← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و "أل" في "الحمدُ" للجنسِ، أو الاستغراقِ، أو العهدِ (١). واللامُ في "لله" للملِكِ، أو الاستحقاقِ. (و "أل" في "الحمد" … إلخ) بيانُ ذلك أنْ يصيرَ المعنى عليه: حقيقةُ المحامدِ ثابتةٌ لله تعالى، فالحكم على الحقيقةِ بالقصدِ الأوَّل والأفراد تابعةٌ، ومِن ثَمَّ كان حَمْلُها عليه أوَّلًا عند المحقِّقين، وعلى كونِها للاستغراقِ يصيرُ المعنى: إنَّ جميعَ المحامدِ، أي: كلَّ فردٍ ثابتٌ للهِ تعالى، فالحُكم فيه على الأفراد أوَّلًا، والحقيقةُ تابعةٌ للأَفراد؛ لدخولِها في ضمنِ الأَفراد، إذ فردُ الحقيقةِ هو الحقيقةُ مع الشخصِ، فهو الحقيقةُ بزيادةِ قيدٍ، والحكمُ على الوجهين ظاهرٌ في اختصاصِ جميع المحامدِ بالله تَعالى، إمَّا على الجنس؛ فلِما يأتي مِن توجيهِ الأَولويَّة، وإمَّا على الاستغراقِ؛ فظاهرٌ مِن ثبوتِ جميعِ أفرادِ المحامدِ للهِ تَعالى، وإيثارُه تقديمَ الجنسِ على الاستغراقِ وما بعده دليلُ أولويَّتِه عندَه أيضًا؛ لأنَّه كدعوى الشيءِ ببيِّنة، فإنَّه يُفيدُ الحكمَ بالبرهان العقليِّ، وبيانه أنَّ اختصاصَ الجنسِ به تعالى كما هو قضيةُ لامِه الدالَّة على الجنسِ يستلزم اختصاصَ أفرادِه، إذ لو وُجد فردٌ منه لغيرِه، لثبتَ الجنسُ له في ضمنِه، ولم يكن مختصًّا به تعالى، والحاصلُ كما ذكَره الشَّوبرى (٢) في أنَّ التعريفَ باللامِ إمَّا أنْ يُلاحظ بها الأفراد أَمْ لا. الثاني؛ لتعيينِ الماهيَّة، كـ: الرجلُ خيرٌ من المرأةِ، وتُسمَّى لامَ الجنس، والأول؛ إمَّا أن يُلاحَظَ كلُّ الأفرادِ وهو الاستغراقُ، أو بعضُها، فإنْ كان معيَّنًا، فهو العهدُ الخارجيُّ نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أو غيرَ معيَّن فالعهدُ الذهنيُّ، نحو: اشترِ اللحمَ، وادخلِ السُّوقَ. لمَن ليس بينكَ وبينَه سوقٌ معهودٌ. أو العهدُ العلميُّ، لتقدُّمِ مرجعه في عِلْم المخاطب، والمعنى عليه: الحمدُ المعهودُ ثابتٌ للهِ

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأردف البسملةَ بالحمدلةِ؛ اقتداءً بأسلوبِ الكتابِ، وعملًا بما صحَّ مِن قوله ﷺ : "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ" أي: صاحبِ حال يُهتمُّ به شرعًا "لا يُبْدَأُ فيه بالحمدُ للهِ فهو الذي حَمِدَ اللهُ به نفسَه، وحَمِدَه به أنبياؤُه وأولياؤُه، فالعبرةُ بحمدِ مَن ذكر، فلا فردَ منه لغيرِه (١). (اقتداء) علَّةٌ للجَمْعِ بين الأمرَيْن والترتيبِ بينهما. (وعملًا) علَّةٌ للابتداءِ بالحَمْدلة فقط؛ بدليلِ ما بعدَه. (أي: صاحب حالٍ يهتمُّ به شرعًا) وهو بيانٌ للمراد مِن البالِ في هذا المقامِ، وإلا ففي "المختار" (٢): البَال: رَخَاء النَّفْسِ، يقال: فلانٌ رَخِيُّ البالِ، والبَال: الحالُ، يُقال: ما بَالُكَ. وفي "النهاية" (٣): البال: الحالُ والشَّأْن. وأمرٌ ذو بالٍ: أي: شريفٌ يُحتَفل له ويُهتمُّ به. أي: يُقصد لذاته وليس محرَّمًا ولا مكروهًا، ولا ذِكْرًا محضًا، ولا جعَل الشارعُ له مبدأ بغيرِ البسملةِ، فخرج بِقَيد الأمْرِ بذي البالِ، وكونه يهتمُّ به شرعًا، الأمْرُ الحقيرُ الذي لا يهتمُّ به الشارعُ، وليس له خطرٌ ولا شَرفٌ، فلا يُبدأ فيه ببسمِ الله؛ تعظيمًا لاسمِه تعالى، حيث لا يُبدأ فيه إلَّا في الأمورِ العظيمةِ، وتسهيلًا على العبادِ حيثُ لم يُطلَب منهم التسميةُ في محقَّرات أمورِهم، ففي وصفِ الأمرِ بذي بالٍ وتقييدِه به فائدتان، الأُولى: رعايةُ تعظيمِ اسمِ اللهِ سبحانه، حيث يُبدأ به في الأمورِ التي لها شأنٌ وخَطَر. والثانية: التيسيرُ على الناسِ في محقَّرات الأمورِ (٤). ("بالحمد لله") بالرَّفع، فإنَّ التعارضَ لا يحصُل إلَّا بشروطٍ ستَّة:

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أجْذَم" (١) الأول: رَفْعُ الحمد. الثاني: كونُ البَدَاء حقيقيًّا، وأن معنى بدء الشيءِ بالشيءِ تصديرُه به، وجعله قَبْل كلِّ عمل يعمل فيه، ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى إذا حصلَ في بداءةِ أمرٍ ذي بالٍ بشيءٍ مِن البسملةِ والحمدلة، لا يُمكن أنْ يَحصُلَ في تلك البداءةِ بالآخَر. الثالث: أن يكونَ الابتداءُ المذكورُ أمرًا خاليًا عن الامتدادِ. الرابع: أن تكونَ الباءُ فيها صلةً للبَداء. الخامس: أنْ يكونَ المرادُ بالبَداءِ بتلك الأمورِ المذكورةِ تقديمُها في الذِّكْر اللسانيِّ الذي يُترجم عنه بلفظِ البسملةِ والحمدلةِ. السادس: أن المرادَ مِن البسملةِ والحمدلة خصوصُ هذَيْن اللفظَيْن، وهل المرادُ بقوله: في الحديث: "لا يُبدأُ فيهِ بالحمد للهِ" (١) الحمدُ اللغويُّ أو العرفيُّ؟ وحمَلَه ابنُ قاسمٍ على الأول، قال: حتى لو حَمد اللهَ تعالى بقلبِه كان محصِّلًا للافتتاحِ بالحمد. وقال الشيخُ العلقميُّ: اللفظُ الواردُ منه ﷺ يُحمل على حقيقتِه اللغويَّة، ما لم يكن هناك ما يَصرِفه عنها، نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ويَجري هذا الخلافُ في قولِهم: إنَّ الحمدَ في مقابلة النعمةِ واجبٌ.

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي روايةٍ: "أَقْطَعُ" (١). وفي أخرى: "أَبْتَرُ" (٢) أي: قليلُ البركةِ. وفي روايةٍ: "لا يُبْدَأُ فيه بذكرِ اللهِ" (٣). وبها تبين أنَّ المرادَ البَداءةُ بأيِّ ذكرٍ كان، (وفي رواية: "أقطع") من بابِ التشبيهِ البليغِ؛ بحَذْف أداةِ التشبيهِ وجَعْلِ المشبَّهِ به مخبرًا، أي: كأقطع، وقيل: مِن قَبيلِ الاستعارةِ المصرَّحة، والمختارُ منها الأَوّلُ، ويَجري ذلك في سابقِه مِن قوله: "أجذمُ" ولاحقِهِ مِن قوله: "أبترُ"، وهو في اللغةِ: ما كان من ذواتِ الذَّنَب، ولا ذَنَب له (٤). والأَقطع: ما قُطعت يداه أو أحدُهما (٥). والأجْذَم: هو فاقدُ الأصابعِ (٦). قال البُهوتي: وهل يُقال: أو بعضِها؟ (أي: قليلُ البركةِ) وإنْ تمَّ حسًّا، فلا يَردُ على منطوقِ الحديث ومفهومِه. (وفي رواية: " … بذِكْر الله") وهو حديثٌ حسنٌ. شيخُ الإسلامِ. (وبها تبيَّن … إلخ) أي: بروايةِ: "بذكر الله" جوابٌ عن دَفْع التعارضِ بين روايتي البَسمَلَة والحَمْدلة، وهو أنَّ الحديثين أفادا طلبَ البَداءةِ بكلٍّ منهما، فالبَداءة بأحدِهما تُنافي البَداءَة بالآخر، وبيانُ ذلك الجوابِ: ليس المرادُ ببسم الله الرحمن الرحيم خصوصَ

стр. 75

ربِّ العالَمِيْن، على أنه يمكن حمل الابتداءِ في البسملةِ على الحقيقي، وهو كون الشيء قبلَ كلِّ شيءٍ، وفي الحمدلةِ على الإضافي، أي: بالنسبة لما بعدها، ولم يُعكسْ؛ لأن ما تقدَّم هو الموافقُ للكتابِ والإجماعِ. (ربِّ العالمين) هذا اللفظِ، ولا بالحمد لله خصوصَ هذا اللفظِ، بل مجرَّد الذِّكْر، وهو حاصلٌ بكلٍّ منهما وبغيرِهما، فهو مِن حَمْل المقيَّد على المُطلَق بإلغاءِ قَيْدِه، ومحلُّ حَمْلِ المُطلَق على المقيَّد إذا لم يكن المقيَّدُ مقيَّدًا بقيدَيْن متنافِيين، أمَّا إذا كان كذلك، حُمل المقيَّد على المُطلَق؛ لأنَّ القيدَيْن يتعارضان، فيتساقطان، ويُرجَع إلى المُطلَق، وهذا الجوابُ يُفيد أنَّ ذهابَ البركةِ لا يتوقَّف على إحدى الصِّيغتَيْن، فضلًا عن الجمعِ بينهما. (على أنه يُمكن حملُ … إلخ) جوابٌ ثانٍ لدَفْع التعارضِ المذكورِ. (على الحقيقي) أي: على الابتداءِ الحقيقيِّ، فحصل بالبسملةِ. (ولم يعكس) للقرآنِ العزيزِ (لأنَّ ما تقدَّم) مِن حديثِ البسملةِ، وقوله: (هو الموافقُ للكتابِ) لأنَّه بيَّنَه، فهو مبيِّن لكيفيَّة البَداءةِ بها، وهذا الجوابُ يُفيدُ أنَّ ذهابَ الأجذميَّة يتوقف على الجَمْعِ بينَهما على هذا الوجهِ المذكورِ، فلا يكفي أحدُهما ولا غيرُهما ولا هما على غيرِ هذا الوجهِ. وبعضُهم وجَّه تقديمَ البسملةِ، بأنَّها تتضمَّن الحمدَ؛ لأنَّ فيها ثناءً على اللهِ بصفةِ الرحمةِ. (ربِّ) بالجرِّ، ويجوز قطعُه إلى الرفْعِ والنصبِ في غيرِ القرآن، أى: عربيةً لا قرآنًا؛ لأنَّ القراءةَ سنَّةٌ متَّبعةٌ، وليس للقياسِ في القرآنِ مَدخلٌ، وهو صفةٌ مشبَّهةٌ مِن: ربَّه يَربُّه، بمعنى: ساسَه ودبَّره، فهو ربٌّ، كما يقال: نَمَّ يَنُمُّ، فهو نمٌّ (١)، فعلى هذا وزنه فَعْلَ، وقيل: فاعل، حُذفت ألفُه؛ لكثرةِ الاستعمالِ، ورُدَّ بأنَّه خلافُ الأصلِ، وهو مِن أسماءِ اللهِ تعالى،

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: خالقِ جميعِ الخَلْقِ ومالكِهم ومربِّيهم. والربُّ في الأصلِ مصدرٌ بمعنى التربيةِ والملك. ولا يُطلَق على غيرِه إلَّا مقيَّدًا كربِّ الدارِ، ومنه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] (١). (أي: خالق جميع الخلق … إلخ) أشار بهذا التفسيرِ إلى معناه في اصطلاحِ المتكلِّمين: مِن الإنسِ والجِنِّ والملائكةِ والدوابِّ وغيرِهم، إذ كلٌّ منها يُطلَق عليه عالَم الإنس، عالَم الجنِّ، إلى غيرِ ذلك. وسُمِّي المالك بالربِّ؛ لأنَّه يَحفظ ما يَملِكه ويُربِّيه. والربُّ في الأصلِ مصدرٌ بمعنى التربيةِ، قال الزُّرقانيُّ: فهو مشترك بين الصفةِ المشبَّهة والمصدرِ. وفيه نظرٌ؛ لأن الشارحَ لم يُجوِّزِ الأمرين، كما هو قاعدةُ المشتَرك، وكان الأَولى ترك قولهِ في الأصل هنا، وذِكْره في الأوَّل أيضًا، والحاصلُ حكايةُ قولين، قولٌ في أصله، واختار البيضاوي (٢) الثاني وقدَّمه، عكس ما فعَل الشارحُ، كـ: "الكشَّاف" (٣)؛ لأنَّ جَعْله مصدرًا أَقوى، إمَّا معنًى؛ فلأنَّه أبلغُ، وإمَّا لفظًا؛ فلأنَّ جَعْلَه صفةً يُحوِجُ إلى تكلُّف جعلِ المتعدِّي لازمًا. لا يقال: يَلزم مِن الوصفِ بالمصدرِ وصفُ الذاتِ بالحَدَث، وهي لا تُوصَف به؛ لأنَّا نقول: وصفُه بالمصدرِ للمبالغةِ، كما وُصف بالعدل. والتربية: هي تبليغُ الشيءِ إلى كَماله شيئًا فشيئًا. ياسين، مع زيادةٍ. قوله: (بمعنى التربية) أصلُ التربيةِ نَقْلُ الشيءِ مِن أمرٍ إلى آخرَ حتى يصلَ إلى غايةٍ أَرادها المربِّي، ثم نُقِل إلى المالِك والمُصلِح؛ للزومِ التربيةِ لهما غالبًا، وهو اسمُ جمعٍ،

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد يُراد بالعالمينَ جميعُ الخلقِ، كما في مقامِ الحمدِ. وقد يُراد بهم الإنسُ والجنُّ، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهو اسم جمع لعالَم -بفتح اللام- لا جمعٌ له؛ لكونه يكون أخصَّ منه، قال البدرُ ابنُ مالكٍ (١): الاسمُ الدَّالُّ على أكثرَ مِن اثنين: إمَّا أنْ يكونَ موضوعًا للآحادِ المجتمِعةِ دالًا عليها دلالةَ تَكرارِ الواحدِ بالعطفِ، وهو [الجمع] (٢) سواءٌ كان له واحدٌ كرِجالٍ، أمْ لم يكن (٣) كأبابيل. وإمَّا أن يكون موضوعًا لمجموعِ الآحادِ دالًا عليها دلالةَ المفردِ على جملةِ أجزاء مسمَّاه، وهو اسمُ الجمعِ، سواء كان له واحدٌ مِن لفظِه، كرَكبٍ وصحبٍ، أوْلا، كقومٍ ورهطٍ. وإنْ كان موضوعًا للحقيقةِ ملغًى فيه اعتبارُ الفردية إلَّا أنَّ الواحدَ يننفي بنفيه، وهو اسمُ الجنسِ، فاعرفه فإنَّه مهمٌّ، محمد الخلوتي. (وقد يُراد بالعالَمين) أي: بهذه اللفظةِ؛ لأنَّ "العالَمين" جمعُ سلامة (٤). (لا جَمْعٌ له لكونِه … الخ) أي: جمع سلامة؛ لأنَّه لا يُجمع جَمْعٌ على سلامة إلَّا اسمٌ أو صفةٌ، فالاسمُ ما كان كعامرٍ عَلَمًا لمذكَّرٍ عاقلٍ، خاليًا مِن تاء التأنيث، ومِنَ التركيبِ،

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والعالَمُ (١) يعمُّ كلَّ موجودٍ سوى اللهِ تعالى، ومن الإعرابِ بحرفين، فلا يُجمع بهذا الجَمْع ما كان مِن الأسماءِ غيرَ عَلَم كـ: رجلٍ، أو علمًا لمؤنَّث كـ: زينبَ، أو لغيرِ عاقلٍ كـ: لاحقٍ -عَلَم لفرس- أو فيه تاءُ التأنيثِ كـ: طلحةَ، أو التركيبُ المزجيُّ كـ: مَعْدي كَرِب، وأجازَه بعضُهم، أو الإسناديُّ كَـ: بَرِقَ نحرُه، بالاتفاق، أو الإعراب بحرفين كـ: الزيدَين أو الزيدِيْن عَلَمًا، انظر الأشموني (٢). قوله (والعالَم يعمُّ كلَّ موجودٍ … إلخ) أي: والعالمَ في اللغة: كلُّ نوعٍ أو جنسٍ فيه علامةٌ يَمتاز بها عن سائر الأنواعِ والأجناسِ الحادثةِ، فيُقال في الأنواعِ: عالَمُ الإنسانِ، وعالَمُ الطيرِ، وعالَمُ الخيل، ويُقال في الأجناسِ: عالَمُ الحيوانِ، وعالَمُ الأجسامِ، وعالَمُ النباتِ، ويَحتمل أن تكون المناسبةُ في تسمية الجنسِ بالعالَم (٣)؛ أنَّ لهما من الفُصول والخواصِّ ما يُعلَمان به، ونقلَهُ المتكلِّمون إلى كلِّ حادثٍ، والمناسبةُ في هذه التسميةِ أنَّ كلَّ حادثٍ فيه عَلَامة تميِّزه عن المُوجِد المولى القديم حتى لا يَلتبسَ بهِ أصلًا، ولهذا رَدَّ مولانا على الضالِّينَ الذين جَعلوا له شركاءَ مِن الحوادثِ فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: اذكُروا أوصافَهم حتى يُنظَرَ أفيها ما يَصلُح للأُلوهيَّة أوْ لا؟ ويَحتملُ أن تكونَ المناسبةُ أنَّ كُلَّ حادثٍ يَحصل العِلْم للناظرِ فيه بما يجب للمولى العظيم مِن عليِّ الصفاتِ، وتنزهُه عن سماتِ المحدَثات، ولهذا قال جلَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال جلَّ وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، والآي في ذلك كثيرةٌ، فالمناسبةُ الأُولى في وضع اللغةِ والاصطلاحِ أنَّه مأخوذٌ مِن العلَامة، والمناسبةُ الثانيةُ تقتضي أنَّه مأخوذٌ مِن العلم، وذكرُ هذا الوصف وهو ربُّ العالمين بعدَ

стр. 79

والصَّلاةُ واختاره ابنُ مالك. (والصلاةُ) الحمدِ شبهُ البرهانِ، انظرْ توضيحَ هذا في "حواشي الدليل" (١). وبالجملة فالعوالمُ بعد أنْ تقرَّر وجوبُ حدوثِها وافتقارِها إلى مَولانا جلَّ وعلا، شَهدت بأنَّ كلَّ كمالٍ قديمٍ وصفُه تعالى؛ لتوقُّف حدوثِها على اتصافِ مَولانا جلَّ وعلا بذلك الكمالِ، وشهدَت بأنَّ كلَّ كمالٍ حادثٍ فِعْلُه؛ لِما شهدَت به مِن وجوبِ الوحدانيَّة لمولانا جلَّ وعلا، فقد شَهدت إذَنْ بأنَّ المدحَ بكلِّ كمالٍ قديمٍ وحادثٍ إنَّما هو لمولانا جلَّ وعلا، وهو معنى الحمدِ، وهذا تقريرٌ يُعرِّفُك أنَّ تعقيبَه جملةَ "الحمدُ لله" في سورةِ الفاتحةِ بالوَصْف وبربِّ العالمين، هو في غايةِ الحُسن والإعجازِ. (واختارَه ابنُ مالكٍ) (٢) أي: اختارَ أنَّ العالمينَ اسمُ جمعٍ لا جمعٌ. (والصلاة) فَعَلة على وزنِ شجرة؛ لأنَّ أصلَها صَلَوَةٌ، تحرَّكت الواو وانفتَح ما قبلها، قُلبت ألفًا، مشتقَّةٌ مِن: صَلِيَ إذا دعا بخيرٍ، وهذا معناها لغةً، وأتى بها مع الحمدِ؛ عملًا بقولِه في بعضِ طرق الحديثِ المارِّ: "بحمد الله والصلاة، فهو أبتر، ممحوقٌ مِن كلِّ بركةٍ" (٣)، وإن كان سندُه ضعيفًا؛ لأنَّه في الفضائِل مع ما في إثباتِها مِن الفَضْل.

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهي من الله رحمةٌ، ومن الملائكة استغفار، (وهي مِن اللهِ رحمةٌ) مقرونةٌ بِتعظيمٍ، أي: الصلاةُ مطلقًا، وأمَّا التي في خصوصِ هذا المقام، أعني الصادرةَ مِن المصنِّف، فهي بإحدى المعاني الثلاثة فقط؛ لأنَّها من آدميٍّ، واضح. فمعنى: صلِّ عليه، أي: ارحمْه رحمةً تَليقُ بمقامِه المنيفِ وجَنابِه الشريفِ؛ زيادةً في شَرَفِه، إذ الكاملُ يَقبَلُ الكمالَ، فاندفع ما يُقال: إنَّه ﷺ أُفرِغت عليه سائرُ الكمالات، فلا يَفتقرُ إلى رحمةٍ، فالجملةُ إنشائيَّةٌ معنًى، خبريَّةٌ لفظًا؛ لأنَّ القصْد بها إيجادُ الصلاةِ. وأُورد على هذا التعبيرِ بأنَّ الرحمةَ فِعْلُها متعدٍّ، والصلاةَ فِعْلُها قاصرٌ، ولا يَحسُن تفسيرُ القاصرِ بالمتعدِّي؟. وأُجيب: بأنَّه لا قُبح في تفسيرِ: مررتُ، بـ: جاوزتُ، مع أنَّ الأوَّلَ قاصرٌ، والثاني متعدٍّ. وتُكرهُ الرحمةُ في حقِّه، وإن كانت بمعنى الصلاةِ، فلا يجوزُ إذا ذُكر النبيُّ ﷺ أنْ يُقال: ﵀؛ لأنَّ لفظَ الرحمةِ صار شِعارًا لغيرِ الأنبياءِ والملائكةِ ممَّن شَأْنُه أن يَرتكبَ الذنوبَ، فلا يُقالُ: لِمَ جازتِ الصلاةُ دون الرحمةِ، مع أنَّهما بمعنًى واحد (١)؟. وقوله: (ومن الملائكة استغفار) (٢) أي: دعاءٌ بالمغفرةِ، وجمَع بين الصلاةِ والسلامِ؛ خروجًا مِن الخلاف في كراهةِ إفرادِ أحدِهما عن الآخَر، كالغزاليِّ (٣) والنوويِّ (٤)، وهو سائغٌ عند الإمامِ ابنِ حنبلٍ.

стр. 81

والسَّلامُ على سيِّدِنا ومن غيرهم تضرُّع ودعاءٌ. (والسلامُ) بمعنى التحية، أو السلامةِ من النقائصِ والرذائلِ (على سيِّدِنا) أي: أشرفِنا وأكرمِنا على الله تعالى (ومِن غيرِهم تضرُّعٌ ودعاءٌ) أي: غيرِ الملائكةِ، فشمَل الآدميينَ والجِنَّ -لأنَّهم مثلُهم في التكليفِ كما سيجيءُ- وباقي الحيوانات، ونقل ابنُ حجرٍ والحافظُ السيوطيُّ في "فتاويهما" (١) أنَّه لم يَرد أنَّ الجماداتِ كانت تصلِّي على النبيِّ ﷺ ، وإنَّما ورَد أنَّها كانت تُسلِّم عليه، وعَطْفُ "دعاء" مِن عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ، إذ التضرُّعُ هو الدعاءُ بابتهالٍ. (بمعنى التحية) أي: زيادتُها، أي: اتجاه السلام إلى النبيِّ ﷺ . و (السلامة) مِن كلِّ سُوءٍ، فـ "أو" في كلام الشارح بمعنى الواو. (على سيِّدنا) الإضافةُ فيه لتعريف العهدِ الخارجيِّ، أي: السيِّد المعيَّن المعلومِ عند أهلِ الملَّةِ، أي: سيِّد خيرِ الأُممِ أو البشرِ، أو المخلوقاتِ، وعلى كلِّ تقديرٍ يُفيد سيادتَه لجميع المخلوقات، فعُلم مِن كلامِه أنَّه ﷺ أفضلُ الخَلْق مطلقًا، وأمَّا قوله: "لا تُفضِّلوا بينَ الأنبياءِ" (٢)، وقوله: "لا تُفضِّلوني على يونس" (٣) ونحوهما؟.

стр. 82

محمَّدٍ (محمَّدٍ) أُجيب عنها: بأنَّه نَهى عن تفضيلٍ يُؤدِّي إلى تنقيصِ بعضِهم، فإنَّ ذلك كفرٌ، أو تفضيلٍ في نَفْسِ النبوَّة التي لا تَتفاوتُ في ذواتِ الأنبياءِ المتفاوتِين في الخصائصِ، وقد قال تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وبأنَّه نَهَى قَبْلَ عِلْمه بأنَّه أفضلُ الخَلْق، ولهذا لمَّا عَلِمَ قال: "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدمَ ولا فخرَ" (١) أو أنَّه نَهى؛ تأدُّبًا وتواضعًا؛ ولئلا يؤدِّيَ إلى الخصومةِ، قال ملَّا علي قاري (٢): وتعديتُه بـ "على"؛ لحصولِ الاستعلاءِ، وتَوهَّم بعضُهم أنَّ "على" مطلقًا للضررِ، واللامَ للنفعِ، وليس كذلك، بل هو مختصٌّ بفعلٍ، تارةً يتعدَّى باللامِ، ومرَّةً بـ "على"، كدعا له ودعا عليه، وشَهد له وشَهد عليه، وحَكم له وعليه، لا يُقال: صلَّى بمعنى دعا، فإنَّه لا يَلزم توافقُ المترادفَيْن في التعديةِ، ألَا ترى أنَّه لا يُقال: صلَّى له، مع أنَّ الصلاةَ إنَّما وردتْ بمعنى الدعاءِ بالخيرِ، فزال الإشكالُ مِن أصله. والسَّيِّدُ: مَن سادَ في قومِه، بمعنى يَفوق قومَه ويَرتفع قَدْرُه، أو مَن كَثُرَ سوادُه، أي: جيشُه، أو مَن تُسرع الناسُ إليه عند الشدائدِ، أو الحَليم الذي لا يَستفزُّه غضبٌ، وعلى الكريمِ، وعلى المالكِ، ولا خفاءَ أن هذه جُمعت فيه ﷺ . (محمَّدٍ) بدلٌ مِن "سيِّدنا" مقصودٌ بالذاتِ، والأوَّل توطئةٌ، فاندفَع ما يُقال: إنَّ جَعْلَه بدلًا يقتضي أن يكون المبدَل منه في حُكم الطَّرْح، فيَلزم أن يكونَ إثباتُ السيادةِ غيرَ مقصودٍ أصلًا، إذِ المقصودُ بالذاتِ الصَّلاةُ والسلامُ على محمَّد ﷺ ، ويجوزُ أن يكونَ عطفَ بيانٍ

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَلَمٌ منقولٌ من اسمِ مفعولِ المضعَّف، سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ من الله تعالى؛ تفاؤُلًا بأنَّه يكثر حمدُ الخَلْقِ له؛ جِيْءَ به للمدحِ، كما يَجِيْءُ النعتُ، فذلك لا يُفسِدُه؛ لتصريحِهم بأنَّ العَلَم يُنعَت ولا يُنعتُ به، وتقديمُ "سيِّدِنا" على "محمد" أبلغُ؛ للدلالةِ على علميَّتِهِ في السيادةِ. (عَلَم منقولٌ) وقيل: مُرتَجل، ومشى عليه ابنُ معطي (١)، وعن الزجَّاجِ (٢): الأعلامُ كلُّها مُرتجَلة؛ لأنَّ النَّقْلَ خلافُ الأصلِ، فلا يَثبُت إلَّا بدليلٍ، وهو التصريحُ بقَصْد النَّقْل مِن الوَضْع. (مِن اسمِ مفعولِ المضعَّف) أي: حمَّد بالتشديد، فهو المرادُ بالفعلِ المضاعفِ في عبارة غيرِه، أي: الفعلِ المكرَّر العينِ لا المصطلحِ عليه. (سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ من اللهِ تعالى) أي: سمَّاه به جدُّه عبد المطلبِ في سابعِ وِلادتِه لموتِ أبيهِ قبلها، فقيل له: لِمَ سمَّيت ابنَك محمدًا، وليس مِن أسماءِ قومِك؟ قال: رجوتُ أن يُحمَد في السماءِ والأرضِ (٣). وقد حقَّق اللهُ رجاءَه -كما سبق في علمه- لا سيما إنْ صحَّ ما نُقل عن جدِّه أنَّه رأى سِلسلةً بيضاءَ خرجتْ منه أَضاء لها العالَم، فأُوِّلت بوَلَدٍ يَخرجُ منه يكون كذلك (٤). وليكونَ على وَفْق تسميتِه تعالى له قَبْل الخَلْق بألفي عامٍ، على ما ورد عن

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أبي نُعيم (١)، وروى ابنُ عساكرٍ (٢) عن كعبِ الأحبارِ، أنَّ آدمَ رآهُ مكتوبًا على ساقِ العَرْش، وفي السماواتِ، وعلى كلِّ قصرٍ، وعلى نحورِ الحور العِين، وعلى ورق شجرةِ طُوبى، وسدرةِ المنتهى، وأطراف الحُجُب، وبينَ أعيُن الملائكةِ. ولم يُسمَّ به أحدٌ قَبْله، لكن لمَّا قَرُبَ زمنُه، ونشَر أهلُ الكِتابِ نعتَه، سمَّى به قومٌ أولادَهم؛ رجاءَ النبوَّة لهم، واللهُ أعلم حيثُ يَجعلُ رسالاتِه، وعِدَّتُهم خمسةَ عشَر، وقيل: تسعةَ عشَر، وقيل: غير ذلك (٣). ونقل المرداويُّ (٤) شيخُ المصنِّف عن بعضِهم: وأمّا أحمدُ فلم يُسمَّ به قَبْلَ النبيِّ ﷺ أحدٌ، لكن لَمْ يكنْ محمَّدًا حتى كان أحمدَ، فنبَّأه وشرَّفه، فلذلك يُقدَّم اسمُ أحمدَ على اسمِ محمَّد، فذكَرَه عيسى ﵇، فقال: اسمُه أحمدُ، وذكَرَه ربُّه حين قال: تلك أمَّةُ أحمد، فقال: اللَّهمَّ اجعلني مِن أمَّة أحمدَ. فبأحمدَ ذُكر قبل أن يُذكر بمحمَّد، وكان قَبلَ حَمْدِ الناسِ له، فلما وُجد وبُعث، كان محمدًا بالفِعْل (٥). واشتُقَّ له ﷺ مِن الحمدِ اسمان، أحدهُما يُفيدُ المبالغةَ في المحموديَّة، والآخَرُ يُفيدُ

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المبالغةَ في الحامديَّة، وهو أحمد، واشتهر الأوَّل مِن بينِ الاسمينِ اشتهارًا أكثرَ، ولذا اختارَهُ المصنِّف من بين أسمائِه، وخصَّ به كلمة التوحيدِ؛ لأنَّه أنسبُ بما لَه مِن مناقبِ المحموديَّة، وذكَر ابنُ الحاج (١) في "المدخل" (٢) عن الحسنِ البصريِّ: إنَّ اللهَ تعالى ليُوقِف العبدَ بين يدَيْه، اسمُه أحمدُ أو محمَّد، فيقول: يا عبدي أمَا تَسْتحي وأنتَ تَعصيني، واسمُك اسمُ حبيبي؟ فيُنكِّسُ العبدُ رأسَه حياءً، ويقول: اللهمَّ إنِّي قد فعلتُ. فيقول اللهُ : يا جبريلُ، خُذْ بيدِ عبدي وأَدخله الجنةَ، فإنِّي أَستحي أَنْ أُعذِّب بالنارِ مَن اسمُه اسمُ حبيبي (٣). وأمَّا حروفُ اسمِه ومعانيها، فقال قومٌ: إنَّ معنى الميمِ: مَحْقُ الكفرِ بالإسلام، أو مَحْيُ سيئاتِ مَن اتَّبعه. وقيل: الميمُ: مَنُّ اللهِ على المؤمنين بمحمَّد ﷺ ، دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقيل: الميمُ: مُنذِر ومبشِّر. وقبل الميم: مَلِكُ أمَّته. وقيل: المقامُ المحمودُ. أما الحاءُ، فقيل: حُكمه بين الخَلْق بحكم اللهِ تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وقيل: حياةُ أمَّته به. وأما الميمُ الثانيةُ: فمغفرةُ اللهِ لأمَّته. وقيل: مُنادي الموحِّدين. وقيل: مَلِكُ أمَّته. وأما الدالُ: فهي الدَّاعي إلى اللهِ تعالى ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [الأحزاب: ٤٦] فهو دليلُهم في الدنيا، ودليلُهم في الآخرة إلى الجنَّة، ذكَره النيسابوريُّ (١). وأما وقوعُ الأحرفِ على الترتيبِ والشكلِ الخاصِّ، فقيل: لأنَّ اللهَ تعالى خلَق الخَلْق على صورةِ محمَّد ﷺ ، فالميمُ بصورةِ رأس الإنسانِ، والحاءُ بمنزلةِ اليَدَيْن، وباطنُ الحاءِ كالبطن، وظاهرُها كالظَّهْر، والميمُ مجتمعُ الأَليتين والمخرج، وطرفا الدالِ كالرِّجْلَين (٢). وفي اسمِه عشرُ خصائصَ: أضاف اللهُ تعالى اسمَه إلى نفسِه. والثاني: خلَق الخَلْق على صورةِ اسمِه. والثالث: قرَنَ اسمَه مع اسمِه. الرابعُ: كتَب اسمَه على ساقِ العرْشِ، ويُروى أنَّ اللهَ تعالى لما خلَق العرشَ اضطربَ، فلما كتبَ عليه محمدًا، سكنَ، وفيه تنبيةٌ على أنَّ هذا المخلوقَ الأكبرَ لم يَسكُن حتى كُتب اسمُ هذا المكتوبِ الأكبرِ عليه. الخامس: اشتقاقُ اسمِه مِن اسمِه المحمودِ. السادس: جَرْيُ سفينةِ نوحٍ باسمِه. السابع: وافقَ اسمُه اسمَ اللهِ في عددِ الحروفِ. الثامن: سُخِّرت الشياطينُ لسليمانَ بذكر اسمِه. التاسع: تاب اللهُ على آدم باسمِه، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] ورُوي أن آدمَ لما رأى اسمَ محمَّدٍ مكتوبًا في العرشِ، قال: اللهمَّ إنِّي أسألك بحقِّ محمدٍ أنْ تتوبَ عليَّ، فتاب عليه. والعاشر: كُني آدمُ بأبي محمَّد دونَ سائر أولادِه، فكُني بأشرفِ بَنيْه (٣).

стр. 87

وعلى آلِهِ لكثرةِ صفاتِه الجميلة. (وعلى آله) أي: أتباعه على دينهِ (لكثرة صفاته الجميلة) قال الدَّنوشري: قال بعضُهم: لو قال: لكثرةِ حَمْدِ الناسِ له، لكان أحسنَ؛ لأنَّه المناسبُ لكونِه اسمَ مفعولٍ، وقد يُقال: مَن كثُرت خصالُه الحميدةُ، حُمد بها، فكثرةُ الصفاتِ الجميلةِ يَلزمها كثرةُ الحمدِ، ولا يَلزم مِن كثرةِ الحمدِ كثرةُ الصفاتِ الجميلةِ. ياسين. (وعلى آله) عطفٌ على الجارِّ والمجرورِ، لا على الجارِّ وحدَه؛ بدليل إعادتِه، ففي إعادتِه الإشارةُ إلى أنَّ الصلاةَ عليهم مطلوبةٌ بالنصِّ (١)، بخلاف استحبابِها على الأصحابِ، فإنَّه بطريقِ الإلحاقِ بالأوَّل، ولهذا أسقطَها فيه، والرَّدُّ على الشيعةِ القائلينَ بمَنْعها، وأنَّه يَجبُ تركُ الفصلِ بينه وبين "آله" ويَنقلون في ذلك حديثًا موضوعًا (٢)، وهي هنا مجرَّدة عن المضرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] فَلا يَرد أنَّ الصلاةَ بمعنى الدعاءِ، وإذا استُعمل الدعاءُ مع كلمة "على" تكون للمضرَّة، مع أنّه يُمكن الفرقُ بين صلَّى عليه، ودعا عليه. هذا وكلمةُ "آلِه" اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه، واختُلف في أَلفه، منقولة عن هاءٍ أو

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن واوٍ؟ قال ياسين بالأوَّل، وأصلُه عنده أهل، قُلبت الهاءُ همزةً، والهمزةُ ألفًا (١)، لا يُقال: هلَّا قلبت الهاء ابتداءً ألفًا؛ لأنَّ قلبَها ألفًا لم يَجِئ في موضعٍ آخرَ حتى يقاس (٢) عليه، وأمَّا قَلْبُها همزةً، فشائعٌ، فإن قيل: القلبُ عندهم للتخفيف (٣)، وفي قَلْب الهاءِ همزةً ثِقَلٌ؟. أُجيب: بأنَّه إنَّما قَلبوها همزةً؛ للتوصل إلى قَلْبها ألفًا، وهي أخفُّ، واستدلَّ لذلكَ بتصغيرِه على أهيل (٤)؛ لأنَّ التصغيرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أُصولها. وفي "القاموس" (٥): إنَّ تصغيرَه أُهيل، وأويل. فلا دلالةَ في التصغيرِ على تعيينِ أحدِهما، كما هو المشهور. ونظَر فيه بعضُهم أيضًا بأنَّه يَجوز أنْ يكونَ أُهيل تصغير أهل لا آل، والدليلُ إذا طرقَه الاحتمالُ سقَط به الاستدلالُ؛ لما حكاه الكسائيُّ (٦) أنَّه سَمع أعرابيًا فصيحًا يقول: أَهل وأُهيل، وآل وأويل. أجاب شَنَواني (٧): بأنَّ أئمَّة اللغةِ نَقلوا أنَّه تصغيرُ آل، ولعلهم فَهموا ذلك مِن كلامِ

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العربِ بقرائن، وهُم ثقاةٌ في النقلِ جدًّا، وانظر ثمرةَ الخلافِ مع بلوغِ ذلك للكسائي، وما ورَد عنه. ويُمكن أن يُقال: إنَّما اشتَهر عنه القولُ بـ: أويل، وإنْ كان يقولُ بـ: أُهيل أيضًا؛ لمخالفتِه لسيبويه في أُهيل (١). فإن قيل: لو كان أوَلٌ أصلًا لآل، لنطَق به العربيُّ، فقال: وأوَلٌ وأُوَيلٌ؟. أُجيب: بأنَّه إنَّما لم يَنطق بذلكِ الأصلِ؛ لأنَّه مرفوضٌ في كلامِهم؛ لأنَّ كلَّ واوٍ متحركةٍ وَقعت إِثْرَ فتحةٍ، لا يُنطَق بها، فجاز أن يكونا عند الكسائيِّ [مادتين مختلفتين] (٢)، كما قال الدمامينيُّ (٣). وجاز أن يكون: "آل" له أَصلان: أهل وأول، فصُغِّر على أُهيل؛ باعتبارِ الأول، وعلى أُويل؛ باعتبار الثانى، وقال بالثاني الكسائيُّ، وأَصله عنده أول، من: آل يؤول إلى كذا، إذا رجَع إليه بقرابةٍ ونحوِها، تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها، قُلبت ألفًا، واستدلَّ بتصغيرِه على أُويل (٤). فإن قيل: الاستدلالُ بالتصغيرِ فيه دَوْرٌ (٥)؛ لأنَّ المصغَّر فرعُ المكبَّر، وقد توقَّف العِلْم بأصالة ذلك الحرفِ في المكبَّر على أصالته في المصغَّر؟. قلت: الجوابُ بمَنْع الدورِ؛ لأنَّ تقُّفَ الفرعيَّةِ على ما ذُكر توقُّفُ وجودٍ لا توقُّف عِلْم، وتوقُّف أصالةِ الحرتِ على ما ذُكر توقُّفُ عِلْم لا توقُّفُ وجودٍ، فلم تتَّحدْ جهةُ التوقُّف.

стр. 90

وصَحْبِه (وصحبِه) اسم جمعٍ لصاحب لا يقال: اختصاصُهُ بأُولي الخطرِ والشرفِ يَمنع من التصغيرِ؛ لأنَّ المعتَبر فيه الشرفُ باعتبار المضافِ إليه دونَ ذواتِهم، ولو سَلِمَ، فالتحقيرُ باعتبارٍ لا يُنافي الخطَر باعتبارٍ آخَرَ، مع أنَّ الخطرَ والشرفَ تتفاوتُ مراتبُه بحسَب الإضافاتِ. وأيضًا فالتصغيرُ يكون للتعظيمِ وهو مخصوصٌ بالإضافةِ إلى المعارفِ الناطقةِ دون النكراتِ ودون الأَزمنة والأمكنةِ، يقال: آلُ فلانٍ، ولا يُقال: آلُ رجلٍ، ولا آلُ زمانِ كذا، ولا موضعِ كذا، كما يُقال: أَهلُ زمانِ كذا، وبلدِ كذا، ومخصوصٌ أيضًا بالإضافةِ إلى مَن له خطرٌ في الدِّينِ أو الدنيا مِن الذُّكور، فلا يُقال: آل الإسكاف والحائِكِ، وآل فاطمة، بخلافِ "أَهل"، فإنَّه لَأعمّ مِن ذلك، وإنَّما قيل: آل فرعون؛ لتصوُّره بصورةِ الأَشراف، أو لأنَّ له شرفًا باعتبارِ الدنيا (١). شَنَواني. (وصحبه) بينَه وبينَ الآلِ -على المشهورِ- عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ، فالعطفُ مغايرٌ، يجتمعان في سيِّدنا الحسن والحسين، وينفردُ الصحب في سيِّدنا أبي بكر الصديق، وينفردُ "الآلُ" في الأَشراف الآن، وعلى إرادةِ جميع أمَّة الإجابةِ -على ما ذهبَ إليه إمامُنا ابنُ حنبلِ في مَقام الدعاءِ- فالعطفُ مِن عطفِ الخاصِّ على العامِّ (٢)؛ لشرفِهم واستحقاقِهم مزيدَ الدعاءِ بكثرةِ نَقْلِهم الشرائعَ إلينا عن صاحبِ الشريعةِ، فلا جرم لهم الدعاءُ مرَّتين بالعمومِ والخصوص، وبهذا عُلم أن بينَ "الصَّحْبِ" و"الآلِ " [عمومًا وخصوصًا] (٣) مطلقًا. (اسمُ جمعٍ لصاحب) كَركْب اسمُ جمعٍ لراكبٍ؛ لأنَّ "فَعْلًا"، ليس من أَبنبة الجمعِ، خلافًا لأبي الحسن الأخفش (٤)، واسمُ الجمعِ: هو ما وُضع لمجموعِ الآحادِ دالَّا عليها

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمعنى الصحابي، وهو مَن اجتمع بالنبيِّ ﷺ ولو لحظةً، وإن لم يَرَهُ ولم يرْوِ عنه، مؤمنًا دلالةَ المفرَدِ على جملةِ أجزاءِ مسمَّاه. والجمعُ: ما وُضع لمجموعِ الآحادِ المجتمعةِ دالًّا عليها دلالةَ تَكرارِ الواحدِ بالعطفِ. أشموني في خاتمة جمع التكسير (١). (بمعنى الصحابي) أي: إنَّ "صاحبَ" ليس المرادُ به معناه الأَصلي مِن أنَّه مَن طالَتْ معاشرتُه واجتماعُه، وإنما المرادُ به الصَّحابيُّ الذي هو مَنِ اجتَمع … إلخ. (وهو) أي: الصَّحابيُّ في مَقامِ الدعاءِ، بأَنْ أُريد تعريفُ حقيقةِ الصحابيِّ، أي: مَن يصحُّ أَنْ يُطلَق عليه اسمُ الصحابيِّ، فلا حاجةَ إلى زيادةِ: وماتَ على ذلك، فكان الأوْلى زيادةُ: "وهو هنا"، وإسقاط: وماتَ على ذلك. (مَن اجتمعَ) في تعبيرِه بـ: "اجتمعَ" إشعارٌ باشتراطِ اتِّصافه بالتمييزِ حين اللقاءِ، والمعتمدُ أنَّه لا يُشتَرط التمييزُ، فالأَولى أنْ يعبِّر بالنفي؛ لأنَّه أقلُّ إيهامًا مِن هذا، ودفَع ذلك الشارحُ بقولِه: "ولو لحظة" فَلَم تُشتَرط الإطالةُ في اجتماعِه بالمصطفى ﷺ ، هذا هو الصحيحُ مِن الخلافِ فيه، بخلافِ التابعيِّ وهو صاحبُ الصحابيِّ، فلا بُدَّ فيه من الطُّول من الأَخذِ. والفرقُ أنَّ (٢) الاجتماعَ به ﷺ ولو لحظةً يؤثِّر مِن النورِ القلبيِّ أضعافَ ما يُؤثِّرُه الاجتماعُ بالصحابيِّ، ولهذا كانَ الأعرابيُّ الجِلْفُ بمجرَّد اجتماعِه به ﷺ يَنطِق بالحكمةِ لوقتِه، ببركةِ طلْعتِه الشريفةِ ﷺ ، ومن ذلك كانت تربيتُه ﷺ للصَّحابةِ، فكانوا يستغنونَ برؤيةِ طلعتِه الشريفةِ عن كلِّ رياضةٍ ومجاهَدةٍ، ويَنتفعون بأنوارِ طَلعته السعيدةِ أكثرَ ما يَنتفعون بالأذكارِ في مدَّة مديدةٍ، ولهذا كانت درجةُ الصُّحبةِ لا تُضاهى، والمرادُ بالاجتماعِ المتعارَفُ، وهو: أن يكونَ بالأبدانِ في عالَم الدنيا لا ما وَقَع على سبيلِ خَرْقِ

стр. 92

وتابِعيهم أجمعِين. ومات مؤمنًا. (وتابعيهم) أي: تابعي الصَّحْب؛ يقال: تبعه -من بابَيْ ضَرَبَ وسَلِمَ- إذا مشى خلفَه، وهو اصطلاحًا: من اجتمع بالصحابي. والمراد هنا مَن اقتدى بهم في أقوالهِ وأفعالهِ إلى يوم القيامة (أجمعين) تأكيد للآلِ والصحبِ والتابعين؛ مفيدٌ للإحاطةِ (١) والشمولِ. العادة، فيَخرجُ اجتماع الأنبياءِ بهِ ﷺ ليلةَ الإسراءِ في السماءِ (٢)، ورؤيتُه في المنامِ أو اليقظةِ بعدَ موتِه (٣)، والملائكة تلكَ الليلة أو غيرِها. (ومات مؤمنًا) مفهومُه: أنَّه لو ارتدَّ أحدٌ مِن الصحابةِ ثُمَّ أسلم، ومات مؤمنًا، لم يَزُلْ عنه وصفُ الصُّحبةِ، وهو كذلك، على ما ذهبَ إليه المصنِّف في "شرحه للمنتهى" (٤) وهو مبنيٌّ على أنَّ إحباطَ العملِ بالرِّدَّة مشروطٌ بالموتِ على الكُفر، لا بمجرِّد الرِّدَّة؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية [٢١٧ من سورة البقرة] وهو أحدُ قوليْن في المسألةِ، والثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِط العملَ بمجرَّدها. (والمراد) به (هنا) أي: والمرادُ بالتابعيَّ في مقامِ الدعاء. (مَن اقتدى بهم) أي: تَبعَ الصحابةَ. (في أقوالِه) الضميرُ راجعٌ لـ: "مَنْ"، ولذا أَفرده. (مفيد للإحاطةِ والشُّمولِ) كان الأولى إسقاطُ: "مفيد"؛ لأنَّ هذا توكيدٌ للإحاطةِ والشمولِ المستفادَيْن مِن "آله وصحبه"؛ لأنَّ اسمَ الجمعِ المضاف يفيدُ العمومَ. أفاده ياسين.

стр. 93

وبَعْدُ: (وبعدُ) كلمةٌ يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، (وبعدُ) حاصلُ ما ذَكره الشارحُ أنَّه تكلَّم عليها مِن ثلاثةِ أوجهٍ: الأول: فيما تُستَعمل فيه: (يُؤتَى بها للانتقالِ مِن أسلوبٍ الى آخَرَ) أي: بعدَ ما تقدَّم مِن البسملةِ والحمدلةِ والصلاةِ على من ذُكر، فهذا مختصرٌ، فلا يَسوغُ الإتيانُ بها في أوَّل الكلامِ، أي: لا يَليقُ ولا يُستحسنُ، ولا في آخرِه، بل بين كلامَيْن متغايرَيْن، ثمَّ إذا كان بين الكلامَيْن تناسبٌ، سُمِّيَ الانتقالُ مِن الكلامِ الأوَّل للثاني تخلُّصًا (١)، وإذا كان بينهما نَوعُ مناسبةٍ، سُمِّيَ ذلك الانتقالُ اقتضابًا قريبًا من التخلُّص، كما هنا، وإذا لم يكن بينهما مناسبةٌ أصلًا، سُمَّيَ اقتضابًا (٢)، وهو القَطْعُ، سُمِّيَ بذلك؛ لأن المتكلِّمَ قطَعَ الكلامَ الأوَّلَ وأتى بكلامٍ آخرَ مغايرٍ للأوَّل. الثاني: في حُكمها: بأن الإتيان بها يُسَنُّ؛ للاقتداءِ، بالنبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه كان يَأتي بها في خُطَبه وكُتُبه، كلما ثبت في صحيح الأخبارِ عن الأئمة الأخيارِ، بل رواه عبد القادر الرُّهاويُّ (٣) عن أربعين صحابيًّا، لكن الثابت إنَّما هو إتيانُه بأصلِها وهو "أما بعد" على ما مَشى عليه الشارحُ. وأما "وبعد" فهل الإتيانُ بها سنَّة أيضًا قياسًا؛ لأنَّ ما ثبتَ للأصلِ يثبت لفرعهِ، أو اقتصارًا على ما ورَد، لكن أَتى ابنُ عبدِ الحقِّ كالشارحِ بما يَقتضي التفرقةَ بينهما، حيث

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال، عند قولِ شيخ الإسلامِ: وبعد: وأتى بها اقتداءً بغيرِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يَأتي بأصلِها في خُطَبه، وهو: "أما بعد"؟ أُجيب: بأنَّ اقتصارَ بعضِ المصنِّفين كالمصنِّف على "وبعد"؛ إمّا للاختصارِ، أو لأنَّهم فَهموا أنَّ المدارَ على لفظِ "بعد" لا على لفظِ "أما"، فأَتوا بالواو مكانَها. واختُلف في أوَّل مَن تكلَّم بها؟ فقيل: قسُّ بنُ سَاعِدة (١)، وقيل: يَعرُبُ بنُ قَحطانَ (٢)، وقيل: إنَّها فصلُ الخطابِ الذي أُوتيَه داودُ (٣)، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وقد نظم ذلك بعضُهم فقال: جَرى الخُلْف أمَّا بعد مَن كان قائِلًا … لها خمسُ أقوالٍ وداود أقربُ وكانت له فَصْلَ الخطابِ وبعدَه … فقُسٌّ فسحبانٌ فكعبٌ فيعربُ (٤)

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: غيرُ ذلك. ومن المعلوم أنَّ لها في العربية أربعَ حالاتٍ: الأولى: أن يَذكُر ما تُضاف إليه. الثانية: أنْ يَحذِف ما تُضاف إليه، ويَنوي ثبوتَ لفظِه. الثالثة: أن يَحذِف ما تُضاف إليه، ويَنوي معناه دون لفظه. الرابعة: أن يَحذِف ما تُضاف إليه، ولا يَنوي شيئًا، فإذا ذُكر ما تضافُ إليه فتعربُ نصبًا على الظَّرفيَّة أو خفضًا بـ "من" (١)، تقول: جئتُ بعدَ زيدٍ ومِنْ بَعْدِ عمروٍ، فجئتُ: فعلٌ وفاعلٌ بعدَ: منصوب على الظرفيَّة، ونصبها الفتحةُ، وهي مضافٌ. وزيدٍ: مضافٌ إليه. ومِن بعدِ عمروٍ: جارٌّ ومجرورٌّ، ومضافٌ ومضافٌ إليه. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦] الفاء: بحسب ما قَبْلها، وبأيِّ جارٌّ ومجرورٌّ. وأي: مضافٌ إليه. وحديثٍ: مضافٌ إليه. بَعْدَ: ظرفٌ منصوب على الظرفيَّة، ومضافٌ ومضافٌ إليه. وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]، فمن بعد: جارٌّ ومجرورٌّ. ما: نافيةٌ. أهلكنا: فعلٌ وفاعلٌ. القرونَ: مفعولٌ، والأُولى: صفةٌ. وإذا حذفَ ما تُضاف إليه ونوي ثبوت لفظِه، فتعربُ الإعرابَ المذكورَ، ولا تُنوَّنُ؛ لنيَّة الإضافةِ، تقول: جئتُ بَعْدُ. ومِنْ بَعْدُ، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾ [الروم: ٤]. وإذا حُذف ما تُضاف إليه ولم يَنوِ شيئًا، أي: قُطعتْ عنِ الإضافةِ لفظًا ومعنًى، فتُعربُ أيضًا الإعرابَ المذكورَ، ولكنها تنوَّن، وتخرُج عن الظرفيَّة؛ لأنَّها حينئذٍ اسمٌ تامٌّ (٢)، كسائرِ

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكان ﷺ وأصحابُه يأتون بأصلها، وهو "أما بعد" في خُطَبهم (١) ......... أسماءِ النكراتِ، فتقول: جئتُكَ بَعْدٌ، أو مِن بَعْدٍ. وإذا حُذف ما تضاف إليه ونُوي معناه دون لفظه -أي: معنى ما تقدَّم بقَطْع النظرِ عن اللفظِ- فتبنى حينئذٍ على الضَّمِّ، كقراءةِ السبعةِ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢) [الروم: ٤] فبعدُ: ظرفٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ؛ لافتقارِه إلى لفظِ المضافِ إليه بنيَّةِ معناهُ دون لفظِه، والعاملُ فيها "يكن"، فهي من معمولاتِ الشرطِ على الصحيحِ، أي: عامل فيها، وقال ياسين: العاملُ فيها "أمَّا" المقدَّرةُ بعد الواوِ؛ لنيابتِها عن فعل واسمه، أي: العامل فيها "أمَّا"، التي نابت عنها الواوُ؛ لنيابتها عن فعلِ الشرطِ وهو "يكنْ" كما نابت عن أداة الشرط وهي "مهما"، والأصلُ: مهما يكن مِن شيءٍ بعدُ (٣) إلى آخر ما تقدَّم. وإذا بُنيت على الضمِّ، يُنال عنها ثلاثةُ أسئلةٍ؛ لأن الاسمَ إذا بُني على حركةٍ يُسْأَل ثلاثةُ أسئلةٍ، فيقال: لِمَ بُني، ولِمَ حُرِّكَ، ولِمَ كانت الحركةُ كذا؟ فيُجاب: إنَّما بُنيت "بعدُ"؛ لمشابهتِها الحرفَ في الافتقارِ، وإنما بُنيت على حركةٍ؛ تخلُّصًا من التقاءِ الساكنين، وإنَّما كانت الحركةُ ضمَّةً؛ جبرًا لها عمَّا فاتَها مِن الإضافةِ بأقوى الحركاتِ، وهو الضمُّ (٤).

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لذلك، ولكون أصلها ذلك، لزمتها الفاء في حيِّزها. الثالث في أصلِها: أصلُها: "أمَّا بعدُ" بدليلِ لزومِ الفاءِ في حيِّزِها؛ لتضمُّن "أمَّا"، معنى الشرطِ "الأصل مهما يكن مِن شيء بعد"، لما ذكر ياسين في تفسير: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ: مهما يكن مِنْ شيءٍ بعدُ فزيدٌ ذاهب، فأفادَ بهذا التفسيرِ أنَّ "أمَّا" دالةٌ على الشرطِ والتأكيدِ، ولهذا قال الزمخشريُّ: فائدة "أمَّا" في الكلام أن تعطيه فضلَ توكيدٍ تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قصدتَ توكيدَه، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهب. فـ "مهما" اسمُ شرطٍ جازمٍ يجزِمُ فعلين، الأولُ: فعلُ الشرطِ، والثاني: جوابُه وجزاؤُه، وهو في محل رفعِ مبتدأ، والاسميَّةُ لازمةٌ له، و"يكنْ"، فعلُ الشرطِ، وهو الخبرُ على الصحيحِ، واللازمُ له الفاءُ في الجواب غالبًا (١). ولمَّا تعذَّرَ وجودُ الاسميَّةِ في "أمَّا"؛ لتعيين حرفيَّتِها، أقاموا لُصوقَها للاسمِ الذي هو "بعد" -أي: وقوعُه بعدَها بلا فاصلٍ-مقامَ الوجودِ بالفعل، وهذا معنى قولهم في الجملة، واعترضَ على لصوقِ الاسمِ بقولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨]، وأجاب السعدُ: بأنَّ التقديرَ: فأمَّا المتوفَّى، فالاسمُ لاصق تقديرًا، ومعنى تضمُّنِ "أمَّا" معنى الشرطِ، دلالتُها عليه، وأما تضمُّنُها معنى الابتداءِ، فلم يظهرْ له معنًى، إلَّا أنْ يُرادَ به الوقوعُ موقعَه بعدَ جعل المصدرِ بمعنى اسمِ المفعول، والإضافةُ بيانيَّةُ أيِّ معنى هو الابتداء. "يؤتى بها للانتقالِ من أسلوبٍ … إلخ" أي: مِنْ نَمطٍ وغرضٍ إلى نمطٍ وغرضٍ "آخرَ"، أي: مِنْ كلامٍ. (لذلك) أي: للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر. (في حيِّزها) غالبًا، أي: في حيِّز قربِها؛ لعدم تأتِّي الشيءِ في حيِّز غيرِه مع وجوده فيه؛ لأنَّ حيِّزَ الشيءِ معناهُ: المكانُ الذي استقرَّ فيه ذلكَ الشيءُ وكان مشغولًا بهِ، والمشغولُ

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأصل الأصل: مهما يكن من شيء بعد الحمدِ والصلاةِ على النبي ﷺ . بشيء لا يكونُ مشغولًا بغيره، أيْ: في لزومها "إنَّما" مكانَ "هو"؛ لتضمُّن "أمَّا" معنى الشرطِ، وإنَّما لزمت الفاء بعدَها، ولم تلزمْ بعدَ غيرها من الشروط؛ لأنَّ الشرطيةَ لمَّا كانت لها بالنيابةِ عنِ الشرطِ، لزمت الفاءُ؛ لتدلَّ عليها بخلافِ غيرِها، وإنمَّا لزمت الفاءُ أيضًا مع "أمَّا" دونَ "مهما"؛ لأنَّ "أمَّا"، لما كانتْ دلالتُها على الشرطِ بإنابتِها عن "مهما" و"يكن" ضعُفتْ فاحتاجوا للزومِ الفاءِ؛ لتدلَّ على الشرطيَّةِ. (وأصل الأصل: مهما يكن من شيء بعد … الخ). فحُذفتْ "مهما"، و"يكنْ" وأقيمتْ "أمَّا" مقامَهما، فلزمَها ما لزمهما مِنْ لُصوقِ الاسميَّةِ والفاءِ في الجواب؛ إقامة للَّازمِ مقامَ الملزومِ، فاللازمُ الاسميَّةُ والفاءُ في الجواب غالبًا، والملزومُ "مهما، و"يكن"؛ لأن "مهما" مبتدأٌ، ومن لازمِ المبتدأ الاسميَّةُ، و"يكنْ" فعلُ الشرطِ، واللازمُ الفاءُ في الجوابِ غالبًا، فتلخَّص مِنْ هذا كلِّه أنَّ الأصلَ "مهما يكنْ من شيء بعدُ" فحُذفت "مهمَا" و"يكنْ"، وأقيمتْ "أمَّا" مقامَهما، وأنيبتِ الواوُ منابَها، فالواو نائبةٌ منابَ النائبِ، وقولُهم: "مِنْ شيء"، بيانٌ للضمير في "يكن"، إذِ القصدُ مِنْ ذلك تحقُّقُ مدخولِ الفاءِ وهو الجزاءُ، وأنَّه واقعٌ لا محالةَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على ما هو محقَّقُ الوجودِ وهوَ وجودُ شيء ما أعمُّ عن الزمان والمكان وغيرِهما، وذلك محقَّقُ الحصولِ؛ لأنَّ الكونَ لا يَخلو عن وجودِ شيءٍ مِنْ ذلك، والمعلَّق على الموجودِ موجودٌ، والمقصودُ منها التأكيدُ، أي: والمقصودُ منها تعليقُ أوصافِ المؤلَّفِ على وجود شيءٍ في الكون المقتضي لوجودِها؛ لأن المعلَّق على الموجودِ حاصلٌ؛ لأن الكونَ لا يخلو عن وجودِ شيء. وأمَّا قولُهم: "يكنْ" تامَّةٌ، وفاعلُها إمَّا "شيءٌ" على أنَّ "مِنْ" زائدةٌ في قول أبي عليٍّ، فهو مردود بلزوم خلوِّ خبرِ المبتدأ مِنْ عائدٍ ولزومِ زيادةِ "مِنْ"، في الإثباتِ، إلَّا أن يجابَ عن

стр. 99

فهذا مختصرٌ (فهذا) المؤلَّف الحاضرُ في الذهنِ (مختَصرٌ) قلَّ لفظُه، وكثُر معناه الثاني بأنَّها زائدةٌ في شبهِ النفيِ وهو الشرطُ، وإمَّا ضميرٌ مستترٌ راجعٌ لاسم الشرط، و"مِنْ" لبيان الجنس، ويُشكِل عليه أنَّه لم يَجرِ على جنسٍ بعَيْنه، كذا قال الدماميني (١). وأقول: المقصودُ من البيان هنا التعميمُ ودَفْعُ توهُّم إرادةِ نوع بعَيْنه، قاله شيخُنا الشريف الشَّوْبري. وقولُه: المقصودُ من البيان … إلخ فلا يُقال: الأصلُ في البيان كونه معيَّنًا مبيِّنًا لجنس معيَّن. ا هـ. شيخنا مَدَابغي (٢). (فهذا … مختصر) الفاءُ رابطةٌ للجوابِ بالشرطِ، والهاء للتنبيه، و"ذا"، اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ في محلِّ رفعٍ، و"مختصر" خبرٌ، وجملةُ "فهذا مختصر" من المبتدأ والخبرِ في محلِّ جزم جواب الشَّرطِ. (المؤلَّفُ الحاضرُ في الذِّهن) فالإشارة إلى المصنَّفِ المرتَّب الحاضرِ في الذهن، وهو قوَّةٌ في النَّفْس معدَّةٌ لاكتساب المعاني، سواءٌ كان تصنيف الخطبة قبل أو بعدُ، إذ لا حضورَ للألفاظ المرتَّبة ولا لمعانيها في الخارج، فالإشارةُ ليست إلى محسوسٍ في الخارج ولو كان المؤلَّفُ وُضِع قبل الخُطبة؛ لأنَّ الألفاظ لا حضورَ ولا قرارَ لها في الخارج؛ لأنَّها عَرَضٌ وهو سيَّالٌ لا يبقى زمانين (٣)، وإذا كانت الألفاظُ لا قرار لها، فالمعاني أوْلى؛ لأنَّ الألفاظ هي الدَّوَالُّ على المعاني، فإذا ذهب اللفظُ ذهب بمَدْلوله، هذا على المختارِ من أسامي الكُتب وتراجِمها، عبارةٌ عن الألفاظ المخصوصة الدالَّة على معانٍ مخصوصةٍ، فقَوْلُ مَنْ

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: إن كانت الخُطبةُ بعدُ، فالإشارةُ إلى ما في الخارج غيرُ ظاهر، إلا أن يريدَ النقوشَ لا الألفاظَ ولا المعاني، ولا المركَّبَ من الثلاثة أو من اثنينِ منها؛ لأنَّنا إذا أرَدْنا النقوشَ وحدَها، صحَّت الإشارة لِما في الخارج؛ لأنَّ النُّقوشَ لها وجودٌ في الخارج، بخلاف الألفاظِ والمعاني والمركَّب؛ لأنَّه إذا كان بعضُ المشارِ إليه غيرَ موجودٍ في الخارج، لا يصحُّ كونُ الإشارة لِما في الخارج؛ لانعدام بعضِه إذا كانت النُّقوش بعضَ المركَّب، وأمَّا إذا كان التركيب من غير النقوشِ، فجميعُ المشار إليه غيرُ موجود، وحاصلُ الاحتمالاتِ الإشارةُ أنَّها للنُّقوش أو الألفاظ أو المعاني، أو الثلاثةِ، أو النُّقوشِ مع الألفاظ، أو مع المعاني، أو الألفاظِ مع المعاني. فإنْ قلتَ: ما المانعُ من جَعْل الإشارةِ للألفاظ على سبيل المجازِ، باعتبار أنَّها وُجِدَتْ وانقضَتْ، فالإشارةُ إلى ما وُجِد وانقضى، وإن لم يَدُم وجودُه؟. أجيب: بأنّه بعيدٌ؛ لأنَّ الأصلَ وجودُ المشارِ إليه حالَ الإشارة إليه، والذي انقضى إنَّما يعبَّر عنه بـ: كان كذا، وجَعلُ الإشارة لِما في الخارج باعتبار النُّقوش غيرُ مناسبٍ أيضًا؛ لأنَّ النُّقوشُ هنا غيرُ مقصودةٍ لذاتها، بل لأجل الألفاظ الدالَّةِ على المعاني، وإنَّما تُقصَد النُّقوشُ لذاتها في نحو تصويرٍ وتزويقٍ. وأيضًا الحاضرُ عند المصنِّف وقتَ الإشارة خصوصُ النُّقوش التي كتَبها بيده -إنْ كان بصيرًا- أو كُتبت عنه -إنْ كان أعمى مثلًا- وليس المقصودُ بالتسمية بالمختصر وبالكتاب الفلاني، ولا الموصوفِ بالأوصاف التي تذكَر خصوصَ شخصِ تلك النُّقوشِ المذكورةِ، بل المرادُ تسميتُها وتسميةُ ما شاكَلَها من جميع ما نُقِلَ منها إلى يوم القيامة، وذلك ليس حاضرًا عند المصنِّف وقتَ الإشارة. فإنْ قيل: إنَّ ما في الذهن مجملٌ، والمختصَر المشارُ إليه بهذه أمورٌ مفضَّلةٌ، فيفوتُ ما

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو الواجبُ في التفصيل والإجمال من مطابقةِ المبتدأ للخبر؟. أُجيب -بعد تسليم أنَّ المفضَّل لا يقوم بالأذهانِ-: بأنَّ هناك مضافًا محذوفًا، أي: مفصَّلُ هذا مختصرٌ، فالإشارةُ إلى تلك الألفاظ المجملةِ والإخبار عن ذلك المحذوف. لا يُقال: الألفاظُ التي وقعت الإشارةُ إليها وأخبر عن مفصَّلِها بالمختصر ليست الَّا الموجودة في ذهن المصنِّف، فيلزم على هذا لا يُسمَّى "عمدة الطالب" إلا هذا المفصَّلُ المخصوصُ، بل المرادُ تسميةُ نوعِ هذا المفصَّل الموجودِ في أي ذهنٍ، وفي أي عبارةٍ، وفي أيِّ نقوشٍ، وليسَ غرضُ المصنفِ تسميةَ هذا الفردِ. حاصلُ هذا الإشكالِ أنَّ المبتدأ أخصُّ من الخبرِ، والواجبُ أن يكونَ عينَه كما مرَّ؛ لأنَّا نقولُ: لا يلزمُ ذلكَ إلَّا بناءً على أنَّ مسمَّى الكتبِ من حيِّزِ عَلَمِ الشخصِ، وعليه فيُقدَّر مضاف أي نوع مفصلِ هذا. والمختارُ أنَّه من حيّزِ عَلَمِ الجنسِ، فلا حاجةَ إلى تقديرِ مضافٍ. فإن قيل: اسمُ الإشارةِ موضوعٌ لِأَنْ يُشارَ به إلى مُشاهدٍ مَحسوسٍ، والمُؤلَّفُ الحاضرُ في الذهنِ معقولٌ؟. وحاصلُ الجوابِ أنَّه نَزَّلَ المعقولَ منزلةَ المشاهدِ المحسوسِ، بأن شبَّه (١) الألفاظَ الذهنيَّة بأمرٍ مشاهدٍ محسوس؛ بجامعِ الحُضورِ وسهولةِ المأخذِ، واستُعير لها اسم المشبَّهِ به وهو كلمةُ "هذا"، ففي الكلامِ استعارةٌ تصريحيَّةٌ تحقيقيَّةٌ لتحققِ الألفاظِ ذهنًا، قلَّ لفظُه وكثُر معناهُ. في تفسيرِه هذا نظرٌ؛ لأنَّه تفسيرٌ للاختصارِ لا للمختَصرِ، بل الوجهُ حذفُه؛ للقطعِ بقلِّةِ معنى المختصرات كلفظهِ، بل هذا المختصرُ كذلك، وهو اسمُ مفعولٍ مشتقٌّ من الاختصارِ، وهو الإيجازُ والضمُّ. وقال القاضي حسين: مشتقٌّ من الخصرِ: وهو صورةُ الشيءِ

стр. 102

في الفِقْه (في الفقه) وخلاصتُه. وقال الخليلُ: يُبسطُ الكلامُ ليُفهمَ، ويُخصرُ ليُحفظَ (١). وقدِ اختلفت عباراتُهم فيه (٢)، فقيل: ردُّ الكلامِ إلى قليلِه استيفاء معناه وتحصيله. وقيل: الإقلالُ بلا إخلالٍ. وقيل: تكثيرُ المعاني مع تقليل المباني. وقيل: حذفُ الفضولِ مع استيفاءِ الأصولِ. وهو معنى قولِ المصنِّف في "شرحه للإقناع" (٣): تجريدُ اللفظِ اليسير من اللفظِ الكثيرِ مع بقاءِ المعنى. وقيل: تقليلُ المستكثَرِ وضمُّ المنتشرِ. إلى غيرِ ذلك من العباراتِ الأنيقة، والتعبيراتِ الرَّشيقةِ. وقيل: سُمِّي الاختصارُ اختصارًا؛ لما فيه من الجمعِ، كما سمِّيت المخصَّرةُ (٤) مُخَصَّرَةً؛ لاجتماعِ السُّيُورِ (٥) فيها، وخَصْرُ الإنسانِ خصرًا؛ لاجتماعِه ودقَّنِه. والإيجازُ: تجريدُ المعنى من غيرِ رعايةِ اللفظِ. (في الفقه) صفة لـ: "مختصر". و"في" بمعنى "من"، أي: مختصر كائن من الفقه، أي: من مختصر دالٍّ على الفقه، أو بمعنى "على" متعلِّقة بمحذوف، أي: مختصر دالٍّ على الفقه. إن قيل: كان يكفي أن يقول: مختصر على مذهبِ الإمامِ ابنِ حنبل، فلِمَ زادَ في الفقهِ؟.

стр. 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أجيبَ: بأنَّه زادَه للإشارةِ إلى مدحِ مختصرِه من جهتين: عموم كونِه في الفقه، وخصوص كونه في المذهب، ولمدحِ عمومِ الفقه وخصوصِ مذهب الإمام أحمد، على أنَّ مذهبَ الإمام أحمدَ قد يكون في غيره. اعلم أنَّه يجبُ وجوبًا صناعيًّا على كلِّ بادٍ في علمٍ من العلوم أن يعرفَ عشرةَ أشياءَ قد نَظَمها سيدي أحمدُ أبو العَبَّاس (١) بن زِكْري في أُرجوزتِه المُسماة "محصل المقاصد" حيثُ قالَ: فأولُ الأبوابِ في المبادي … وتلك عشرةٌ على المرادِ الحدُّ والموضوعُ ثم الواضعُ … والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارع تصورُ المسائلِ الفضيلة … ونسبةٌ فائدةٌ جليلة حقٌّ على طالبِ علمٍ أن يحيط … بفهم ذي العشرةِ فهمها ينيط بسعيه قبلَ الشروع في الطلب … بها يصير مبصرًا لما طلب وزاد بعضُهم: الغايةَ، فصارَ مجموعُ الأشياءِ أحدَ عشرَ شيئًا. الأولُ: حدُّ الفقهِ لغةً واصطلاحًا، فقد تكفَّل بهما الشارحُ. الثاني: موضوعُه: وهو فعلُ المكلَّفِ من حيثُ إنَّه معرَّضٌ للأحكامِ الخمسةِ. الثالث: واضعُه: وهو النبي ﷺ ، وأوَّلُ مَن صنَّف فيه أبو حنيفةَ النعمانُ رضي الله تعالى عنه (٢).

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرابعُ: اسمُه: وهو الفقهُ. الخامسُ: استمدادُه: وهو من الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ وباقي الأدلةِ. السادسُ: حكمُه: وهو الوجوبُ العينيُّ على كل مكلَّفٍ بقدرِ ما يَعرِفُ به تصحيحَ عباداتِه، فإنْ زادَ عن ذلك صارَ واجبًا كفائيًّا إلى بلوغِ درجةِ الافتاء، فإن زادَ عن ذلك إلى أن بلغَ درجةَ الاجتهادِ، صار مندوبًا. السابعُ: مسائلُه: وهي قضاياهُ التي تطلبُ نسبَ محمولاتِها إلى موضوعاتِها، كقولِنا: فروضُ الوضوءِ عند الإمامِ ابنِ حنبل ستَّةٌ. الثامن: فضلُه على غيرِه: وهو أفضلُها؛ لأنه به يُعرفُ الحلالُ والحرام، والصحيحُ والفاسدُ وغيرُها من بقيَّة الأحكامِ. التاسعُ: نسبتُه إلى غيرهِ: أنه من العلومِ الشرعيَّةِ، وأنَّه يعصمُ المكلَّفَ عن الخطأِ في فعلِه. العاشر: فائدتُه: وهي الفوزُ بسعادةِ الدارين. الحادي عشر: غايتُه: وهي امتثالُ الأوامرِ واجتنابُ النواهي. وينبغي أن يُقدِّمَ قبلَ معرفة هذه الاشياء شروطَ تَعلُّمِ العلومِ وتعليمها وهي اثنا عشرَ شرطًا: أحدُها: أن يقصدَ به ما وُضِع ذلك العلمُ له، فلا يقصد به غير ذلك، كاكتسابِ مالٍ أو جاهٍ أو مغالبةِ خصمٍ أو مكاثرةٍ. ثانيها: أن يقصدَ العلمَ الذي يقبله طبعُه، إذ ليسَ كل واحدٍ يصلحُ لتعلُّمِ العلومِ، ولا كلُّ مَن يصلحُ لتعلُّمِها يصلحُ لتعلُّمِ جميعِها، بل كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له. ثالثُها: أن يعلمَ غايةَ ذلك العلمِ؛ ليكون على ثقةٍ من أمرِه.

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رابعُها: أن يستوعبَ ذلك العلم من أوَّله إلى آخره تصوُّرًا وتصديقًا. خامسها: أن يقصدَ فيه الكتبَ الجيّدةَ المستوعبة لجميعِ الفنِّ. سادسها: أن يقرأ على شيخٍ مرشدٍ أمينٍ ناصحٍ، ولا يستبدَّ بنفسِه وذكائه. سابعها: أن يذاكرَ به الأقرانَ والأنظار؛ طلبًا للتحقيق، لا للمغالبةِ، بل للمعاونة على الإفادةِ والاستفادةِ. ثامنها: إذا حَصَّل ذلك لا يُضيعه بإهمالِه، ولا يمنعه مستحقَّه؛ لخبر: "مَن عَلِمَ علمًا وكتَمه، ألجمه الله تعالى بلجامٍ من نارٍ" (١). ولا يُؤتيه غيرَ مستحقِّه، لما جاءَ فى كلامِ النبوةِ: "لا تُعلِّقوا الدُّرَّ في رقابِ الخنازير" (٢) أي: لا تُؤتوا العلومَ غيرَ أهلها. تاسعُها: أن لا يعتقدَ في علمٍ أنه حصَّلَ منه مقدارًا لا تمكنُ الزيادةُ عليه، فذلك نقصٌ وحرمان. عاشرُها: أن يعلمَ أنَّ لكل علم حدًّا، فلا يتجاوزُه ولا يقصرُ عنه. حادي عشرها: أن لا يُدخلَ علمًا في علمٍ آخر لا في تعلُّمٍ ولا في مناظرةٍ؛ لأنَّ ذلك يشوشُ الفكرَ.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو لغةً: الفَهْم، ثاني عشرها: أن يراعيَ كلُّ من المتعلِّمِ والمعلِّمِ الآخرَ خصوصًا الأوَّل؛ لأنَّ معلّمَه كالأبِ بل أعظمُ؛ لأنَّ أباه أخرجَه إلى دارِ الفناء، ومعلمَه دلَّه على دارِ البقاء؛ ولأن والدَه يُربي البدنَ، وأستاذَه يُربي الروحَ، ولذا قيل في هذا المعنى شعرٌ (١): أقدِّمُ أستاذي على فضلِ والدي … وإن كانَ من أهلِ الزيادةِ والشَّرفْ فَذا مُربي الروحِ والروحُ جوهرٌ … وذا مُربي الجسمِ والجسمُ من صَدفْ واعلم أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ له آفات كثيرةٌ، عُدَّ منها في الحقيقة: الوثوقُ بالزمنِ المستقبلِ، فيترك التعلُّ حالًا؛ إذ اليومُ في التعلُّمِ والتعليم أفضلُ من غدٍ، وأفضلُ منه أَمسُه، والإنسانُ كلَّما كبرَ، كبرت عوائقُه. ومنها الوثوقُ بالذكاء، فكثيرٌ مَن فاتَه بركونِه إلى ذكائِه وتسويفِه أيامَ الاشتغالِ. ومنها التنقلُ من علمٍ قبلَ إتقانِه إلى آخرَ، ومن شيخٍ إلى آخرَ قبل إتقانِ ما بدأ عليه، فإن ذلك هدمٌ لما قد بَنَى. ومنها طلبُ الدنيا، والترُّدُ إلى أهلِها، والوقوفُ على أبوابِهم. ومنها ولايةُ المناصبِ، فإنَّها شاغلةٌ مانعةٌ، كما أنَّ ضيقَ الحالِ مانعٌ قويٌّ. (وهو لغةً) أي: في اللغةِ، فـ "لغة" منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، وقولُه: (الفهم) عند الأكثرِ؛ لأنَّ العلمَ يكونُ عنه. قال اللهُ تعالى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: إدراك معنى الكلام. وعرفًا: وقوله: (أي: إدراك معنى الكلام)، تفسيرٌ للفهم لجَودةِ (١) الذهنِ من جهةِ تهييئِه لاقتباسِ ما يَرِدُ عليه منَ المطالبِ. والذهنُ: قوةُ النفسِ المستعدة لاكتسابِ الحدودِ والآراءِ. وقيل: إن الفقهَ هو العلمُ. وقيل: معرفةُ قصدِ المتكلمِ. وقيل: فهمُ ما يَدِقُّ. وقيل: استخراجُ الغوامضِ والاطَّلاعُ عليها. ا. هـ. "شرح مختصر التحرير" (٢). قوله: (وعرفًا) أي: في عرفِ الفقهاءِ، أي: اصطلاحِهم: معرفةُ الأحكامِ الشرعيَّةِ دونَ العقليَّةِ، الفرعيَّةِ لا الأصوليَّةِ، ومعرفتُها إمَّا بالفعلِ أي: بالاستدلالِ، أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ أي: بالتهيؤ (٣) لمعرفتِها بالاستدلالِ، قال صاحبُ "المنتهى" (٤): هذا الحدُّ لأكثرِ أصحابِنا المتقدِّمين (٥). وقيل: هو العلمُ بأفعالِ المكلفين الشرعيةِ دونَ العقليةِ من تحليلٍ أو تحريمٍ، وحظرٍ أو إباحةٍ. وقيل: هو العلمُ بالأحكام الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ كثيرٍ من الأحكام عُرفًا. وقيل: معرفةُ أحكامِ جُملٍ كثيرةٍ عُرفًا من مسائلِ الفروعِ العلميَّةِ من أدلَّتِها الحاصلةِ بها. وقيل: العلمُ بها عن أدلتِها التفصيليَّةِ بالاستدلالِ.

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معرفةُ الأحكامِ وكلُّ هذهِ الحدودِ لا تخلو عن مؤاخذةٍ وأجوبةٍ يطولُ الكتابُ بذكرِها من غيرِ طائلٍ. فإن قيل: لِمَ عبَّر دون العلم، مع أن الصَّوابَ التعبيرُ به كما صنعَ ابنُ السُّبكي في "جمعِ الجوامع" (١) قال: الفقهُ: العلمُ. بناءً على أنَّ المعرفةَ إنما تتعلَّقُ بالمفرداتِ، والعلمَ إنَّما يتعلُّقُ بالنِّسبِ التامَّةِ (٢)، أي: المعرفةُ هي التصوُّرُ، والعلمُ هو التصديقُ، والفقهُ من قبيلِ التَّصديقات لا من قبيلِ التصوراتِ؟. أُجيب: بأنَّ المرادَ بالمعرفةِ العلمُ بمعنى الظَّنِّ، أي: الإدراكِ الراجحِ لا بمعنى العلمِ المتبادرِ منه، وهو الإدراكُ الجازمُ؛ إذِ الاجتهادُ إنَّما هو طريقٌ للأولِ لا للثاني، فيرادُ بالمعرفةِ هنا العلمُ؛ ليوافقَ ما هو مقرَّرٌ عندهم. و (الأحكامُ) جمعُ حكمٍ، وهو إثباتُ شيءٍ لشيءٍ إيجابًا أو سَلبًا، لغويًّا كانَ كرفع الفاعلِ، أو عقليًّا كعدمِ اجتماعِ الضِّدين (٣)، أو شرعًا كوجوبِ الصلاةِ، فالمرادُ بالأحكامِ في التعريفِ ما يشملُ التكليفيَّةَ والوضعيَّةَ (٤)، وأن كلًّا منهما لا فرقَ بين أن يكونَ مُتعلَّقُه

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ أو القوةِ القريبة. فعلَ الجوارحِ، كالعلمِ بأنَّ النية في الوضوءِ شرطٌ، أو القلبَ، وأنَّه لا فرقَ في الثاني بين المكلَّفِ وغيرِه، كالعلمِ بأنَّ الزكاةَ واجبةٌ في مالِ الصَّبي، وغيرُ واجبةٍ في الحَلْي المباحِ. ولمَّا كانت الأحكامُ شاملة للشرعيَّةِ الفرعيَّةِ وغيرِها، والمقصودُ هو الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ، أخرجَ غير الشرعيَّةِ بقولهِ: (الشرعيَّةِ)، وخَرجَ بـ "الأحكامِ" غيرُها من الذواتِ والصفاتِ، كالمعرفةِ المتعلِّقةِ بالإنسانِ من تصوَّرِ ماهيَّتِه والبياض، وأخرجَ الأصليةَ بقوله: (بالفعلِ) كما إذا أجمِعَ عليها بعدَ استفادتِها بالاجتهادِ، إذِ الأصليَّةُ لا تنحصرُ طريقُها في ذلك. وأُورِدَ على التعريفِ بأنَّ "أَل" في الأحكامِ إن كانت للعمومِ، خرجَ عن التعريفِ فقهُ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم ممَّن سُئِل عن مسائلَ وقال فيها: لا أدري، مع أنهم فقهاءُ بالإجماعِ، وإن لم تكنْ للعمومِ، لزمَ أنَّ مَنْ عرفَ بعضَ مسائل عن أدلَّتِها يكون فقيهًا، وليس كذلك، فالتعريفُ غيرُ جامعٍ لأفرادِ المعرَّفِ، وغيرُ مانعٍ من دخولِ غيرِ أفرادِ المعرَّفِ فيه، وهو خطأٌ؟. أُجيب: بأن المرادَ بمعرفةِ جميعِ الأحكامِ التهيؤ لها بمراجعةِ الأدلَّةِ، كما يُقال: فلانٌ يعرفُ الفقهَ، ولا يُراد أنَّ جميعَ مسائِله حاضرةٌ عندَه على التفصيلِ؛ لأنَّ ذلك ليس من مقدورِ البشرِ، بلِ المرادُ أنَّ عندَه تهيُّؤًا لذلك، وملكة يقتدرُ بها على الوقفِ على كلِّ مسألةٍ بمراجعةِ الأدلَّةِ. والجوابُ عن الثاني: بأنْ نختاره، ولا محذورَ في تسليمِ اللازمِ؛ بناءَ على القولِ بجوازِ تجزي الاجتهادِ. والفقيهُ: مَن عرفَ جملةً غالبةً ذلك بالاستدلالِ، يعني الفقيه في اصطلاحِ أهلِ الشرعِ.

стр. 110

على مذهبِ الإمامِ الأمثلِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ حنبلٍ، (على مذهَبِ) بفتح الميم، من ذهبَ يذهبُ: إذا مضى، بمعنى الذهابِ أو مكانِه أو زمانه، ثم نُقل إلى ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرى مجراه. (الإمامِ) المقتدَى به في الدين (الأمثلِ) أي: الأشبه بكلِّ خير، أبي عبد الله (أحمدَ بنِ محمد وقوله: غالبة، أي: كثيرة. كذلك: أي: بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ، وهي التهيؤ لمعرفتِها عن أدلَّتِها التفصيليَّةِ، فلا يُطلَق الفقيهُ على مَن عرفَها على غيرِ هذه الصفةِ، كما لا يُطلقُ الفقيه على مُحدِّثٍ ولا مُفسِّرٍ ولا متكلِّمٍ ولا نَحويٍّ. وقيل: الفقيهُ: مَن له أهليَّةٌ تامَّةٌ يَعرفُ الحكمَ بها إذا شاءَ مع معرفتِه جملًا كثيرةً من الأحكامِ الفرعيَّةِ، وحضورِها عندَه بأدلِّتِها الخاصَّةِ والعامَّةِ. (بفتح الميمِ) أي: والهاء، أي: معتقد. فقولُه: "على مذهبِ" أي: على ما ذهبَ اليه من الأحكامِ في المسائلِ، وأصلُه يصلحُ لمكانِ الذهابِ وزمانِه وللذهابِ نفسِه. (ثم نقل … الخ) أشارَ بذلكَ إلى أنه صارَ حقيقةً عرفيّةً، وبهجرِ معناه الأصيِّ بمعنى أنَّه إذا أُطلِق المذهبُ لا ينصرفُ إلَّا إلى الأحكامِ القائلِ بها إمامٌ من الأئمةِ. وقوله: (ما قالَه المجتهدُ) من الأحكامِ، فهو مجازٌ عن مكانِ الذهابِ، إذِ "المذهبُ" اسمٌ لمكاِنِ الذهابِ، ثم استُعمِل فيما صارَ من الأحكامِ مجازًا استعارةً تصريحيَّةً تبعيَّةً، وقالَ السَّعدُ: أصليَّة؛ لأنَّه لم يُجوِّز في أسماءِ الأمكنةِ التبعيَّةَ، فشُبِّهت الأحكامُ المعقولةُ بمكانِ الذهابِ الحسيِّ؛ لأنَّ الخواطرَ تذهبُ فيها كذهابِ الأجسامِ في الأمكنةِ بجامع التوصُّلِ، وأطلق اسمه عليهِ.
следующие страницы →