← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يقرأُ في الأُولى بعد التعوُّذِ الفاتحةَ، وفي الثانيةِ يصلِّي على النبيِّ ﷺ كما في تشهُّدٍ، ويدعو للميتِ في الثالثة، فيقول: اللهمَّ اغفِر لحيِّنا وميِّتِنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، إنَّك تعلمُ متقلَّبنا ومثوانا، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير. "اللهمَّ من أحييتَه منَّا، فأحْيِه على الإسلام والسُّنَّة، ومَنْ توفَّيتَه منَّا، فتوفَّه عليهما". (يقرأ في الأولى) أي: بعد التكبيرةِ الأُولى وهي تكبيرةُ الإحرام (بعدَ التعوُّذِ) والبسملةِ (الفاتحة) سرًّا ولو ليلًا؛ لما روى ابنُ ماجه عن أمّ شَريكٍ الأنصاريَّةِ قالت: أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتاب، ولا نستفتحَ ولا نقرأ سورةً معها (١). (وفي) التكبيرةِ (الثانية) أي: بعدَها (يصلِّي على النبيِّ ﷺ كما) يصلِّي عليه (في تشهُّدٍ) أخيرٍ؛ لأنّه ﷺ لما سُئِلَ كيف نصلِّي عليك، علَّمهم ذلك (٢). (ويدعو للميت في) التكبيرةِ (الثالثةِ) مخلصًا؛ لحديثِ: "إذا صلَّيتم على الميتِ، فأخْلِصُوا له الدعاءَ" رواه أبو داود، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ ابن حبَّان (٣). (فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدِنا وغائِبنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، إنَّك تعلَمُ متقلَّبنا) أي: مُنْصرفَنَا (ومثوانا) أي: مأوانا (وأنت على كل شيءٍ قدير. اللهمَّ مَنْ أحييته منَّا، فأحْيه على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ومَنْ توفَّيْتَه منَّا، فتوفَّه عليهما) رواه الإمام

стр. 772

"اللهمَّ اغفِرْ له، وارحمْه، وعافِه، واعفُ عنه، وأَكْرِمْ نُزُلَه، وأوسِعْ مَدخلَه، واغسِلْه بالماءِ والثلج والبَرَد، ونقِّهِ من الذُّنوبِ والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأَبْدِلْه دارًا خيرًا مِنْ دارِه، وزوجًا خيرًا مِنْ زوجِه، وأَدْخِلْه الجَنَّةَ، وأَعِذْهُ من عذاب القبرِ وعذاب النَّار". وأفْسِحْ له في قبرِه، ونوِّرْ له فيه. ويؤنِّثُ الضميرَ على أَنثى. أحمدُ والترمذي وابنُ ماجه مِنْ حديث أبي هريرةَ (١)، لكن زاد فيه الموفَّق: "وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير" (٢). لفظُ السُّنة: (اللهمَّ اغفرْ له، وارْحَمْه، وعافِهِ، واعْفُ عنه، وأكَرِمْ نزُلهَ) بضمِّ النون والزاي، وقد تُسكَّنُ الزايُ: أي: قِرآه، وهو ما يقدَّم للضيف (٣) (وأَوْسِعْ مَدخَله) بفتح الميم: موضعُ الدخول، وبضمِّها: الإدخالُ (٤) (واغسِلْه بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَد) بالتَّحريكِ: المطرُ المنعقِد (٥) (ونقِّهِ من الذُّنوبِ والخطايا، كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأَبدِلْهُ دارًا خيرًا مِنْ داره، وزوجًا خيرًا مِنْ زوجِه، وأدخِلْه الجنَّة، وأَعِذهُ من عذابِ القَبْرِ وعذابِ النَّارِ) رواهُ مسلم من حديثِ عوفِ بن مالك أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنَّى أنْ يكونَ ذلك الميت، وفيه: "وأَبدِله أهلًا خيرًا من أهلِه وأَدخِلْه الجنَّة" (٦). زاد الموفَّقُ (٧) لفظَ: "من الذنوب" (وأفسِحْ له في قبرِه، ونوِّرْ له فيه) لأنّه لائقُ بالحال. (ويؤنِّث الضميرَ) في صلاة (على أنثى) فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لها وارْحَمْها" إلى

стр. 773

وإن كان صغيرًا، قال بدلَ الاستغفار له: اللهمَّ اجعلْه ذُخْرًا لوالديه، وفَرَطًا، وأجرًا وشفيعًا مُجابًا. اللهمَّ ثقِّلْ به موازينَهما، وأَعْظِمْ به أجورَهما، وأَلْحِقْه بصالحِ سلفِ المؤمنين، واجعلْه في كفالةِ إبراهيمَ، وقِهِ برحمتِك عذابَ الجحيم. ويقفُ بعد الرابعةِ قليلًا، ويسلِّم واحدةً عن يمينه، آخره. ولا يقولُ في ظاهرِ كلامِهم: "وأبدِلْها زوجًا خيرًا من زوجِها". ويُشيرُ مصلٍّ بما يصلحُ لهما على خُنثى، فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لهذا الميِّت" ونحوَه. (وإنْ كان) الميِّت (صغيرًا) أو بلغَ مجنونًا واستمرَّ (قال) مصلٍّ (بدلَ الاستغفار) أي: الدعاءَ (له) بأنْ يقولَ بعدَ: "ومَنْ توفَّيتَه منَّا، فتوفَّه عليهما": (اللهمَّ اجعلْه ذُخْرًا لوالدَيْه وفَرَطًا) أي: سابقًا مهيِّأً لمصالح (١) أبوَيْه في الآخرة، سواء ماتَ في حياتهما، أو بعد موتهما (٢) (وأجرًا وشفيعًا مُجابًا، اللهمَّ ثقِّل به موازينهما، وأعظمْ به أجورَهما، وأَلحِقْه بصالحِ سلفِ المؤمنين، واجعلْه في كفالةِ إبراهيمَ، وقِهِ برحمتِك عذَابَ الجحيم) لحديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ مرفوعًا: "السِّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدعَى لوالديه بالمغفرةِ والرحمةِ" وفي لفظٍ: "بالعافية والرحمة" رواهما أحمد (٣). وإنَّما عَدَلَ عن الدعاءِ له بالمغفرةِ إلى الدعاءِ لوالدَيْه بذلك؛ لأنَّه شافعٌ غيرُ مشفوعٍ فيه، ولم يَجْرِ عليه قَلَمٌ. وإنْ لم يعلمْ إسلامَ والديه، دعا لمواليه. (ويقفُ بعدَ الرابعةِ قليلًا) ولا يدعو، ولا يتشهَّدُ، ولا يسبِّحُ (ويسلِّم) تسليمةً (واحدةً عن يمينهِ) نصًّا؛ لأنَّه أشبهُ بالحالِ، وأكثرُ ما رُوِيَ في التسليم. ويجوز تلقاء وجهه، وثانية (٤).

стр. 774

ويرفعُ يدَيْه مع كلِّ تكبيرةٍ. والواجبُ: القيامُ، والتكبيراتُ، والفاتحةُ، والصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ ، ودعوةٌ للميِّتِ، والسَّلامُ. ومَنْ فاته شيءٌ من التَّكَبيرِ، قضاهُ على صفتِه نَدْبًا. وإنْ فاتَتْه الصَّلاةُ عليه، صلَّى على القبرِ إلى شَهْرٍ، وسُنَّ وقوفُه حتَّى تُرفَعَ. (وَيرفعُ يديه) نَدْبًا (مع كلِّ تكبيرةٍ) لما تقدَّم في صلاةِ العيدين. (والواجبُ) في صلاةِ الجنازةِ (القيامُ) في فَرْضِها (والتَّكبيراتُ) الأربعُ (والفاتحةُ) ويتحمَّلُها إمامٌ عن مأمومٍ (والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، ودعوة للميِّتِ، والسَّلامُ). وشُرِطَ لها نيَّةٌ، فينوي الصَّلاةَ على هذا الميِّتِ، ولا يضرُّ جهلهُ بالذِّكرِ وغيرهِ. فإن جَهِلَه، نوى على مَن يصلِّي عليه الإمامُ. وإنْ نوى أحدَ الموتى، اعتُبرَ تعيينُه (١). وإنْ على هذا الرَّجل، فبانَ امرأةً أو بالعكسِ، أجزأَ؛ لقوَّةِ التَّعيينِ. قاله أبو المعالي. وإسلامُ ميِّتٍ، وطهارتُه من حَدَثٍ ونجسٍ مع القدرةِ، واستقبالٌ، وسترةٌ، كمكتوبةٍ، وحضورُ ميِّتٍ بين يدَيْه، فلا تصحُّ على جنازةٍ محمولةٍ، ولا من وراءِ جدارٍ. (ومن فاتَه شيءٌ من التَّكبيرِ، قضاه على صفتِه نَدْبًا)؛ لأن القضاءَ يحكي الأداءَ، كسائرِ الصَّلواتِ. والمقضيُّ أَوَّلُ صلاتِه يأتي فيه بحسبِ ذلك، وإنْ خَشيَ رفْعَها، تابعَ التَّكبيرَ، رُفِعَتْ أمْ لا، وإنْ سلَّمَ مع الإمامِ ولم يقْضِه، صحَّتْ؛ لقوله ﷺ لعائشةَ: "ما فاتَكِ لا قضاءَ عليكِ" (٢). (وإنْ فاتته الصَّلاةُ عليه) أي: الميِّتِ (صلَّى على القبرِ إلى شهرٍ) من دفنِه؛ لما في

стр. 775

وكذا على غائبٍ عن البلدِ، بالنِّيَّةِ. الصَّحيحين من حديثِ أبي هريرةَ وابن عبَّاس: "أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى على قبرٍ" (١) وعن سعيدِ بنِ المسيِّب: "أن أمِّ سعدٍ ماتت والنَّبيُّ ﷺ غائبٌ، فلمَّا قَدمَ، صلَّى عليها وقد مضى لذلك شهرٌ" رواه الترمذي ورواتُه ثقاتٌ (٢). قال الإمامُ أحمد (٣) ﵀: أكثرُ ما سمعت هذا (٤). وتحرُمُ بعدَه ما لم تكن زيادةً يسيرةً. (وكذا) يُصلّي (على غائبٍ عن البلدِ) ولو دونَ مسافةِ قصرٍ، أو في غيرِ قبلتهِ (٥)، فنجوزُ صلاةُ الإِمامِ والآحادِ عليه (بالنِّيَّةِ) إلى شهرٍ من موتِه؛ لصلاتِه ﷺ على النَّجاشيِّ، كما في المتَّفقِ عليه عن جابر (٦)، وكذا غَريق وأسِير ونَحوهما، وإنْ وجِدَ بعضُ ميِّتِ لم يُصلَّ عليه، فككُلِّه، إلَّا الشَّعرَ والظُّفرَ والسِّنَّ، فيغسلُ، ويكفَّنُ، ويصلَّى عليه، ثُمَّ إنْ وجدَ الباقي، فكذلكَ، ويدفنُ بجنبهِ. وإلَّا بأن كان صُلِّيَ على أكثرِ الميِّتِ، لم تجبِ الصَّلاةُ على بعضِه الباقي، بل تُسَنُّ، ووجبَ تغسيلُه وتكفينُه. ولا يُصلَّى على مأكولٍ ببطنِ آكلٍ، ولا مستحيلٍ ونحوه، ولا على بعضِ حيٍّ مدَّةَ حياتِه. ولا يُسَنُّ للإمامِ الأعظمِ وإمامِ كلِّ قريةٍ -وهو واليها في القضاءِ- الصَّلاةُ على غالٍّ (٧)، وقاتلٍ نفسِه عمدًا.

стр. 776

ولا بأسَ بالصَّلاة عليه في المسجد. فصل سُنَّ تربيعٌ في حَمْلِه، (ولا بأسَ بالصَّلاةِ عليه) أي: الميِّتِ (في المسجدِ) إنْ أُمِنَ تلويثُه؛ لقولِ عائشةَ: صلَّى رسولُ الله ﷺ على سُهيل (١) بن بَيْضاءَ في المسجِد. رواه مسلم (٢). وصُلِّيَ على أبي بكرٍ وعمرَ فيه، رواه سعيد (٣). وللمصلِّي قيراطٌ، وهو أمرٌ معلومٌ عندَ الله تعالى، وله بتمامِ دفنِها آخَرُ، بشرطِ أنْ لا يفارقَها من الصَّلاة حتَّى تُدفنَ. فصل في حَمْلِ الميِّتِ ودفنِه ويسقطانِ بكافرٍ وغيرهِ، كتكفينهِ؛ لعدم اعتبارِ النِّيَّة فيه. (سُنَّ تربيعٌ في حَمْلِه) لقولِ ابن مسعودٍ: إذا اتَّبعَ (٤) أحدُكم جنازةً، فليأخذ بقوائمِ السَّريرِ الأربعِ، ثُمَّ ليتطوَّع بعدُ، أو ليَذَر. رواه سعيد (٥). فيُسَنُّ أنْ يحملَها أربعةٌ.

стр. 777

ويباحُ بين العمودَيْن. وسُنَّ إسراعٌ بها، وكونُ ماشٍ أمامَها، والتربيعُ: أنْ يضعَ قائمةَ السَّريرِ المقدَّمةَ اليسرى على كتفِه الأيمن، ثُمَّ ينتقلَ إلى المؤَخَّرَة، ثُمَّ يضعَ قائمتَه اليمنى المقدَّمةَ على كتفِه الأيسر، ثُمَّ ينتقلَ إلى المؤَخَّرَة. (ويُباحُ) أنْ يحمل (بين العمودَيْن) كلُّ واحدٍ على عاتِقٍ؛ لأنّه ﷺ حملَ جنازةَ سعدِ بنِ معاذٍ بين العَمُودين (١). وإنْ كان الميتُ طفلًا، فلا بأسَ بحملِه على الأيدي. ويُستحبُّ كونُه (٢) على نعْشٍ، وتغطيةُ نَعْشِ امرأةٍ بِمكبَّةٍ (٣)، ويُجعلُ فوقَ المِكَبَّة ثوبٌ. وكذا إنْ كان بالميتِ حَدَبٌ ونحوهُ. وكُره تغطيتُه بغير أبيضَ ولا بأس بحملِه على دابَّةٍ لغرَضٍ صحيحٍ، كبُعْدِ قبْرهِ. (وسُنَّ إسراعٌ بها) أي: الجنازةِ دونَ الخَبَبِ (٤)؛ لقوله ﷺ : "أسرعُوا بالجنازةِ، فإنْ تكُ صالحةً، فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإنْ تكُ (٥) سوى ذلك، فشرٌّ تضعونَه عن رقابِكم" متَّفقٌ عليه (٦). (و) سنَّ (كونُ ماشٍ أمامَها) قال ابنُ المنذر: ثبتَ أن النبيَّ ﷺ وأبا بكر، وعمرَ

стр. 778

وراكب خلْفَها. وكُرِهَ أَنْ تتبعَها امرأةٌ، ورَفْعُ الصَّوتِ معها. وحرُم أنْ يتبعَها مع مُنْكَر عاجزٌ عن إزالتِه، وكُرِهَ جلوسُ متَّبعِها حتَّى توضعَ للدَّفْنِ. كانوا يمشون أمامَ الجنازةِ (١). (و) كونُ (راكبٍ) ولو سفينةً (خلْفَها) لما روى الترمذيُّ وصحَّحه عن المغيرةِ بن شُعبةَ مرفوعًا: "الراكبُ خلفَ الجنازةِ" (٢). أي: يكونُ خلفَها. وكُره ركوبٌ لغير حاجةٍ وعَود. (وكُرِه أنْ تتبعَها) أي: الجنازةَ (امرأةٌ، و) كُرِهَ (رَفْعُ الصَّوتِ معها) ولو بقراءةٍ. (وحرُم أنْ يتبعَها) أي: الجنازةَ (مع مُنْكَرٍ) -كنياحةٍ ولطمِ خدٍّ- شخصٌ (عاجزٌ) بالرفع، فاعلُ: "يتبع" (عن إزالتهِ) أي: المنكَرِ، ويلزمُ القادرَ. (وكُرِهَ جلوسُ متَّبِعها) أي: الجنازةِ (حتَّى توضَعَ) بالأرض (للدَّفْنِ) إلَّا لمن بَعد؛ لقوله ﷺ : "مَنْ تَبعَ جنازةً، فلا يجلسْ حتَّى توضعَ" متَّفقٌ عليه عن أبي سعيد (٣).

стр. 779

ويسجَّى قبرُ امرأةٍ فقط، واللَّحْدُ أفضلُ، فيوضعُ فيه على شِقِّه الأيمنِ، وكرِه قيامٌ لها إنْ جاءَتْ، أو مرَّتْ وهو جالس. (ويُسَجَّى) أي: يغطَّى نَدْبًا (قبرُ امرأةٍ) وخنثى (فقط) أي: دون رجلٍ، فيُكره بلا عُذْرٍ؛ لقولِ عليٍّ، وقد مرَّ بقومٍ دفنوا ميتًا، وبسطُوا على قبرهِ الثَّوبَ، فجذبه وقال: "إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساء" رواه سعيد (١). (واللّحْدُ أفضلُ) من الشَّقِّ؛ لقولِ سعدٍ (٢): الْحدُوا لي لَحدًا، وانصبُوا اللَّبِن عليَّ نصبًا، كما صُنِعَ برسول الله ﷺ . رواه مسلم (٣). واللَّحْدُ: هو أن يحفرَ إذا بلغ قرار القبرِ في حائطِ القبرِ مكانًا يسعُ الميتَ (٤)، وكونُه مما يلي القبلةَ أفضلُ. والشَّقُّ: أنْ يحفرَ في وسطِ القبرِ كالنهر أو يُبنَى جانباه، وهو مكروهٌ بلا عُذْرٍ، كإدخالِه خشبًا وما مسَّتْه النَّارُ، ودفنٍ في تابوت. وسُنَّ أنْ يوسَّعَ ويعمَّقَ قبرٌ بلا حدٍّ، ويكفي ما يمنعُ السِّباعَ والرائحة. ومَنْ مات في السفينةِ ولم يمكنْ دفنُه في البرِّ، ألقي في البحر -كإدخالهِ القبرَ- بعد غسله وتكفينه والصَّلاةِ عليه، وتثقيله بشيء. (فيوضعُ) الميتُ (فيه) أي: اللَّحْدِ (على شِقِّه الأيمن) نَدْبًا؛ لأنَّه يشبهُ النَّائمَ، وهذه سنَّةٌ. ويقدَّم بدفنِ رجلٍ مَنْ يُقدَّم بغسلهِ، وبعدَ الأجانب محارمه من النِّساء، ثُمَّ الأجنبيَّات.

стр. 780

مستقبلَ القبلة، ويغطَّى باللَّبِن، ويقول مُدخِلُه: "بِسم اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله"، ويرفعُ قبرٌ عن أرضٍ قَدْرَ شبرٍ مُسَنَّمًا. ويدفنُ امرأة محارمُها الرجال، فزوجٌ، فأجانب. ويجب أنْ يكون الميتُ في قبره (مستقبلَ القبلةِ) لقوله ﷺ في الكعبة: "قبْلتكم أحياءً وأمواتًا" (١). وينبغي أن يُدْنى من الحائط؛ لئلَّا ينكبَّ على وجهه، وأن يُسندَ من ورائهِ بترابٍ؛ لئلَّا ينقلبَ، ويُجعلَ تحت رأسِه لَبِنَة. (ويغطَّى) اللَّحْدُ (باللَّبن) ويتعاهدُ خلاله بالمدَرَ (٢) ونحوه، ثمَّ يطيَّن (٣) فوق ذلك. وسُنَّ (٤) حثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثُمَّ يُهال (ويقول مُدْخِلُه) في اللَّحد: (باسم الله وعلى مِلَّة رسول الله) لأمرِه ﵊ بذلك. رواه أحمدُ عن ابن عمر (٥). وسُنَّ تلقينُه والدعاءُ له بعد الدَّفْنِ عند القبر، ورشُّه بماء، ووضعُ حصباءَ عليه. (ويُرفع قبرٌ عن أرضٍ قَدْرَ شبرٍ) نَدْبًا؛ لأنَّه ﷺ رُفِعَ قبرُه عن الأرض قَدْرَ شبرٍ. رواه الساجيُّ من حديث جابر (٦). وكُرِهَ فوقَ شبرٍ، ويكونُ القبرُ (مُسَنَّمًا) لما روى البخاريُّ

стр. 781

ويباحُ تطيينُه، ويُكرَه تجصيصُه، والبناءُ، والكتابةُ، والجلوسُ، والوطءُ عليه، والاتكاءُ إليه، عن سفيان التَّمار (١)، أنَّه رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مسنَّمًا (٢). لكن من دُفِنَ بدارِ حرب لتعذُّر نقله، فالأولى تسويتُه بالأرضِ وإخفاؤُه. (ويُباح تطيينُه) -أي: القبر- أي؛ طَليُه بالطِّين (ويُكرَه تجصيصُه) أي: القبرِ وتزويقهُ وتحليتُه (٣) (والبناءُ) عليه، سواءٌ لاصقَهُ، أوْ لا؛ لقول جابرٍ: نهى النبي ﷺ أنْ يجصَّص القبرُ، وأنْ يُقعدَ عليه، وأن يُبْنى عليه. رواه مسلم (٤). (و) تُكرَهُ (الكتابةُ، والجلوسُ، والوطءُ عليه) لما روى الترمذيُّ وصحَّحه من حديث جابرٍ مرفوعًا: "نهى أن تُجصَّصَ القبورُ، وأنْ يكتبَ عليها، وأنْ توطأ" (٥). وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "لأنْ يجلسَ أحدُكم على جمرةٍ فتُحرقَ ثيابَه، فتَخلُصَ (٦) إلى جلده خير [له] من أن يجلسَ على قبر" (٧). (و) يُكرَه (الاتِّكاءُ إليه (٨)) لما روى أحمد (٩): أن النبيَّ ﷺ رأى عمرَو بنَ حَزم متكئًا على قبرٍ، فقال: "لا تُؤذِه".

стр. 782

ومشيٌ بنعلٍ في مقبرةٍ بلا حاجة. ويحرُمُ دفنُ اثنينِ فأكثرَ في قبرٍ بلا ضرورة، ويجعَلُ بينهما حاجزٌ من ترابٍ. وتُسنُّ القراءةُ عندَه، (و) كُرِه (مشيٌ بنعلٍ) لا خُفٍّ في مقبرةٍ (بلا حاجةٍ) كنجاسةٍ وشَوْكٍ. (ويحرمُ دفنُ اثنينِ فأكثرَ) معًا، أو واحدًا بعد واحدٍ قبل أن يَبْلَى السابقُ (في قبرٍ) واحدٍ؛ لأنّه ﷺ كان يدفنُ كلَّ ميِّتٍ في قبرٍ. وعلى هذا استمرَّ فعلُ أصحابهِ ومَنْ بعدَهم. وإنْ حفر، فوجدَ عظامَ ميِّتٍ، دفنها، وحفرَ في مكانٍ آخرَ (بلا ضرورةٍ) ككثرةِ الموتى وقلَّةِ مَنْ يدفنهم، وخوفِ الفسادِ عليهم، فيجوزُ دفنُ أكثر؛ لقولِه ﷺ يوم أحُدٍ: "ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحدٍ" رواه النسائيُّ (١). ويُقدَّم الأفضلُ للقِبلة، وتقدَّم. (و) حيث دُفن اثنان معًا للضرورةِ، فإنَّه (يُجعَلُ) بالبناءِ للمفعول (بينهما حاجزٌ من ترابٍ) ليصيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قبرٍ منفردٍ. وكُرِه دفنٌ عند طلوعِ شمسٍ وغروبِها، ويجوز ليلًا. (وتُسنُّ القراءةُ عندَهُ) أي: القبرِ؛ لما روى أنسٌ مرفوعًا قال: "مَنْ دخل المقابرَ، فقرأ فيها ﴿يس﴾، خُفِّفَ عنهم يومئذٍ، وكان له بعددِهم حسنات" (٢). وصحَّ عن ابنِ عمر أنَّه أوصى إذا دُفن أنْ يُقرأ عندَه بفاتحةِ البقرةِ وخاتمتها (٣) .........

стр. 783

وجعل نحوِ جريدةٍ خضراءَ، وأيُّ قربةٍ فعلَها وجعلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميِّتٍ، نفعه. ونُدِبَ إصلاحُ طعامٍ لأهلِ ميتٍ يُبعثُ به إليهم ثلاثًا، قاله في "المبدع" (١). (و) سُنَّ فعلُ ما يخفِّفُ عنه، ولو بـ (ـجَعْل) أي: وَضْعِ (نحوِ جريدةٍ خضراءَ) أي: رطبةٍ على القبر. (وأيُّ قُرْبةٍ) من دعاءٍ، واستغفار، وصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ، وقراءةٍ، وغير ذلك (فَعَلَها) مسلمٌ (وجَعَلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميِّتٍ، نفعَه) ذلك. قال الإمام أحمد: الميِّتُ يَصلُ إليه كُلُّ شيءٍ من الخيرِ؛ للنصوصِ الواردةِ فيه (٢). ذَكَرَه المجْدُ وغيرُه، حتَّى لو أهداها للنبيِّ ﷺ جاز، ووصلَ إليه ثوابُها. (ونُدِبَ إصلاحُ طعامٍ لأهلِ ميتٍ يُبعثُ به إليهم ثلاثًا) أي: ثلاثةَ أيام؛ لقولِه ﷺ :

стр. 784

وكُرِهَ لهم فعلُه للناس. وتُسنُّ زيارةُ قبورٍ لغيرِ نساءٍ، ويقولُ إذا مرَّ بها: السلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ من المؤمنين، وإنَّأ إنْ شاء الله بكم لَلاحقون (١)، يَرحم اللهُ المستقدمين منكم "اصنعُوا لآل جعفرٍ طعامًا؛ فقد جاءهم ما يَشغلهم" رواه الشافعيُّ وأحمدُ والترمذيُّ وحسَّنه (٢). (وكُرِهَ لهم) أي: لأهل الميت (فعلُهُ) أي: الطعامِ (للناس) لما روى أحمدُ عن جريرٍ، قال: كنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ، وصُنعَ الطعام بعد دفنِه من النِّياحة. وإسنادُه ثِقاتٌ (٣). (وتُسنُّ زيارةُ قبورٍ) حكاهُ النَّوويُّ إجماعًا (٤)؛ لقوله ﷺ : "كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها" رواه مسلم، والترمذيُّ وزاد: "فإنَّها تذكِّرُ الآخرةَ" (٥). وسُنَّ أن يقفَ زائرٌ أمامَه قريبًا منه، كزيارته في حياته (لغيرِ نساءٍ) فتكُره لهنَّ زيارتُها، غيرَ قبرهِ ﷺ وقبر صاحبَيْه ﵄. (و) يُسَنُّ أن (يقولَ إذا) زارها، أو (مرَّ بها: السلامُ عليكُم أهلَ الدِّيار من المؤمنين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم للاحقون (٦)، يَرحم اللهُ المستقدمين منكم

стр. 785

والمستأخِرين، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ، اللهمَّ لا تحرِمْنا أجْرَهم، ولا تفْتِنَّا بعدَهم، واغفِرْ لنا ولهم. وتعزيةُ مصابٍ. والمستأخِرين. نسألُ اللهَ لنا ولكُم العافيةَ. اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجْرهم، ولا تفْتِنَّا بعدَهم، واغفرْ لنا ولهم) للأخبار الواردة بذلك (١). وقوله: "إن شاء الله": استثناء للتبرُّك، أو راجعٌ للُّحوقِ لا للموت، أو إلى البقاعِ. ويسمعُ الميتُ الكلامَ، ويعرفُ زائرَه يومَ الجمعة بعدَ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمس. (٢) وفي "الغنية": يعرفه كلِّ وقت، وهذا الوقتُ آكد. وتباحُ زيارة قبرِ كافر (و) تُسَنُّ (تعزيةُ) مسلم (مصابٍ) بميتٍ، ولو صغيرًا قبلَ الدَّفْنِ وبعدَه؛ لما روى ابنُ ماجه وإسنادُه ثقاتٌ، عن عَمْرِو بن حَزْم مرفوعًا: "ما مِن مؤمنٍ يعزِّي أخاه بمصيبةٍ، إلَّا كساهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكرامةِ يوم القيامةِ" (٣). فيقال لمصابٍ بمسلمٍ: أعظمَ اللهُ أجْرَكَ وأحسنَ عزاءَك، وغَفَر لميتك. وبكافرٍ: أعظمَ اللهُ أجْرَكَ، وأحسن عزاءَك. ويردُّ معزّى بـ: استجابَ اللهُ دعاءَك، ورحِمَنا اللهُ وإيَّاكَ.

стр. 786

ويحرُم نَدْبٌ، ونياحةٌ، ولطمُ خَدٍّ، وشقُّ ثوبٍ ونحوه، لا بكاءٌ. وإذا جاءت التعزيةُ في كتابٍ، ردَّها على الرسول لفظًا. وكُرِهَ (١) تكرارُها، أو بعدَ ثلاثةِ أيام. وتحرمُ تعزيةُ كافر. (ويحرمُ نَدْبٌ) أي: تعدادُ محاسنِ الميت (٢)، كقوله: واسيِّداه، وا انقطاع ظهراه (ونياحةٌ) وهي (٣) رفعُ الصوت بالنَّدب (٢). (و) حَرُمَ (لطمُ خدٍّ، وشقُّ ثوبٍ ونحوه) كصراخٍ، ونتفِ شعرٍ، ونشرهِ، وتسويدِ وجهٍ، وخمشهِ؛ لما في الصَّحيحَين أنَ رسولَ الله ﷺ قال: "ليس منَّا مَنْ لَطَمَ الخدود، وشق الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية" (٤). وفيهما: أنَّ النبيَّ ﷺ بَرِئَ من الصَّالقة، والحالقةِ، والشاقَّةِ (٥). والصَّالقةُ: التي ترفعُ صوتَها عندَ المصيبةِ (٦). وفي "صحيح مسلم" أنَّ النبيَّ لعنَ النائحةَ والمستمعةَ (٧). و (لا) يحرمُ (بكاءٌ) [على الميت] (٨) بل لا يُكره؛ لقولِ أنسٍ: رأيتُ النبىَّ ﷺ وعيناهُ تدمعان (٩)، وقال: إنَّ الله لا يعذِّبُ بدمعِ العينِ، ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ

стр. 787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يعذِّبُ بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحمُ" متَّفقٌ عليه (١). ويسنُّ الصبرُ، والرِّضا، والاسترجاعُ، فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهمَّ أجُرني في مصيبتي، وأخلفْ لي خيرًا منها. ولا يلزمُ الرِّضا بمرضٍ، وفقرٍ، وعاهةٍ، ويحرمُ بفعلِ المعصية. وكُرِهَ لمصابٍ تغييرُ حالهِ، وتعطيلُ معاشِه، لا جعلُ علامةٍ عليه؛ ليُعرفَ فيعزَّى، و (٢) هجرُه للزينةِ وحسنِ الثيابِ ثلاثةَ أيام.

стр. 788

كتاب الزكاة تجبُ على مسلمٍ حُرٍّ، مَلكَ نِصَابًا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، إذا مَضَى الحولُ كتاب الزكاة الزكاة لغةً: النَّماءُ والزِّيادة، يُقال: زَكا الزرعُ، إذا نَمَا وزَاد. وتُطْلَق على المدح والتطهير (١) والصلاح. وسُمِّيَ المُخرَج زكاةً؛ لأنَّه يزيدُ في المخرَج منه، ويَقِيه الآفات. وشرعًا: حقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوص (٢). (تجب) الزَّكاة في سائمة بهيمة الأنْعام، والخارجِ من الأرض، والأثمانِ (٣)، وعُرُوضِ التِّجارة. وسيأتي تفصيلُها، بخمسةِ شُروط: أشارَ إلى أحدها بقوله: (على مسلمٍ) فلا تجبُ على كافرٍ أصليٍّ، أو مرتدٍّ، فلا يَقْضِيها إذا (٤) أسلم. وأشارَ إلى الثاني بقوله: (حُرٍّ) فلا تجبُ على عبد؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا على مكاتَبٍ لأنَّه عبدٌ، ومِلْكُه غيرُ تامٍّ. وتجبُ على مبعَّضٍ فيما مَلَكَه بجُزئِه الحرِّ بشرطه. وأشارَ إلى الثالث بقوله: (ملَكَ نِصَابًا) ولو كان المالكُ صغيرًا، أو مجنونًا؛ لعمومِ الأخبار وأقوالِ الصَّحابة، فإنْ نَقَصَ عنه، فلا زكاةَ إلَّا الرِّكاز. وأشارَ إلى الرابع بقوله: (مِلْكًا مُسْتَقِرًّا) أي: تامًّا في الجملةِ، فلا زكاةَ في دَيْنِ الكِتابة؛ لعدَم استقراره؛ لأنَّه يملكُ تعجيزَ نفسِه. وأشار إلى الخامس بقوله: (إذا مَضَى الحولُ) لقولِ عائشةَ عن النبيِّ ﷺ :"لا

стр. 789

في غيرِ مُعَشَّر. وَيتبعُ نِتَاجُ سائمةٍ وربحُ تجارةٍ أصْلَه، إنْ بَلَغَ نصابًا، زكاةً في مالٍ، حتَّى يحولَ عليه الحولُ". رواه ابنُ ماجه (١)، ورِفْقًا بالمالك؛ ليَتَكاملَ النَّماء، فيُواسيَ منه، ويُعفَى فيه عن نصف يومٍ. وإنَّما يُعتَبر الحَولُ (في غير مُعَشَّر) كحُبوبٍ وثمارٍ، فلا يُعتَبر [فيه الحولُ] (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وكذا مَعْدِن ورِكَازٌ وعسلٌ؛ قياسًا عليهما (٣)، فإن استفادَ مالًا بإرثٍ أو هبةٍ ونحوهما، فلا زكاةَ فيه حتَّى يحولَ عليه الحول. (وَيَتْبَعُ نِتَاجُ سالمةٍ) أصلَه في الحول (و) يَتبَعُ (ربحُ تجارةٍ أصلَه) في الحول (إنْ بَلَغَ) أصلُ كُل منهما (نصابًا) فيجب ضمُّهما إلى ما عندَه إذن؛ لقول عمرَ: اعتد عليهم بالسَّخلَة، ولا تأخُذهَا منهم. رواه مالك (٤)، ولقول عليّ: عدَّ عليهم الصغارَ والكبار (٥). فلو ماتتْ واحدةٌ من الأمَّهات، فنُتجتْ سخلةٌ، انقطعَ (٦)، بخلافِ مالو نُتِجت، ثم ماتتْ.

стр. 790

وإلَّا، فمِن كمالِه. ويزَكَّى دَينٌ وغَصْبٌ ونحوه -إذا قبض أو أَبرأ منه- لما مضى. ولا زكاةَ في مالِ مَن عليه دين يُنْقِصُ النِّصَابَ، ولو كفَّارةً ونحوَها. (وإلَّا) يكنِ الأصلُ نصابًا (فـ) ابتداءُ حولِ الجميع (من كَماله) نصابًا. فلو مَلَك خمسًا وثلاثينَ شاةً، فنُتِجَت شيئًا فشيئًا، فحوْلها من حين تبلغُ أربعين. وكذا لو مَلَكَ ثمانيةَ عشر مثقالًا، ورَبحتْ شيئًا فشيئًا، فَحوْلُها منذُ بَلَغت عشرين. ولا يَبني وارثٌ على حول مُوَرِّثه. ويُضمُّ المستفادُ إلى نصابٍ بيده، من جنسه أو في حُكْمه (١)، في وجوب الزَّكاةِ، لا في الحول. فيُزكَّى كلُّ واحدٍ إذا تمَّ حولُه. (ويُزكَّى) بالبناء للمفعول (دَينٌ) كثمنِ مبيع وقرضٍ على مَلِئٍ أو غيره (وغصبٌ ونحوهُ) كمسروقٍ ومَوروثٍ مجهول (إذا قبضَ) ذلك (أو أَبرأَ منه، لما مضى) روي عن عليِّ (٢)، فلا [يَلْزمُه إخراجُ زكاته قبلَ ذلك] (٣)؛ لأنَّه لا يقدِر على قبضِه والانتفاعِ به، سواءٌ قصدَ ببقائه الفرارَ من الزكاة أوْ لا، ولو قبضَ دونَ نصابٍ، زكَّاه، وكذا لو كان بيدِه دونَ نصابٍ وباقيه دينٌ، أو غضبٌ، أو ضالٌّ. والحوالةُ عليه كالقبض. (ولا زكاة) واجبةً (في مالِ مَن عليه دينٌ يُنْقِصُ النِّصابَ) فالدَّينُ وإنْ لم يكن من جنسِ المال، مانعٌ من وجوبِ الزَّكَاة في قَدْره. (ولو) كان المالُ ظاهرًا كالمواشي، أو كان الدَّين (كفَّارةً ونحوَها) كنَذْرٍ مُطْلَقٍ،

стр. 791

وحولُ صغارٍ من ملك، كحولِ كبار. ومتى نَقَصَ النصابُ، أو باعَهُ بغيرِ جِنْسه، لا فرارًا منها، انْقَطعَ الحولُ. ولا يُعتبَر لها بقاءُ مالٍ، وزكاةٍ، ودينِ حجٍّ وغيره؛ لأنَّه يجبُ قضاؤه، أشبهَ دينَ الآدمي، ولقوله ﷺ : "دَينُ الله أحق بالوفاء" (١) ومتى بَرِئَ، ابتدأ حَوْلًا (٢). (وحولُ صغار) سائمةٍ (من) وقْت (مِلْكِـ) ـه لها (كـ) حَوْلِ (كبار) ها؛ لعموم قوله ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ" (٣) لأنَّها تقعُ على الكبير والصَّغير، لكنْ لو تغذَّت باللَّبنِ فقط، لم تجبْ؛ لعدَم السَّوم. (ومتى نَقَصَ النِّصاب) في بعضِ الحولِ، انقَطَع، لكنْ يُعفى في أثمانٍ وقيمةِ عَرْضٍ عن نقصٍ يسيرٍ، كحبَّة وحبَّتَيْن (أو باعَه) ولو مع خيار (بغيرِ جِنْسه لا فرارًا منها) أي: الزكاةِ (انْقَطعَ الحولُ) لعدمِ الشَّرط، ويَستَأْنِفُ حَولًا، لا في ذهبٍ بِفِضَّة، وبالعكس؛ لأنَّهما كالجنس الواحد. ويُخرِجُ ممَّا معه عندَ الوجوب. وعُلِم منه: أنَّه لو باعَه بجنسه، كأربعينَ شاةً بمثلِها، أو أكثرَ، فإنَّه يبني على حَوْلِه. وأنَّه لو قَصَد الفرارَ من الزكاةِ، لم تَسْقُط ولو بغير جِنْسه، فإن ادَّعَى عدمَ الفِرار، وثَمَّ قرينةٌ، عُمِلَ بها، وإلَّا، فقوله (٤). وتجبُ الزكاةُ في عينِ ما تُجزئُ منه لا منه (٥). (ولا يُعْتَبر لـ) وجوب (ها) أي: الزكاةِ (بقاءُ مالٍ) فلا تسقطُ بتلَفِه، فرَّطَ أو لم

стр. 792

ولا إمكانُ أداءٍ، وهي كالدَّينِ في الترِكَة. يفرِّط، كدين الآدميّ، إلَّا إذا تَلِف زَرعٌ أو ثمرٌ بجائحةٍ (١) قبل حصادٍ وجذاذ (٢). (ولا) يُعتبَر لوجوبها أيضًا (إمكانُ أداءٍ) كسائرِ العبادات، فإنَّ الصَّومَ يجبُ على المريض والحائض، والصَّلاةَ تجبُ على المُغمَى عليه والنَّائم، فتجبُ في دينٍ، ومالٍ غائب ونحوه، كما تقدَّم، لكن لا يلزمُه الإخراجُ قبلَ حصوله بيده. (وهي) أي: الزكاةُ إذا ماتَ مَن وجبتْ عليه (كالدَّين في الترِكَة) لقوله ﷺ : "فدَينُ الله أحقُّ بالوفاء" (٣)، فإنْ وَجَبَتْ، وعليه دينٌ برهنٍ وضاقَ المالُ، قُدِّم، وإلَّا، تَحاصَّا (٤)؛ للتَّزاحُم، كديون الآدميِّين. قال المصنِّفُ في "شرح المنتهى" (٥): قلتُ: مقتضى تَعَلُّقِها بعينِ المال، تقديمُها على دَينٍ بلا رهنٍ. انتهى. قلت: كلٌّ من الزكاةِ ودين الآدميّ يتعلَّق بالمال بعد الموت، ولذلكَ نصُّوا على أنَّ تَعَلُّق الزكاةِ بالنِّصابِ، كَتعلُّق الدَّين بالتركة، كما ذكَره المصنِّفُ نفسُه في "شرح الإقناع" (٦)، فلا فرقَ بين الزكاةِ والدِّين بلا رهنٍ، فلذلك يتحاصَّان، كما مَشَى عليه في "المنتهى" و"الإقناع" (٧). أمَّا الدَّينُ بالرهن فتعلُّقه بالرَّهنِ أقوى منهما، فلا إِشكالَ، والله أعلم. ويقدَّم على ذلك نذرٌ معيَّن وأضحيةٌ معيِّنة.

стр. 793

باب زكاة السائمة تجبُ فيما أعِدَّ لدَرٍّ ونسلٍ، إذا سامت أكثرَ الحول. ففي خمسٍ وعشرينَ من إبلٍ بنتُ مَخاضٍ لها سنَةٌ، وفيما دونَها في كلِّ خمسٍ شاةٌ. (بابُ زكاة السائمة) من بهيمة الأنعام وهي الإِبلُ والبقرُ والغَنَم. وسُمِّيَت بهيمةً؛ لأنَّها لا تتكلَّم. (تجبُ) الزكاةُ (فيما أُعِدَّ) بالبناء للمفعول، يعني: اقتُنِيَ منها (لدَرٍّ) بفتح الدَّال المهملة، أي: لأجل لبنٍ (ونسلٍ) وتسمينٍ، لا لعملٍ كحرثٍ وحَمْلٍ (إذا سامت) أي: رَعَت المباحَ (أكثرَ الحول) لحديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "في كلٍّ إبلٍ سائمةٍ في كلِّ أربعينَ ابنةُ لَبُون" رواه أحمد (١). فلا تجبُ في معلوفةٍ، ولا إذا اشترَى لها ماتَأُكُله، أو جَمَع لها من المُباح ماتأكله. (فـ) فما يجبُ (في خمسٍ وعشرين من إبلٍ بنتُ مَخاض) إجماعًا، وهي ما تَمَّ (لها سنَةٌ) سُميتْ بذلك؛ لأنَّ أُمَّها قد حَمَلت -والماخض (٢): الحامل- وليس كونُ أُمِّها مخاضًا شرطًا؛ وإنما ذُكِر تعريفًا لها بغالبِ أحوالها. (و) يجبُ (فيما دونَها) أي: دونَ خمسٍ وعشرين (في كلِّ خمس شاةٌ) بصفةِ الإبل (٣) إن لم تكن مَعيبةً، ففي خمسٍ من الإبل كرامٍ سمانٍ شاةٌ كريمةٌ سمينةٌ. وإنْ كانت الإبل مَعِيبةً، ففيها شاةٌ صحيحةٌ تَنْقُص قيمتُها بقدرِ نقصِ الإبل.

стр. 794

وفي ستٍّ وثلاثينَ بنتُ لبون لها سنتان. وفي ستٍّ وأربعينَ حِقَّة لها ثلاثُ سنين. وفي إحدى وستِّين جَذَعةٌ لها أربعُ سنين. وفي ستٍّ وسبعين بنتا لبونٍ. وفي إحدى وتسعينَ حِقَّتان. وفي إحدى وعشرين ومئةٍ ثلاثُ بنات لبون. ولا يُجزئُ بعيرٌ ولا بقرةٌ ولا نِصْفا شاتين. وفي العَشر شاتان. وفي خمسَ عشرة ثلاثُ شياه، وفي عشرينَ أربعُ شياه، إجماعًا في الكُلِّ. (وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لَبُون) ما تمَّ (١) (لها سَنَتان) لأنَّ أُمَّها قد وَضَعت غالبًا، فهي ذاتُ لَبَن. (وفي ستٍّ وأربعينَ حِقَّةٌ) ما تمَّ (لها ثلاثُ سنين) لأنَّها استحقَّت أنْ يَطرُقَها الفحل، وأن يُحمَل عليها، وتُركَب (وفي إحدى وستِّين جَدَعةٌ) بالذال المعجمة: ما تمَّ (لها أربعُ سنين) لأنها تَجْذَعُ، أي: تسقطُ سِنُّها إذْ ذاك، وهذا (٢) أعلى سنٍّ يجبُ (٣) في الزكاة. (وفي ستٍّ وسبعينَ بنتا لبُون، وفي إحدى وتسعين حقَّتان) إجماعًا. (وفي إحدى وعشرين ومئةٍ ثلاثُ بنات لبون) لحديث الصدقاتِ الذي كتبَه

стр. 795

ثمَّ في كلِّ أربعينَ بنتُ لَبُون، وفي كلِّ خمسينَ حِقَّةٌ. فصل وفي ثلاثينَ من البقر تبيعٌ رسول الله ﷺ (١)، وكانَ عند آلِ عمرَ بن الخطاب، رواه أبو داود والترمذيُّ وحسَّنه (٢). (ثمَّ في كلِّ أربعينَ بنتُ لَبُون. وفي كلّ خمسينَ حِقَّةٌ) ففي مئةٍ وثلاثين حِقَّةٌ وبنتا لَبون، وفي مئةٍ وأربعين حِقَّتانِ وبنتُ لبون، وفي مئةٍ وخمسينَ ثلاثُ حِقاق، وفي مئةٍ وستِّينَ أربعُ بناتِ لبون، وفي مئةٍ وسبعين حِقَّةٌ وثلاثُ بناتِ لبون، وفي مئةٍ وثمانينَ حقَّتانِ وبنتا لبون، وفي مئةٍ وتسعينَ ثلاثُ حِقَاقٍ وبنتُ لبون. فإذا بَلَغتْ مئتين، خُيِّر بينَ أربعِ حقاقٍ، وخمسٍ بناتِ لَبُون. ومَن وَجَب (٣) عليه بنتُ لَبُونٍ مثلًا وعَدمِها، أو كانتْ معيبةً، فله أنْ يَعدِلَ إلى بنتِ مخاضٍ، ويَدْفَع جُبْرانًا، أو إلى حِقَّةٍ ويَأُخُذَه، وهو شاتان، أو عشرونَ درهمًا، وتُجزِئُ شاةٌ وعشرةُ دراهمَ. ويتعيَّنُ على وليٍّ محجُورٍ عليه إخراجُ أدْوَنِ مُجْزِئٍ. ولا دَخْلَ لجُبرانِ في غيرِ إبل. فصل في زكاة البقر وهي مُشتقَّةٌ من بَقَرْتُ الشيءَ: إذا شقَقْته؛ لأَنَّها تَبْقُرُ الأرضَ بالحرث. (و) يجبُ (في ثلاثينَ من البقر) أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً -ومنها الجواميس- (تبيعٌ

стр. 796

أو تبيعةٌ لهما سنة. وفي أربعينَ مُسنَّةٌ لها سنتان، وفي ستِّينَ تبيعان، ثمَّ في كُلِّ ثلاثينَ تبيعٌ، وفي كلِّ أربعينَ مُسِنَّةٌ. ولا يُجزِئُ ذَكَرٌ إلَّا هنا، وابنُ لَبونٍ عندَ عدمِ بنتِ مخاضٍ، وإذا كان النَّصابُ كلُّه ذكورًا. أو تبيعةٌ [لهما) أي:] (١) لكل منهما (سنةٌ) ولا شيء فيما دونَ الثلاثين؛ لحديثِ معاذٍ حينَ بعثَه النبي ﷺ إلى اليمن (٢). (و) يجبُ (في أربعينَ مُسنَّةٌ لها شتان) وتجزئُ أُنثَى أَعلى منها سِنًّا، لا مُسِن ولا تبيعان. (وفي ستِّينَ تبيعان، ثمَّ) إن زادَت، وَجَب (في كُلِّ ثلاثينَ تبيعٌ، و) في (كل أربعينَ مُسنَّةٌ) فإذا بلَغت ما يتفِقُ فيه الفرضان كمئةٍ وعشرينَ، خُيِّرَ، فإنْ شاء أخرجَ أربعةَ أتبِعة، أو ثلاثَ مُسِنَّاتٍ. (ولا يُجزِئُ ذَكَرٌ) في زكاةٍ (إلا هنا) أي: في زكاةِ البقر، فيُجزِئ التَّبِيعُ؛ لورُود النص فيه، والمُسِن عنه (٣)؛ لأنَّه خيرٌ منه، (و) إلا (ابنُ لَبون) وحِقٌّ وجَذَعٌ وما فوقها (٤) (عندَ عَدَمِ بنتِ مخاضٍ) فَيُجزِئ عنها (و) إلا (إذا كان النصابُ) من إبلٍ، أو بقرٍ، أو غنمٍ (كله ذكورًا) لأنَّ الزكاةَ مواساةٌ، فلا يُكلَّفُها مِن غَير ماله.

стр. 797

فصل وفي الغنم إذا بَلَغَتْ أربعين شاةٌ، وفي إحدى وعشرين ومئةٍ شاتان، وفي مئتين وواحدةٍ ثلاثُ شياه، ثمَّ في كلِّ مئةٍ شاةٌ. ولا تُؤخذُ هَرِمةٌ ولا مَعيبةٌ لا تُجزِئُ في أضحيةٍ، إلَّا إذا كان النِّصابُ كلُّه كذلك، ولا أكولةٌ، فصل في زكاة الغنم وهو: اسمُ جنسٍ مؤنَّثٍ يقعُ على الذَّكَرِ والأنثى مِنْ ضَأْنٍ ومَعزٍ (١). (و) يجب (في الغنم) أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً (إذا بَلَغَتْ أربعينَ شاةً) بالنصب على التمييز، "شاةٌ"، بالرفع فاعلُ: "يَجِبُ" (٢) إجماعًا في الأهليَّة، فلا شيءَ فيما [دونَ الأربعين] (٣). (وفي إحدى وعشرين ومئةٍ شاتان) إجماعًا. (وفي مئتين وواحدةٍ ثلاثُ شياه) إلى أربع مئةِ شاةٍ، ففيها أربعُ شِياه (ثمَّ) تَستقرُّ الفريضةُ (في كلِّ مئةٍ) بالتنوين (شاةٌ) بالرفع، ففي خمس مئةٍ خمسُ شياه. وفي ستٍّ مئةٍ ستُّ شياه، وهكذا. (ولا تُؤخدُ) أي: لا تُجزِئُ في زكاةٍ (هَرِمةً) كبيرةٌ طاعنةٌ في السِّنِّ (ولا مَعيبةٌ لا تُجزِئُ في أُضحيةٍ) كعمياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (إلَّا إذا كان النِّصابُ كلُّه كذلك) هَرِماتٍ أو معيباتٍ، فَتُجزيه منْه؛ لأنَّ الزكاةَ مواساةٌ، فلا يُكَلَّفُ إِخراجَها من غير ماله (ولا) تُؤَخذ (أكولةٌ) [وهي السَّمينة] (٤)؛ لقولِ

стр. 798

ولا حامل، إلَّا برضا ربِّها. والخُلْطة في السائمةِ تُصيِّرُ المالَين كالواحدِ. عمر ﵁: ولا الأكولةُ (١)، ومراده السمينة، (ولا) تُؤخذ (حاملٌ) لقول عمر: ولا الماخض (إلا برضا ربِّها) أي: الأكولةِ أو الحاملِ. (والخُلْطة) بضمِّ الخاءِ، أي: الشركة (في السالمةِ) فلا أثَر لها في غيرها (تُصيَّرُ) أي: تَجعلُ (المالَين) المختلِطَين (٢) (كالواحدِ) [فتَجبُ الزَّكاةُ فيهما] (٣) إنْ بَلَغا (٤) نصابًا، والخليطان من أهلِ وجوبِها، سواءٌ كانت خُلْطةَ أعيانٍ بكونه (٥) مُشَاعًا، بأنْ يكونَ لكلٍّ نصفٌ أو نحوه، أو خُلْطةَ أوصاف، بأن تَميَّز مالُ كلٍّ، واشتركا في مُراحٍ -بضمِّ الميم- وهو: المبيتُ والمأوى. ومسرحٍ، وهو: ما تَجْتَمعُ فيه لتذهبَ للمرعى. ومَحْلَبٍ وهو: موضعُ الحلْبِ. وفَحْلٍ بأنْ لا يَختصَّ بطَرْقِ أحدِ المالَيْن، ومَرْعًى وهو: موضعُ الرِّعي ووقتُه؛ لقوله ﷺ : "لا يُجمَع بينَ مُتَفرِّقٍ، ولا يُفَرَّق بينَ مُجتمعٍ؛ خشيةَ الصَّدقة. وما كانَ مِنْ خَلِيطَين، فإنَّهما يَتَراجَعان بينهُمَا بالسَّوِيِّة" رواه الترمذي (٦) وغيره. فلو كانَ لإنسانٍ شاةٌ، ولآخر تسعةٌ وثلاثون، أو لأربعينَ رجلًا أربعونَ شاةً، لكلٍّ واحدٍ شاةٌ، واشتركا حولًا تامًّا، فعليهم شاةٌ على حَسَب مالهم. ولا أثرَ لخُلْطَةِ من لا زكاةَ عليه كذمِّيٍّ.

стр. 799

وإذا تفرَّقت السائمةُ ببلدين فأكثر، بينهما مسافةُ قَصْرٍ، فلكلِّ ما في بلدٍ حكمُه. (وإذا تفرَّقت السائمةُ) فلا أثرَ لتفريقِ غيرها. (ببلدَيْن فأكثرَ، بينهما) أي: البلدين (مسافةُ قَصْرٍ) فأكثرَ (فلكلٍّ ما) أي: سائمةٍ (في بلدٍ) من تلك البلدان (١) (حكمهُ) أي: حكمُ نفسه، فعلى من له بمحالَّ متباعدةٍ أربعونَ (٢) شاةً، في كلِّ محلٍّ شياهٌ بعددها. ولا شيءَ على منْ لم يجتمع له نصابٌ في واحدٍ منها غيرَ خليط. ويَحرم جمعٌ وتفريق فِرَارًا؛ لما تقدَّم.

стр. 800

باب زكاةِ الخارجِ من الأرض تجبُ في كُل ما يُكالُ ويُدَّخرُ من حبٍّ، وإنْ لم يكن قُوتًا، كالقِرْطِم، وثمرٍ، كتمرٍ، وزبيبٍ، ولوزٍ، باب زكاةِ الخارجِ من الأرض من زَرْعٍ، وثَمَرٍ، ومَعْدِنٍ، ورِكَازٍ، وما يَتبَعُ ذلك، وهو العسلُ الخارجُ من النحل. والأصلُ في وجوبها في ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال ابنُ عباس: حقُّه: الزَّكاةُ فيه، مرَّةً العشرُ، ومرِّةً نصفُ العشر (١). (تجبُ) الزَّكاةُ (في كُلٍّ ما يُكالُ ويُدَّخرُ) نصَّا. ويَدلُّ لاعتبارِ الكيل حديث: "ليس فيما دونَ خمسة أوسُقٍ صَدَقة" متَّفَقٌ عليه (٢). ويدلُّ لاعتبار الادِّخار أن غيرَ المدَّخَرِ لا تَكملُ فيه النِّعمةُ؛ لعدم النَّفعِ فيه مآلًا. ثمَّ بيَّن "مَا" بقوله: (مِنْ حبٍّ) كقمحٍ، وشعيرٍ، وباقِلَاءٍ، وأَرُزٍّ وحِمَّصٍ، وذُرَةٍ، ودُخْنٍ، وعَدَسٍ، وسائرِ أنواع الحبِّ. (وإنْ لم يكن قُوتًا، كـ) حبٍّ (القِرْطِم) (٣)، والرَّشَادِ، والفُجْلِ، والأبازيرِ كلِّها، ككُسفُرةٍ (٤)، وكمُّونٍ، وبَزْرِ (٥) كتَّان، وقِثَّاءٍ، وخيارٍ؛ لعموم قوله ﷺ : "فيما سَقَتِ السَّماءُ والعيونُ العُشرُ" رواهُ البخاريُّ (٦). (و) من (ثمرٍ، كتَمْرٍ، وزَبيبٍ، ولَوزٍ)، وفُسْتُقٍ، وبُنْدقٍ.

стр. 801

إنْ بَلَغَ نصابًا وهو خمسةُ أوْسُقٍ. ويُضَمُّ زرعُ العامِ الواحد وثَمَرُه بعضُه إلى بعضٍ في تكميلِ نصابٍ، ولا تجب في سائر الثِّمار، ولا في الخُضَر، والبُقول، والزُّهور ونحوها غيرَ صَعْتَرٍ، وأُشْنَان، وسُمِّاقٍ، وورَقِ شجرٍ يُقصَد كسِدْرٍ، وخِطْمِيٍّ، وآسٍ، فَتَجِبُ فيها؛ لأنَّها مَكِيلةٌ مُدَّخَرة. وإنَّما تجبُ الزكاةُ فيما ذُكِر (إنْ بَلَغ نصابًا، وهو) أي: النصابُ، أي: قدرُه بعدَ تصفيةِ حبٍّ مِنْ قشرِه، وجفافِ غيره (خمسةُ أوْسقٍ) لحديث أبي سعيدٍ الخُدْري يرفعه: "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ صدقة" رواه الجماعة (١). والوَسْقُ: ستونَ صاعًا؛ وتقدَّم أنَّه خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ عراقيٌ، فهي به ألفٌ وستُّ مئةِ رطلٍ (٢). وبالإِرْدَبِّ المصريِّ (٣): ستَّةُ أرداب وربعُ إردبٍّ؛ لأنَّ الوَسْقَ إردَبٌّ وربعُ إردبٍّ. والوَسْقُ والمُدُّ والصَّاعُ: مكاييلُ نُقِلَتْ إلى الوزْن؛ لتُحْفَظَ وتنقل (٤). وتعتبر بالبُرِّ الرَّزِين (٥)؛ فمن اتَّخذَ مَكِيلًا يَسَع صاعًا منه (٦)، عَرفَ به ما بَلَغ حدَّ الوجوبِ من غيره. (ويُضَمُّ زرعُ العامِ الواحد وثَمَرُه) أي: العامِ الواحدِ (بعضهُ) بالرفع، بدلٌ من "زرعٍ" وثمرٍ"، (إلى بعضٍ) ولو ممَّا يَحملُ في السَّنةِ حَملَين (في تَكْميلِ نصابٍ) إذا

стр. 802

لا جنسٌ إلى آخر. ولا تجبُ فيما مَلَكَه بعد وُجوب، كمُكْتَسَبِ حصَّادٍ ونحوه، ولا ما اجتناهُ من مباحٍ، كبُطْمٍ، وزَعْبَل، أو اشتراه بعدَ بُدُوٍّ صلاحِه. فصل وفيما سُقِيَ بلا كُلْفةٍ العُشْرُ، كانا من نوع واحد، كزرعِ بُرٍّ إلى مثلهِ، وتمرٍ (١) نخلٍ إلى مثلِه؛ لعمومِ الخبر، وكما لو بَدَا صلاحُ أَحدِهما قبلَ الآخر، سواءٌ اتَّفَقَ وقتُ إِطْلَاعِهِما وإدراكهما، أو اختلفَ، تَعَدَّد البلدُ، أوْلا. (لا جنسٌ إلى آخرَ) فلا يُضمُّ بُرٌّ لشعيرٍ، ولا تمرٌ لزبيبٍ، في تكميلِ نصابٍ، كالمواشي. ويُعتبرُ أيضًا لوجوبِ الزَّكاة فيما تقدَّم، أنْ يكونَ النِّصابُ مَمْلوكًا وقتَ وجوبِ الزكاة، وإلى هذا أشارَ بقوله: (ولا تجبُ) زكاةٌ (فيما مَلَكه بعد وجُوبـ) ـها، وهو بُدُوُّ الصلاحِ، وذلك (كمُكْتَسَبِ حصَّادٍ) بتشديد الصاد: أي: ما يكتسبُه حصَّادٌ من الزرعِ أُجْرةً لحصَاده (ونحوه) كما يَكتسِبُه لَقَّاطٌ (ولا) في (ما اجتناهُ) أي: جَمَعه (من مُباحٍ، كبُطْم (٢)، وزَعْبَل) بوزن جَعْفَر: وهو شعيرُ الجبَل (أو) أي: ولا فيما (اشتراه) أو وَرِثه ونحوَه (بعدَ بُدُوِّ صلاحِه). فصل (و) يجبُ (فيما سُقِيَ بلا كُلْفةٍ) أي: مشقَّةِ وَمَؤونَةٍ، كالغيثِ، والسُّيوح (٣) والبَعْلِ الشاربِ بعروقِه (العُشْرُ) وهو واحدٌ من عَشرة.

стр. 803

وما سُقي بها نصفُه، وبهما سواءً ثلاثةُ أرباعه. وإذا اشتدَّ حبٌّ، أو بدا صلاحُ ثمرٍ، وجبتْ، لكنْ لا تستقرُّ إلا بجَعْل ببيدرٍ ونحوه، فإنْ تلِفَ قبلَه بلا تفريطٍ، سقطَتْ. (و) يَجبُ في (ما سُقي بها) أي: بالكلفةِ، كَدُولابِ تُدِيرُه البقرُ، ونواضحَ (١) يُستقَى عليها (نصفُه) أي: نصفُ العشر؛ لقوله ﷺ في حديثِ ابن عمر: "وما سُقي بالنَّضحِ، نصفُ العشر" رواه البخاريُّ (٢). (و) يجبُ فيما سُقِي (بهما) أي: بالكُلْفة وبدونها (سواءً) أي: نصفين نفعًا ونُمُوًّا (ثلاثةُ أرباعه) أي: أرباعِ العُشر. قال في "المبدع" (٣): بغيرِ خلافٍ نعلمُه. فإن تفاوتَ السَّقْيُ بكُلْفةٍ وغيرها، فالاعتبارُ بأكثرهما نَفْعًا ونُموًّا، ومع الجهل، العُشْر. (وإذا اشتدَّ حبٌّ، أو بدا صلاحُ ثَمرٍ، وَجَبَت) الزكاة؛ لأنَّه إذنْ يُقصَدُ للأكلِ والاقتياتِ، كاليابس. فلو بَاعَ الحبَّ أو الثمرةَ، أو تَلِفا بتعدِّيه بَعْدُ، لم تَسقُط. وإنْ قَطَعهُما، أو باعَهما قبلَه، فلا زكَاةَ إنْ لم يَقصِد الفِرارَ منها. (لكن لا تستقرُّ) الزكاةُ، أي: وجوبُها (إلَّا بجَعْل) الحبِّ والثمر (ببَيْدَرٍ ونحوه) وهو موضعُ تشميسِه وتيبيسِه؛ لأنَّه قبلَ ذلك في حُكْم مالم تَثبُت اليدُ عليه. (فإنْ تلِف) الحبُّ أو الثمرُ (قبلَه) أي: قبلَ جَعْله في نحو البَيْدرِ (بلا تفريطٍ) منْه ولا تَعَدٍّ (سقَطَتْ) لأنَّها لمْ تستقرَّ. وإنْ تَلِف البعضُ، فإنْ كان قبلَ الوجوب، زكَّى الباقي إنْ بلغَ نصابًا، وإلَّا، فلا. وإنْ كان بعدَه، زكَّى الباقيَ مُطْلَقًا، حيثُ بَلَغَ مع التالفِ نصابًا.

стр. 804

والزكاةُ على مستَأْجِرٍ ومُستعِيرٍ، دونَ مالك. ويجتمع عُشْرٌ وخراجٌ في خراجيَّةٍ. وفي العسل إذا كان عشرةَ أفراقٍ عُشْرُه، أخذَه من مِلكِه أو مواتٍ. وفي المعْدِن إنْ بَلَغَ نصابًا رُبْعُ العُشْر. ويلزمُ إخراجُ حبٍّ مصفًّى، وثمرٍ يابسًا (١). ويَحرُم شراءُ زكاتِه أو صدقتِه، ولا تَصحُّ (٢). (والزكاةُ) في زرعِ أرضٍ مستأجَرةٍ أو مستعارَةٍ، تَجبُ (على مستَأْجِرٍ ومُستعيرٍ) للأرضِ (دونَ مالكِـ) ــها؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. (ويجتمعُ عُشْرٌ) أي: زكاةٌ (وخرَاجٌ في) أرضٍ (خراجيَّةٍ) (٣) فالزكاةُ: في الخارج من الأرض. والخراجُ: أجرةٌ للأرضِ (٤)، لكنْ لا زكاةَ في قَدْرِ الخراج، إن لم يكنْ له مالٌ آخرُ. (و) يجبُ (في العَسَل إذا كانَ عشرةَ أفراقٍ) جمع فَرَق -بفتح الرَّاء- وهو ستَّة عشرَ رِطْلًا عراقيًّا (عُشْرُه) أي: عُشْرُ العسل. قال الإمام: أذهبُ إلى أنَّ في العسل زكاةَ العُشْر؛ قد أَخَذ عمرُ منهم الزكاة (٥). فتجبُ زكاةُ العَسَل إذا بَلَغ مئةً وستِّين رِطلًا عراقيًّا فأكثر، وهي ثلاثونَ صاعًا، سواءٌ (أَخَدَه من مِلْكه أو مواتٍ) كرؤوسِ الجبال. (و) يجبُ (في المَعْدِنِ إنْ بَلَغ نصابًا) بعد سَبْكٍ وتصفيةٍ (رُبْعُ العُشْر) من عينِ نقدٍ، وقيمةِ غيره، إنْ كان المُخرجُ له من أهلِ وجوبِ الزَّكاة.

стр. 805

وفي الرِّكازِ -ما وجِد من دِفْنِ الجاهليَّةِ- الخُمْسُ، قلَّ أو كَثُر. (و) يجبُ (في الرِّكاز) وهو (ما وُجِد من دِفْن الجاهليَّةِ) بكسْرِ الدَّال، أي: مدفونِهم، أو مَن تقدَّم مِنْ كُفَّارٍ، عليه أو على بعضه علامةُ كفرٍ، فقط (الخُمسُ) سواءٌ (قلَّ) الرِّكازُ (أو كَثُر) ولو عَرْضًا (١)؛ لقوله ﷺ : "وفي الرِّكازِ الخُمس" متفقٌ عليه عن أبي هريرة (٢). ويُصرَفُ مَصْرِفَ الفَئءِ المُطْلَقِ للمصالحِ كلِّها. وباقيه لوَاجدِه، ولو أجيرًا لغير طلبه (٣). وإنْ كان على شيءٍ منه علامةُ المسلمين، فلُقَطَةٌ، وكذا إن لم تكنْ عليه علامةٌ.

стр. 806

باب زكاة النقدين يجبُ في الذَّهبِ إذا بَلَغ عشرينَ مثقالًا، وفي الفضَّة إذا بلغتْ مئتي درهمٍ خالصةً، ربعُ عُشْرِهما. باب زكاة النقدَيْن أي: الذهبِ والفِضَّةِ. (يجبُ في الذَّهب إذا بَلغَ عشرينَ مثقالًا، وفي الفضَّة إذا بلغتْ مئتي درهمٍ خالصةً) من الغشِّ، [وفاعلُ: "يجب" قولُه] (١): (ربعُ عُشرهما) أي: الذهب والفضَّة؛ لحديث ابنِ عمر وعائشةَ مرفوعًا: "أنَّه كانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عشرينَ مثقالًا نصفَ مثقال" رواه ابن ماجه (٢). وعن عليٍّ نحوه (٣). وحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "في الرِّقَة (٤) ربعُ العُشرِ" متفقٌ عليه (٥). والاعتبارُ بالدِّرهم الإسلاميِّ الذي وزنه ستَّةُ دوانق. والدَّانقُ: حبَّتَا خَرُّوبٍ، فالدِّرهم: ثنتَا عشرةَ حبَّة خَرُّوبٍ (٦)، وهو [أي: الدِّرهم] (٧): نصفُ مثقالٍ وخُمسُهُ. فالمثقالُ: درهمٌ وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ. فالعشرونَ مِثْقالًا: ثمانيةٌ وعشرونَ درهمًا وأربعةُ أسباعِ درهمٍ، وبدينار الوقتِ الآنِ الذي زِنَتُه درهمٌ وثُمنٌ: خمسة وعشرونَ دينارًا وسُبُعا دينارٍ وتُسعُهُ. وبيانُ ذلك: أنَّ الخمسةَ والعشرينَ دينارًا فيها من الدراهم خمسةٌ وعشرونَ درهمًا

стр. 807

ويُضَمُّ أحدُهما إلى الآخرِ في تكميلِ نصابٍ، ويُخْرَجُ عنه بالقيمة، … صحيحة، وفيها خمسةٌ وعشرونَ ثُمنِ دِرْهم، [وهي ثلاثةُ دراهم وثُمن درهم] (١)، فمجموعُها ثمانيةٌ وعشرونَ درهمًا وثُمنُ درهم. وذلك يَنْقُص عن دَراهم (٢) النِّصاب -[التي ذكرها] (٣) - أربعة أسباع دِرهمٍ، إلا ثُمنَ درهمٍ، فَتَبْسُطُ الدِّرهم من مَخْرَجِ سُبع الثُّمن، وهو ستَّةٌ وخمسونَ، فَتأخذُ أَربعةَ أسباعِها، اثنين وثلاثين، وتُسْقِط منها ثُمنَ الدِّرهم، وهو سبعةٌ، فيبقَى (٤) خمسةٌ وعشرونَ جزءًا من ستَّةٍ وخمسينَ جزءًا من الدِّرهم، وهي قَدرُ نقصِ الخمسةِ والعشرين دينارًا [بدينار الوقت] (٥) عن دراهم (٦) النِّصاب، فإذا أردتَ نِسْبَةَ قَدرِ هذا النقصِ من الدِّينار، فَزِدْ على بَسطِ الدِّرهَم ثُمنَه؛ لأنَّ دينارَ الوقت وزنُه -[كما تقدَّم] (٥) - درهمٌ وثُمنٌ، فتَزيدُ على الستَّة والخمسين ثُمنَها سبعةً، يجتمعْ ثلاثةٌ وستُّون، ثم انسب الخمسةَ والعشرينَ جُزْءًا منها، تَجِدْها سُبعين وتُسعًا، كما تقدَّم فتأمَّل. ويزكَّى مغشوشٌ، إذا بَلَغَ خالصُهُ نصَابًا وزنًا (٧). (ويُضَمُّ أحدُهما) أي: الذهبُ والفضَّةُ (إلى الآخرِ في تكميلِ نصابٍ) بالأجزاءِ لا بالقيمة، فلو مَلَكَ عَشرةَ مثاقيلَ ومئةَ درهمٍ، فكلٌّ منهما نصفُ نصابِ، ومجموعُهما نصابٌ (ويُخْرَج) (٨) كلٌّ منهما (عنه) أي: عن الآخر (بالقيمة) فلو كان عندَه أربعونَ دينارًا، فالواجبُ فيها دينارٌ أو قيمتُه من الفضَّة، وكذا عكسُه.

стр. 808

وقيمةُ العُرُوضِ إليهما. ويباحُ لذَكَرٍ من فِضَّةٍ خاتَمٌ، وقبيعةُ سيفٍ، (و) تُضَمُّ (قيمةُ العُرُوض) أي: عُرُوض التِّجارة (إليهما) فمنْ له عشرةُ مثاقيل، ومتاعٌ قيمتُه عشرةٌ أخرى. أو له مئةُ درهم، ومتاعٌ قيمته مثلُها، ضَمَّ كلًّا منهما إلى الآخَر. ولو كان له ذهبٌ وفضَّةٌ وعُروضٌ، ضَمَّ الجميعَ في تكميلِ النِّصاب. ويُضمُّ جيِّدُ كُلِّ جنسٍ ومضروبُه إلى رديئِه وتِبْرِه، ويُخرَجُ من كُلِّ نوعٍ بحصَّته، والأفضلُ من الأعلى، ويجزِئُ رَدِيءٌ عن أَعلى مع الفَضْل. (ويباحُ لذَكرٍ مِنْ فِضَّةٍ خاتَمٌ) لأنَّه ﷺ اتَّخذَ خَاتَمًا من وَرِق. متفقٌ عليه (١). والأفضل (٢) جَعْل فَصِّه (٣) مما يلي كفَّه. وله جَعْلُ فَصِّه مِنْه ومن غيره. والأَوْلى في يساره، وكُره بسبَّابةٍ وَوسْطى، وأنْ يُكتَبَ عليه ذِكرُ الله تعالى: قرآنٌ أو غيرُه. ولو اتَّخَذَ لنفسِه عِدَّة خواتيم (٤)، لم تَسقُط الزَّكاةُ فيما خَرجَ عن العادة، إلَّا أنْ يتَّخِذَ ذلك لولدِه أو عبده. (و) يباحُ له (قَبيعةُ سيفٍ) وهي: ما يُجْعَلُ على طَرَف القبضَة، قال أنس: "كانتْ قَبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ فِضَّةً" (٥).

стр. 809

وحِليةُ مِنْطَقةٍ، ونحوها. ومن ذهبٍ قَبيعةُ سيفٍ، وما دعت إليه ضرورةٌ، كأنف. ولنساءٍ منهما ما جرتْ عادتُهنَّ بلُبسِه ولو كَثُر. (و) يباحُ له (حِليةُ مِنْطقَةٍ) وهي ما يُشَدُّ به الوسط، وتُسمِّيها العامَّةُ حِياصةً. واتَّخذَ الصحابةُ المناطقَ مُحلَّاةً بالفضَّة. (ونحوها) أي: المذكورات، كحِلْية جَوشنٍ (١)، وخُوذَةٍ، وخُفٍّ، ورَانٍ (٢)، وحَمائلِ سيفٍ (٣). ولا يُباحُ غيرُ ذلك كَتَحْلِيَة الرِّكابِ، ولباسِ الخيل، كاللُّجُم (٤)، وتحليةِ دَوَاةٍ، ومِقلَمَةٍ (٥)، ومُشْطٍ، ومُكْحُلةٍ، وميلٍ، ومرآةٍ، وقنديلٍ. (و) يُبَاحُ لذَكَرٍ (من ذهبٍ قَبيعةُ سيفٍ) لأنَّ عمرَ كان له سيفٌ فيه سبائكُ من ذهبٍ (٦) (وما دَعتْ إليه ضرورةٌ كأنفٍ) وربطِ أسنانٍ؛ لأنَّ عَرْفجةَ بنَ أسعدٍ (٧) قُطِعَ أنفُة يومَ الكُلَاب، فاتَّخذَ أنفًا من فضَّةٍ فأَنْتَن عليه، فأَمَره النبي ﷺ ، فاتَّخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود (٨). (و) يباحُ (لنساءٍ منهما) أي: الذهب والفضَّة (ما جرت عادتُهنَّ بلُبسه، ولو كَثُر) كطوقٍ، وخلخَالٍ، ومقالدَ، وتاجٍ، وما أَشبهَ ذلك؛ لقوله ﷺ : "أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ

стр. 810

ولا زكاةَ في حَلْيٍ مباحٍ، مُعَدٍّ لاستعمالٍ، أو إعارةٍ. وتجبُ في مُحرَّمٍ، وما أُعِدَّ لِكراءٍ أو نفقةٍ. للإناثِ من أمَّتي، وحُرِّم على ذُكُورها" (١). ويباحُ لهما تَحَلٍّ بجوهرٍ ونحوِه، كياقوتٍ (٢). وكُرِه تختُّمُها بحديدٍ، وصُفْرٍ (٣)، ونحاسٍ، ورَصاصٍ. (ولا زكاةَ في حَلْي) ذكرٍ أو أنثى (مباحٍ، مُعَدٍّ لاستعمالٍ، أو اعارةٍ)؛ لقوله ﷺ : "ليس في حَلْي زكاةٌ" رواه الطبرانيُّ عن جابر (٤)، حتَّى ولو اتَّخذَ الرجلُ حَلْي النِّساء لإعارتهنَّ، أو بالعكس، إنْ لم يكنْ فِرارًا. (وتجبُ) زكاةٌ في حَلْي (مُحرَّمٍ) كَسَرْجٍ، ولجَام، وآنيةٍ، (و) في (ما أُعِدَّ لِكِراءٍ أو نفقةٍ) إذا بَلغَ نِصابًا وزنًا؛ لأنَّها إنما سَقطت فيما أُعِدَّ للاستعمال، بصَرْفه عن جهةِ النَّماء، فيَبقى ما عداه على مقتضى الأصل. فإنْ كان مُعَدًّا لتجارةٍ، وجبت الزكاةُ في قيمته كَعْرض. ومباحُ صناعةٍ إذا لم يكن لتجارةٍ، يُعتبر في نصابٍ بوزنه، وفي إخراجٍ بقيمتِه.
следующие страницы →