على رسول الله ﷺ "، فاستأذنوا (١) على عائشة فقال عمرو: "أنشدكِ الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أَين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" ومحمد بن أبي حميد ضعيف.
(الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب" قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيء إلا النساء، أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله"، ثم أخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت" وقد تابعها على ذلك ابن عباس فيما أخرجه البيهقي أيضًا من جهة الثوري عن سلمة عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أو طيب هو أم لا؟ ".
(الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس
стр. 72
عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: "أقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذي الحليفة أهل وأهللنا فمر بنا راكب ينفح عنه ريح الطيب، فقال عمر: "مَن هذا؟ " قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية؟ " قال: "مررت بأم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشعث التفل" قال البزار: "لا نعلم له إسنادا عن عمر إلا هذا، وإبراهيم بن يزيد ليس بالقوي، وقد حدث عنه سفيان الثوري وجماعة كثيرة" اهـ. قلت: ورواه في الموطإِ عن نافع عن أسلم مولى عمر: أن عمر به (١) وأخرجه البيهقي في سننه عن شعيب عن الزهري قال: "وكان ابن عمر يحدث عن عمر: أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو بذي الحليفة وهم حجاج فقال عمر: "ممَّن ريح هذا الطيب؟ " قال: "مني، طيبتني أم حبيبة" فقال: "لعمري أُقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله، فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطران أحب إلي من أن أجد منه ريح الطيب". قال البيهقي: "يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغتر به الجاهل فيتوهم أن انتداء الطيب يجوز للمحرم كما قال طلحة في الثوب الممشق" ا هـ. وذكره الحازمي في ناسخه ثم قال: "ولم يبلغ عمر حديث عائشة يعني (طيبت النبي ﷺ فأصبح وإن وبيص المسك في مفارقه) قال: "ولو بلغه لرجع إليه وإذا لم يبلغه فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" اهـ. ولهذا ذكرت هذا في المستدركات وحديث عائشة
стр. 73
مقدم لا محالة لأنها نقلت النص، وعمر ﵁ إنما منع استدامة التطيب بالاستنباط من قوله ﷺ : "الحاج الشعث التفل"وسيأتي (١) إنكارها على ابن عمر مثل ذلك.
(الحديث السادس) (٢): قال البزار أيضًا حدثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر واللفظ له قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن عمر كبر على زينب بنت جحش أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ : "من يدخل هذه قبرها؟ " فقلن: "من كان يدخل عليها في حياتها" ثم قال عمر: "كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعكن بي لحوقًا أطولكن يدًا" فكن يتطاولن بأيديهن [وإنما عنى] أنها كانت صناعًا تعين بما تصنع في سبيل الله. قال البزار: "وهذا الحديث روي عن النبي ﷺ من وجوه ولا نعلم رواه عنه أَجلُّ من عمر. ورواه غير واحد عن إسماعيل عن الشعبي مرسلًا وأسنده شعبة" وقوله: ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ عائشة وأصله في العموم (٣) فلهذا ذكرناه في هذا الباب ا. هـ.
(الحديث السابع): (٤) روى مسلم عن أنس قال: "كان عمر
стр. 74
يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر" وأخرج أيضًا عن طاووس عن عائشة قالت: "وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره، وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضًا لأنه رآه عمر بن الخطاب يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه وضربه بالدرة فقال له زيد: "يا أمير المؤمنين اضرب فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما" فقال له عمر: "يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما".
(الحديث الثامن): قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا يحيى بن نصر، ثنا ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب قال: "لا يحل للمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمنديل ولا مؤمنة إلا من سقم، فإني سمعت عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة وضعت خمارها في غير بيتها فقد هتكت الحجاب فيما بينها وبين ربها" قال: وهو منقطع.
стр. 75
الفصل - ٣ استدراكها على علي بن أبي طالب ﵁
روى أبو منصور البغدادي في كفايته، ثنا الحسن بن محمد بن الحسن الخلال إجازة قال: ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: ثنا عبد الغافر بن سلامة الحمصي قال: ثنا يحيى بن عثمان بن كثير قال: ثنا محمد بن خير قال: حدثني ابن أبي مريم عن عبدة بن أبي لبابة عن محمد الخزاعي: أن أُبيّ بن كعب أتى عائشة زوج النبي ﷺ فقال لها: إن علي بن أبي طالب يقول: "ما أُبالي على ظهر حمار مسحت أم على التساخين" قالت عائشة: "ارجع إليه فقل له: إن عائشة تنشدك هل علمت ما عمل رسول الله ﷺ بعد تنزيل سورة المائدة"؟ فأتاه فسأله عن ذلك فقال: "إن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ لما نزلت سورة المائدة لم يزد على المسح على التساخين." فلما أخبره ذلك انتهي إلى قول عائشة وعمل به. اهـ. في إسناده من يجهل، والتساخين التجفاف (١) قال ثعلب: "لا واحد لها" وهذا الحديث لا يصح، فإن مسلمًا روى في صحيحه عن
стр. 76
شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: "عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ " فسألناه فقال: "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم". ورواه النسائي من حديث عائشة عن شريح قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثًا".
فائدة:
روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب الوصايا من المسند: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود قال: ذكر عند عائشة أن عليًا كان وصيًا فقالت: "متى أوصى إليه؟ لقد كنت مسندته في حجري فانخنث فمات، فمتى أوصي إليه؟ " وأخرج من جهة مسروق عنها قالت: "ما أوصى رسول الله ﷺ بشيء". وعن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس مثله.
стр. 77
الفصل ٤ - استدراكها على عبد الله بن عباس
(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق عمرة بنت عبد الرحمن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: "أَن عبد الله بن عباس قال: "من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي". وقد بعثت بهديي فاكتبي لي بأمرك". قالت عمرة: قالت عائشة: "ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي". وترجم عليه البخاري (باب من قلد القلائد بيده) ولم يذكر فيه (وقد بعثت بهديي فاكتبي إليَّ بأمرك). قال الحافظ أبو الحجاج المياسي ومن خطه نقلت: "هكذا وقع في كتاب مسلم (أن ابن زياد) ووقع في جميع الموطآت: (أن زياد بن أبي سفيان) كما وقع في البخاري". وأخرج البيهقي في سننه عن شعيب قال: قال الزهري: أول من كشف الغمّى عن الناس و بين لهم السنة في ذلك عائشة ﵂: فأخبرني عروة وعمرة أن
стр. 78
عائشة قالت: "إني كنت لأفتل قلائد هدي النبي ﷺ فيبعث بهديه مقلدًا وهو مقيم بالمدينة، ثم لا يجتنب شيئًا حتى ينحر هديه" فلما بلغ الناس قول عائشة هذا أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس. قال البيهقي: وروى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة. فإن قيل: فقد روي عن جابر خلاف ذلك، قال الطحاوي في معاني الآثار: ثنا ربيع المؤذن: ثنا أسد بن موسى ثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن (١) أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ جالسًا فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ﷺ فقال: "إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من ورائي". وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة. فالجواب أن هذا حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. قال البخاري: "عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر" وقال الطحاوي: "قد تواترت الآثار عن عائشة بما لم تتواتر عن غيرها بما يخالف حديث جابر، وحديث عائشة إسناده صحيح بلا خلاف بين أهل العلم، ومعه النظر والمعنى.
قلت: ومما يضعف حديث جابر حديث يعلى بن مرة أَن (٢) النبي ﷺ
стр. 79
لم يأمر صاحب الجبة إلا بنزعها. وروى الطحاوي عن يونس ثنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر أَنه رأى رجلا متجردًا بالعراق قال فسألت الناس عنه فقالوا: "أَمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد" قال ربيعة: "فلقيت عبد الله بن الزبير فقال: "بدعة ورب الكعبة" قال: ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير يحلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم السنة خلاف ذلك.
(الحديث الثاني): أخرج مسلم عن ابن جريج أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: "لا يطوف بالبيت حاج ولا عن حاج إلا حلّ" فقلت لعطاء: "من أين تقول ذلك؟ " قال: من قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) قلت: "فإن ذلك بعد الوقوف" قال: كان ابن عباس يقول: "من بعد الوقوف وقبله" وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله ﷺ أصحابه حين أمرهم أن يحلوا من حجة الوداع. قال البيهقي: قد قررنا إن صح الحج كان خاصًّا بهم فلا يقوى الاستدلال، وقد أنكرت عائشة ذلك، وحكت فعل النبي ﷺ أخرجاه في الصحيحين عن عروة عن عائشة، وأنكره عليه (٢) ابن عمر أيضًا. أخرجه مسلم عن وبرة قال: كنت
стр. 80
جالسًا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: "أيصلح أن أطوف بالبيت قبل أن آتي (١) الموقف؟ "فقال: "نعم" قال: فإن ابن عباس يقول: "لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف." فقال ابن عمر: "قد حج رسول الله ﷺ وطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقًا؟ ".
(الحديث الثالث): أخرجه البيهقي في سننه من جهة عبد الله بن الوليد العدني: ثنا سفيان عن جابر الجعفي عن أبي الضحى: أن عبد الملك أو غيره بعث إلى ابن عباس الأطباء على البرد وقد وقع الماء في عينيه، فقالوا: "تصلي سبعة أيام مستلقيًا" فسال أُم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه. قال الذهبي في مختصره: "الجعفي ليس بشيء وابن عباس (٢) كرهه تورعًا، والتداوي مشروع". وقال صاحب الدر النقي: في ذكر عبد الملك هنا نظر، لأنه ولي الخلافة سنة خمس وستين، و كانت وفاة عائشة وأم سلمة قبل ذلك بسنين، اللهم إلا أن يحمل على أن عبد الملك أرسلهم إليها قبل خلافته وفيه بعد، إذ لا يعلم لعبد الملك في زمن عائشة وأم سلمة ولاية تقتضي الإرسال على البرد، قال: "والعدني متكلم فيه" قال أحمد: لم يكن صاحب حديث وكان ربما أخطأ في الأسماء ولا يحتج به. وقال ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا. وجابر المذكور في
стр. 81
مسنده أظنه الجعفي وقد قال البيهقي في موضع: لا يحتج به. وقال الدارقطني: متروك (١).
وقد روى هذه القصة عن سفيان الثوري من لا نسبة بينه وبين العدني حفظًا وجلالة وهو عبد الرحمن بن مهدي ولم يذكر فيه عبد الملك. قال ابن أبي شيبة في مصنفه: قال ابن مهدي: ثنا سفيان عن جابر عن أبي الضحى أن ابن عباس وقع في عينه الماء فقيل له: "تستلقي سبعًا ولا تصلي إلا مستلقيًا" فبعث إلى عائشة وأُم سلمة يسألهما فنهتاه. وأخرج الحاكم في المناقب من جهة أبي معاوية: ثنا الأعمش عن المسيب بن رافع قال: لما كف بصر ابن عباس أتاه رجل فقال له: "إنك إن صبرت لي سبعًا لم تصل إلا مستلقيًا تومئ إيماء داويتك [و] برأت إن شاء الله فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ (٢).
(الحديث الرابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي: ثنا الهيثم بن مروان الدمشقي: ثنا يزيد بن يحيى بن عبيد: ثنا سعيد بن بشير عن قتادة: حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس: "أن معاوية صلى صلاة العصر ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها
стр. 82
فقال معاوية: "يا بن عباس ما هاتان الركعتان؟ "فقال: "بدعة وصاحبها صاحب بدعة" فلما انفتل قال: "ما قلتما؟ " قال: "قلنا: كيت وكيت" قال: "ما ابتدعت ولكن حدثتني خالتي عائشة" فأرسل معاوية إلى عائشة فقالت: "صدق، حدثتني أم سلمة" فأرسل إلى أم سلمة: "أن عائشة حدثتنا عنك بكذا" فقالت: "صدقت، أتى رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى بعد العصر فقمت وراءه فصليت، فلما انفتل قال: ما شأنك؟ قلت: رأيتك يا نبي الله صليت فصليت معك. فقال: إن عاملا لي على الصدقات قدم علي فخفت (١) عليه"؟ وفي الصحيحين عن كريب مولى ابن عباس أن بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ وقالوا: "اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسَلْها عن الركعتين بعد العصر وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينها، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنها" قال ابن عباس: "وكنت أضرِب مع عمر بن الخطاب الناس عنها" قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها فقالت "سل أم
стр. 83
سلمة" فذكر نحو ما سبق إلا أنه قال: إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.
وأخرج الترمذي من جهة عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إنما صلى النبي علم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما" وقال: حديث حسن. ويعارضها في الصحيحين عن عروة: قالت عائشة: "يا ابن أختي ما ترك النبي ﷺ السجدتين (١) بعد العصر عندي قط".
(الحديث الخامس): أخرج أبو داوود وابن ماجه في سننهما من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه". قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: "يزيد فيه لين، ومقسم صدوق ضعفه ابن حزم" ا هـ.
أعله المنذري بيزيد قال: وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقال غير واحد من الأئمة: إنه لا يحتج بحديثه. قلت: وقد خالفه ابن أبي ليلى. فأخرج البيهقي في سننه من جهة قبيصة: ثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبُرد حِبَرة" قال البيهقي: "كذا رواه محمد بن عبد
стр. 84
الرحمن بن أبي ليلى". قال الذهبي: "وليس بقوي" وقد روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة" أخرجه الأئمة: الستة في كتبهم. قال البيهقي وقد بينت عائشة ﵂ أن الاشتباه في ذلك على غيرها: فأخرج مسلم من جهة هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسُف ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت الحلة فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: "لأحبسنَّها لنفسي حتى أُكفَّن فيها" ثم قال: "لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها" فباعها وتصدق بثمنها". وفي رواية: "أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية". وأخرج مسلم أيضًا عن هشام عن أبيه قال: فقيل لعائشة: "إنهم يزعمون أنه قد كان ﵇ كفن في برد حِبَرة" قالت: قد جاؤوا ببُرد حِبَرة ولم يكفنوه" وأخرجه البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: حدثني الزهري عن القاسم عن عائشة قالت: "أُدرج رسول الله ﷺ في برد حبَرة، ثم أُخذ عنه" قال القاسم: "إن بقايا ذلك الثوب عندنا بعد" قال البيهقي: هذا الثوب الثالث وأما الحلة فتصدق بثمنها عبد الله وهي ثوبان. اهـ.
(الحديث السادس): إنكارها عليه الرؤية: أخرج الترمذي في التفسير من جهة مسلم بن جعفر هو البغدادي عن الحكم بن أبان عن
стр. 85
عكرمة: قال ابن عباس: "رأَى محمد ربه" فقلت "أليس الله يقول: (لا تُدْرِكهُ الأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار" (١)؟ فقال: "ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، قد رأى ربه مرتين" وقال: حسن غريب. قال شيخنا عماد الدين بن كثير: "مسلم بن جعفر ليس بذاك المشهور، والحكم بن أبان وثقه جماعة" وقال ابن المبارك: "ارم به" اهـ.
قلت: وأخرج الحاكم في مستدركه من جهة معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ ؟ " ثم قال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرؤية. ثم ساقه من جهة إسماعيل بن زكريا عن عاصم عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس قال "رأي محمد ربه" وله شاهد آخر صحيح الإسناد ثم ساقه عن يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: "قد رأى محمد ﷺ ربه" وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: "رآه مرتين" ثم قال الحاكم: قد اعتمد الشيخان في هذا الباب أخبار عائشة بنت الصديق وأبي بن كعب وابن مسعود وأبي ذر: "أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇" وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحة. اهـ. وقد أخرج البخاري من حديث القاسم عن عائشة قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادًّا ما بين الأفق". وفي الصحيحين من حديث مسروق
стр. 86
قلت لعائشة: "يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟ " فقالت: "لقد قفَّ شعري
مما قلت، من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب ثم قرأت:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) ولكنه
رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين" وفي رواية:
"مَن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" فقلت:
"يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢)، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٣) فقالت: أنا أول هذه
الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" وقالت: "أولم تسمع أن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِك الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير﴾ (١) أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤) قلت: وهذا قاطع في هذه المسألة إذ صرحت فيه بالدفع. ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له: "إنه ﷺ إنما خاطب عائشة على قدر عقلها" ثم أخذ يحاول تخطئتها وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ منهم ابن مسعود، رواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي
стр. 87
الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا سليمان الشيباني، ثنا زر بن حبيش قال: "قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى﴾ (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جبريل له ستمائة جناح"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وفي كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: قال أبو مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جبريل في صورته له ستمائة جناح" قال الحميدي: وليس ذلك كما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما خرجه على الكتابين. ومنهم أبو ذر؛ قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عفان ثنا هشام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: "لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته"، قال (٣): "وما كنت تسأله؟ " قلت: "كنت أسأله: هل رأى ربه ؟ "فقال: "إني سألته فقال: قد رأيته نورًا أَنَّى أراه" وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ "رأيت نورًا" ثم قال: "معناه أنه لم ير ربه، ولكن رأى نورا علويًا من الأنوار المخلوقة". اهـ.
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين: أحدهما قال: "رأيت نورًا أنى أراه" والثاني قال: "رأيت نورا". وهو مصرح بنفي الرؤية إذ لو أراد الإثبات لقال "نعم" أو
стр. 88
"رأيته" ونحو ذلك وهو يردُّ قول ابن خزيمة: (أن الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها) ولهذا لم يجد ابن خزيمة عنه ملجأ إلا أنه كان يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر (١) فقال: "في القلب من صحة مسند هذا الخبر شيء" لم أر أحدا من علماء الأثر نظر لعلة في إسناده قال: عبد الله بن شقيق راوي الحديث كأنه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، قال: لان أبا موسى محمد بن المثنى حدثنا عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق. قال: "أتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول: ألا ليبشر أصحاب الكنوز بِكَي في الحياة والممات، فقالوا: هذا أبو ذر" فكأنه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر. وقال بعض العلماء في هذا الحديث: قد أجمعنا على أنه ليس بنور، وخطأنا المجوس في قولهم: هو نور، والأنوار أجسام والباري سبحانه ليس بجسم. والمراد بهذا الحديث أن حجابه النور، وكذلك روي في حديث أبي موسى، فالمعنى: كيف أراه وحجابه النور؟ ومن أثبت رؤية النبي ﷺ ربه فإنما يثبت ليلة المعراج، وأسلم أبو ذر بمكة (٢) قادمًا قبل المعراج ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأُحُد والخندق ثم قدم المدينة بعد ذلك، فيحتمل أنه سأل النبي ﷺ وقت إسلامه:
стр. 89
"هل رأيت ربك؟ " وما كان عُرج به بعد فقال: "نور، أَنَّى أَراه؟ ". أي النور يمنع من رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس: "رأيت ربي" ا هـ. وهذا ضعيف، فإن عائشة أم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية. وأما قول الإمام أحمد: "ما زلت منكرًا لهذا الحديث وما أدري ما وجهه" فقال بعض الأئمة: لا نعرف معنى هذا الإنكار وقد صح ذلك عن أبي ذر وغيره. وللكلام على الحديث موضع آخر قد بسطته فيه، ورددت ما حرَّفه بعض النقَلَة في لفظه والله أعلم.
(الحديث السابع): إحالته معرفة الوتر عليها. أخرجه مسلم في صحيحه عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفي عن سعد بن هشام: أنه طلق امرأته فأتى المدينة ليبيع بها عقارًا له، فيجعله في السلاح والكراع، فذكر الحديث وأنه لقي ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: "ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ " قال: "نعم" قال "عائشة"، إيتها فسلها ثم ارجع إليَّ فأخبرني بردها عليك" قال: فأتيت (١) حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال: "ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا فأبت فيهما إلا مضيًا فيه" فأقسمت عليه فجاءَ معي فدخل عليها فقال: "يا أُم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: "كنا نُعِدُّ له سواكه وظهوره فيبعثه الله بما شاء أن يبعثه من
стр. 90
الليل فيتسوك ويتوضأُ، ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيجلس ويذكر الله ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد الله ويصلي على النبي ﷺ ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني" وفي رواية له "وسلم تسليمًا يسمعنا". وقد اختلفت الأحاديث ولا سيما الأحاديث عن عائشة ﵂ في عدد الوتر وفي صحيح مسلم عنها: "كان رسول الله ﷺ يصلي في الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس" وروى أبو داوود: "لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة "فقيل: الاختلاف منها، وقيل: هو من الرواة عنها. ووجه الاختلاف فيها بحسب اختلاف أحواله ﷺ من اتساع الوقت أو ضيقه وبحسب طول القراءة كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود. أو عذره بمرض أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما روته ورواه أيضًا خالد بن زيد. أو وجه الثلاث عشرة أنها عدت معها (١) ركعتي الفجر كما بين أبو داوود ذلك في رواية له عنها.
(الحديث الثامن): ردت على ابن عباس قراءته قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنهم قَدْ كذبوا﴾ (٢) بالتخفيف (٣). فأخرج البخاري في
стр. 91
التفسير عن ابن أبي مليكة قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ (٢) وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة ذهب بها هنالك وتلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (١) فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: "قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله في شيء قط إلا علم أَنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم فكانت تقرؤُها ﴿كُذِّبُوا﴾ مثقلة (٢).
стр. 92
(١) الفصل ٥ - [استدراكها] على عبد الله بن عمر
(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم، واللفظ له، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة وذكر لها أن الله عبد بن عمر يقول: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" - فقالت عائشة: يغفر الله لأَبي عبد الرحمن أَما إنه لم يكذب ولكنه نسي أَو أخطأَ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال: "إنهم يبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" ورواه مسلم أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا ولم يحفظ، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: "أنتم تبكون وإنه ليعذب".
واعلم أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر وأنكرته عليهما عائشة وحديثها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) وموافق
стр. 93
للأَحاديث الأُخَر في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى وإقراره على البكاء عليهم. وكان ﷺ رحمة للعالمين فمحال أَن يفعل ما يكون سببًا
لعذابهم أَو يقر عليه. وهذا مرجح آخر لرواية عائشة. وعائشة جزمت
بالوهم. واللائق لنا في هذا المقام التأْويل، وهل حمل الأَحاديث المخالفة لها إما على من أوصى بذلك فعليه إثم الوصية بذلك لأَنه قد تسبب إلى وجوده، وإما غير ذلك مما ذكره العلماء في كتبهم. والذي يؤكد قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "إن الميت ليعذب". بلام العهد فالظاهر أَن ابن عمر خفي عله موت اليهودي فحملها (١) على الاستغراق. ونظير هذا ما رُوي أنه ﷺ رأَى تاجرا يبخس الناس في البيع فقال: "التاجر فاجر" يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أَنه للاستغراق. ذكر هذا فخر الدين الرازي في بعض كتبه الأُصولية وجعله من أَسباب الغلط في الرواية. ولا شك أَنه من أَسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب فإن في السنن: "التاجر فاجر إِلا مَن برَّ وصدق" وهذا يدل على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه
(الحديث الثاني): أخرجا أَيضًا عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أَبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: "لأَن أُصبحَ مطليًا بقطران أَحب إلي من أَن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا" قال: فدخلت على عائشة فأَخبرتها بقوله، فقالت: "طيَّبْتُ رسول الله ﷺ فطاف على نسائه ثم أَصبح محرمًا" وفي لفظ البخاري: ذكرته لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد
стр. 94
الرحمن، كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا" ورواه النسائي بلفظ: سأَلت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: "لأَن أُطلى بالقطران أَحبُّ إليَّ من ذلك" فذكرت ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، قد كنت أُطيب رسول الله ﷺ فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبًا" وفي لفظ لهما: سأَلت عائشة وذكرت لها قول ابن عمر: "ما أُحب أَن أُصبح محرمًا أَنضخ طيبًا" فقالت عائشة: "أَنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه ثم أَصبح محرمًا" والنضخ بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أَثر؛ يقال نضخ ثوبه بالطيب والنضح بالمهملة فيما كان رقيقًا مثل الماء.
(الحديث الثالث): أَخرجا أَيضًا عن منصور عن مجاهد قال:
"دخلت أَنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسأَلناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" فقال له عروة: "يا أَبا عبد الرحمن [كم] (١) اعتمر رسول الله ﷺ " قال: "أربع عمر إحداهن في رجب" فكرهنا أَن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال عروة: "أَلا تسمعين (٢) يا أُم المؤمنين إلى ما يقول أَبو عبد الرحمن "؟ فقالت: "وما يقول؟ " قال: يقول: "اعتمر رسول الله ﷺ أَربع عمر إحداهن في رجب" فقالت:
стр. 95
"يرحم الله أَبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط". قال ابن الجوزي في مشكله: "سكوت ابن عمر لا يخلو من حالين: إما أَن يكون قد شك فسكت، أَو أَن يكون ذكر بعد النسيان فرجع بسكوته إلى قولها. وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا وقال أَنس: "اعتمر رسول الله ﷺ أَربع عمر كلها في ذي القعدة" وهذا الحديث يدل على حفظ عائشة وحسن فهمها.
وقد جاءَ الإنكار عليه منها على وجه آخر أَخرجه أَبو داوود والنسائي وابن ماجه من جهة مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أَن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع". وقد سبق أَن البخاري ومسلمًا (١) رويا حديث مجاهد عن عائشة، وهو منها تصريح منها تصريح بأَنه سمع منها لا سيما على شرط البخاري. لكن قال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع مجاهد من عائشة، وكان شعبة بن الحجاج ينكره. وهو قول يحيى بن معين وأَبي حاتم الرازي أَيضًا. وفي هذا الحديث أَمر آخر غير مخالفة ما سبق، وهو أَن عائشة روت الإفراد عن النبي ﷺ ، لكن قال الطحاوي في معاني الآثار: "هذا لا ينافيه فيجوز أَن تكون قد علمت أَنه ﷺ ابتدأَ فأَحرم بعمرة لم يقرنها حينئذ بحجة، فمضي فيها على أَن يحج في وقت الحج، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أَحرم بحجة منفردة في إحرامه بها لم يبتدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى
стр. 96
عمرته المتقدمة، فقد كان في إحرامه على أَشياءَ مختلفة: كان في أَوله متمتعًا ثم محرمًا بحجة أَفردها في إحرامه تلزمه مع العمرة التي كان قدمها، فصار في معني القارن والمتمتع. وأَرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أَنه ﵇ أَهلَّ بهما جميعًا". اهـ.
(الحديث الرابع): وأَخرجا أَيضًا من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أَبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأَجر" فقال ابن عمر؛ "أَكثر علينا أَبو هريرة" فبعث إلى عائشة فسأَلها فصدَّقت أَبا هريرة، فقال ابن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" وأَخرجه مسلم أَيضًا عن داوود بن عامر بن سعد بن أَبي وقاص عن أَبيه: أَنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، أَلا تسمع ما يقول أَبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أَجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له الأَجر مثل أُحد" فأَرسل ابن عمر خبَّابًا إلى عائشة يسأَلها عن قول أَبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأَخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يقلِّبها في يده، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: "صدق أَبو هريرة" فضرب ابن عمر بالحصي الذي كان في يده الأَرض وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
(الحديث الخامس): أَخرج أَبو داوود في سننه عن محمد بن
стр. 97
إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله: أَن عبد الله بن عمر كان يصنع ذلك "يعني يقطع الخفين للمرأَة المحرمة" ثم حدثته صفية "بنت أَبي عبيد: أَن عائشة ﵂ حدثتها "أَن رسول الله ﷺ قد كان رخَّص للنساء في الخفين" فترك ذلك. أَخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال فيه: قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، فزالت علة التدليس. وقال الشافعي: أَنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أَبيه أَنه كان يفتي النساءَ إذا أحر من أَن يقطعن الخفين حتى أَخبرته صفية عن عائشة: "أَنها تفتي النساءَ إذا أَحر من الَّا يقطعن" فانتهى عنه. أَخرجه البيهقي في السنن الكبير من طريق الشافعي. وأَخرج البيهقي أَيضًا عن أبي النضر ثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أَبي لبابة عن ابن باباه المكي: أَن امرأَة سأَلت عائشة: "ما تلبس المرأَة في إحرامها؟ " قالت: "تلبس من خزها وبزها وأَصباغها وحليها" قال بعضهم: أَجمعوا على أَن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساء وأَنه لا بأْس بلباس المخيط والخفاف للنساء.
(الحديث السادس): أَخرج الدارقطني في سننه: عن علي بن عبد العزيز الوراق عن عاصم بن علي عن أبي أُويس أبي أويس: حدثني هشام بن عروة عن أَبيه عن عائشة: أَنه بلغها قول ابن عمر: "في القُبلة الوضوءُ" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأُ" قال الدارقطني: لا أَعلم حدَّث به عن عاصم هكذا غير علي بن عبد العزيز.
стр. 98
(الحديث السابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا بكر بن سهل ثنا سعيد بن منصور ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة قال: "بلغ عائشة أن ابن عمر يقول: "إن موت الفجأَة سخطة على المؤمنين" فقالت: "يغفر الله لابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ : موت الفجأَة تخفيف على المؤمنين وسخطة على الكافرين" قال الطبراني لم يروه عن عبد الملك إلا صالح. قلت: وهو ضعيف عندهم.
(الحديث الثامن): روى البخاري من حديث ابن عمر أَن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُم مكتوم" وأَخرج البيهقي في سننه من جهة يعقوب بن محمد الزهري: ثنا الدراوردي ثنا هشام عن أَبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن ابن أُم مكتوم رجل أَعمي، فإذا أَذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" قالت: وكان بلال يبصر الفجر. وكانت عائشة تقول: "غلط ابن عمر" قال البيهقي: كذا قال، وحديث عبيد الله عن القاسم عن عائشة أَصح. يشير إلى ما أَخرجه البخاري كذلك عنها موافقًا لحديث ابن عمر. واعلم أَن حديث عائشة هذا الذي أَخرجه إسناده صحيح وقد رواه أَحمد ومسدد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، لكن لم يذكرا فيه تغليط ابن عمر. وحمله ابن حبان وابن حزم على أَن الأَذان كان بينهما دُولا: تارة يقدم هذا وتارة يتأَخر. وقد روي ابن أَبي شيبة حديثًا شهد لذلك فقال: حدثنا عثمان ثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عمتي وكانت قد حجت مع
стр. 99
رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن أُم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال" كذا أَو "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أُم مكتوم" قالت: "وكان يصعد هذا وينزل هذا. قالت فكنا نعلق به (١) فنقول: "كما أنت حتّى نتسحّر" وكذا رواه أَبو داوود عن شعبة عن خبيب.
(التاسع): روى أَبو منصور البغدادي بإسناده إلى ابن جريج قال ثنا ابن أَبي مليكة عن رجل لا يكذبه: أُخبرَت عائشة ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسع وعشرون" فأَنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأَبي عبد الرحمن، ما هكذا قال رسول الله ﷺ ، ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" قال الإمام أَحمد في مسنده: حدثنا يحيى عن محمد بن عمرو قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين".
(العاشر): أَخرج البخاري عن ابن عمر قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أَقول" فذكر لعائشة فقالت: "إنما قال النبي ﷺ "إنهم ليعلمون الآن أَن ما كنت أَقول لهم حق" قال السهيلي
стр. 100
في الروض: "وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أَحفظ للفظه ﷺ وقد قالوا له يا رسول الله: "أَتخاطب قومًا قد جيفوا أَو أُجيفوا"؟ فقال "ما أَنتم بأَسمع لما أَقول منهم" وإذا جاز أَن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أَن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤُوسهم إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد أَو إلى بعضه عند المسأَلة وهو قول جمهور أَهل السنة، وإما بأُذن القلب أَو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع منه إلى الجسد أَو إلى بعضه. قال: "وقد روي أَن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١) وهذه الآية كقوله ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (٢) أَي إِن الله هو الذي يهدي ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أَنت، وجعل الكفار أمواتًا وصمًا على جهة التشبيه بالأَموات وبالصم فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ، فلا تعلق لها في الآية لوجهين: أَحدهما أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني أَنه إنما نفى عن نبيه أَن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو
стр. 101
الفصل ٦ - استدراكها على عبد الله بن عمرو بن العاص
(الأول): أَخرج مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أَن ابن عمرو يأْمر النساءَ إذا اغتسلن أَن ينقضن رؤُوسهن، فقالت: "يا عجبًا لابن عمرو يأْمر النساءَ إذا اغتسلن أَن ينقضن، رؤُوسهن، أَفلا يأَمرهن أَن يحلقن رؤُوسهن! لقد كنت أَغتسل أَنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أَزيد أَن أفرغ على رأَسي ثلاث إفراغات." ورواه النسائي وقال "وما أَنقض لي شعرًا" ورواه ابن خزيمة في صحيحه أَتم من ذلك، وقد تابع عائشة على رواية ذلك أَم سلمة فروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رافع مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: قلت: "يا رسول الله إني امرأَة أشد ضَفْر رأَسي، أَفأَنقضه لغسل الجنابة"؟ فقال: "لا إنما يكفيك أَن تحثي على رأَسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماءَ فتطهرين" قال الماوردي في الحاوي: "ويحتمل أَن يكون ابن عمرو أَمر بذلك احتياطًا لا واجبًا، وعائشة إنما أَنكرت وجوب الحل".
стр. 102
الفصل ٧ - استدراكها على أَبي هريرة
(الحديث الأول): إنكارها عليه بطلان الصوم بالجنابة: أَخرج مسلم عن ابن جريج عن عبد الملك بن أَبي بكر بن عبد الرحمن عن أَبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أَبا هريرة يقص [و] يقول في قصصه: "من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم" قال فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، فذكره لأَبيه فأَنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُم سلمة، فسأَلها عبد الرحمن عن ذلك فقال: فكلمناها (١) قالت: "كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير طهر ثم يصوم" فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: "عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أَبي هريرة فرددت عليه ما يقول" قال: فجئنا أَبا هريرة وأَبو بكر حاضر ذلك كله، فذكر له عبد الرحمن فقال أَبو هريرة: (أَهما قالتاه لك؟ " قال: "نعم"، قال: "هما أَعلم" ثم رد أَبو هريرة ما
стр. 103
كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أَبو هريرة: "سمعت ذلك من الفضل ولم أَسمع من النبي ﷺ " قال: فرجع أَبو هريرة عما كان يقول من ذلك؟ قال البزار في مسنده: "ولا ولا نعلم روى أَبو هريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديث الواحد" ا هـ. وفي لفظ: فقال أَبو هريرة: "لا علم لي بذلك، إنما أَخبرني مخبر.".
قال البيهقي: ورواه البخاري مدْرجًا في روايته عن أَبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أَبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أَنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أَعلم، وروى أَنه قال: "أَخبرني بذلك أُسامة بن زيد" أَخرجه النسائي في سننه وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق. وأَخرج البيهقي في سننه عن ابن أَبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب: "أَن أَبا هريرة رجع عن قوله قبل موته" وروى مثله عن عطاء ثم قال: قال ابن المنذر: أَحسن ما سمعت في هذا أَن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أَن الجماع كان في أَول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أَباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أَصبح قبل أَن يغتسل، أَن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، وكان أَبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأَمر الأَول، ولم يعلم بالنسخ فلما سمع من عائشة وأُم سلمة صار إليه ا هـ.
وجواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر [عليه] هو يجامع فاستدام.
стр. 104
و [جواب] ثالث: أَنه إرشاد إلى الأَفضل وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديث عائشة وأُم سلمة، لبيان الجواز.
واعلم أَنه وقع خلاف في ذلك للسلف أَيضًا، ثم استقر الإجماع على صحة صومه كما نقله ابن المنذر وكذلك الماوردي في الاحتلام، فعن طاووس وعروة النخعي: التفصيل بين أَن يعلم فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصري: الفصل بين صوم التطوع، محرم دون الفرض. وقيل: يصوم ويقضيه وحكي عن سالم بن عبد الله. وفي معجم الإمام أَبي بكر الإسماعيلي: قال سفيان: كان إبراهيم النخعي يقول: "من يدركه الصبح وهو جنب يفطر"، قال يحيى بن آدم: ثم جعل سفيان يتعجب من قول إبراهيم، فقال له حفص بن غياث: "لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي ﷺ : أَنه كان يدركه الصبح وهو جنب" يعني (ثم يصوم) قال سفيان: "بلى ثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به" ا هـ.
(الحديث الثاني): قال أَبو داوود الطيالسي في مسنده حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أَبا هريره يقول: قال رسول الله ﷺ "الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأَة والفرس" فقالت عائشة: "لم يحفظ أَبو هريرة، إنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأَة والفرس. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله" ومحمد بن راشد وثقه أحمد وغيره، ولكن الشك في الواسطة بين مكحول وعائشة
стр. 105
وقد قال ابن أَبي حاتم في المراسيل: "ثنا أَبي قال سأَلت أَبا مسهر: "سمع مكحول من أَحد أَصحاب النبي ﷺ ؟) قال "ما صح عندنا إلا أَنس بن مالك" قلت: "واثلة؟ " فأَنكره ا هـ.
وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أَحمد في مسنده: حدثنا روح ثنا سعيد عن قتادة عن أَبي حسان: رجلين دخلا على عائشة فقالا: " إن أَبا هريرة يحدث أَن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطيرة في المرأَة والدابة والدار " قال: فطارت شِقّة منها في السماء وشِقّة منها في الأَرض (١) وقالت: "والذي أَنزل القرآن على أَبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أَهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأَة والدابة والدار. ثم قرأَت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآية) (٢) وأَبو حسان اسمه مسلم الأَجرد يروي عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأَئمة: ورواية عائشة في هذا أَشبه بالصواب إن شاءَ الله لموافقته نهيه ﵊ عن الطيرة نهيًا عامًا، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون يدخل الجنة سبعون أَلفًا بغير حساب وهم الذين لا يكتوون ولا يسترْقُون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" واستدراكها على أَبي هريرة في هذا من جنس استدراكها على ابن عمر في
стр. 106
البكاء على الميت، بمعنى أَن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم فإن قيل: فإن غيرها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثبات مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأَهل العلم لا يرون الإنكار علمًا ولا النفي شهادة ولا خبرا" وقد أَخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر بأَلفاظ، ومنها: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأَة والفرس والدار" وأَخرجاه أَيضًا من حديث سهل بن سعد وأَخرجه مسلم عن جابر. وقال الترمذي بعد أَن أَخرج حديث ابن عمر، وفي الثاني عن سهل بن سعد وعائشة وأَنس: قلنا: ليس هذا من باب تعارض النفي والإثبات، بل من باب الزيادة المفيدة في الحكم فتقبل باتفاق. لكن كلام الترمذي يقتضي أَن عائشة روته أَيضًا، فعلى هذا روايتها مع الجماعة أَولى من روايتها على الانفراد كما رجحوا بذلك في مواضع. على أَنه قد جاءَ عن أَبي هريرة خلاف ما سبق، قال أَحمد في مسنده: حدثنا خلف بن الوليد ثنا أَبو معشر عن محمد بن قيس قال: سئل أَبو هريرة: "هل سمعت من رسول الله ﷺ : الطيرة في ثلاث في المسكن والفرس والمرأَة؟ " قال: "فكنت إذن أَقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَصدق الطيرة الفأْل، والعين حق.
وأَما ابن الجوزي في المشكل فأَنكر على عائشة هذا الرد وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها." والصحيح أَن المعنى:
стр. 107
إن خيف من شيء أَن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأَشياءُ لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأَسباب تأْثيرا. وقال الخطابي: "لما كان الإنسان في غالب أَحواله لا يستغني عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أُضيف اليمن والشؤم إلى هذه الأَشياء إضافة محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله." قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأَة أَلَّا تلد وشؤم الفرس أَلَّا يحمل عليها في سبيل الله وشؤم الدار سوءُ الجوار."
(١) (الحديث الثالث): قال أَبو بكر البزار في مسنده: حدثنا هلال بن بشر: ثنا سهل بن حماد قال: ثنا أَبو عامر الجزار، وثناه محمد بن معمر قال: ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا أَبو عامر الجزار عن سيّار عن الشعبي عن علقمة قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أَبا هريرة يروي عن النبي ﷺ : أَن امرأَة عذبت في هرة" قال: فقالت عائشة: "إن المرأَة كانت كافرة" قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أَبي هريرة إلا هذا الحديث"، وأبو عامر الجزار صالح بن رستم قال فيه أَحمد بن حنبل: "صالح الحديث."
ورواه أَبو محمد قاسم بن ثابت السرْقسطي في كتاب غريب الحديث:
стр. 108
نا محمد بن جعفر قال: نا أَبو أَحمد محمود بن غيلان المروزي: نا أَبو داوود الطيالسي قال: نا أَبو عامر صالح بن رستم قال: نا سيّار أَبو الحكم عن الشعبي عن علقمة بن قيس قال: "كنا عند عائشة ومعنا أَبو هريرة فقالت: "يا أَبا هريرة أَنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ : "أَن امرأة عذبت بالنار من جرى (١) هوة لا هي أَطعمتها ولا سقتها ولا هي تركتها تأْكل من خشاش الأَرض شيئًا حتى ماتت؟ " قال أَبو هريرة: "سمعته من رسول الله ﷺ "، قالت عائشة: المؤمن أَكرم عند الله من أَن يعذبه من جرّى هرة، أَي إن المرأَة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أَبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث" قولها من جرّى هرة تعني من أجلها. اهـ
(الحديث الرابع): قال الحاكم في مستدركه في كتاب العتق: أَخبرنا أَبو بكر أَحمد بن إسحاق: أَنا محمد بن غالب: ثنا الحسن بن عمر بن شفيق: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة قال: بلغ عائشة أَن أَبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" وأَن رسول الله ﷺ قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" و "إن الميت يعذب ببكاء الحي" فقالت عائشة: رحم الله أَبا هريرة أَساءَ سمعًا فأَساءَ إجابة: أَما قوله: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" فإنها (٢) لما نزلت (٣) ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ
стр. 109
رَقَبَةٍ﴾ قيل: "يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أَن أَحدنا له الجارية السوداءُ تخدمه وتسعى عليه، فلو أَمرناهُن فزنين فجئن بأَولاد فأَعتقناهم." فقال رسول الله ﷺ "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن آمر بالزنى ثم أُعتق الولد"، وأَما قوله: "ولد الزنى شر الثلاثة" فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله إنه مع ما ما به ولد زني" فقال: "هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وأَما قوله: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" فلم يكن الحديث على هذا ولكن رسول الله ﷺ مرّ بدار رجل من اليهود قد مات وأَهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن الحاكم: أَخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأَيمان في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمة الأَبرش يروي مناكير". قال الذهبي في مختصره: هو مختلف فيه، وقد وثقه أَبو داوود. قال البيهقي: وروي عن أَبي سليمان الشامي برد بن سنان عن الزهري عن عائشة في إعتاق ولد الزنى. وأَخرج عن سفيان عن هشام عن أَبيه عن عائشة قالت في ولد الزنى: "ليس عليه من وزر أبويه شيء، لَا تَزِرُ وازِرةٌ وزر أُخْرى"، قال: وروي مرفوعًا ولم يصح. ثم أَخرج عن إسحاق السلولي: ثنا إسرائيل عن إبراهيم عن محمد بن قيس عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "ولد
стр. 110
الزنى شر الثلاثة إذا عمل بعمل أَبويه" وقال: ليس بالقوي. وقد روي مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس. وقال صاحب الاستذكار: قد أَنكر ابن عباس على من روى في ولد الزنى "أَنه شر الثلاثة" وقال: "لو كان شر الثلاثة ما استؤني بأُمه أَن ترجم حتى تضعه" رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أَبي طلحة عن ابن عباس، وقد ذكرناه في التمهيد بإسناده. وقال في باب حد الزنى: وقول أُم سلمة: "يا رسول الله أَنهلك وفينا الصالحون؟ " قال: "نعم إذا كثر الخبث" الخبث في هذا الحديث عند أَهل العلم أولاد الزنى وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره. هذا لفظه وهو غريب.
وأَخرج النسائي من حديث شعبة عن منصور عن سالم عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله د: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية". وأَخرجه ابن حبان في صحيحه. قال الحافظ أَبو الحجاج المزي في الأَطراف: قال البخاري: لا يعرف لجابان سماع من عبد الله ولا لسالم من جابان ولا نبيط قال: وقد روى عن عبد الله بن عمرو قوله.
(الحديث الخامس): قال الطبراني في الأَوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا عبد الله بن أَبي رومان الإسكندراني، ثنا عيسى بن واقد، نا محمد بن عمرو عن أَبي سلمة عن أَبي هريرة: أَن رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يوتر فلا صلاة له" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "مَنْ سَمع هذا من أَبي القاسم ﷺ ؟ ما بَعُدَ الْعَهْد وما نسينا، إنما قال أَبو القاسم ﷺ :