[الفصل ٢ - في خصائصها الأربعين]
الأَولى: أَنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، فإن قلت: "كيف حث على نكاح الأَبكار وتزوج من الثيَّاب أَكثر؟ " فيه أَربعة أَجوبة: قلت: تقليلًا للاستلذاذ لأَن الأَبكار أَعذب أَفواهًا، ولذلك قال: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، وتكثيرًا لتوسعة الأَحكام إِذ هنَّ بالفهم والتبليغ أَعلق، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قدمن (١) في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٢)، أَو للإِشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وحدها دونهن لئلا تشارك (٣) فيها، فكأَنها في كفة وهنَّ في كفة أُخرى.
الثانية: - أَنها خيّرت واختارت الله ورسوله على الفور، وكن تبعًا لها في ذلك.
стр. 37
(الثالثة): - أَنها حيث خيرت كان خيارها على التراخي بلا خلاف، وأَما الخلاف في أَن جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أَم لا؟ ففي غيرها. هكذا قاله القاضي أَبو الطيب الطبري في تعليقه، فإِنه حكى الخلاف وصحح الفورية ثم قال: "والخلاف في التخيير المطلق فأَما إِذا قال لها: "اختاري أَي وقت شئت، كان على التراخي بالإجماع". قال: وعائشة من هذا القبيل لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلي حتى تستأْمري أَبويك" اهـ.
وهو تقييد مرتبط به إِطلاق (الشرح) و (الروضة)، ولم يقف ابن الرفعة على هذا النقل فقال في شرح الوسيط: "وفي طرد ذلك في بقية أَزواجه ﷺ كلهن نظر، من جهة أَن المهل في التخيير إِنما قيل لعائشة فقط، وسببه والله أَعلم أَنها كانت أَحدث نسائه سنًا وأَحب نسائه إِليه فكان قوله لها: "لا تبادريني بالجواب" خوفًا من أَن تبتدره باختيار الدنيا. ومغبته أَلا يطرد الحكم في غيرها لاسيما إذا نظرنا إلى ما جاء في الصحيح من تخصيص ذلك بها كان ذلك ينزل منزلة ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه "اختاري متى شئت" وقال لأُخرى: "اختاري" فإِن خيار الأُولى يكون على التراخي والأُخرى على الفور.
(الرابعة): - نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير "ما هي بأَول بركتكم يا آل أَبي بكر".
стр. 38
(الخامسة): - نزول براءَتها من السماء بما نسبه إليها أَهل الإِفك في ست عشرة (١) آية متوالية، وشهد الله لها بأَنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولشأْني في نفسي كان أَحقر من أَن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" قال الزمخشري: "ولو فلَّيت القرآن وفتشت عما أُوعِد به العصاة، لم تر الله قد غلَّظ في شيء تغليظه في إِفك عائشة. وعن ابن عباس أَنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سئل عن هذه الآيات: "من أَذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته، إِلا مَن خاض في إِفك عائشة" ثم قال: "برأَ الله تعالى أَربعة بأَربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحجر، ومريم بإِنطاق ولدها: "إني عبد الله" وبرأَ عائشة بهذه الآيات العظيمة. فإِن قلت: فإِن كانت عائشة هي المرادة فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أَحدهما أَن المراد أَزواج النبي ﷺ ليكون (٢) الحكم شاملًا للكل. والثاني أَنها أُم المؤمنين فجُمعت إرِادة لها ولبناتها من نساء الأُمة.
(السادسة): - جعله قرآنًا يتلى إِلى يوم القيامة.
(السابعة) (٣): - شرع جلد القاذف وصار باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أَبواب الشريعة وكان سببه قصتها ﵂، فإِنه ما نزل بها
стр. 39
أَمر تكرهه إِلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا كما سبق نظيره في التيمم.
تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإِفك في صحيح البخاري:
أَحدهما قول علي ﵁: "وسل الجارية تصدقك" قال: فدعا رسول الله ﷺ بريرة. ." وبريرة إنما اشترتها عائشة وأَعتقتها بعد ذلك. ويدل عليه أَنها لما أُعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءَها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته. فقال لها: ﷺ "لو راجعتيه" فقالت: "أَتأْمرني؟ " فقال: "إِنما أَنا شافع". فقال النبي ﷺ : "يا عباس أَلا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إِنما قدم المدينة بعد الفتح. والمخلص من هذا الإِشكال: أَن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًا منه أَنها هي. وهذا كثير [اً] ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أَنه من الحديث وهو نوع غامض لا ينتبه له إِلا الحذاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره من حديث يونس بن أَبي إِسحاق عن أَبي بكر بن أَبي موسى عن أَبيه قال: "خرج أَبو طالب إِلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أَشياخ من قريش (فذكر الراهب وقال في آخرها:) فرده أَبو طالب، وبعث معه أَبو بكر بلالًا وزودَّه الراهب من الكعك والزبيب". فهذا من الأَوهام الظاهرة لأَن بلالًا إنما اشتراه أَبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ ، وبعد أَن أَسلم بلال وعذبه
стр. 40
قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أَبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (١) سنة وشهران وأَيام. ولعل بلالًا لم يكن بعد ولد. ولما خرج المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع أَبي طالب إنما كان مع ميسرة.
الثاني: ما ذكره من تحاور سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وقصة الإِفك كانت بعد الخندق عند البخاري وجماعة. قال البخاري في صحيحه: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أَربع" واحتج البخاري لهذا القول بحديث ابن عمر: "عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأَنا ابن أَربع عشرة فردني، ثم عرضت عليه الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأَجازني".
وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أَن الخندق سنة أَربع. ثم قال في الصحيح: "إنها غزوة المريْسيع" قال ابن إِسحاق: "سنة ست" وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان الإِفك في غزوة المريسيع" وأَما موسى بن عقبة فقال: سنة أَربع. ولا ريب أَن قصة الإِفك كانت بعد نزول آية الحجاب، والحجاب نزل في شأْن زينب بنت جحش أُم المؤمنين، وهي في قصة الإِفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة، ونكاح زينب ﵂ كان في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد. وقال قتادة والواقدي: "تزوجها في سنة خمس من الهجرة" وبه قال غيرهم من علماءِ أَهل المدينة. فدلّ (٢) تأَخر
стр. 41
آية الحجاب على أَنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أَن سعد بن معاذ توفي عقب الخندق وعقب حكمه في بني قريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غزاة. ولهذا يعدل البخاري في أَكثر رواياته لحديث الإِفك عن نسبة سعد إلى أَبيه فيقول: "فقام سعد أَخو بني عبد الأَشهل". وهذه روايته في المغازي، وقال: "سنة أَربع" فالظاهر أَنها على قوله قبل الخندق، لأَن الخندق كانت في آخر السنة في شوال واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أَن يكون المراد على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ.
وقد تقدم وهم آخر: وهو رواية مسروق عن أُم رومان. وأَجاب القاضي أَبو بكر بن العربي عن هذا: بأَنه جاءَ في طريق: حدثتني أُم رومان، وفي أُخرى: عن مسروق عن أُم رومان معنعنًا. قال ﵀: "والعنعنة أَصح فيه، وإذا كان الحديث معنعنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في حدثني، لأَن للراوي أَن يقول: عن فلان وإِن لم يدركه". حكاه عن الشافعي.
فهذه ثلاثة أَوهام ادُّعيتْ في حديث الإِفك: وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإِقدام على التوهيم إِلا بأَمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفع الكل.
(الثامنة): لم ينزل بها أَمر إِلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة.
(التاسعة): أَن جبريل أَتى بها النبي ﷺ في سرَقة (١) من حرير
стр. 42
فقال: "هذه زوجتك" فقلت: "إن يكن من عند الله يُمْضه" وقد أدخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها. قال بعضهم: "وهو استدلال صحيح، لأن فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ وقد كشف عن وجهها.
وفي رواية الترمذي: "في خرقة حرير خضراء" وقال: حسن غريب. وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر." ذكره الخطيب في تاريخ بغداد من رواية أبي هريرة. وأما قوله ﷺ "إن يكن من عند الله يمضه" فقال السهيلي: ليس بشك لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولكن لما كانت الرؤيا تارة تكون على ظاهرها وتارة تزهو (١) نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشك من هاهنا. ويبقى سؤال: لماذا أتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا" لأنها للمحقق و "إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله. وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقدي: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتت خديجة حزن عليها النبي ﷺ فأتاه [جبريل] (٢) بعائشة في مهد فقال: "هذه تذهب ببعض حزنك وإن فيها لخلفًا من خديجة" الحديث اهـ. فيحتمل أنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال ويشهد له رواية البخاري مرتين
стр. 43
(العاشرة): أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: " يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أبوها".
أخرجه الشيخان وصححه الترمذي
(الحادية عشرة): وجوب محبتها على كل أحد ففي الصحيح:
لما جاءت فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ قال لها: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت "بلى" قال: "فأحبي هذه". يعني عائشة، وهذا الأمر ظاهر الوجوب. وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" وقوله لما حاضت صفية: "عقرى حلقى (١) أحابستنا هي؟ " وفرق عظيم بين المقامين. ولعل من جملة أسباب المحبة كثرة ما بلغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات كما قيل بمثل ذلك في قوله: "وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساء".
(الثانية عشرة): أن من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي في الكافي، من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قذف عائشة بالزنى صار كافرًا بخلاف غيرها من الزوجات لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ.
وعند مالك: "أن من سبها قتل" قال أَبو الخطاب بن دحية
стр. 44
في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتاب الله، فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه. قال تعالى: "وقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ" والله تعالى ذكر عائشة فقال: "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بهتان عظيم" فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما سبح نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب.
(الثالثة عشرة): من أنكر كون أبيها أبي بكر الصديق رضي الله الله عنه صحابيًا كان كافرًا، نص عليه الشافعي فإن الله تعالى يقول: "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" ذكره صاحب الكافي. ومقتضاه: أنه لا يجري ذلك في إنكار [صحبة] غيره، وليس كذلك. نعم: يدرك تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب [النصوص] وصحبة غيره التواتر (١).
(الرابعة عشرة): أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ . أخرجه الشيخان.
(الخامسة عشرة): أن سودة وهبت يومًا لها بخصوصها.
стр. 45
(السادسة عشرة): اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها. قال أبو الوفا عقيل ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق".
(السابعة عشرة): وفاته ﷺ بين سحرها ونحرها قال الصاغاني: "السَحْر بفتح السين وضمها ما تعلق بالحلقوم وبالمري من أعلى البطن من الرئة وغيرها" وعن الفراء فيه: "سَحَر بالتحريك" وكان عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقول: "إنما هو بين شجري" بشين معجمة وجيم، فسئل عن ذلك، فشبك بين أصابعه وقدمها عن صدره كأنه يضم شيئًا، يريد أنه ﵇ قبض وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها وخالفت بين أصابعها. وكأنه عنده مأخوذ من قولهم اشتجرت الرماح إذا اشتبكت بعضها ببعض.
(الثامنة عشرة): وفاته ﷺ في يومها
(التاسعة عشرة): دفنه في بيتها ببقعة هي أفضل بقاع الأرض بإجماع الأمة؟
(العشرون): أنها رأت جبريل ﷺ في صورة دحية الكلبي وسلم عليها. ثبت في الصحيحين، زاد الحاكم في مستدركه عن مسروق عنها: "قلت: يا رسول الله من هذا؟ قال: يمن شبهته؟ قلت: بدحية. قال: لقد رأيتِ جبريل" وفي رواية له عن عبد الله بن صفوان عنها: "ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري".
стр. 46
فأخرج من جهة مالك بن سُعَيْر عن إسماعيل بن أبي خالد أنا عبد الرحمن بن الضحاك: أن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخر معه، فقالت عائشة لأحدهما: " أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ فقال": "نعم يا أم المؤمنين" فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما ذاك يا أم المؤمنين"؟ قالت: " خلال تسع لم تك لاحد النساء قبلي إلا ما آتى الله مريم بنت عمران، والله ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي." فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما هن يا أم المؤمنين؟ " قالت: "جاء الملك بصورتي إلى رسول الله ﷺ ، وتزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي ولم يله أحد غير الملك وأنا". وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ.
ومالك بن سعير من رجال مسلم وقال أبو حاتم: "صدوق" وضعفه أبو داوود وهذه الزيادة فيها نظر لما في كتاب مسلم: أن أم سلمة رأته في صورة دحية أيضًا. قال أبو الفرج: "وإنما سلم عليها ولم يواجهها لحرمة زوجها، وواجه مريم لأنه لم يكن لها بعل؛ فمن نزهت لحرمة بعلها عن خطاب جبريل كيف يسلط عليها أكف أهل الخطايا؟ "
"متمم العشرين": اجتماع ريق رسول الله ﷺ وريقها في آخر أنفاسه. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
стр. 47
(الحادية والعشرون): لم ينزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها. أخرجه البخاري في المناقب ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك بلفظ: "ما نزل الوحي علي وأنا في بيت امرأة من نسائي غير عائشة" وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". والأول أصح فقد كان ينزل عليه في بيت خديجة.
(الثانية والعشرون): كانت أكثرهن علمًا. قال الزهري: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل" وقال عطاء: "كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة" وذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر. "وقال أبو بكر البزار في مسنده: "حدثنا عمرو بن علي ثنا خلاد بن يزيد ثنا محمد بن عبد الرحمن أبو غرازة زوج خيرة (١) قال حدثني عروة بن الزبير قال: "قلت لعائشة: إني لأتفكر في أمرك فأعجب: أجدك من أفقه الناس فقلت ما يمنعها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، وأجدك عالمة بأيام العرب وأنسابها وأشعارها فقلت وما يمنعها وأبوها علامة قريش؟ ولكن إنما أعجب أن أن وجدتك عالمة بالطب فمن أين؟ " فأخذت بيدي وقالت: "يا عرية
стр. 48
إن رسول الله ﷺ كثر من أسقامه فكان أطباء العرب والعجم ينعتون له فتعلمت ذلك". قال: "وهذا الحديث لا نعلمه مرويًا (١) عن عائشة إلا بهذا الإسناد". اهـ. ومحمد بن عبد الرحمن مختلف فيه، لكن رواه أبو نعيم في الحلية عنه من جهة أحمد بن حنبل: ثنا عبد الله بن معاوية الزبيري ثنا هشام بن عروة عن أبيه به. ورد في الحاكم نحوه من جهة إسرائيل عن هشام وقال "صحيح الإسناد" قال الذهبي في مختصره "على شرط الشيخين".
(الثالثة والعشرون): كانت أفصحهن لسانًا. عن موسى بن طلحة قال: "ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة" أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح غريب". وروى محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس قال: "سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والخلفاء كلهم هلم جرا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة"، أخرجه الحاكم في مستدركه. وساق أبو الفرج في التبصرة لها كلامًا طويلا موشحًا بغرائب اللغة والفصاحة. وقال صاحب زهر الآداب: "لما توفي الصديق ﵁ وقفت عائشة على قبره فقالت:
"نضر الله وجهك يا أبت وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلًا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله ﷺ رزؤُك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله
стр. 49
ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله فيك بالصبر، وأستقضيه بالاستغفار لك. أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين لما وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك".
(الرابعة والعشرون): أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. قال أَبو موسى الأشعري: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا" أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح" وقال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرايض".
(الخامسة والعشرون): جاءَ في حقها: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء" وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير ﵀ عن ذلك فقال: "كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي ﵀ يقول "كل حديث فيه ذكر الحميراء باطل إلا حديثًا (١) في الصوم في سنن النسائي." قلت: وحديث آخر في النسائي أيضًا عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: "يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم "الحديث، وإسناده صحيح. وروى الحاكم في مستدركه حديث: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: "انظري يا حميراء ألا تكوني أنت" ثم التفت إلى علي فقال:
стр. 50
"إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها" وقال: صحيح الإسناد (١)
وذكرها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة. ولما ذكر ابن حزم أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدم عائشة على سائر الصحابة. وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب (إيضاح ما لا يسع المحدث جهله" (٢): "اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفًا (٣) وتسعين حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير (٤).
قال الحاكم أبو عبد الله: "فحمل عنها ربع الشريع". قال أبو حفص: "وروينا بسندنا عن بقي بن مخلد ﵁: "أَن عائشة روت ألفين ومائتي (٥) حديث وعشرة أحاديث، والذين رووا الألوف عن رسول الله ﷺ أربعة: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعائشة ﵃. اهـ.
(السادسة والعشرون): لم ينكح النبي ﷺ امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف، سواها.
стр. 51
(السابعة والعشرون): أن أباها وجدها صحابيان، وشاركها في ذلك جماعة قليلون. قال موسى بن عقبة: "لا نعرف أربعة أدركوا النبي ﷺ هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة. فذكر أبا بكر الصديق وأباه وابنه عبد الرحمن وابنه محمدًا أبا عتيق" حكاه عنه ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه، وكذا صاحب مسند الفردوس وقال: "ولا نعلم من العشرة أحدًا أسلم أبوه على يدي رسول الله ﷺ إلا أبا بكر" قلت: "وقد أفرد ابن مندة جزءًا فيمن روى عن النبي ﷺ هو وولده وولد ولده واشتركوا في رؤيته وصحبته والسماع منه، وبدأ بوالد الصديق أبي قحافة وروى له حديثًا، ثم بالصديق، ثم بولده عبد الرحمن. ومنهم حارثة بن شراحيل وابنه زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ .
وروى أبو القاسم البغوي في معجمه من جهة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ "إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص .. الحديث" ثم قال: لا أعلم لعبد الله بن أبي بكر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وفي إسناده ضعف وإرسال. وقال الدارقطني: ثنا عبد الله بن أبي بكر فأسند عنه حديثًا (١) في إسناده نظر، يرويه عثمان بن الهيثم المؤذن عن رجال ضعفاء. قال المنذري: "وقد وقع لنا من حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ حديثان آخران
стр. 52
غير هذا الحديث، أحدهما: "أَن رسول الله ﷺ فرق بين جارية بكر وزوجها، زوجها أبوها وهي كارهة .. الحديث" الثاني: "أن النبي ﷺ قال: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله".
وهذان الحديثان يرويهما عنه المهاجر بن عكرمة المخزومي. وعندي في سماع المهاجر هذا من عبد الله بن أبي بكر نظر: فإن عبد الله قديم الوفاة فإنه توفي في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، وقيل: سنة اثنتي عشرة، والأول أشهر. وكانت وفاته بالمدينة ونزل حفرته عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃.
(الثامنة والعشرون): كان أبوها أحب الرجال إليه وأعزهم عليه.
(التاسعة والعشرون): أن أباها أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ .
وقد سئل عن ذلك مالك فقال: "وهل في ذلك شك؟ " وقد صح عن علي بن أبي طالب ذلك أيضًا. أخرجه أبو ذر في كتاب السنة له. وأخرج البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية قال: " قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ " قال: "أبو بكر" قلت: "ثم من؟ " قال: "عمر" وخشيت أن يقول: عثمان؛ قلت: "ثم أنت" قال: "ما أنا إلا رجل من المسلمين" وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان، وذهب قوم إلى تساويهما في الفضيلة، وحكي عن مالك ويحيى بن سعيد القطان. وأما ما ذكره ابن عبد البر في كتاب الصحابة: "أن السلف اختلفوا
стр. 53
في تفضيل أبي بكر وعلي" فقد غُلِّطَ في ذلك ووهِّم، لا سيما (١) وثبت بأن من كان يعتقد ذلك من السلف أبو سعيد الخدري وهذا بعيد. وقد أخرج البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: "كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم". وقد أنكر ابن عبد البر صحة هذا الخبر وقال: إنه غلط لوجهين أحدهما: أنه حكى عن هارون بن إسحاق قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة". فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ. وهذا عجيب لأن ابن معين إنما أنكر على رأي قوم لا على نقلهم. وهؤلاء القوم العثمانية المغلون في عثمان وذم علي. ومن قال ذلك واقتصر على عثمان فلا شك أنه مذموم. وليس في الخبر ما يدل على أن عليًا ليس بخير الناس بعدهم.
الثاني: أنه خلاف قول أهل السنة: إن عليًا أفضل الناس بعد عثمان هذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان؛ قال: واختلف السلف أيضًا في تفضيل علي وأبي بكر. وفي إجماع الجماعة التي ذكرنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط اهـ. وهذا أعجب من الأول فإن الحديث صحيح أورده الأئمة البخاري فمن دونه في كتبهم الصحاح. والحامل له
стр. 54
على ذلك اعتقاده أن حديث ابن عمر يقتضي أن عليًا ليس بأفضل الناس بعد عثمان، وليس كذلك بل هو مسكوت عنه.
(الثلاثون): كان لها يومان وليلتان في القسم دونهن لما وهبتها (١) سودة يومها وليلتها.
(الحادية والثلاثون): أَنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها.
(الثانية والثلاثون): لم يرو عن النبي ﷺ امرأة أكثر منها. ونقل الماوردي في الأقضية من الحاوي عن أبي حنيفة: أنه لا ينقل من أحاديث النساء إلا ماروته عائشة وأم سلمة. وهو غريب.
(الثالثة والثلاثون): كان يتبع رضاها كلعبها باللعب ووقوفه في وجهها لتنظر إلى الحبشة يلعبون، واستنبط العلماء من ذلك أحكامًا كثيرة. فما أعظم بركتها.
(الرابعة والثلاثون): أنها أفضل امرأة مات عنها رسول الله ﷺ بلا خلاف. واختلفوا في التفضيل بينها وبين خديجة على وجهين: حكاهما المتولي في التتمة. وقال الآمدي في أبكار الافكار: مذهب أهل السنة أن عائشة أفضل نساء العالمين: وقالت الشيعة: "أفضل زوجاته خديجة وأفضل نساء العالمين فاطمة ومريم وآسية." اهـ.
ومنهم من توقف في ذلك وهو ما مال إليه (٢)؟ الطبري في تعليقه في
стр. 55
الأصول. واحتج من فضَّل خديجة بأنها أول الناس إسلامًا كما نقل الثعلبي الإجماع عليه، وبأن لها تأثيرًا في أول الإسلام وكانت تسلي رسول الله ﷺ وتبذل دونه مالها، فأدركت غرة الإسلام، واحتملت الأذى في الله ورسوله، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من ذلك ما ليس لغيرها. قال أبو بكر بن داوود: "ولأن عائشة أقرأها رسول الله ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد فهي أفضل".
واحتج من فضل عائشة بأن تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ماليس لغيرها" قال السهيلي: "وأصح ماروي في فضلها على النساء حديث "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "يعني كما أخرجه الشيخان من حديث أنس قال: "وأراد بالثريد اللحم". كذلك رواه معمر في جامعه مفسرا عن قتادة - وأبان يرفعه - فقال فيه: "كفضل الثريد باللحم" ووجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال في حديث آخر: "سيد أدم الدنيا والآخرة اللحم" مع أن الثريد إذا أطلق لفظه فهو ثريد اللحم، أنشد سيبويه:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك أمانة الله الثريد
قال: "ولولا قوله في خديجة: "والله ما أبدلني الله خيرا منها" لقلنا بتفضيلها على خديجة وعلى نساء العالمين. اهـ. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه في سننه: حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقي
стр. 56
ثنا الحسن بن صالح، حدثني سليمان بن عطاء الجزري، حدثني مسلمة الجهني، عن عمه أبي مشجعة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" وقال ابن الجوزي في مشكله: "العرب تفضل الثريد لأنه أسهل في تناوله، ولأنه يأخذ جوهر المرق" اهـ. فلم يقف على هذا المعنى الحسن. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في طبقاته: "روينا عن الإمام أبي الطيب سهل الصعلوكي أنه قال في قول النبي ﷺ "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أراد فضل ثريد عمرو (١) الْعُلى الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبره، وبقي له ولعقبه ذكر حتى قال فيه القائل:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
ثم قال ابن الصلاح: "أبعد سهلٌ في تأويل الحديث والذي أراه: أن معناه ثريد كل طعام على باقي ذلك الطعام. وسائر بمعنى باقي .. وهو كذلك، فإن خير اللحم قد حصل فيه فهو أفضل منه" ا هـ.
وسئل ابن الحاجب في أماليه عن قوله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" هل الألف واللام لاستغراق الجنس أولا؟ فأجاب: "بأن النساء في الأول لمن عدا عائشة. وفي الثاني لمن عدا مريم وآسية" فلا دلالة فيها على تفضيل أحد القبيلين على الآخر، كقولك زيد أفضل القوم وعمرو أفضل القوم: فيه دليل على أنهما أفضل القوم ولا تفضيل لمجرد ذلك لأحدهما على الآخر.
стр. 57
فائدة:
وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أحد أئمة أصحابنا في (كتاب الأصول الخمسة عشر) كلامًا في فضل عائشة وفاطمة قال: "فكان شيخنا بو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي وابنه سهل يفضلان فاطمة على عائشة وبه قال الشافعي، وللحسين بن الفضل رسالة في ذلك" ا هـ. وهذا مما لا شك فيه وقد قال ﷺ : "فاطمة بضعة مني" ولا نعدل ببضعة من رسول الله ﷺ أحدا كما قاله ابن داوود.
فائدة:
أما زوجاته ﷺ فهن أفضل النساء لقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قالوا: "ويجب الوقف هنا ثم يبتدأ بالشرط وهو قوله ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ وجوابه ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ دون ما قبله. بل حكم الله بتفضيلهن على النساء مطلقًا من غير شرط وهو أبلغ في مدحهن وجواب الشرط ما بعده.
فإن قيل فقد روي: "كل مع صاحبه في الدرجة" فإذا كانت عائشة مع النبي ﷺ في درجته وفاطمة مع علي في درجته فتفاوت ما بينهما كتفاوت ما بين الدرجتين، قيل: قال الإمام في الشامل هذا لا يترى (١) لأنه معلوم أن عائشة لا تكون في درجتها كدرجة النبوة فإن قلت: هي في منازل الأتباع قلت هذا لا يعطي فضيلة متأصلة ولو كانت الفضيلة بهذا القدر لكان يتعدى هذا إلى كل من خدم رسول الله ﷺ وتبعه وليس الأمر كذلك
стр. 58
(الخامسة والثلاثون): أن عمر فضلها في العطاء عليهن. كما أخرجه الحاكم في مستدركه من جهة مصعب بن سعد قال: "فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف وزاد عائشة ألفين وقال: "إنها حبيبة رسول الله ﷺ " ثم أخرج عن مصعب بن سعد نحوه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإرسال مطرف بن طريف.
حاشية:
سئل الدارقطني في علله عن حديث مصعب بن سعد عن عمر أنه فرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف عشرة آلاف؟ فقال: يرويه أبو إسحاق واختلف عنه فرواه مطرف عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن عمر. وتابعه إسرائيل، ورواه الأعمش عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن عمر ولم يسم أحدا، وقول مطرف وإسرائيل صحيح.
(السادسة والثلاثون): فضل عبادتها: قال القاسم: "كانت عائشة تصوم الدهر" وقال عروة: "بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم فقسمتها لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: "أنتِ صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحمًا؟ " قالت: "لو ذكرتني لفعلت" رواه الحاكم. وعنه أيضًا قال: "وإن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترقع جانب درعها." وقد اشتمل هذا على ثلاث فضائل: فضل عبادتها وجودها وزهدها.
(السابعة والثلاثون): شدة ورعها: في صحيح مسلم: أن شريحًا لما سألها عن المسح على الخفين فقالت: "إيت عليًا فإنه أعلم بذلك مني"
стр. 59
[و] ذكر أهل المغازي منهم سعيد بن يحيى بن سعيد الأُموي: أن عائشة ﵂. لما دفن عمر بن الخطاب في حجرتها صارت تحتجب من القبر فرضي الله عنها وأسند الحاكم في مستدركه [ثنا أبو أسامة] عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: " [كنت] أدخل البيت الذي دفن معهما عمر، والله ما دخلت إلا وأنا مشدود عليَّ ثيابي حياءً من عمر" وقال [صحيح] على شرط الشيخين [ولم يخرجاه] (١).
قال شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير: ووجه هذا ما قاله شيخنا الإمام أبو حجاج المزي: "أن الشهداء كالأحياء في قبورهم وهذه أرفع درجة فيهم".
قال شيخنا وأيضًا فإن حجابهن كثيف غليظ ﵅. فإن قيل: فقد روى الترمذي عنها ﵂ قالت: "قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا"، قال بعض الرواة (يعني قصيرة) فقال لها النبي ﷺ : "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قال الترمذي حسن صحيح أي (٢) يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها؛ فالجواب إنما صدر هذا القول عن عائشة مع وفور فضلها وكمال عقلها لفرط الغيرة الغريزية التي جبلت عليها القلوب البشرية. وقد حكى القاضي عياض في الإكمال عن مالك وغيره: أن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة لا يجب عليها الحد قال: واحتج لذلك بقوله ﷺ : "وما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله".
стр. 60
وقد روى البخاري في مناقب عمر أنه أرسل في مرض موته ابنه عبد الله إلى عائشة: "أن عمر يقرئك السلام ويستأذنك أن يدفن مع صاحبيه" "فقالت عائشة: "لقد كنت أردته لنفسي ولأوثرنَّه اليوم على نفسي" وقد استشكل ذلك بأن الإيثار بالقبر من خلاف شيم الصالحين كمن يؤثر بالصف الأول ويتأخر هو. وأجاب بعضهم بأن الميت ينقطع عمله بموته فلا (١) الإيثار بما بعد الموت ولا يقرب ما هو (١) إنما هذا إيثار (١) فيه بالإيثار به قربة إلى الله (١) فهمت بقرينة الحال أن الحديث المشهور أنها رأت أن (١).
(الثامنة والثلاثون): أنها سمعته يقول في يوم من الأيام فقدها: "واعروساه" فجمعها الله عليه. ذكره ابن شاهين في كتاب السنة. ووجعت يومًا فقالت: "وا رأساه" فقال النبي ﷺ : "بل أنا وا رأساه" ففيه إشارة للغاية في الموافقة، حتى تألم بألمها فكأنه أخبرها بصدق محبتها حتى واساها في الألم وفهم من (٢) له على الأمر بالصبر (٢) بي من الوجع مثل مابك فتأسِّي بي في الصبر وعدم الشكوى. والظاهر الأول. وروى الإمام أحمد في مسنده (حدثني عبد الله حدثني أبي) (٣) عن وكيع عن إسماعيل عن
стр. 61
مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة قالت (١) قال رسول الله ﷺ : "إنه ليهوِّن عليَّ أني رأيتُ بياض كف عائشة في الجنة" أخرجه الطبراني في معجمه (٢) عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "يهون علي منيَّتي أَنْ أُرِيتُ عائشة زوجتي في الجنة".
(التاسعة والثلاثون): تسابق النبي ﷺ معها. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان وفيه فائدة جليلة وهي جواز السبق من النساء خلافًا لما قاله الصيمري في الإفصاح "أنه لا يجوز السبق والرمي من النساء لأنهن لسن من أهل الحرب". وقد نقله الرافعي وابن الرفعة عنه وأقرَّاه وهو مشكل بما ذكرنا إلا أن يخصص المنع بمسابقة المرأة المرأة.
(الأربعون): أن الله تعالى اختارها لرسوله؛ قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب فتوح الفتوح: "افتخرت زينب على نساء النبي فقالت: "كلكنَّ زوجها أبوها وأنا زوجني رَبِّي" تشير إلى قوله: "زَوَّجْنَاكَها" وأنا أتوب فقال: "يا زينب لقد صدقت ولقد شاركتكِ عائشة في أن الله تعالى بعث صورتها في سرقة من حرير مع جبريل فجلاها فقال: "هذه زوجتك" - فهذا تزويج مطوي في سرّ القدر ظهر أثره يوم عقد العقد غير أن عائشة كانت من اختيار الله لرسوله - وكنت يا زينب من اختيار الرسول لنفسه".
стр. 62
الباب الثاني في استدراكاتها على أعلام الصحابة
стр. 63
الفصل ١ - رجوع الصدِّيق إلى رأيها
روي (١) البخاري عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "دخلت على أبي بكر فقال: "في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: "في ثلاثة
стр. 64
أثواب بيض سحولية (١) ليس فيها قميص ولا عمامة." وقال لها: "في أي يوم توفي رسول الله ﷺ "؟ قالت: "يوم الاثنين" قال: "فأي يوم هذا؟ " قالت: "يوم الإثنين" قال: "أرجو فيما بيني وبين الليل" ينظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع (٢) من زعفران فقال: "اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني بها "قلت: "إن هذا خلق" قال: "إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة" فلم يتوفَّ حتى أمسى ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح". ورواه عبد الرزاق.
قال: وقوله (إنما هو للمهلة): من كسر الميم فإنه أراد الصديد، ومن ضمها شبهه بعكر الزيت وهو المُهل. والرواية بكسر الميم. وقال ابن السيد في المقتبس: قوله: (إنما هو للمهلة) كذا رواه يحيى؛ والمعروف المهلة أو المهلة يعني بالفتح أو بالكسر، فإذا حذفت تاء التأنيث قلت: المهل لا غير. ورواه أبو عبيدة: إنما هو للمُهل وقال: المهل في هذا الحديث الصديد والقيح، وهو في غيره كل شيء أُذيب من جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس. والمهل عكر الزيت قال: وأكثر رواة الموطأ على الكسر.
وقال الزمخشري في الفائق: روي للمُهلة وللمَهلة والمِهلة بكسر، ثلاثتها: الصديد والقيح الذي يذوب ويسيل من الجسد ومنه قيل للنحاس الذائب: المهل.
стр. 65
قال البيهقي في شعب الإيمان - وقد روى حديث أبي قتادة "من ولي أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون فيها" (١) -: هذا إن صح لم يخالف قول الصديق ﵁، إنما هو للمهل يعني الصديد لأنه كذلك في روايتنا ويكون ما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) يتشحطون في الدماء، وهم في الغيب كما أخبر الله عنهم ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر عنهم لارتفع الإيمان بالغيب (٣).
وقد روى عنها أحاديث منها ما أخرجه الطبراني في معجمه الوسط من جهة منصور عن مجاهد عن خالد بن سعد بن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصديق عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "في الجبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام." وقال: لا يروى عن أبي بكر عن عائشة إلا بهذا الإسناد وذكر ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه: أن هذا غلط ممن رواه عن أبي بكر الصديق عن عائشة إنما هو عن أبي بكر بن أبي عتيق عن عائشة وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق اهـ. وفي التنقيح لابن الجوزي في باب من روى عن ابنه: روى أبو بكر الصديق عن ابنته عائشة حديثين وكذلك روت أم رومان عن ابنتها عائشة حديثًا (٤).
стр. 66
الفصل ٢ - استدراكها على عمر بن الخطاب ﵁
فيه أحاديث:
(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة (قال) فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما (قال) جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه: ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال ابن عباس: " قد كان عمر يقول بعض ذلك" ثم حدث قال: حدرت مع عمر من مكة حتى إذا كان بالبيداء وإذا هو بركب تحت ظل شجرة فقال: "اذهب فانظر من هؤلاء الركب" قال: فنظرت فإذا هو صُهَيب قال: فأخبرته فقال: "ادعه لي" قال: فرجعت إلى صهيب فقلت: "ارتحل فالحق أمير المؤمنين" قال: فلما أُصيب عمر جعل (١) صهيب يبكي يقول: وا أَخاه، وا صاحباه، فقال عمر: "يا صهيب
стр. 67
أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه". قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: "رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ ، وقال مسلم: "يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قال ابن أبي مليكة: "فوالله ما قال ابن عمر شيئًا." ووقع في الوسيط وشرح الوجيز للرافعي: أنها قالت:
"رحم الله عمر ما كذب؛ ولكنه أخطأ أو نسي" وهذا مردود، ولم تقل ذلك إلا لابن عمر على ما سيأتي. قال النووي في تهذيبه: "ولا شك في غلط الغزالي في هذا ولا عذر له ولا تأويل (٢). قلت: بلى له العذر في التأويل أخرج مسلم عن ابن أبي مليكة: فذكر ذلك لعائشة فقالت: أما والله ما عرفوني هذا الحديث عن كاذبين مكذبين ولكن السمع يخطئ (٣). وهل ذكره أبو منصور البغدادي في كتابه؟
стр. 68
(الحديث الثاني): قال الطحاوي في مشكل الآثار: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، ثنا أبو عبد الرحمن المصري: قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حية. قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذا كروا الغسل من الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة" فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر فأخبره بذلك فقال عمر للرجل "اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه" فذهب فجاءه به وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل فقال له عمر: أي (١) عُدي نفسه تفتي الناس بهذا؟ " فقال زيد: "أما والله ما ابتدعته ولكن سمعته من أعمامي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري الأنصاري" فقال عمر لمن عنده من أصحاب رسول الله ﷺ : "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه فقال عمر: "يا عباد الله قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار" فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه" فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل." فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا" (٢) أخرجه مسلم في الصحيح لكن لم يذكر أن عمر هو السائل بل ذكر عن
стр. 69
أبي موسى الأشعري قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء." وقال المهاجرون: "بل إذا خالط فقد وجب الغسل." فقال أبو موسى: "أنا أشفيكم من ذلك" فقمت فاستأذنت على عائشة .. الحديث نحو ما سبق وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" فقال أبو: "لا أسال عن هذا أحدا بعدك". قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندا بظاهره فإنه يدخل في المسند. ثم قال: وقد روى حديثها هذا عنها مسندًا إلى النبي ﷺ ثم ذكره إلى أبي موسى عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل."
وقد نازعه الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ فيما وجدته بخط بعض تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عمر عنه أولًا وهو قوله "إذا جاوز" هو ما ذكره. ثانيًا من قوله: "إذا التقى الختانان" فكيف يصح منه أن يقول وقد روى حديثها هذا ويشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة ولم يذكر ما لم يشترط فيه المجاوزة. فيجب أن يحمل قول عائشة "إذا جاوز" على حكاية فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قول النبي ﷺ ، بدليل قولها لما سمعت قضاء علي للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: "ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" ولا يحمل فعلها إلا على الجماع الكامل لا على مجرد التقاء الختانين لبُعد ذلك. ولعل جميع ما ذكره عن المهاجرين من الصحابة كابن عمر وعلي وغيرهم في
стр. 70
قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الختان الختان" نقلًا من كل منهم لما ذكرته عائشة حاكية عن الفعل المذكور لا عن القول. وكذلك قولها لأبي سلمة لما سألها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" وإن لم يحمل قولها على حكاية الفعل وقول الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكلية لثبوت الروايات الصحيحة عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء. اهـ. وقد تكلمت على علل هذا الحديث ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النبي ﷺ غيرها من الصحابة: في الثالث من باب الغسل من (الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز).
(الحديث الثالث): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي ثنا أبو داوود قال ثنا محمد بن أبي حميد: قال عبد الله بن عمرو بن أمية عن أبيه: "أن عن عمر أتى عليه في السوق وهو يسوم بمرطٍ فقال: "ما هذا يا عمرو؟ " قال: "مرط أشتريه فأتصدق به" فقال له عمر: "فأنت أنت إذا" ثم أتى عليه بعد فقال: "يا عمرو ما صنع المرط؟ " قال: "تصدقت به" قال: "على من؟ " قال: "على رقيقة مُزنية" قال: "أليس زعمت أنك تصدق به؟ " قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن من شيء فهو لكم صدقة". فقال عمر: "يا عمرو لا تكذب على رسول الله ﷺ " فقال: والله لا أفارقك حتى نأتي أم المؤمنين عائشة" فقال يا عمرو: " لا تكذب
стр. 71
على رسول الله ﷺ "، فاستأذنوا (١) على عائشة فقال عمرو: "أنشدكِ الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أَين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" ومحمد بن أبي حميد ضعيف.
(الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب" قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيء إلا النساء، أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله"، ثم أخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت" وقد تابعها على ذلك ابن عباس فيما أخرجه البيهقي أيضًا من جهة الثوري عن سلمة عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أو طيب هو أم لا؟ ".
(الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس
стр. 72
عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: "أقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذي الحليفة أهل وأهللنا فمر بنا راكب ينفح عنه ريح الطيب، فقال عمر: "مَن هذا؟ " قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية؟ " قال: "مررت بأم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشعث التفل" قال البزار: "لا نعلم له إسنادا عن عمر إلا هذا، وإبراهيم بن يزيد ليس بالقوي، وقد حدث عنه سفيان الثوري وجماعة كثيرة" اهـ. قلت: ورواه في الموطإِ عن نافع عن أسلم مولى عمر: أن عمر به (١) وأخرجه البيهقي في سننه عن شعيب عن الزهري قال: "وكان ابن عمر يحدث عن عمر: أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو بذي الحليفة وهم حجاج فقال عمر: "ممَّن ريح هذا الطيب؟ " قال: "مني، طيبتني أم حبيبة" فقال: "لعمري أُقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله، فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطران أحب إلي من أن أجد منه ريح الطيب". قال البيهقي: "يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغتر به الجاهل فيتوهم أن انتداء الطيب يجوز للمحرم كما قال طلحة في الثوب الممشق" ا هـ. وذكره الحازمي في ناسخه ثم قال: "ولم يبلغ عمر حديث عائشة يعني (طيبت النبي ﷺ فأصبح وإن وبيص المسك في مفارقه) قال: "ولو بلغه لرجع إليه وإذا لم يبلغه فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" اهـ. ولهذا ذكرت هذا في المستدركات وحديث عائشة
стр. 73
مقدم لا محالة لأنها نقلت النص، وعمر ﵁ إنما منع استدامة التطيب بالاستنباط من قوله ﷺ : "الحاج الشعث التفل"وسيأتي (١) إنكارها على ابن عمر مثل ذلك.
(الحديث السادس) (٢): قال البزار أيضًا حدثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر واللفظ له قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن عمر كبر على زينب بنت جحش أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ : "من يدخل هذه قبرها؟ " فقلن: "من كان يدخل عليها في حياتها" ثم قال عمر: "كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعكن بي لحوقًا أطولكن يدًا" فكن يتطاولن بأيديهن [وإنما عنى] أنها كانت صناعًا تعين بما تصنع في سبيل الله. قال البزار: "وهذا الحديث روي عن النبي ﷺ من وجوه ولا نعلم رواه عنه أَجلُّ من عمر. ورواه غير واحد عن إسماعيل عن الشعبي مرسلًا وأسنده شعبة" وقوله: ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ عائشة وأصله في العموم (٣) فلهذا ذكرناه في هذا الباب ا. هـ.
(الحديث السابع): (٤) روى مسلم عن أنس قال: "كان عمر
стр. 74
يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر" وأخرج أيضًا عن طاووس عن عائشة قالت: "وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره، وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضًا لأنه رآه عمر بن الخطاب يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه وضربه بالدرة فقال له زيد: "يا أمير المؤمنين اضرب فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما" فقال له عمر: "يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما".
(الحديث الثامن): قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا يحيى بن نصر، ثنا ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب قال: "لا يحل للمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمنديل ولا مؤمنة إلا من سقم، فإني سمعت عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة وضعت خمارها في غير بيتها فقد هتكت الحجاب فيما بينها وبين ربها" قال: وهو منقطع.
стр. 75
الفصل - ٣ استدراكها على علي بن أبي طالب ﵁
روى أبو منصور البغدادي في كفايته، ثنا الحسن بن محمد بن الحسن الخلال إجازة قال: ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: ثنا عبد الغافر بن سلامة الحمصي قال: ثنا يحيى بن عثمان بن كثير قال: ثنا محمد بن خير قال: حدثني ابن أبي مريم عن عبدة بن أبي لبابة عن محمد الخزاعي: أن أُبيّ بن كعب أتى عائشة زوج النبي ﷺ فقال لها: إن علي بن أبي طالب يقول: "ما أُبالي على ظهر حمار مسحت أم على التساخين" قالت عائشة: "ارجع إليه فقل له: إن عائشة تنشدك هل علمت ما عمل رسول الله ﷺ بعد تنزيل سورة المائدة"؟ فأتاه فسأله عن ذلك فقال: "إن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ لما نزلت سورة المائدة لم يزد على المسح على التساخين." فلما أخبره ذلك انتهي إلى قول عائشة وعمل به. اهـ. في إسناده من يجهل، والتساخين التجفاف (١) قال ثعلب: "لا واحد لها" وهذا الحديث لا يصح، فإن مسلمًا روى في صحيحه عن