مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى ودين الحق وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والأصحاب والتابعين.
أما بعد فقد سلخت سنين في دراسة السيدة عائشة، كنت فيها حيال معجزة لا يجد القلم إلى وصفها سبيلا، وأخص ما يبهرك فيها علم زاخر كالبحر بعد غور، وتلاطم أمواج، وسعة آفاق، واختلاف ألوان، فما شئت إذ ذاك من تمكن في فقه أو حديث أو تفسير أو علم بشريعة أو آداب أو شعر أو أخبار أو أنساب أو مفاخر أو طب أو تاريخ. . . إلا أنت واجد منه ما يروعك عند هذه السيدة، ولن تقضي عجبًا من اضطلاعها بكل أولئك وهي لا تتجاوز الثامنة عشرة.
ولست بسبيل بيان ذلك الآن، وإنما أخبرك أني وقعت وأنا أنقب في كنوز المكتبة الظاهرية بدمشق، على مجموعة خطية في آخرها رسالة نفيسة للإمام بدر الدين الزركشي الشافعي بخط المؤلف نفسه؛ قصرها على موضوع واحد: هو استدراكات السيدة عائشة على الصحابة، ولم
стр. 2
أنته من قراءتها حتى عزمت على نشرها للناس، بل اعتقدت أني أُسأل عن إهمال هذه الذخيرة لأمرين.
أحدهما: توفري على دراسة السيدة عائشة تلك السنوات الطوال.
والثاني: أن أحدًا لن يستطيع حل كتابتها وهي بخط سقيم غامض جدًّا إلا إذا حفظ أكثر أخبار عائشة وأحاديثها، بحيث إذا استطاع قراءة كلمة في سطر عرف من حفظه ما قبلها وما بعدها. لذلك لم تكد الأحوال السياسية تجر إلى إغلاق المدارس في الربع الأول من سنة ١٩٣٩ حتى شغلت وقتي كله بالعكوف على إنجاز هذا العمل. وإلى القارئ الآن كلمة عن الموضوع والمؤلف والنسخة:
أ - الموضوع:
"من خصائص المرء ذي الطبيعة العلمية؛ أن يكون طُلعَة كثير السؤال، لا يهدأ له بال حتى يرضي طمأنينته ويجلو لنفسه كل خفي مما يحيط به. وكانت السيدة عائشة بهذه الصفة، ساعدها على بلوغ ما بلغت من المعرفة: أنها ربيت في حجر أبي بكر الصديق أعلم الناس بأنساب العرب وأخبار قبائلها وميزات بطونها، فحازت من ذلك علمًا كثيرًا، ثم انتقلت إلى بيت الرسول ومهبط الوحي، فكانت أقرب الناس من معين العلم، فغرفت منه ما لم يتيسر لأحد غيرها، لمكانها منه زوجةً، ولما تفردت به من ذكاء نادر وفكر واسع. وكلما عظم حظ الإنسان من المعرفة، كثر تطلعه إلى ما فوقه. أما الجاهل فليس بمعنى أن يبحث أو يسأل، فإذا أصاب من المعرفة حظًا ما بطريق العرض، كان أبعد الناس عن أن تطلب نفسه مزيدًا أو تثير له شكوكًا أو تحدثه بسؤال يسأله. وقد أوردت السيدة على الرسول ﷺ من الأسئلة في كل ما يمر بها من موضوعات: في الفقه والقرآن والأخبار والمغيبات وأمور الآخرة؛ وفيما يعرض له من أحداث وخطوب، وما يفد عليه من وفود".
стр. 3
"وبعد انتقال النبي ﷺ ، كان علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج، في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. . . ومع حمل الأصحاب إلى الأمصار طائفة صالحة من الأحاديث والأحكام حتى كانوا ثمة مرجع طلاب العلم ورواة الحديث، بقيت المدينة - لأسباب أهمها وجود عائشة - دار الحديث ومنبع العلم. فحين يُشكل على أهل الأمصار أمر من الأمور، يكتبون إلى أصحاب رسول الله في الحجاز يسألونهم عن حكم الله فيه، فكان هؤلاء إذا فاتهم علم شيء، رجعوا إلى علماء بينهم اشتهروا بحمل العلم وفقهه كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعروة وعبد الله ابني الزبير. . . تروى عنهم الأحاديث وتنشر الأحكام، حتى صاروا مقصد الرواد. ومقام السيدة بينهم مقام الأستاذ من تلاميذه، فكان عمر بن الخطاب يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من الرجال ولا النساء.
ويصل إلى مسمع السيدة عن أولئك العلماء روايات وأحكام على غير وجهها، فتصحح لهم ما أخطؤوا فيه أو خفي عليهم، حتى عرف ذلك عنها فصار من شك في رواية أتى عائشة سائلا، وإن كان بعيدًا كتب إليها يسألها (١). ومن هنا طار لها ذلك الصيت في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبار الصحابة كأبيها أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير. . . وصار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلا عن حكم أو حديث أو شيء من فعل النبي ﷺ ، ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره (٢) وستجد أن خطأ الصحابة كثيرًا ما يرجع إلى أنهم حضروا آخر الحديث وفاتهم أوله. وسترى في كل ما تستدرك: صحة النظر وصواب النقد وحضور الحفظ وجودة النقاش. وأغلب الأسباب في تخبط الروايات أن الرواة يستنبطون الحكم من
_________
(١) انظر مسند أحمد ج ٦
(٢) مسند أحمد ج ٦ ص ٨٧
стр. 4
الجملة التي حضروها وكثيرًا ما يكون الرسول ذكرها في معرض الإنكار، وترى ذلك في مرويات أبي هريرة بصورة خاصة.
وكما استدركت على أبي هريرة ضياع أول الكلام عليه أو آخره، استدركت على كثيرين فهمهم لحديث، أو خطأ استنباط حكم من آية، أو ضلالًا في معرفة أسباب النزول، أو اجتهادًا فيه مشقة على الناس. وكان الناس يقعون منها في كل ذلك على علم غزير وفهم حصيف، ورأي صائب. ولا غرو فقد كانت السيدة عائشة الملجأ الأخير الذي ترفع إليه مسائل الخلاف والروايات وأحكام الشريعة لتمحيصها والقضاء فيها بالقول الفصل".
ومن هنا توقن أن حياة السيدة بنت مجدًا باذخًا لتاريخ المرأة العلمي في الإسلام، بل إن عبقريتها وحدها كفيلة بملء تاريخ كامل، فلست أعلم في عبقريات الرجال والنساء في تواريخ الأمم ما يداني مكانة السيدة التي تناسيناها حتى أنه لم يؤلف - فيما علمنا - في سيرتها إلى اليوم كتاب وهذا أول ما كان يجب أن نعنى به.
ولتعلم بعد هذا سيداتنا، أن امرأة منهن في صدر الإسلام تتلمَذ عليها مشيخة المهاجرين والأنصار من كل حبر وعالم وفقيه وقارئ وراوية. وعنها وحدها نقل ربع الشريعة كما قال الحاكم في المستدرك.
ليس مؤلفنا الزركشي أول من صنف في هذا الموضوع، بل إن السابق إليه هو أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي المحدث التاجر السفار عاش في القرن الخامس الهجري ولد سنة ٤١١ هـ ومات سنة ٤٨٩ هـ تلقى الحديث في دمشق ومصر والرحبة وروى عن ابن غيلان والعتيقي وطبقتهما وكتب وحصل في الأصول (١). وجملة ما استدرك في مصنفه خمسة وعشرون حديثًا.
وقد نقل الزركشي عن كتاب البغدادي هذا في مواضع متعددة وفي
_________
(١) شذرات الذهب ٣: ٣٩٢.
стр. 5
بعضها سمى كتابه قائلا: "قال أبو منصور البغدادي في استدراكه". ونراه أحيانًا ينقل عنه ثم يشطب نقله ويثبت الحديث من طريق آخر غير طريقه كما سيمر بك.
وأهدى الزركشي مصنفه هذا على ما ترى في خطبة الكتاب إلى القاضي برهان الدين بن جماعة.
ثم جاء الإمام السيوطي فاختصره - على عادته في كثير من مؤلفاته - في رسالة سماها (عين الإجابة في استدراك عائشة عَلى الصحابة) (١).
ب - المؤلف:
أما الزركشي فهو محمد بن عبد الله بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله بدر الدين؛ مصري المولد والوفاة، تركي الأصل، شافعي المذهب كان إمامًا علامة مصنفًا محررًا ولد سنة ٧٤٥ هـ. وأخذ عن الشيخين جمال الدين الأسنوي وسراج الدين البلقيني ورحل إلى حلب فأخذ عن الشيخ شهاب الدين الأذرعي. وسمع الحديث بدمشق وغيرها وكان فقيهًا أصوليًا أديبًا فاضلا في جميع ذلك. ودرّس وأفتى وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى. قال البرماوي: "كان منقطعًا إلى الاشتغال، لا يشتغل عنه بشيء وله أقارب يكفونه أمر دنياه".
وكان خطه ضعيفًا جدًّا، قل من يحسن استخراجه (٢) توفي بمصر ثالث رجب سنة ٧٩٤ هـ ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة بكتمر الساقي (٣).
_________
(١) كشف الظنون.
(٢) إي والله فقد لقينا منه الألاقي وكان يمر علينا النهار بكامله فلا نحل من مشاكله أكثر من أربع كلمات بعد الرجوع إلى الأمات من كتب الحديث والرجال، وإذا كان قل من يحسن استخراج خطه من أكثر من خمسة قرون، فقدر بنفسك أي عنت يلقى من يتعرض لذلك في عصرنا الحاضر.
(٣) عن شذرات الذهب، وحسن المحاضرة للسيوطي، وقاموس الأعلام للزركلي بتصرف يسير.
стр. 6
مؤلفاته: أكثر اشتغال الزركشي بالفقه وأصوله وعلوم الحديث والقرآن والتفسير وقد ترك فيها أكثر من ثلاثين مصنفًا؛ منها ما عرفنا أنه له بطريق العرض ونحن على رغم ما بذلنا من وقت وجهد في سبيل جمعها لا نقطع بالإحاطة بها جميعًا. وإنما نقطع بأننا بذلنا الطاقة كلها حتى لم يبق منها شيء. وإليك أسماءها وشيئًا عنها (١) مرتبة على الحروف:
١ - رسالتنا هذه: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة.
٢ - إعلام الساجد في أحكام المساجد (٢).
٣ - البحر المحيط في أصول الفقه (٣).
قال في شذرات الذهب هو "في ثلاثة أجزاء جمع فيه جمعًا كثيرًا يسبق إليه".
٤ - البرهان في علوم القرآن (٤):
كتاب جليل ضمنه سبعة وأربعين نوعًا، ثم اطلع عليه السيوطي فأدرجه في كتابه الكبير (الإتقان في علوم القرآن) وله الفضل في تعريفنا بمحتوياته قال في مقدمة الإتقان في صدد كلامه على تأليفه في هذا الموضوع:
_________
(١) رجعنا في جمعها إلى مظان كثيرة أهمها شذرات الذهب وحسن المحاضرة وكشف الظنون وبرو كلمان وذيله، والإجابة نفسها ورسالة أخرى.
(٢) حسن المحاضرة، برو كلمان.
(٣) حسن المحاضرة، شذرات الذهب، برو كلمان.
(٤) كشف الظنون، حسن المحاضرة، برو كلمان "الذيل".
стр. 7
". . . وأنا أظن أني متفرد بذلك، غير مسبوق بالخوض في هذه المسالك، فبينما أنا أجيل في ذلك فكري أقدم رجلا وأؤخر أخرى، إذ بلغني أن الشيخ الإمام بدر الدين بن محمد بن عبد الله الزركشي أحد متأخري أصحابنا الشافعيين، ألف كتابًا في ذلك حافلا يسمى (البرهان في علوم القرآن) فتطلبته حتى وقفت عليه فوجدته قال في خطبته: "لما كانت علوم القرآن لا تحصى، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر الممكن. ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى وله الحمد في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة، ما بهر القلوب عجبًا ليكون مفتاحًا لأبوابه، وعنوانًا على كتابه، معينًا للمفسر على حقائقه، مطلعًا على بعض أسراره ودقائقه، وسميته (البرهان في علوم القرآن)، وهذه فهرست أنواعه: النوع الأول (١). . . الخ واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع؛ إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره؛ ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله والرمز إلى بعض فصوله؛ فإن الصناعة طويلة والعمر قصير؛ وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير" ا هـ. كلام الزركشي. ثم قال السيوطي: ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورًا، وحمدت الله كثيرًا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته. . الخ".
٥ - تخريج أحاديث الرافعي (٢)
٦ - التذكرة في الأحاديث المشتهرة (٣)
_________
(١) انظرها كاملة في مقدمة الإتقان في علوم القرآن. وقد طبع كتاب البرهان في القاهرة بعد صدور الطبعة الأولى من الإجابة بسنوات.
(٢) كشف الظنون، حسن المحاضرة.
(٣) تدريب الراوي للسيوطي ص ١٨٨
стр. 8
٧ - تفسير القرآن (١)
ذكر في كشف الظنون أنه وصل في التفسير حتى سورة مريم.
٨ - تكملة شرح المنهاج (٢)
كتاب منهاج الطالبين هو للإمام النووي، وقد شرحه الأسنوي وبلغ فيه إلى (المساقاة) وتوفي ولم يكمله، فأكمله الزركشي. وفي دار الكتب الظاهرية منه الجزء الثالث رقم (٣٤٥ فقه الشافعي).
٩ - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (٣)
جاء في كشف الظنون عند الكلام على الجامع الصحيح للبخاري وشروحه: "وشرحه الزركشي وهو شرح مختصر في مجلد أوله (الحمد لله ما عم بالإنعام. . الخ) قصد فيه إيضاح غريبه وإعراب غامضه، وضبط نسب أو اسم يخشى فيه التصحيف، منتخبًا من الأقوال أصحها ومن المعاني أوضحها مع إيجاز العبارة، والرمز بالإشارة، وإلحاق فوائد يكاد يستغني [بها] اللبيب عن الشروح، لأن أكثر الحديث ظاهر لا يحتاج إلى بيان. . . وعليه نكت للحافظ ابن حجر وهي تعليقة بالقول ولم تكمل، وللقاضي محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٨٤٤ هـ نكت أيضًا على تنقيح الزركشي" وفي المكتبة الظاهرية نسخة مخطوطة منه رقمها (٨٤٨ حديث).
١٠ - خادم الرافعي والروضة (٤) في الفروع أو خادم الشرح والروضة:
جاء في كشف الظنون: "ذكر في بغية المستفيد أنه أربعة عشر مجلدًا،
_________
(١) كشف الظنون، حسن المحاضرة.
(٢) كشف الظنون، شذرات الذهب، برو كلمان "الذيل"
(٣) حسن المحاضرة، كشف الظنون، بروكلمان.
(٤) شذرات الذهب، حسن المحاضرة، كشف الظنون، برو كلمان. . ومنه مخطوطة في الظاهرية برقم ٢٣٧٥، ٢٣٧٦ حديث. ويقوم بنشر الروضة الآن المكتب الإسلامي حيث صدر منه سبعة أجزاء.
стр. 9
كل منها خمسة وعشرون كراسة. ثم إني رأيت المجلد الأول منها افتتح بقوله أوله: (الحمد لله الذي أمدنا بنعمائه الخ) وذكر أنه شرح فيه مشكلات (الروضة) وفتح مغلقات (فتح العزيز) وهو على أسلوب التوسط للأذرعي. وأخذ جلال الدين السيوطي يختصر من (الزكاة) إلى آخر (الحج) ولم يتم وسماه: (تحسين الخادم) واسمه في (شذرات الذهب): خادم الشرح والروضة. وقال عنه: "وهو كتاب كبير فيه فوائد جليلة".
١١ - خبايا الزوايا في الفروع (١)
قال في كشف الظنون: "أوله الحمد لله الذي لم تزل نعمته تتجدد الخ" ذكر فيه ما ذكره الرافعي والنووي في غير مظنته من الأبواب فرد كل شكل إلى شكله، وكل فرع إلى أصله، واستدرك عليه الشريف عز الدين حمزة بن أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ وسماه (بقايا الخبايا). ولبدر الدين أبي السعادات محمد بن محمد البلقيني المتوفى سنة ٨٩٠ هـ حاشية عليه".
١٢ - خلاصة الفنون الأربعة (٢)
١٣ - الديباج في توضيح المنهاج (٣)
ذكر صاحب كشف الظنون أن له شرحًا للمنهاج اسمه (الديباج) غير تكملة شرح المنهاج الذي مر آنفًا. وفي دار الكتب الظاهرية منه مجلد (رقم ٦٨ فقه شافعي).
١٤ - الذهب الإبريز في تخريج أحاديث (فتح العزيز)
لم يذكر هذا المصنف أحد وإنما ذكره المؤلف نفسه في رسالته (الإجابة)
_________
(١) كشف الظنون، برو كلمان.
(٢) برو كلمان.
(٣) حسن المحاضرة، الأعلام للزركلي، برو كلمان "الذيل"، كشف الظنون.
стр. 10
هذه فقال: قلت في الذهب الإبريز في تخريج أحاديث (فتح العزيز).
١٥ - زهر العريش في أحكام الحشيش (١)
أوله: (الحمد لله على نعمائه).
١٦ - سلاسل الذهب في الأصول (٢)
١٧ - شرح التنبيه للشيرازي (٣)
١٨ - شرح جامع الصحيح (٤)، أو شرح البخاري:
١٩ - شرح جمع الجوامع للسبكي (٥) (في أصول الفقه)
ذكر صاحب شذرات الذهب أنه: "في مجلدين" وفي كشف الظنون أن اسمه (تشنيف المسامع) واختصر شرح الزركشي هذا أبو زرعة العراقي المتوفي سنة ٨٢٦ هـ بكتاب سماه (الغيث الهامع).
٢٠ - شرح (المعتبر للأسنوي) ذكره في كشف الظنون
٢١ - شرح الوجيز
مخطوط في الظاهرية برقم ٢٣٩٢
_________
(١) كشف الظنون، برو كلمان، ونظن أن هذا الاسم مقتبس من كتاب أبي عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي المسمى: "زهر العريش في تحريم الحشيش" كما يرى في ترجمة الشاطبي التي في كتاب "الزهر المضبي في مناقب الشاطبي" والشاطبي توفي سنة ٦٧٢ قبل الزركشي بقرن ونيف فلا يبعد أن يكون اطلع على كتاب الشاطبي واستفاد منه - انظر مقال الدكتور عبد الوهاب عزام "في مزارات الإسكندرية" - مجلة الرسالة العدد (٣٣٨).
(٢) حسن المحاضرة، كشف الظنون
(٣) حسن المحاضرة، برو كلمان.
(٤) حسن المحاضرة.
(٥) شذرات الذهب، حسن المحاضرة، كشف الظنون، برو كلمان.
стр. 11
٢٢ - عمل من طب لمن حبَّ (١)
٢٣ - الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر (٢)
مختصر على ثلاثة أبواب، أوله: "الحمد لله الذي جعل الأرض ذلولا نمشي الخ"، الأول: في مدلول السفر، الثاني فيما يتعلق عند السفر، الثالث: في الآداب المتعلقة بالسفر (٣) - كشف الظنون.
٢٤ - غنية المحتاج في شرح المنهاج (٤)
لم يذكر في كشف الظنون. إلا أن السيوطي في حسن المحاضرة عد في كتبه (شرح المنهاج) غير (الديباج) الذي مر ذكره، فلعل هذا الشرح أوفى.
٢٥ - في أحكام التمني
تفرد بذكره برو كلمان.
٢٦ - القواعد في الفقه (٥) (أو في الفروع)
من مخطوطات دمشق واسمه (القواعد والزوائد). أما صاحب كشف الظنون فذكر أن اسمه (القواعد في الفروع) وأنه: "رتبها على حروف المعجم. وشرحها سراج الدين العبادي في مجلدين واختصر الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ هـ الأصل كما ذكره في متنه".
_________
(١) نقل عنه السيوطي في المزهر ٢: ٣٦٦ وقال: كراسة، وانظر شرح شواهد المغني له ص ١٥٧
(٢) برو كلمان.
(٣) بياض في الأصل بعد (الثالث) فملأناه من مخطوطة "الغرر" التي يملكها السادة أصحاب المكتبة العربية بدمشق (عبيد إخوان).
(٤) كشف الظنون، برو كلمان "الذيل".
(٥) حسن المحاضرة، الأعلام للزركلي، كشف الظنون، برو كلمان "الذيل" وفي التكية الإخلاصية بحلب نسخة منه نفيسة جدًّا - مجلة المجمع العلمي العربي ٨/ ٣٧٠
стр. 12
٢٧ - اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة
تفرد بذكره للمؤلف (برو كلمان) في الذيل. أما صاحب كشف الظنون فقد ذكره مغفلا من التعريف واسم المؤلف.
٢٨ - لقطة العجلان وبلة الظمآن (١).
وقد طبع في دمشق مؤخرًا.
٢٩ - ما لا يسع المكلف جهله:
بهذا العنوان عد صاحب كشف الظنون مؤلفين متعددين، ليس فيهم الزركشي وقد تفرد بذكره (برو كلمان).
٣٠ - مجْلى الأفراح شرح تلخيص المفتاح
قال العاملي صاحب الكشكول: "كتاب ضخم يزيد على المطول وقفت عليه في القدس الشريف سنة ٩٩٢ هـ" - الكشكول ١: ٨ (مطبعة الشيخ شرف موسى بمصر)، لا تاريخ.
٣١ - مجموعة فقه (٢)
٣٢ - المختصر (في الحديث)
لم يذكره أحد ممن رجعت إليهم، وإنما وجدته في حاشية الأجهوري على شرح البيقونية للزرقاني، قال في ص (١٥) (طبع مصر): "قال الزركشي في مختصره يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن".
٣٣ - المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر:
مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق (رقمه ١١١٥ حديث) لم يذكره غير (برو كلمان) في "الذيل"
_________
(١) شذرات الذهب، برو كلمان.
(٢) الأعلام.
стр. 13
٣٤ - المنثور (١) في ترتيب القواعد الفقهية
في قاموس الأعلام للزركلي: أنه هو المعروف بقواعد الزركشي، إلا أن برو كلمان ذكر المنثور في كتابه ثم ذكر في (الذيل) القواعد والزوائد.
٣٥ - النكت على البخاري (٢)
٣٦ - النكت على ابن الصلاح (٣)
هذا وسنتمثل مكانته في العلم وبُعد غوره؛ عند قراءة هذه الرسالة (الإجابة)؛ ولا حرج علي إذا دللتك منذ الآن على مثال من دقته وتحريه؛ لتعلم مبلغ تنقيره واطلاعه؛ فانظر بصورة خاصة استدراكه على أوهام وقعت في صحيح البخاري والترمذي وكيف أقام الأدلة على ما ذهب إليه ثم كيف اعتذر الاعتذار اللطيف الذي سوغ درج هذه الأوهام في الصحيح، لتستأنس بذلك في معرفة فضله، والنسق الذي عليه تحقيقاته في مصنفاته الجليلة، التي لم يبق من الكثير منها إلا الأسماء وبعضها ذهبت هي وأسماؤها.
ج - النسخة
لم يرد لهذه الرسالة ذكر في فهارس المكتبات المطبوعة. ولم نسمع أنها في مكتبة خاصة، ولم يذكرها برو كلمان، حتى فهرس المكتبة الظاهرية القديم خال من ذكرها، فهي على هذا ولما سيأتي، فريدة في العالم ذات قيمة ممتازة، تشغل كما تقدم الجزء الأخير من المجموعة ذات الرقم (٣٢ مجاميع) في القبة الظاهرية، وهي بحجم صغير ١٤ × ١٩ س. م. وعدد أوراقها (٤٤). والظاهر أنها مسودة كتبها المؤلف وهو ينوي أن يعود إليها بالتنقيح بدليل الشطب الكثير الذي فيها والحواشي الدقيقة التي ألحقت ببعض صحفها، وبياض ترك في صحف متعددة بين الفقرة والفقرة أو بين الفصل والفصل، ثم لم يسعفه الوقت فأبقاها على حالها. وصحفها لا تتشابه فبينما تجد
_________
(١) حسن المحاضرة، برو كلمان، الأعلام.
(٢) شذرات الذهب.
(٣) حسن المحاضرة وكشف الظنون.
стр. 14
الصفحة (١٦) مثلا مكتظة السطور والحواشي حتى لا تتبين فيها بياضًا، إذا بك في بعضها الآخر إزاء سطرين أو ثلاثة، وهي في أكثرها غير منقوطة. وقد قرأها على المؤلف نفسه ولده محمد الزركشي وإخوته حتى الصغار منهم وسنثبت السماع في آخر الكتاب كما هو في الأصل. وكان الفراغ من قراءته سنة أربع وتسعين وسبعمائة وهي السنة التي مات فيها المؤلف ﵀. أما تاريخ كتابتها فقبل سنة ٧٩٠ لأنها أُهديت إلى القاضي برهان الدين بن جماعة المتوفي سنة ٧٩٠ هـ.
أما خط المؤلف فإنا إذا استثنينا خطبة الكتاب التي تخف فيها صعوبة القراءة فإن ما بقي منها أشبه بالرموز والطلاسم. ويبلغ فن التعمية نهايته في الصفحة السادسة عشرة فقد لزت حواشيها لزًا بخط دقيق يشبه في بعضها ما يكتبه الأطباء إلى الصيادلة باللاتينية، وإن كان خط صاحبنا أدق وأغمض. وبعض الكلمات يكتفي منها بأول حرف إذا وافقت حرف الصفحة، وجرى على كتابة العناوين بالحبر الأحمر. وقد صورنا هذه الصفحة ليطلع القارئ على أسلوب المؤلف في تهيئة تصانيفه.
أما الصفحة الأولى فقد أثبت فيها إلى جانب اسم الكتاب نحو اليسار (فرغه قراءة ونسخًا العبد محمد بن محمد بن الزركشي عامله الله تعالى بلطفه الخفي) وهي بخط ولده المذكور الذي كتب الإجازة في آخر الكتاب بالخط نفسه وليس المراد بالنسخ أن الرسالة من خطه، بل هي من خط والده، أما خط الولد فجيد مقروء. وتحت عنوان الكتاب والمؤلف أسطر بخط ابن طولون الصالحي (١) هذا نصها:
_________
(١) أفادنا ذلك الأستاذ الفاضل السيد أحمد عبيد أحد أصحاب المكتبة العربية بدمشق وزاد قائلا: "إن خط ابن طولون الصالحي لا يخفى على أحد ويتميز بسهولة من سائر الخطوط فلا خط يشابهه أصلا". ثم اطلعنا في العدد ٣٢٥ من مجلة الثقافة المصرية الصادرة في ٦ ربيع الثاني سنة ١٣٦٤ هـ ٢٠/ ٣ / ١٩٤٥ م على قول السخاوي: قرأت بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني ما نصه:
فصل فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه ونقص. . . الخ وكذا قرأت بخطه على (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي: أصل هذا التصنيف. . . الخ)
стр. 15
"قال أبو الفضل بن حجر: أصل هذا التصنيف للأستاذ الجليل أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي الفقيه المحدث المشهور رأيته في مجلدة لطيفة، وجملة ما فيه من الأحاديث ٢٥ حديثًا، وكان الكتاب المذكور عند القاضي برهان الدين بن جماعة، فما أدري هلى خفي عليه وقت تقديم هذا له أو أعلمه به؟ نعم، لمصنف الإجابة حسن الترتيب والزيادات البينة والعزو إلى التصانيف الكبار والأول على عادة من تقدم يقتصر على سوق الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه، وجملة من أخرج ذلك عنه من شيوخه نحو من ثلاثين شيخًا من شيوخ بغداد ومصر وغيرها ولا يعزو التخريج إلى أحد. وقد نقل هذا المصنف عن أبي منصور في هذا الكتاب، فعلم أنه وقف عليه، وكان ينبغي له أن ينبه على ذلك وهذا التصنيف القديم أخبرنا به غير واحد من شيوخنا إجازة عن عبد القادر بن أبي البركات بن القريشي: أنا المسلم بن علان سماعًا عن الخشوعي عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو أخبرنا المصنف سماعًا."
وتحت هذا الكلام بخط آخر ما نصه:
"نقلت من كتاب أبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي الذي وضعه في أخبار النحاة: حدثنا سوادة بن علي: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير: ثنا أبو معاوية: ثنا المنهال بن خليفة عن سلمة بن هشام قال: كانت حفصة وعائشة متآخيتين، وكانت سودة وأم سلمة متآخيتين، فكانت سودة تنشد:
"عدي وتيم تبتغي من تحالف"
فقالت عائشة: "ما تعرّض إلا بي وبك يا حفصة، فإذا رأيتني قد قمت فأخذت برأسها فأعينيني" فقامت فأخذت برأسها وخافت حفصة فأعانتها، وجاءت أم سلمة فأعانت سودة، فأتى النبي ﷺ فأخبر وقيل له: "أدرك نساءك يقتتلن" فقال: "ويحكن ما لكن؟ " فقالت عائشة
стр. 16
"يا رسول الله ألا تسمعها تقول: (عدي وتيم تبتغي من تحالف)؟ فقال: "ويحكن ليس عديكن ولا تيمكن، إنما هو عدي تميم وتيم تميم."
قال الكلبي: "تيم تميم هو الرباب وقيل: إن عدي (١) وتيم أخوان قال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم … لا يوقعنكم في سوْءة عمر
روى أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء في ترجمتها: "حدثنا سليمان بن أحمد (ثنا أحمد) (٢) بن يحيى بن خالد (بن حيان) (٢) الرقي ثنا محمد بن بشر المصري ثنا عثمان بن عبد الله ثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "قلت لرسول الله ﷺ : كيف حبك لي؟ " قال: "كعقدة الحبل" فكنت أقول: "كيف العقدة يا رسول الله؟ " قالت فيقول: "هي على حالها" ا هـ.
هذا ما على أول الرسالة ومن هنا نعرف قيمة هذا المخطوط النفيس فهو بخط مؤلفه أحد أئمة المذهب الشافعي المشهورين؛ وهو أشبه بمسودة تطلعنا على طريقته في التأليف من حذف وإثبات وإلحاق، وعلى غلافها ثلاثة خطوط غير خط المؤلف: خط ولده؛ وخط ابن طولون الصالحي وخط لآخر لا يعرف؛ ونحن مدينون لهذا الآخر بإطلاعنا على فقرة من كتاب مفقود هو الذي صنفه أبو بكر التاريخي في أخبار النحاة، وقد قرأها على المؤلف أولاده وبناته حتى الطفل الذي في الثانية من عمره في عشرة مجالس آخرها في يوم الأحد لثمان خلون من صفر عام أربع وتسعين وسبعمائة، وأجاز لهم جميع مؤلفاته كما ترى في آخر الرسالة. وأمر آخر ذو شأن أيضًا؛ وهو أن هذه النسخة وقعت في ملك العلامة الفضيه الشافعي أحمد بن عبد الرحمن الرملي المشهور بأبي الأسباط، فألحق فيها استدراك السيدة عائشة على مروان بن
_________
(١) كذا في الأصل على الرفع والوجه النصب.
(٢) ما بين القوسين عن حلية الأولياء.
стр. 17
الحكم ولم يكن هذا في الأصل وإنما أثبته الرملي بخطه أيضًا، كما ترى كلامه في موضعه من الرسالة. فأنت ترى أنها إلى قيمتها العلمية ذات قيمة أثرية لاشتمالها على خطوط أئمة في القرن الثامن وبعده: الزركشي وولده وابن طولون الصالحي والرملي وآخر.
هذا وقد رجعت في حل ما أشكل علي من الخط:
أولًا: إلى كتب الرجال وخاصة الإصابة وأسد الغابة وتهذيب التهذيب والاستيعاب ولسان الميزان والكنى والأسماء ثم ابن خلكان ومعجم البلدان وغيرها.
ثانيًا: إلى كتب الحديث وشروحها: صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد وسنن أبي داوود والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرها.
ثالثًا: إلى كتب المعاجم وخاصة النهاية لابن الأثير والفائق للزمخشري ولسان العرب.
واقتصرت من التعليق على ما تمس إليه الحاجة ولم أغير إلا ما يقتضيه الرسم الحديث؛ وماسها فيه المؤلف في سرعة كتابته فرفع في محل نصب أو نصب في محل رفع؛ فأشرت إلى ذلك كما أشرت إلى الكلام الذي شطب عليه؛ حرصًا على الإخراج الأمين للرسالة.
أما ما لقيت من عناء وبذلت من جهد ووقت فما يفيد القارئ بيانه، إلا أني كنت بعد أن نسخ الرسالة ناسخ متقن متمرن، حيال مئة وعشرين مشكلا، فما زلت أرجع إلى الأمات التي أشرت إليها، وأستعين بمذكراتي عن السيدة عائشة حتى لم يبق منها إلا دون المواضع الخمسة وهي إما من كلام المؤلف نفسه، أو من نص منقول عن كتاب مفقود فلا سبيل إلى حله ولم أشأ التصرف من عندي بشيء. وبقي كذلك نقص في ثلاث جمل ذهبت بعض كلماتها مع حرف الصفحة، فلم يكن سبيل إلى معرفته. وأكبر ظني أن المؤلف ﵀ لو أراد تبييض هذه النسخة لما استطاع حل رموز هو عقدها. ولا أريد أن أكتم القارئ اغتباطي من نزول العدد من مئة وعشرين
стр. 18
إلى ما دون العشرة، فقد نعمت بلذة لا يستطاع وصفها.
وإن أختم بشيء فهو الإعجاب الذي لا يحد بالمحدثين الذين جاهدوا لعلمهم وأخلصوا له أكبر جهاد وأتم إخلاص، وأشهد لقد كانوا في دقتهم وتحريهم وإحاطتهم وإتقانهم معجزة الله في المؤلفين. وما أزعم أني أدركت مدى تعبهم واجتهادهم، وإنما استطعت - وأنا أُخرج هذه الرسالة - أن أكون في نفسي فكرة عن جهادهم في سبيل السنة. لقد آمنت بعظمتهم وعظمة عملهم وأنهم الشهداء الصامتون وأن مدادهم أثمن من دم شهداء المعركة، وإني لم أر ولم أسمع ولم أتخيل أن أناسًا لهم مثل تلك الهمم والعزائم والصبر والأمانة. وإني لأخجل حين أقرر أني - على كثرة من أعرف من ذوي الجلادة والهمة والانقطاع لخدمة العلم - عجزت أن أعد واحدًا بذل معشار ما كان يبذل أصغر أولئك المحدثين. وما لي أخجل؟ وقد أيقنت أن ما قدموا هو شيء فوق طوق البشر الذين نعرف، فرحمهم الله وأثابهم ونفع بهم وقيض لهذا العلم الجليل من يعنى به على غرارهم.
سعيد الافغاني
١٥ صفر سنة ١٣٥٨ هـ
٥ نيسان سنة ١٩٣٩ م
تنبيه ١ - الأرقام التي على الهامش تشير إلى صحف الأصل المخطوط ابتداء من خطبة الكتاب. وما داخل [] زيادة ليست في الأصل.
تنبيه ٢ - أخطأ مجلد هذه المجموعة فوضع ثماني أوراق من الأصل في آخر الرسالة بعد السماع، وتبدأ بالحديث السادس من استدراكاتها على عمر بن الخطاب، ثم باستدراكاتها على علي بن أبي طالب، ثم باستدراكاتها على عبد الله بن عباس، وتنتهي بآخرها وهو الحديث الثامن، لننتقل بعده إلى استدراكاتها على عبد الله بن عمر، وقد وضعناها في طبعتنا في موضعها الصحيح.
стр. 19
شكل (١) صورة ما على الورقة الأولى من النسخة الخطية
стр. 20
شكل (٢) صورة الصفحة الأولى في الأصل
стр. 21
شكل (٣)
صورة الصفحة الأخيرة في الأصل ويظهر فيها سماع أسرة المؤلف بخط ولده
стр. 22
شكل (٤) صورة الصفحة ١٦ من الأصل
стр. 23
مقدمة المؤلّف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وأَعلى أَعلام فتواها بين الأَعلام، وأَلبسها حلة الشرف حيث جاءَ إلى سيد الخلق الملك بها في سرقةٍ (١) من حرير في المنام، وأَشهد أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنظمنا في أَبناء أُمهات المؤمنين، وتهدينا إلى سنن السنة آمنين، وأشهد أَن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي أَرشد إلى الشريعة البيضاء، وأَعلن بفضل عائشة حتى قيل: خذوا شطر دينكم عن الحميراء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صباح مساء، وعلى أَزواجه اللواتي قيل في حقهن: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) صلاة باقية في كل أَوان دائمة ما اختلف الملوان.
وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردتْ به الصدِّيقة ﵂
стр. 24
أَو خالفت فيه سواها برأَي منها أَو كان عندها فيه سنة بينة، أَو زيادة علم متقنة، أَو أَنكرت فيه على علماءِ زمانها، أَو رجع فيه إليها أَجلة من أَعيان أَوانها، أَو حررته من فتوى، أَو اجتهدت فيه من رأَي رأَته أَقوى. موردًا ما وقع إليَّ من اختياراتها، ذاكرًا من الأَخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها. غير مدَّعٍ في تمهيدها للاستيعاب، وأَن الطاقة أَحاطت بجميع ما في هذا الباب. على أَني حررت ما وقع لي من ذلك تحريرًا ونمقت بروده رقمًا وتحبيرا. مع فوائد أَضمها إليه وفرائد أَنثرها عليه، ليكنَّ عقدًا ثمينة جواهره، وفلكًا منيرة زواهره، ولقد وفقت لجمعها في زمن قريب، وأَصبح مأْهول ربعها مأْوىً لكل غريب. وما هذا إلا ببركة هذا البيت العظيم الفخر، وما هي بأَول بركتكم يا آل أبي بكر. وسميته (الإجابة: لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة). والله أَسأَل أَن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصلًا إلى جنان النعيم وأَهديته إلى بحر علم ثمين جوهره، وأُفق فضل أَضاءَ شمسه وقمره، وروض آداب يانعة ثماره، ساطعة أَزهاره، سيدي (١) قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة (٢)
стр. 25
الشافعي أَدام الله علوه وكبت عدوه إذ لمذهب الشافعي من ثماره أَي روضات، وهو لمحرابه إِمام يتلو فيه من معجز القول آيات. قد أَظهر عرايس فضله المجلوة، وأَبرز نفائس نقله المحبوة، وبهر العقول بدقائقه التي بهرت، وزاد المباحث رونقًا بعبارته التي سحرت الأَلباب وما شعرت، تهدى العلوم إِليه وهو حقيقة أَدرى من المهدي بهن وأَعلم. وكنت في إِهدائه إلى مقامه كمن يهدي إلى البستان أَزهاره؛ وإلى الفلك شموسه وأَقماره، وإلى البحر جدولًا، وإلى السيل وشلًا، ولكن عرضت هذا المصنف على ملك الكلام؛ بل أَمير المؤمنين في الحديث والإِمام،
стр. 26
لأثقفه باطلاعه عليه والسلام. والله تعالى يجعل أَيامه كلها مواسم، ويطرز التصانيف بفوائده حتى تصير كالثغور البواسم.
стр. 27
البابُ الأول في ترجمتهَا وخصَائصهَا
стр. 28
الفصل ١ (١) - في ذكر شيءٍ من حالها
هي أُم المؤمنين وأُم عبد الله عائشة بنت أَبي بكر الصديقة بنت الصديق ﵁ وعنها -، حبيبة رسول الله ﷺ الفقيهة الربانية. كنيتها أُم عبد الله كناها به النبي ﷺ ، بابن أُختها عبد الله بن الزبير رواه أَبو داوود، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد.
وجاءَ في معجم ابن الاعرابي: أَنها جاءَت بسقط فسماه النبي ﷺ عبد الله و كناها به. وفي إسناده نظر لأَن مداره على داوود بن المحَبَّر (٢) صاحب كتاب العقل. وعائشة مأَخوذة من العيش، ويقال أيضًا عَيْشة، لغة حكاها ابن الأَعرابي وعلي بن حمزة ولا التفات لإِسناد أَبي عبيدة في الغريب المصنف ذلك.
وذكر أَبو الفضل الفلكي في الأَلقاب: النبي ﷺ صغَّر اسمها وقال
стр. 29
يا عُويْش. وذكر صاحب مسند الفردوس أَن الإِمام أَحمد في مسنده رواه من حديث أُم سلمة: قالت عائشة " (يا) رسول الله علمني دعوة أَدعو بها" فقال: "يا عُوَيْش قولي اللهم رب محمد الأُمِّي أَذهب عني غيظ قلبي وأَجرني من مضلات الفتن." واستغربه ابن الصلاح في طبقاته، وفي الصحيحين "ياعايش" على الترخيم وفي الأَول دليل على جواز التصغير كقوله: "يا أَبا عُمَيْر" تصغير تحبيب. وجعل صاحب البسيط من النحويين مثل قوله: "يا حميرا" تصغير تقريب ما يتوهم أَنه بعيد، كقولهم بُعَيْدَ الْعَصْر وقُبيْلَ الفجر. قال: لأَن المراد بها البيضاءَ فكأَنها غير كاملة البياض، قال: وكذلك قوله: "كُنيْف ملئَ علمًا" اهـ.
وقال أَبو القاسم الثمانيني في شرح اللمع: "قول عمر ﵁ في ابن مسعود: "كنيف ملئَ علمًا" قالوا إنه أَراد بهذا التحقير تعظيمه، كما قالوا في داهية: دويهية وخُوَيخِيَة (١) " قال: والصحيح أَن ابن مسعود كان صغير الجسم قصيرًا فقال: (كُنَيْف) مصغرة ليدل على تصغير جسمه لأَن كنيْفًا تكبيره كِنْف وهو شيءُ يكون فيه أَداة الراعي فأَراد أَنه حافظ لما فيه" اهـ.
وأُمها أُم رومان بفتح الراء وضمها بنت عامر بن عوَيمِر بن عبد شمس بن كنانة. روى البخاري لأُم رومان حديثًا واحدًا من حديث الإِفك من رواية مسروق عنها ولم يلقها وقيل: "عن مسروق حدثتني أُم رومان" وهو وهم. ونقل النووي أَن ابن إسحاق سماها في السيرة زينب. وفي
стр. 30
(الروض للسهيلي): "اسمها دعدة" وذكر محمد بن سعد وغيره: أَن أُم رومان ماتت في حياة رسول الله ﷺ في سنة ست من الهجرة ونزل رسول الله ﷺ في قبرها" وهذا يقوي الإِشكال في إِخراج البخاري رواية مسروق عنها. لكن أَنكر قوم موتها في حياة رسول الله ﷺ منهم أَبو نعيم الأَصفهاني، ولا عمدة لمن أَنكره إلا رواية مسروق وقال الخطيب: لم يسمع مسروق من أُم رومان شيئًا. والعجب كيف خفي ذلك على البخاري وقد فطن مسلم له.
تزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث بعد موت خديجة وقبل سودة بنت زمعة، وقيل: "بعدها" وهذا هو الأَشهر. والأَول حكاه ابن عبد البر عن غير واحد ويشهد له ما أَخرجه مسلم في صحيحه من حديث هشام عن أَبيه عن عائشة أَنها قالت: "ما رأَيت امرأَة أَحب إلي أَن أَكون في مسلاخها (١) من سودة بنت زمعة. . الحديث". وقالت في آخره في بعض طرقه: "وكانت أَول امرأَة تزوجها بعدي".
وتزوجها وهي بنت ست أَو سبع، والأَول أَصح. وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع في شوال منصرفه ﷺ من بدر في السنة الثانية من مقدمه. وقال الواقدي: "في الأُولى" وصححه الدمياطي. وأَما ابن دحية فوهاه الواقدي.
وأَقامت في صحبته ثمانية أَعوام وخمسة أَشهر وتوفي عليه الصلاة
стр. 31
والسلام وهي ابنة ثماني عشرة (١) سنة، وعاشت خمسًا وستين وولدت سنة أَربع من النبوة، وتوفيت بالمدينة زمن معاوية ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين، وأَوصت أَن يصلي عليها أَبو هريرة. وذكر الواقدي: "أَنها ماتت بعد الوتر وأَمرت أَن تدفن من ليلتها فاجتمع الأَنصار وحضروا فلم نر ليلة أَكثر ناسًا منها، نزل أَهل العوالي فدفنت بالبقيع" قال الواقدي: "فحدثني ابن جريج عن نافع قال: شهدت أَبا هريرة صلى على عائشة بالبقيع وابن عمر في الناس لا ينكره. وكان مروان اعتمر في تلك السنة واستخلف أَبا هريرة".
رُوي لها عن النبي ﷺ أَلفا حديث ومائتا حديث وعشرة أَحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأَربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأَربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين.
روى عنها خلق من الصحابة والتابعين من متأَخريهم: مسروق والأَسود وسعيد بن المسيب وعروة ابن أُختها والقاسم ابن أَخيها وأَبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي ومجاهد وعطاء وعكرمة وعمرة بنت عبد الرحمن ونافع مولى ابن عمر وآخرون (٢).
стр. 32
وكان مسروق إِذا حدث عنها قال: "حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرَّأَة من السماء" وروي بسند حسن عن علي - رضي
стр. 33
الله عنه -: أَنه ذكر عائشة فقال: "خليلة رسول الله ﷺ " وكذلك قال عمار بن ياسر لرجل نال منها: "اعزب مقبوحًا منبوحًا أُتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ ".
ومن مواليها ﵂ -:
١ - (بريرة): وهي التي كان فيها ثلاث سنن وحديثها مشهور في الصحيح روت عن النبي ﷺ : "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أَن ينظر إِليها على محجمة من دم يريقه من مسلم" يعني بغير حق. روته لعبد الملك بن مروان، رواه عنها زيد بن واقد: وهو من ثقات الشاميين لقي واثلة بن الأَسقع.
٢ - ومنهن: (سايبة): روى عنها نافع مولى ابن عمر عن سايبة: "أَن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الحيات التي في البيوت إلا ذا الطُفْيَتَين (١) والأَبتر فإِنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء". رواه مالك
стр. 34
في الموطَّأْ عن نافع به. وقد وصله ثقات من أَصحاب نافع عن سايبة عن عائشة.
٣ - ومنهن: (مرجانة) وهي أُم علقمة بن أَبي علقمة أَحد شيوخ مالك.
٤ - ومنهم: (أَبو يونس) روى عنه القعقاع بن حكيم، أَخرج مالك عن زيد بن أَسلم عن القعقاع بن حكيم عن أَبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين أَنه قال: "أَمرتني عائشة أَن أَكتب لها مصحفًا ثم قالت: "إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها قالت: "وصلاة العصر، سمعتها من رسول الله ﷺ ".
٥ - ومنهم (أَبو عمرو) (١) كما رواه الشافعي في مسنده عن عبد الله بن أَبي مليكة: "أَنه كان يأَتي عائشة بأَعلى الوادي هو وعبيد بن عمير، والمسور بن مخرمة وناس كثير فيعرفهم أَبو عمرو مولى عائشة وهو غلامها يومئذ لم يعتق" وفي رواية لابن أَبي شيبة في مصنفه: "أَنها كانت دبَّرته" (٢) وقوله بأَعلى الوادي: يريد وادي مكة كانوا
стр. 35
يأْتونها للزيارة والاستفتاء وذلك عندما تحج. ولما خرجت إلى مكة مغاضبة لعثمان في السنة التي قتل فيها، قاله ابن الأَثير في شرح المسند (١).
ولها خصائص كثيرة لم يشركها أَحد من أَزواجه فيها.
стр. 36
[الفصل ٢ - في خصائصها الأربعين]
الأَولى: أَنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، فإن قلت: "كيف حث على نكاح الأَبكار وتزوج من الثيَّاب أَكثر؟ " فيه أَربعة أَجوبة: قلت: تقليلًا للاستلذاذ لأَن الأَبكار أَعذب أَفواهًا، ولذلك قال: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، وتكثيرًا لتوسعة الأَحكام إِذ هنَّ بالفهم والتبليغ أَعلق، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قدمن (١) في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٢)، أَو للإِشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وحدها دونهن لئلا تشارك (٣) فيها، فكأَنها في كفة وهنَّ في كفة أُخرى.
الثانية: - أَنها خيّرت واختارت الله ورسوله على الفور، وكن تبعًا لها في ذلك.
стр. 37
(الثالثة): - أَنها حيث خيرت كان خيارها على التراخي بلا خلاف، وأَما الخلاف في أَن جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أَم لا؟ ففي غيرها. هكذا قاله القاضي أَبو الطيب الطبري في تعليقه، فإِنه حكى الخلاف وصحح الفورية ثم قال: "والخلاف في التخيير المطلق فأَما إِذا قال لها: "اختاري أَي وقت شئت، كان على التراخي بالإجماع". قال: وعائشة من هذا القبيل لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلي حتى تستأْمري أَبويك" اهـ.
وهو تقييد مرتبط به إِطلاق (الشرح) و (الروضة)، ولم يقف ابن الرفعة على هذا النقل فقال في شرح الوسيط: "وفي طرد ذلك في بقية أَزواجه ﷺ كلهن نظر، من جهة أَن المهل في التخيير إِنما قيل لعائشة فقط، وسببه والله أَعلم أَنها كانت أَحدث نسائه سنًا وأَحب نسائه إِليه فكان قوله لها: "لا تبادريني بالجواب" خوفًا من أَن تبتدره باختيار الدنيا. ومغبته أَلا يطرد الحكم في غيرها لاسيما إذا نظرنا إلى ما جاء في الصحيح من تخصيص ذلك بها كان ذلك ينزل منزلة ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه "اختاري متى شئت" وقال لأُخرى: "اختاري" فإِن خيار الأُولى يكون على التراخي والأُخرى على الفور.
(الرابعة): - نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير "ما هي بأَول بركتكم يا آل أَبي بكر".
стр. 38
(الخامسة): - نزول براءَتها من السماء بما نسبه إليها أَهل الإِفك في ست عشرة (١) آية متوالية، وشهد الله لها بأَنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولشأْني في نفسي كان أَحقر من أَن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" قال الزمخشري: "ولو فلَّيت القرآن وفتشت عما أُوعِد به العصاة، لم تر الله قد غلَّظ في شيء تغليظه في إِفك عائشة. وعن ابن عباس أَنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سئل عن هذه الآيات: "من أَذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته، إِلا مَن خاض في إِفك عائشة" ثم قال: "برأَ الله تعالى أَربعة بأَربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحجر، ومريم بإِنطاق ولدها: "إني عبد الله" وبرأَ عائشة بهذه الآيات العظيمة. فإِن قلت: فإِن كانت عائشة هي المرادة فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أَحدهما أَن المراد أَزواج النبي ﷺ ليكون (٢) الحكم شاملًا للكل. والثاني أَنها أُم المؤمنين فجُمعت إرِادة لها ولبناتها من نساء الأُمة.
(السادسة): - جعله قرآنًا يتلى إِلى يوم القيامة.
(السابعة) (٣): - شرع جلد القاذف وصار باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أَبواب الشريعة وكان سببه قصتها ﵂، فإِنه ما نزل بها
стр. 39
أَمر تكرهه إِلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا كما سبق نظيره في التيمم.
تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإِفك في صحيح البخاري:
أَحدهما قول علي ﵁: "وسل الجارية تصدقك" قال: فدعا رسول الله ﷺ بريرة. ." وبريرة إنما اشترتها عائشة وأَعتقتها بعد ذلك. ويدل عليه أَنها لما أُعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءَها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته. فقال لها: ﷺ "لو راجعتيه" فقالت: "أَتأْمرني؟ " فقال: "إِنما أَنا شافع". فقال النبي ﷺ : "يا عباس أَلا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إِنما قدم المدينة بعد الفتح. والمخلص من هذا الإِشكال: أَن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًا منه أَنها هي. وهذا كثير [اً] ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أَنه من الحديث وهو نوع غامض لا ينتبه له إِلا الحذاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره من حديث يونس بن أَبي إِسحاق عن أَبي بكر بن أَبي موسى عن أَبيه قال: "خرج أَبو طالب إِلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أَشياخ من قريش (فذكر الراهب وقال في آخرها:) فرده أَبو طالب، وبعث معه أَبو بكر بلالًا وزودَّه الراهب من الكعك والزبيب". فهذا من الأَوهام الظاهرة لأَن بلالًا إنما اشتراه أَبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ ، وبعد أَن أَسلم بلال وعذبه
стр. 40
قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أَبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (١) سنة وشهران وأَيام. ولعل بلالًا لم يكن بعد ولد. ولما خرج المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع أَبي طالب إنما كان مع ميسرة.
الثاني: ما ذكره من تحاور سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وقصة الإِفك كانت بعد الخندق عند البخاري وجماعة. قال البخاري في صحيحه: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أَربع" واحتج البخاري لهذا القول بحديث ابن عمر: "عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأَنا ابن أَربع عشرة فردني، ثم عرضت عليه الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأَجازني".
وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أَن الخندق سنة أَربع. ثم قال في الصحيح: "إنها غزوة المريْسيع" قال ابن إِسحاق: "سنة ست" وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان الإِفك في غزوة المريسيع" وأَما موسى بن عقبة فقال: سنة أَربع. ولا ريب أَن قصة الإِفك كانت بعد نزول آية الحجاب، والحجاب نزل في شأْن زينب بنت جحش أُم المؤمنين، وهي في قصة الإِفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة، ونكاح زينب ﵂ كان في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد. وقال قتادة والواقدي: "تزوجها في سنة خمس من الهجرة" وبه قال غيرهم من علماءِ أَهل المدينة. فدلّ (٢) تأَخر