← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وتقديمُ صلاةِ الأضحى، وعكسُه الفِطرُ، وأكلُه قبلَها، عكسُ أضحى لمضحٍّ. وتُكرَه في جامعٍ بلا عُذْرٍ. (و) يُسَنُّ (تقديمُ صلاةِ الأضحى، وعكسُه الفِطرُ) فيؤخرها؛ لما رَوَى الشافعيُّ مرسلًا: أنَّ النبي ﷺ كتبَ إلى عمرو بن حزمٍ: "أنْ عجِّلِ الأضحى، وأخِّر الفِطْرِ، وذكِّرِ النَّاسَ" (١). (و) يُسَنُّ (أكلهُ قبلَها) أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفِطرِ؛ لقولِ بُرَيدَة: "كان النبيُّ ﷺ لا يخرجُ يوم الفِطْرِ حتَّى يُفْطرَ، ولا يَطعمُ يومَ النَّحر حتَّى يصلِّي" رواه أحمدُ (٢). والأفضلُ تمراتٌ وترًا (٣)، والتوسعةُ على الأهل، والصدقةُ في العيدَين (عكسُ أضحى (٤)) فيُسَنُّ الإمساكُ فيه (لمضحِّ) حتَّى يصلِّي؛ ليأكلَ من أضحيَّته؛ لما تقدَّم، والأوْلَى من كَبِدها. وإنْ لم يضحِّ، خُيِّر في الأكلِ وعدمه. (وتُكْرَه) صلاةُ العيد (في جامعٍ بلا عُذْرٍ) كخوفٍ ومطرٍ، إلا بمكَّةَ المشرَّفة (٥)؛ لمخالفةِ فعله ﷺ . ويُسَنُّ للإمام أن يستخلفَ مَن يصلِّي بضَعَفةِ الناس في المسجد

стр. 737

ويخرجُ إليها على أحسنِ حال، يُبكِّر مأمومٌ ماشيًا، ويتأخَّر إمامٌ إلى الصَّلاة. - لِفعلِ عليٍّ (١) - ويخطبُ لهم (٢). ولهم فعلُها قبلَ الإمام وبعدَه، وأيُّهما سبقَ، سقط به الفرضُ، وجازتِ التَّضحيةُ. (ويخرجُ) نَدبًا مُصَلٍّ (إليها) أي: إلى صلاةِ العيدِ (على أحسن حالٍ) أي: لابسًا أجملَ ثيابه؛ لقولِ جابرٍ: "كان النبيِّ ﷺ يعتمُّ ويلبَسُ بُردَه الأحمرَ في العيدَين والجمعة" رواه ابنُ عبد البرِّ (٣). إلا المعتكفَ، فيخرجُ في ثياب اعتكافه. (و) سنَّ أن (يبكِّر مأمومٌ) بخروجه إليها بعد صلاة الصُّبحِ؛ ليحصلَ له الدُّنوُّ من الإمام، وانتظارُ الصَّلاة؛ فيكثرَ ثوابُه، حالَ كونِ الخارجِ لصلاة العيدِ (ماشيًا) لقول عليٍّ: من السُّنة أن يخرجَ إلى العيدِ ماشيًا. رواه الترمذيُّ (٤)، وقال: العملُ على هذا عندَ أهلِ العلم. (و) يُسنُّ أن (يتأخَّرَ إمامٌ إلى) وقتِ (الصَّلاة) لقولِ أبي سعيد: "كان النبيُّ ﷺ يخرجُ يومَ الفِطرِ إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأ به الصَّلاةُ" رواه مسلم (٥). ولأنَّ الإمامَ

стр. 738

ومِنْ شَرْطِها اسْتيطان، وعددُ الجمعةِ، وَيرْجعُ مِنْ طريقٍ أُخرى. ويصلِّى قبلَ الخطبةِ ركعتَيْن، يُنْتَظَر ولا يَنْتَظِر (١). (ومِنْ شَرْطِها) أي: شرطِ وجوبِ (٢) صلاةِ العيد [-لا شرطِ صحَّتِها- كما ذكر ابن نصر الله. وقال المصنِّف: لعل المرادَ شرطُ ما يسقط به فرضُ الكفاية، بدليل أن المنفردَ تصحُّ صلاتُه بعد صلاةِ الإمام] (٣) (استيطان) المصلِّين (٤) (وعددُ الجمعةِ) [أي: وكونُهم أربعين، فلا تقامُ صلاةُ العيدِ إلا حيثُ تقامُ الجمعةُ] (٥)؛ لأنَّ النبي ﷺ وافقَ العيد في يوم حجِّه، فلم يُصَلِّ (٦). (و) يُسَنُّ إذا غدا لصلاةِ العيدِ من طريقٍ، أنْ (يرجعَ مِن طريقٍ أُخرى) لما روى البخارىُّ (٧) عن جابرٍ: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد، خالفَ الطريقَ" وكذا الجمعة. قال في "شرح المنتهى" (٨): ولا يمتنعُ أيضًا في غيرِ الجمعة. (ويُصلِّى) العيدُ (قَبلَ الخطبةِ) ركعتَين؛ لقول ابن عمرَ: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ يصلُّون العيدَ قَبلَ الخطبة" متَّفقٌ عليه (٩). فلو قدَّم الخطبةَ، لم يُعتدَّ بها.

стр. 739

يكبِّرُ في الأولى -بعد استفتاحٍ، وقبلَ تعوُّذٍ، وقراءةٍ -ستًّا. وفي الثانيةِ -قبلَ قراءةٍ- خمسًا، يرفعُ يدَيْه مع كل تكبيرة. ويقول بَيْنَ كل تكبيرتين: اللهُ أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ الله بُكْرَةً وأصيلًا، وصلَّى الله على محمَّدٍ النبيِّ وآله وسلَّم تسليمًا، وإنْ أحبَّ (يكبِّرُ في الأولى بعد) تكبيرةِ إحرامٍ، و (استفتاحٍ، وقبلَ تعوُّذٍ، وقراءةٍ ستًّا) أي: ستَّ تكبيراتٍ زوائد. (و) يكبِّرُ (في) الرَّكعةِ (الثانيةِ قبلَ قراءةٍ خمسًا) لما روى أحمدُ عن عَمرِو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: "أن النبيَّ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنتي عَشرةَ تكبيرةً، سَبعًا في الأولى، وخَمْسًا في الأخيرة" إسنادُه حسن (١). قال أحمد: اختلفَ أصحابُ النبي ﷺ في التَّكبيرِ، وكلُّه جائز. (يرفعُ يدَيْه مع كلِّ تكبيرةٍ) لقولِ وائلِ بنِ حُجْرٍ: "إنَّ النبيَّ ﷺ كان يرفع يدَيْه مع التكبير" (٢). قال أحمد: فأرى أنْ يدخلَ فيه هذا كلُّه. وعن عمرَ أنَّه كان يرفعُ يدَيه في كل تكبيرةٍ في الجنازةِ والعيدِ. وعن زيدٍ كذلك، رواهما الأثرمُ (٣). (ويقولُ بَين كلِّ تكبيرتين: اللهُ أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ الله بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى الله على محمَّدٍ النبي وآلِه وسلَّم تسليمًا. وإن أحبَّ،

стр. 740

قال غيرَه. ويقرأ بعدَ الفاتحةِ في الأُولى: بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفى الثانية: بالغاشية، فإذا (١) سلَّم، خَطَبَ خُطبتَيْن كالجمعةِ، يستفتحُ الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ، والثانيةَ بسبعٍ نَسَقًا. والخطبتان، قال غيرَه (٢)) أي: غيرَ ما ذُكر؛ لأنَّ الغَرَضَ الذِّكرُ بعدَ التَّكبيرِ. وإذا شكَّ في عددِ التَّكبير، بنى على اليقين. وإذا نسيَ التَّكبيرَ حتَّى قرأ، سقط؛ لأنَّه سنة فاتَ محلُّها. وإنْ أدرك الإمامَ راكعًا، أَحرمَ، ثمَّ ركع، ولا يشتغلُ بقضاءِ التَّكبيرِ. وإذا أدْرَكه قائمًا بعد فراغِه من التَّكبيرِ، لم يقضه. وكذا إنْ أدركه في أثنائهِ، سَقَطَ ما فات. (ويقرأُ) جَهرًا (بعدَ الفانحةِ في) الرَّكعة (الأُولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بالغاشية) لقولِ سَمُرةَ: "إنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في العيدَين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] رواه أحمد (٣). (فإذا سلَّم) مِن الصَّلاة (خَطَبَ خُطبتَين كـ) خطبتي (الجمعةِ) في أحكامِهما حتَّى في الكلامِ، إلا التَّكبيرَ مع الخاطب، (يستفتحُ الأولى بتسعِ تكبيراتٍ) نَسَقًا قائمًا (والثانية بسبعِ تكبيراتٍ نسقًا) بفتحِ السِّين المهملةِ -بمعنى منسوقة- أي: متتابعة. (والخطبتان) سُنَّةٌ؛ لما روى عطاءٌ، عن عبد الله بن السائب، قال: شهدتُ مع النبي ﷺ العيدَ، فلما قضى الصَّلاة، قال: "إنَّا نخطبُ، فمَن أحبَّ أنْ يجلسَ للخطبةِ،

стр. 741

والتكبيراتُ الزوائدُ، والذِّكْرُ بينهما (١) سُنَّةٌ. وكُرِهَ تنفُّلُه قبلَ الصَّلاةِ وبعدَها بموضِعِها. ويُسنُّ التكبيرُ المُطْلَقُ، والجَهْرُ به في ليلتَي العيدَيْن، وفطرٍ آكدُ، وفي كلِّ عشرِ ذي الحِجَّة. فليجلس، ومَنْ أحبَّ أن يذهبَ، فليذهبْ" رواهُ ابن ماجه، وإسنادُه ثقات (٢)، ولو وجبت، لوجب حضورُها واستماعُها. (والتكبيرات الزوائدُ) سنَّةٌ (والذِّكْرُ بينهما) أي: بين التَّكبيرات (سُنَّةٌ). ولا يُسنُّ ذِكرٌ بعد التكبيرة الأخيرةِ في الرَّكعتَيْن. (وكُرِهَ تنفُّلُه) أي: الحاضرِ، لصلاةِ العيدِ، وقضاءِ فائتةٍ (قَبلَ الصَّلاة وبعدها بموضِعِها) قبلَ مفارقتِه؛ لقولِ ابنِ عبَّاس: "خرج النبي ﷺ يومَ العيدِ فصلَّى ركعتَين، لم يُصَلِّ قبلَهما ولا بعدَهما" متَّفَقٌ عليه (٣). وسُنَّ لمن فاتته أو بعضُها، قضاؤُها [على صفتها] (٤) (ويُسَنُّ التَّكبيرُ المطلَقُ) أي: الذي لم يقيَّد بأدبار الصَّلوات، وإظهارُه (والجَهرُ) لغيرِ أنثى (به في ليلتَي العيدَيْن) في البيوتِ، والأسواقِ، والمساجدِ، وغيرها، ويجهَرُ به في الخروجِ إلى المصلَّى إلى فراغِ الإمامِ من الخطبة. (و) التكبيرُ في عيدِ (فِطْرٍ آكدُ) لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. (و) يُسَنُّ التكبيرُ المطلق أيضًا (في كلِّ عشر ذي الحجَّة) ولو لم يَرَ بهيمةَ الأنعامِ.

стр. 742

والمُقيَّدُ عَقِبَ كل فريضةٍ جماعةً في الأضحى مِنْ صبحِ يومِ عرفةَ، والمُحْرِمُ من ظُهْرِ يومِ النَّحْرِ إلى عَصْرِ آخرِ أيَّامِ التشريقِ. (و) يُسَنُّ التكبيرُ (المقيَّدُ عَقِبَ كلِّ فريضةٍ) فعلت (جماعةً) لأنَّ ابنَ عمرَ كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه (١). وقال ابنُ مسعود: إنَّما التَّكبيرُ على مَن يصلِّي في جماعةٍ. رواه ابنُ المنذر (٢). فيلتفتُ الإمامُ إلى المأمومين، ثم يكبِّر؛ لفعلِه ﷺ (في) عيدِ (الأضحى مِن) صلاةِ (صُبحِ يومِ عرفةَ) روي عن عمرَ (٣)، وعليٍّ (٤)، وابنِ عبَّاس (٥)، وابنِ مسعود (٦) ﵃. (والمُحْرِمُ) يبتدئُ التكبيرَ المقيَّدَ (من) صلاة (ظُهرِ يومِ النَّحْرِ) لأنَّه قبلَ ذلك مشغولٌ بالتَّلبيةِ، فلو رمى جمرةَ العَقَبةِ قَبلَ الفجرِ، لم يكبِّر. ولو أخَّر الرَّميَ إلى ما بعدَ الظُّهر، كبَّر ولبَّى. ويستمرُّ المقيَّدُ (إلى عَصرِ آخرِ أيام التَّشريقِ) والجهرُ به مسنونٌ، إلا للمرأة ويأتي

стр. 743

وإنْ نسيَه، قضاهُ موضعَه، ما لم يُحدثْ أو يَخرجْ من المسجد، ولا يُسنُّ عَقِبَ صلاةِ العيدِ (١). وصفتُه شفعًا: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد. به كالذِّكرِ عقِبَ الصَّلاة. وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِنْ (٢) عامه، فقضى فيها (٣) جماعةً، كبَّر (وإنْ نسيَه) أي: التَّكبيرَ (قضاهُ موضعَه) فإنْ قام، أو ذهب، عاد، فجلسَ (ما لم يُحدِثْ أو يَخرجْ من المسجدِ) أو يَطُلِ الفَصْلُ، فلا يأتي به؛ لأنَّه سُنَّة فاتَ محلُّها. ويكبِّر مأمومٌ نسيَه إمامُه، ومسبوقٌ إذا فرغ، كذِكْرٍ ودعاءٍ. (ولا يُسنُّ) التَّكبيرُ (عَقبَ صلاةِ العيدِ) لأنَّ الأثرَ إنَّما جاء في المكتوبات، ولا عَقِبَ نافلةٍ ولا فريضةٍ صلَّاها منفردًا؛ لما تقدَّم. (وصفتُه) أي: التكبيرِ (شَفعًا) أي: مكرِّرًا التكبيرَ مرَّتين: (اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبرُ الله أكبرُ ولله الحمد) لأنَّه ﷺ كان يقولُ كذلك. رواه الدَّارقطنيُّ (٤). ولا بأس بقولهِ لغيره: تقبَّل اللهُ مِنَّا ومِنْكَ. كالجواب. ولا بالتَّعريف عشيَّةَ عرفةَ بالأمصار؛ لأنَّه دعاءٌ وذِكرٌ، وأوَّلُ مَنْ فعله ابنُ عباس (٥)، وعمرُو بن حُرَيث (٦).

стр. 744

باب صلاة الكسوف تُسنُّ صلاةُ الكسوفِ إذا كُسِفَ أحدُ النيِّرين ركعتين، يقرأ جَهْرًا في الأولى بالفاتحةِ وسورةٍ طويلةٍ، ثم يركعُ طويلًا، ثم يرفع مسمِّعًا ويحمِّد، باب في صلاة الكسوف يقال: كسفتِ الشمسُ -بفتحِ الكاف وضمِّها- ومثلُه: خَسَفت، وهو ذَهابُ ضَوءِ الشَّمسِ والقمرِ أو بعضِه، وبابُهما ضَرَبَ، يتعدَّى ولا يتعدَّى. وقال ثعلب (١): أجودُ الكلام: خَسَفَ القمرُ، وكَسَفَت الشمسُ. نقله في "المصباح" (٢). وصلاةُ الكسوفِ ثابتة بالسُّنَّة المشهورة، واستَنْبَطَها بعضُهُمْ من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]. (تُسنُّ (٣) صلاةُ الكسوفِ) جماعةً وفرادى بلا خطبةٍ؛ لأنَّه ﵊ أمر بها دونَ الخطبة (إذا كُسِفَ أحدُ النيِّرَين) الشمسِ والقمرِ، أي: وقت كسوفِ أحدهما؛ فـ"إذا" ظرفيَّة. ووقتُها: من ابتدائه إلى التجلِّي. ولا تُقضى كاستسقاءٍ وتحيَّةِ مسجدٍ، فيصلِّي (ركعتَين، يقرأُ جَهْرًا) ولو في كسوفِ الشَّمسِ (في الأُولى بالفاتحةِ وسورةٍ طويلةٍ) مِن غيرِ تعيينٍ (ثم يركعُ) ركوعًا (طويلًا) مِن غيرِ تقديرٍ (ثم يرفعُ) رأسه (مسمِّعًا) أي: قائلًا: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه. (ويُحَمِّد) أي: يقول: ربَّنا ولكَ الحمدُ. بعد اعتداله

стр. 745

ثم يقرأ الفاتحة وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعُ طويلًا دونَ الأوَّل، ثم يرفعُ ويعتدل، ثم يسجدُ سجدتَيْن طويلتَيْن، ثم يصلِّي الثانيةَ كالأُولى، لكنْ دونَها في الكلِّ، ثم يتشهَّد ويسلِّم. وإن تجلَّى الكسوفُ فيها، أتمَّها خفيفةً، وقبلَها، لم يصلّ. (ثم يقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً دون) السورة (الأُولى، ثمَّ يركعُ) ركوعًا (طويلًا دون) الركوع (الأوَّلِ، ثمَّ يرفعُ) فيسمِّع (ويعتدلُ) فيحمِّد كما تقدَّم، ولا يُطِيلُ (ثم يسجدُ سجدتَيْن طويلتَين) ولا يطيلُ الجلوسَ بين السجدتَين (ثم يصلِّي) الرَّكعةَ (الثانية، كـ) الرَّكعةِ (الأُولى، لكن) تكونُ (دونَها في الكلِّ) أي: في جميعِ ما تقدَّم (ثم يتشهَّد، ويسلِّم) لفعلِه ﷺ ، كما رُوِيَ عنه ذلكَ من طرقٍ بعضُها في الصحيحين (١). ولا تُعادُ إنْ فرغتْ قبل التَّجلِّي، بل يدعو ويَذكر، كما لو كان (٢) وقت نَهي. (وإن تجلَّى الكسوفُ فيها) أي: الصَّلاةِ (أتمَّها خفيفةً) لقوله ﷺ : "فصلُّوا وادعُوا حتَّى يَنكَشِفَ ما بكم" متَّفقٌ عليه من حديث أبي مسعود (٣). (و) إن تجلَّى (قبلها) أي: الصَّلاةِ، أي: قبل الشروعِ فيها (لم يُصَلِّ) لأنَّها لا تُقضَى، كما تقدَّم.

стр. 746

ويصحُّ فعلُها كنافلةٍ، وبثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربعٍ أو (١) خمسٍ. فصل وإذا ضرَّ (٢) جدبُ أرضٍ (٣) وقحطُ مطرٍ، صلَّوا صلاةَ الاستسقاء، وإنْ غابتِ الشَّمسُ كاسفةً، أو طَلَعَ الفجرُ، والقمرُ خاسفٌ، أو كانتْ آيةً غير الزلزلة، لم يصلِّ. (ويصحُّ نعلُها) أي: صلاةِ الكسوف (كنافلةٍ) أي: بلا تعدُّدِ ركوعٍ ولا تطويلٍ. (و) يصحُّ فعلُها (بثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربعٍ) ركوعاتٍ، (أو خمسِ) ركوعاتٍ؛ لثبوته عنه ﷺ (٤)، ولا يزيدُ على خمسِ ركوعاتٍ؛ لأنَّه لم يُنقل. فصلٌ في صلاةِ الاستسقاء وهو: الدعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ (٥). (وإذا ضَرَّ) الناس (جدبُ أرضٍ) أي: مَحْلُها (و) ضرَّهم (قَحْطُ مطرٍ) أي: احتباسُه، أو غَوْرُ ماءِ عيونٍ أو أنهارِ (صلَّوا) جماعة وفرادى (صلاةَ الاستسقاءِ) وهي

стр. 747

كعيدٍ فيما تقدَّم. وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها، وَعَدَ الناسَ يومًا يخرجون فيه، سُنَّة مؤكَّدةٌ؛ لقولِ عبد الله بن زيدٍ: "خرج النبي ﷺ يَسْتَسْقِي، فتوجَّه إلى القِبلة يدعو، وحوَّل رداءَه، ثُمَّ صلَّى ركعتَيْن، جَهَرَ فيهما بالقراءة" متَّفقٌ عليه (١). والأفضلُ جماعةً حتى بسفرٍ ولو كان القَحْط في غيرِ (٢) أرضهم، ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غير مسكونةٍ، ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّرَر. وصفتُها: (كـ) صلاةِ (عيدٍ فيما تقدَّم) مِنْ موضِعِها وأحكامِها. قال ابنُ عباس: سُنَّةُ الاستسقاءِ سُنَّةُ العيدين (٣). فتُسنُّ في الصَّحراءِ، ويصلّي ركعتَيْن، يكبِّر في الأُولى: ستًا زوائدَ، وفي الثانيةِ خمسًا، مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ. قال ابنُ عبَّاس: "صلَّى النبي ﷺ ركعتَيْن كما يصلِّي العيدَ" قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٤). ويقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية: بـ "الغاشية"، وتُفعل وقتَ صلاةِ العيدِ. (وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها، وعَدَ الناسَ) أي: بيَّن لهم (يومًا يَخرجون فيه)

стр. 748

وأمرهم بالتوبةِ، وتركِ التَّشاحُن، والصِّيامِ، والصَّدقةِ. ويخرجُ متواضعًا متخشِّعًا، متذلِّلًا، ومعه أهلُ الدِّين، والصلاحِ، والشيوخُ، والمميِّزون، فيصلِّي بهم ركعتَيْن كالعيد، ثُمَّ يخطبُ واحدةً، ليتهيُّؤوا للخروج على الصِّفَةِ المسنونةِ. (وأَمرهم بالتَّوبةِ) من المعاصي، والخروجِ من المظالم (و) أمَرَهم بـ (تَرْكِ التَّشاحُنِ) من الشَّحناءِ، وهي: العداوة؛ لأنَّها تَحملُ على المعصبةِ والبُهتِ، وتمنعُ نزولَ الخيرِ؛ لقوله ﷺ : "خرجتُ أخبرُكم بليلةِ القَدْرِ، فتلاحَى فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعت" (١). (و) أمرَهم بـ (الصِّيام) لأنَّه وسيلةٌ إلى نزولِ الغَيْثِ، ولحديثِ: "دعوةُ الصَّائم لا تُرَدُّ" (٢). (و) أمرهم بـ (الصدَّقة) لأنَها متضمِّنةٌ للرَّحمة. ويتنظَّفُ لها، ولا يتطيَّب. (ويخرجُ) الإمامُ كغيرِه حالةَ كونِه (متواضعًا، متخشِّعًا) أي: خاضعًا (متذلِّلًا) من الذُّل، أي: الهوان. قال ابنُ نصرِ الله: "متواضعًا" ببدنِه، "متخشِّعًا" بقلبِه وعينهِ، "متذلِّلًا" في ثيابِه، ويكون أيضًا متضرِّعًا بلسانه. (ومعه) أي: الإمامِ (أهلُ الدِّين والصَّلاحِ، والشيوخُ) لسرعةِ إجابةِ دعوتِهم (و) الصِّبيانُ (المميِّزون) لأنَّه لا ذنوبَ لهم. وأُبيحَ خروجُ طِفْلِ وعَجُوزٍ وبهيمةٍ، والتَّوسُّلُ بالصَّالحين (٣)، ولا تُمنَع أهلُ الذِّمة منفردين عنَّا، لا بيومٍ (٤)، وكُرِهَ إخراجُنا لهم. (فيصلِّي بهم ركعتَيْن، كـ) صلاةِ (العيدِ) لما تقدَّم (ثمَّ يخطبُ) خطبةً (واحدةً) لأنَّه

стр. 749

يفتتحُها بالتَّكبير كعيدٍ. ويكثِرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمر به، ويرفعُ يديه، ويدعو بدعاءِ النبيِّ ﷺ . لم يُنقلْ أن النبيَّ ﷺ خطب بأكثر منها. ويخطبُ على مِنْبرٍ، ويجلسُ للاستراحةِ -ذَكَرَه الأكثرُ، كالعيد في الأحكام- والناسُ جلوسٌ. قاله في "المبدع" (١). (يفتتحُها بالتَّكبيرِ، كـ) خطبةِ (عيدٍ) لقول ابن عباس: "صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في الاستسقاءِ كما صنع في العيد" (٢). (ويُكثِر فيها الاستغفارَ وقراءةَ آياتٍ فيها الأمر به) كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠]. ويُكثرُ فيها الدعاءَ، والصلاةَ على النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ذلك معونةٌ على الإجابة. (ويرفعُ يدَيْه) في الدعاء نَدْبًا؛ لقول أنسٍ: كان النبي لا يرفعُ يدَيه في شيءٍ من دعائهِ، إلَّا في الاستسقاء، وكان يرفعُ حتَّى يُرَى بياضُ إِبْطَيْه. متَّفق عليه (٣). وظهورُهما نحوَ السماءِ؛ لحديثِ رواه مسلم (٤). (ويدعو بدعاء النبيِّ ﷺ ) تأسيًا به، وهو: "اللَّهمَّ اِسْقِنَا غَيثًا، مُغيثًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا، غَدَقًا، مجلِّلًا، سحًا، عامًا، طبَقًا، دائمًا. اللَّهمَّ اسْقِنَا الغيثَ، ولا تجعلْنا من القانِطين. اللَّهمَّ سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَق. اللَّهمُّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ من الَّلأُواءِ والجَهدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلَّا إليك. اللَّهمَّ أنْبِتْ لنا الزَّرْعَ، وأدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بركاتِ السماء، وأنزلْ علينا من بركاتِك. اللَّهمَّ ارفعْ عنا الجوعَ والجَهْدَ والعُرْيَ، واكشِف عنَّا مِنْ البلاءِ ما لا يَكشفُه غيرُك. اللَّهمَّ إنَّا

стр. 750

وينادَى له ككسوفٍ: الصَّلاةُ جامعةٌ. نستغفرُكَ، إنَّكَ كنْتَ غفارًا؛ فأرسلِ السماءَ علينا مِدْرَارًا" رواه ابنُ عمر (١). ويستقبلُ القبلةَ في أثناءِ الخُطبةِ، ويحوِّلُ رداءَه، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ. ويفعلُ الناسُ كذلك، ويتركونه حتَّى ينزعوه مع ثيابِهم. ويدعو سرًا فيقول: اللَّهُمَّ إنَّك أمرتَنا بدعائكِ، ووعدْتَنا إجابتَك، وقدْ دعوناك كما أمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعَدْتَنا. فإن سُقوا، وإلَّا، عادوا (٢) ثانيًا وثالثًا. (وينادَى له) أي: للاستسقاء، أي: لصلاته (كـ) ـما ينادَى لـ (كسوفٍ) (٣) وعيدٍ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ، فيقولُ المقيم: (الصلاةُ جامعةٌ) برفعِهما على المبتدأ

стр. 751

ويسنُّ (١) وقوفٌ في أولِ مطرٍ، وإخراجُ متاعه؛ ليُصيبَه، وقولُهُ: مُطرْنا بفضْلِ الله، ويحرمُ: بنوءِ كذا. والخبر، ونصبهِما؛ فالأوَّل على الإغراءِ، أي: الزموا الصَّلاةَ (٢). والثاني: على الحال. (ويُسَنُّ وقوفٌ في أولِ مَطرٍ، وإخراجُ متاعِه) كثيابٍ، وما يستصحبُه من الأثاثِ (ليُصيبه) المطرُ؛ لقول أنسٍ: أصابَنَا ونحنُ مع رسولِ الله ﷺ مطرٌ، فحسَرَ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: [يا رسول الله] لِمَ صنعْتَ هذا؟ قال: "لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه" رواه مسلم (٣). وذكر جماعةٌ: يتوضأ ويغتسل؛ لأنَّه روي أنَّه ﷺ كان يقولُ إذا سال الوادي: "اخرجوا بنا إلى الذي جعلَه اللهُ طَهورًا فنتطهَّر به" (٤) وفي معناه ابتداءُ زيادةِ النِّيلِ ونحوِه. (و) سُنَّ لمن مُطِر (قولُهُ: مُطرنا بفضلِ الله) ورحمِتِه؛ لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ الله تعالى. (ويحرُمُ) قولُه: مُطِرنا (بِنَوءِ) أي: كوكبِ (كذا) لأنَّه كفرٌ بنعمةِ (٥) الله ، كما يدلُّ عليه خبرُ الصَّحيحين (٦). ويُبَاحُ: مُطِرْنا في نَوْءِ كذا؛ لأنَّه لا يقتضي الإضافةَ إلى النَّوءِ.

стр. 752

كتاب الجنائز يُسنُّ الاستعدادُ للموت، وعيادةُ مريضٍ، كتاب الجنائز بفَتْحِ الجيم: جمعُ جِنازة بالكسر، والفتحُ لغةٌ: اسمٌ للميت، أو: للنَّعشِ عليه ميِّت. فإنْ لم يكنْ عليه ميِّتٌ، فلا يقالُ: نعشٌ ولا جنازةٌ، بل سريرٌ. قاله الجوهريُّ (١). واشتقاقهُ: من جَنَز -كضرب-: إذا ستر (٢). وذكروا الجنائزَ هنا؛ لأنَّ أهمَّ ما يُفعل بالميِّت الصَّلاةُ. (يُسَنُّ الاستعدادُ) أي: التأهُّبُ (للموت) بالتَّوبة من المعاصي، والخروجِ من المظالم. ويسَنُّ الإكثارُ من ذِكْرِه؛ لقوله ﷺ : "أكثروا مِنْ ذِكْرِ هاذِمِ اللَّذاتِ" (٣) أي: الموت، بالذَّال المعجمة. (و) تُسَنُّ (عيادةُ مريضٍ) مسلمٍ، والسؤالُ عن حالِه؛ للأخبار (٤) ويغُبُّ (٥) بها،

стр. 753

وتذكيُره التوبةَ والوصيَّةَ. وتكونُ بكرة وعَشيًّا. ويأخذُ بيدِه ويقول: لا بأسَ طَهور إنْ شاءَ الله تعالى. لفعلِه ﷺ (١). وينفِّسُ له في أجله؛ لخبرٍ رواهُ ابنُ ماجه: "فإنَّ ذلك لا يردُّ شيئًا" (٢). ويدعو له بما ورد. (و) يُسنُّ لعائدٍ (تذكيرهُ) أي: المريضِ -مَخُوفًا كان مرضُه أوْ لا- (التوبة) لأنَّه أحوجُ إليها مِنْ غيره. وهي واجبةٌ على كلّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ، مِنْ كلِّ ذَنْبٍ حتَّى من تأخيرها. (و) تذكيرهُ (الوصيَّةَ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "ما حق امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي به يبيتُ ليلتين، إلَّا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عنده" متَّفقٌ عليه (٣). أي: ما الحزمُ والمعروفُ شرعًا، إلا ذلك. و"ما" نافيةٌ، وجملة: "له شيء" صفةُ: "امرئ"، وجملةُ: "يوصي به" صفةٌ لـ "شيء"، وجملةُ: "يبيتُ ليلتين" خبرٌ، وجملةُ: "ووصيَّته مكتوبةٌ عنده" حال. قال الطِّيبي (٤): في تخصيصِ اللَّيلَتَين تسامحٌ في إرادةِ المبالغة، أي: لا ينبغي له

стр. 754

وإذا نُزِلَ به، تعاهدَ بلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شرابٍ، وندَّى شفتَيْه، ولقَّنه: لا إله إلَّا الله. مرَّة، ولا يُزادُ (١) على ثلاثٍ إنْ لم يَتكلَّم، أنْ يَبيت ليلةً، وقدْ سامحناه في هذا المقدارِ؛ فلا ينبغي أنْ يتجاوزَه. وفيه حثٌّ على الوصيَّة. ويُكرَهُ لمريضٍ الأنينُ وتمنِّي الموتِ. ويباحُ تداوٍ بمباحٍ، وتركُه أفضل، ويَحْرُمُ بمحرَّم مأكولٍ أو غيرِه، كصوتِ مَلْهاة (٢). ويجوزُ ببولِ إبلٍ فقط. قاله في "المبدع" (٣). وكُرِهَ أنْ يستطِبَّ مسلمٌ ذميًا لغيرِ ضرورةٍ، وأنْ يأخذَ منه دواءً لم يبيِّن مفرداته المباحَة. (وإذا نُزِلَ) بالبناء للمفعول (به) أي: المريض، أي: نزل به الملَك لقبضِ روحِه (تَعاهَدَ) -فِعلٌ ماضٍ، جوابُ "إذا" من تعاهدتُ الشيءَ: راعيتَ حالَه- أرفقُ (٤) أهلِ المريضِ وأتقاهُم لله تعالى (بَلَّ حَلْقِه) أي: المريض (بماءٍ أو شرابٍ، وَندَّى (٥) شفتَيْه) بقطنةٍ؛ لأن ذلك يطفئُ ما نَزَلَ به مِن الشِّدَّةِ، ويسهِّل عليه النُّطْقَ بالشهادة (ولقَّنه: لا إله إلا الله) لقولِه ﷺ : "لَقنُوا موتاكُمْ: لا إله إلَّا الله" رواهُ مسلمٌ عن أبي سعيدٍ (٦). ويُكتفَى في التَّلقينِ بـ (مرَّة) إن أجابَ ولم يتكلمْ بعدُ، وإلَّا، أعاد، فإنْ لقَّنه: لا إله إلا الله. ولم يُجِبْ، لقَّنه ثانيًا وثالثًا (ولا يُزادُ على ثلاثٍ) لئلَّا يُضْجِرَه (إنْ لم يتكلَّم) بعد الثلاث، فإن تكلَّم بعدها، أعاده؛ ليكونَ آخر كلامِه: لا إله إلا الله. ويكونُ برفقٍ، أي: بلطفٍ ومداراةٍ؛ لأنّه مطلوبٌ في كلِّ موضعٍ، فهنا أَولى.

стр. 755

ويقرأُ عندَه ﴿يسَ﴾، ويوجَّه للقِبلة. وإذا مات، سُنَّ تغميضُه، وشدُّ لَحْيَيْه، (ويقرأُ عنده) سورةَ (﴿يسَ﴾ لقولِه ﷺ : "اقرؤوا على موتاكُمْ سورةَ يس" رواه أبو داود (١) ولأنَّه يسهِّلُ خروجَ الرُّوح. ويقرأ أيضًا عندَه الفاتحَة. (ويوجَّه) الميتُ -بالبناء للمفعول- (للقبلةِ) لقوله ﷺ عن (٢) البيتِ الحرامِ: "قِبْلتُكُمْ أحياءً وأمواتًا" رواه أبو داود (٣). وعلى جنبِه الأيمنِ أفضلُ، إنْ كان المكانُ واسعًا، وإلَّا، فعلى ظهرِه مستلقيًا، ورجلاهُ إلى القِبْلة. ويرفَع رأسُه قليلًا؛ ليصيرَ وجهُهُ إلى القبلة. (وإذا ماتَ، سُنَّ تغميضُه) لأنّه ﷺ أغمضَ أبا سلمةَ، وقال: "إنَّ الملائكةَ يؤمِّنون على ما تقولون" رواه مسلم (٤). ويقول: باسم الله وعلى وفاةِ رسولِ الله. ويُغمِّضُ ذاتَ مَحْرَم وتغمِّضُه. وكُرِهَ مِنْ حائضٍ وجنبٍ، وأنْ يقرباه. ويغمِّضُ الأنثى مثلُها أو صبيٌّ. (و) سُنَّ (شَدُّ لَحْيَيْه) (٥) بعِصابةٍ أو نحوِها تجمع لحيَيْه، ويربطُها فوقَ رأسه؛ لئلَّا يبقى فمُه مفتوحًا فتدخلَه الهوامُّ، ويتشوَّهَ خلْقُه.

стр. 756

وتَلْيينُ مفاصلِه، وخلعُ ثيابِه، ووضعُه على سريرِ غَسْلهِ موجَّهًا مستورًا بثوبٍ، ووَضْعُ حديدةٍ على بطنِه، وإسراعُ تجهيزِه، (و) سُنَّ (تليينُ مفاصلِه) ليسهُلَ تغسيلُه، فَيردُّ ذراعَيْه إلى عضدَيْه، ثمَّ يردُّهما إلى جنبَيْه (١)، ثُمَّ يرُّهما، ويردُّ ساقيه إلى فخذَيْه، وهما إلى بطنِه، ثمَّ يردُّهما، ويكونُ ذلك عَقِبَ موتِه قبل قسْوتها، فإنْ شقَّ ذلك، تركَه. (و) سُنَّ (خلعُ ثيابِه) لئلَّا يحمى جسدُه، فيسرعَ إليه الفساد. (و) سُنَّ (وضعُه) أي: الميِّتِ (على سريرِ غَسْلِه) ليبعدَ عن الهوامِّ، ونداوةِ الأرض، حالةَ كونه (موجَّهًا) للقِبلة (مستورًا بثوبٍ) وينبغي جعلُ أحدِ طرفَيْه تحتَ رأسِه، والآخرِ تحت رجلَيْه؛ لئلَّا ينكشفَ. (و) سُنَّ (٢) (وَضعُ حديدةٍ) ونحوِها كمرآةٍ، وسيفٍ، وسكِّينٍ (على بطنه) لما روى البيهقيُّ (٣): أنَّه مات مولى لأنسٍ عند مغيبِ الشَّمس، فقال أنسٌ: ضعُوا على بطنِه حديدًا. ولئلَّا ينتفخَ بطنُه، وقدَّر بعضُهم وَزْنَه بنحو عشرينَ درهمًا. ويصانُ عنه مصحفٌ، وكتبُ فقهٍ، وحديثٍ، وعلمٍ نافع. (و) سُنَّ (٢) (إسراعُ تجهيزِه) لحديثِ: "لا ينبغي لجِيفةِ مسلمٍ أن تحبسَ بين ظَهْرانَيْ أهله" رواه أبو داود (٤). وصونًا له عن التغيُّر إنْ ماتَ غيرَ فجأةٍ.

стр. 757

وإنفاذُ وصيَّتِه، ويجبُ في قضاءِ دينه. فصل وغَسْلُ الميتِ، وتكفينُه، والصَّلاةُ عليه، (و) سُنَّ إسراعٌ بـ (نفاذِ وصيَّتِه) لما فيه مِنْ تعجيلِ أجْرهِ. (ويجبُ) الإسراعُ (في قضاءِ دينِه) أي: الميِّتِ ولو لله تعالى؛ لأنَّ تأخيرَه مع القُدْرة ظلمٌ لربِّه (١)، فيقدَّم حتى على الوصيَّة؛ لحديثِ عليٍّ: "قضى رسولُ الله ﷺ بالدَّين قَبْلَ الوصيَّة" (٢). فصلٌ في غسل الميت (وغَسْلُ) بفتح الغَيْن المعجمةِ، أي: تغسيلُ (الميِّتِ) المسلمِ -أو ييمَّمُ لعُذرٍ- (وتكفينُه) فرضُ كفايةٍ على مَنْ أمكنه؛ لقولِه ﷺ في الذي وقَصَتْه راحلتُه: "اِغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوهُ في ثَوبَيه" متَّفَقٌ عليه من حديث ابنِ عبَّاس (٣). (والصَّلاةُ عليه) فرضُ كفايةٍ؛ لقوله ﷺ : "صَلُّوا على مَنْ قال: لا إله إلا الله" رواهُ الخلَّال والدَارقُطنيُّ، وضعَّفَه ابنُ الجوزي (٤).

стр. 758

وحملُه، ودفنُه فرضُ كفاية. وأَولى النَّاسِ بغسله: وصيُّه، ثُمَّ أبوه، ثُمَّ جدُّه، ثُمَّ الأقربُ فالأقربُ، وبأنثى: وصيَّتُها، ثُمَّ أمُّها، ثُمَّ جدَّتُها، ثُمَّ القُربى فالقُربى. (وحملُه ودفْنُه فرضُ كفاية) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] قال ابنُ عباس: معناه: أَكْرَمَه بدَفْنِه (١). ولا شك أن دفنَه متوقِّفٌ على حملِه إلى محلِّ الدَّفنِ، واتِّباعُه سُنَّة. وكَرِهَ الإمامُ أحمد ﵀ لغاسلٍ وحفَّارٍ أخْذَ أجرةٍ على عَمَلهِ، إلَّا أنْ يكونَ محتاجًا، فيُغطَى مِنْ بَيْتِ المال، فإنْ تَعذَّر، أُعْطِيَ بقدرِ عملهِ. قاله في "المبدع" (٢). والأفضلُ أنْ يُختارَ لتغسيلهِ ثقةٌ، عارفٌ بأحكامِه (وأَوْلى النَّاسِ بغَسْلِه) أي: بتَغْسِيله (وَصِيُّه) العَدْلُ؛ لأن أبا بكرٍ أوصى أن تُغَسِّلَه امرأتُه أسماء (٣). وأوصى أنسٌ أن يغسِّلَه محمدُ بن سيرين (٤) (ثمَّ أبوه) لاختصاصه، بالحنوِّ والشَّفقةِ (ثمَّ جَدُّه) لأبيه وإنْ علا؛ لمشاركتِه الأبَ في المعنى (ثمَّ الأقربُ فالأقربُ) مِنْ عصَبَاتِه، فيقدَّم الابنُ، ثُمَّ ابنُه وإنْ نَزَلَ، ثُمَّ الأخُ لأبوبن، ثُمَّ الأخُ لأبٍ، على ترتيبِ الميراثِ بعدَ الأبِ والجدِّ، ثم بعدَ عصَبَاته ذَوو أرحامِه، ثُمَّ الأجانبُ. (و) الأوْلى (بـ) ـغسلِ (أُنثى وصيَّتُها) العَدْلُ (ثمَّ أُمُّها، ثمَّ جَدَّتُها) أمُّ أمِّها وإنْ عَلت (ثمَّ القُربى فالقُربى) من نِسائها، فتُقدَّم بنتها وإنْ نزلتْ، ثمَّ القُربى -كميراثٍ-

стр. 759

ولكلٍّ مِنَ الزوجين غسلُ صاحبِه، وكذا سيِّدٌ مع أمتِه. ولرجلٍ وامرأةٍ غسلُ مَنْ دونَ سبعِ سنين. ومَنْ لم يَحضرْه مَنْ له تغسيلُه، يُمِّمَ. وعمتُها وخالتُها سواءٌ، وكذا بنتُ أخيها وبنتُ أختِها؛ لاستوائهما في القُرب والمحرميَّة. (ولكلٍّ) واحدٍ (مِنَ الزَّوجين) إنْ لم تَكُنِ الزوجةُ ذِمِّيَّةً (غَسْلُ صاحبه) لما تقدَّم عن أبي بكر. وروى ابنُ المنذر أن عليًّا غَسَّل فاطمة (١) ولأنَّ آثارَ النِّكاحِ من عدَّةِ الوفاةِ والإرثِ باقيةٌ، فكذا الغسلُ، ويشملُ ما قَبْلَ الدُّخول، وأنَّها تغسِّلُه وإنْ لم تَكُنْ في عدَّةٍ، كما لو وَلدت عَقِبَ موتِه، وكذا المطلقةُ الرجعيَّةُ إذا أبيحتْ (٢) (وكذا سيِّدٌ مع أمَتِه) المباحةِ ولو أمِّ ولد، لكنْ أجنبيٌّ أولى من زوجةٍ وأمةٍ في تغسيل رَجُلٍ. وأجنبيَّةٌ أولى من زوجٍ وسيِّدٍ في تغسيلِ امرأةٍ. والزَّوجُ أَولى من سَيِّدٍ، وزوجةٌ أَولى مِنْ أمٌ ولدٍ. (ولرَجُلٍ وامرأةٍ غسلُ مَنْ) له (دونَ سبع سنين) ذَكَرًا كان أو أنثى؛ لأنَّهُ لا عورةَ له، ولأنَّ إبراهيمَ ابنَ النبيِّ غسَّله النِّساءُ (٣). قال ابنُ المنذر (٤): أجمعَ كلُّ من نحفظُ عنه أنَّ المرأةَ تُغَسِّلُ الصبيِّ الصغيرَ من غيرِ سُترةٍ، وتَمَسُّ عورتَه، وتنظرُ إليها. أمَّا مَنْ تَمَّ له سبعُ سنين، فالمميِّز كرجلٍ، والمميِّزةُ كامرأةٍ. (ومَنْ لم يحضُرْه مَنْ) يُبَاحُ (له تَغْسِيلُه) كما لو ماتَ رجلٌ بينَ نِسْوةٍ ليس فيهنَّ زوجةٌ ولا أمةٌ مباحةٌ له، أو ماتتِ امرأة بين رجالِ ليس فيهمْ زوجٌ ولا سيِّدٌ لها، أو ماتَ خُنْثى مشكلٌ لم تحضرْه أمَةٌ له (يُمِّم) الميِّتُ، أي: يَمَّمَه الحاضرُ له في هذه

стр. 760

وإذا أخذ في غسلِه، سَتَرَ عورتَه، وجرَّده، وستَرَه عن العيون، الصُّوَرِ، ولا يغسِّلُه؛ لأنَّه لا يحصلُ بالغسلِ من غيرِ مسٍّ تنظيفٌ، ولا إزالةُ نجاسةٍ، بل ربَّما كَثُرَت. وحَرُم أن يُيَمَّمَ بدون حائلٍ على غير مَحْرَم. ورجلٌ أولى بخُنْثى. وعُلم منه: أنَّه لا مدخلَ للرِّجال في غسلِ الأقارب من النِّساءِ ولا بالعكس. وحَرُمَ أن يغسِّلَ مسلمٌ كافرًا، أو يحملَه، أو يكفِّنَه، أو يتبعَ جنازتَه، بل يُوارى؛ لِعدمٍ (١). ويشترطُ لغسلِ الميِّتِ طهوريةُ ماءٍ، وإباحتُه، واسلامُ غاسلٍ، إلَّا نائبًا عن مسلمٍ نواهُ وعَقَلَه، ولو مميِّزًا، أو حائضًا، أو جُنُبًا. (وإذا أخد) أي: شَرع (في غسلِه، سَتَرَ عورتَه) وجوبًا، وهي ما بين سُرَّتِه وركبتِه فيمن بلغ عشرًا، ولعلَّ مثلَه حرَّةٌ مميِّزةٌ. وأمَّا ابنُ سبعٍ -ولعلَّ مثلَه [أمَةٌ مميِّزةٌ- إلى عشر] (٢)، فالفرجان. ومَنْ دونَ ذلك، لا عورةَ له، كما تقدَّم. (وجرَّدَه) من ثيابه نَدْبًا؛ لأنّه أمَكنُ في تغسيله، وأبلغُ في تطهيره. وغُسِّل ﷺ في قميصٍ (٣)؛ لأنَّ فضلاتِه طاهرةٌ؛ فلم يُخشَ تنجُّسُ قميصِه. (وسَتَره عن العيون) تحت سترٍ في خيمةٍ أو بيتٍ إنْ أمْكَنَ؛ لأنّه أسترُ له. وكُرِه لغيرِ مُعينٍ في غسلِه حضوره.

стр. 761

ثُمَّ يرفعُ رأسَه برفقٍ إلى قربِ جلوسهِ، ويعصرُ بطنَه برفقٍ، [ويكون ثُمَّ بَخور] (١). ويكثرُ صبَّ الماءِ إذنْ، ويلفُّ على يدِه خرقةً يُنَجِّيه بها، ويغسلُ ما عليه من نجاسةٍ، ثُمَّ ينوي غسلَه، ويسمِّي، ويغسلُ كفَّيه، ويوضِّئُه نَدْبًا، ولا يُدخِلُ ماءً فمَه ولا أنفَه، بل أصبعَيْه بخرقةٍ خشنةٍ مبلولةٍ بين شفتَيْه، فيمسحُ أسنَانه، وفي (ثمَّ يرفعُ رأسَه) أي: رأسَ الميِّتِ غير أنثى حامِلٍ، ويكونُ رَفعُه (برفْقٍ إلى قربِ جلوسِه) بحيثُ يكونُ كالمحتضَن في صَدرِ غيره (ويعصُرُ بطنَه برفقٍ) ليخرجَ ما هو مستعدٌّ للخروج (ويكونُ ثَمَّ) -بفتحِ الثاء المثلثة- أي: هناك (بَخورٌ) -بوزنِ رَسُولٍ- دفعًا للتَّأذِّي برائحةِ الخارج. (ويُكْثِرُ صبَّ الماءِ إذَنْ) ليدفعَ ما يخرجُ بالعَصْر (ويَلُفُّ) الغاسلُ بعد ذلك (على يدِه خرقةً يُنَجِّيه) أي: يمسحُ فرجَهُ (بها ويغسلُ) وجوبًا (ما عليه) أي: ما على بدنِ الميِّت (مِنْ نجاسةٍ) لأنَّ المقصودَ بغسلِه تطهيرُه حسبَ الإمكانِ. وظاهرُه ولو بالمخرجِ، فلا يجزئُ فيها الاستجمارُ. (ثمَّ ينوي) الغاسلُ (غسلَه) لأنَّه طهارةٌ تعبُّدية؛ أشبهَ غسْلَ الجنابة (ويسمِّي) وجوبًا، وتسقطُ سهوًا، كغسلِ الحيِّ. (ويغسلُ كفَّيْه) أي: الميِّتِ ثلاثًا (ويُوَضِّئه نَدْبًا) كاملًا؛ لحديثِ أمُّ عطيةَ مرفوعًا في غسلِ ابنتِه: "ابدأنَ بميامِنِها، ومواضعِ الوضوءِ منها" رواه الجماعة (٢). (ولا يُدخلُ) غاسلٌ (ماءً فَمَهُ ولا أنفه) أي: الميِّت؛ خشيةَ تحريكِ النَّجاسة بدخول الماء إلى جوفِه (بلْ) يدخلُ غاسلٌ (أصبعيه) إبهامه وسبابته (بخرقةٍ) عليهما (خشنةٍ مبلولةٍ) بماءٍ (بَيْنَ شفتَيْه) أي: الميِّتَ (فيمسحُ) بها (أسنانَه، و) يدخلُهما (في

стр. 762

منخرَيْه، فينظِّفُهما، ويغسلُ برغوةِ السِّدْرِ رأسَه ولحيتَه فقط، ثُمَّ يغسلُ شِقَّه الأيمنَ، ثُمَّ الأيسرَ، ثُمَّ يفيضُ الماءَ عليه ثلاثًا، يُمِرُّ يَدَه في كلِّ مرَّةٍ على بطنِه، فإنْ لم يَنْقَ بثلاث، زاد حتى ينقَى، منخرَيْه، فينظفهما) نصًا، فيقوم ذلك (١) مقامَ المضمضةِ والاستنشاق؛ لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأْتُوا منه ما استطعتم" (٢). (ويغسلُ برغوةِ السِّدرِ) المضروب (رأسَه ولحيتَه فقط) لأنَّ الرَّأْسَ أشرفُ الأعضاءِ، والرغوةَ لا تتعلَّق بالشَّعر (ثمَّ يغسلُ شِقَّه الأيمنَ، ثمَّ) شِقَّه (الأيسر) للحديث السَّابق (ثمَّ يُفيضُ الماء عليه) أي: الميِّت، أي: على جميعِ بدنِه؛ ليعمَّه الغسلُ. يفعلُ ما تقدَّم (ثلاثًا) إلَّا الوضوءَ، ففي المرَّةِ الأولى فقط (يُمِرُّ يَدَهُ في كلِّ مرَّةٍ) من الثَّلاث (على بطنه) ليخرجَ ما تخلَّف (فإنْ لم يَنْق) الميتُ (بثلاثِ) غسلاتٍ (زادَ) في غسله (حتَّى ينقى) إلى سبع، فإنْ لم يَنْقَ بسبعٍ، فالأولى غَسْلُه حتَّى يَنْقَى. قاله في "الإقناع" (٣). [فقولُه بعد ذلك: "ولا غَسْلَ" أي] (٤): لا يُعادُ غسلُه بعدَ السَّبعِ، مرادُه: لا يجبُ ذلك؛ لئلَّا يخالفَ ما قدَّمه. وكُرِهَ اقتصارٌ في غسله على مرَّة إنْ لم يخرجْ منه شيء، فيحرمُ الاقتصارُ ما دامَ يخرجُ شيءٌ على ما دونَ السَّبع. وسُنَّ قَطْعٌ على وترٍ؛ لحديثِ أمِّ عطيَّة في غسلِ ابنته [ ﷺ ] (٥): "اِغْسِلْنها وِترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلكِ، إنْ رأيتُنَّ" متَّفَقٌ عليه (٦). والكافُ

стр. 763

ويجعلُ في الأخيرةِ كافورًا. ويُكرَهُ ماءٌ حارٌّ لم يحتجْ إليه. المكسورةُ في قولِه: "من ذلكِ" خطابٌ لأمِّ عطيَّةَ؛ لأنَّ غيرَها تبعٌ لها، أو خطابٌ للنِّسوةِ على لغةِ مَنْ لا يصرفُ الكافَ بتثنيةٍ أو جمعٍ (١). ولا تجبُ مباشرةُ الغسلِ، فلو تُرك تحتَ ميزابٍ ونحوه، وحَضَرَ مَن يَصْلُحُ لغسلِه، ونوى، وسمَّى، وعمَّه الماءُ، كفى. (ويجعلُ في) الغسلةِ (الأخيرةِ) نَدْبًا (كافورًا) وسدرًا؛ لأنَّه (٢) يُصلبُ الجسدَ، ويطردُ عنه الهوامَّ برائحته. (ويكره ماءٌ حارٌّ) إن (لم يحتج إليه) لشدَّة بردٍ؛ لأنه يرخي البدن، فيسرعُ الفسادُ إليه، والباردُ يصلبُه ويبعدُه عن الفَساد. وكرِهَ أيضًا خِلالٌ وأشنانٌ (٣)، لم يحتجْ إليه، فإنْ احتيجَ إلى شيءٍ منها، لم يُكرَه. ويكونُ الخِلالُ إذن من شجرةٍ ليِّنةِ كالصَّفصاف (٤). وكُرِهَ تسريحُ شَعَرِ ميِّتٍ. وسُنَّ أنْ يضفرَ شَعَرُ أنثى ثلاثةَ قرون، وسدلُه وراءها. وسنَّ تنشيفُ الميِّتِ. قال في "الإقناع" (٥): وإنْ خرج منه شيءٌ بعد الثلاثِ، أُعيدَ وضوءه. قال في "شرحه" (٦): قال في "المبدع" و"شرح المنتهى" (٧): وجوبًا كالجُنُبِ إذا أخدتْ بعد غسلِه؛ لتكونَ طهارتُه كاملةً. قال المصنِّفُ في "حاشية المنتهى": وهذا إنَّما يظهرُ على القولِ بوجوبِ الوضوءِ. انتهى. ويمكنُ أن يُجابَ بأنَّ الغَسلاتِ الثلاثَ

стр. 764

ومُحْرِمٌ ميتٌ كحيٍّ، يُغسلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ويجنَّبُ الطّيبَ، ولا يُلبسُ ذَكَرٌ مخيطًا، ولا يُغطَّى رأسُه، ولا وجهُ أنثى. ولا يُغسَّل شهيدُ معركةٍ ومقتولٌ ظلمًا، لقوَّتِها لا يجبُ معها الوضوءُ، بخلافِ ما بعدها، فلضعفها بعَدَمِ وجودِ نظيرها في غسلِ الحيِّ، جُبرت بالوضوء، فالأولى ما قاله في "المبدع" و"شرح المنتهى". ثُمَّ إنْ خرج منه شيءٌ من السَّبيلين أو غيرهما بعد سبعٍ، حُشي بقطنٍ، فإنْ لم يستمسك، فبطينٍ حرٍّ (١)، ثم يُغسلُ المحلُّ ويوضَّأُ وجوبًا. وإنْ خرجَ بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الغسلُ. (ومُحرمٌ) بحجٍّ أو عمرةٍ (ميِّتٌ كحيٍّ، يُغسلُ بماءٍ وسِدرٍ) لا كافورٍ. (ويجنَّب) المحرِمُ (الطَّيبَ) مطلقًا (٢) (ولا يُلْبَس) بالبناء للمفعول ميِّت (ذَكَرٌ مخيطًا) مِنْ قميصٍ ونحوِه (ولا يُغطَّى رأسُه، ولا وَجْهُ أنثى) مُحرِمةٍ، ولا يؤخذُ شيءٌ من شَعَرِهما أو ظفرِهما؛ لما في الصَّحيحَيْن من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أن النبيَّ ﵌ قال في مُحرمٍ مات: "غَسِّلوه بماءٍ وسدرٍ، وكَفِّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسَه، فإنَّه يُبعثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا" (٣). ولا تُمنعُ معتدَّةٌ من الطيبِ، وتُزالُ اللَّصوقُ لغسلٍ واجبٍ إنْ لم يسقطْ من جسدِه شيءٌ بإزالتها، فيمسحُ عليها كجبيرةِ الحيِّ، ويزالُ خاتمٌ ونحوهُ ولو بِبَرْده. (ولا يُغسَّل شهيدُ معركةٍ، ومقتولٌ ظلمًا) ولو أُنثيَيْن، أو غيرَ مكلَّفَيْن، فيكره كما في "المنتهى" (٤) تبعًا "للتنقيح". وفي "الإقناع" (٥): يَحرم ذلك. والأصلُ فيه: أنَّه ﷺ

стр. 765

إلَّا لنحوِ جنابةٍ، ويدفنُ في ثيابِهِ بدمهِ بعد نَزْعِ سلاحٍ وجلدٍ، فإن سُلِبَها، كُفِّن بغيره ١ ا.٤١٤ وسقْطٌ لأربعةِ أشهرٍ كمولود حيًّا، في شهداء أُحُد أمَرَ بدفنِهم بدمائهم، ولم يغسِّلْهم (١). وروى أبو داود عن سعيدِ بن زيدٍ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه، فهو شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ أهلِه، فهو شهيدٌ" وصحَّحه الترمذيُّ (٢) (إلَّا) أنْ يكونَ الشهيدُ والمقتولُ ظلمًا قد وجب عليهما الغُسلُ قَبْلَ الموتِ (لنحو جنابةٍ) وحيضٍ، ونفاسٍ، وإسلامٍ، فيُغسَّلان وجوبًا. (ويُدفنُ) وجوبًا مَنْ لا يغسَّل منهما (في ثيابه) التي قُتِلَ فيها (بدمِه) إلَّا أنْ يخالِطَه نجاسةٌ، فيجبُ غَسْلُهما (٣) (بعد نَزْعِ سلاحٍ وجلدٍ) عنه؛ لما روى أبو داود، وابنُ ماجه عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمَرَ بقتلى أُحُد أنْ يُنزَعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأنْ يُدفنوا في ثيابِهم بدمائِهم (٤). (فإنْ سُلِبَها) بالبناء للمفعول (كُفِّنَ بغيرِها) وجوبًا، ولا يصلَّى عليه. (وسِقْطٌ) بتثليثِ السِّين: مبتدأ، وسوَّغ الابتداءَ به وصفُه بقوله: (لأربعةِ أشهرٍ) فأكثر، والخبرُ قوله: (كمولودٍ حيًّا) فيغسَّل ويصلِّى عليه وإنْ لم يَستهلَّ؛ لقوله ﷺ : "والسَّقطُ يصلَّى عليه، ويُدعَى لوالديْه بالمغفرةِ والرحمة" رواه أحمدُ وأبو داود (٥).

стр. 766

ومَنْ تعذَّر غُسلُه، يمِّم، وعلى غاسلٍ سترُ شرٍّ. فصل يجبُ كفنُه في مالِهِ مقدَّمًا على دَيْنٍ وغيرِه، فإنْ لم يكنْ، فعلى مَنْ تلزمُه نفقتُه غير زوجٍ، ثُمَّ من بيتِ المال، وتُستحبُّ تسميتُه، فإنْ جُهل أذكرٌ أم أنثى، سُمِّيَ بصالح لهما، كشجرة. (ومن تعذَّر غُسلُه) لعدم الماء أو غيرِه، كالحَرْق، والجُذام، والتبضيع (١) (يُمِّم) كالجُنب إذا تعذَّر عليه الغُسْلُ. وإنْ تعذَّر غسلُ بعضِه، غُسلَ ما أمكن، ويمِّمَ الباقي. (و) يجب (على غاسلٍ سَتْرُ شرٍّ) رآه من الميِّتِ، كسوادِ وجهٍ، وعيبٍ ببدنِه، لا إظهارُ خيرٍ. ونرجو للمحسن، ونخافُ على المسيءِ، ولا نشهدُ إلَّا لمن. شَهدَ له ﷺ . ويحرُمُ سوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ. ويُستحبُّ ظنُّ الخيرِ بالمسلم. فصلٌ في الكَفَن (يجبُ كفَنُه) أي: الميتِ (في ماله) لقوله ﷺ في المُحْرِم: "كفِّنوه في ثوبيه" (٢) (مقدَّمًا على دَيْن) على الميت، ولو برهنٍ (وغيرِه) من وصيَّةٍ وميراثٍ؛ لأنَّ المفلسَ يقدَّم بالكسوة على الدَّين، فكذا الميتُ، فيجب لحقِّ الله تعالى وحقِّ الميِّتِ ثوبٌ (٣) لا يصفُ البشرةَ، يسترُ جميعَه، من ملبوسِ مثلِه ما لم يوصِ بدونه، والجديدُ أفضلُ (فإنْ لم يكنْ) للميت مالٌ (فَـ) كفنُه ومؤنةُ تجهيزِه (على من تلزمُه نفقتُه) لأنَّ ذلك يلزمُه حالَ الحياةِ، فكذا بعدَ الموت (غير زوجٍ) فلا يلزمُه كفنُ زوجته ولو غنيًا؛ لأنَّ الكسوةَ وجبتْ عليه بالزوجيَّة والتمكُّن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت (ثمَّ) إنْ عُدم مالُ الميتِ ومَنْ تلزمهُ نفقتُه، فكفنُه (من بيتِ المال) إنْ كان مسلمًا ..........

стр. 767

ثم على غنيٍّ عَلِمَ به. وسُنَّ تكفينُ رجل في ثلاث لفائفَ بيضٍ من قطن، تُجمَّر، ويُبْسَطُ بعضُها على بعض و [الحنوط فيما بينها] (١)، (ثمَّ) إن تعذر بيتُ المال، فكفنُه (على غنيٍّ) مسلمٍ (عَلِمَ به) أي: الميتِ. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: مَنْ ظنَّ أن غيرَه لا يقومُ به، تعيَّن عليه. (وسُنَّ تكفينُ رجلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ من قُطْنٍ) لقولِ عائشةَ: كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة، جُدُدِ يمانيَة -بالتخفيف (٢) - ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ، أُدْرجَ فيها إِدْرَاجًا (٣). متَّفَق عليه (٤). والسَّحوليَّةُ: نسبةٌ إلى سَحُول -كرسول- بلدةٌ باليمنِ، تُجلبُ منها الثيابُ، وتُنسبُ إليها على لفظِها. كما في "المصباح" (٥). ويقدَّم بتكفينٍ مَنْ يقدَّم بغَسلٍ، ونائبُه كهو، والأولى تولِّيه بنفسِه. (تُجمَّر) بضمِّ التاء المثناةِ فوق، وفتحِ الميمِ المشدَّدةِ: أي: تُبخَّر (٦) اللفائفُ بعد رشِّها بماءِ وَرْدٍ أو غيرِه؛ ليعلَقَ بها البخورُ (ويُبسطُ بعضُها) أي: اللفائفِ (على بعضٍ) ويكونُ أوسعُها وأحسنُها أعلاها، وهو ما يلي الأرضَ حالَ بَسْطِها؛ لأنَّ عادَة الحيِّ جحلُ الظاهرِ أفخَرَ ثيابه. (و) يُجعل (الحَنُوط) وهو: أخلاطٌ من طيبٍ يُعدَّ للميت خاصَّةً (٧) (فيما بينها) أي: اللفائفِ، لا فوق العليا؛ لكراهةِ عمرَ (٨)، وابنِه (٩)، وأبي هريرة (١٠) ﵁.

стр. 768

ويوضعُ عليها مستلقيًا، ويُجعلُ قطنٌ محنَّطٌ بين ألْيتيه، ويُشدُّ عليه بخرقةٍ مشقوقةِ الطرفِ تجمعُ ألْيتَيه ومثانَتَه، وعلى منافذِ وجههِ ومواضعِ سجودهِ، ويلَف فيها، ويجعلُ أكثر فاضلِ كفنٍ عندَ رأسِه، وإنْ كُفِّنَ في قميصٍ، ومئزرٍ، ولفافةٍ، جاز، (ويوضعُ) الميتُ (عليها) أي: اللفائفِ حالَ كونه (مستلقيًا) لأنّه أمكنُ لإدراجه فيها (ويجعلُ قطنٌ محنَّطٌ) أي: فيه حَنوطٌ (بين أَلْيتيه) أي: الميتِ (ويُشَدُّ) أي: يُربط (عليه) أي: القطنِ (بخرقةٍ مشقوقةِ الطَّرَف) كالتُّبَّانِ: وهو سراويلُ بلا أكمام (١) (تجمعُ) الخرقةُ (أَلْيَتَيه ومثانَتَه) أي: الميتِ؛ لردِّ الخارج، وإخفاءِ ما ظهرَ (٢) من الروائح. (و) يُجعلُ الباقي من القُطْنِ المحنَّطِ (على منافِدِ وجْههِ): عينَيه، ومنْخَريه، وأذنَيه، وفمِه؛ لما في ذلك من مَنْعِ دخولِ الهوامِّ (و) على (مواضعِ سجودِه): ركبتَيْه، ويدَيْه، وجبهتِه، وأنفِه، وأطرافِ قدمَيه؛ تشريفًا لها. وكذا مغابنِه، كطيِّ ركبتَيه، وتحت إبطَيه، وسُرَّتِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يتتبَّعُ مغابنَ الميتِ ومرافقَه بالمسك (٣). وإنْ طُيِّب كلُّه، فحسَنٌ. (ويُلَفُّ) الميتُ بعد ذلك (فيها) أي: اللفائفِ، فيردُّ طرف اللِّفافة العليا، وهي التي تلي جَسَدَ الميتِ من الجانبِ الأيسرِ على شِقِّهِ الأيمن، ثمَّ يردُّ طرفَها الأيمنَ على الأيسر، ثُمَّ الثانية، ثمَّ الثالثة كذلك (ويجعلُ أكثرَ فاضلِ كفنٍ) مِنْ لِفافةٍ فأكثر (عند رأسِه) لشرفِه، ويعيدُ الفاضلَ على وجهِه ورجلَيه بعد جَمْعِه؛ ليصيرَ الكفنُ كالكيسِ فلا ينتشر، ثُمَّ يعقدُ (٤) اللفائفَ، وتُحَلُّ في القبر (وإن كُفِّن) رجلٌ (في قميص، ومئزرٍ، ولفافةٍ، جاز) أي: لم يُكره؛ لأنه ﵊ ألبس عبدَ الله بنَ أُبَيّ

стр. 769

ويُكرَهُ [في أكثر من ثلاث، و] (١) تعميمه وزعفران. وتكفَّنُ امرأةٌ في خمسةِ أثوابٍ؛ إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان. قميصَه لما مات. رواه البخاريُّ (٢). وعن عمرو بنِ العاص: أن الميتَ يؤزَّرُ ويقمَّصُ ويُلَفُّ بالثالثةِ (٣). والسُّنَّة إذن: أن يُجعلَ المئْزَرُ ممَّا يلي جسدَه، ثمَّ يُلبَسَ القميص، ثُمَّ يلفَّ كما يفعل الحيُّ، وأنْ يكونَ القميصُ بكُمَّين ودخاريص (٤)، كقميصِ الحيِّ. ولا يُحلُّ الإزارُ في القبر. ولا يُكرَه تكفينُ رجلٍ في ثوبَيْن؛ لما تقدَّم في المُحرِم من قولِه ﷺ : "وكفِّنوه في ثوبَيْه" (٥). (ويُكرَه) تكفينه (في أكثرَ من ثلاثِ) لفائفَ (وتعميمُه) أي: الميت؛ لما تقدَّم في حديثِ عائشةَ من قولها: "ولا عمامة" (٦). (و) يُكره تطييبُه بوَرْسٍ (٧) و (زعفران) لأنَّ العادةَ غيرُ جاريةٍ بالتطُّيب به، وإنَّما يستعملُ لغذاءٍ أو زينةٍ. (وتُكفنُ امرأةٌ) وخنثى نَدْبًا (في خمسةِ أثوابٍ) بيضٍ من قُطْنٍ، وهي (إزارٌ، وخمارٌ، وقميصٌ، ولفافتان) قال ابنُ المنذر: أكثرُ من نحفظُ (٨) عنه من أهل العلم يرى أنْ تُكفَّنَ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ. انتهى. فتؤزرُ بالمئزر، ثُمَّ تُلْبَسُ القميصَ، ثُمَّ

стр. 770

والواجبُ ثوبٌ يسترُ جميعَه، ويحرمُ بحريرٍ، ولا يُجْبَى كفنٌ لعَدَم إنْ أمكنَ سترُه بحشيشٍ ونحوهِ. فصل ويقفُ إمامٌ عند صَدْرِ رجلٍ ووسَط امرأةٍ ندبًا، ويكبِّرُ أربعًا، تخمَّرُ بالمِقنعة (١)، ثم تلفُّ باللِّفافتين كما في "المبدع" (٢). ويكفَّنُ صبيٌّ في ثوبٍ، ويباحُ في ثلاثةٍ ما لم يرثه غيرُ مكلَّف. وصغيرةٌ في قميصٍ ولفافتين. (والواجبُ) للميِّت مطلقًا (ثوبٌ يسترُ جميعَه) لأنَّ العورةَ المغلَّظةَ يجزئُ في سترِها ثوبٌ واحدٌ؛ فكفَنُ الميت أولى. (ويحرمُ) تكفينُ الميت (بحريرٍ) ولو لامرأةٍ (ولا يُجبَى) بالبناء للمفعول: أي: لا يُجْمعُ من النَّاس (كفنٌ لعَدَم) ما يكفَّنُ به ميتٌ (إنْ أمكنَ سترُه) أي: الميتِ (بحشيشٍ ونحوِه) كورقِ شَجَرٍ ونحوِه، لحصولِ المقصودِ بلا إهانةٍ. فصلٌ في الصَّلاة على الميت تسقطُ بمكلَّف، وتُسنُّ جماعةً، وأنْ لا تنقصَ الصفوفُ عن ثلاثة (ويقفُ إمامٌ) ومنفردٌ (عند صدْرِ رَجُلٍ) أي: ذَكَرٍ (و) عندَ (وسَط) بفتح السين المهملة (امرأةٍ) أي: أنثى (نَدْبًا) والخُنثى بَيْنَ ذلك، والأولى بها وصيُّه العَدْلُ، فسيِّدٌ برقيقه، فالسلطانُ، فنائبُه الأميرُ، فالحاكمُ، فالأَولى بغسل رجلٌ، فزوجٌ بعد ذوي الأرحام. ومَن قدَّمه وليٌّ لا وصيٌّ بمنزلته. وإذا اجتمعت جنائزُ، قدِّم إلى الإمام أفضلُهم كما تقدَّم، فأسنُّ، فأسبقُ، ويقرَعُ مع التساوي. وجمعُهم بصلاةٍ أفضلُ. ويجعلُ وَسَطَ أنثى حذاءَ صَدْرِ ذَكَرٍ، وخنثى بينهما. (ويُكبِّرُ أربعًا) لتكبيرِ النبيِّ ﷺ على النجاشيِّ أربعًا. متَّفقٌ عليه (٣).

стр. 771

يقرأُ في الأُولى بعد التعوُّذِ الفاتحةَ، وفي الثانيةِ يصلِّي على النبيِّ ﷺ كما في تشهُّدٍ، ويدعو للميتِ في الثالثة، فيقول: اللهمَّ اغفِر لحيِّنا وميِّتِنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، إنَّك تعلمُ متقلَّبنا ومثوانا، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير. "اللهمَّ من أحييتَه منَّا، فأحْيِه على الإسلام والسُّنَّة، ومَنْ توفَّيتَه منَّا، فتوفَّه عليهما". (يقرأ في الأولى) أي: بعد التكبيرةِ الأُولى وهي تكبيرةُ الإحرام (بعدَ التعوُّذِ) والبسملةِ (الفاتحة) سرًّا ولو ليلًا؛ لما روى ابنُ ماجه عن أمّ شَريكٍ الأنصاريَّةِ قالت: أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتاب، ولا نستفتحَ ولا نقرأ سورةً معها (١). (وفي) التكبيرةِ (الثانية) أي: بعدَها (يصلِّي على النبيِّ ﷺ كما) يصلِّي عليه (في تشهُّدٍ) أخيرٍ؛ لأنّه ﷺ لما سُئِلَ كيف نصلِّي عليك، علَّمهم ذلك (٢). (ويدعو للميت في) التكبيرةِ (الثالثةِ) مخلصًا؛ لحديثِ: "إذا صلَّيتم على الميتِ، فأخْلِصُوا له الدعاءَ" رواه أبو داود، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ ابن حبَّان (٣). (فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدِنا وغائِبنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، إنَّك تعلَمُ متقلَّبنا) أي: مُنْصرفَنَا (ومثوانا) أي: مأوانا (وأنت على كل شيءٍ قدير. اللهمَّ مَنْ أحييته منَّا، فأحْيه على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ومَنْ توفَّيْتَه منَّا، فتوفَّه عليهما) رواه الإمام

стр. 772

"اللهمَّ اغفِرْ له، وارحمْه، وعافِه، واعفُ عنه، وأَكْرِمْ نُزُلَه، وأوسِعْ مَدخلَه، واغسِلْه بالماءِ والثلج والبَرَد، ونقِّهِ من الذُّنوبِ والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأَبْدِلْه دارًا خيرًا مِنْ دارِه، وزوجًا خيرًا مِنْ زوجِه، وأَدْخِلْه الجَنَّةَ، وأَعِذْهُ من عذاب القبرِ وعذاب النَّار". وأفْسِحْ له في قبرِه، ونوِّرْ له فيه. ويؤنِّثُ الضميرَ على أَنثى. أحمدُ والترمذي وابنُ ماجه مِنْ حديث أبي هريرةَ (١)، لكن زاد فيه الموفَّق: "وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير" (٢). لفظُ السُّنة: (اللهمَّ اغفرْ له، وارْحَمْه، وعافِهِ، واعْفُ عنه، وأكَرِمْ نزُلهَ) بضمِّ النون والزاي، وقد تُسكَّنُ الزايُ: أي: قِرآه، وهو ما يقدَّم للضيف (٣) (وأَوْسِعْ مَدخَله) بفتح الميم: موضعُ الدخول، وبضمِّها: الإدخالُ (٤) (واغسِلْه بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَد) بالتَّحريكِ: المطرُ المنعقِد (٥) (ونقِّهِ من الذُّنوبِ والخطايا، كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأَبدِلْهُ دارًا خيرًا مِنْ داره، وزوجًا خيرًا مِنْ زوجِه، وأدخِلْه الجنَّة، وأَعِذهُ من عذابِ القَبْرِ وعذابِ النَّارِ) رواهُ مسلم من حديثِ عوفِ بن مالك أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنَّى أنْ يكونَ ذلك الميت، وفيه: "وأَبدِله أهلًا خيرًا من أهلِه وأَدخِلْه الجنَّة" (٦). زاد الموفَّقُ (٧) لفظَ: "من الذنوب" (وأفسِحْ له في قبرِه، ونوِّرْ له فيه) لأنّه لائقُ بالحال. (ويؤنِّث الضميرَ) في صلاة (على أنثى) فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لها وارْحَمْها" إلى

стр. 773

وإن كان صغيرًا، قال بدلَ الاستغفار له: اللهمَّ اجعلْه ذُخْرًا لوالديه، وفَرَطًا، وأجرًا وشفيعًا مُجابًا. اللهمَّ ثقِّلْ به موازينَهما، وأَعْظِمْ به أجورَهما، وأَلْحِقْه بصالحِ سلفِ المؤمنين، واجعلْه في كفالةِ إبراهيمَ، وقِهِ برحمتِك عذابَ الجحيم. ويقفُ بعد الرابعةِ قليلًا، ويسلِّم واحدةً عن يمينه، آخره. ولا يقولُ في ظاهرِ كلامِهم: "وأبدِلْها زوجًا خيرًا من زوجِها". ويُشيرُ مصلٍّ بما يصلحُ لهما على خُنثى، فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لهذا الميِّت" ونحوَه. (وإنْ كان) الميِّت (صغيرًا) أو بلغَ مجنونًا واستمرَّ (قال) مصلٍّ (بدلَ الاستغفار) أي: الدعاءَ (له) بأنْ يقولَ بعدَ: "ومَنْ توفَّيتَه منَّا، فتوفَّه عليهما": (اللهمَّ اجعلْه ذُخْرًا لوالدَيْه وفَرَطًا) أي: سابقًا مهيِّأً لمصالح (١) أبوَيْه في الآخرة، سواء ماتَ في حياتهما، أو بعد موتهما (٢) (وأجرًا وشفيعًا مُجابًا، اللهمَّ ثقِّل به موازينهما، وأعظمْ به أجورَهما، وأَلحِقْه بصالحِ سلفِ المؤمنين، واجعلْه في كفالةِ إبراهيمَ، وقِهِ برحمتِك عذَابَ الجحيم) لحديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ مرفوعًا: "السِّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدعَى لوالديه بالمغفرةِ والرحمةِ" وفي لفظٍ: "بالعافية والرحمة" رواهما أحمد (٣). وإنَّما عَدَلَ عن الدعاءِ له بالمغفرةِ إلى الدعاءِ لوالدَيْه بذلك؛ لأنَّه شافعٌ غيرُ مشفوعٍ فيه، ولم يَجْرِ عليه قَلَمٌ. وإنْ لم يعلمْ إسلامَ والديه، دعا لمواليه. (ويقفُ بعدَ الرابعةِ قليلًا) ولا يدعو، ولا يتشهَّدُ، ولا يسبِّحُ (ويسلِّم) تسليمةً (واحدةً عن يمينهِ) نصًّا؛ لأنَّه أشبهُ بالحالِ، وأكثرُ ما رُوِيَ في التسليم. ويجوز تلقاء وجهه، وثانية (٤).

стр. 774

ويرفعُ يدَيْه مع كلِّ تكبيرةٍ. والواجبُ: القيامُ، والتكبيراتُ، والفاتحةُ، والصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ ، ودعوةٌ للميِّتِ، والسَّلامُ. ومَنْ فاته شيءٌ من التَّكَبيرِ، قضاهُ على صفتِه نَدْبًا. وإنْ فاتَتْه الصَّلاةُ عليه، صلَّى على القبرِ إلى شَهْرٍ، وسُنَّ وقوفُه حتَّى تُرفَعَ. (وَيرفعُ يديه) نَدْبًا (مع كلِّ تكبيرةٍ) لما تقدَّم في صلاةِ العيدين. (والواجبُ) في صلاةِ الجنازةِ (القيامُ) في فَرْضِها (والتَّكبيراتُ) الأربعُ (والفاتحةُ) ويتحمَّلُها إمامٌ عن مأمومٍ (والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، ودعوة للميِّتِ، والسَّلامُ). وشُرِطَ لها نيَّةٌ، فينوي الصَّلاةَ على هذا الميِّتِ، ولا يضرُّ جهلهُ بالذِّكرِ وغيرهِ. فإن جَهِلَه، نوى على مَن يصلِّي عليه الإمامُ. وإنْ نوى أحدَ الموتى، اعتُبرَ تعيينُه (١). وإنْ على هذا الرَّجل، فبانَ امرأةً أو بالعكسِ، أجزأَ؛ لقوَّةِ التَّعيينِ. قاله أبو المعالي. وإسلامُ ميِّتٍ، وطهارتُه من حَدَثٍ ونجسٍ مع القدرةِ، واستقبالٌ، وسترةٌ، كمكتوبةٍ، وحضورُ ميِّتٍ بين يدَيْه، فلا تصحُّ على جنازةٍ محمولةٍ، ولا من وراءِ جدارٍ. (ومن فاتَه شيءٌ من التَّكبيرِ، قضاه على صفتِه نَدْبًا)؛ لأن القضاءَ يحكي الأداءَ، كسائرِ الصَّلواتِ. والمقضيُّ أَوَّلُ صلاتِه يأتي فيه بحسبِ ذلك، وإنْ خَشيَ رفْعَها، تابعَ التَّكبيرَ، رُفِعَتْ أمْ لا، وإنْ سلَّمَ مع الإمامِ ولم يقْضِه، صحَّتْ؛ لقوله ﷺ لعائشةَ: "ما فاتَكِ لا قضاءَ عليكِ" (٢). (وإنْ فاتته الصَّلاةُ عليه) أي: الميِّتِ (صلَّى على القبرِ إلى شهرٍ) من دفنِه؛ لما في

стр. 775

وكذا على غائبٍ عن البلدِ، بالنِّيَّةِ. الصَّحيحين من حديثِ أبي هريرةَ وابن عبَّاس: "أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى على قبرٍ" (١) وعن سعيدِ بنِ المسيِّب: "أن أمِّ سعدٍ ماتت والنَّبيُّ ﷺ غائبٌ، فلمَّا قَدمَ، صلَّى عليها وقد مضى لذلك شهرٌ" رواه الترمذي ورواتُه ثقاتٌ (٢). قال الإمامُ أحمد (٣) ﵀: أكثرُ ما سمعت هذا (٤). وتحرُمُ بعدَه ما لم تكن زيادةً يسيرةً. (وكذا) يُصلّي (على غائبٍ عن البلدِ) ولو دونَ مسافةِ قصرٍ، أو في غيرِ قبلتهِ (٥)، فنجوزُ صلاةُ الإِمامِ والآحادِ عليه (بالنِّيَّةِ) إلى شهرٍ من موتِه؛ لصلاتِه ﷺ على النَّجاشيِّ، كما في المتَّفقِ عليه عن جابر (٦)، وكذا غَريق وأسِير ونَحوهما، وإنْ وجِدَ بعضُ ميِّتِ لم يُصلَّ عليه، فككُلِّه، إلَّا الشَّعرَ والظُّفرَ والسِّنَّ، فيغسلُ، ويكفَّنُ، ويصلَّى عليه، ثُمَّ إنْ وجدَ الباقي، فكذلكَ، ويدفنُ بجنبهِ. وإلَّا بأن كان صُلِّيَ على أكثرِ الميِّتِ، لم تجبِ الصَّلاةُ على بعضِه الباقي، بل تُسَنُّ، ووجبَ تغسيلُه وتكفينُه. ولا يُصلَّى على مأكولٍ ببطنِ آكلٍ، ولا مستحيلٍ ونحوه، ولا على بعضِ حيٍّ مدَّةَ حياتِه. ولا يُسَنُّ للإمامِ الأعظمِ وإمامِ كلِّ قريةٍ -وهو واليها في القضاءِ- الصَّلاةُ على غالٍّ (٧)، وقاتلٍ نفسِه عمدًا.
следующие страницы →