. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على سيدِنا
واعتُرض بأنَّ الاشراكَ خلافُ الأصلِ، ولا دليلَ عليه، ومِن ثَمَّ ذهبَ ابنُ هشامٍ (١) في "مغنيه" إلى أنَّه موضوعٌ لشيءٍ واحدٍ، وهو العطفُ، فإذا أُضيف إلى شيءٍ، يُفسَّر بما يناسبُه، فإِن أُضيف إلى الله، يُفسَّر بالرحمةِ، وهكذا، فهو مُشتَرك اشتراكًا معنويًّا لا لفظيًّا، وتوجيه صاحب "المغني" إذا دارَ الأمْرُ بين الاشتراكِ المعنويِّ واللَّفظيِّ، عُدِل إلى المعنويِّ.
(على سيِّدِنا) أصله سَيْوِد، استُثقلت الكسرةُ على الواو فحُذفت، فالْتَقى ساكنانِ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياءِ (٢)، واشتقاقُه مِن السُّؤْدد والكمال، قال النوويُّ (٣) في "أذكاره": يُطلَق السيِّد على الذي يَفوق قومَه ويَرتفعُ قَدْرُه، وعلى الحليمِ الذي لا يَستفِزُّه الغضبُ، وعلى الكريمِ، وعلى المالك، وعلى المتولِّي للسَّواد، أى: الجماعةِ الكثيرةِ، ولا شكَّ أنَّ جميعَ الخِصال الحميدةِ اجتمعت في نبيِّنا ﷺ .
ووصفُه بالسيادةِ تلويحٌ لِما ثبَت في الحديثِ أنَّه قال: "أَنَا سيِّد وَلَدِ آدمَ ولا فَخْرُ" (٤). ولكن هذا في مقامِ الإخبار عن نفسِه لمرتبتِه، وأما في الصلاةِ عليه منَّا، فهل الأفضلُ ذِكْرُ السيِّد؛ مراعاةً للأدبِ، أو عدمُ ذِكْره؛ رعايةً للوارد في كيفيةِ الصلاة عليه لمَّا سألوه عنها،
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمدٍ خيرِ الأنامِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ (١)
وهو قوله ﷺ : "اللهم صلِّ على محمد" (٢) … إلخ، فلم يَذكر لفظَ: سيِّد؟
تردَّد نَظَرُ الشيخِ عزِّ الدين (٣) في ذلك؛ بناءً على أنَّ الأفضلَ سلوكُ الأدب، أو امتثالُ الأمرِ، فعلى الأوَّل يستحبُّ، دونَ الثاني.
(محمد) بالجرِّ بدلٌ مِن "سيِّدنا" إذِ المقصودُ بالذاتِ الشهادةُ برسالتِه ﷺ ، وذِكْرُ السيِّد توطئةٌ لذِكْر اسمِه الشريفِ، فإثباتُ السيادةِ له مقصودٌ، لكن لا بالذاتِ بل توطئةً وتمهيدًا، فلا يَرِدُ أنَّ قولَهم: المبدلُ منه في نيَّة الطَّرحِ، يستلزمُ عدمَ جوازِ البدليَّة هنا لا يلزم مِن أن يكونَ إثباتُ السيادةِ له غيرَ مقصودٍ أصلًا؟ لأنَّا نقول: معنى الطَّرْح أنْ لا يكونَ المبدَلُ منه مقصودًا بالذات، ولكن ذُكِرَ توطئةً للبدلِ، ويجوز أن يكون عَطْفَ بيانٍ جِيْءَ به للمدحِ، فيكون إثباتُ السيادةِ [له] (٤) ﷺ مقصودًا بالذاتِ، ويجوز رَفْعه على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: هو محمَّدٌ.
وقوله: (خيرِ الأنامِ) صفتُه ﷺ .
(وعلى آلِه) أي: والصلاةُ والسلامُ على آلِه: وهم أتباعُه على دينِه، على الصحيح عند إمامِنا أحمدَ، والصحيحُ إضافةُ آلٍ إلى مضمَر كما فَعَله المؤلِّف، نعم الأوْلى إضافتُه، كـ:
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البرَرَةِ الكرامِ.
وبعدُ:
"حَمَلةُ القرآنِ آلُ اللهِ" (١). وإنَّما قِيل: آلُ فرعونَ؛ لتصوُّره بصورةِ العظماءِ، ولا يُضاف إلَّا إلى عاقلٍ، فلا يُقال: آلُ القريةِ، وأمَّا ما وردَ مِن قولِ الشاعرِ (٢):
وانْصُرْ على آلِ الصَّليـ … ـبِ ..................... آلَك
فهو شاذٌّ، ويَدخُل على المضافِ إليه، كـ: فَعَلَ آلُ فلانٍ كذا بقريةٍ، ومنه قوله ﷺ للحسين: "إنَّا آلَ محمَّد لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ … " (٣) الحديث.
(البَررةِ الكرامِ) جمع بارٍّ، وهو: مَنْ غَلب عليه أعمالُ الخير. و"الكرام" جمع كريمٍ، والمرادُ به هنا مَنْ خَرج من نفسِه ومالِه للهِ تعالى، وكلُّ الصحابةِ كذلك منه.
(وبَعْدُ) يصحُّ في هذه الواو أن تكونَ عاطفةَ لقصَّة الثناءِ على الشرحِ على قصةِ الحمدِ والصلاةِ والسلامِ، والعامل في "بَعْدُ" محذوفٌ، أي: وأقولُ: وبَعْدُ، ويصحُّ أن تكونَ للاستئنافِ، وتكون الواو حينئذٍ نائبةً عن "أمَّا" فيكون الشارح آتيًا بالسُّنةِ.
وهي ظرفُ زمانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم في الزمن، أو ظرفُ مكانٍ، أي: وبعدَ ما تقدَّم
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا شرْحٌ
في المكان، والعاملُ فيه الفعلُ المحذوفُ. وأيضًا بُنِيَتْ؛ لتضمُّنها حرفَ الشرطِ، وسيأتي توضيحٌ لها أتمَّ مِن هذا.
(فهذا) الإشارةُ به إنْ كانت قَبل التأليفِ، فإلى ما في الذِّهنِ، وفيه إشكالٌ؛ لأنَّ الحاضرَ في الذهنِ حقيقةً هو المجملُ، ومسمَّى الكتاب هو المفضَّل، وهو غيرُ حاضرٍ في الذهن حقيقةً، والمشارُ إليه يجب حضورُه، فالمشارُ إليهِ هو المجملُ، فلا يصحُّ الإخبارُ عنه بما مسمَّاه المفضَّلُ، وهو قوله: "شرح".
وجوابه: أنَّ المخبَرَ عنه مضافٌ محذوفٌ، أي: مفصَّل هذا المجملِ، فالمشار إليه المجملُ الحاضرُ في الذهنِ، والمخبَرُ عنه المفصَّل، وإن كانت الإشارةُ به بعد التأليفِ، فإمَّا إلى ما في الذهنِ، وقد عُلم ما فيه، وإمَّا إلى ما في الخارجِ، إن جُعل مسمَّى الكتابِ أمرًا خارجيًّا كالنقوشِ المخصوصة، أو الألفاظِ المخصوصةِ، وهي الصادرةُ مِن الشارح في الوقت المخصوصِ على الوجه المخصوصِ، وفيه أيضًا إشكالٌ؛ لأنَّ الموجودَ في الخارج منها ليس إلا الشخصُ، وليس الغرضُ تسميتَه ذلك الشخص، ولا وصفَه بالأوصافِ الآتية، وإنما الغرضُ تسميةُ نوعهِ ووصفِه؟
وجوابه: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ، أي: نوع هذا اللفظِ أو النَّقْش. (شَرْحٌ) الشَّرْح في اللغةِ: الشَّقُّ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ويُطلق على الكشْف والإيضاحِ.
وعرفًا: اسمٌ لألفاظٍ مرتَّبة ترتيبًا خاصًّا باعتبار دِلالتها على المعاني، على المختار عند سيِّد المحقِّقين (١) من أنَّ أسماءَ الكُتب وما فيها مِن التراجمِ عبارةٌ عن الألفاظِ المخصوصةِ
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَطيفٌ، وتَعليقٌ شريفٌ، على المختصرِ الموسُومِ بـ "عمدةِ الطالبِ لنيلِ المآربِ" للإمامِ
من حيث دلالتُها على المعاني المخصوصة.
(لطيفٌ) صفةٌ لـ "شرح" أي: صغيرُ الحجم، يُقال: لطَفه بمعنى: وصَفه، ولَطُفَ لطافةً: صَغُرَ ودَقَّ، وإنَّما عبَّر به دونَ الصغيرِ؛ لِما فيهِ مِن تضمُّن المَدْح بالصفاتِ الحسنةِ، ولأنَّه مأخوذٌ مِن اللَّطافة وهي دِقَّةُ القِوام -بالكسرِ أفصحُ- أو كون الشيء شفَّافًا لا يَحجُب البصرَ عن إدْراكِ ما وراءَه، فالمرادُ أنَّه مختصرٌ حَسَنُ الوضْعِ، بديعُ الصُّنع، وعلى الثاني أنَّه ظاهرُ المعنى لا خفاءَ فيه، شبَّه هذا الشرحَ لسهولةِ أَخذ المعنى منه بجِسْمٍ لطيفٍ لا يَحْجُب إدراكَ ما وراءَه؛ بجامِع مُطْلَقِ السُّهولةِ في كلٍّ، تشبيهًا مضمرًا في النَّفْس على طريقِ الاستعارةِ بالكِناية، وإثباتِ اسمِ اللطيفِ تخييلًا، وأيضًا إنَّ اللطيفَ اسمٌ مِن أسمائِه معناه الرؤوفُ، أي: الشديدُ الرحمةِ بعبادِه، فذكَره إشارةً إلى أنَّه رَؤُفَ -بوزن فَعُلَ- بالمبتدئين حيثُ جعلَه لهم شرحًا.
(وتعليقٌ شريفٌ) أَشارَ بذلك إلى أنَّه لم يَقتصر على مجرَّد حَلِّ الألفاظِ، بل ضمَّ إليه فوائدَ مِن الإتيانِ ببعضِ شروطٍ ومسائلَ زائدةٍ على المتنِ أهْملها المصنِّف، صار بها الأصلُ تعليقًا، أي: مجموعًا.
(على المختصر) العلاوةُ معنويَّةٌ مجازيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ "شرح" على تقديرِ نعتٍ محذوفٍ، أي: مشتمل على المختصرِ … إلخ. وفيه استعارةٌ مكنيةٌ، حيث شبَّه الشرحَ بِجسْم اسْتَعلى على جسمٍ آخرَ؛ بجامعِ شِدَّة التمكُّن، تشبيهًا مُضمرًا في النَّفْس، وأَثبتَ "على"؛ تخييلًا.
(الموسوم) أي: المسمَّى (بـ: عمدة … إلخ) "سمَّى" يتعدى إلى المفعولِ الثاني بالباءِ وبنفسه، وما هنا مِن الأوَّل.
(للإمام) حال من "المختصر"، والإمامُ في اللغةِ: المتَّبَع، ويُطلَق على الكتابِ المُقتَدى
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العلامةِ، والحبرِ البحرِ الفهَّامةِ، شيخِ شيوخِنا،
به، الذي هو حجَّة، ويُطلَق على اللوحِ المحفوظِ، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، يعني: اللوحَ المحفوظَ، وقد يُراد به صحائفُ الأعمالِ، وقد يُطلَق على الإمامِ الأعظمِ، كما يأتي.
وفي الشَّرع: مَن يصحُّ الاقتداءُ به. والإمامةُ كُبرى وصُغرى، فالكُبرى: خلافةُ الرسولِ ﷺ في إقامةِ الدِّينِ، وحِفْظِ صورةِ الملَّة، بحيث يجبُ اتِّباعه على كافةِ الأمةِ. والصُّغرى ما تقدَّم. وجَمْعُ إمامٍ: إمامٌ أيضًا، كما في "القاموس" (١)، فيكون مفردًا وجَمْعًا، ونظيرُه: هِجَانٌ، وكثيرًا ما يُجمَع على أئمة، والأئمَّةُ أَيْمِمَة على وزن أَفْعِلَة.
(العلَّامةِ) هو صيغةُ مبالغةٍ كنسَّابة، وهو مَن حازَ المعقولَ والمنقولَ بأنْ حصَّل مِن كلِّ فنٍّ طرفًا يَهتدي به إلى باقيه، وتاؤه؛ للمبالغة والوحدةِ لا للتأنيثِ.
(والحبْرِ) بفتح الحاءِ وكسرِها: العالِم. وفي الأصلِ: واحدُ أحبارِ اليهودِ، والكسرُ أفصحُ، وكعبٌ الْحِبْر-بالكسر- منسوبٌ إلى الحِبر الذي يُكتَب به؛ لأنَّه كان صاحبَ كتب. محمد الخلوتي (٢).
(شيخِ شيوخِنا) إضافةُ شيخٍ لشيوخِنا؛ إمَّا أن تكونَ على معنى اللامِ، أي: شيخ لشيوخِنا، أو على معنى "من"، أي: شيخ مِن شيوخِنا، أو على معنى "في"، أي: شيخ في شيوخِنا، والمرادُ الأوَّلُ كما قرَّره الوالدُ (٣).
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشيخِ منصورِ بنِ يونسَ البُهُوتي رحمه الله تعالى.
وسمَّيتُه: "هِدايةَ الرَّاغبِ لشرحِ عمدةِ الطالبِ".
(الشيخ منصور) وهو في اللغةِ: مَن جاوزَ الأربعينَ. وفي الاصطلاح: مَن بلَغ رتبةَ أهلِ الفَضْل، ولو صبيًا.
(وسمَّيته: "هدايةَ الراغِب … إلخ") قال الدَّوَاني (١): يعني سمَّيته بمجموعِ الموصوفِ والصفةِ وما أُضيف إليهما.
فإنْ قِيل: الهدايةُ هي: الدلالةُ الموصِلَةُ إلى المطلوبِ، حصل الوصولُ أَوْلا، عند معاشرِ أهلِ السنةِ، فَلِمَ سمَّى كتابَه بـ "هداية" مع أنَّ الهدايةَ مِن أوصافِ العَقَلةِ، ولا كذلك الكتابُ؟
يُجاب: بأنَّ تسميتَه بهذا مجازٌ عقليٌّ مِن إسنادِ الفعلِ إلى غيرِ مَن هو له، وهو الموقن، أو مجازٌ لغويٌّ، علاقتُه المشابهةُ على طريقِ الاستعارةِ بالكناية، بأَنْ شبَّه الكتابَ بشخصٍ ذي (٢) هدايةٍ؛ تشبيهًا مضمرًا في النَّفْسِ، وإثباتُ الهدايةِ تخييلٌ.
وقيل: إنَّ الهدايةَ الإرشادُ والبيانُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. أي: بيَّنَّا له طريقَي الخيرِ والشَّرِّ، فتسميةُ الشَّرِّ بذلك مِن تسميةِ المسبَّب بسببِه؛ لأنَّ الراغبَ يتبيَّن له بسببِه الأحكامُ الشرعيَّة مِن حلالٍ وحرامٍ، هذا كلُّه بحَسب الأصلِ، وأما الآن جُعل عَلَمًا، فلا يُنظر لذلك.
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللهَ أسألُ أنْ يَنْفعَ بهِ النَّفْعَ العميمَ،
(واللهَ أسألُ أن ينفعَ به) قدَّم اسمَ البارِي ﷻ ؛ للقَصْر والاهتمامِ باسمِ الذاتِ، أي: قصَر سؤالَه وطلبَه على اللهِ لا يتجاوزُه إلى غيرِه، أو مبتدأٌ و "أسأل" خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: واللهُ أسأَله، والجملةُ على الأوَّل فعليَّة تفيدُ التجدُّدَ والحدوثَ، وعلى الثاني اسميَّة تفيدُ ما ذُكرَ؛ لأنَّ الخبرَ فيها جملة فعليَّة، فإذن الأفضلُ الوجهُ الأوَّل؛ لدلالتِه على الحَصْر، مع إفادةِ التجدُّد والحدوثِ المتحقِّق في الأمرين، وخلوِّ الثاني منه، فقولهم: الاسميَّةُ تدلُّ على الدوامِ والثباتِ، ما لم يكنِ الخبرُ فيها جملة فعليَّة.
والسؤالُ في اللغةِ: الطَّلبُ. واصطلاحًا: طَلَبُ الأَدنى من الأعلى.
وقوله: "أن ينفع" مؤول بالنَّفْع، وحقيقتُه كما قال الراغبُ (١) في "مفرداته": ما يُستعان به في الوصولِ إلى الخيرِ، وكلُّ ما يتوصَّل به إلى الخيرِ فهو خيرٌ، فالنفعُ خيرٌ. وهو مفعولٌ ثانٍ لـ "أسأل"، والتقدير: أسألُ اللهَ النفعَ به، أي: يُوصل للناسِ خيرًا بسببِه، أو أنَّ الباء للتعديةِ بجَعْل الشرحِ آلةً للنفعِ.
فإنْ قيل: هلَّا عبَّر بتلكَ العبارةِ؛ لأنَّها أَخْصرُ؟
أُجيب: بأنَّه عَدَل عنها الى ما قالَه لأمْرين: الأوَّل: أنَّ هذا مقامُ دعاءٍ فينبغي فيه الإطنابُ. الثاني: تحصيلُ البركةِ بوجودِ الضميرِ الراجعِ إلى اسمِ اللهِ المتقرِّر في الفعلِ دونَ المصدرِ، والشارحُ حذَف مفعولَ "ينفع" إيذانًا بالعمومِ، أي: كلَّ أحدٍ، لكنَّ ذلك العامَّ لم يَبْقَ على عمومِه، بل هو مخصوصٌ، أو أُريد به الخصوصُ، أي: كلَّ مَن قرأه وحصَّله، لا كلَّ أحدٍ ممَّن ليس كذلك، وانظر الفَرْق بين العامِّ المخصوصِ والعامِّ الذي أُريد به الخصوصُ فيما كتبناهُ على "شرح المنتهى".
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنْ يجعَلَه خالِصًا لوجهِهِ الكريمِ؛ إنَّه وليُّ ذلك وهو حسْبي ونعمَ الوكيلُ.
(وأن يجمله) عطفٌ على قوله: "أن ينفع"، والضميرُ راجعٌ للشرحِ.
(خالصًا لوجهه) أي: لا يَشُوبُه رياءٌ ونحوُه مما يُحبِط الثوابَ، والوجهُ: الذاتُ (١)، مِن إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكُلِّ مجازًا، بقرينةِ وَصْفه بالكريمِ، وهو مِن المتشابِه الذي اختَلف فيه السلفُ والخَلَفُ، كما قال البرهان اللقاني (٢):
وكلَّ نصٍّ أوْهَم التَّشْبِيهَا … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيْها
(الكريمُ) مأخوذٌ مِن الكَرَم، وهو إعطاءُ مَا ينبغي، لمن ينبغي، على وجهٍ ينبغي، لا لغرضٍ ولا لعلَّة. قوله: "لا لغرض ولا لعلَّة" هكذا اشتهر زيادةُ ذلك، وهو مستغنًى عنه بقوله: "على وجهٍ ينبغي"، ويُمكن أن يُقال: هو بيانٌ للوجه.
(وهو حسبي ونِعْمُ الوكيل) معنى حسبي، أي: كافيَّ عن أنْ أطلُب العرنَ والتوفيقَ مِن غيرِه، و "الوكيلُ" فعيلٌ بمعنى فاعل، معناه: الحافظُ، ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: الحافظُ، وهذه الجملةُ- أعني قولَه: "ونِعْمَ الوكيل"- جملةٌ قُصِدَ بها المدحُ للهِ تعالى، وهي معطوفةٌ إمَّا على "حسبي" فلا يَلزم عطفُ الإنشاءِ على الخبرِ، أي: الجملةِ الخبريَّة؛ لأنَّ "حسبي" مُفرَدٌ ولا يُوصَف بشيءٍ مِن ذلك، وإمَّا على الجملةِ "وهو حسبي"، وحينئذٍ يُقدَّر القولُ أي: وقول: فنِعْمَ الوكيل، معمولٌ لقولٍ محذوفٍ معطوفٍ على "حسبي"، أي: ومقولٌ فيه: نِعْمَ الوكيل، فالعطفُ في الحقيقةِ يكون مِن عَطْفِ جملةِ اسميَّة على اسميَّة، والإنشاءُ إنَّما هو في متعلَّق خبرِ الجملةِ، وهو لا يضرُّ في صحَّةِ العطفِ، أو أنَّ الواوَ اعتراضيَّةٌ؛ بناءً على جوازِ الاعتراضِ مِن الأواخرِ، أو أنَّ الواوَ استئنافيَّةٌ.
стр. 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(قال المصنِّف رحمه الله تعالى): يعني: أنَّ مجموعَ البسملةِ وما بعدَها مقولٌ لهما، فالبسملةُ للمصنِّف مثلًا خاصَّة، كبقيةِ ألفاظِ المتنِ، والذي للشارح هو ما شَرَح به المتنَ، مما هو مميَّز عنه، وعليه فَلِمَ يَبدأُ الشارحُ بالبسملة؟ وأُجيب: بجَعْل البسملةِ مقولةً لهما معًا، فللمُصنِّف من حيثُ الابتداءُ بها لفظًا، وكتابةً تحقيقًا، وللشارحِ من حيثُ نَقْلُ ما كتبَه المصنِّف تبرُّكًا به.
إِنْ قيل: الواقعُ مِن المصنِّف إنَّما هو مجرَّدُ الكتابةِ؟
أُجيب: بأنَّه بلغَه أنَّه تلفَّظ حقيقةً بأَنْ أمْلاهُ، أوْ مع الكتابةِ إن لم يُمْلِها، أو بناهُ على الغالِبِ مِن أنَّ مَن كتبَ شيئًا تلفَّظ به، أو لأنَّها في قوَّة اللفظِ، فهو من قَبيلِ: القَلَمُ أحَدُ اللسانَيْن (١). أو باعتبارِ أنَّ اللفظَ مدلولُها؛ لِما تقرَّر أنَّ الكتابةَ تدلُّ على العبارةِ، والعبارةَ على ما في الذهنِ، وما في الذهنِ على ما في الخارج، وقد عَلمتَ مما ذُكر أنَّ القولَ يُطلَق على اللفظ وعلى الكتابةِ، فيقالُ: قال المصنِّف، أي: تلفَّظ أو كتبَ، ويُطلَق على معانٍ أُخَرَ أيضًا، يُقال: قال به، أي: حكَم به، وقال عنه، أي: رَوى عنه، وقال له، أي: خاطَبَه، وقال عليه: أي: افْتَأتَ عليه، وقال فيه، أي: اجتهدَ فيه.
وقوله: "المصنِّف" مِن التصنيفِ وهو: جَعْل كلِّ صِنْف على حِدَتِه. فهو أخصُّ من التأليفِ الذي هو مُطلَق الضمِّ، كذا لشيخِ الإسلامِ زكريّا (٢) في بعضِ كتبِه، وذكر الناصهري (٣) أنَّ التصنيفَ والتأليفَ مترادفان، وهو المتعارف.
стр. 46
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"﵀" جملةٌ معترضةٌ بين القولِ والمقولِ، لا محلَّ لها مِن الإعراب، قصدَ بها الدعاءَ للمصنِّف؛ لما يستحقُّه عليه مِن أَجْلِ أنَّه وضَّح السبيلَ بالدواوين التي دوَّنها مِن العلومِ، وهي خبريَّة لفظًا، إنشائية معنًى، إلا أنَّ المعنى واضحٌ على أنَّ الرحمةَ صفةُ فِعْل بمعنى الإنعام، وإمَّا على أنَّها صفةُ ذاتٍ بمعنى إرادةِ الإنعام، فالدعاءُ باعتبار تعلُّقها التَّنْجيزيِّ الحادِث؛ لأنَّ لها تعلقاتٍ ثلاثةً: تنجيزيَّان قديمٌ وحادِثٌ، وصَلوحيٌّ قديمٌ، على ما هو مقرَّرٌ مشهورٌ، ثم ما ذكرَ مِن أنَّها بمعنى الإنعام أو إرادتِه، ليس على طريقِ الحقيقةِ، بل مجازٌ مرسَلٌ مِن استعمالِ اسمِ الملزومِ في اللازمِ، وذلك لأنَّ معناها الحقيقيَّ رِقَّةٌ في القلبِ وانعطافٌ، وهي مستحيلةٌ على اللهِ تعالى (١)، كما يأتي التنبيهُ عليه، فيُراد منها لازمُها القريبُ، وهو إرادتُه، تأمَّل.
(بسم الله .. إلخ) فإنْ قيل: جَزْمُه بالبسملةِ مِن أينَ له؟ يَحتملُ أنَّ المصنِّفَ لم يَقُل ذلكَ، وأنَّه مِن زيادة الكَتَبة؟
أُجيب: بأنه إنَّما جزَم بذلك؛ إمَّا أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، أو بَلَغه بالتواترِ، أو أنَّه راعى الأكْملَ فجزَم بذلك، والصحيحُ الأوَّلُ أنَّه رأى نسخةً بخطِّ المصنِّف فيها البسملةُ، وهي عندي الآن، ثم إنَّ صنيعَه هنا مِن عدمِ الفَصْل بين أجزاء البسملةِ أَولى مِن صنيعِ غيرِه؛ لأنَّ "الرحمن الرحيم" صفتانِ للفظِ اسمِ اللهِ، والموصوفُ مع صفتِه كالشيءِ الواحدِ، وهو لا يَحسُن الفصلُ بين أجزائِه.
وحاصل ما ذكَره الشارحُ مِن الكلامِ على البسملةِ أوجهٌ:
الأوَّل: في الباء، وفيه بحثان:
стр. 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوَّل: في متعلَّقها. الواجبِ لها؛ لأنَّ كلَّ جارٍّ ومجرورٍ ليس زائدًا ولا شبيهًا بالزَّائد لا بُدَّ له مِن متعلَّقٍ يتعلَّق به، وهذا العامل المتعلَّق تارةً يكون اسمًا أو فعلًا، وكلٌّ منهما يكون مقدَّمًا أو مؤخَّرًا، خاصًّا أو عامًّا، فالأقسامُ ثمانيةٌ، مِن ضَرْبِ اثنين في أربعةٍ، وبيَّن الشارحُ ما هو الجائزُ والأَولى مِن ذلك.
الثاني: في معناها هَل هِيَ للمصاحبَة، وهي في اللغةِ: التصاقُ جسمٍ لجسمٍ على وجهِ التَّضَامِّ، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، فكيف قال الشارحُ: "الباءُ للمصاحبَة"؟ أجاب الشارحُ بأنَّ المرادَ على وجهِ التبرُّك.
وحاصلُه أنَّ المرادَ بها التبرُّكُ لا بالذات حقيقتِها؛ لأنَّ مصاحبَةَ الذاتِ مستحيلٌ، والمعنى: أؤلِّف مصاحَبًا باسم اللهِ، متبرِّكًا بمدلولِه، أو المرادُ المصاحبةُ في النفوسِ؛ لأنَّ لفظَ الجلالةِ ينضمُّ ويلتصقُ بأوَّل الفعلِ، أو للاستعانة، واستظهر ابنُ عبدِ الحقِّ (١) الأوَّلَ؛ لسلامتِه مِن الإخلالِ بالأدب المُشعِر به، مِن جَعْلِ اسمِ اللهِ آلةً لغيرهِ لا لذاتِه.
الوجه الثاني: اشتقاق الاسم.
الوجه الثالث: في لفظ الجلالة، وفيه أربعةُ مباحث: الأوَّل في عَلَميَّتِه. الثاني: هل هو عربيٌّ أو مُعَرَّب، واقتصر الشارحُ على الأوَّل؛ لأنَّه الأصلُ، ولذهابِ أكثرِ العلماءِ إليهِ، قال البُلْقيني: والقولُ بأنَّه أعجميٌّ لا يُلتَفت إليه، ولا دليلَ عليه؛ إذ لا يُصار إلى إثباتِ العجميَّة بلا دليلٍ.
الثالث: في اشتقاقِه.
الرابع: في أنَّه هل هو الاسمُ الأعظمُ أو غيرُه، ولم يصرِّح الشارحُ بذلك الخلافِ؛
стр. 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاختيارِه الأوَّلَ، إذ هو اختيارُ أكثرِ العلماءِ، قال الفَخْرُ الرازيُّ (١): وهو الأقربُ عندي؛ لأعظميَّة (٢) مدلولِه الذي هو الذاتُ الأَقْدس.
الوجه الرابع: في الرَّحمن الرحيم، وفيه بحثان: الأوَّل: نوعًا واشتقاقًا. الثاني: في حِكمة تقديمِ الرَّحمنِ على الرحيمِ، ثم إنَّ الشارحَ قد تكفَّل بشرح ذلك.
"تنبيه": إنْ قلتَ: لِمَ قدَّم البسملةَ على الحمدلةِ؟ ولمَ قال: بسمِ اللهِ، ولم يَقُل: باللهِ؟ ولمَ قدَّم لفظَ اللهِ على الرحمنِ؟ ولمَ قدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؟ ولمَ حذَف الألِفَ مِن الرحمنِ؟ ولم يحذف الياءَ مِن الرحيمِ؟
الجواب عن ذلك: قُدِّمت البسملةُ على الحمدلةِ؛ اقتداءً بالكتاب العزيزِ والأحاديثِ المشهورَةِ (٣). وقال: بسم الله، ولم يقل: بالله، تجوُّزًا مِن إيهامِ القسمِ.
وقدَّم اللهَ على الرحمنِ؛ لأنَّه اسمُ ذاتٍ؛ والرحمنُ اسمُ صفةٍ، واسمُ الذاتِ مقدَّمٌ على اسمِ الصفاتِ.
وقدَّم الرحمنَ على الرحيمِ؛ لأنَّ الرحمنَ خاصٌّ، والرحيمَ عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ.
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أبْتَدئُ تأليفي، أو أُؤلِّف
وحُذفت الألِفُ مِن الرحمنِ، ولم تُحذف الياءُ من الرحيمِ؛ لئلَّا يَشتبِه الرحيمُ بالرَّحِمِ، أي: رَحِمِ المرأةِ، أو القرابةِ.
(أي: ابتدئ) أشارَ به إلى أنَّ استعمالَ المتعلق عامًّا جائزٌ، وإنْ كان الأَولى كونه خاصًّا، كما ذكَره الشارحُ، وألَّا يُفهم من عدمِ التصريحِ به عدمُ جوازِه، وأنَّهم أطبقوا على ذلك.
(أو أُؤلِّف) هذا هو الأَولى لتقديرِه فعلًا خاصًّا مقدَّمًا؛ لأنَّ بعضَهم اقتصَر على مادةِ التأليفِ دون الابتداءِ؛ لأنَّه نصٌّ بالمرادِ، وهو حاصلُ ما قاله المحقِّقون باختصارٍ، ومِن عباراتِهم: تقريرُ خصوصياتِ الأفعال أيسرُ بالمقامِ وأوْفى بتأديةِ المَرام، فإنَّك إذا قدَّرت: أولِّف، مثلًا، دلَّ ذلك على تلبُّس التأليف كلِّه بالتسميةِ على وجهِ الملابسة التبركيَّة أو الاستعانة، كما أَشار إلى ذلك الشارحُ، وإذا قدَّرتَ: أَبتدئُ، مثلًا، أفادَ تلبُّسَ ابتداءِ التأليفِ بها خاصَّةً، ومن قدَّم مادةَ الابتداءِ الشارحِ، نظَر الى أرجحيَّته، وعليها طائفةٌ كشيخِ الإسلامِ (١)، واحتجُّوا بأنَّ الابتداءَ أعمُّ مِن خصوصياتِ تلك الأفعالِ، فكان الفعلُ منه أحقَّ بالتقديرِ والتقديمِ، كما في تقديرِ النُّحاة متعلَّق الظروف المستقرّة عامًّا كالمحصولِ والكونِ، وبموافقةِ الحديثِ في المادة، أَي: قوله فيه: "لا يُبدأ فيه ببِسْمِ الله" (٢)، وبغيرِ
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
متلبِّسًا ومصاحبًا، أو مستعينًا ومتبرِّكًا باسمِ اللهِ، فالباءُ للمصاحبةِ، أو الاستعانة متعلِّقة بمحذوفٍ، وتقديره فعلًا خاصًّا
ذلك مما هو مبسوطٌ في محلِّه، هذا والأوجَهُ والأرجح ما تقدَّم من تقديرِ الخاصِّ؛ لأنَّه أكثرُ فائدةً، وهذا هو مرادُ الشارحِ بذكْرهما؛ بدليلِ ما يأتي.
(متلبِّسًا) إشارة إلى أنَّ الباءَ للمُلابَسة على وجهِ التَبرُّك، وإلى أنَّ التسميةَ قَيْدٌ للتأليفِ، حالٌ مِن فاعِله، وكذا "الحمد لله" فكأنَّه قال: أُؤلِّف حالَ كوني متلبِّسًا ومتبرِّكًا ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، قائلًا: الحمدُ للهِ.
ثم إنَّ التبرُّكَ مِن عَرضيات الملابَسة، كالضاحكِ للإنسان، وأخصُّ منها؛ لأنَّها تكون على جهةِ التبرُّك وعلى غيرِها، وليس من جزئياتِها، كما تُوهِم، والملابَسة هي ما يعنيه النُّحاةُ بالمصاحبَة، وبقولِهم: الباء تكون بمعنى "مع" ومِن ثمَّ لَمْ يَقُل: فالباءُ للملابَسة، فعَطْفُ "أو" مصاحبًا على "متلبِّسًا" تفسيريٌّ، والأوَّل أَولى؛ لإساءة الأدبِ في جَعْل اسمِه آلةً.
(فالباءُ … إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "متلبِّسًا … إلخ".
(وتقديره فعلًا خاصًا … إلخ) أمَّا أَولويَّة كونه فِعْلًا؛ فلأنَّ الجارَّ والمجرورَ معمولٌ، والأصلُ في العاملِ أن يكون فِعلًا.
وكونه خاصًا؛ لأنَّه أيسرُ بالمقامِ وأوْفَى لتأديةِ المرَام، ولأنَّه يدلُّ على التبرك في جميعِ ذلك الشيءِ ولأنَّ كلَّ شارعٍ في فنٍّ يُضمِر ما كانت التسميةُ مبدأً له، بخلاف العامِّ فإنَّه لا يَدلُّ على ذلك إلَّا في ابتدائِه.
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مؤخَّرًا أوْلى (١).
و "الاسمُ" مشتقٌّ من السموِّ
وكونه (مؤخَّرًا) ليفيدَ التعظيمَ والاختصاصَ والاهتمامَ، وإنَّ إفادةَ التأخيرِ الاختصاص بالفحوى وحكم الذوقِ، ومعنى الاختصاصِ جَعْلُ الفعلِ المبدوءِ بالبسملةِ كالتأليفِ مقصورًا على التبُّرك باسمِه تعالى لا يتجاوزُه الى غيره مِن الأسماءِ، وهو قَصْرُ إفرادٍ (٢)، فإنَّ المشركين كانوا يبتدؤون في أفعالِهم بأسماءِ آلهتِهم، فيقولون: باسم اللَّاتِ، باسمِ العُزَّى، فوجَب على الموحِّد أن يقصِدَ بعبادتِه قَطْعَ شِرْكةِ الأصنامِ؛ كَيْلا يُتوهَّم تجويزُ الابتداءِ بأسمائِها، فيكون قصرَ إفرادٍ، كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
(والاسم مشتقٌّ مِن السُّمُوِّ) بدليل سَمَوتُ كعَلَوْت وزنًا ومعنًى، وبشهادةِ تصريفِه، وهو مِن العلوِّ، فأصله سَمَوَ، حُذفت لامُه تخفيفًا، وهو الواو، وعُوِّض عنها همزةُ الوصلِ. أو من السِّمَةِ، وهي العَلامةُ، وأصله وَسْمٌ، قُلبت الواوُ همزة، كإرث ثم وُصلت؛ لكثرةِ الاستعمالِ، فهو مِن الأسماء المحذوفةِ الأَعجاز -أي: الأَواخر- اعتباطًا، أي: لغيرِ علَّة تصريفيَّة، كيدٍ ودمٍ؛ لكثرةِ الاستعمالِ بُنيَت أوائلُها على السكون، وأُدخل عليها همزةُ الوصلِ؛ لتعذُّر الابتداءِ بالساكنِ ثَمَّ.
ثُمَّ إنَّ قول الشارحِ: "مشتقٌّ" هذا الاشتقاقُ الصغيرُ: وهو ردُّ لفظٍ إلى آخرَ ولو مجازًا؛ لمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروفِ الأَصليَّة، بأَنْ تكون فيهما على ترتيبٍ واحدٍ، وهو
стр. 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المرادُ عند الإطلاقِ، كما في الناطقِ مِن النُّطْق بمعنى التكَلُّم حقيقةً، وبمعنى الدلالة مجازًا، كما في قولك: الحالُ ناطقةٌ بكذا.
أمَّا الكبيرُ فليس فيه ترتيبٌ، كما في الـ: جبذ وجَذَب.
والأكبرُ ليس فيه جميعُ الأصولِ، كما في الـ: ثلم وثَلَب، "محلي على جمع الجوامع" (١). قال الشبيخُ خالد (٢) في "شرحه": فخرج بقوله: "لمناسبةٍ بينهما في المعنى" نحوُ الحلم والملح واللحم، فإنها متناسبةٌ في الحروفِ الأصليَّة لا في المعنى، فليس بعضُها مشتقًّا من بعضٍ. وخرج بقوله: "في الحروف" الألفاظُ المترادفةُ كبَشَر وإنسان، فإنَّ أحدَ اللفظين وإنْ وافقَ الآخرَ في المعنى، لم يوافِقْه في الحروفِ. وخرج بالأصليَّة، الحروفُ الزائدةُ فلا يحتاج للمناسبةِ فيها؛ لعدم الاعتدادِ بها في الاشتقاقِ. وهذا الاشتقاقُ عند البصريينَ، والثاني عند الكوفيينَ، واقتصر الشارحُ على الأوَّل دون الثاني؛ لأنَّه مبنيٌّ على قول المعتزِلة مِن أنَّ المولى جلَّ وعلا كان في الأزَل بلا أسماءٍ ولا صفاتٍ، فلما خَلَق الخَلْقَ وضَعوا له الأسماءَ، كما نقله القرطبيُّ (٣). قال العلَّامة السَّمِينُ (٤): وهذا القول أشدُّ
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو العلوُّ.
و"الله" علَمٌ
خطأً مِن القولِ بخَلْق القرآن.
(وهو العلوُّ) أي: لأنه يدلُّ على مسمَّاه فيُعليه ويُظهِره بعد خفائِه، أو لعلوِّه على قَسِيْمَيْه (١)، أو لكونِه يُسنَد ولا يُسنَد إليه، أو لإمكانِ انعقادِ الكلامِ مِن نوعِه وَحْدَه.
ومعناه لغةً: العَلَامةُ. وعُرفًا: ما انتقلَ بالمفهوميَّة مجرَّدًا عن الزمانِ المعيَّن وَضْعًا. والله أعلم.
(و "الله، عَلَمٌ" أي: بالغلبةِ التقديريَّة لا التحقيقيَّة، والفرقُ بينهما؛ أنَّ الأولى استعمالُ اللفظِ في مفهومٍ كلِّيٍّ منحصرٍ في فردِ مع إمكانِ غيرِه، كالشمسِ من أنه كوكب نهاريٌّ ينسخ وجودُه وجودَ الليل، وليس المراد بالشمس هذا الكوكبَ الموجودَ، ولكن يُقدَّر استعمالُه في غيرِه ليصحَّ إطلاقُ الغَلبَة عليه، ولهذا سمِّيت تقديريَّةً، وهي في هذا الاسمِ كذلك، فإنَّه لم يَرِدْ إطلاقُه على فردٍ آخرَ، وأمَّا الثانية فهي استعمالُ اللفظِ في أفرادٍ كثيرةٍ لكن يغلبُ على فردٍ مِن تلك الأفرادِ، كالإِلَهِ فإنَّه في الأصلِ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غلَبَ استعمالُه على المعبودِ بحقٍّ، وسمِّيت تحقيقيَّةً؛ لتحقُّق استعمالِه في تلك الأفرادِ، ونظيرُه النَّجْمُ، فهو في الأصلِ يُطلَق على كلِّ نجمٍ، ثم غلبَ على الثريا، قال حفيدُ السَّعْدِ (٢): وليس هذا تعريفًا، إذ لو كان كذلك لَورَد عليه أنَّه غيرُ مانعٍ؛ لأنَّه يَدخل فيه حينئذٍ غيرُ لفظِ اللهِ مِن مرادفاتِه الفارسيَّةِ وغيرِها، إذ يَصدُق عليها أنَّها اسمٌ لما ذُكرَ؛ لأنَّ مِن شرطِ التعريفِ أن يكون جامعًا
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للذَّاتِ
مانعًا، إلا أن يُقال: إنَّه لبيانِ الموضوعِ، فلا انتقاضَ حينئذٍ بما ذُكر، وذكرُ الوصفين للإشارةِ إلى استجماعِ الذاتِ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، وليسا داخلَين في الموضوعِ له، أمَّا الأول؛ فلكونِه أكملَ الصفاتِ وأشهرَها اختصاصًا بجنابِه تعالى، وأما الثاني؛ فلبيانِ سَببِ حصرِ الجنسِ المستفادِ مِن "الحمد لله".
"تنبيه": دلالةُ لفظِ اللهِ على الذاتِ العَليَّة مطابقيَّة لا تضمُّنٌ ولا التزامٌ، ويَرِدُ عليه أنَّ الدلالةَ المطابقيَّةَ تستلزمُ التصوُّر، وتصورُ ذاتِه مستحيلٌ، فلا تكون دلالتُه عليه مطابقيَّةً، وحيئنذٍ فتخرجُ عن الدلالاتِ الثلاثِ؟.
ويجابُ عنه: بأنَّ المرادَ بالتصوُّر هنا مجرَّدُ الشعورِ بوجودِ الذاتِ العليَّة المدلولِ عليها بهذا اللفظِ، لا حصولُها وانتقاشُها وانطباعُها وارتسامُها في الذهنِ، فالمطابقةُ تستلزمُ التصوُّرَ الأعمَّ مِن الحقيقيِّ والمجاز؛ إذ معنى التصوُّر حقيقةً: حصولُ صورةٍ في الذهن. ومجازًا: الشعور بوجود الشيء. فإطلاقُ التصوُّر على الشعورِ مجازٌ مرسَل، علاقتُه المجاوزة؛ لأنَّ الشعورَ وصولُ النفسِ إلى بعضِ المعنى، والتصورَ وصولٌ إلى المعنى بتمامه، والوصولان يتجاوزان، فافهمه. وفيه أنَّ الدلالةَ هي كونُ أمرٍ بحيث يُفهَم منه أمرٌ وإنْ لم يُفهَم بالفعل، فالدلالةُ لا تستلزمُ التصوُّرَ (١).
(للذات) اللامُ بمعنى "على"، أي: على الذاتِ أي: عَلَمٌ على الفردِ الخالقِ للعالَم بقَطْع النظرِ عن الصفات، وإلَّا لَما أفادَ التوحيدَ؛ لأنَّ الصفاتِ كليَّةٌ، وهذا في أصل الوضْعِ، ثم صارَ دالًّا في الاستعمالِ على الصفات؛ نظرًا للوجودِ لا بالوضْع، وتاؤها ليست للتأنيثِ بل للوحدةِ، ولهذا وُصفتْ بالواجبِ الوجود على اللفظِ المذكور، والمراد بها الهويَّة الخارجيَّة لا الحقيقيَّةُ، ولا ما قابَل الصفةَ.
فإن قلتَ: ذاتُه تعالى لا تُدرَك بالعَقْل فكيفَ وُضِعَ لها العَلَمُ؟
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجبِ الوجود لذاتهِ، المستحِقِّ لجميعِ الكمالاتِ. وهو
أجيب: بأنَّه يكفي إدراكُها بتعقُّل صفاتِها، هذا إن قلنا: إنَّ الواضعَ غيرُ اللهِ تعالى، أمَّا إن قُلنا: إنَّ الواضعَ هو اللهُ تعالى -وهو الراجحُ- فلا إشكالَ.
(الواجب الوجود) أي: وجودُه واجبٌ، أي: واجبٌ عقلًا، أي: إنَّ العقلَ لا يُصوِّر عدَمَه، بل لا يُمكن إلا أنْ يُصوِّر وجودَه وجودًا لا أوَّلَ له ولا انقطاعَ، أي: يَحكم بأنَّه موجودٌ أزَلًا وأَبَدًا، ويَحكُم أنَّ وجودَه لا يفتقرُ إلى غيرِه، فلا يحتاجُ في وجودِه ولا إيجادِة إلى غيرِه. وقال بعضُهم: معنى واجبِ الوجودِ: هو الذي يكون وجودُه مِن ذاتِه، لكنْ ليس المرادُ أنَّه كان معدومًا وأوْجَدَتْه ذاتُه، بل المرادُ أنَّه موجودٌ بوجودٍ هو يَعْلمُ به، ليس مسبوقًا بالعَدمِ، وليس وجودُه ناشئًا عن شيءٍ، راجِع ما ذكره النُّور الشَّبْرامَلِّسِي (١) في "حواشي الرَّمْلِي" عَبَّر فقال: واجبُ الوجودِ وهو الذي وجودُه مِن ذاتِه، لكن بالتأويلِ المتقدِّم. وبعضُهم عبَّر فقال: واجبُ الوجودِ هو الذي وجودُه ليس مِن غيره. تأمَّل شيخنا سجيني (٢).
(لذاتِه) متعلِّق بـ "الواجِب" إشارةً إلى أنَّ وجوبَ وجودِه بالذاتِ لا بالغيرِ، فخرجَ واجبُ العَدَم لذاتِه، كشريكِ الباري وغيرِهما، ومُمْكِنُ الوجودِ والعَدَمِ، كالخلائقِ.
(وهو) أي: لفظُ "اللهِ" أعظمُ أسمائِه تعالى؛ لأنَّه مركزُها الذي عليه دورانُها، ومن ثَمَّ
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عربيٌّ مشتقٌّ عند سيبَويْه (١)، واشتقاقُه من أَلِهَ- كعَلِمَ- إذا تحيَّر؛ لتحيُّر الخلقِ في كُنْهِ ذاته تعالى وتقَدَّس. وهو الاسمُ الأعظَمُ عند أكثرِ أهلِ العلمِ. وعدمُ الاستجابةِ لأكثرِ النَّاسِ معَ الدعاءِ به؛ لعدمِ بعضِ شروطِهِ التي مِن أهمِّها: الإخلاصُ، وأكلُ الحلالِ.
حكى سيبويه الإجماعَ على أنَّه أعرفُ المعارفِ، وقد رُئيَ في المنامِ، فقيل: ما فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فقال: فعلَ بي خيرًا، وغفرَ لي وأدخلني الجنةَ، بجَعْلي اسمَه تعالى أعرفَ المعارفِ (٢). وذُكر في القرآنِ العظيمِ في ألفينِ وثلاثِ مئةٍ وستينَ موضعًا (٣)، ومن ثَمَّ لم يُشارَك فيه سبحانه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
(عربيٌّ) عند الأكثرِ مِن العلماءِ، أي: سُمِعَ مِن العربِ غيرَ مغيَّر عن أصْلٍ.
مِن ألَه، مصدرُ الألَه، بفتح الهمزة واللام، بمعنى التحيُّر، وهو أَولى مِن ألِه؛ لأنَّ الصحيحَ أنَّ الاشتقاقَ مِن المصدرِ عند البصريينَ، ومن الفعل عند الكوفيين ضعيف، فهو أصلُه حُذفت همزتُه مع حركتِها؛ اعتباطًا، وعُوِّض عنها حرفُ التعريفِ الذي هو "ألْ" فصار "ألْ لَاه"، ثُمَّ أُدغمت اللامُ في اللامِ، وفُخِّم، فصار: الله، فـ "ألْ" في الجلالةِ للتعريفِ بحسَب الأصل.
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و"الرحمنِ" صفةٌ في الأصل بمعنى كثيرِ الرَّحمةِ جدًّا، ثم غلبَ على البالغِ في الرَّحمة غايتَها؛ وهو اللهُ تعالى.
و"الرَّحيمِ" ذو الرَّحمةِ الكثيرةِ؛ فالرَّحمنُ أبلغُ منه، وأُتِيَ به؛ إشارةً إلى أنَّ [ما دَلَّ عليهِ] (١) مِن دقائقِ الرَّحمةِ -وإنْ ذُكرَ بعدَ ما دلَّ على جلائلها الذي هو المقصود الأعظم (٢) - مقصودٌ أيضًا؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّه غيرُ ملتَفَتٍ إليه.
وكِلاهُما مشتقٌّ من رَحمَ، بجعله لازمًا بنقلهِ إلى بابِ فعُل -بضم العين- أو بتنزيلهِ منزلةَ اللَّازمِ؛ إذ هما صفتان مشبَّهتان، وهي لا تُشتقُّ مِن متعدٍّ.
(ما دلَّ على جلائِلها) أي: الرحمة كمًّا وكَيفًا.
(من رَحِم) فإن قلتَ: الراجح في الاشتقاقِ أنَّ الفعلَ والصفةَ مشتقَّانِ من المصدرِ، فكيف وكلاهُما مشتقٌّ مِن "رَحِمَ"؟
أُجيب: بأنَّ المرادَ من مادةِ: رَحِمَ، أي: مصدره، دون نفسِه، وهو الرحمةُ، بكسر الحاءِ في الماضي، كغضبانَ مِن مصدرِ غَضِب الذي هو الغضب، صفةٌ مشبَّهةٌ، غايةُ الأمرِ أنَّه اختارَ صيغةَ الماضي على المصدرِ لحكمةِ التنبيه على الحروفِ المعتبَرة في الاشتقاقِ، إذ بعضُ المصادرِ كالخروج والقَبولِ قد تشتمل على حروفٍ لا تُعتبَر فيه، والحاصلُ أنَّ الصفةَ المشبَّهة إنما تُصاغ مِن المصدر أو الفعلِ اللازمِ، و"رحم" ليس واحدًا منها.
(أو بتنزِيله منزلةَ اللازمِ … إلخ) جوابٌ ثانٍ عن سؤال: إِنَّ الصفة المشبَّهة لا تُشتَقُّ إلا مِن لازمٍ، فكيف اشتُقَّتْ مِن متعدٍّ، أعني: رحم، وبذلك يُشعِر كلامُ جَمْعٍ؟ إذ هما صفتانِ مشبَّهتان، لم يقُل: بُنيتا للمبالغةِ، كما فعلَ غيرُه كالقاضي البيضاوي (٣)
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورحمتُه تعالى: صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتهِ تعالى تقتضي (١) التفضيلَ والإنعامَ. وتفسيرُها برقَّةٍ في القلبِ تقتضي الإنعامَ -كما في "الكشاف" (٢) - إنما يليق برحمةِ المخلوقِ.
ونظيرُ ذلك العلم؛ فإنَّ حقيقتَهُ القائمةَ باللهِ تعالى ليست مثلَ الحقيقةِ القائمةِ
وغيرِه؛ فرارًا مِن المحذورِ الذي ذكره الدَّماميني (٣) عن بعضِ المتأخرينَ، بقوله: إنَّ صيغَ المبالغةِ في صفاتِ اللهِ، كغفور وغفَّار، مِن المجاز، وعلَّل ذلك بأنَّ المبالغةَ أَنْ تُثبِت للشيءِ أكثرَ ممَّا يَستحقُّه، وبأنَّ المبالغةَ إنَّما تكونُ في صفاتٍ تقبَل الزيادةَ والنقصَ، وصفاتُ اللهِ منزَّهةٌ عن ذلك، وادَّعى أنَّها فائدةٌ حسنةٌ، ويشبه أن تكون غَلَطًا مِن اشتباه المبالغةِ عند أهلِ البيانِ بالمبالغةِ النَّحْويةِ التي هي الكثرةُ عندهم، المذكورة في صيغِ المبالغةِ، أو يقال: المبالغةُ باعتبارِ متعلَّق الصفةِ. ياسين (٤) وزيادة.
(وتفسيرُها برقَّةٍ في القلب … إلخ) هذا معناها لغةً، إنَّما يَليقُ هذا التفسيرُ برحمةِ المخلوقِ لا بالرحمةِ من حيث هي، ولا بالرحمةِ المقيَّدة بالخالِق، كما أنَّ العِلْم في حقِّ
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمخلوقِ، بل (١) نفس الإرادةِ التي يردُّ بعضُهم الرَّحمةَ إليها، هي في حقِّه تعالى مخالفةٌ لإرادة المخلوقِ؛ إذ هي ميْلُ قلبهِ إلى الفعلِ، وإرادتهُ تعالى بخلافِ ذلك. وكذا ردُّ الزمخشري لها في حقه تعالى إلى الفعلِ بمعنى الإنعامِ مع أن فعل العبدِ الاختياري إنما يكونُ لجلْبِ نفعٍ للفاعلِ، أو دفعِ ضررٍ عنه، وفعلُه تعالى يخالف (٢) ذلك، فما فرُّوا إليه فيه من المحذورِ نظيرُ ما فرُّوا منه، وبهذا يظهرُ أنَّه لا حاجةَ إلى دعوى المجازِ في رحمتِه تعالى، الذي هو خلافُ الأصلِ المقتضي لصحةِ نفيها عنه، وضَعفِ (٣) المقصودِ منها فيه كما هو شأن المجاز؛ إذ يصحُّ أن تقولَ لمن قال: زيد أسد: ليس بأسد، وليست جرأته كجرأته.
والحاصل: أن الصفة تارةً تعتبر من حيث هي هي، وتارةً من حيثُ قيامُها به تعالى، وتارةً من حيثُ قيامُها بغيرهِ تعالى، وليست الاعتباراتُ الثلاثةُ متماثلةً؛ إذ ليس كمثلهِ تعالى شيءٌ، لا في ذاتهِ، ولا في شيء من صفاتهِ، ولا في شيء من
المخلوقِ عَرَضٌ ينكشف به بعضُ المعلوماتِ، بخلافِ العِلْم المطلَق، فإنَّه صفةٌ ينكشِفُ بها الشيءُ على ما هو عليه في الواقعِ، وبخلاف العِلْم المقيَّد باللهِ تعالى، فإنَّه صفةٌ قديمةٌ وجوديَّةٌ متعلِّقَةٌ بجميعِ الواجباتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فهكذا الرحمةُ.
والحاصل أن المَخلَص مِن الإشكالاتِ الحاملةِ على التأويلِ أَنْ تَعلمَ أنَّ الصفةَ لها اعتباراتٌ ثلاثةٌ:
تارةَ تُؤخَذ من حيث هي لا بِقَيْد قيامِها بالخالق، أو المخلوقِ، وتارةً تُؤخَذ من حيث قيامُها بالخالقِ، وهي في الاعتباراتِ الثلاثةِ حقيقةٌ مع اختلافِ تلك الاعتباراتِ، وذلك كما
стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفعالهِ، وهو السَّميعُ البصيرُ. فاحفظ هذه القاعدةَ فإنَّها مهمةٌ جدًّا، بل هي التي أغنَت السلفَ الصالحَ عن تأويلِ آياتِ الصفاتِ وأحادِيثها، وهي العاصمةُ لهم من أن يفْهَمُوا من الكتابِ والسنةِ مُستحيلًا على اللهِ تعالى من تجسيمٍ أو غيره. ثم بعد إثباتي لهذه القاعدةِ، رأيتُها منصوصةً في كلامِ السيدِ معينِ الدينِ الصَّفَوي (١)، ثم رأيتُه قد سبَقَه إليها العلَّامة ابنُ القيِّم (٢) ﵀.
في الوجودِ والحياةِ، والعِلْم والإرادة، وغيرِها، كذا تلخَّص من مذاكرةِ الشارحِ (٣) لقراءتِه البسملةَ.
لا حاجةَ لدعوى المجازِ، الذي هو إطلاقُ اسمِ السببِ أو الملزومِ -وهو الميلُ النَّفساني- على المسيِّبِ أو اللازمِ- وهو فِعْلُ الإنعامِ- فهي صفةُ فِعْلٍ، ويجوز أنْ يكونَ مجازًا عن إرادةِ الإنعامِ، مِن إطلاقِ اسمِ المسيَّب أو الملزومِ -وهو إرادةُ الإنعامِ- على سببِه أو لازمِه، فيكون صفةَ ذاتٍ، ويجوز أنْ يكون من بابِ الاستعارةِ التمثيليَّة، بأن يُشبِّه حالَه تعالى بحالَةِ مَلِكٍ عطَف على رعيَّتِه ورَقَّ لهم، فعمَّهُم معروفُه، فأُطلِق عليه، وأُريد غايتُها التي هي فِعْلٌ أو إرادةُ فِعلٍ، كما مرَّ، لا مبدؤُهما الذي هو انفعالٌ، وصحَّ كونُ ذلك استعارةً تمثيليَّة، لكن وجه الشَّبَه منتَزَعٌ مِن متعدِّد، ولا تختصُّ التمثيليَّةُ بالمجازِ المركَّب، والأَوْلى ترْكُ هذه الاستعارةِ؛ لأنَّها قلَّة أدبٍ مع اللهِ؛ لأنَّ فيها تشبيهَ الكاملِ -وهو إعطاءُ اللهِ- بالناقصِ -وهو إعطاءُ العبد- وقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، أي: لا تُشبِّهوا اللهَ بخَلْقه، وفيها إثباتُ نِعَمٍ لغيرهِ مجعولةٍ أصلًا، مقابِلةً لنعمةٍ مجعولةٍ
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابتدأَ المصنِّف -رحمه الله تعالى- بالبسمَلَةِ؛
فرعًا؛ وقد قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فالملِكُ ونِعَمُه ورعيَّتُه مِن اللهِ، هذا وقال الإمام السَّكُوني (١) في كتابه المسمَّى بـ "التمييز فيما وقَع للزمخشريِّ مِن الاعتزالِ في تفسيرِ القرآنِ العزيزِ": قوله: إِنَّ وصْفَه تعالى بالرحمةِ مجازٌ (٢)، اعتزالٌ وضلالٌ بإجماعِ الأمةِ؛ لأنَّ الأمةَ أجمعت على أنَّ الله تعالى رحيمٌ على الحقيقةِ، وأنَّ مَن نفى عنه حقيقةَ الرحمةِ، فهو كافرٌ، وإنَّما قال الزمخشريُّ (٣) ذلك؛ لأنَّ الرحمةَ عند المعتزلةِ: رقَّة وتغيُّر؛ لأنَّهم يُنكِرون الإرادةَ القديمةَ، ويَصرفون رحمتَه تعالى إلى الأفعال، أو إلى إرادةٍ حادثة، تَعالى اللهُ عن قولِهم، قالوا بخَلْقها لا في محلٍّ. ياسين. وبهذا يُعلم ما قرَّره الشارح في هذا المحلِّ.
(وابتدأَ المصنِّفُ -رحمه الله تعالى- بالبسملةِ)، أي: بمسمَّى هذا اللفظِ، أو بما هو منحوتٌ (٤) منه، فهو جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر، تقديرُه: كيف يقول: وابتدأَ بالبسملةِ. مع أنَّه لم يَبتدئ بلفظ بسمَلةٍ، ولا بلفظِ حَمْدَلة، بل ابتدأَ ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والحمدُ لله؟. أُجيب: بأنَّ كلامَه على حذفِ مضافٍ، أي: بمسمَّى البسمَلةِ والحمدَلةِ، وهو ما ذكر،
стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تأسِّيًا بالكتابِ، وعملًا بحديث: "كُلُّ أمرٍ
أو أنَّ المعنى في البَسمَلِة والحمدَلةِ منحوتان، أي: مأخُوذان منه، ثم إنَّ تقديرَ المضافِ والتأويل المذكوران ليس ضروريًا؛ لأنَّ كلَّ حكمٍ وَرَد على اسمٍ فهو واردٌ على مدلولِه إلا بقرينةٍ.
(تأسِّيًا بالكتابِ) أي: اقتداءً، علَّةٌ للبدَاءةِ مع ذِكْر فائدتِها، وهي حصولُ البركةِ في الشيء. وقوله: "بالكتاب" المفتَتَحِ بهما.
(وعملًا) أي: لأَجل العملِ بحديث … إلخ، لمَّا لم يكن في الكتابِ العزيزِ أمرٌ بالإتيانِ بهما، قال: "اقتداء"، ولمَّا كان ذلك في الحديثِ قال: "عملًا"؛ لأنَّ الاقتداءَ معناه الاتِّباعُ في الفِعْل استحسانًا له مِن غير أن يُؤمَر التابع به، وأمَّا العمل فإنَّه الاتِّباع مع الأَمْرِ، أو ما معناه الأمر، وما هنا من الثاني.
(بحديث: "كلّ أمرٍ") بإضافة حديثٍ إلى ما بعدَه إضافةً بيانيَّة، أو إضافةَ أعمَّ لأخصَّ، وبالتنوين على إبدالِ ما بعدَه، و"كلُّ" بالحكاية على كلِّ حالٍ، وهذا الحديثُ دليلٌ لِكُبْرى قياس يُستدل به على طلبِ الابتداء في هذا التأليفِ، ونحوه، بأنْ نقولَ: هذا التأليفُ أَمْرٌ ذو بالٍ، وكلُّ أمرٍ ذي بالِ يُطلَب فيه الابتداء بالبسملةِ، ينتُج مِن الضَّرْب الأوَّل مِن الشكلِ الأوَّل أنَّ هذا التأليفَ يُطلب فيه الابتداءُ بالبَسمَلةِ، ودليلُ الصغرى المشاهدَة؛ لأنَّ ما في هذا التأليفِ من المسائلِ مشاهدَة الاهتمام به.
واستشكل بعضهم ههنا ما حاصلُه أنَّ الحديث قضيَّةٌ كليَّةٌ تقتضي العمومَ في أفرادِها، ومِن جملةِ أفرادِها البسملةُ، فتحتاج إلى بسملةٍ أُخرى، فيلزم التسلسلُ؟ وأُجيب: بأنَّ البسملة تحصَّل البركةَ لنفسِها ولغيرِها، كالشاةِ مِن الأربعينَ تزكِّي نفسَها وغيرَها، وبأنَّ المرادَ: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ ليس وسيلةً إلى غيرهِ، والبسملهُ وسيلهٌ إلي غيرها، ونُقض بالوضوء والتيمم، فإنَّه وسيلةٌ إلى الصلاة مثلًا، ويُطلب الابتداءُ في أوَّله بالبسملة؟.
стр. 63
الحمد للهِ
ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فهو أَبترُ" أي: ذاهبُ البركةِ، رواه الخطيبُ بهذا اللفظِ في كتابهِ "الجامع" (١).
(الحمدُ لله) أي: الوصفُ بالجميل الاختياريِّ
وأُجيب: بأنَّ الوضوءَ له اعتباران، فهو مقصودٌ في نفسِه، ووسيلةٌ إلى غيرِه، فطُلِبَ الابتداءُ فيه بالبسملةِ من حيث إنه مقصودٌ في نفسِه على أنَّ الوضوءَ ليس وسيلةً لنحوِ الصلاةِ دائمًا. شيخنا محمد الخلوتي.
(ذي بال … إلخ) البَالُ يُطلَق ويُراد به الحالُ والشأنُ، يقال: أمْرٌ ذو بالٍ، أي: ذو شرفٍ وشأنٍ يُهتَمُّ به شرعًا، ويُطلَق ويُراد به القلبُ، فعليه إنْ حُمِل على معنى ذي قلبٍ، فوجْهُ الكلامِ أنَّ الأمرَ لكونِه شاغلًا قَلْبَ صاحبِه عن سائرِ الأمورِ، كأنَّه كان صاحبًا له ومالكًا إيَّاه. وإن حُمِلَ على معنى ذي خطرٍ وشرفٍ، فتوجيهُ الكلامِ أنَّه شبَّه الأمرَ بشخصٍ ذي قلبٍ، وذكرَ المشبَّه -وهو الأمرُ- وحَذف المشبَّه به- الذي هو الشخصُ- فالأمرُ أو الشخصُ أو التشبيهُ المضمَرُ استعارةٌ بالكنايةِ على الخلاف، ولازمُ المشبَّه به -وهو ذو بالٍ- وإثباتُه للمشبَّه استعارةٌ تخييليَّة، وذِكرُ ما يُلائم المشبَّه به -وهو الأبتر والاجذَم- في التشبيهِ البليغِ ترشيحٌ، إما باقيًا على حقيقتِه، أو أنَّه مجازٌ عن نقصانِ البركةِ على طريقةِ الاستعارةِ التصريحيَّة؛ لأنَّه أطلق لفظَ المشبَّه بهِ -وهو الأجذَم مثلًا- على نقصانِ البركةِ، على الخلاف في التشبيهِ البليغِ، هكذا ينبغي أن يُحقَّق لفظُ هذا الحديثِ الشريفِ. ياسين.
(أي: الوصف) هو الذِّكْر باللسانِ.
(بالجميلِ الاختياريِّ) يُوهِم أنَّه يُشتَرط في المحمودِ به كونُه اختياريًّا، مع أنَّه مردودٌ، إذْ لا يُشتَرط فيه الاختيارُ إلا في المحمودِ عليه، فلو قال: الوصفُ بالجميلِ الاختياريّ، لَكان
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوْلى، فيصيرُ معنى التعريفِ: إنَّ الحمدَ هو الوصفُ بالجميلِ؛ لأَجْل الفعلِ الجميلِ الاختياريِّ، فيكون الحمدُ مختصًّا بالفاعلِ المختارِ، وعليه فالاختيارُ قَيْدٌ لمحذوفٍ، بخلافِ المَدْح، فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه، ومِن ثَمَّ اختير الحمدُ على المدحِ؛ لشعورِه بالاختيارِ، أو أنَّ الباءَ في الجميلِ، بمعنى "على"، وأنَّه لم يتعرَّض للمحمودِ به؛ لاستلزامِ الوصفِ له، مثالُ المحمودِ به وعليهِ: زيدٌ عظيمٌ؛ لأنَّه أحْسَنَ إليَّ. فوَصْفك له بالعظمةِ محمودٌ به، وبالإحسان محمودٌ عليه؛ لأنَّ الأوَّلَ وصْفٌ قائمٌ به لا اختياريٌّ، ولذلك يُقال: مدحتُ اللؤلؤةَ على صفائِها، ولا يُقالُ: حَمدتُها على صفائِها؛ لأنَّ صفاءَها ليس اختياريًّا، فدخل في الذِّكْر باللسان المعرَّفُ وغيرُه؛ لأنَّه كالجنسِ؛ لاشتمالِه على الماهيَّاتِ الاعتباريَّة والحقيقيَّة، كالحيوانية، وخرَّج الثناءُ باللسانِ الثناءَ بغيرِه، كالثناء بالأركانِ والجَنَان، وذلك بعضُ أنواعِ الحمدِ العرفيِّ، وبالجميلِ الثناءَ باللسانِ على غيرِ الجميلِ كالقبيحِ، وبالاختياريِّ المدحَ؛ فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه؛ لأنَّه لغةً: الثناءُ باللسانِ على الجميلِ مطلقًا اختياريًّا أو غيرَه، تقول بالنسبة لغيرِ الفعل الاختياريِّ: مَدَحتُ اللؤلؤةَ على حُسْنها، ومَدَحتُ زيدًا على رَشاقة قَدِّه، دون حمدتُهما؛ لأنَّ كلًّا من الحُسن واللَّطافة ليس فِعْلًا اختياريًّا، فلا تقول: حَمِدْتُ اللؤلؤةَ … إلخ؛ لأنَّ المحمودَ عليه -كما علمتَ- لا بُدَّ أن يكونَ فِعلًا اختياريًّا، وكلٌّ مِن ذلك غيرُ اختياريِّ، وهذا عند مَن قال: إنَّه غيرُ مرادفٍ للحمدِ، وعلى المرادَفةِ فقَيْدُ الاختياريِّ المقيَّد به الجميلُ المحمودُ عليه في تعريفِ الحمدِ بيانٌ لماهيَّة الحَمْد، لا للاحترازِ عن المدحِ، والراجحُ الأوَّلُ، على ما جزَم به ابنُ عبدِ الحقِّ.
وقوله: "الاختياري" منسوبٌ للاختيارِ، فلا يَقع إلا عن اختيارِ، فيكون حادثًا، ومن ثَمَّ أُورِد على قيدِ الاختياريِّ بأنَّه يَلزم عليه عدمُ صحَّة حَمْدِ اللهِ، أي: حمدِ ذاتِه على صفاتِه الذاتيَّة، كالعِلْم والقُدرة والإرادة؛ لأنَّ تلك الصفاتِ الشريفةَ المقدَّسةَ ليست أفعالًا، ولا يُوصف ثبوتُها باختيارٍ، أي: لا يصحُّ أن يكون الاختيارُ وصفًا لثبوتِها؟.
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على قصدِ التعظيمِ ثابتٌ
وأُجيب: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّها ليست مختارةً له تعالى، بل ندَّعي أنَّها مختارة، لا بمعنى أنَّه أوجدَها حتى يلزمَ المحذورُ، بل بمعنى أنَّ الذاتَ القديمةَ استلزمت وجودها على ما هِيَ عليه مِن صفاتِ الكمالِ، فنُزِّلت تلك الصفاتُ -بسببِ اقتصارِ الذاتِ لها واستلزامِها لها- منزلةَ أفعالٍ اختياريَّة، فأُطلِق عليها اختياريَّة مجازًا، أو بأنَّ تلك الصفاتِ الذاتيةَ لمَّا كانت مبدأ الأفعالِ اختياريَّةً ومنشأً لها، صار الثناءُ عليها باعتبار ما ترتَّب عليها مِن الأفعالِ الاختياريَّة حَمْدًا.
(على قَصْد التعظيمِ) فيه أنَّ أهلَ اللغةِ لم يَعتبروا في اصطلاحِهم التعظيمَ الظاهريَّ فضلًا عن قصدِه؟.
أجيب: بأن المقصودَ مِن التعريفِ الحمدُ المقيدُ به، لما قال صاحبُ "الكشافِ": إنَّما يُعتدُّ بالحمدِ إذا واطَأَ القلبَ، وإلا فهو كذبٌ واستهزاءٌ، أو بأنَّ الثقاتَ نَفَوا ذلك عن اللُّغويين وهم معتمَدونَ في النَّقْل، ويكفي في صحَّة ما ادَّعوا ثبوتُ ذلك في الجملةِ، ولا يُنافيه ثبوتُ الأعمِّ عن اللغويين -إن سَلِمَ- لجوازِ الاشتراكِ.
فقوله: لم يَعتبروا. لا موقعَ له في التحقيقِ؛ لأنَّه إنَّما يَرِدُ عليه إذا ثبتَ الاستقراءُ التامُّ لتصريحاتِهم وللأمورِ التي يُستنبَط منها ذلك، واستقراءُ الغالبِ ممتنعٌ، فضلًا عن التامِّ، وإنَّما لم يذكر في التعريف سوى تعلُّق بالفضائل … إلخ؛ لأنَّه ليس مِن التعريفِ، وإنَّما يُؤتَى بهذه الجملةِ للتعميمِ في التعريفِ بين المزايا المتعدَّية والقاصرةِ.
(ثابت) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأمَّا لامُ التحليلِ فهي متعلِّقةٌ بالحمدِ الذي هو المبتدأُ، فالظرفُ لغويٌّ.
واعلَمْ أنَّ قولَهم: تقديرُ الحمدِ ثابثٌ للهِ. ليس معناه أنَّه قائمٌ به؛ لأنَّه حادثٌ قائمٌ بالحامدِ، بل معناه أنَّه مستحِقٌّ، بتقدير: أُثني على اللهِ، وبه يظهر قولُ بعضِهم: إنَّ مَنْ قدَّره
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومملوكٌ ومستحَقٌّ لله تعالى، وهذا هو الحمدُ لغةً.
"ثابتٌ" ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ثبوتَه لا يَقتضي قيامَه به، فثبوت الدار لا يَقتضي قيامَها بذاتِه، وإنما يَقتضي اختصاصَه بها وعدمَ المشارِك له فيها، إلى غيرِ ذلك مِن الأمثلةِ. وقال الكافِيجيّ (١): المرادُ منه تعلُّق الحمدِ به، ولا يَلزمُ مِن التعلُّق القيامُ به، كتعلق العِلْم بالمعلوماتِ. قال الدَّوَانيُّ في "أنموذجه": ولا يلزم كونه تعالى محلَّ الحوادثِ؛ لأنَّ تلك الاختياراتِ أمورٌ اعتباريَّة إضافيَّة، ولا محذورَ في اتِّصافه تعالى بالإضافيَّات الغيرِ الأَزليَّة، فإنَّ له تعالى بالاضافةِ إلى كلِّ حادثٍ نسبةً.
قال العلَّامة ابنُ قاسمٍ: نستفيدُ مِن هذا الكلامِ أنَّه لا يَلزم مِن الاتِّصافِ بالصفاتِ الإضافيَّة الاعتباريَّة الحادثةِ قيامُ الحوادثِ بالذاتِ، وكونها محلًّا للحوادثِ. محمد الخلوتي، ومن خطه نقلت.
(ومملوك ومستحقٌّ) أشار بذلك الى الخلاف الواقعِ في "أل" في "لله" هل هي للتعليلِ أو للمِلك أو للاستحقاقِ؟ والمعنى على الأوَّل: جميعُ المحامدِ ثابتةٌ لأجل اللهِ تعالى، وعلى الثاني: جميعُ المحامدِ مملوكةٌ لله، أو مستحقَّةٌ له، كما يُرشِد لذلك ما سيأتي من قولِه: "واللام في لله".
لا يُقال: لا معنى لكونِ حَمْدِ العبادِ للهِ تعالى، لحدوثه، واللهُ تعالى قديمٌ، ولا يجوز قيامُ الحادثِ بالقديمِ؟ لأنَّا نقولُ: المرادُ منه تعلُّق الحمدِ، ولا يلزم مِن التعلُّق القيامُ، كتعلق العِلْم بالمعلومِ.
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا عُرفًا: فهو فعلٌ ينبئُ عن تعظيمِ المنعمِ من حيثُ إنَّه منعمٌ على الحامدِ أو غيرِه.
(وأما عُرفًا) أي: في عُرف الناسِ؛ أَخْذًا مِن عدمِ اختصاصِ متعلَّقه باللهِ، بأَنْ كانت وصلت النعمةُ إلى الحامدِ مِن اللهِ أو مِنْ غيرِه.
(فعل) المرادُ به الأمرُ والشأنُ على اصطلاحِ اللغةِ، فيشمل الاعتقادَ والأقوالَ، وإلا كان إطلاقُه على الاعتقادِ والأقوالِ مجازًا، فيكونُ استُعمل اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه، وقد منَعه بعضُهم.
(ينبئ) أي: يُشعِر، إذ معنى يُنبِئ: يُخبِر، مِن أَنْبأ، أي: أَخْبَر.
أُوردَ أنَّ الإِنباء عن التعظيمِ لا يستلزمُ قَصْدَ التعظيمِ، مع أنَّه لا بُدَّ منه، فلو أَبدل الإِنباءَ بقَصْد التعظيمِ، كان أَولى، إذ لا يَلزم مِن إِنباء شيءٍ عن شيءٍ حصولُ ذلك الشيءِ المُنْبَأ عنه؟.
أُجيب: بعد تسليم اشتراطِ قصدِ التعظيمِ بأنَّه المتبادرُ مِن الإِنباء عن التعظيمِ، واكتفوا بالمتبادِر. ابن قاسم.
(عن تعظيم) متعلِّق بـ "فعل".
(مِنْ حيثُ إنَّه مُنعِم) أي: من أجلِ إنعامِه، فهي حيثيَّةُ تعليلٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ "فعل" هو الأظهرُ الأَحسنُ، واحتمالُ تعلُّقِهِ بـ "يُنبئ" أو "تعظيم" يَردُ عليه أنَّه يَلزمُ أن يُشترطَ في الشُّكر أن يَدلَّ ذلك الفعلُ على أنَّ الإِنباءَ عن التعظيمِ لأَجل الإنعامِ، أو على أنَّ التعظيمَ بسببِ الإنعامِ، واشتراطُ ذلك يحتاجُ إلى النَّقْل عن الأئمةِ. ابن قاسم.
"إِنَّه مُنعِمٌ" بكسر الهمزة، ويجوز فتحها، خلافًا لِمَنْ عدَّه لَحْنًا. ابنُ عبدِ الحقِّ.
(على الحامد أو غيره) لا على خصوصِ الحامدِ، فلا بدَّ أن يكونَ المحمودُ عليه خصوص الإِنعام مِن الأفعالِ الاختياريَّة، ولفظُ: "أو غيره" مِن زيادةِ شيخِ الإسلامِ ومَن
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشكر لغةً: هو الحمد العُرفيُّ.
تبعه، وليس في كلامِ المتقدِّمين، كما يُعلم مِن كلامِ الغُنَيمي (١) في بعضِ تعاليقه، وإنما لم يُذكَر في التعريف سواء كان ذِكْرًا باللسانِ، أو اعتقادًا بالجَنان، أم عَملًا بالأركان؛ لأنَّه ليس مِن التعريف، بل يُؤتَى بذلك لبيانِ التعظيمِ في المورد، فموردُه عامٌّ، ومتعلَّقُه خاصٌّ، أعني: النعمةَ الواصلةَ الى الشاكرِ أو غيرِه، وذاك بالعكسِ، فبينهما العمومُ والخصوصُ الوَجْهيُّ؛ لاجتماعِهما في ثناءٍ بلسانٍ على نعمةٍ، أي: الحمدُ اللغويُّ وانفرادُ الحمدِ اللغويِّ في ثناءٍ بلسانٍ لا على نعمة، وينفردُ الحمدُ العرفيُّ في ثناءٍ بغيرِ لسانٍ على نعمةٍ.
(هو الحمدُ العرفيُّ) أي: بعد إبدالِ الحامدِ بالشاكرِ، ويتحصَّل من ذلك ستَّةُ نِسَبٍ، وذلك بأنَّ الشُّكرَ الاصطلاحيَّ بينه وبين الحمْدَين والشكرِ اللغويِّ، عمومٌ وخصوصٌ مُطلَق، فهذه ثلاثُ نِسَبٍ، وبين الشكرِ اللغويِّ والحمدِ العرفيِّ التساوي، فهذه نسبةٌ رابعةٌ، وبين الحمدِ اللغويِّ والاصطلاحيِّ والحمدِ والشكرِ اللُّغوَييْن العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ، فهاتان نِسْبتانِ، ونظَم ذلك على هذا المنوالِ العلَّامة الأُجْهوري (٢) فقال:
إذا نُسبا للحمدِ والشكرِ رُمْتَها … بوجهٍ له عقلُ اللبيبِ يُوالفُ
فشكرٌ لِذي عُرفٍ أخصُّ جميعها … وفي لغةٍ للحمدِ عُرفًا يُرادفُ
عمومٌ لوجهٍ في سواهنَّ نسبةٌ … فذي نسبٌ ستٌّ لِمَن هو عارفُ
"تنبيه": النِّسبُ أربعٌ: التساوي، والتباينُ، والعمومُ والخصوصُ المُطلَق، والعمومُ
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعرفًا: صرفُ العبد جميعَ
والخصوصُ الوجهيُّ. فالتساوي: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما على كلِّ ما صَدق عليه الآخرُ. والتباينُ: هو أنْ لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيءٍ ممَّا صَدق عليه الآخرُ. والعموم والخصوصُ الوجهيُّ: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما باعتبار تلك الجهةِ على ما يَصدُق عليه الآخرُ باعتبارِها وزيادةٍ. والعمومُ والخصوصُ المُطلَق: هو أن يَصدُق أحدُهما على كلِّ ما صدَق عليه الآخرُ وزيادة.
فإن قلتَ: لِمَ كان التعرُّض لِمَعنى الشُّكرِ بعد بيانِ الحمدِ كالمتفقِ عليه عند المصنِّفين، وإن كان الذي بُدئَ به الكتبُ هو الحمدَ خاصَّةً؟
أجابَ البُرُلُّسيُّ: بأنَّه لمَّا كان قريبًا مِن الحمدِ في المعنى، وقرينًا له في غالب كُتب المصنفين، كان المقامُ بعد بيانِ الحمدِ مَظِنَّة أنْ يقعَ في ذهنِ السامعِ أنَّ الشُّكرَ ماذا؟ وهل هو هذا؟ فسَّروه وبيَّنوا الفَرقَ بينهما؛ تخليصًا للسامعِ مِن وَرْطَة الحَيرةِ.
(صرف العبد جميع) أي: أن يستعمل العبدُ أعضاءَه ومعانيَه فيما طَلب الشارعُ استعمالَها فيه، مِن صلاةِ وصومٍ وسماعِ نحوِ عِلْمٍ وهكذا، سواءٌ كان ذلك في وقتٍ واحدٍ -إنْ أمكنَ- أو في أوقاتٍ متفرِّقة.
أُورد على التعريفِ: أنَّه إِنْ أُريد أنَّ صَرْف جميعِ ما أَنعم اللهُ تعالى به الى جميعِ ما خُلِق لأجلِه في جميع الأزمانِ، لزمَ أنْ لا يُوجدَ شكرٌ أبدًا؛ إذ لا يَقدِرُ أحدٌ على ذلك، مع أنَّه تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] فأثبتَ وجودَ الشكرِ قليلًا، وإنْ أُريد إلى جنسِ ما خُلِقَ لأجلِه، فهذا أمرٌ سهلٌ لا يُوجِب قلَّةَ الشكرِ؛ لحصولِ المقصودِ بالصَّرْف إلى شيءٍ مما خُلِق لأَجله؟.
وأُجيب: بأن المرادَ صَرْفُ جميع ما أنعمَ اللهُ به عليه إلى جميع ما خُلِق لأَجله في جميع الأزمانِ، إلا أنَّ المرادَ بجميعِ ما خُلِقَ لأَجله جميعُ ما كُلِّف به وطُلب منه، وجوبًا أو
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما أنعمَ الله عليه به إلى ما (١) خُلقَ لأجلهِ.
ندبًا لا مُطلَقًا، وهذا ممكنٌ مقدورٌ، وإنْ كان قليلًا، قال ابنُ قاسمٍ: وأَقول: ينبغي أنَّه إذا صُرف الجميعُ إلى الجميعِ في وقتٍ، وتُرك في غيرِه، حصل الشكرُ في ذلك الوقتِ. وهذا معنى قولِهم: أو في أوقاتٍ متفرِّقة.
(جميع ما) أي: شيء.
وقوله: (أَنعم اللهُ عليه) أي: على ذلك العبدِ.
وقوله: (به) أي: بذلك الشيءِ، مِن السمعِ وغيرِه، كاللسان والجَنان وبقيَّةِ الأركان.
وقوله: "إلى جميعِ ما" أي: شيء (خُلق) ذلك السمعُ وغيرُه.
وقوله: (لأجله) من أنواع الطاعاتِ التي هي سببٌ في الجمعِ على اللهِ، المقصود منها أي: لأَجل إنعامِه بذلك عليه، كأنْ يَصرفَ السمعَ إلى تلقِّي ما ينبني على مرضاتِه مِن الأوامرِ، وما يَنبني على اجتناب مَساخطِه مِن النواهي، ثم يستعمل الآلاتِ في امتثالِ الأوامرِ والنواهي، ويُقاسُ على استعمالِ الآلاتِ سائرُ النِّعم الظاهرةِ والباطنةِ.
لا يقال: إنَّ استعمالَ الآلاتِ يقتضي أنَّه لا بُدَّ أن يَصدُرَ منه فعلٌ، وذلك غيرُ متأتٍّ في جانبِ النواهي؛ لأنَّ الحاصلَ فيه التركُ، هذا وقد أوردَ على ذلك القِيل ابنُ قاسمٍ أنَّ المكلَّف به في النهي كفُّ النفسِ، وهو فِعْل؟ قلنا: كفُّ النفسِ إنَّما يُحتاج إليه في ترتُّب الثواب، بخلافِ رَفْع الإثمِ، فإنَّه يحصُلُ بالتَّرْك مع الغَفْلة، وعدمِ حَبْس النفسِ، وقَصْد التركِ امتثالًا، فإنَّ مَن لم يتناولِ الخمرَ لا إثمَ عليه، وإنْ لم يُلاحِظ تَرْكَها امتثالًا، أو لَمْ يَخطر له شَأنُها بالكليَّة، وكأنَّ التقييدَ بالآلاتِ؛ لأنَّ غالبَ امتثالِ التكاليفِ بالآلاتِ، وإلَّا فقد يكونُ بالقلبِ أو آلتِه.
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و "أل" في "الحمدُ" للجنسِ، أو الاستغراقِ، أو العهدِ (١). واللامُ في "لله" للملِكِ، أو الاستحقاقِ.
(و "أل" في "الحمد" … إلخ) بيانُ ذلك أنْ يصيرَ المعنى عليه: حقيقةُ المحامدِ ثابتةٌ لله تعالى، فالحكم على الحقيقةِ بالقصدِ الأوَّل والأفراد تابعةٌ، ومِن ثَمَّ كان حَمْلُها عليه أوَّلًا عند المحقِّقين، وعلى كونِها للاستغراقِ يصيرُ المعنى: إنَّ جميعَ المحامدِ، أي: كلَّ فردٍ ثابتٌ للهِ تعالى، فالحُكم فيه على الأفراد أوَّلًا، والحقيقةُ تابعةٌ للأَفراد؛ لدخولِها في ضمنِ الأَفراد، إذ فردُ الحقيقةِ هو الحقيقةُ مع الشخصِ، فهو الحقيقةُ بزيادةِ قيدٍ، والحكمُ على الوجهين ظاهرٌ في اختصاصِ جميع المحامدِ بالله تَعالى، إمَّا على الجنس؛ فلِما يأتي مِن توجيهِ الأَولويَّة، وإمَّا على الاستغراقِ؛ فظاهرٌ مِن ثبوتِ جميعِ أفرادِ المحامدِ للهِ تَعالى، وإيثارُه تقديمَ الجنسِ على الاستغراقِ وما بعده دليلُ أولويَّتِه عندَه أيضًا؛ لأنَّه كدعوى الشيءِ ببيِّنة، فإنَّه يُفيدُ الحكمَ بالبرهان العقليِّ، وبيانه أنَّ اختصاصَ الجنسِ به تعالى كما هو قضيةُ لامِه الدالَّة على الجنسِ يستلزم اختصاصَ أفرادِه، إذ لو وُجد فردٌ منه لغيرِه، لثبتَ الجنسُ له في ضمنِه، ولم يكن مختصًّا به تعالى، والحاصلُ كما ذكَره الشَّوبرى (٢) في أنَّ التعريفَ باللامِ إمَّا أنْ يُلاحظ بها الأفراد أَمْ لا. الثاني؛ لتعيينِ الماهيَّة، كـ: الرجلُ خيرٌ من المرأةِ، وتُسمَّى لامَ الجنس، والأول؛ إمَّا أن يُلاحَظَ كلُّ الأفرادِ وهو الاستغراقُ، أو بعضُها، فإنْ كان معيَّنًا، فهو العهدُ الخارجيُّ نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أو غيرَ معيَّن فالعهدُ الذهنيُّ، نحو: اشترِ اللحمَ، وادخلِ السُّوقَ. لمَن ليس بينكَ وبينَه سوقٌ معهودٌ. أو العهدُ العلميُّ، لتقدُّمِ مرجعه في عِلْم المخاطب، والمعنى عليه: الحمدُ المعهودُ ثابتٌ للهِ
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأردف البسملةَ بالحمدلةِ؛ اقتداءً بأسلوبِ الكتابِ، وعملًا بما صحَّ مِن قوله ﷺ : "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ" أي: صاحبِ حال يُهتمُّ به شرعًا "لا يُبْدَأُ فيه بالحمدُ للهِ فهو
الذي حَمِدَ اللهُ به نفسَه، وحَمِدَه به أنبياؤُه وأولياؤُه، فالعبرةُ بحمدِ مَن ذكر، فلا فردَ منه لغيرِه (١).
(اقتداء) علَّةٌ للجَمْعِ بين الأمرَيْن والترتيبِ بينهما.
(وعملًا) علَّةٌ للابتداءِ بالحَمْدلة فقط؛ بدليلِ ما بعدَه.
(أي: صاحب حالٍ يهتمُّ به شرعًا) وهو بيانٌ للمراد مِن البالِ في هذا المقامِ، وإلا ففي "المختار" (٢): البَال: رَخَاء النَّفْسِ، يقال: فلانٌ رَخِيُّ البالِ، والبَال: الحالُ، يُقال: ما بَالُكَ. وفي "النهاية" (٣): البال: الحالُ والشَّأْن. وأمرٌ ذو بالٍ: أي: شريفٌ يُحتَفل له ويُهتمُّ به. أي: يُقصد لذاته وليس محرَّمًا ولا مكروهًا، ولا ذِكْرًا محضًا، ولا جعَل الشارعُ له مبدأ بغيرِ البسملةِ، فخرج بِقَيد الأمْرِ بذي البالِ، وكونه يهتمُّ به شرعًا، الأمْرُ الحقيرُ الذي لا يهتمُّ به الشارعُ، وليس له خطرٌ ولا شَرفٌ، فلا يُبدأ فيه ببسمِ الله؛ تعظيمًا لاسمِه تعالى، حيث لا يُبدأ فيه إلَّا في الأمورِ العظيمةِ، وتسهيلًا على العبادِ حيثُ لم يُطلَب منهم التسميةُ في محقَّرات أمورِهم، ففي وصفِ الأمرِ بذي بالٍ وتقييدِه به فائدتان، الأُولى: رعايةُ تعظيمِ اسمِ اللهِ سبحانه، حيث يُبدأ به في الأمورِ التي لها شأنٌ وخَطَر. والثانية: التيسيرُ على الناسِ في محقَّرات الأمورِ (٤).
("بالحمد لله") بالرَّفع، فإنَّ التعارضَ لا يحصُل إلَّا بشروطٍ ستَّة:
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجْذَم" (١)
الأول: رَفْعُ الحمد.
الثاني: كونُ البَدَاء حقيقيًّا، وأن معنى بدء الشيءِ بالشيءِ تصديرُه به، وجعله قَبْل كلِّ عمل يعمل فيه، ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى إذا حصلَ في بداءةِ أمرٍ ذي بالٍ بشيءٍ مِن البسملةِ والحمدلة، لا يُمكن أنْ يَحصُلَ في تلك البداءةِ بالآخَر.
الثالث: أن يكونَ الابتداءُ المذكورُ أمرًا خاليًا عن الامتدادِ.
الرابع: أن تكونَ الباءُ فيها صلةً للبَداء.
الخامس: أنْ يكونَ المرادُ بالبَداءِ بتلك الأمورِ المذكورةِ تقديمُها في الذِّكْر اللسانيِّ الذي يُترجم عنه بلفظِ البسملةِ والحمدلةِ.
السادس: أن المرادَ مِن البسملةِ والحمدلة خصوصُ هذَيْن اللفظَيْن، وهل المرادُ بقوله: في الحديث: "لا يُبدأُ فيهِ بالحمد للهِ" (١) الحمدُ اللغويُّ أو العرفيُّ؟ وحمَلَه ابنُ قاسمٍ على الأول، قال: حتى لو حَمد اللهَ تعالى بقلبِه كان محصِّلًا للافتتاحِ بالحمد. وقال الشيخُ العلقميُّ: اللفظُ الواردُ منه ﷺ يُحمل على حقيقتِه اللغويَّة، ما لم يكن هناك ما يَصرِفه عنها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ويَجري هذا الخلافُ في قولِهم: إنَّ الحمدَ في مقابلة النعمةِ واجبٌ.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي روايةٍ: "أَقْطَعُ" (١). وفي أخرى: "أَبْتَرُ" (٢) أي: قليلُ البركةِ. وفي روايةٍ: "لا يُبْدَأُ فيه بذكرِ اللهِ" (٣). وبها تبين أنَّ المرادَ البَداءةُ بأيِّ ذكرٍ كان،
(وفي رواية: "أقطع") من بابِ التشبيهِ البليغِ؛ بحَذْف أداةِ التشبيهِ وجَعْلِ المشبَّهِ به مخبرًا، أي: كأقطع، وقيل: مِن قَبيلِ الاستعارةِ المصرَّحة، والمختارُ منها الأَوّلُ، ويَجري ذلك في سابقِه مِن قوله: "أجذمُ" ولاحقِهِ مِن قوله: "أبترُ"، وهو في اللغةِ: ما كان من ذواتِ الذَّنَب، ولا ذَنَب له (٤). والأَقطع: ما قُطعت يداه أو أحدُهما (٥). والأجْذَم: هو فاقدُ الأصابعِ (٦). قال البُهوتي: وهل يُقال: أو بعضِها؟
(أي: قليلُ البركةِ) وإنْ تمَّ حسًّا، فلا يَردُ على منطوقِ الحديث ومفهومِه.
(وفي رواية: " … بذِكْر الله") وهو حديثٌ حسنٌ. شيخُ الإسلامِ.
(وبها تبيَّن … إلخ) أي: بروايةِ: "بذكر الله" جوابٌ عن دَفْع التعارضِ بين روايتي البَسمَلَة والحَمْدلة، وهو أنَّ الحديثين أفادا طلبَ البَداءةِ بكلٍّ منهما، فالبَداءة بأحدِهما تُنافي البَداءَة بالآخر، وبيانُ ذلك الجوابِ: ليس المرادُ ببسم الله الرحمن الرحيم خصوصَ
стр. 75
ربِّ العالَمِيْن،
على أنه يمكن حمل الابتداءِ في البسملةِ على الحقيقي، وهو كون الشيء قبلَ كلِّ شيءٍ، وفي الحمدلةِ على الإضافي، أي: بالنسبة لما بعدها، ولم يُعكسْ؛ لأن ما تقدَّم هو الموافقُ للكتابِ والإجماعِ.
(ربِّ العالمين)
هذا اللفظِ، ولا بالحمد لله خصوصَ هذا اللفظِ، بل مجرَّد الذِّكْر، وهو حاصلٌ بكلٍّ منهما وبغيرِهما، فهو مِن حَمْل المقيَّد على المُطلَق بإلغاءِ قَيْدِه، ومحلُّ حَمْلِ المُطلَق على المقيَّد إذا لم يكن المقيَّدُ مقيَّدًا بقيدَيْن متنافِيين، أمَّا إذا كان كذلك، حُمل المقيَّد على المُطلَق؛ لأنَّ القيدَيْن يتعارضان، فيتساقطان، ويُرجَع إلى المُطلَق، وهذا الجوابُ يُفيد أنَّ ذهابَ البركةِ لا يتوقَّف على إحدى الصِّيغتَيْن، فضلًا عن الجمعِ بينهما.
(على أنه يُمكن حملُ … إلخ) جوابٌ ثانٍ لدَفْع التعارضِ المذكورِ.
(على الحقيقي) أي: على الابتداءِ الحقيقيِّ، فحصل بالبسملةِ.
(ولم يعكس) للقرآنِ العزيزِ (لأنَّ ما تقدَّم) مِن حديثِ البسملةِ، وقوله: (هو الموافقُ للكتابِ) لأنَّه بيَّنَه، فهو مبيِّن لكيفيَّة البَداءةِ بها، وهذا الجوابُ يُفيدُ أنَّ ذهابَ الأجذميَّة يتوقف على الجَمْعِ بينَهما على هذا الوجهِ المذكورِ، فلا يكفي أحدُهما ولا غيرُهما ولا هما على غيرِ هذا الوجهِ. وبعضُهم وجَّه تقديمَ البسملةِ، بأنَّها تتضمَّن الحمدَ؛ لأنَّ فيها ثناءً على اللهِ بصفةِ الرحمةِ.
(ربِّ) بالجرِّ، ويجوز قطعُه إلى الرفْعِ والنصبِ في غيرِ القرآن، أى: عربيةً لا قرآنًا؛ لأنَّ القراءةَ سنَّةٌ متَّبعةٌ، وليس للقياسِ في القرآنِ مَدخلٌ، وهو صفةٌ مشبَّهةٌ مِن: ربَّه يَربُّه، بمعنى: ساسَه ودبَّره، فهو ربٌّ، كما يقال: نَمَّ يَنُمُّ، فهو نمٌّ (١)، فعلى هذا وزنه فَعْلَ، وقيل: فاعل، حُذفت ألفُه؛ لكثرةِ الاستعمالِ، ورُدَّ بأنَّه خلافُ الأصلِ، وهو مِن أسماءِ اللهِ تعالى،