المقدمة
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيئات أعمالنا، مَنْ يهدِهِ الله فلا مضلَّ له، ومَنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولُه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
أما بعد: فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
والفقه في الدين من أشرف العلوم وأعلاها منزلة، لما فيه من خير للناس في تصحيح عباداتهم ومعاملاتهم، وقد قال نبينا ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". وقد قام من علماء الحنابلة أفذاذ، وأئمة جهابذة تمكنوا من هذا العلم، ونذروا له حياتهم، وبذلوا لخدمته الرخيص والنفيس، وصرفوا هممهم للتصنيف والتأليف، حتى جعلوه عَذْبَ المورد، سهل المتناول، فتنوَّرت بآرائهم القلوب والعقول، وعمرت بتآليفهم المكتبات، وكان كل جيل منهم يتمم ما بدأه الذي قبله، حتى وصل المطاف إلى عالِم مصر، وشيخ الحنابلة في زمانه، الشيخ منصور بن يونس البهوتي صاحب التصانيف المشهورة، والتآليف النافعة، فألَّف كتاب "عمدة الطالب" وهو أحد الأسفار التي عكف على قراءتها ودراستها طلبة العلم، فوقع هذا الكتاب فيهم موقعه، وصار اسمًا على مسمى، وما زال العلماء يتناولون هذا الكتاب شرحًا وتدريسًا إلى يومنا هذا، فهو بوابة لمن أراد الولوج إلى الفقه الحنبلي، ولما لهذا السفر من أهمية ومكانة بين الدارسين، فقد قام بشرحه علامة نجدٍ في زمانه الشيخ عثمان بن أحمد بن سعيد الشهير بابن قائد المتوفى سنة (١٠٩٧ هـ) وسمَّاه: "هداية الراغب لشرح عمدة الطالب"، فجاء متممًا للعمدة، كافيًا للناظر فيه، فهو عصارة لأمَّات الكتب، وقد وصفه ابن بدران في "المدخل" (١) بقوله: "عمدة
_________
(١) ص ٤٢٢.
стр. 2
الطالب" مختصر لطيف للشيخ منصور البهوتي، وضعه للمبتدئين، وشرحه العلامة الشيخ عثمان بن أحمد النَّجْدي شرحًا لطيفًا مفيدًا مسبوكًا حسنًا. اهـ.
وقد اشتدت عناية الطالبين به؛ لما فيه من السهولة والبيان، والتحقيق والتدقيق على صغر حجمه، وكان آخر المطاف عند الشيخ أحمد بن محمد بن عوض المَرْداوي الذي وضع على هذا الشرح حاشية نفيسة، جاءت في بابها وافية، ولقارئها كافية، سلك فيها مؤلفها مسلك المحقق المدقق، تتبع فيها شيخه في المسائل الشائكة مع شرح وإضافة بيان، واستدراك لما فات، وجاء من بعده ابنه أحمد بن أحمد بن محمد ابن عرض فجرَّد حاشية والده على ذلك الشرح، وزاد عليها ما يسَّره الله من الفوائد الغنية عن الشرح، وسمَّاها: "فتح مولي المواهب على هداية الراكب لشرح عمدة الطالب".
وقد يسر الله تعالى الوقوف لكتاب الهداية على أربع نسخ خطية جيدة، وللحاشية على نسخة وحيدة.
ومتابعة للعناية بكتب المذهب الحنبلي -تحقيقًا ونشرًا- وتيسيرها لطلاب العلم، تم تحقيق "الهداية" و"حاشيتها" وإخراجهما مع أصل "الهِداية" في كتاب واحد وذلك بعون من الله وتوفيق، ثم بتشجيع من صاحب السمو الأمير بندر بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود، الذي تفضل ووافق على تحمل تكاليف طبعه وتوزيعه على نفقته الخاصَّة، رجاء ثواب الله وما عنده، وليس ذلك بغريب على سموه الكريم، فهو سليل أسرة كريمة -آل سعود- جمعت المجد من أطرافه، وقامت دولتها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتنافس ملوكها وأمراؤها في عمل الخير وخدمة الإسلام والمسلمين، فلسموه الكريم من طلاب العلم الشكر والثناء، ونسأل الله أن يجعل ما بذله في موازين عمله يوم يلقاه، وأن ينفع بهذا الإصدار طلاب العلم، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
стр. 3
ترجمة منصور البهوتي
- نسبه:
هو: العالم العلَّامةُ، أبو السعادات، منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن ابن أحمد بن علي بن إدريس المصري البُهوتي الحنبلي، شيخ الحنابلة في عصره (١).
- مولده ومسيرته العلمية:
ولدَ أبو السعادات في سنة ١٠٠٠ من الهجرة، وقد طلب العلم وصرف له جميع وقته، وجعل يحرر المسائل الفقهية، وتبحَّر في العلوم حتى ذاع صِيتُه، وبلغت شهرته أقاصي البلاد.
- شيوخه:
تتلمذ البهوتي على كبار علماء عصره من الحنابلة ومنهم:
١ - الجمال يوسف البهوتي.
٢ - عبد الرحمن بن يوسف بن علي البهوتي توفي بعد (١٠٤٠ هـ).
٣ - يحيى بن موسى بن أحمد الحجاوي.
٤ - محمد بن أحمد المرداوي الشامي (ت ١٠٢٦ هـ) وأَكْثر أخذِه عنه.
٥ - عبد الله بن عبد الرحمن الدنوشري الشافعي (ت ١٠٢٥ هـ).
٦ - عبد القادر الدنوشري توفي بعد (١٠٣٠ هـ).
٧ - النور علي الحلبي.
٨ - أحمد بن عبد الرحمن البكري الصديقي (ت ١٠٤٥ هـ).
_________
(١) مصادر ترجمته: "خلاصة الأثر" للمحبي ٤/ ٤٢٦، "النعت الأكمل" للغزي ص ٢١٠، "السحب الوابلة" لابن حميد ٣/ ١١٣١، "مختصر طبقات الحنابلة" لجميل الشطي ص ١١٤، "هداية العارفين" للبغدادي ٢/ ٤٧٦، "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة ٣/ ٩٢٠، "الاعلام" للزركلي ٧/ ٣٠٧.
стр. 4
- تلامذته:
رحل إليه الطلاب الحنابلة من الديار الشامية، والحجازية والنجدية، والضواحي البعلية، وممن أخذ العلم عنه:
١ - محمد بن أبي السرور بن محمد البهوتي المصري (ت ١١٠٠ هـ).
٢ - إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل الذنابي العَوْفي الصالحي (ت ١٠٩٤ هـ).
٣ - محمد بن أحمد بن علي البهوتي الخلوتي (ت ١٠٨٨ هـ).
٤ - ياسين بن علي بن أحمد اللَّبَدي (ت ١٠٥٨ هـ).
٥ - صالح بن حسن بن أحمد البهوتي الأزهري (ت ١١٢١ هـ).
- مؤلفاته:
١ - " كشاف القناع عن متن الاقناع" شرح فيه كتاب "الإقناع" لموسى بن أحمد الحجاوي (المتوفى ٩٦٨ هـ).
٢ - "حاشية على متن الإقناع".
٣ - "حاشية على منتهى الإرادات" لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن النجار الفتوحي (ت ٩٧٢ هـ).
٤ - "الروض المربع شرح زاد المستقنع" لموسى بن أحمد الحجاوي (ت ٩٦٨ هـ).
٥ - "شرح منتهى الإرادات" لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن النجار الفتوحي.
٦ - "المنح الشافيات في شرح المفردات" لمحمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي المسمى "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد".
٧ - "عمدة الطالب لنيل المآرب" وهو أصل هذا الكتاب.
- صفاته:
كان سخيًّا له مكارم دارَّة، يجعل في كل ليلة جمعة ضيافة ويدعو جماعته من
стр. 5
المقادسة، وإذا مرض أحد منهم عادَه وأخذه إلى بيته ومرَّضه إلى أن يشفى، وكانت الناس تأتيه بالصدقات فيفرِّقها على طلبته في المجلس، ولا يأخذ منها شيئًا (١). وكان كثير العبادة، غزير الإفادة والاستفادة.
- ثناء العلماء عليه:
قال الغزي (٢): كان إمامًا همامًا، علَّامة في سائر العلوم، فقيهًا متبحرًا، أصوليًّا مفسرًا، جبلًا من جبال العلم، وطودًا من أطواد الحكمة، وبحرًا من بحور الفضائل، له اليد الطولى في الفقه والفرائض وغيرهما.
وكان ممن انتهى إليه الفتوى والتدريس. ونُقل عن السفاريني قوله: هو أحد أعلام المذهب المتأخرين، كان كثير العبادة، غزير الإفادة والاستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية والنواحي النجدية، والأراضي المقدسية، والضواحي البعلية، وتمثلوا بين يديه، وضربت الإبل آباطها إليه، وعقدت عليه الخناصر، وقال من حظيَ بنظره: هل من مفاخر.
وقال: ثم رأيت في حاشية تلميذه العلامة الشيخ محمد الخَلْوتي رحمه الله تعالى على "المنتهى" عند قول المصنف في كتاب الحجر: الثالث أن يلزم الحاكم … إلخ ما صورته: قد انتهت قراءة شيخنا وأستاذنا علامة زمانه، وفريد عصره وأوانه، خاتمة المحققين، وعمدة المدققين، من طنَّت حصاته في سائر الأقطار، واتفقت الكلمة على أنه لم تكتحل ولا تكتحل عين الزمان ثانية فيما مضى وما يأتي من الأعصار، وهو أستاذي وخالي الراجي عفو ربه العلي منصور بن يونس البهوتي الحنبلي.
قال ابن حميد في "السحب الوابلة" (٣): وبالجملة فهو مؤيد المذهب ومحرره
_________
(١) "خلاصة الأثر" للمحبي ٤/ ٤٢٦.
(٢) "النعت الأكمل" ص ٢١٠ - ٢١٣.
(٣) ٣/ ١١٣٣.
стр. 6
وموطد قواعده ومقرره، والمعول عليه فيه، والمتكفل بإيضاح خافيه، جزاه الله أحسن الجزاء.
وقال ابن بشر في "عنوان المجد" (١): أخبرني بعض مشايخي عن أشياخهم قالوا: كل ما وضعه متأخرو الحنابلة من الحواشي على تلك المتون ليس عليه معول، إلا ما وضعه الشيخ منصور؛ لأنه هو المحقق لذلك، إلا "حاشية" الخلوتي؛ لأن فيها فوائد جليلة.
وقال الشطي في "مختصر طبقات الحنابلة" (٢): وقد عمَّ الانتفاع بمؤلفات صاحب الترجمة، فلم تزل تتداولها الأيدي ويقرؤها أهل المذهب وغيرهم إلى يومنا هذا.
- وفاته:
كانت وفاته ضحى يوم الجمعة، عاشر شهر ربيع الثاني، سنة إحدى وخمسين وألف بمصر، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_________
(١) ١/ ٥٠.
(٢) ص ١١٦.
стр. 7
ترجمة عثمان النَّجدي
- نسبه:
هو: العالم الفقيه، المحقِّق المدقِّق، عثمانُ بنُ أحمدَ بنِ سعيد بنِ عثمانَ الشهير بابنِ قائد، النَّجدي مولدًا، الدِّمشقي رِحْلةً، القاهري مسكنًا ووفاةً (١).
- ولادته ومنشؤه:
ولدَ في العُيَيْنَةِ من بلاد نجدٍ، ولم يَذكرْ مَنْ ترجم له تاريخَ مولده، ونشأ بها، وقرأ على علَّامتِها الفقيهِ الشيخ عبدِ الله بنِ محمد بنِ ذهلان -وهو ابنُ عمَّته- فأخذ عنه الفقهَ، وعن غيره، ثمَّ ارتحلَ إلى دمشقَ، فأخذ عن علمائِها الفقهَ والأصولَ والنحوَ، وغيرها.
ثمَّ رحل من الشام إلى مصر، وأخذَ عن علمائِها، واختصَّ بشيخِ المذهبِ فيها العلامةِ الشيخِ محمد بنِ أحمدَ الخَلْوَتيِّ، فأخذَ عنه دقائقَ الفقهِ وعدَّة فنونٍ، وزادَ انتفاعُه به جدًّا حتى تمهَّر، وحقَّق، ودقَّق، واشتهرَ في مصر ونواحيها.
- شيوخه:
تتلمذ ﵀ على علماء أجلَّاء منهم:
الشيخ محمد بن موسى البصيري النجدي، والشيخ العلَّامة محمد أبو المواهب، والشيخ العلَّامة محمد بن أحمد الخَلْوتي، الذي أخذ عنه دقائق الفقه وفنونًا أخرى في مصر (٢)، والشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان، والشيخ الفقيه ابن العماد صاحب "الشذرات"، والشيخ محمد البَلْباني، والشيخ عبد القادر التَّغْلبي الشَّيْباني.
_________
(١) ترجمته في: "تسهيل السابلة" لابن عثيمين ٢/ ١٦٢، "عنوان المجد" لابن بشر ١/ ٨٦، "السحب الوابلة" لابن حميد ٢/ ٦٩٧، "الاعلام" للزركلي ٤/ ٣٦٣، "علماء نجد" لابن بسام ٥/ ١٢٩ - ١٣٨.
(٢) "تاريخ ابن بشر" ٢/ ٢٠٤.
стр. 8
- تلاميذه:
انتفع بالشيخ عثمان ﵀ خلقٌ كثير من النجديين والشاميين والمصريين، وذكر الشيخ عبد الله البسام (١) منهم أربعة:
١ - الشيخ أحمد بن عوض المرداوي النابلسي، وهو الذي جرَّد حاشيته على "المنتهى" من نسخة الشيخ نفسها، فجاءت في مجلد ضخم.
٢ - الشيخ محمد بن الحاج مصطفى الجيلي.
٣ - الشيخ تاج الدين الخلوتي.
٤ - الشيخ محمد الجيلي، وله منه إجازة.
- مؤلفاته:
١ - كتب على "المنتهى" حاشيةً نفيسةً مفيدةً، جرَّدها من هوامش نسختِه تلميذُه أحمدُ بنُ عوضٍ المَرْدَاويُّ النَّابلسيُّ.
٢ - "هداية الراغب لشرح عمدة الطالب"، حرَّره تحريرًا نفيسًا. وهو هذا الكتاب.
٣ - "مختصر درة الغواص".
٤ - "شرح البسملةِ".
٥ - رسالةٌ في الرَّضاعِ.
٦ - "نجاةُ الخلفِ في اعتقادِ السَّلف".
٧ - "الإسعاف في إجارة الأوقات".
٨ - رسالة في القهوة.
٩ - رسالة "كشف الضو في معنى لو".
١٠ - رسالة في "أيّ" المشددة.
_________
(١) "علماء نجد" ٥/ ١٣٢.
стр. 9
١١ - لخَّص نونية ابن القيم.
- أقوال العلماء فيه:
كان ﵀ فقيهًا مدقِّقًا محقِّقًا متبحِّرًا في مذهب الإمام أحمد، عالمًا، حسنَ التآليف.
قال فيه الشيخ عبد الله بن بسام (١): وأُطلِق عليه لقب المحقِّق، واشتهر في مصر ونواحيها، وقُصِدَ بالأسئلة والاستقصاء سنين عديدة، وأثنى عليه العلماء في وقته وبعده.
وقال ابن حميد (٢): وزاد انتفاعه جدًّا حتى مهر، وحقَّق، ودقَّق.
وقال أيضًا (٣): وكان خطُّه فائقًا، مضبوطًا إلى الغاية، بديع التقرير، سديد الأبحاث والتحرير.
- وفاته:
توفي ﵀ بمصرَ مساءَ يوم الاثنينِ، رابع عشر جمادى الأولى، سنة (١٠٩٧ هـ).
_________
(١) "علماء نجد" ٥/ ١٣٠.
(٢) "السحب الوابلة" ٢/ ٦٩٨.
(٣) "السحب الوابلة" ٢/ ٦٩٩.
стр. 10
ترجمة أحمد بن عوض
• نسبه:
هو: أحمد بن محمد بن عوض المَرْداوي، ثم النابُلُسي، ويعرف بابن عوض (١).
• مولده ونشأته:
ولد في مَرْدا، ونشأ بها في صيانة وديانة، وقرأ على مشايخ بلده والقرى التي حولها، ومشايخ نابلس، ثم ارتحل إلى دمشق فقرأ على مشايخه ا.
• مشايخه:
رحل ابن عوض إلى القاهرة فلازم العلَّامة المحقِّق المدقِّق المحرِّر محمد بن أحمد الخَلْوتي، ملازمة تامة، وقرأ عليه في الفقه قراءة خاصة وعامة إلى أن توفي، ثم لازم أكبر أصحابه العلَّامة الشيخ عثمان بن أحمد النَّجْدي نزيل القاهرة، وانتفع به في المذهب وغيره.
• علمه:
تمهَّر في الفقه، وشارك في أنواع من العلوم من القراءات والنحو والصرف والمعاني والبيان وغير ذلك.
• تلامذته:
منهم: أحمد بن عبد المنعم بن يوسف الدمنهوري (ت ١١٩٢ هـ) راوي ثبت أحمد بن عوض (٢).
_________
(١) ترجمته في "السحب الوابلة" لابن حميد ١/ ٢٣٩، "المدخل" لابن بدران ص ٤٢٢، "تسهيل السابلة" لابن عثيمين ٢/ ١٥٨٣، "المذهب الحنبلي" ٢/ ٥٣٢، ولم نعثر على ترجمة لابنه أحمد بن أحمد بن محمد بن عوض المرداوي، ولم نعثر على سنة وفاته في كتب تراجم الحنابلة.
(٢) كما ذكر ذلك محقق "السحب الوابلة" ١/ ٢٣٩ في هامشها.
стр. 11
• مصنفاته:
١ - " حاشية على دليل الطالب" تقع في ثلاثين كراسًا، وهي مفيدة جدًّا.
٢ - رسالة تسمى "طَرَفُ الطَّرْفِ في مسألةِ الصوتِ والحَرْفِ".
٣ - "فتح مولي المواهب على هداية الراغب"، وهي حاشية هذا الكتاب.
• وفاته:
لم يذكر ابن حميد في "السحب الوابلة" تاريخ وفاته، وذكر ابن عثيمين في "تسهيل السابلة" أن وفاته سنة (١١٠٢ هـ)، وذكر ابن بدران في "المدخل" أنه كان موجودًا سنة واحد ومئة وألف.
стр. 12
النسخ الخطية
أولًا: "هداية الراغب":
١ - نسخة الأصل، وهي مصورة عن المكتبة الأزهرية تحت رقم (١٠٦٠٧/ ٥٤) عدد أوراقها (٢٧٦) ورقة، في كل ورقة لوحتان، عدد أسطر كل لوحة (٢٥) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات، كتبت بخط نسخي معتاد، نسخت في حياة المؤلف سنة ١٠٩٦ هـ، وهي نسخة كاملة ومقابلة، وعليها تملك في آخرها لعبد الغني محمد عجوة.
جاء في آخرها: "قاله جامعه فقير رحمة ربه العلي عثمان بن أحمد النجدي الحنبلي عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وأحبابه، وكان ذلك يوم الأربعاء رابع عشري شوال المبارك من شهور سنة خمسة وتسعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقد وقع الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة في الثاني عشر من شهر رجب الأصم من سنة ست وتسعين وألف هجرية، والحمد لله رب العالمين". وعليها حواش وتنبيهات مهمة لتلميذ المصنف، ولم يعرف من هو.
٢ - نسخة مصورة عن المكتبة الأزهرية تحت رقم (٤٢٣٨/ ١٣)، وعدد أوراقها (٢٨١) ورقة، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة (٢٣) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات، كتبت بخط نسخي، وهي نسخة كاملة، وجاء في آخرها: "ووافق الفراغ من كتابته نهار الآخر من شهور سنة ألف ومئة وثلاثة وثلاثين بعد الهجرة على يد أفقر العباد الفقير سالم الحجاوي الحنبلي غفر الله له ولوالديه ولكل المسلمين أجمعين آمين، والحمد لله رب العالمين".
وعليها حواش أغلبها من تقرير المصنف على الكتاب كتبها أحد تلامذته، ولعله أحمد بن عوض المرداوي تلميذ المصنف صاحب ثبت كتبه، وهذه النسخة دققها
стр. 13
أحمد الدمنهوري تلميذ أحمد بن عوض، وقد أجازه بثبت عثمان النجدي، والله أعلم. ورمز لها بـ (س).
٣ - نسخة مصورة عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وعدد أوراقها (٢٨٠) ورقة، في كل ورقة لوحتان، عدد أسطر كل لوحة (٢٠) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات، كتبت بخط نسخي واضح، وهي نسخة كاملة سقطت منها الورقة الأخيرة، ولم يتبين الناسخ ولا تاريخ النسخ. ورمز لها بـ (ح).
٤ - نسخة مصورة عن المكتبة الأزهرية تحت رقم (١٠٦٣٩/ ٥٨)، عدد أوراقها (١٩٨) ورقة، في كل ورقة لوحتان، عدد أسطر كل لوحة (٢١) سطرًا، في كل سطر (٧) كلمات، كتبت بخط نسخي معتاد، ناقصة من آخرها حيث وصلت إلى باب مواقيت الحج، ورمز لها بـ (ز).
ثانيًا: "فتح مولي المواهب على هداية الراغب":
وهي نسخة وحيدة مصورة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (٢٢٣٧)، عدد أوراقها (١٦٩) ورقة، في كل ورقة لوحتان، عدد أسطر كل لوحة (٢٣) سطرًا، في كل سطر (١٣) كلمة، كتبت بخط نسخي معتاد، وهي نسخة ناقصة حيث تبدأ بأول الكتاب وتنتهي بمواقيت الصلاة من كتاب الصلاة، ورمز لها بـ (الأصل).
وقد وقع في هذه النسخة كثير من التصحيف والتحريف، كما وقع فيها طمس في أسفل الأوراق وتداخل بين الأسطر والكلمات وبين جهة الورقة اليمنى واليسرى، فكان من المتعذر قراءة بعض الأماكن من الطمس فاستدركت من مصادر النقل -إن صرَّح ووجدت- وإلا فمن عبارات المصادر القريبة منها، فإن تعذر ذلك أشير للطمس الموجود، وترك مكانه بياض، ووقع أيضًا تغيير في خطِّ الناسخ في الورقات العشر الأخيرة، ووقع تقديم وتأخير في شرح بعض العبارات، فأعيد لمكانه الموافق للهداية، كما استخدم المحشي رموزًا كثيرة عند ذكر مصادر نقله ومؤلفيها، وقد تم فك هذه الرموز، وما لم نهتدِ إليه أُبقي كما هو.
стр. 14
طريقة التحقيق
لقد جرى العمل في التحقيق وفق الآتي:
- مقابلة الكتاب على النسخ الخطية المتوافرة لكل من الهداية والحاشية عليها، وإثبات فروق النسخ، وضبط النص.
- ترقيم الآيات، وتخريج الأحاديث النبوية والآثار، وذلك بالرجوع والإحالة على صحيحي البخاري ومسلم إن وجدت فيهما، وإن لم توجد ففي بقية الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، فإن لم توجد فبالرجوع إلى بقية مصادر السنة من مصنفات ومسانيد وأجزاء حديثية، والحكم عليها إن اقتضت الحاجة لبيان ضعفها أو وَضْعها.
- ترجمة الأعلام الواردة، وخاصة غير المشهورة منها.
- التعريف بالكتب والبلدان والفرق.
- شرح الغريب، وذلك بالرجوع إلى المعاجم اللغوية والفقهية.
- عزو الأقوال إلى مصادرها، إلا فيما يتعلق بكتب المذهب، فلا يحال إلا على المعتمد والمشهور منها؛ كـ "المغني" و "المقنع" لابن قدامة، و"الشرح الكبير" لابن أبي عمر، و "الفروع" لابن مفلح، و "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي، و "منتهى الإرادات" لابن النجار، وغيرها.
- شرح بعض المسائل المشكلة.
- صنع الفهارس العلمية.
- وضع متن "عمدة الطالب" في أعلى الصفحة -وقد اعتمدت طبعة دار طويق بتحقيق أحمد بن صالح بن إبراهيم الطويان- وأشير إليها بالهامش بـ "العمدة"، ووضع أسفل منها "هداية الراغب" وأشير إليها بـ "الهداية"، ووضع "فتح مولي المواهب" وأشير إليه بـ "الفتح"، ومن ثمَّ ربطت الكتب الثلاثة بعضها مع بعض في الصفحة الواحدة.
نسألُ الله القبول، إنه خير مأمول، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 15
نماذج
من صور المخطوطات المعتمدة
стр. 16
صورة الصفحة الأولى من النسخة الأصل من هداية الراغب
стр. 17
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الأصل من هداية الراغب
стр. 18
صورة الصفحة الأولى من نسخة (س) من هداية الراغب
стр. 19
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (س) من هداية الراغب
стр. 20
صورة الصفحة الأولى من نسخة (ح) من هداية الراغب
стр. 21
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ح) من هداية الراغب
стр. 22
صورة الصفحة الأولى من نسخة (ز) من هداية الراغب
стр. 23
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ز) من هداية الراغب
стр. 24
صورة الصفحة الأولى من نسخة الأصل من فتح مولي المواهب
стр. 25
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل من فتح مولي المواهب
стр. 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الذي شرَّف هذه الأمةَ بإقامةِ الأَحكام، ووفَّق فرقةً منها لتدوين الفروع مِن الأُصول بإحكامٍ، وفقَّهَهُمْ في دِينِه القَويمِ، وسَلَكَ بهمُ الصراطَ المستقيمَ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمَّدٍ منبعِ الوجودِ (١)، وعلى آلهِ وصحبِه المقتَدِي بهم كلُّ موجودٍ.
أما بعدُ:
فيقولُ فقيرُ رحمةِ ربِّه العليِّ [أحمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بن عوضٍ] (٢) المقدسيُّ الحنبليُّ: قد طَلب مني بعضُ الأعزَّةِ عليَّ الذي لا يَسعُني مخالفتُه حين مطالعتِه لديَّ، أَن أَجْمعَ تقييداتٍ على "هدايةِ الراغب لشرحِ عُمدةِ الطالبِ" لعلَّامةِ زمانِه، وفريدِ عصرِه وأَوانِه، خاتمةِ المحقِّقين، كنزِ النُّحاةِ والمُعْرِبين، عُمدَةِ الفقهاءِ والمحدِّثين، مَن هو عَن الشهرةِ والثناء جَلِيٌّ، الشيخ عثمانَ بنِ أحمدَ بنِ سعيدٍ النَّجْديِّ الحنبليِّ، أفاض اللهُ عليَّ وعلى أحِبَّتي مِن بركاتِه، وأَذاقنا حلاوةَ تحقيقاتِه، فاستخرتُ اللهَ العظيمَ، وتوسَّلتُ إليهِ بنَبيِّه الكريمِ (٣)، وجَرَّدْتُ هوامشَ بخطّ الوالدِ على ذلك الشرحِ، وزِدْتُ عليها ما يسَّره اللهُ من الفوائدِ الغنيةِ عن الشرحِ، وسمَّيتها بـ "فتحِ مُوْلِي المَواهِبِ على هِدايَة الراغبِ لشرحِ عُمْدَةِ الطَّالبِ"، وعلى اللهِ أعتمدُ، ومِن أحبابِه المُقرَّبينَ أستمدُّ، وأرجو بذلك مزيدَ الثوابِ، والتمتعَ بدارِ النعيمِ مِن غيرِ عِتابٍ.
стр. 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين) … (١) في محله لإجابة إليه.
ومن ذلك تقديمها على الحمدلة؛ لأنَّ الأولى تدلُّ على الفعلِ، والثانيةَ تدلُّ على الوصفِ، وما دلَّ على فعلٍ مقدَّمٌ على ما دلَّ على الوصف.
وقال بعضُهم: قُدِّمت البسملةُ؛ لأنَّها جزءُ كلمةٍ لتعلُّقها بالمحذوفِ، والثانيةُ جملةٌ كاملة، والجزءُ مقدَّمٌ على الكلِّ، ولأنَّها موافقةٌ للكتابِ العزيزِ، وغير ذلك.
"بسم الله" محله نصب بـ … (١) إذًا يكون عامله هو مبتدأ، أو هو فعل.
نظم .... (١):
وإن يكن مع عامل هو الخبر … فالرفع في موضع هذين استقر
كأن يكن الجار والمجرور … واختار قوم نصبه لا غير
وإن يكن مخبر به جاز به … رفع ونصب يا به (٢)
وقال .... (١) بدل البيت الأخير:
والخلف في الرفع .... (١) أن … يخبر بعامل له أمر زكن
وهذا أحسنُ مما قبلَه؛ لاقتضاءِ ما قبله جوازَ الرفعِ والنصبِ، فهذا تصريحٌ بالخلافِ فيه. أما ...... (٣) مقام عامله ....... (٤) الكوفيين.
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحمدُ للهِ الذي شرحَ صُدُورَنا للإسلامِ،
قولُه: (الحمدُ لله الذي … إلخ) "الذي" اسمٌ موصولٌ، صفةٌ "الله"، أو بدلٌ منه، و (شَرَحَ) صلتُه، و (صدورَنا) مفعولُه، و (للإسلام) متعلقٌ بـ "شرحَ"، وإنَّما جَعلَ اسمَ الموصول نعتًا؛ لأجلِ التوصُّلِ به إلى جَعل جملةِ الحمدلةِ وما عُطِف عليها نعتًا؛ إذْ بدونِه تكونُ الجملتانِ حالًا لا نعتًا؛ لأنَّ الجُمَلَ بعد المعارفِ المحضةِ أحوالٌ، و [لفظ] الجلالة أعرفُ المعارفِ.
فإنْ قلتَ: الحالُ وصفٌ في المعنى، فالتوصيفُ مُتأَتٍّ بدونِ الموصولِ أيضًا؟ فالجوابُ: أنَّ القصدَ التوصيفُ التصريحيُّ اللفظيُّ لا المعنويُّ، وفَرْقٌ بينهما.
فإنْ قلتَ: يَلْزمُ على جَعْلِ الموصولِ نعتًا محذورٌ، وهو أنَّ الموصولَ يؤوَّلُ مع صلتِه في قوَّة المشتقِّ، والتقديرُ: الحمدُ للهِ المتَّصفِ بكونِه شَرَحَ صدورَنا، والقاعدةُ الأصوليَّةُ أنَّ تعلُّقَ الحُكمِ على مشتقٍّ يُؤْذِنُ بعِليَّةِ مبدأ الاشتقاقِ (١)، مثاله: أكْرِمْ زيدًا العالِمَ. فيه تعليقُ الحكمِ، وهو الإكرامُ المطلوبُ على العِلْم الذي هو مبدأ الاشتقاقِ، وما هنا من هذا القبيلِ، إذِ المعنى: الحمدُ ثابتٌ للهِ المتَّصفِ بشَرْحِ الصدورِ، أي: لأَجْلِ اتِّصافه بذلكَ، فيُشعر بأنَّ ثبوتَ الحمدِ لأَجْلِ هذا الوصفِ، مع أنه يستحقُّه لِذاتِه كما يستحقُّه لصفاتِه؟
قلتُ: قد أجاب ابنُ قاسمٍ (٢) في "الآياتِ البيِّناتِ" عن نظيرِ هذا الإشكالِ؛ بأنَّ الجملةَ إنشائيَّةٌ، والمعنى هنا: إثباتُ الحمدِ للهِ؛ لأَجْلِ كونِه متعلِّقًا بما ذُكر، فهو علَّةُ إنشاءِ المؤلَّفِ، وليست الجملةُ خبريةً لفظًا ومعنًى حتى يتأتَّى المحذورُ، كذا أفاد بعضُ مشايخنا.
والشرحُ هنا مجازٌ لغويٌّ علاقتُه المشابهةُ؛ لأنَّه مِن صفاتِ الأجسامِ بمعنى: فَتَحَ، فشبَّه (٣)
стр. 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفتحَ بالشرحِ؛ بجامعِ مطلَق التوسيعِ، وطَوى ذِكْرَ المشبَّه، واستعارَ اسمَ المشبَّه به له على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّة، واشتقَّ من الشَّرْحِ: شَرَحَ بمعنى: فَتَح، فهي استعارةٌ تصريحيَّة تَبَعيَّةٌ، وأراد بالصدورِ القلوبَ؛ إذِ الصدورُ جَمْعُ صَدْرٍ، وهو ما حَوالي القلب، سُمِّيَ القلبُ هنا مجازًا، فإطلاقُ الصدور على القلوبِ مجازٌ مرسَلٌ؛ مِن تسميةِ الشيءِ باسمِ محلِّه أو مجاورِه، والمرادُ بالقلوبِ المعنى القائمُ لا المُضْغةُ، وقيل: هي حقيقة، كما جاءَ في الحديث: "أَلا وهيَ القلبُ" (١). والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ قلوبَ المؤمنين بتسهيلِ الإيمانِ وتهييئها لهُ.
اعلم أنَّ القلبَ سرٌّ لطيفٌ أودَعه اللهُ تعالى للإنسانِ في صدرِه مِن الجانبِ الأيسرِ، والقطعةُ اللحمُ التي هناك بمثابةِ المَرْكَب له، وكلُّ أعضاءِ الجسدِ عَسْكرُه وهو المَلِكُ، وله وجهتانِ؛ وجهةٌ يَنظر بها إلى نفسِه وعساكرِه، ووجهةٌ يَنظر بها إلى ربِّه، فالأوَّلُ هو المنطبعُ في مرآتِها صورُ الأكوانِ، ومرآةُ القلبِ العقلُ، وما دامَ العقلُ يُجِنُّهُ غطاءُ الكونِ، فالقلبُ أسيرُه ومعتقلٌ به، حتى إذا أُزيل عنه الغطاءُ، زال العقلُ المقيَّدُ، وظهرت الآثارُ، وأشرقتِ الأنوارُ، فينظر بنورِه المودَع في سويدائِه، وهو البصيرةُ، وجاء الحقُّ وزَهَق الباطل، قاله بعضُ شرَّاحِ "الحِكَم" لابنِ عطاءِ اللهِ السَّكَنْدَريِّ (٢). قالَ ﷺ لمَّا سُئل عن قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]: "إذا أنزل اللهُ النورَ في القلبِ فتَحه ووسَّعه، وعلامتُه العملُ لدارِ الخلودِ، والتجافي عن دارِ الغُرور، والاستعدادُ للموتِ قبل
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نزولِه" (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وهذه المشيئةُ الكونيَّةُ لا تتخلَّف أصلًا، وينبني عليها: مَنْ قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. أو قال سيِّدٌ لعبدِه: عبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ. وقعا، الطلاقُ والعِتقُ؛ إذ لو لم يَشأِ اللهُ ذلك، لَما أتَى بصيغتِهما، فإنَّه ما شاء الله كان، وما لم يَشأُ لم يكن، بخلاف المشيئةِ الدينيَّة التي بمعنى المحبةِ والرضى والأمْرِ، فإنَّها قد تتخلَّف، وهي المذكورةُ في نحوِ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ثمَّ إنَّه آثَرَ الحمدَ المقيَّد على المطلَقِ؛ لأنَّ له مزيةً؛ لأنَّه إذا وقَع لا يقع إلا واجبًا، بخلاف المطلَقِ لا يَقع إلَّا مندوبًا، وجرى على خصوصِ التقييد؛ ليفيدَ براعةَ الاستهلالِ بالنسبة للشرحِ والفن، إذ قولُه: "شرح" يفيدُ الأوَّل، وقوله: "ومَنَّ علينا بمعرفة … إلخ" يفيدُ الثانيَ، وقوله: "شَرَحَ" هيَّأَ، وقوله: "صدورَنا" الضميرُ لمعشرِ العُلماءِ الراسخينَ، أي: قلوبَ العُلماء الثابتينَ، مِن: رَسَخَ في كَذَا، إذا ثبتَ فيه، ولا يَخفى ما فيهِ مِن المناسبةِ للمقام؛ وذلك أنَّ الإنسانَ على قسمين، عالمٍ وغيرِه، والأوَّلُ راسخٌ وغيرُه، والمناسبُ لهذا الشرحِ الراسخ هذا.
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإسلامُ معناهُ لغةً: الطاعةُ والانقيادُ.
وشرعًا: الانقيادُ لأَوامرِ اللهِ تعالى ونواهيهِ، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا بقَبولِ الأحكامِ والإذعانِ.
وأركانُه خمسةٌ بنصِّ الرسولِ ﵊، فأوَّلها الشَّهادتانِ، وشرطُهما مع النُّطقِ بهما المحبةُ للهِ ولرسولِه ﵊، فلو نطَق بهما ولا محبةَ، لم يُفِدْه النطقُ بهما شيئًا غيرَ عِصْمةِ الدمِ والمالِ؛ لظاهرِ الحديثِ المذكورِ في "الأربعين" (١): "أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقولوا: أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ … " إلخ.
وأمَّا بقيَّةُ الأركانِ فهي كما في الحديث: "إقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصَومِ رمضانَ، وحَجِّ البيتِ على مَنِ استطاعَ إليه سبيلًا" (٢).
وشروطه ستَّةٌ: العقلُ، والبلوغُ، ودعوةُ النبيِّ ﷺ (٣).
الثالث: الإيمانُ باللهِ وَحْدَه وبملائكتِه وكتبِه ورسلِه.
الرابعُ: الإيمانُ بالقَدَر خيرِه وشرِّه، واليومِ الآخِر.
الخامس: سلامةُ كلِّ مسلم من يدِه ولسانِه في دمٍ أو عِرْضٍ أو مالٍ مع النصيحةِ له.
السادس: التصديقُ في القولِ والعملِ والاتِّباعُ والمحبةُ، فلو حصل منه شكٌّ في وجوبِ الإسلامِ، أو في شيءٍ من الأركانِ، أو حلَّل محرَّمًا، أو حرَّم حلالًا مجمَعًا عليه، عامدًا عالمًا، كفرَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجَّح السيوطيُّ (١) ومَن تبعَه الأوَّلَ (٢)، وأفتى الرمليُّ (٣) بالثاني، وهو المعتمدُ؛ لظاهر الآياتِ الدَّالَّة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم قومُ لوط ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] وغيرِها مِن الآياتِ.
وأما الإيمانُ هل هو مخلوقٌ (٤)؟
نُقل عن جماعةٍ القولُ بخَلْق الإيمانِ (٥)؛ لأنَّه عملٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والحقُّ كما أجابَ به الشهابُ البُلْقينيُّ (٦) بقوله: ما فيه مِن قولٍ وعملٍ، مخلوقٌ، وما فيه مِن الاعتقادِ، فيفصَّل فيه، فما كان باكتسابِ العبدِ تعلُّمًا، مخلوقٌ، وما كان مِن الفيض النوريِّ الإلهي المستقرِّ مِن عالَم الأَزَلِ إلى حينِ الوفاةِ، ليس بمخلوقٍ؛ لامتزاجِهِ بآثارِ الكلامِ النفسيِّ المقدَّس، كما أَلْهَمنا النطقَ بالقرآنِ وليس بمخلوقٍ.
وأما زيادةُ الإيمانِ ونقصانُه، فإنه يزيدُ بالطاعةِ، وَينقُص هو وثوابُه بالعِصيانِ، وَيقوى
стр. 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَنَّ علينا
بالعِلْمِ، وَيَضعفُ بالجهلِ والغفلةِ والنسيانِ.
(ومنَّ علينا) مضارعُه: يَمُنُّ مِنَّةً، وهي: الإفضالُ والعطيَّةُ، بمعنى النعمةِ، أو بمعنى الاعتدادِ بها، فهي على الأوَّل بمعنى الممنونِ به، وعلى الثاني بمعنى الامتنانِ، مصدرٌ ميميٌّ (١) باقٍ على حالِه، وهو مِن اللهِ مَدْحٌ، ومِن الإنسانِ ذمٌّ، والامتنانُ جَمْعُ مِنَّة، والباري تعالى مانٌّ علينا، أي: منًّا منه لا وجوبًا عليه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، والمانُّ مِن أسمائه تعالى. قال القرطبيُّ (٢) في "المقصد الأسنى" (٣): واشتقاقُه مِن المَنِّ الذي هو العطاءُ، دون طلب عوضٍ، ومنه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] في أحدِ وجوهِه، ويجوز أن يكونَ مشتقًّا من المِنَّة التي هي التفاخرُ بالعطيَّة على المُعطَى له، وتعديدُ النِّعَم عليه، والمعنيان في حقِّ الله تعالى صحيحانِ، وفي الإنسانِ الأوَّلُ مَدْحٌ، والثاني ذمٌّ، قال ابنُ الأعرابيِّ (٤): المنَّانُ: المتفضِّلُ. وقال الحَلِيْميُّ (٥): هو العظيمُ المواهِب. انتهى. "إشارات"،
стр. 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمعرفةِ الحلالِ والحرامِ، والصلاةُ والسلامُ
قال الشيخُ البَابِلي (١): المَنُّ مِن الوالدِ والمعلِّم ليس ذمًّا.
وقوله: "علينا" أي: المفاضَةُ علينا، و "على" تعليليَّةٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته وأثرِها؛ إيماءً الى أنَّ الحمدَ مازَجَ النِّعَمَ وتمكَّن منها كتمكُّن المستعلِي على الشيءِ.
وقوله: (بمعرفة) متعلِّقٌ بـ "مَنَّ".
(الحلال والحرام) الحلالُ لغةً وشرعًا: ضدُّ الحرامِ، فيعمُّ الواجبَ والمندوبَ والمكروهَ والمباحَ.
والحرامُ لغةً: المَنْعُ، أي: الممنوعُ مِن فِعْله شرعًا.
وشرعًا: ما يُثاب على تَرْكِه امتثالًا، ويُعاقَب على فِعْله.
وفي تصريحه بالحلالِ والحرامِ براعةُ استهلالٍ، وهي: أن يُورِدَ كلُّ شارعٍ في فنٍّ ما فيه إشارةٌ إلى ما سبَق الكلامُ لأجلِه مِن كونِ التأليفِ في فنِّ كذا، وكونِ الكلامِ في تهنئةٍ أو تعزيةٍ وما أشبهَ ذلك؛ مشعِرًا بالمقصود، دالًا عليه من أوَّل الأمرِ، وأصلُ البراعةِ التفوُّقُ، وأصلُ الاستهلال رَفْعُ المولودِ صوتَه عند الولادةِ المشعِرةُ بحياتِه، فسُمِّي كلُّ ما أشعر بشيءٍ في الابتداء براعةَ استهلالٍ، والإضافةُ على معنى اللام، أو "في"، أو "من".
(والصلاةُ والسَّلامُ) المشهور أنَّ الصلاةَ مِن الألفاظِ المشتركةِ، وُضِعت للدُّعاء بوضْعٍ، وللرَّحمةِ بوضْعٍ، وللاستغفارِ بوضْعٍ، فهو من قَبيلِ المُشتَرك اللفظي، وهو: ما اتَّحد لفظُه، واختلفَ معناه، وتعدَّد وصفُه بتعدُّد معانيه، كالعَينِ.
стр. 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سيدِنا
واعتُرض بأنَّ الاشراكَ خلافُ الأصلِ، ولا دليلَ عليه، ومِن ثَمَّ ذهبَ ابنُ هشامٍ (١) في "مغنيه" إلى أنَّه موضوعٌ لشيءٍ واحدٍ، وهو العطفُ، فإذا أُضيف إلى شيءٍ، يُفسَّر بما يناسبُه، فإِن أُضيف إلى الله، يُفسَّر بالرحمةِ، وهكذا، فهو مُشتَرك اشتراكًا معنويًّا لا لفظيًّا، وتوجيه صاحب "المغني" إذا دارَ الأمْرُ بين الاشتراكِ المعنويِّ واللَّفظيِّ، عُدِل إلى المعنويِّ.
(على سيِّدِنا) أصله سَيْوِد، استُثقلت الكسرةُ على الواو فحُذفت، فالْتَقى ساكنانِ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياءِ (٢)، واشتقاقُه مِن السُّؤْدد والكمال، قال النوويُّ (٣) في "أذكاره": يُطلَق السيِّد على الذي يَفوق قومَه ويَرتفعُ قَدْرُه، وعلى الحليمِ الذي لا يَستفِزُّه الغضبُ، وعلى الكريمِ، وعلى المالك، وعلى المتولِّي للسَّواد، أى: الجماعةِ الكثيرةِ، ولا شكَّ أنَّ جميعَ الخِصال الحميدةِ اجتمعت في نبيِّنا ﷺ .
ووصفُه بالسيادةِ تلويحٌ لِما ثبَت في الحديثِ أنَّه قال: "أَنَا سيِّد وَلَدِ آدمَ ولا فَخْرُ" (٤). ولكن هذا في مقامِ الإخبار عن نفسِه لمرتبتِه، وأما في الصلاةِ عليه منَّا، فهل الأفضلُ ذِكْرُ السيِّد؛ مراعاةً للأدبِ، أو عدمُ ذِكْره؛ رعايةً للوارد في كيفيةِ الصلاة عليه لمَّا سألوه عنها،
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمدٍ خيرِ الأنامِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ (١)
وهو قوله ﷺ : "اللهم صلِّ على محمد" (٢) … إلخ، فلم يَذكر لفظَ: سيِّد؟
تردَّد نَظَرُ الشيخِ عزِّ الدين (٣) في ذلك؛ بناءً على أنَّ الأفضلَ سلوكُ الأدب، أو امتثالُ الأمرِ، فعلى الأوَّل يستحبُّ، دونَ الثاني.
(محمد) بالجرِّ بدلٌ مِن "سيِّدنا" إذِ المقصودُ بالذاتِ الشهادةُ برسالتِه ﷺ ، وذِكْرُ السيِّد توطئةٌ لذِكْر اسمِه الشريفِ، فإثباتُ السيادةِ له مقصودٌ، لكن لا بالذاتِ بل توطئةً وتمهيدًا، فلا يَرِدُ أنَّ قولَهم: المبدلُ منه في نيَّة الطَّرحِ، يستلزمُ عدمَ جوازِ البدليَّة هنا لا يلزم مِن أن يكونَ إثباتُ السيادةِ له غيرَ مقصودٍ أصلًا؟ لأنَّا نقول: معنى الطَّرْح أنْ لا يكونَ المبدَلُ منه مقصودًا بالذات، ولكن ذُكِرَ توطئةً للبدلِ، ويجوز أن يكون عَطْفَ بيانٍ جِيْءَ به للمدحِ، فيكون إثباتُ السيادةِ [له] (٤) ﷺ مقصودًا بالذاتِ، ويجوز رَفْعه على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: هو محمَّدٌ.
وقوله: (خيرِ الأنامِ) صفتُه ﷺ .
(وعلى آلِه) أي: والصلاةُ والسلامُ على آلِه: وهم أتباعُه على دينِه، على الصحيح عند إمامِنا أحمدَ، والصحيحُ إضافةُ آلٍ إلى مضمَر كما فَعَله المؤلِّف، نعم الأوْلى إضافتُه، كـ:
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البرَرَةِ الكرامِ.
وبعدُ:
"حَمَلةُ القرآنِ آلُ اللهِ" (١). وإنَّما قِيل: آلُ فرعونَ؛ لتصوُّره بصورةِ العظماءِ، ولا يُضاف إلَّا إلى عاقلٍ، فلا يُقال: آلُ القريةِ، وأمَّا ما وردَ مِن قولِ الشاعرِ (٢):
وانْصُرْ على آلِ الصَّليـ … ـبِ ..................... آلَك
فهو شاذٌّ، ويَدخُل على المضافِ إليه، كـ: فَعَلَ آلُ فلانٍ كذا بقريةٍ، ومنه قوله ﷺ للحسين: "إنَّا آلَ محمَّد لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ … " (٣) الحديث.
(البَررةِ الكرامِ) جمع بارٍّ، وهو: مَنْ غَلب عليه أعمالُ الخير. و"الكرام" جمع كريمٍ، والمرادُ به هنا مَنْ خَرج من نفسِه ومالِه للهِ تعالى، وكلُّ الصحابةِ كذلك منه.
(وبَعْدُ) يصحُّ في هذه الواو أن تكونَ عاطفةَ لقصَّة الثناءِ على الشرحِ على قصةِ الحمدِ والصلاةِ والسلامِ، والعامل في "بَعْدُ" محذوفٌ، أي: وأقولُ: وبَعْدُ، ويصحُّ أن تكونَ للاستئنافِ، وتكون الواو حينئذٍ نائبةً عن "أمَّا" فيكون الشارح آتيًا بالسُّنةِ.
وهي ظرفُ زمانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم في الزمن، أو ظرفُ مكانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا شرْحٌ
في المكان، والعاملُ فيه الفعلُ المحذوفُ. وأيضًا بُنِيَتْ؛ لتضمُّنها حرفَ الشرطِ، وسيأتي توضيحٌ لها أتمَّ مِن هذا.
(فهذا) الإشارةُ به إنْ كانت قَبل التأليفِ، فإلى ما في الذِّهنِ، وفيه إشكالٌ؛ لأنَّ الحاضرَ في الذهنِ حقيقةً هو المجملُ، ومسمَّى الكتاب هو المفضَّل، وهو غيرُ حاضرٍ في الذهن حقيقةً، والمشارُ إليه يجب حضورُه، فالمشارُ إليهِ هو المجملُ، فلا يصحُّ الإخبارُ عنه بما مسمَّاه المفضَّلُ، وهو قوله: "شرح".
وجوابه: أنَّ المخبَرَ عنه مضافٌ محذوفٌ، أي: مفصَّل هذا المجملِ، فالمشار إليه المجملُ الحاضرُ في الذهنِ، والمخبَرُ عنه المفصَّل، وإن كانت الإشارةُ به بعد التأليفِ، فإمَّا إلى ما في الذهنِ، وقد عُلم ما فيه، وإمَّا إلى ما في الخارجِ، إن جُعل مسمَّى الكتابِ أمرًا خارجيًّا كالنقوشِ المخصوصة، أو الألفاظِ المخصوصةِ، وهي الصادرةُ مِن الشارح في الوقت المخصوصِ على الوجه المخصوصِ، وفيه أيضًا إشكالٌ؛ لأنَّ الموجودَ في الخارج منها ليس إلا الشخصُ، وليس الغرضُ تسميتَه ذلك الشخص، ولا وصفَه بالأوصافِ الآتية، وإنما الغرضُ تسميةُ نوعهِ ووصفِه؟
وجوابه: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ، أي: نوع هذا اللفظِ أو النَّقْش. (شَرْحٌ) الشَّرْح في اللغةِ: الشَّقُّ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ويُطلق على الكشْف والإيضاحِ.
وعرفًا: اسمٌ لألفاظٍ مرتَّبة ترتيبًا خاصًّا باعتبار دِلالتها على المعاني، على المختار عند سيِّد المحقِّقين (١) من أنَّ أسماءَ الكُتب وما فيها مِن التراجمِ عبارةٌ عن الألفاظِ المخصوصةِ
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَطيفٌ، وتَعليقٌ شريفٌ، على المختصرِ الموسُومِ بـ "عمدةِ الطالبِ لنيلِ المآربِ" للإمامِ
من حيث دلالتُها على المعاني المخصوصة.
(لطيفٌ) صفةٌ لـ "شرح" أي: صغيرُ الحجم، يُقال: لطَفه بمعنى: وصَفه، ولَطُفَ لطافةً: صَغُرَ ودَقَّ، وإنَّما عبَّر به دونَ الصغيرِ؛ لِما فيهِ مِن تضمُّن المَدْح بالصفاتِ الحسنةِ، ولأنَّه مأخوذٌ مِن اللَّطافة وهي دِقَّةُ القِوام -بالكسرِ أفصحُ- أو كون الشيء شفَّافًا لا يَحجُب البصرَ عن إدْراكِ ما وراءَه، فالمرادُ أنَّه مختصرٌ حَسَنُ الوضْعِ، بديعُ الصُّنع، وعلى الثاني أنَّه ظاهرُ المعنى لا خفاءَ فيه، شبَّه هذا الشرحَ لسهولةِ أَخذ المعنى منه بجِسْمٍ لطيفٍ لا يَحْجُب إدراكَ ما وراءَه؛ بجامِع مُطْلَقِ السُّهولةِ في كلٍّ، تشبيهًا مضمرًا في النَّفْس على طريقِ الاستعارةِ بالكِناية، وإثباتِ اسمِ اللطيفِ تخييلًا، وأيضًا إنَّ اللطيفَ اسمٌ مِن أسمائِه معناه الرؤوفُ، أي: الشديدُ الرحمةِ بعبادِه، فذكَره إشارةً إلى أنَّه رَؤُفَ -بوزن فَعُلَ- بالمبتدئين حيثُ جعلَه لهم شرحًا.
(وتعليقٌ شريفٌ) أَشارَ بذلك إلى أنَّه لم يَقتصر على مجرَّد حَلِّ الألفاظِ، بل ضمَّ إليه فوائدَ مِن الإتيانِ ببعضِ شروطٍ ومسائلَ زائدةٍ على المتنِ أهْملها المصنِّف، صار بها الأصلُ تعليقًا، أي: مجموعًا.
(على المختصر) العلاوةُ معنويَّةٌ مجازيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ "شرح" على تقديرِ نعتٍ محذوفٍ، أي: مشتمل على المختصرِ … إلخ. وفيه استعارةٌ مكنيةٌ، حيث شبَّه الشرحَ بِجسْم اسْتَعلى على جسمٍ آخرَ؛ بجامعِ شِدَّة التمكُّن، تشبيهًا مُضمرًا في النَّفْس، وأَثبتَ "على"؛ تخييلًا.
(الموسوم) أي: المسمَّى (بـ: عمدة … إلخ) "سمَّى" يتعدى إلى المفعولِ الثاني بالباءِ وبنفسه، وما هنا مِن الأوَّل.
(للإمام) حال من "المختصر"، والإمامُ في اللغةِ: المتَّبَع، ويُطلَق على الكتابِ المُقتَدى