو يفصّل.
القول الثاني: أن المرسل لا يحتج به مطلقاً، وهذا هو مذهب المتشددين من أهل الحديث، وهو مذهب الظاهرية.
القول الثالث: أنه يحتج بالحديث " المرسل " وإن كنا لا نصححه، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي ـ رحمهم الله تعالى ـ.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالىـ:-
واحتج مالك كذا النعمان ... وتابِعُوهُما به ودانوا
стр. 82
فيحتجون به احتجاجاً ليس على إطلاقه وأنه حجة بذاته ولكن يكون مما يعتضد به، ويكون قرينة ويعتبر به، وهذا هو الحق في هذه المسألة.
مثال للحديث المرسل:
المراسيل كثيرة، فمثلاً مرسل سعيد بن المسيب أنه قال: " بيع اللحم بالحيوان ربا " أو " نهى عن بيع اللحم بالحيوان "، فهذا كله من مراسيل سعيد.
من أراد معرفة المراسيل وحصرها فليرجع إلى مراسيل ابن أبي حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ مثلاً فله كتاب اسمه "المراسيل " جمع فيه كثيراً من المراسيل وسأل عنه الأئمة، وكذلك مراسيل الإمام أبي داوود ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه جمع فيه مراسيل كثيرة، ثم إن في المسانيد وفي السنن موجود فيها مراسيل.
(الحديث الغريب)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
.......................... ... وقل غريب ما روى راوٍ فقط
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم السابع عشر وهو (الحديث الغر يب) .
الغريب: هو ما رواه راوٍ فقط، هكذا عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
إذاً نقول الحديث " الغريب ": هو الذي رواه راوٍ فقط.
فكل حديث يرويه راوٍ فقط فإنه "غريب"، وشمل هذا التعريف "الغريب المطلق" و"الغريب النسبي".
فإذا جاء حديث يرويه صحابي ويرويه عن الصحابي خمسة رجال، فيرويه مثلاً عن أبي هريرة ﵁ أبو سلمة، ومحمد بن سيرين، والأعرج، ووهب بن منبه، وجماعة، فرواه عن الأعرج مثلاً جماعة، ورواه عن محمد بن سيرين جماعة، ورواه عن وهب بن منبه جماعة، ورواه عن أبي سلمة الزهري فقط ورواه عن الزهري جماعة، فهذا غريب نسبي غريب بالنسبة إلى أبي سلمة ـ رحمه الله تعالى ـ، فلم يروه عن أبي سلمة ـ رحمه الله تعالى ـ إلا الزهري، وليس هو غريب مطلق لأن أبا سلمة ـ رحمه الله تعالى ـ متَابَع، والزهري ـ رحمه الله تعالى ـ رواه أيضاً عنه جماعة.
стр. 83
وشمل هذا التعريف " الغريب المطلق "، فمثلاً لا يرويه عن عمر ﵁ إلا علقمة بن إبراهيم فقط، ولا يرويه عنه إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد، فهذه غرابة مطلقة.
فتعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ شمل كلا النوعين، وهذ هو الصواب أن الغرابة يحق أن يقال لها غريب في " الغرابة المطلقة " و " الغرابة النسبية ".
مسألة: أقسام الغرابة.
القسم الأول:
غريب سنداً ومتناً: وهو أن يكون الإسناد غريباً بهذا المتن، فلا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد، وكذلك الإسناد غريب بالنسبة إلى تركيبه فلا يوجد هذا الإسناد بهذا التركيب إلا لهذا الحديث فقط.
مثل حديث حمّاد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق أواللبّة؟ فقال النبي ﷺ : (لو طعنت في فخذها لأجزأتك) ، فهذا المتن غريب فليس لهذا المتن إلا هذا الإسناد، أيضاً هذا الإسناد ما روي إلا لهذا الحديث، إذاً هو غريب سنداً ومتناً، وأيضاً غريب في تركيب إسناده، لا يروى هذا الإسناد إلا لهذا المتن فقط.
القسم الثاني:
غريب متناً لا سنداً، مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات) .
والقسمة العقلية تقول غريب سنداً لا غريب متناً.
مثال: سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وهذا إسناد ليس غريب فهو يروى لكثير من المتون، لكن هناك متون تفرد بها سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فما رويت إلا بهذا الإسناد.
مسألة: الفرق بين الغريب والفرد.
اختلف أهل العلم هل هناك فرق بينهما أم أنهما شيء واحد، على أقوال: -
القول الأول: أنه ليس هناك فرق بين الغريب وبين الفرد.
стр. 84
القول الثاني: أن بينهما فرقاً، فالفرد هو " الغريب المطلق "، والغريب هو " الغريب النسبي "، إذاً أيهما أعمّ؟ الفرد، فليس هناك " غريب مطلق " و " غريب نسبي "، بل هناك " فرد مطلق " و " غريب نسبي ".
القول الثالث: أن " الفرد " أعم من الغريب من حيث أنه يطلق على التفرد لأهل بلد أو لأهل مصر أو على تلامذة عالِم معين، بينما " الغريب " لا يطلق إلا على غرابة الرواية، يعني هذا يروي راوٍ فقط عن راوٍ، لكن لو جاءنا أهل بلد " الكوفة " مثلاً يتفردون بهذا الحديث عن فلان فهذا لا نقول عنه " غريب " بل نقول عنه " فرد ".
القول الرابع: أن " الغريب " لا يلزم منه ضعف ولا صحّة، فقد يكون " الغريب " صحيحاً وقد يكون ضعيفاً، و " الفرد " لا يكون إلا منكراً وهذا رأي البرديجي ـ رحمه الله تعالى ـ.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: -
والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلقَ، والصواب في التخريج
فهو يرى أن " الفرد " ضعيف، و " الغريب " قد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً.
مسألة: حكم الحديث " الغريب ".
اختلف فيه أهل العلم على أقوال:
القول الأول: أنه ضعيفٌ مطلقاً.
القول الثاني: أنه صحيح مطلقاً.
القول الثالث: أنه قد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً بإعمال شروط الحديث الصحيح، فليست غرابته ملزمة للضعف ولا ملزمة للصحة، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.
مسألة:
هناك من أهل العلم من قال بأن " الغريب " عند الترمذي ـ رحمه الله تعالى ـ إذا قال غريب فقط وليس " غريب صحيح " أو غيره بأنه ضعيف، وهذا عليه بعض الأئمة فليس هو رأياً معاصراً، وهذا ليس على إطلاقه وإن كان الأكثر فيه هو الضعف، فليس هذا قاعدة مطّردة وإن كان الكثير منها ضعيف.
(الحديث المنقطع)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وكل ما لم يتصل بحال ... إسناده منقطع الأوصالِ
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثامن عشر وهو (الحديث المنقطع) .
стр. 85
اختلف أهل العلم في تعريف المنقطع على أقوال: -
القول الأول: ما عرّف به المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأنه: هو الحديث الذي لم يتّصل إسناده.
إذاً دخل في كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ المنقطع برجل، والمنقطع برجلين، والمنقطع بثلاثة، والمنقطع بأربعة، فدخل فيه المرسل والمعضل كما سيأتي.
القول الثاني: أن المنقطع: هو الإسناد الذي سقط منه راوٍ قبل الصحابي.
فقولنا: " سقط منه راوٍ "، يخرج ما سقط منه راويان كالمعضل.
وقولنا: " قبل الصحابي "، يخرج المرسل والمعلّق، فقوله " قبل الصحابي ": فيه إشارة إلى أن المقصود فيه النظر إلى أسفل وليس النظر إلى أعلى.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: -
وسمّ بالمنقطع الذي سقط ... قبل الصحابيّ به راوٍ فقط
إذاً تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ ليس بحدّ مانع لأنه يدخل فيه أشياء ليست منه.
القول الثالث: ما سقط منه راوٍ واحد فقط، وهذا سيدخل فيه المرسل فهو غير مانع.
مسألة: حكم الحديث المنقطع؟
لا شك أنه من قسيم الضعيف، فلا يعتبر حجة.
(الحديث المعضل)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
والمعضل الساقط منه اثنان ... ...........................
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم التاسع عشر وهو (الحديث المعضل) .
معضل: اسم مفعول.
الإعضال لغة: هو الإعياء، يكون فيه إعياء، وهناك مبحث لغوي في تصريفه، هل يقال معضل أو عضيل؟ وهو مبحث لغوي بحت.
عُرّف " المعضل " بعدّة تعريفات:
التعريف الأول: الساقط منه اثنان، فهو: ما سقط من إسناده اثنان، وهذا هو تعربف به المؤلف ﵀.
ومن خلال تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ سيدخل فيه عدّة احتمالات:
стр. 86
أولاً: سيدخل فيه ما إذا كان السقوط غير متواصل فهذا في أول الإسناد وهذا في آخر الإسناد، لأنه ذكر أنه ما سقط منه اثنان. فهذا هو ظاهر الحدّ، يعني سواءً كان الساقط من أول الإسناد أو من آخر الإسناد، المهم أن يكون قد سقط منه اثنان.
ثانياً: سيدخل فيه سواءً ما إذا كان الساقط منه الصحابي والتابعي أو ما سقط من أول الإسناد فيكون معلّقاً.
فالمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قال: الساقط منه اثنان، فلم يحدّد هل هو في أول الإسناد احترازاً من المعلّق، أوفي آخر الإسناد احترازاً من المرسل.
وعلى تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لو سقط ثلاثة فلا يدخل في المعضل.
التعريف الثاني: ما سقط منه اثنان فصاعداً، وهذا هو تعريف ابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ.
وعلى هذا التعريف سيدخل فيه ما سقط منه ثلاثة أو أربعة، لكنه لم يحترز من الإيرادات الأخرى.
التعريف الثالث: هو ما سقط منه راويان أو أكثر متصلان.
فعلى هذا التعريف احترز من أن يكون انقطع من أول الإسناد أو من آخره.
التعريف الرابع: ما سقط منه الصحابي والرسول ﷺ .
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
حذف النبي والصحابي معا ... ووقف متنه على من تبعا
وهذا هو حدّ المقطوع إذا كان من كلام التابعي، لكنه هو الآن جعله وصفاً للمعضل المنقطع.
وهذا استخدمه أهل العلم، يأتي التابعي فلا يرفعه إلى النبي ﷺ كأن يكون في فتوى. فمثلاً الحسن ـ رحمه الله تعالى ـ يريد أن يفتي فيقول مثلاً: (لا نكاح إلا بولي) ، فهي فتوى لكنه هو حديث، فيسمونه هنا معضلاً فقط، فقد يكون المعضل على هذا التعريف مقطوعاً، وقد لا يكون المقطوع معضلاً، فقد يكون هذا المقطوع على التابعي فتوى له كلام من عنده ليس هو معضلاً بمعنى الانقطاع.
التعريف الخامس: هو ما سقط منه اثنان على سيبل الاتصال لا في أول الإسناد ولا في آخره.
стр. 87
وعلى هذا التعريف احترز مما يلي: -
١) ما سقط منه اثنان فأكثر.
٢) احترز من المعلّق والمرسل والمنقطع من أكثر من جهة.
٣) احترز من كونه قد يسقط أكثر من اثنين.
وهذا هو التعريف المرتضى، وهذا هو الأكثر، وإلا فإن الأئمة استخدموا غير هذا التعريف.
مثال للمعضل:
لو أن عبد الرزاق ـ رحمه الله تعالى ـ روى في مصنفه عن معمر عن أبي هريرة ﵁، فأسقط عبد الرزاق راويان، أسقط مثلاً الزهري وأبا سلمة ـ رحمهما الله تعالى ـ، إذاً هذا يسمى " معضلاً "، فانطبق عليه حدّ الإعضال، فقد سقط اثنان متصلان لا في أول الإسناد ولا في آخره.
(الحديث المُدلَّس)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
................................ ... وما أتى مدلَّساً نوعان
الأول الاسقاط للشيخ وأن ... ينقل عمن فوقه بعن وأن
والثاني لا يسقطه لكن يصف ... أوصافه بما به لا ينعرف
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم العشرين وهو (الحديث المدلَّس) .
المدلَّس: من الدّلَس وهو الظلمة وعدم الوضوح والظهور وعدم التّبيُّن، فهذا يسمى دُلْسةً ودَلَسَاً، ومنه عيب التدليس: وهو أن يخفي عيباً.
المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لم يحدّ " الحديث المدلَّس "، بل اكتفى بالتقسيم عن الحدّ، وذلك لأن الحدّ لا يمكن أن يحصر القسمين.
لكن لو اخترنا تعريفاً الآن ذكره بعض أهل العلم يمكن أن يكون شاملاً لهذين المعنيين.
فقلنا: هو إخفاء عيب في الإسناد أو في الصيغة الإسنادية، فلو اخترنا هذا التعريف، ولكن هو ليس حداً في الحقيقة جامعاً مانعاً، لكن هو يقرّب لنا الصورة بحيث يجمع كل صور التدليس نوعاً ما.
التدليس: قسمان على كلام المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
القسم الأول:
تدليس الإسناد: فقال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
................................ ... وما أتى مدلَّساً نوعان
الأول الاسقاط للشيخ وأن ... ينقل عمن فوقه بعن وأن
стр. 88
فهذا هو القسم الأول من أقسام التدليس.
التدليس: أن يأتي الراوي فيخفي عيباً موجوداً في الرواية، فهو ليس بظاهر.
القسم الأول: نصطلح عليه باسم " تدليس الإسناد "، إذاً هذا الإخفاء مكانه في الإسناد، عرفه المؤلف فقال: تدليس الإسناد هو أن يروي المدلِّس عن شيخه ما لم يسمعه منه.
حيث قال: ... الأول الإسقاط للشيخ وأن.............................
فهو يروي عن شيخه الذي سمع منه وعُرف بالأخذ عنه، ولكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه بصيغة " عن " أو " أن " أو " قال "، سمع منه هذا الحديث فيرويه عمن لم يسمعه منه.
مثلاًَ: يأتي ابن جريج فيروي حديثاً عن هشام بن عروة، وهو شيخه وسمع منه، لكن هذا الحديث لم يسمعه منه، يقول فيه: عن هشام، أو " أن " هشام، أو " قال " هشام، لا يصرّح بالسماع.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
تدليس الإسناد كمن يسقط من ... حدّثه، ويرتقي بعن وأن
وقال، يوهم اتصالاً،....... ... ...............................
يوهم أنه اتصل به وهو لم يسمعه منه.
أعيد مرة ثانية: التدليس من حيث الإسناد ينقسم إلى أقسام:
نقول تدليس الإسناد: عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أن يروي الراوي حديثاً عن شيخٍ لم يسمع منه هذا الحديث، فهذا يسمى تدليس الإسناد.
بعضكم الآن سيسأل، هل هذا الشيخ الذي روى عنه هل هو سمع منه والتقى به، أو هو لم يره أصلاً، أو هو مات قبل أن يولد، هذا كله إيرادات على هذا التعريف.
هذا تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: أن يروي الراوي حديثاً لم يسمعه ممن حدثه عنه.
لكن هذا التعريف فيه عدّة أسئلة، هل لقيه، هل سمع منه غير هذا الحديث، هل هو ولد بعد أن توفي، فهذه أسئلة تورد.
إذاً نقسمه فنقول هذا التعريف فيه عدّة أقسام:
القسم الأول:
стр. 89
أن يروي الراوي الذي وصف بالتدليس عن شيخه الذي سمع منه حديثاً لم يصرّح بالسماع منه لهذا الحديث، بصيغة عن أو أن أو قال، وهذا بالإتفاق أن هذا " تدليس الإسناد ".
نضرب مثالاً:
ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ معروف بالتدليس، ووصفه الأئمة بالتدليس فإذا روى عن شيخه هشام بن عروة بصيغة حدثنا فهو مقبول، وإذا رواه بصيغة عن أو أن أو قال، فهو حديث مدلَّس إلا إذا وجدناه قد صرّح في موضع آخر بالتحديث.
القسم الثاني:
أن يروي الراوي حديثاً عن شيخٍ لم يعاصره كأن يكون ولد بعد أن مات أو أنه كان عمره سنة أو سنتين بما يتفق العقلاء بأنه لا يمكن أن يتحمّل منه حديثاً، بصيغة عن أو أن أو قال، وهذا القسم بعض المحدثين يسميه تدليساً، لأن صورته صورة تدليس، وهذا غير صحيح.
وقيل بأنه منقطع، وقيل: بأنه مرسل، فقد نقول أرسله فلان عن فلان وهو لم يسمع منه، وقد نقول بأنه منقطع، فالإرسال منطبق على هذا في بعض التعاريف التي أخذناها، وكذلك ينطبق عليه حدّ المنقطع ألم نذكر فيه أنه " ما رواه راوٍ عن شخصٍ لم يلقه ".
إذاً هذا ينطبق عليه الانقطاع والإرسال والتدليس، هذا في اصطلاح المحدثين.
إذاً هذا هو القسم الثاني، وهل القسم الأول يسمى إرسالاً، لا يمكن أن نسميه إرسالاً لأنه شيخه.
القسم الثالث:
أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه أو يسمع منه، هذا اسمه " تدليس "، وسماه بعض المحدثين بالمرسل الخفي، فهذا هو المرسل الخفي.
إذاً ما هو المرسل الخفي؟ أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه.
انتبهوا لهذه المسألة الدقيقة التي سأذكرها الآن.
стр. 90
هل يشترط أن نعرف عدم اللقاء، فلا بد مثلاً أن يأتي إمام من الأئمة فيثبت عدم اللقاء ويقول فلان لم يسمع من فلان، أو هو يقول أنا لم أسمع من فلان شيئاً. ثم بعد ذلك إذا روى عنه نقول هذا مرسل خفي، لأنك قلت بأنك لم تسمع منه، أو إذا روى مثلاً عن شخص نقول لا هذا مرسل خفي لأن أبا حاتم قال فلان لم يلق فلان، فلا نسمي هذا النوع إلا مرسلاً خفياً، فهل يشترط أن نعرف عدم ثبوت اللقاء للحكم على أنه مرسل خفي أم لا؟ نعم نشترط في المرسل الخفي أنه لم يسمع منه.
إذاً عندنا حالات:
١) إما أن نعرف اللقاء. وهذا مقبول إلا أن يكون مدلساً, فلابد من التصريح بالسماع.
٢) وإما أن نعرف عدم اللقاء. وهذا هو الانقطاع أو الإرسال.
٣) وإما أن لا نعرف اللقي وعدم اللقي. وهذه هي مسألة العنعنة.
إما أن لا نعرف اللقي أو عدم اللقي، فمثلاً لو قلنا الحسن يروي عن أبي هريرة ﵁، يروي الحسن عن أبي هريرة ﵁،وطبعاً الحسن ولد عام ٢٠ أو ٢١،وأبو هريرة ﵁ توفي سنة ٥٧هـ.
فالحسن عاصره لكننا لا نعرف هل الحسن لقي أبا هريرة ﵁، أو الحسن لم يلق أبا هريرة ﵁ ـ نحن الآن نفترض وإلا نحن نعرف إن شاء الله ـ طيب أعيد السؤال مرة أخرى.
إذا لم نعرف أنه لم يلقه أو لقيه؟ والاحتمال موجود بلقيه؟
نرجع إلى مسألة العنعنة، فهذا هو الجواب باختصار، فإذا لم نعرف أنه لقيه أو أنه لم يلقه نرجع إلى مسألة العنعنة.
فنقول عندنا احتمالان:
١) إما أنه لا يثبت السماع وعدمه، فليس عندنا أنه قال إني لقيت ولا عندنا أنه قال إني لم ألقه، ولا عندنا أحد الأئمة قال فلان لقي فلاناً، وليس عندنا ما ينفي السماع عقلاً. ولا أحد من الأئمة قال فلان لم يلق فلان، فماذا نسمي هذا؟ هذه مسألة " الحديث المعنعن "
٢) أن يكون عندنا قطعٌ بأنه لم يلقه، فهذا هو " المرسل الخفي ".
стр. 91
إذاً القسمة لا تخرج عن ثلاثة أشياء:
الأول: أن يروي الراوي الموصوف بالتدليس من شيخه الذي سمع منه حديثاً بصيغة " عن " أو " أن " أو " قال " فهذا يسمى " تدليس الإسناد " بالاتفاق.
الثاني: أن يروي الراوي عمن لم يعاصره أصلاً، فهذا إما أن يسمى تدليساً، وإما أن يسمى مرسلاً، وإما أن يسمى منقطعاً، وهذا لا إشكال فيه أيضاً.
الثالث: أن يروي الراوي عمن عاصره، بصيغة عن أو أن.
فنقول هذا التعريف يرد عليه احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يكون عندنا قطعٌ بأنه لم يلقه، فهذا هو " المرسل الخفي ".
الاحتمال الثاني: أن لا يرد أنه لقيه ولا يرد أنه لم يلقه، فهذا هو الحديث المعنعن، بالكلام الذي أخذناه وشرحناه وفهمناه إن شاء الله.
فإذا سئلت ما هو المرسل الخفي؟
تقول: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه.
فإن قيل لك دقق، قل: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه أصلاً، فهذا تدقيق في التعريف.
إذا سئلت ما هو الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي؟
فقل التدليس: أن يروي الراوي عن شيخه ـ ونحن متأكدين أنه شيخه.
أما المرسل الخفي: أن يروي عمن لم يلقه.
وبماذا يجتمعان؟ يجتمعان بالمعاصرة.
إذاً يختلفان بأن التدليس يروي عن شيخه الذي ثبت أنه سمع منه، بينما الإرسال الخفي يروي عمن ثبت أنه لم يلقه.
فالتدليس ثبت أنه لقيه لكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، بينما الإرسال الخفي كل الأحاديث أصلاً ما سمعها منه.
ما الفرق بين الإرسال الخفي والحديث المعنعن؟
الإرسال الخفي: ثبوت المعاصرة وعدم اللقاء.
والمعنعن: ثبوت المعاصرة ولم يثبت اللقاء أو عدمه.
مسألة:
ما الفائدة من كلامنا على الإرسال الخفي، وكلامنا على التدليس؟
سبق لنا أن هناك من جعل الإرسال الخفي والتدليس شيئاً واحداً، إذاً ما الفائدة من التفريق؟
стр. 92
الفائدة كبيرة جداً، وأول من نبَّه على هذه الفائدة – فيما أعلم – الشيخ الدكتور الشريف حاتم العوني أن المرسل الخفي إذا جعلنا القسم كله تدليساً وجعلنا الأقسام كلها واحدة وهو التدليس.
نضرب مثالاً: الحسن عن أبي هريرة ﵁، الحسن روى عن أبي هريرة بكثرة، هناك من جعل هذا تدليس مع أنه عاصره، وهناك من جعله إرسالاً خفيّاً، فإذا جعلته قسماً واحداً وهو التدليس، فجاء حديث فقال الحسن حدثني أبو هريرة ﵁، إذا كنت سأتعامل معه على أنه ما فيه إلا تدليس ماذا سينتج؟
يلزم منه إذا قلنا أنه مافيه إلا تدليس وجاءنا حديث قال فيه الحسن حدثني أبي هريرة ﵁، نقول لا نقبل إلا بما صرّح به الحسن بالتحديث، فالحسن مدلِّس، وسبق لنا أنّ المدلِّس ما يقبل منه إلا بما صرّح بالتحديث، يلزم منه أن لا نقبل حديثاً عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ إلا إذا قال حدثني، وما عداه الذي فيه " عن " لا نقبله، لأنه ليس عندنا إلا قسم واحد وهو التدليس، فسمينا الحسن مدلِّساً الآن، وإذا سميناه مدلِّساً أعطيناه قاعدة التدليس، فجاء في الحديث قال حدثني قبلناه، جاء الحديث ولم يقل حدّثني لم نقبله.
أما إذا جعلنا هناك قسماً آخر وهو المرسل الخفي، قلنا. لا، ثبت عندنا أن الحسن سمع من أبي هريرة ﵁، إذاً ماذا سيحصل سنقبل جميع روايات الحسن عن أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث وغيره.
مثلاً: قتادة يروي عن عكرمة، وقتادة أدرك عكرمة وعاصره، لكن هل سمع منه وإلا لا؟
فجئنا ووصفنا قتادة بالتدليس، لأنه روى عن عكرمة وهو ما لقيه ثبت أن أناساً يقولون أنه لم يلقه، فوجدنا قتادة يروي يقول حدثني عكرمة وثبت عندنا السماع، إذا جعلناه من باب التدليس قلنا لا نقبل إلا هذه الرواية.
وإذا قلنا أنه من باب المرسل الخفي قلنا الحمد لله صحت رواية قتادة في كل حديث.
стр. 93
تدليس الإسناد:
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
............................... ... وما أتى مدلَّساً نوعان
الأول الاسقاط للشيخ وأن ... ينقل عمن فوقه بعن وأن
طيب هو نقل عن شيخه الذي سمعه منه حديثاً لم يسمعه منه هذا هو تدليس الإسناد، ينقل عن شيخه الذي هو مكثر منه لكنه مثلاً مرة من المرات غاب عن الدرس وهو قد حضر كل دروس الشيخ وقد فاته حديث ذلك اليوم، فجاء إلى أحد الطلاب فقال ماذا حدثكم الشيخ، فقال حدثنا بحديث كذا كذا، فقال هذا التلميذ أنا الآن اكتب روايات شيخي كلها وأجعل في بعض هذه الروايات تلميذاً من أقراني.
إذاً لماذا يدلّس التلميذ تدليس الإسناد؟ ما أسباب التدليس؟
١) القرب من الشيخ، والعلو في الإسناد.
٢) أحياناً قد يكون لإخفاء الضعف في الإسناد، إما بسبب أن شيخه ضعيف أو بسبب أن شيخه مجهول.
٣) أن يكون خائفاً على نفسه، فيخاف أن يصرّح مثلاً أنه تتلمذ على فلان المبتدع، فيقال له أنت درست على مبتدعه فتترك. وسواء كان خوفاً سياسياً أو دينياً.
٤) الاستحقار، يخاف أن يقول أنت تتلمذت على فلان، إما حسداً وإما أنه محتقره ولا يريد أن يرفع من شأنه عند الناس، استحقاراً أو حسداً أو تسطيح للشيخ أو ما شابه ذلك، وهناك أسباب كثيرة للتدليس.
مسألة:
ما حكم رواية المدلّس تدليس الإسناد؟ عندما نتكلم عن شُبه التدليس بغضّ النظر عن حال المدلّس وضعفه ما علينا من هذا، نتكلم عن شبه التدليس فنقول:
إذا ثبت أن هذا الراوي مكثر من التدليس فلا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث
وما لم يصرّح بالتحديث فلا يصح حديثه، إذاً نقول ما حكم رواية المدلِّس، رواية المدلِّس المكثر من التدليس لا تصح روايته حتى يثبت أنه صرّح بالتحديث في رواية ما.
مثل محمد بن إسحاق من أشهر من يرمون بالتدليس محمد بن إسحاق يقبل حديثه بشرط أن يصرّح بالتحديث من شيخه فإن لم يصرّح فلا نقبله.
стр. 94
ومثل بن جريج مقبول حديثه ثقة لا يصح حديثه حتى يصرّح بالتحديث، إذاً نحترز ممن نحن الآن؟ نحترز من أناس وهذا سنذكر لكم أقسام المدلّسين عند الحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ وسأتكلم عليه باختصار طبعاً، لكن هذا حتى يكون قد أنهينا باب التدليس.
المدلّسون الذين ذكرهم الحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ على خمسة مراتب:
الأولى: من لم يوصف بذلك الا نادراً، كيحيى بن سعيد الانصاري.
الثانية: من احتمل الائمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كإبن عيينة.
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الائمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشئ من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيراً كابن لهيعة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
والثاني لا يسقطه لكن يصف ... أوصافه بما به لا ينعرف
هذا هو القسم الثاني من أقسام التدليس وهو تدليس الشيوخ.
تدليس الشيوخ: هو أن لا يسقط أحداً ـ فليس فيه إسقاط ـ ولكن يصف شيخه بما لا ينعرف ويشتهر به، فليس فيه سقوط في الإسناد. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
ما هي صيغة التحمّل؟ حدثنا، أخبرنا، عن، قال، فلا إشكال فلا نشترط صيغة.
هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه حديثاً سمع منه، إذاً ما هو الإشكال لماذا يسمى تدليس؟ نحن قلنا في التعريف: إخفاء عيب في الإسناد أو طريق الإسناد طريقة التحمّل، فيخفي الطريقة، فهذا الشيخ يمكن أنه ضعيف من يوم أقول للناس حدثني فلان سيقولون هذا اترك حديثه ضعيف، فأصفه بما لا ينعرف.
стр. 95
فمثلاً: لو كان اسمه عبد الله بن فلان بن فلان، وهو أعرج فأقول حدثني عبد الله الأعرج لا أبيّن، حدثني العراقي فلا ينعرف به، أو آتي بكنيته، فمثلاً هو معروف باسمه ولا يعرف بكنيته، أقول حدثني أبو فلان، هل أنا دلّست هل أنا أسقطت. لا.، لكني أخفيت عيباً فأنا دلًست.
إذاً إذا قلت دلّست لا تفهم أن فيه سقوط مباشرة لا، دلّست أخفيت عيباً، فهل دلّست أنا الآن نعم دلّست، كيف صيغة التدليس تدليس شيوخ، فأخفيت هذا الراوي عن الناس بوصفه بشيء آخر لا ينعرف به.
ما أسباب تدليس الشيوخ؟
١) إخفاء ضعف الشيخ فأصفه باسم آخر.
٢) خوف ديني أو سياسي.
٣) الحسد أو الاستحقار، فلا يريد أن يقال فلان يروي عن فلان.
٤) التكثّر، فأنا مثلاً ما لي إلا شيخ واحد سمعت منه فأقو اليوم مثلاً حدثني المصري، وغداً أقول حدثني الأعرج، ولو كان أعمى أقول حدثني الأعمى، وأقول حدثني أبو عبد الله، ولو كان اسمه زيد أقول حدثني زيد، وهو كل هذا واحد إذاً هو استكثار بالشيوخ، يقولون والعهدة عليهم، الخطيب البغدادي يفعل هذا ـ رحمه الله تعالى ـ، وأنا بريء من هذا، لكنهم هم يقولون هذا
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
............................... وكالخطيب يوهم استكثارا
وأنا بريء من هذا لكن أهل العلم ذكروا هذا، إذاً هذا هو تدليس الشيوخ وهو القسم الثاني، ولم يذكر المؤلف القسم الثالث، تبعاً لابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ، فهناك قسم ثالث ذكره أهل العلم سنرى هل هو قسم أم لا، اسمه " تدليس التسوية ".
صفة هذا التدليس: أن يروي التلميذ عن شيخه الذي سمع منه فيصعد إلى ما فوق شيخ شيخه بصيغة عن.
أعيد مرة ثانية: أن يروي التلميذ عن شيخه الذي سمع منه هذا الحديث ـ إلى الآن ما فيه إشكال حتى ما فيه تدليس لا إسناد ولا شيوخ ولا شيء ـ عن شيخ شيخه،فيسقط شيخ الشيخ.
стр. 96
فلو افترضنا بأن عبد الرزاق يروي عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، فأراد عبد الرزاق أن يدلّس تدليس تسوية، فيقول حدثني معمر عن أبي سلمة، إذاً أسقط شيخ شيخه. هذا يسمى تدليس التسوية، لماذا سمي تدليس التسوية، لأن التلميذ كأنه يسوّي الحديث ويحسّنه، لأن أصلاً شيخ شيخه ضعيف أو لأي سبب من الأسباب التي ذكرناها في أسباب تدليس الإسناد، قد يكون لا يحب أن يُذكر بأن شيخه سمع من بعض أقرانه أو من المبتدعة لأي سبب من الأسباب التي ذكرناها. نعم، فيصعد من أجل أن يسّوي حالة شيخه. إذاً هو أن يروي التلميذ عن شيخه الذي سمع منه هذا الحديث فيسقط شيخ شيخه.
فهذا هو تدليس التسوية، نعم لنرى لماذا لم يذكر بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ هذا القسم لأنه داخل في تدليس الإسناد، روى في الحديث عن شخص لم يسمع منه بصيغة عن أو أن، صح إنه قسم من أقسام التدليس، يعني لو أردنا أن نقسم تدليس الإسناد إلى أقسام، سنقول:
١) قد يكون تدليس الإسناد هو يدلّس عن شيخه.
٢) وقد نقول إنه ينقسم تقسيم ثاني، أن يجعل شيخ شيخه يدلّس. فهذا الذي جعل الحافظ بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ لم يذكر هذا الكلام " تدليس التسوية "، وذكره المتأخرون.
وترك الماتن " تدليس التسوية " تبعاً لابن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ.
وأشهر من يُعرف به هو بقيّة بن الوليد، والوليد بن مسلم ـ رحمهما الله تعالى ـ، فهذان هما أشهر من يفعل هذا التدليس، وهم معدودين وهم قلّة جداً، لا يتجاوزون العشرة فيمن يدلس تدليس التسوية قلّة.
لكن هناك قسمان يذكرهما أهل العلم:
١) وهو " تدليس القطع " أو يسمى " تدليس السكوت "، وهو قريب جداً لكن هو موجود في الاصطلاح.
وهو أن يقول المدلِّس حدثني فلان حدثني فلان ثم يقول حدثني ثم يسكت فينوي السكوت وينوي القطع ثم يقول بن سيرين ـ رحمه الله تعالى ـ.
стр. 97
فقطع حدثنا عن بن سيرين، فقط قال حدثنا ثم سكت كأنه أخطأ فقطع أو سكت هذا يسمى " تدليس القطع أو السكوت " ثم يقول بن سيرين، وهذا على قلّة لكن ذكروا له مثالاً أو مثالين.
٢) " تدليس العطف "، وهذا كثير جداً، وهو أن يأتي المدلِّس فيذكر له شيخين أحدهما سمعه منه ولآخر لم يسمع منه.
فمثلاً يقول هُشَيْم حدثنا حصين ومغيرة، هو سمع من أحدهما لكنه لم يسمع من الآخر فعطفهما، فجاءت حدثنا لأحدهما ولم تأت حدثنا للآخر، وهذه مهمة جداً أحياناً قد يكون الشيخ الذي حدثه ضعيف، والمعطوف عليه ثقة، فصح الحديث برواية الثقة مع أنها رواية مدلَّسة وهذا كثير جداً، فينبغي لطالب العلم أن يهتمك له، وأن يتبيّن هذا التدليس.
(الحديث الشّاذ)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وما يخالف ثقةٌ فيه الملا ... فالشاذ....................
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الواحد والعشرين وهو (الحديث الشّاذ) .
ومادة " شاذّ ": مأخوذة من شَذّ يَشِذُّ أو شَذّ يَشُذُّ شذوذاً، وقد سبق هذا.
الشاذ لغة: هو الإنفراد والتفرد، تقول شذّ عن القوم أي تفرّد، هذا هو المعنى اللغوي وتوسّع في المعنى اللغوي بناءً على لوازمه، فإن من شذّ عن شيء عن مجموعته أوعن أشباهه أو عن نظائره، فإنه تفرّد وخالفهم وتفرّق عنهم، تقول تفرّق القوم شذَرَ مذَرْ مع أنهم قوم لكن لمّا تفرقوا أصبح كل واحد منهم لوحده، فلما جاء التفرّق صار فيه مخالفة وتخالف، فلوازم الشذوذ هو المخالفة، ولا يلزم أن يكون مع الشذوذ مخالفة من حيث المدلول اللغوي، لكن نقول إذا كان هناك شذوذ عن نظائره أو عن مجموعته يلزم أن يكون هناك مخالفة لكن إذا كان هو شذّ لوحده ليس عن مجموعة قد لا يطلق عليه أنه خالف.
فمن هنا اختلف أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ في المعنى الاصطلاحي.
التعريف الأول:
стр. 98
ما يخالف ثقةٌ فيه الملا،أي ما خالف فيه الثقة الناس،وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
إذاً عندنا وصفان في هذا التعريف:
١) المخالفة.
٢) أن تكون من ثقة.
وهذا هو تعريف الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ، فقد أخذ المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ تعريفه من الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ، وعلى تعريفه يكون من قسيم الضعيف، وهو الراجح.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة ... فيه الملا فالشافعي حققه
التعريف الثاني:
ما تفرّد به الثقة، وهذا هو تعريف الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ، إذاً هو ذكر وصفاً وترك وصفاً آخر، فترك المخالفة.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: -
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط ... .............................
والحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ عندما عرّف هذا التعريف، هل معناه أنه يضعّف حديث (إنما الأعمال بالنيات) ، فقد تفرّد به الثقات، وهل يضعّف حديث (نهى عن بيع الولاء وهبته) .؟
لا يلتزم بهذا فهو مصطلح، فالحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ قد يصِحُّ عنده الحديث وهو شاذّ وقد يضعّف، ولهذا تجد الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ في مستدركه يقول: وهذا حديث صحيح شاذّ وشذوذه بيّن. يعني أن عنده تفرّد فقط، فلا يلتزم أن يكون ضعيفاً، وبهذا نحلُّ الإشكال عن قول الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ.
إذاً عند الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ هل الشاذّ من قسيم الضعيف،أو هل هو من قسيم الصحيح؟
لا. وإنما هو على القسمين، فقد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً.
التعريف الثالث:
هو ما تفرّد به الراوي برواية ما.
إذاً في هذا التعريف نظر إلى التفرد فقط، ولم ينظر إلى المخالفة، ولم ينظر إلى ثقة المخالف، وهذا هو تعريف الخليلي ـ رحمه الله تعالى ـ، وعلى تعريفه يكون الشاذّ من قسيم الضعيف.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:-
.........................
стр. 99
وللخليلي مفرد الراوي فقط
مسألة:
الشذوذ إما أن يكون في الإسناد وإما أن يكون في المتن:-
١) في الإسناد، وصفته: أن يخالف الثقّة الناس في إسناد الحديث بأي مخالفة كانت، فمثلاً الثقات يروونه موصولاً وهو يرويه مرسلاً، أو العكس، أو الثقات يروونه موقوفاً وهو يرويه مرفوعاً، أو العكس، أو الثقات يروونه من مسند أبي هريرة ﵁، وهو يرويه من مسند ابن عباس ﵁، أو الثقات يجعلون شيخ الزهري أبا سلمة، وهو يجعل شيخ الزهري سعيد بن المسيب ـ رحمهم الله تعالى ـ.
٢) ... في المتن، صفته: أن يأتي الثقة فيزيد لفظةً في الحديث لا يرويها الثقات الآخرون، فمثلاً لفظة (إنك لا تخلف الميعاد) ، أو لفظة (فوضع أصبعيه في أذنيه) ، فهو يزيدها والثقات الآخرون لا يزيدونها، أو مثلاً الثقات يروونه بصيغة معيّنة، ويأتي راوٍ آخر فيرويه بلفظة أخرى فمثلاً في حديث ميمونة ﵂ قال رسول الله ﷺ : (هلا استمتعتم بإهابها) ، فجاء سفيان بن عيينة ـ رحمه الله تعالى ـ فقال: (هلا دبغتموه) وهي نفس المعنى، ولكنه ذكرها بهذه اللفظة وهذا يشكل، وهي مسألة فقهيّة مشهورة، إذاً هو رواه بنفس المعنى العام لكن اللفظة مختلفة، فهل يحكم عليها بالشذوذ أم لا؟ هذا على الخلاف الفقهي.
إذاً هناك شذوذ إسناد وهناك شذوذ متن، ولا يلزم من شذوذ الإسناد شذوذ المتن، بأن يزيد زيادة في الإسناد أما المتن فهو نفس رواية الثقات، وكذلك لا يلزم من شذوذ المتن شذوذ الإسناد، بأن يكون الإسناد واحد تماماً عند الثقات وعنده هو، لكنه هو زاد لفظة وهم لم يزيدوها.
وممكن أن يجتمع شذوذ الإسناد وشذوذ المتن،فيجعله من مسند ابن عبّاس ﵁ ويزيد لفظة، والثقات يروونه من مسند أبي هريرة ﵁ ولا يزيدون هذه اللفظة.
стр. 100
إذاً هي ليست كالعلة، وقد ذكرنا الفرق بين الشذوذ والعلة، عندما تكلمنا عن شروط الحديث الصحيح.
مسألة: حكم الحديث " الشاذّ ".
حكمه الضّعف، سواءٌ كان في اللفظة فتضعّف اللفظة أو كان في الإسناد فيضعّف الإسناد.
بم يسمى إذا أخرجناه عن الصحة؟
إما أن يسمى شاذاً هذا هو الأصل في الإصطلاح، والمقابل له يسمى محفوظاً، فإذا قيل المحفوظ كذا، علمت أن هناك إسناداً شاذاً أو متناً شاذاً، إذاً " الشاذ " ضعيفٌ، له قسيمٌ صحيح وهو " المحفوظ ".
مسألة: كيف نحكم على الإسناد بأنه شاذ ومتى نحكم عليه بأن هذا الإسناد شاذ أو أن هذا المتن شاذ؟
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: أننا نحكم عليه من خلال الكثرة والقلّة، فإذا كان الرجال الذين رووى بهذه الصيغة أكثر من الرجال الذين رووى بالصيغة الأخرى فنعتمد الأكثر فالأكثر هو " المحفوظ " والأقل هو " الشاذّ "، لأنه قد لا يكون ثقة واحداً فقط الذي خالف قد يكون اثنين مقابل عشرين، أو ثلاثة مقابل عشرين مثلاً.
القول الثاني: أننا نحكم عليه من خلال قوة الثقة ـ أيهما أوثق من الآخر فكلهم ثقات ـ والحفظ والضبط، فإذا رأينا عشرين راوياً مع راويين أو ثلاثة ورأينا أن هؤلاء الاثنين أو الثلاثة أضبط وأحفظ من هؤلاء العشرين فإننا نجعل رواية الاثنين أو الثلاثة هي " المحفوظة "، ورواية العشرين هي " الشاذّة ".
القول الثالث: أننا نحكم عليه من خلال القرائن، فننظر مثلاً إلى مداومة وطول صحبته هذا الراوي، وكثرة مخالفته أو قلة مخالفته، وهل حكم الأئمة بأن روايته هي أصح الروايات عن فلان هذا، وهل الذين خالفوه ليسوا بذاك الضبط والقوة، إذاً عندي عدّة اعتبارات للحكم على " الشاذ " أو الحكم على " المحفوظ "، وهذا القول هو الصواب وهو إعمال القرائن فأنا قد أحكم على رواية شخص واحد بالصحة وقد لا أحكم عليها بالصحة.
стр. 101
إذاً هل عبارة " زيادة الثقة مقبولة " أو " من حفظ حجّة على من لم يحفظ " صحيحة؟
العبارتين اطلاقها غير صحيح، فقد تكون زيادة الثقة " شاذّة "، وقد تكون زيادة الثقة " محفوظة ".
(الحديث المقلوب)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
........................... ... ......... والمقلوب قسمان تلا
إبدال راوٍ ما براوٍ قسم ... وقلب إسنادٍ لمتنٍ قسم
... انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثاني والعشرين وهو (الحديث المقلوب) .
المقلوب: اسم مفعول، من قلَبَ وهو الإنكفاء.
حدَّه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عن طريق التقسيم.
وحدُّه اصطلاحاً: هو إبدالٌ يعتري الإسناد والمتن ويغيّره عن وجهته الصحيحة. فيشمل هذا قلب المتن، وقلب الإسناد.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
إبدال راوٍ ما براوٍ قسم ... وقلب إسنادٍ لمتنٍ قسم
قوله: إبدال راوٍ " ما ": " ما " هنا زائدة.
ذكر المؤلف أقسام المقلوب: -
القسم الأول:
إبدال الراوي براوٍ آخر، وهو يعتري الإسناد وله عدّة صور:
١) إبدل الراوي، فمثلاً الزهري عن أبي سلمة، فيأتي الراوي ويقلبه فيقول: الزهري عن سعيد، وممكن نحكم عليه بحكم آخر وهو " الشذوذ ".
٢) إبدال اسم الراوي، فمثلاً سعد بن سنان، يأتي الراوي ويقول: سنان بن سعد، وحفظ على شعبة ـ رحمه الله تعالى ـ أسماء من هذا القسم.
٣) إبدال كنية الراوي، فمثلاً هو معروف بأبي سنان، فيأتي الراوي ويقول: عن سنان.
٤) التقديم والتأخير، فيجعل شيخ الراوي تلميذه، وتلميذ الراوي شيخه فيقول: عن أبي سلمة عن الزهري.
القسم الثاني:
قلب المتن عن الإسناد.
стр. 102
صورته: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن الرسول ﷺ قال: (الفخذ عورة) ، فيأتي الراوي ويجعله عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه بهذا المتن، فجعلها من سلسلة بهز، وهي من سلسلة عمرو، فهذا يسمى " قلب متن " وقد يسمى هذا " شاذّاً " فلما ننظر إلى الرواة فإنهم يروونه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وهو يرويه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه، ولكن هذا مصطلح " قلب متن ".
ومن صور قلب المتن: أن يقلب الراوي نفس المتن فمثلاً في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ، فيأتي الراوي فيقلب نفس المتن فيقول: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) .
وهذه صورتين لقلب المتن وإلا فهي كثيرة.
ولا أحد من المؤلفين يذكر " المقلوب " إلا ويذكر قصة الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ، وهي من أعجب القصص التي رواها بن عديّ ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه " الكامل "، وهي تدلّ على أن المهارة والحفظ والملكة عندهم ليست كحافظتنا، ولو قارن الإنسان نفسه بهم فلن يصل إلى معشار ما وصلوا إليه.
стр. 103
قال أبو أحمد بن عدي الجرجاني ـ رحمه الله تعالى ـ الحافظ سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل منهم عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة وسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه فسأل عن آخر فقال البخاري: لا أعرفه ثم سأل عن آخر فقال: لا أعرفه فما زال يلقي بمثله واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهمنا، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه فسأل عن آخر فقال: لا أعرفه فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: لا أعرفه ثم انتدب الثالث إليه والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فردّ كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ والعلم وأذعنوا له بالفضل وكان بن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول الكبش النطاح.
مسألة: هل المقلوب يدخل في المضطرب؟
стр. 104
لا، ولكن يدخل إذا لم أستطع أن أرجّح، فلم أحكم عليه بأنه مقلوب إلا لأني رجّحت، إذاً بينهما عموم وخصوص، فقد أقول عن المظطرب بأنه مقلوب، وقد لا أستطيع أن أحكم، فإن حكمت عليه بأنه مقلوب انتهى.
مسألة: حكم الحديث " المقلوب ".
لاشك أنه من قسيم الحديث الضعيف، بل أحياناً يكون المقلوب موضوع.
(الحديث الفرد)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
والفرد ما قيّدته بثقةِ ... أوجمعٍ أو قصرٍ على روايةِ
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثالث والعشرين وهو (الحديث الفرد) .
الفرد: من التفرّد، وهو عدم المشاركة أو يقال الوتر.
اصطلاحاً: عرّف بعدّة تعريفات: -
التعريف الأول:
ما قيّدت روايته بثقةٍ أوجمعٍ أوقصرٍ. وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ وعليه يكون الفرد عنده قد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: والفرد ما قيّدته بثقةِ أوجمع أو قصر على روايةِ.
فقوله " على روايةِ ": ليس معناه على رواية أو روايتين أي هناك قول آخر. كلا، وإنما فيه تقديم وتأخير فمقصوده: أن الفرد ما قيّدت روايته بثقةٍ أوجمعٍ أوقصرٍ، ويمكن أن تكون "رواية" معطوفة على قصر، فقولنا قصرٍ على رواية: أي تفرّد بهذا الإسناد.
التعريف الثاني:
الفرد هو المنكر، وهذا هو تعريف الإمام البرديجي ـ رحمه الله تعالى ـ.
قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ:
والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلقَ........................
فالفرد عند البرديجي ـ رحمه الله تعالى ـ من قسيم الضعيف.
التعريف الثالث:
أن الفرد هو الغريب، والغريب قد مرّ معنا تعريفه.
وجميع التعريفات مستخدمة فقد يحكم على المنكر بأنه فرد فإذا أردت أن تضعّف تقول هذا حديث فرد، وقد تحكم على الفرد بأنه تفرّد فلان عن فلان، وقد تحكم على الغريب بأنه فرد.
إذاً لا نستطيع أن نرجّح لأنها اصطلاحات مستخدمة.
стр. 105
إذاً نرجع إلى تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قال:والفرد ما قيدت روايته بثقة أوجمع أو قصر.
فقوله " بثقة ": يعني قيّدت روايته بأنه لم يروِ هذا الإسناد إلا هذا الثقة، ولا يمتنع أن يكون قد رواه ضعفاء، فأنت مثلاً تقول تفرّد به فلان أي الثقة، لكن لا يمتنع أن يكون قد رواه ضعفاء غيره، لكن لما قلت تفرد به فلان أي هو المقبول فقط أما ما عداه فلا يحتاج أن نقول بأنهم ضعفاء.
وقوله " أو جمع ": أي مجموعة، أهل بلد، فتقول: هذا الحديث تفرّد به أهل مصر، أو هذا الحديث تفرد به أهل الشام كما يذكر ذلك أبوداود ـ رحمه الله تعالى ـ في سننه كثيراً، وكذلك الحاكم ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: هذه السنة تفرّد بها أهل مصر، أو هذه السنّة تفرّد بها أهل الشام، أو هذه السنة تفرد بها أهل الكوفة وغير ذلك، ولهذا بعض العلماء لما يسند له الحديث يقول هذا إسناد كوفي أو إسناد شامي.
وعندي لوقال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ " أو مصر " بدل " أو جمع "، لكان أحسن لأن قوله " أو جمع " كأنه رواة كثرة، وهذا غير مقصود المؤلف ﵀، وإنما يقصد " بجمع " أي جهه ومجموعة معيّنة معروفة.
فيكون البيت:-
والفرد ما قيّدته بثقةِ ... أومصر أو قصر على روايةِ
حتى إنه سيكون هناك محسنات بديعيّة في النظم جيّدة.
وقوله " أو قصرٍ على روايةِ ": أي لم يرو هذا الإسناد بتمامه إلى آخره إلا هذا الراوي وعنه انتشر، يعني تقول مثلاً:لا يرويه عن ابن جريج إلا معمر أو هشام بن حسان أو ابن لهيعة وغيرهم، وعنهم رواه الناس وانتشر، كما قلنا في رواية يحيى بن سعيد في حديث (إنما الأعمال بالنيات) تفرّد به وعنه انتشر إذاً هذا فرد، فتقول تفرّد به يحيى بن سعيد.
مسألة: حكم الحديث الفرد.
حكمه يختلف باختلاف التعريف، فعلى حسب اختيارنا للتعريف في الحدّ يكون الحكم.
فعلى تعريف البرديجي ـ رحمه الله تعالى ـ: يكون حكمه ضعيفاً.
стр. 106
وعلى تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: قد يكون صحيحاً وقد يكون ضعيفاً، وهكذا.
مسألة: مظانّ الأفراد، أين أجد الحديث الفرد؟
أهل العلم ألفوا فيها كتب، فلمسلم ـ رحمه الله تعالى ـ كتاب في " الأفراد "، ومعجم الطبراني من مظانّ الأفراد فتجده يقول تفرد به فلان عن فلان أو لا أعلمه يرويه عن فلان إلا فلان، ومسند البزّار أيضاً من مظان الأفراد، وكثير من كتب " العلل " من مظان الأفراد.
(الحديث المعلَّل)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وما بعلةٍ غموضٍ أو خفا ... معلَّل عندهم قد عرفا
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الرابع والعشرين وهو (الحديث المعلَّل) .
المعلَّل: اسم مفعول من أعَلَّه فهو مُعَلّ، وأجاز بعض أهل العلم كذلك " معلَّل "، وإلا فإن الأصح لغةً يقال " حديثٌ مُعَلّ "، وجوزوا أن تقول " معلّل "، ويقولون: " حديث معلول "، وهذه اللفظة قال عنها الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ هي لحن، بل حتى إن بن الصلاح ـ رحمه الله تعالى ـ قال: هي مرذولة ـ أي من الكلام المهجور وفيه خطأ ـ، ويقول عنها ابن سيده ـ رحمه الله تعالى ـ لست منها على ثقة ولا ثلج ـ يعني لغة ما أظن أنها تصح ـ، مع أن عبارة " معلول " يستخدمها المحدثون فالإمام البخاري وأحمد والشافعي ـ رحمهم الله تعالى ـ يستخدمها، ويستخدمها أهل الكلام، وأهل البلاغة، وأهل العَرُوض.
ولهذا يقول الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ: -
وسمِّ ما بعلّة مشمولُ ... معللاً، ولا تقلْ معلولُ
عموماً هو اصطلاح وقد استخدمه أهل العلم، فهنا قاعدة أن الاصطلاح إذا درج عليه أهل العلم لا نلتفت إليه مادام أن المعنى واضح وعرف، فتأتي أنت وتصحح هذا المصطلح؟! فهذا لا يمكن حقيقة، ولكن ممكن أن نبيّن الضعف فيه لغةً، لكن نقول " معلول " استخدمه ولا حرج عليك.
وقد عرّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فقال:
стр. 107
وما بعلةٍ غموضٍ أو خفا ... معلَّل عندهم قد عرفا
أي: ما في إسناده علةٌ غامضةٌ أو خفيّة.
أو نقول: هي قدحٌ في الإسناد مع أن ظاهره السلامة.
وسبق لنا في تعريف الحديث الصحيح: أن لا يكون معللاً.
وقلنا العلّة: هي العلة الخفيّة التي لا تظهر، وقد تكون بمعنى العلّة الظاهرة الواضحة.
ولهذا تجد بعض أهل العلم يقول: في حديث منقطع ظاهر يقول: هو حديث معلول، فهو اصطلاح.
إذاً نقول: اصطلاح أهل العلم في الحديث المعلول: قد يُستخدم في العلل الخفيّة، وقد يستخدم في العلل الظاهرة، فهذا اصطلاح فلا نستطيع أن نرجّح الآن، ونحاكم الأئمة على اصطلاحاتهم!
مسألة: صور العلل الخفيّة، كيف تكون علّة خفيّة؟
أحياناً يأتي الإمام فيقول هذا ليس من حديث الزهري، فجاءنا فلان ما فيه مخالفة ولا شذوذ بل أمامي إسناد ما فيه مخالفة، فيأتي أبو حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ فيقول: هذا ليس من الزهري، كيف؟ هذه علّة خفيّة، فلا يمكن أن يعرفها إلا هؤلاء، كيف عرفها؟ قد ندرك هذا وقد لا ندركه، ولهذا هؤلاء الأئمة في صنعتهم ومعرفتهم للعلل تفرّدوا بهذه الميزة.
فلو آتي وأضعّف حديث بعلّة قادحة، لا يقبل الناس مني أبداً حتى أبيّن الأسباب، فلا بد أن يكون عندي قرائن، قد تقبلها وقد لا تقبلها لكني بيّنت الأسباب، بينما أولئك الأئمة لا أستطيع، لأن عندهم أمور تيسّرت لهم لم تتيسّر لنا.
فعندما يقول: هذا ليس من حديث الزهري، نقول لماذا؟ لأنه هو رأى كتاب الزهري الذي كتب فيه أحاديثه كلها وحفظها، أما نحن الآن لا نستطيع أن نقول هذا ليس من حديث الزهري فليس أحد الآن رأى كتاب الزهري.
وهو رأى صحيفة سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁، ورأى صحيفة الحسن عن سمرة ﵁، فلما يأتيه حديث عن الحسن عن سمرة ﵁، وليس موجوداً في الصحيفة، يقول: هذا ليس من حديث الحسن.
стр. 108
فمثلاً يقول: فلان لم يفعل بهذا الإسناد شيئاً مع أنه رواه، لأنه يعرف تاريخ هذا الراوي، فشيخه في بلد معيّن وهو لم يره ولم يلتق به أبداً، فيعرف هذا من خلال تعاصره أما نحن فلا يمكن أن نعرف هذا.
إذاً العلل الغامضة لا يمكن أن تستنبط إلا من خلال هؤلاء، وهي التي لا يمكن أن نعرف أسبابها، لكن نحن عندما نُعلّ بعلل غامضة وقادحة لا نستنتجها إلا مع البحث، فلا بد أن نذكر أسباب التضعيف، فقد تكون ظاهرة للناس فقد يقبلون تضعيفي وقد لا يقبلونه، ولهذا نقل عن ابن مهدي وابن معين وجماعة ـ رحمهم الله تعالى ـ يقولون: لا نستطيع أن نحكم على الحديث حتى نعرفه من عشرين وجهاً أو من ثلاثين وجهاً.
ولهذا قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه " مقدمة الجرح والتعديل ": سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وهذا باطل، وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح، فقال: من أين علمت أن ذاك خطأ، وذاك باطل، وذاك كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت، أو بأني كذبت في حديث كذا؟ قلت: لا، ما أدري هذا الجزء من راوية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا الحديث باطل، فقال: تدعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادعاء الغيب.
قال: فما الدليل على ما قلت؟ قلت: سل عما قلت، من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم.
قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب.
قال: فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فقال: ما قلت إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل.
стр. 109
قلت: الكذب والباطل واحد، قال: وما قلت: إنه منكر، قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحيح، قال: هو صحيح.
ثم قال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما.
قلت: فعند ذلك علمت أنا لم نجازف، وأنا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناه، والدليل على صحة ما نقوله أن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد.
فإن قيل له:من أين قلت:إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا.
فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا.
قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك.
قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغَ هذا زجاجا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذا نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه '' اهـ
فهذا العلم الغامض حقيقة لا نستطيع نحن أن ندرك عللاً خفيّة، والإمام الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ فتح الله عليه بعلل خفيّة، والشيخ ابن باز ـ رحمه الله تعالى ـ فتح الله عليه بعلل خفيّة، وغيرهم من المحققين فتح الله عليهم بعلل خفيّة، لكنهم لا بد أن يذكروا سبب العلّة، بينما هؤلاء الأئمة تقف أمام إعلالهم أحياناً بلا أي دليل وما علينا إلا أن نأخذ بقولهم ما لم يتخالفوا.
стр. 110
والعلة أعم من أن تكون في الشذوذ، أعم من أن تكون في السماع، أعمّ من أن تكون في الانقطاع، إذاً قد تكون العلة في الانقطاع وقد تكون في السماع، وقد تكون في قلب الإسناد، قد تشمل كل ما سبق، وقد تكون في نفس الحديث كلّه وما شابه ذلك، فلا حصر لها.
(الحديث المضطرب)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
وذو اختلافِ سندٍ أو متنٍ ... مضطربٌ عند أهيل الفنِّ
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الخامس والعشرين وهو (الحديث المضطرب) .
قال الإمام السخاوي ـ رحمه الله تعالى ـ: " لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلّة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح ـ وهو المضطرب ـ ".
المضطرب: اسم مفعول من اضطرب، وأصلها اضترب، فأبدلت التاء طاءً، كما هو معلوم لهذا الوزن لعلّة صرفيّة مشهورة.
والاضطراب لغةً: هو الاختلاف، تقول اضطرب الشيء إذا اختلف وتغيّر، وأحوالٌ مضطربة أي مختلفةٌ متغيّره، وفيه معنى الحركة وعدم الاستقرار، تقول ماء مضطرب أي غير ساكن.
اصطلاحاً عرّف بعدّة تعريفات:
التعريف الأول:
ما اختلف سنداً أو متناً، وهذا هو تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ.
وفي تعريف المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قصور يُعرف بالتعريف الآخر.
التعريف الثاني:
ما اختلفت أسانيده وتعددت طرقه على سبيل الاختلاف دون ترجيح لأي طريق مما يلزم منه الضعف. وهذا تعريف جيد.
فذدنا في هذا التعريف أمريان:
الأمر الأول: أنه لا يمكن الترجيح لأحد الطرق.
следующие страницы →