← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وكونُ عاقدٍ مالكًا أو مأذونًا، فلا يصحُّ من فُضُوليٍّ، إلَّا إذا اشترى في ذمَّتِه لمن لم يُسمِّه في العقد، فيصحُّ له بالإجازةِ، وإلَّا، لزمَ المشتريَ. ولا يُباعُ غيرُ المساكنِ ممَّا فُتِحَ عَنوةً، كأرضِ مِصْرَ والشَّامِ، بل تُؤْجَرُ، ولا رباعُ مكَّةَ ولا تُؤْجَر، (و) الشرطُ الرابعُ: (كونُ عاقدٍ مالكًا) للمعقودِ عليه (أو مأذونًا) له في العقدِ، كوكيلٍ ووليٍّ؛ لقوله ﷺ لحكيمِ بنِ حزام: "لا تَبعْ ما ليس عندَك" رواه ابنُ ماجه والترمذيُّ وصحَّحه (١). وخُصَّ منه المأذونُ؛ لقيامِه مقامَ المالكِ (فلا يصحُّ) بيعٌ ولا شراءٌ (من فُضُوليٍّ) ولو أُجيزَ بَعْدُ (إلَّا إذا اشترى) الفضوليُّ (في ذمَّتِه) ونوى الشراءَ (لمن) أي: لشخص (لم يسمه في العقد، فيصحُّ له) أي: لمن وقع الشراءُ له (بالإجازةِ) للشراءِ، سواءٌ نقدَ الفضوليُّ الثمنَ من مالِ الغيرِ، أمْ لا، فيثبُتُ ملكُ المجيز عليه من حينِ العَقْد (وإلَّا) أي: وإن لم يُجِزه من اشتري له (لزمَ المشتري) أخذُه، كما لو لم ينوِ غيرَه، وليس له التصرُّفُ فيه قبلَ عرضِه على من اشتري له. (ولا يُباعُ غيرُ المساكنِ ممَّا فُتِحَ عَنوةً) ولم يُقسم (كأرضِ مِصْرَ والشَّام) ونحوِها كأرضِ العراق؛ لأنَّها موقوفةٌ أُقِرَّتْ بأيدي أهلِها بالخَراج، كما تقدَّم (بل تُؤْجَرُ) الأرضُ العَنوة ونحوها (٢)؛ لأنَّها مُؤْجَرةٌ في أيدي أربابِها بالخراجِ المضروبِ عليها في كلِّ عامٍ، وإجارةُ المؤجَرِ جائزةٌ. وعُلم منه صِحَّةُ بيعِ المساكن. (ولا) تباعُ (رِباعُ مكَّةَ) والحَرَمِ وهي: المنازل (ولا تُؤْجَر) الرِّباع؛ لحديثِ عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ الله ﷺ في مكَّةَ: "لا تُباع رِباعُها ولا

стр. 947

ولا نَقْعُ بئرٍ، [ولا كلأٌ] (١) ونحوه قبلَ حَوزِه، ويملكُه آخِذُه. تُكرَى بيوتُها" رواه الأثرم (٢). (ولا) يُباعُ (نَقْعُ بئرٍ (٣)) وماء عيون؛ لحديث: "المسلمون شركاءُ في ثلاثٍ، في الماءِ، والكَلَأِ والنار" رواه أبو داود وابنُ ماجه (٤). (ولا) يُباعُ (كَلَأٌ ونحوه) كشوكٍ (قبلَ حَوزِه) لما تقدَّم، ولأنَّه إنَّما يُمْلك بالحَوز (ويملكُه آخِذُه) لأنَّه مباحٌ، لكن (٥) لا يجوزُ دخولُ ملكِ غيرِ المحُوطِ بغيرِ إذنِه، ورَبُّ الأرضِ أحقُّ به من غيرِه؛ لأنَّه في ملكِه. وحرُم منعُ مستأذنٍ بلا ضرر.

стр. 948

وقُدْرة على تسليمِه؛ فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ، وشاردٍ، وطيرٍ في هواءٍ (١)، وسمكٍ بماءٍ، ومغصوبٍ إلَّا لغاصبِه أو قادرٍ على أَخْذِه منه. وكونُ مَبيعٍ معلومًا برؤيةٍ [أو بوصفٍ يكفي] (٢) في سَلَمٍ، (و) الشرطُ الخامسُ: (قُدْرةُ) عاقدٍ (على تسليمِه) أي: المعقودِ عليه (فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ) عُلم خبرُه، أَوْ لا؛ لما روى أحمدُ عن أبي سعيد أن رسولَ الله ﷺ : "نهى عن شراءِ العبدِ وهو آبقٌ" (٣) (و) لا بيعُ (شاردٍ (٤)، و) لا بيعُ (طيرٍ في هواءٍ) ولو اعتادَ الرجوعَ، إلَّا أنْ يكونَ بمُغْلَقٍ (٥) ولو طال زمنُ أخذِه (و) لا يصحُّ بيعُ (سمكٍ بماءٍ) لأنَّه غَرَرٌ، ما لم يكنْ مَرْئِيًّا بمَحُوْزٍ يسهلُ أخذُه منه؛ لأنَّه معلومٌ يمكنُ تسليمه. (و) لا يصحُّ بيعُ (مغصوبٍ إلَّا لغاصبِه أو قادرٍ على أَخْذِه) أي: المغصوب (منه) أي: من غاصبِه، فيصحُّ، ثمَّ إنْ عجز بَعْدُ، فلهُ الفَسْخُ، ما لم يكنْ غصبَه أو جحدَه حتى يبيعَه له، فلا يصحُّ، كما جزم به في "المنتهى" (٦). (و) الشرطُ السادسُ: (كَوْنُ مَبيعٍ معلومًا) عندَ المتعاقدَيْن؛ لأنَّ جهالةَ المبيعِ غَرَرٌ منهيٌّ عنه؛ فلا بُدَّ من معرفتِهما له، إمَّا (برؤيةٍ) له، أو لبعضِه الدالِّ عليه، مقارنةً للعقدِ، أو متقدِّمةً بزمنٍ لا يتغيَّر فيه المبيعُ ظاهرًا (٧). ويُلحَق بذلك ما عُرف بلمسِه، أو شمِّه، أو ذَوقِه (أو بوصفٍ يكفي في سلَم) فيقومُ مقامَ الرؤيةِ في بيعِ ما يجوزُ السَّلَمُ فيه خاصَّةً.

стр. 949

فلا يباعُ حَمْلٌ ببطنٍ، ولا لبنٌ بضَرع، ولا مسكٌ في فأرتِه ونحوه، ولا نحو عبدٍ من عبيدِه، ولا استثناؤُه إلَّا معيَّنًا، ويصحُّ بيعُ حيوانٍ دونَ رأسِه، وجلدِه، وأطرافِه، لا استثناءُ شحمِه أو حملِه، ويصحُّ بيعُ باقلاءٍ في قشرها، وحبٍّ مشتدٍّ في سُنْبُلِه. ولا يصحُّ بيعُ الأُنْمُوذَجِ (١) بأنْ يُريَه صاعًا مثلًا، ويبيعه الصُّبْرة (٢) على أنَّها من جنسِه. ويصحُّ بيعُ الأعمى وشراؤُه بالوَصْفِ، واللَّمْسِ، والشمِّ، والذَّوْقِ فيما يعرف به كتوكيله (٣). وإذا عرفتَ أنَّه لابدَّ من معرفةِ المبيع (فلا يُباعُ حَمْلٌ ببطنٍ، ولا لبنٌ بضَرْع) للجهالة (ولا) يباع (مِسْكٌ في فأرته) وهي: الوعاء الذي يكون فيه (٤) (ونحوه) كنوَى في تمرٍ؛ للجهالة. (ولا) يباعُ (نحو عبدٍ من عبيده) كشاةٍ من غنمِه؛ للجهالة. (ولا) يصحُّ (استثناؤُه) أي: نحو عبدٍ من عبيده، بأنْ باع العبيدَ إلَّا واحدًا منهم غيرَ معيَّن، أو القطيع إلَّا شاةً مبهمةً، فلا يصحُّ البيعُ؛ لأنَّ استثناءَ المجهولِ من المعلوم يصَيِّرهُ مجهولًا (إلَّا معيَّنًا) كبعتُك هؤلاءِ العبيدَ إلَّا فلانًا، أو إلَّا هذا، فيصحُّ. (ويصحُّ بيعُ حيوانٍ) مأكولٍ (دونَ رأسِه، وجِلدِه، وأطرافِه) فيصحُّ استثناؤُها، نصًّا و (لا) يصحُّ (استثناءُ شحمِه) أي: الحيوانِ (أو) (حملِه) لأنَّهما مجهولانِ. (ويصحُّ بيع باقلاءٍ) وحمَّصٍ، وجَوزٍ، ولوز (في قشرها، و) بيعُ (حبٍّ مشتدٍّ في سُنْبُلهِ) لدعاءِ الحاجة إلى بيعهِ كذلك، ولأنَّه ﷺ جعلَ الاشتدادَ غايةً للمنع (٥)، وما بعدَ الغايةِ مخالفٌ لما قبلها، ويدخلُ الساترُ تبعًا.

стр. 950

وكونُ ثمنٍ معلومًا، فإنْ باعه برَقْمه، أو بما ينقطعُ به السِّعرُ ونحوه، أو بألفٍ ذهبًا وفضةً، لم يصحَّ، ويصحُّ بيعُ الثوبِ ونحوِه كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، لا منه كذلك. ومَنْ باعَ معلومًا ومجهولًا صَفْقةً، صحَّ في المعلومِ بقسطِه، ما لم يتعذَّرْ عِلْمُ المجهولِ، فيبطلُ فيهما إنْ لم يبيِّن ثمنَ كلٍّ، وإنْ باع مُشاعًا بينَه وبَيْن غيرِه، أو عبدَه (و) الشرطُ السابعُ: (كونُ ثمنٍ معلومًا) للمتعاقدين حالَ عقْدٍ ولو برؤية متقدِّمة، أو وصفٍ كما تقدَّم في المبيع (فإنْ باعه برَقْمه) أي: بثمنه المكتوبِ عليه، لم يصحَّ (١) (أو) باعه (بما ينقطعُ به السِّعرُ) أي: يقفُ عليه، لم يصحَّ (ونحوه) كما لو باعه بما يبيعُ به الناس (أو) باعَه (بألفٍ ذهبًا وفضةً، لم يصحَّ) لأنَّ قَدْرَ كلٍّ منهما مجهولٌ. (ويصحُّ بيعُ الثوبِ ونحوِه) كالخيطِ (كلَّ ذراعٍ (٢)) من الثوبِ ونحوِه (بدرهمٍ) وإنْ لم يعلما عددَ ذلك؛ لأنَّ المبيعَ معلومٌ بالمشاهدةِ، والثمن يُعرفُ بجهةٍ لا تتعلَّقُ بالمتعاقدين، وهو ذرعُ الثوبِ ونحوه. وكذا يصحُّ بيعُ الصُّبْرةِ والقطيعِ، كلَّ قفيزٍ أو شاةٍ بدرهم. و (لا) يصحُّ أن يبيعَ (منه) أي: من الثوب ونحوِه (كذلك) أي: كلَّ ذراعٍ، أو قفيزٍ، أو شاةٍ بدرهم؛ لأنَّ "من" للتبعيضِ، و"كُلّ" للعددِ، فيكونُ مجهولًا. (ومَنْ باع معلومًا ومجهولًا صفْقةً) أي: عقدًا واحدًا، كبعتُكَ هذا العبدَ وثوبًا غيرَ معيَّن (صحَّ) البيعُ (في المعلومِ بقسطِه) من الثمنِ، وبطلَ في المجهول (مالم يتعذَّرْ علمُ المجهولِ) كبعتكَ هذا الفرسَ وحَمْلَ الأُخرى بكذا (فيبطلُ) البيعُ (فيهما إنْ لم يبيِّن ثمنَ كلٍّ) منهما؛ لأنَّ المجهولَ لا يصحُّ بيعُه؛ لجهالته، والمعلومُ مجهول الثمن، فإنْ بيَّن ثمنَ كلٍّ منهما، صحَّ في المعلوم بثمنه. (وإنْ باع مُشاعًا بينَه وبَيْنَ غيرِه) بلا إذنٍ، صحَّ في ملكه بقسطِه (أو) باع (عبدَه

стр. 951

وعبدَ غيرِه مثلًا بلا إذنِه، أو: وحُرًّا، أو: خَلًّا وخمرًا، صحَّ في ملكِه بقسطِه، ولمشترٍ الخيار. فصل ولا يصحُّ البيعُ ممَّنْ تلزمُه الجمعةُ بعد ندائِها الثاني، إلَّا لحاجةٍ. وعبدَ غيره مثلًا بلا إذنِه) أي: بغيرِ إذن شريكِه، صحَّ في عبدِه بقسطِه (أو) باع عبدًا (وحُرًّا، أو) باعَ (خَلًّا وخمرًا، صحَّ في ملكِه) وهو: العبدُ والخَلُّ (بقسطِه) أي: بقدره من الثمن، ويقدَّر حرٌّ عبدًا، وخمرٌ خلًّا (ولمشترٍ) لم يعلمِ الحالَ (الخيارُ) بين إمساكِ ما يصحُّ بيعُه بقسطِه من الثمن، وبينَ ردٍّ البيع؛ لتبعُّضِ الصفقةِ عليه. وطريقُ معرفة القِسْطِ في هذه الصور (١) ونحوِها: أنْ تقوِّمَ كلَّ عينٍ على حدَتها، ثم تجمع القيمتين، وتنسبَ من المجموع قيمةَ كلِّ عينٍ، ثمَّ يقسم (٢) الثمنُ على تلك النِّسبة، ففيما إذا باعَ عبدَه وعبدَ غيرهِ بمئةٍ، وكانت قيمةُ عبدِه ثلاثين، وقيمةُ عبد غيرهِ عشرين، فمجموعُ القيمتَيْن خمسون، قيمةُ عبدِه ثلاثةُ أخماسِها؛ فله من المئة ثلاثةُ أخماسِها ستُّون. وعلى هذا فقِسْ. فصلٌ (ولا يصحُّ البيعُ) ولو قلَّ المبيعُ (ممَّنْ تلزمُه الجمعةُ) ولو بغيرِه (بعدَ ندائِها) أي: بعدَ الشروعِ في أذانِ الجمعة (الثاني) الذي عندَ المنبر، وكذا قبلَه لمن منزلُه بعيد بحيث أنَّه يدركها. كما قاله المنقِّح (٣) (إلَّا لحاجةٍ) كمضطرٍّ إلى طعامٍ أو شرابٍ يُباع، وعُريان وجَد سترةً، وكفنٍ ومؤنةِ تجهيزٍ لميتٍ خِيفَ فسادُه بتأخُّرٍ، ونحوِ ذلك، فيصحُّ، وكذا (٤) لو تضايقَ وقتُ مكتوبةٍ.

стр. 952

ويصحُّ النِّكاحُ وسائرُ العقود. ولا يصحُّ بيعُ زبيبٍ ونحوِه لمتَّخِذِه خمرًا، ولا سلاحٍ في فتنةٍ، ولا عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ إنْ لم يَعْتِق عليه، وإن أسلمَ في يدِه، أُجْبِر على إزالةِ ملِكِه، ولا تكفي كتابتُه، وإنْ جمع بين بيعٍ وغيرِه بعَقْدٍ، صحَّ إلَّا الكتابةَ. (ويصحُّ النِّكاحُ وسائرُ العقود) من إجارةٍ، وصلحٍ، وقَرْضٍ، ورَهْنِ وغيرها بعد نداءِ الجمعةِ الثاني؛ لأنَّ النَّهيَ إنَّما هو عن البيع، وغيرُه لا يساويه في التشاغُلِ المؤدِّي إلى فواتها. (ولا يصحُّ بيعُ زبيبٍ ونحوِه) كعصيرٍ (لمتَّخِذِهِ خمرًا) ولو ذِمِّيًّا (ولا) بيعُ (سلاحٍ) كرمحٍ وسيفٍ (في فتنةٍ) أو لأهلِ حربٍ، أو قُطَّاعِ طريقٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. (ولا) يصحُّ بيعُ (عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ) ولو وكيلًا لمسلمٍ كالنكاح (إنْ لم يعتقِ) العبدُ (عليه) أي: على الكافر، فإن كان يعتقُ عليه، كأبيه وابنه وأخيه، صحَّ شراؤُه له. (وإنْ أسلم) أي: العبدُ (في يدهِ) أي: الكافرِ، أو مَلَكه بنحوِ إرثٍ (أُجْبِر على إزالةِ ملكه) عنه؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (ولا تكفي كتابتُه) أي: العبدِ المسلمِ بيدِ الكافرِ؛ لأنَّها لا تزيلُ ملكَه عنه، وكذَا لا يكفي بيعُه بخيار. (وإنْ جمَع بين بيعٍ وغيرِه) كإجارةٍ (بعَقْدٍ) أي: صفقة واحدة، كما لو باعه عبده وآجَرَه دارَه (١) بعوَضٍ واحدٍ (صحَّ) البيعُ وما جمع إليه (إلَّا الكتابةَ) إذا جمعَها مع البيع، بأنْ كاتبَ عبدَه، وباعه دارَه بمئة، كلَّ شهرٍ عشرةٌ مثلًا، فيبطلُ البيعُ،؛ لأنَّه باعَ مالَه لمالِه، وتصحُّ الكتابةُ بقسطِها؛ لعدمِ المانع.

стр. 953

ويحرمُ بيعٌ على بَيْعِ مسلمٍ، وشراءٌ على شرائِهِ، وسَوْمٌ على سَوْمِه بعد صريحِ الرِّضا. ومَنْ باع رِبويًّا، لم يجزْ أنْ يَعتاضَ عن ثمنِه قبلَ قبضِه ما لا يُباعُ به نسيئةً، وكذا شراؤُه ما باعه بدون ثمنِه قبلَ قبضِه (ويحرمُ بيعٌ على بَيْع مسلمٍ) لحديثِ: "لا يَبعْ بعضُكم على بَيْع بعضٍ" (١) كقولهِ لمشترٍ شيئًا بعشرةٍ: أعطيكَ مثلَهُ بتسعةٍ (و) يحرم (شراءٌ على شرائه) أي: المسلمِ؛ كقوله لبائعٍ شيئًا بتسعةٍ: عندي فيه عشرةٌ. فيحرُمان؛ لما فيهما من الإضرار، ولا يصحَّان؛ للنهي حيثُ وقعا زمنَ خيارِ مجلسٍ أو شَرْطٍ. (و) يحرُم (سَوْمٌ على سَوْمِه) أي: المسلم (بعدَ صريحِ الرِّضا) من بائعٍ، ويصحُّ الشراء؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يَسُم الرجلُ على سَوْمِ أخيه" رواه مسلم (٢). فإنْ لم يصرِّحْ بالرضا، لم يحرُم. (ومَنْ باعَ رِبَوِيًّا) أي: مكيلًا أو موزونًا (لم يجزْ أنْ يعتاضَ) بائعٌ (عن ثمنه) أي: الرِّبَويِّ (قبلَ قبضِه) أي: الثمن (ما) أي: شيئًا (لا يُباعُ به) أي: بالرِّبويِّ (نَسيئةً) كأنْ باعَ قفيزًا من بُرٍّ بدرهمٍ، ثمَّ اشترى بالدرهم منه بُرًّا كيلًا أو جزافًا، فيحرمُ ولا يصحُّ الاعتياضُ؛ حَسْمًا (٣) لمادة رِبا النَّسيئة. وإن اشترى بائعٌ من مشترٍ طعامًا بدراهمَ سلَّمها إليه، ثمَّ أخذها منه وفاءً، أو لم يسلِّمْها إليه لكن تقاصَّا، جاز (وكذا) يحرمُ ولا يصحُّ (شراؤُه ما باعه بدون ثمنِه) الذي باعه به (قبلَ قبضِه) أي: الثمن، كما لو باعَه عبدًا بمئة نسيئة أو لم تقبض (٤)، ثمَّ

стр. 954

نَقْدًا وعكسه، ويصحُّ بغيرِ جنسه، وبَعْدَ (١) قبضِ ثمنهِ، أو تغيُّرِ صفتِه، ومن غيرِ مشتريه. وإن اشتراهُ أبوه أو ابنُه، جاز. فصل يصحُّ شرطُ تأجيلِ اشترى العبدَ بائعُه من مشتريه بثمانين مثلًا (نَقْدًا) حاضرًا من جنسِ الثمن الأول، وتسمَّى هذه المسألةُ مسألةَ العِينَة؛ لأنَّ مشتري السلعةِ إلى أجلٍ يأخذُ بدلها عينًا، أي: نقدًا حاضرًا؛ فيحرمُ، ولا يصحُّ العقدُ الثاني. وكذا الأولُ حيثُ كان وسيلةً إليه؛ لأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى (٢) الرِّبا. (و) يحرمُ ولا يصحُّ (عكسُه) بأنْ يبيعَ العبدَ مثلًا بمئةٍ حاضرةٍ، ثمَّ يشتريه البائعُ مِنْ مشتريه بمئةٍ وعشرين مؤجَّلةٍ من جنس الأوَّلِ (ويصحُّ) في الصُّورتين (بغيرِ جنسِه) أي: الثمنِ الأوَّلِ. (و) يصحُّ شراؤه (بعدَ قبضِ ثمنهِ) الأوَّلِ بأقلَّ منه (أو) بعد (تغيُّر صفتِه) بنحو نسيانِ صنعَةٍ. (و) يصحُّ شراءُ ما باعه (من غيرِ مشتريه) كوارثِه. (وإن اشتراهُ) أي: المبيعَ بثمنٍ غير مقبوضٍ (أبوه) أي: أبو البائعِ من مشتريه بنقدٍ من جنس (٣) الأوَّل ولو أقلَّ منه (أو) اشتراه (ابنهُ) أو غلامُه (جاز) وصحَّ مالم يكن حيلةً (٤). فصلٌ في الشُّروط في البيع وهي قسمان: صحيحٌ وفاسدٌ، وقد أشار إلى الأوَّلِ بقوله: (يصحُّ شرطُ تأجيل

стр. 955

ثمنٍ ورهنٍ أو ضمينٍ معيَّنٍ به، وكونِ العبدِ كاتبًا أو خصيًّا أو مسلمًا، والأمةِ بِكرًا ونحوه. وشرطُ بائعٍ سُكنى مبيعٍ شهرًا مثلًا، وحُملان البعير إلى موضعِ معيَّن. وشرطُ مشترٍ على بائعٍ حَمْلَ حطبٍ أو تكسيرَه، وخياطةَ ثوبٍ أو تفصيلَه. وإنْ جَمَعَ بين شرطَيْن كحمْلِ حطبٍ وتكسيرِه، بطلَ البيعُ، ثمنٍ) أو بعضِه المعيَّنِ إلى أجلٍ معلومٍ (و) يصحُّ شرطُ (رهنٍ) معيَّنٍ بالثمن (١)، ومنه ما لو باعه وشرطَ عليه رهنَ المبيعِ على ثمنِه، فيصحُّ، نصًّا (أو ضمينٍ معيَّنٍ به) أي: بالثمن (و) يصحُّ شرطُ (كونِ العبدِ) المبيعِ (كاتبًا) أو فَحْلًا، كما في "المنتهى (٢) " (أو خَصِيًّا) أو صانعًا (أو مسلمًا، و) كونِ (الأَمَةِ بِكرًا ونحوه) ككونِها تحيضُ، وكونِ الدَّابة هِمْلَاجة (٣) أو لَبُونًا (٤). (و) يصحُّ (شرطُ بائعٍ) على مُشترٍ (سُكنى) مكانٍ (مَبيعٍ شهرًا مثلًا، وحُملان البعير) المبيعِ (إلى موضع معيَّن) كما لو باعَ جملًا في الطريقِ واستثنى ظهرَه إلى مكَّةَ. (و) يصحُّ (شرطُ مشترٍ على بائعٍ حَمْلَ) [بالنصب على المفعولية (حطبٍ)] (٥) مبيعٍ إلى محلٍّ معيَّنٍ (أو تكسيرَه، و) شرطُه (خياطةَ ثوبٍ) مبيعٍ (أو تفصيلَه). وأشار إلى الشَّرْطِ الفاسدِ بقوله: (وإنْ جَمَعَ بين شرطَيْن) ولو صحَّا منفردَين (كحمْلِ حطبٍ وتكسيرهِ) وخياطةِ ثوبٍ وتفصيلهِ (بطلَ البيعُ) لحديث ابن عمرَ مرفوعًا: "لا يحلُّ سلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا بيعُ ما ليس عندك" رواه

стр. 956

كاشتراطِ عقدٍ آخَرَ من سَلَفٍ، وقرضٍ، وبيعٍ (١)، وإجارةٍ، وصَرْفٍ، وكتعليقِه على شرطٍ مستقبَلٍ. وإنْ شَرطَ أنْ لا خسارةَ عليه، أو متى نَفَقَ المبيعُ، وإلَّا ردَّه، أو أنْ لا يبيعَه أو يَهَبَه ونحوه، أو إن أعتقَه فوَلاؤُه لبائعٍ، فسد الشَّرْطُ، وصحَّ البيعُ ولمَنْ فاتَ غرضُه الفسخُ. أبو داود والترمذيُّ، وقال: حسن صحيح (٢). ما لم يكونا من مقتضاه أو مصلحته، كاشتراطِ حلولِ ثمنٍ وتصرُّفِ كلٍّ فيما يصيرُ إليه، وكاشتراطِ رهنٍ وضمينٍ معيَّنَيْن بالثمن، فيصحُّ (كاشتراطِ عقدٍ آخَرَ من سَلَفٍ) كبعتكَ عبدي على أنْ تُسلِفَني كذا في كذا (وقرضٍ) كعلَى أنْ تُقرضني كذا (وبيْعٍ) كعلَى أن تبيعني كذا بكذا (وإجارةٍ) كعلى أنْ تُؤْجِرني داركَ بكذا (وصَرْفٍ) كعلى أنْ تَصرفَ الثمنَ بنقدٍ آخَرَ، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك؛ لما تقدَّم (وكـ) مالا ينعقدُ البيعُ بـ (تعليقِه على شرطٍ مستقبلٍ) كبعتك كذا إنْ جئتني، أو: رَضِي زيدٌ بكذا، أو: اشتريتُ كذا إنْ جئتني، أو: رضي زيدٌ بكذا، ويصحُّ: بعتُ وقبلتُ إنْ شاء الله. (وإنْ شَرَطَ) مشترٍ على بائعٍ (أَنْ لا خسارةَ عليه) في المبيعِ (أو) شَرَط أنَّه (متى نَفقَ المبيعُ، وإلَّا ردَّه) لبائعه، فسد الشرطُ وصحَّ البيع (أو) شَرط بائعٌ على مشترٍ (أنْ لا يبيعه) أي: المبيعَ (أو) أنْ لا (يَهَبَه ونحوه) كأنْ لا يَقفَه (أو) شَرط عليه أنَّه (إن أعتقه فوَلاؤُه لبائعٍ، فسد الشَّرطُ، وصحَّ البيعُ) لعودِ الشرطِ على غيرِ العاقد. (ولمنْ فاتَ غرضُه) بفسادِ الشرطِ مِنْ بائعٍ ومشترٍ (الفسخُ) عَلِمَ الحكمَ أو جهلَه؛ لأنَّه لم يسلمْ له الشرطُ الذي دخل عليه؛ لقضاءِ الشَّرعِ بفسادِه، وكذا لو شَرط بائعٌ على مشترٍ أنْ يفعل ما ذكر، فلا يصحُّ الشرطُ وحدَه، ولمن فاتَ غرضُه الفسخُ، إلَّا

стр. 957

ويصحُّ شرطُ عتق، وبعتُكَ على أن تَنْقُدَني الثَّمَنَ إلى كذا، وإلَّا، فلا بيعَ بيننا. وإنْ (١) لم يفعلْ، انفسخَ، لا قول لمرتهنٍ: إنْ جئْتُكَ بحقِّك في وقتِ كذا، وإلَّا فالرهنُ لكَ. شرطَ العتقِ، كما ذكره بقوله: (ويصحُّ شرطُ) بائعٍ على مشترٍ (عتقَ) مبيعٍ، ويُجبرُ المشتري عليه والولاء له، فإن أصَّر، أَعتقه حاكمٌ (و) يصحُّ قولُ بائعٍ: (بعتُكَ) كذا بكذا (على أن تَنْقُدَني) -بفتحِ أوَّلِه، وضمِّ ثالثهِ- من باب قَتَلَ، يُستعملُ بمعنى الإعطاءِ، فيتعدَّى لمفعولين، فالياءُ مفعول أوَّلُ، و (الثَّمنَ) مفعولٌ ثانٍ، وقوله: (إلى كذا) أي: على أنْ تدفعَ ليَ الثمنَ بعدَ ثلاثةِ أيَّامِ مثلًا (وإلَّا) تفعل ذلك (فلا بيعَ بيننا) فينعقدُ البيعُ بالقَبولِ (وإنْ لم يفعلْ) مُشترٍ ما شُرِطَ عليه من دفعِ الثمنِ في الوقتِ المعيَّن (انفسخَ) البيعُ؛ لوجودِ شرطه. و (لا) يصحُّ (قول) راهنٍ (لمرتهنٍ: إنْ جئْتُكَ بحقِّك في وقتِ كدا، وإلَّا فالرَّهنُ لكَ) فلا يكونُ قولُه ذلك بيعًا؛ لقولِه ﷺ : "لا يغلَق الرَّهن من صاحبه" رواهُ الأثرمُ (٢)، وفسَّره الإمامُ أحمد ﵁ بذلك. وفي كلام المصنِّف

стр. 958

ونحوه. ومَنْ باع بشرطِ البراءةِ من كلِّ عَيْب، لم يَبْرأ ما لمْ يُعيِّنْهُ أو يُبرئِه بعدَ البيع. وإنْ باع ثوبًا ونحوَه على أنَّه عشرةُ أذرعٍ، فبان أقلَّ أو أكثرَ، صحَّ بقسطِه. نظر، وصوابُه أن يقولَ: ولا قولُ راهنٍ: إنْ جئتُك إلى آخره. أو: ولا قولُ مرتهنٍ: إنْ جئتني بحقِّي في وقتِ كذا، وإلا، فالرهنُ لي. والله أعلم. (و) كذا لا يصحُّ (نحوه) من كل بيعٍ عُلِّق على شرط مستقبل غير إنْ شاء الله، وغيرِ بيع العَرَبُون -[بفتح العين والراء، وفيه لغة بوزن: عصفور] (١) (٢) - بأنْ يدفعَ بعدَ العقدِ شيئًا ويقول: إنْ أخذتُ المبيع أتممتُ الثمنَ، وإلَّا، فهو لك. فيصحُّ؛ لفعلِ عمرَ ﵁ (٣)، والمدفوعُ يكونُ لبائع إنْ لم يتمَّ البيعُ، والإجارةُ مثلُه. (ومنْ باع) شيئًا (بشرطِ البراءةِ من كلِّ عَيْبٍ) فيما باعَه، أو منْ عيبِ كذا إن كان (لم يبْرأ) البائعُ، فيخيَّر مشترٍ إن وجدَ به عَيبًا لم يعلمْه حالَ عقدٍ (ما لم يُعيِّنْهُ) أي: العيبَ لمشترٍ، فيبرأ منه؛ لدخولِه على بصيرة (أو يُبرِئه) أي: يُبرِئ المشتري بائعًا (بعدَ البيع) مِنْ كل عيبٍ، أو مِنْ عيبِ كذا، فيبرأ؛ لإسقاطه حقَّه من الفسْخِ بعدَ استحقاقه. (وإن باعَ ثوبًا ونحوَه) من المذروعات كأرضٍ (على أنَّه عشرةُ أذرعٍ، فبان) المبيعُ (أقلَّ) مما عيَّن (أو أكثرَ) منه (صحَّ) البيعُ في الأقلِّ (بقسطِه) من الثمن، والزيادةُ لبائعٍ، والنَّقصُ عليه.

стр. 959

ولمَنْ جَهِلَ وفاتَ غرضُه الفسخُ. (ولمن جَهِل) الحالَ من زيادةٍ ونقصٍ (وفاتَ غرضُه (١) الفسخُ) مالم يعطِ البائعُ الزيادةَ للمشتري مجانًا في المسألة الثانية، أو يرضى المشتري بأخذِه بكل الثمنِ في الأولى؛ لعدم فوات الغرض. وإن تراضيا على المعاوضةِ على الزيادة والنَّقصِ، جاز. وإن كان المبيعُ نحو صُبرةٍ على أنَّها عشرةُ أقفزةٍ، فبانتْ أقلَّ أو أكثرَ، صحَّ البيعُ ولا خيارَ، والزيادةُ لبائعٍ والنَّقصُ عليه.

стр. 960

باب الخيار وهو أقسام: خيارُ المجلس: يثبتُ (١) في بيعٍ وما بمعناه، وإجارة، وصَرْف، ونحوه، دونَ نكاحٍ، ووقفٍ، ومساقاةٍ ونحوِها، إلى أنْ يتفرَّقا عُرْفًا بأبدانِهما. باب الخيار وقبض المبيع والإقالة الخيارُ: اسمُ مصدرِ اختار، أي: طلب خير الأمْرَين من الإمضاءِ والفَسْخِ (٢) (وهو أقسامٌ) ثمانية: الأولُ: (خيار المجلسِ) بكسرِ اللام: موضعِ الجلوس، والمرادُ به هنا مكانُ التَّبايع (يثبتُ) خيارُ المجلسِ (في بيعٍ) لحديثِ ابنِ عمرَ يرفعُه: "إذا تبايعَ الرجلان، فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار مالم يتفرَّقا" متفق عليه (٣). لكنْ يُستثنى من البيعِ الكتابةُ، وتولِّي طرفي عقدٍ (٤)، وشراءُ مَن يعتِقُ عليه أو اعترف بحرِّيته قبل الشِّراء (و) كبيعٍ (ما بمعناه) من صلح إِقرارِ، بأنْ أقرَّ له بدينٍ أو عَيْنٍ، ثمَّ صالَحه عنه بعوضٍ، وقسمةِ تراضٍ، وهبةٍ شُرِط فيها عِوَضٌ معلومٌ؛ لأنَّها نوعٌ من البيعِ (و) كبيعٍ أيضًا (إجارةٌ) لأنَّها عقدُ معاوضةٍ أشبهتِ البيعَ (و) كذا (صَرفٌ ونحوه) كمُسلَم (٥)؛ لتناولِ البيع لهما (دونَ نكاحٍ، ووقفٍ، ومساقاةٍ، ونحوها) كضمانٍ ورهنٍ، وكمزارعةٍ ووكالةٍ وشركةٍ، فلا خيارَ فيها، ويستمرُّ خيارُ المجلسِ حيثُ ثبت (إلى أنْ يتفرَّفا) أي: المتبايعان بما يُعَدُّ تفرُّقًا (عُرْفًا بأبدانِهما) من مكانِ التَّبايع.

стр. 961

وإنْ أَسقطاهُ، أو تبايعا على أنْ لا خيارَ، سقط، وإنْ أسقطَه أحدُهما، بَقِيَ للآخَرِ. الثاني: أنْ يشترطاه في العَقْدِ لهما أو لأحدِهما مدَّةَ معلومةً ولو طالت. وابتداؤُها: من عقدٍ. فإنْ كانا في مكانٍ واسعٍ كصحراءَ، فبأنْ يمشي أحدُهما مستدبرًا لصاحبِه خُطُوات، وإنْ كانا في دارٍ كبيرةٍ ذاتِ مجالسَ وبيوتٍ، فبأنْ يفارقَه من بيتٍ إلى آخرَ، أو مجلسٍ، أو صُفَّةٍ (١)، وإنْ كانا في دارٍ صغيرةٍ، فبصعودِ أحدِهما السَّطْحَ أو خروجِه منها، وإنْ كانا بسفينةٍ كبيرةٍ، فبصعودِ أحدِهما أعلاها إن كانا أسفلَ أو بالعكس، وإنْ كانتْ صغيرةَ، فبخروج أحدِهما منها. ولو حجزَ بينهما بحاجزٍ كحائط أو ناما، لم يُعدَّ تفرُّقًا؛ لبقائهما بأبدانِهما بمحلِّ عقدٍ ولو طالت المدَّةُ. (وإنْ أسقطاهُ) أي: الخيارَ بعد العقدِ، سقط (أو تبايعا على أنْ لا خيارً) بينهما (سقط) أي: لزم بمجردِ العقد (وإنْ أسقطَه) أي: الخيارَ (أحدُهما) أي: أحد المتعاقدين، أو قال لصاحبهِ: اخْتَرْ. سقطَ خيارُه، و (بَقِيَ) الخيارُ (للآخرِ) لأنَّه لم يحصلْ منه إسقاطٌ لخيارِه، بخلاف صاحبِه، وتحرُم الفرقةُ؛ خشيةَ الفسخ (٢). وينقطع خيارٌ بموتِ أحدِهما لا بجنونهِ. (الثاني) من أقسامِ الخيارِ: خيارُ الشرط، بـ (أنْ يشترطاه) أي: يشترطَ المتعاقدان الخيارَ (في) صُلْب (العَقْدِ) أو بعدَه في مُدَّةِ خيارِ مجلسٍ أو شرطٍ (لهما) أي: للعاقدين (أو) يشترطاه في ذلك (لأحدِهما مدَّةً معلومةً ولو طالت) المدَّةُ، ولا يصحُّ اشتراطُه بعدَ لزومِ العَقدِ، ولا إلى أجلٍ مجهولٍ، كحصادٍ وجُذاذ، ويصحُّ البيعُ، ولا في عقدِ حِيلةٍ ليربحَ في قرضٍ، فيحرُم، ولا يصحُّ البيع. (وابتداؤُها) أي: مدَّةِ الخيارِ (من) وقتِ (عقدٍ) إنْ شُرط فيه، وإلَّا، فمِنْ حينِ اشترط.

стр. 962

وإذا مضتْ مدَّتُه أو قطعَاهُ، لزم البيعُ، ويثبتُ في بيعٍ وما بمعناه، غيرِ العمدة نحوِ صرفٍ. وفي إجارةٍ في ذمَّةٍ أو مدَّة لا تلي العقدَ، ويصحُّ إلى الغَدِ أو الليلِ، ويسقطُ بأوَّلِه. ولمَنْ له الخيارُ الفسخُ ولو مع غَيبةِ الآخَرِ أو سُخْطِه. والملكُ مدَّةَ الخيارَيْن لمشترٍ، فله نماؤُه (وإذا مضتْ مدَّتُه) أي: الخيار ولم يُفسخ، لزمَ البيعُ (أو قطعَاهُ) أي: قطعَ المتعاقدان الخيارَ (لَزِمَ البيعُ، ويثبتُ) خيارُ الشرط، أي: يصحُّ اشتراطُه (في بيعٍ وما بمعناه) أي: البيعِ من صُلحِ إقرارٍ، وقسمةِ تراضٍ، وهبةٍ بعوَضٍ (غيرِ نحوٍ صَرْف) كسَلَمٍ ورِبَويٍّ بربوِيٍّ، فلا يصحُّ شرطُ خيارٍ فيه؛ لأنَّ وَضْعَ ذلك على أنْ لا يبقى بين المتعاقدين عُلْقَةٌ بعد التفرُّق. (و) يثبتُ (في إجارةٍ في ذمَّةٍ) كخياطةِ ثوبٍ (أو) إجارةِ عينٍ (مدَّة لا تلي العقدَ) إن انقضى الخيارُ قبلَ دخولِها، كما لو آجره دارَه سنةَ ثلاثٍ في سنةِ اثنين، وشرطَ الخيارَ شهرًا مثلًا (١). فإنْ وَلِيَتِ المدَّةُ العقدَ، أو دخلتْ في مدَّةِ إجارةٍ، لم يصحَّ شرطُ الخيارِ؛ لئلا يؤدي إلى فواتِ بعض المنافعِ المعقودِ عليها أو استيفائِها في مدَّةِ الخيارِ، وكلاهما غيرُ جائز. (ويصحُّ) شرطُ الخيارِ من العَقْدِ (إلى الغَدِ أو الليلِ، ويسقطُ) الخيارُ (بأوَّلِه) أي: أوَّلِ الغَدِ أو الليلِ؛ لأنَّ "إلى" لانتهاءِ الغايةِ، فلا يدخلُ مابعدَها فيما قبلَها. (و) يجوزُ (لَمنْ له الخيارُ الفسخُ ولو مع غَيبةٍ) صاحبِه (الآخرِ أو) مع (سُخْطِه) كالطَّلاق. (والملكُ) في المبيع (مدَّةَ الخياريْن) أي: خيارِ المجلسِ وخيارِ الشَّرط (لمشترٍ) سواءٌ كانَ الخيارُ لهما أو لأحدهما (فله) أي: لمشترٍ (نماؤُه) أي: نماءُ المبيعِ المنفصلُ كالثمرِة (و) لمشترٍ (كسبُه) أي: المبيعِ مدَّةَ الخيارَيْن ولو فسخاه بعدُ (و)

стр. 963

وكسبُه، وعليه نقصه وتلفه إِنْ ضمنَه. ولا يصحُّ تصرُّفُ أحدِهما في المبيعِ أو ثمنِه المعيَّن زمنَه بلا إذنِ الآخَرِ لغيرِ تجربة، إلا عِتقَ مشترٍ فينفذُ مع التحريمِ. وتصرُّفُ مشترٍ فسخٌ لخيارِه لا بائعٍ. يجبُ (عليه) أي: على مشترٍ ضمانُ (نقصِه) أي: المبيع إذا نقص مدَّة الخيارين إنْ ضمنه (و) عليه ضمانُ (تلفه) أي: المبيعِ إنْ تلف ولو بغير فعلِه مدَّةَ الخيارين (إنْ ضمنه) أي: إنْ دخلَ المبيعُ في ضمانِ مشترٍ بأنْ كان غيرَ مكيلٍ ونحوَه ولو قبلَ قبضه، أو كان بعدَ قبضهِ، أو بإتلافِ مشترٍ أو تعْييبه مطلقًا. (و) يحرُمُ و (لا يصحُّ تصرُّفُ أحدِهما) أي: العاقدين (في المبيعِ أو) في (ثمنهِ المعيَّنِ زمنه) متعلِّق بـ "تصرُّف" أي: زمنَ خيارِ مجلسٍ أو شرطٍ (بلا إذن الآخرِ) فلا يتصزَف المشتري زمنَ الخيارين في المبيع بغيرِ إذن البائع إلا معه، كأن آجرَه له. ولا يتصرَّفُ البائعُ زمنَ الخيارين في الثمنِ المعيَّن إلَّا بإذنِ المشتري أو معه، كأن استأجرَ منه به عَيْنًا، هذا إنْ كان التَّصرُّفُ (لغيرِ تجربةِ) المبيعِ أو الثَّمن، فإنْ تصرَّفَ لتجربتِه، كركوبِ دابَّةٍ لينظرَ سَيْرَها، وحَلْبِها ليعلمَ قَدْرَ لبنها، جاز، ولم يبطُلْ خيارُه؛ لأنَّ ذلك هو المقصودُ من الخيارِ، كاستخدامِ الرَّقيق (إلَّا عِتقَ مشترٍ) لمبيعٍ زمنَ الخيارِ (فينفذُ) أي: يصحُّ عتقُه (مع التحريم) ويسقطِ خيارُ البائعِ حينئذٍ. (وتصرُّفُ مشترٍ) في مبيعٍ بشرطِ الخيار لهُ زمنه بنحو وقفٍ، أو بيعٍ، أو هبَةٍ، أو لَمْسِ لشهوةٍ (١) (فسخٌ) أي: إسقاطٌ (لخيارهِ) لأنَّه دليلُ الرِّضا به، بخلاف تجربةٍ واستخدامٍ، و (لا) يكونُ تصرُّفُ (بائعٍ) في مبيعٍ زمنَ خيارِه فسخًا للبيع.

стр. 964

ومنْ مات منهما، بطلَ خيارُه. الثالث: إذا غُبِنَ (١) في البيعِ غَبْنًا خارجًا عن عادةٍ بزيادةٍ ناجشٍ ولمسترسِلٍ، وفي تلقِّي رُكبانٍ. ويبطلُ خيارُهما مطلقًا (٢) بتلفِ مبيعٍ (٣) بعدَ قبضٍ، وبإتلافِ مشترٍ إيَّاه مطلقًا (٤). (ومَنْ ماتَ منهما) أي: العاقدين زمنَ خيارٍ (بطلَ خيارُه) فلا يورَثُ عنه إنْ لم يكنْ طالبَ به قبلَ موتِه. (الثالث) من أقسام الخيار: خيارُ الغَبْن (٥) فيثبتُ لبائعٍ ومشترٍ (إذا غُبِنَ في البيع غَبْنًا خارجًا عن عادةٍ) لأنَّه لم يَرِدِ الشرعُ بتحديدِه؛ فرجعَ فيه إلى العُرف. وله ثلاثُ صُورٍ: إحداها: ذَكَرَها بقولهِ: (بزيادةِ ناجشٍ) الذي يزيدُ في السِّلعةِ ولا يريدُ شراءَها ولو بلا مواطأةٍ (٦)، ومنه: أُعطيتُ كذا. وهو كاذبٌ. والثانية: ذَكَرَها بقولِه: (و (٧) لمسترسِلٍ) وهو من جَهِلَ القيمةَ ولا يُحسِن يُماكسُ (٨)، من استرسل: إذا اطمأن واسأنس (٩). والثالثة: ذَكَرَها بقوله: (وفي تلقِّي رُكبانٍ) والمرادُ بهم القادمون مِنْ سفرٍ -ولو

стр. 965

الرابع: خيارُ التَّدليس، كتسويدِ شَعَر وتَجْعيدِه، وتَصْرِيَةِ لَبَنٍ في ضرعٍ ونحوِه، ويردُّ مع مُصَرَّاةٍ بدلَ اللَّبن صاعَ تمرٍ. مشاة -إذا باعوا أو اشترَوْا؛ لقوله ﷺ : "لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَنْ تلقَّاهُ فاشترى مِنْه، فإذا أتى [سيِّدُه] السُّوقَ، فهو بالخيار" رواه مسلم (١). فيخيَّر المغبون في هذه الصُّوَر بين الفسخِ والإمساكِ بلا أَرْشٍ (٢). والغبْنُ محرَّم، وخيارُه على التَّراخي. (الرابع) من أقسام الخيار: (خيارُ التَّدليس) من الدُّلسة، وهي: الظلمة (٣)، فيثبتُ بما يزيدُ به الثمن (كتسويدِ شَعَر) الجاريةِ (وتَجْعيدِه) أي: جعلِه جَعْدًا وهو ضدُّ السَّبَط (٤) (وتَصْرِيةِ لَبَنٍ) أي: جمعِه (في ضرعٍ) (٥) لحديث أبي هريرةَ يرفعُه: "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغنمَ، فمن ابتاعها، فهو بخيرِ النَّظَرَيْن بعد أنْ يحلُبَها، إنْ شاء أمسكَ، وإنْ شاء ردَّها وصاعًا من تمر" متَّفق عليه (٦) (ونحوِه) كجمعِ ماءِ الرحَى (٧) وإرسالِه عند عرضها (٨). وخيارُ التَّدليس على التراخي، إلا المصرَّاةَ، فيخيَّر ثلاثةَ أَيامٍ منذ عَلِمَ بين إمساكٍ بلا أرشٍ وردٍّ مع لبنها إنْ بقي بحاله (و) إلا، فـ (يردُّ مع مُصَرَّاة بدلَ اللَّبن صاعَ تمرٍ) سليمٍ إنْ حَلَبَها، ولو زادَ عليها قيمةً.

стр. 966

والخامس: خيارُ العَيْبِ وهو: ما نقصَ قيمةَ المبيعِ كمرضِه، وزيادةِ عضوٍ، أو سِنٍّ، أو فقدِهما، وحَوَلٍ، وقَرَعٍ، وعَثْرةِ مركوبٍ، وزنى من له عشر، وسرقتِه وإباقِه، وبَوْلِه في فراشه ونحوِه، فإذا عَلِمَه مُشترٍ، خُيِّر بين إمساك مع أرش، (الخامس) من أقسامِ الخيار: (خيارُ العَيْبِ) وما بمعناهُ (وهو) أي: العيبُ: (ما نقصَ قيمةَ المبيع) عادةً، فما عدَّه التُّجَّارُ في عُرفِهم مُنقِصًا، أُنِيط (١) الحكمُ به، وما لا، فلا. والعيبُ (كمرضِه) على جميعِ حالاته في جميعِ الحيوانات (وزيادةِ عضوٍ) كأصبع (أو سِنٍّ، أو فقدِهما، وحَوَلٍ) بفتحتين: اعوجاجُ العينِ وخروجُها عن الاستواءِ (٢) (وقَرَعٍ) بفتحتين: أي: صَلَع، مصدر: قَرع الرأسُ، إذا لم يبقَ عليه شَعَر (٣). وقال الجوهريُّ (٤): إذا ذهبَ شَعَرُه من آفةٍ. (وعَثْرةِ مركوبٍ) أي: زلَّتهِ وسقوطِه، بقال: عَثَر يَعْثُر، من باب قَتَل، وفي لغةٍ من بابِ ضَرَب، عِثارًا بالكسر: سقط (٥) (وزنى من له عشرُ) سنين، من عبدٍ أو أمة (وسَرِقتِه وإباقِه) بكسر الهمزة (وبَوْلِه في فراشه) فإنْ كان ذلك (٦) ممَّنْ دونَ عشرٍ، فليسَ عَيْبًا (ونحوِه) كحُمْقِ بالغٍ، وهو ارتكابُه الخطأَ على بصيرةٍ، وفَزَعِه شديدًا (فإذا عَلِمَه) أي: العيبَ (مُشترٍ) بعدَ العقد (خُيِّر بين إمساكِ) المبيعِ (مع أَرْشِ) عيْبهِ؛ لأنَّ المتبايعَيْن تراضيا على أنَّ العِوَضَ في مقابلةِ المعوَّض، فكلُّ جزءٍ من المعوَّض يقابلُه

стр. 967

أو ردّ وأخذ ما دفعَ من ثمنٍ. وإنْ تَلِف أو عتق، تعيَّن أرشٌ. وإنْ تعيَّب عند مشترٍ أو اشترى جوْز هندٍ أو بيض نعامٍ، فكسرَه، فوجدَه فاسدًا، فإن أمسَكَهُ، فله أرْشُه، وإنْ ردَّه، ردَّ معه أرشَ عَيْبهِ أو كَسْرِه، بخلافِ نحوِ بيضِ دجاجٍ يجدُه فاسدًا، فيرجع بكلِّ ثمنِه. جزءٌ من العِوَض، ومعَ العْيبِ فات جزءٌ من المبيع، فله الرجوعُ ببدله وهو الأرشُ، أي: قسط ما بين قيمتهِ صحيحًا ومَعيبًا من ثمنه، نصًّا. فلو قُوِّم مبيعٌ صحيحًا بخمسةَ عشر، ومعيبًا باثني عشر، فقدْ نقصَ خُمْس قيمتِه، فيرجعُ بخُمسِ الثمن، قلَّ أو كثر. وإنْ أفضى أخذُ الأرشِ إلى ربًا، كشراءِ حَلْي فضةٍ بزنته دراهمَ، أمسك مجانًا إنْ شاء (أو ردَّ) المبيع (وأخذ) مشترٍ (ما دفعَ) لبائعٍ (مِنْ ثَمَنٍ) وكذا لو أُبرِئ مشترٍ من ثمنِ، أو وهِبَ له، ثمَّ فُسِخَ البيعُ لعيبٍ أو غيرِه، رجعَ بالثَّمنِ على بائعٍ. وإن عَلم مشترٍ قبلَ عقدِ بعَيْبِ مبيعٍ، أو حدث بعدَ عقدٍ، فلا خيارَ له، إلا في مَكِيل ونحوهِ تعيَّب قبلَ قبضهِ. (وإنْ تَلِف) مبيعٌ معيبٌ (أو عتق) عبدٌ، أو لم يعلمْ عيبَه حتَّى صُبغَ أو نُسِج، أو وهبه، أو باعه، أو بعضَه (تعيَّن أرْشٌ) لتعذر الرَّدِّ، وعدمِ الرِّضا به ناقصًا. وإنْ دلَّس بائعٌ؛ بأنْ عَلِمَ العيبَ وكتَمَه، فمات المبيعُ أو أبَقَ، ذهب على بائعٍ؛ لأنَّه غَرَّه، وردَّ لمشترٍ ما أخذ. (وإن تعيَّب) مبيعٌ معيبٌ عيبًا آخر (عند مشترٍ) كثوب قَطَعَه (أو اشترى) ما لم يُعلم عيْبُه بدون كسرِه كـ (جوْزِ هندٍ أو بيضِ نعامٍ، فكسره، فوجدَه فاسدًا، فإنْ أمسَكَهُ) أي: ما ذُكر من نحوِ ثوبٍ قطعه فظهرَ معيبًا، ومِنْ نحوِ جَوز كسرَه فوجدَه فاسدًا (فله أرْشُه) أي: أرشُ العيبِ الأوَّل (وإنْ ردَّه، ردَّ معه أرشَ عَيْبهِ) الحادثِ عندَه، كقطعِه الثوبَ (أو) أرشَ (كَسْرِه) نحو الجوزِ كسرًا تبقى معه قيمة، وأخَذَ ثمنَه. ويتعيَّن أرشٌ مع كَسْرٍ لا تبقى معه قيمةٌ، هذا فيما لمكسورِه قيمةٌ (بخلافِ) ما لا قيمةَ لمكسورهِ (نحو بيضِ دجاجٍ) يَكسره فـ (يجدُه فاسدًا، فـ) إنه (يرجعُ بكلٍّ ثمنِه)

стр. 968

وخيارُه متراخٍ ما لم يوجدْ دليلُ رِضَاه، ولا يفتقرُ إلى حُكْم ولا رِضَا رفيقِه. وإن اختلفا عندَ مَنْ حَدَثَ العيبُ؟ مع احتمال، فقولُ مشترٍ بيمينِه، فإنْ لم يحتملْ إلا قولَ أحدِهما، قُبِلَ بلا يمينٍ. لأنا تبيّنَّا فسادَ العقدِ من أصلِه؛ لكونِه وقعَ على ما لا نفعَ فيه، وليس عليه ردُّ فاسد ذلك إلى بائعهِ؛ لعدمِ الفائدةِ فيه. (وخيارُه) أي: العيبِ (مُتراخٍ) لأنَّه لدفعِ ضَرَرٍ متحقَّقٍ، فلم يبطلْ بالتأخيرِ (ما لم يوجدْ دليلُ رِضَاه) أي: المشتري بالعيب، كتصرُّفِه فيه بإجارَةٍ، أو إعارةٍ، أو نحوهما، أو استعمالِه لغيرِ تجربةٍ عالمًا بعيبهِ (ولا يفتقرُ) فسخٌ لعيبٍ (إلى حُكْمِ) حاكمٍ (ولا رضا رفيقِه) أي: البائعِ، ولا حضورهِ كالطَّلاق. ولمشترٍ مع غيرِه معيبًا أو بشرطِ خيارٍ الفسخُ في نصيبهِ ولو رضي الآخَرُ، والمبيعُ بعدَ فسخِ أمانةٌ بيدِ مشترٍ. (وإن اختلفا) أي: البائعُ والمشتري في معيبٍ (عندَ مَنْ حَدَثَ العيبُ، مع احتمالِ) حدوثه عندَ كل منهما (فقولُ مشترٍ بيمينه) إنْ لم يخرج عن يدهِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ القبض في الجزءِ الفائتِ، فكان القولُ قولَ من ينفيه، فيحلفُ أنَّه اشتراه وبه العَيْبُ، أو أنَّه ما حدثَ عندَه ويردُّه. (فإن لم يحتمل إلا قولَ أحدِهما) كالأصبعِ الزائدةِ، والجرحِ الطَّري الذي لا يحتملُ أنْ يكونَ قَبْلَ العقدِ (قُبِل) قولُ المشتري في المثال الأوَّلِ، والبائعِ في المثالِ الثاني (بلا يمينٍ) لعدمِ الحاجةِ إليه. ويُقبل قولُ بائع أنَ المبيعَ ليس المردودَ إلا في خيارِ شرطٍ، فقولُ مشترٍ، وقولُ قابضٍ في ثابتٍ في ذمَّةٍ من ثمنٍ، وقرضٍ، وسَلَمٍ ونحوهِ إنْ لم يخرجْ عن يدهِ، وقولُ مشترٍ في عينِ ثمنٍ معيَّن بعقدٍ أنَّه ليس المردودَ إلا في خيار شرطٍ على قياسِ التي قبلها.

стр. 969

السادس: خيارٌ في البيع بِتخييرِ (١) الثمنِ إذا اشتراه ممَّنْ لا تُقبلُ شهادتُه له أو بأكثرَ مِنْ ثمنِه حيلةً، أَو لرغبةٍ تخصُّه، أو باع بعضَ الصَّفقةِ بقسطِها من الثَّمنِ ونحوِه، ولم يبيِّن ذلك في إخبارِه بالثمن، فلمشترٍ الخيارُ بين ردٍّ وإمساكٍ. وأمَّا بيعُ المُرابحةِ ونحوِه إذا بان خلاف إخبارِه، سقط زائدٌ وقسْطُه من ربحٍ، (السادس) من أقسام الخيار: (خيارٌ في البيعِ بتخبيرِ الثمنِ) إذا أخبر بخلافِ الواقع (إذا اشتراه) أي: المبيعَ (ممَّن لا تُقبلُ شهادتُه له) كأبيه وابنهِ وزوجتهِ (أو) اشترى شيئًا (بأكثرَ مِنْ ثمنِه حيلةً) أو محاباةً (أو لرغبةٍ تخصُّه) أي: المشتري، كدارٍ بجوارِ منزلِه، وأمةٍ لرضاعِ ولده (أو باع بعضَ الصَّفقةِ بقسطِها من الثَّمنِ) الذي اشتراها به، وليس من المتماثلاتِ المتساوية، كزيت (ونحوهِ) أي: نحو ما تقدَّم من الصُّوَر من كلِّ ما يختلفُ به الثمنُ، كما لو تبيَّن أنَّه اشترى المبيعَ بأكثرَ مِنْ ثمنِه لموسم ذَهَب (ولم يبيِّن ذلك) المتقدِّم في الصورِ كلِّها للمشتري (في إخبارِه بالثَّمن فلمشترٍ الخيارُ بين رَدٍّ وإمساكٍ) كتدليسٍ. (وأمَّا بيعُ المُرَابحة) وهي: بيعُه بثمنِه ورِبْحٍ معلومٍ (ونحوِه) كبيعِ المواضعة، وهي: بيعُه برأسِ مالهِ وخُسْرانٍ معلومٍ. وبيع التَّولية، وهي: بيعه برأسِ مالهِ. وبيعِ الشركة، وهي: بيعُ بعضِه بقسطِه من الثمن (إذا بان) رأسُ المال بـ (خلافِ إخبارِه) أي: البائع في هذه الصُّوَر، أو بان رأسُ المال مؤجَّلًا ولم يبيِّنْه بائعٌ، وجواب "أمَّا" قوله؛ (سقط) وكان الأظهرُ أنْ يقولَ: فيسقطُ (زائدٌ) على رأسِ المالِ في الأربعة. (و) يسقطُ أيضًا (قسْطُه) أي: الزائدِ (من ربحٍ) من مرابحةٍ، وينقصُ قسطُه أيضًا في مواضَعَةٍ كأنْ يقولَ له: هي بمئةٍ. فتبين بخمسين، ويكونُ قدْ وضعَ له عشرين، فإنَّه يحطُّ الزيادةَ، ويحط من الوضيعةٍ عشرةً قسطَ الزيادة منها، فتبقى عليه بأربعين، كذا

стр. 970

وأخذَه مشترٍ بالباقي، وأُجِّلَ في مؤجَّلٍ ولا خيارَ. وما يُزادُ في ثمنٍ، أو مثمَنٍ، أو خيارٍ زمنَ الخيارَيْن، أو يؤخذُ أرشًا لعيبٍ، أو جنايةٍ عليه، يلحقُ بعقدٍ ويخبر (١) به، وإنْ أخبرَ بالحال، فَحَسنٌ، لا نَمَاء ونحوه. السابع: إذا اختلفَ في "حواشي" ابنِ نصرِ الله، وفي شرحي "الإقناع" (٢) و "المنتهى" (٣) هنا نَظَر، فتنبَّه له. (وأخدَه) أي: المبيعَ (مشترٍ بالباقي) من الثمن (وأُجِّلَ) ثمنٌ (في مؤجَّلٍ) لم يخبرْ به بائعٌ على وجهه (ولا خيارَ) لمشترٍ؛ لأنَّه بالإسقاطِ والتأجيلِ المذكورَيْن قد زيْدَ خيرًا، كما لو اشتراهُ مَعِيبًا، فبان سليمًا، وكما لو وكَّلَ مَنْ يشتريه بمئةٍ، فاشتراهُ بأقلَّ، وهذا المذهبُ كما في "المنتهى" (٤)، و"الإقناع" (٥). (وما يُزادُ في ثمنٍ أو مثمَنٍ) أي: مبيعٍ، أو يُحطُّ منهما زمنَ الخيارين (أو) يُزادُ في (خيارٍ) أو أجل أو يُحطُّ منهما (زمنَ الخيارَيْن) خيارِ المجلسِ والشَّرْط (أو يؤخدُ أرشًا لعيبٍ، أو) أرشًا لـ (جنايةٍ عليه) أي: على المبيعِ ولو بعدَ لزومِ بيعٍ (يلحقُ) ذلكَ (بعقدٍ، و) يجبُ أن (يخبرَ به) كأصلِه. وإن كان ما ذُكر من زيادةٍ؛ أو حظ بعدَ لزومِ بيعٍ، لم يلحقْ بعقدٍ، فلا يلزمُ أنْ يخبرَ به (وإنْ أخبرَ بالحالِ) بأنْ يقولَ: اشتريتُه بكذا، أو: زدتُه، أو: نقضتُه كذا، ونحوه (فَحَسنٌ) لأنَّه أبلغُ في الصِّدْقِ، و (لا) يلزمُ الإخبارُ بـ (نماءِ) المبيعِ، كلَبَنٍ (ونحوه) كأجرةِ كسْبِه. (السابعُ) من أقسامِ الخيار: خيارٌ يثبتُ للاختلافِ في الثمنِ، فـ (إذا اختلف

стр. 971

البائعان في ثمنٍ ولا بيِّنةَ، تحالفا، ثمَّ لكلٍّ فَسْخُه إنْ لم يرضَ أحدُهما بقولِ الآخَر. وإن اختلفا في صفتِه، أُخِذَ نقدُ البلد، ثمَّ غالبُه، ثمَّ الوسَطُ، وفي أَجَلٍ أو شرطٍ، فقولُ مَنْ ينفيه كمفسدٍ. البائعان) أي: البائعُ والمشتري، أو ورثتُهما، أو أحدُهما وورثةُ الآخر (في) قَدْرِ (ثمنٍ) بأنْ قال بائع (١): بعتكَ بمئةٍ. وقال مشترٍ: بثمانين (ولا بيِّنةَ) لهما، أو تعارضتْ بيِّنتاهما (تحالفا) ولو كانتِ السِّلعةُ تالفةً، فيحلفُ بائعٌ أوَّلًا: ما بعتُه بكذا، وإنَّما بعتُه بكذا. ثمَّ يحلفُ مشترٍ: ما اشتريتُه بكذا، وإنَّما اشتريتُه بكذا. (ثمَّ لكل) منهما (فَسْخُه) أي: العقدِ (إنْ لم يرضَ أحدُهما بقولِ الآخَرِ) وكذا إجارة (٢)، فإن رضيَ أحدُهما بقولِ الآخَر، أو حلف أحدُهما ونَكَل الآخَرُ، أقِرَّ العقدُ. (وإن اختلفا في صفتِه) أي: الثمن (أُخِذَ نَقْدُ البلد) نصًّا؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنهما لا يعقدَان إلا به (ثمَّ) إنْ تعدَّد نَقْدُ البلدِ، أُخِذَ (غالبُه) رواجًا؛ لأنَّ الظَّاهرَ وقوعُ العَقْدِ به (ثمَّ) إن استوتْ نقودُ البلدِ رواجًا، أُخِذَ (الوسَطُ) منها؛ تسويةً بين حقَّيهما، ومحل ذلك إن ادَّعاه أحدُهما مع اليمين (٣)، فإن ادَّعيا غيرَ ما ذُكِرَ، تعيَّن التحالفُ، كما ذكرهُ ابنُ نصرِ الله. (و) إن اختلفا (في أجلٍ) بأنْ يقولَ المشتري: اشتريتُه بكذا مؤجَّلًا. وأنكَرَ بائعٌ (أو) اختلفا في (شرطٍ) صحيحٍ أو فاسدٍ، كرَهن أو ضمينٍ أو قَدْرِهما (٤) (فقولُ من يَنْفِيْهِ) أي: ينكرُه بيمينِه؛ لأن الأصلَ عدمُه (كـ) ما يُقْبَلُ قولُ منكِرِ (مفسدٍ) لبيعٍ

стр. 972

وفي عينِ مبيعٍ أو قَدْرِه، فقولُ بائعٍ، وإنْ أبى كلٌّ التسليمَ حتَّى يَقبِضَه الآخَرُ، والثَّمَن عينٌ، نُصِبَ عدلٌ يقبضُ منهما ويسلِّمُ المبيِعَ، ثمَّ الثَّمَنَ، وإنْ كان دينًا حالًّا بيدِه، أُجْبِرَ بائعٌ ثم مُشترٍ، وإنْ كان دونَ مسافةِ قَصْرٍ، حُجِرَ عليه في كلِّ مالِه حتَّى يُحضِرَه، ونحوه، فإذا ادَّعى أحدُهما ما يفسدُ العَقْدَ من سَفَهِ، أو صِغَرٍ، أو إكراهٍ بلا قرينةٍ كتوكلٍ به (١) وترسيمٍ (٢) عليه ونحوهِ، وأنكرَ الآخَرُ، فقولُ المنكِر؛ لأنَّ الأصلَ في العقودِ الصِّحَّةُ. وإن أَقاما بيِّنتين، قُدِّمْت بيِّنةُ مدَّعٍ. (و) إن اختلفا (في عيْنِ مبيعٍ) كبعتني هذا العبدَ. فقال: بلْ هذهِ الجاريةَ (أو) في (قَدْرهِ) أي: المبيعِ كبعتكَ قفيزَيْن. فقال مشترٍ: بل ثلاثة. (فقولُ بائعٍ) لأنَّه كالغارمِ في الأولى، ومنكرٌ للزيادة في الثانية. (وإنْ أبى كلٌّ) منهَما (التسليمَ) لما بيده؛ مِنْ مبيعٍ وثمنٍ (حتَّى يَقبِضَهُ الآخَرُ) بأن قال البائع: لا أسلِّم المبيعَ حتَى تدفعَ لي الثمنَ. وقال المشتري: لا أسلِّم الثمَن حتَّى تدفَعَ لي المبيعَ (و) الحالُ أن (الثمنَ عينٌ) أي: معيَّنٌ في العَقدِ (نُصِب) بالبناء للمفعول (عَدْلٌ) أي: نَصبَهُ الحاكمُ (يقبضُ منهما) المبيعَ والثَّمَنَ (ويسلِّمُ المبيعَ) للمشتري (ثمّ الثَّمنَ) للبائع؛ لجريانِ عادة النَّاس بذلك. (وإنْ كان) الثمنُ (دَينًا) أي: غيرَ معيَّن وكان (حالًّا بيدهِ) أي: في يدِ المشتري (أُجْبِرَ بائعٌ) على تَسلِيمِ المبيعِ؛ لتعلُّقِ حق المشتري بعينِه (ثمَّ) أجبِرَ (مُشْتَرٍ) على تسليمِ الثمنِ الذي بيدهِ؛ لوجوبِ دَفْعِهِ عليه فورًا؛ لتمكُّنهِ منه. (وإن كان) الثمن دَيْنًا حالًّا غائبًا في البلد أو فيما (دونَ مسافةِ قَصْرٍ، حُجِرَ عليه) أي: على مُشتَرٍ (في كلِّ مالهِ) حتى في المبيع (حتى يُحضِرَهُ) أي: الثَّمَنَ؛ خوفًا من أنْ يتصرَّفَ في مالهِ تصرُّفًا يضرُّ بالبائعِ.

стр. 973

وإنْ كان بَعيدًا أو المشتري مُفْلِسًا، فلبائعٍ الفَسْخُ. الثامن: خيارٌ للخُلْفِ في الصِّفةِ، ولتغيُّرِ (١) ما تقدَّمتْ رؤيتُه. فصل وما اشتُرِيَ بكيلٍ ونحوِه، لَزِمَ بعقدِ، ولا يصحُّ تصرُّفه فيه حتَّى يَقبِضَه، (وإنْ كان) المالُ غائبًا (بعيدًا) مسافةَ قَصْرٍ، أو غيَّبه بمسافةِ قصرٍ عن البلدِ (أو) كان (المشتري مُفْلِسًا) أي: ظَهَرَ بعدَ البيعِ فَلَسُ المشتري أو إعسارُه (فلبائعٍ الفَسْخُ) لتعذُّر الثَّمن عليه، وكذا مؤجرٌ بِنَقدٍ حالٍّ. (الثامن) من أقسام الخيار: (خيارٌ) يثبتُ (للخُلْفِ في الصِّفَةِ) إذا باعه شيئًا معيَّنًا موصوفًا، كعبدِه فلانٍ الذي صِفَتُه كذا وكذا (ولتغيُّر (٢) ما تقدَّمتْ رؤيتُه) العقدَ. فصل في التَّصَرُّفِ في المبيعِ قبْل قبضه، وما يحصلُ به قبضُه، وغيرِ ذلك (وما اشْتُرِيَ) بالبناءِ للمجهول (بكيلٍ) كقَفِيزِ من صُبْرةٍ (ونحوهِ) أي: الكيلِ من وزنٍ أو عدٍّ أو ذرعٍ كرطل من زُبرَةِ حديدٍ (٣)، أو بيضٍ على أنَّه مئةٌ، أو ثوبٍ على أنَّه عشرة أذرعٍ، صحَّ، و (لزمَ بعقدٍ) حيثُ لا خيارَ (ولا يصحُّ تصرُّفُه) أي: المشتري (فيه) أي: فيما اشتري بكيْلٍ ونحوهِ، ببيع، أو هبةٍ، أو إجارةٍ، أو رهنٍ (حتَّى يَقْبِضَه) لقولِه ﷺ : "من ابتاعَ طعامًا، فلا يَبِعه حتى يستوْفِيَه" متَّفقٌ عليه (٤). ويصحُّ عتقُه، وجعله مهرًا، وعِوضَ خُلعٍ، ووصيَّةٌ (٥) به.

стр. 974

وتلفُه قبلَه من ضمانِ بائعٍ، ويبطُلُ البيعُ بتَلَفِه بآفةٍ، وما عداهُ يصحُّ التصرُّفُ فيه قبلَ قبضِه، وإن اشترى المكيلَ ونحوَه جُزافًا، صحَّ التصرُّفُ فيه قبلَ قبضِه؛ لقول ابنِ عمرَ ﵄: مضتِ السُّنَّةُ أن ما أدركته الصَّفقةُ حبًّا مجموعًا، فهو من مالِ المشتري (١). (وتَلَفُه) أي: المبيعِ بكيلٍ ونحوه، أو تلفُ بعضِه (قبلَه) أي: قبلَ قبضِه (من ضمانِ بائعٍ) وكذا لو تعَيَّب قبلَ قبضِه (ويبطُلُ) أي: ينفسخُ (البيعُ بتلَفِهِ) أي: المبيعِ بنحوِ كيلِ (بآفةٍ) (٢) لا صُنعَ لآدميٍّ فيها. وإن بَقي البعضُ، خُيِّر مشترٍ في أخذِه بقِسْطِهِ من الثمن. وكذا لو تعَيَّب قبل قبضه، خُيِّر بين الفَسْخِ والإمساكِ بلا أرشٍ حيثُ عَلم بالعيب قبلَ قبضِه، فلا يُنافي ما سبق، وفي كلام المصنف في "شرح الإقناع" (٣) وغيرِه هنا نَظَر. وإنْ أتلفَه آدميٌّ، خُيِّر مشترٍ بَيْنَ فسْخٍ وَأخْذِ ثمنٍ، وبَينَ إمضاءٍ ومطالبةِ متلِفٍ ببَدَلهِ (وما عدَاهُ) أي: عدا ما اشتُرِيَ بنحوِ كيلٍ، كعبدِ ودارٍ (يصحُّ التصرُّفُ فيه) من مشتر (قبلَ قبضِه) لقولِ ابن عمرَ ﵄: كنا نبيعُ الإبلَ بالبقيع بالدَّراهمِ، فنأخذُ عنها الدنانيرَ، وبالعكس، فسألَنْا رسولَ الله ﷺ ، فقال: "لا بأس أنَ تأخذَ بسِعر يومِها ما لم تتفرَّقا وبينكما شيء" رواه الخمسة (٤)، إلا المبيعَ بصفةٍ أو رؤيةٍ متقدِّمةٍ، فلا يصحُّ التَّصرُّف فيه قبلَ قبضِه. فإن قيل: مقتضى الحديثِ صِحَّةُ التَّصرُّف فيما يحتاجُ لحقِّ توفيةٍ قبلَ قبضِه؛ لأنَّ الدراهمَ والدنانيرَ إمَّا موزونةٌ أو معدودةٌ؟

стр. 975

ومن ضمانِ مشترٍ ما لم يمنعْه بائعٌ. ويحصلُ قبضُ ما بِيْعَ بكيلٍ، أو وزنٍ، أو عدٍّ، أو ذَرْعٍ بذلكَ، وصُبْرةٍ، وما يُنقَلُ بنقلِه، وما يُتناوَلُ بتناوله، وما عداهُ بتخليةٍ. فالجواب: أنَّها في الذِّمَّة، فليست كبيْعٍ، بل هي من قبيلِ بيعِ الدَّينِ بالدَّين لمن هو عليه، وهو صحيحٌ بشرطه. (و) إنْ تَلِف ما عدا المبيع بنحوِ كيْلٍ، فـ (من ضمانٍ مشترٍ) لقولهِ ﷺ : "الخراجُ بالضَّمان" (١) وهذا المبيعُ لمشترٍ؛ فضمانُه عليه، هذا (ما لم يمنعْه) أي: المشتري (بائعٌ) من قبضِه، فإن منعَه حتَّى تَلِف، ضَمِنه، كضمانِ غصْبٍ، وثمرٍ على شجرٍ، ومبيعِ بصفةٍ أو رؤيةٍ متقدِّمة من ضمانِ بائعٍ. (ويحصلُ قبضُ ما بِيعَ بكيلٍ، أو وزنٍ، أو عدٍّ، أو ذَرعٍ بذلك) الكَيْل، أو الوزنِ، أو العدِّ، أو الذَّزعِ؛ لحديثِ عثمان ﵁ يرفعه: "إذا بعتَ، فَكِل، لَماِذَا ابتعتَ، فاكْتَلْ" رواه الإمام أحمد (٢). وشرطُه: حضورُ مستحقٍّ أو نائِبه، ويصحُّ استنابةُ مَن عليه الحقُّ للمستحقِّ. ومؤنةُ كيَّالٍ، ووزَّانٍ، وعدَّادٍ، ونحوهِ على باذِلٍ، ولا يضمَنُ ناقدٌ حاذقٌ أمينٌ خطأ. (و) يحصلُ قبضٌ في (صُبْرةٍ، وما يُنْقَل) كثيابٍ وحيوانٍ (بنقله، و) يحصلُ قبضٌ فيـ (ما يُتناوَل) كجواهرَ وأثمانٍ (بتناولِه) لأنَّ العُرفَ فيه ذلك (و) يحصلُ قبضُ (ما عداه) أي: المذكور، كعقارٍ وثمرٍ على شَجَرٍ (بتخْلِيَة) بائع بَيْنَه وبَيْنَ مشترٍ بلا حائلٍ،

стр. 976

والإقالةُ فسخٌ، وتُندبُ إقالةُ نادمٍ، وتصحُّ قبلَ قبضِ مبيعٍ وبعدَه، لا مع تلفه، أو موتِ عاقدٍ، أو زيادةٍ على ثَمنٍ، أو نقصه بغيرِ جنسِه. بل يَفْتحُ له بابَ الدَّارِ ويسلِّمهُ مفتاحَها ونحوَه، ولو كان فيها متاعٌ للبائعِ، ويعتبرُ لجوازِ قبضِ مُشاعٍ يُنْقَلُ، إذْنُ شريكِه (١). (والإقالةُ) مصدر: أقالَ اللهُ عثْرتَكَ، أي: أزالها (٢) (فسخٌ) أي: رفعٌ للعقدِ وإزالةٌ له، لا بيعٌ (وتُندَبُ) أي: تستحبُّ (إقالةُ نادمٍ) من بائعٍ ومشترٍ؛ لحديثِ ابنِ ماجه عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: "مَنْ أقال مسلمًا، أقال الله عثرتَه يومَ القيامة" (٣). (وتصحُّ) إقالةٌ (قبلَ قبضِ مبيعٍ) ولو نحو مكيلٍ (٤) (و) تصحَّ (بعده) أي: القبض، وبعد نداء جمعة، بلا شروط بيع، كما لو تقايلا في آبقٍ وشارِدٍ. و (لا) تصحُّ (مع تَلفِه) أي: المبيعِ؛ لفواتِ محلٍّ الفَسْخِ (أو موتِ عاقدٍ) بائعٍ أو مشترٍ؛ لعدمِ تأتِّيْها، وكذا لا تصحُّ مع غيْبةِ أحدِهما (أو زيادةٍ على ثمنِ) معقودٍ عليه (أو) مع (نقصِه، أو بغيرِ جنسِه) فلا تصحُّ فيهنَّ؛ لمخالفتِه لمقتضى الإقالةِ مِنْ ردِّ الأمر إلى ما كان عليه. وتصحُّ مع تَلَف ثمنٍ، ولا خيارَ فيها ولا شُفعةَ.

стр. 977

باب الربا والصرف يَحرمُ ربَا الفَضْلِ والنَّسيئةِ، فلا يباعُ مَكِيلٌ بجنسه، ولا موزونٌ بجنسِه، إلَّا مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، باب الرِّبا والصَّرف الرِّبا -مقصور- وهو لغةً: الزيادةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: علَت. وشرعًا: زيادة في شيءٍ مخصوصٍ (١). وهو محرَّمٌ بالإِجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. والصَّرْفُ: بيعُ نقدٍ بنقْدٍ. قيل: سُمّيَ به، لصريفهما (٢)، أي: تصْوِيتهما في الميزانِ، وقيلَ: لانصرافِهما عن مقتضَى أنواعِ البيع في اشتراطِ القَبْضِ وغيرِه (١). (يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ) أي: الزيادة (و) يَحْرُمُ ربَا (النَّسيئةِ) أي: التأخيرِ؛ لما تقدَّم، فهو نوعان، أشارَ إلى الأوّلِ منهما بقولهِ: (فلا) يصحُّ أنْ (يُبَاعَ مَكِيْلٌ بجنسِه) مطعومًا كالبُرِّ والشَّعيرِ، أَوْلا؛ كالأُشْنَان (ولا) يُبَاعُ (موزونٌ بجنسِه) مطعومًا، كالسُّكَّر، أوْلا كالكَتَّان (إلا) إذا بِيعَ ذلك (مِثلًا بمِثْل) أي: حالَ كونِهما متماثلَيْن في المِقْدارِ (يدًا بيدٍ) أي: حالَ كونِهما مقبوضَيْن؛ لحديثِ عُبادة بن الصَّامت مرفوعًا: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعير، والتَّمْر بالتَّمْر، والمِلْحُ بالمِلْح، مِثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ" رواه أحمدُ ومسلم (٣)، فيُشترَطُ (٤) في بيعِ الرِّبَوِيِّ بجنسه شرطان: التَّماثُلُ والتَّقابُضُ.

стр. 978

ولا يُباع مكيلٌ بجنسِه وَزْنًا ولا جِزَافًا، ولا موزونٌ بجنسِه كَيْلًا ولا جِزافًا، وإن اختلفَ الجنسُ كبُرٍّ بشعيرٍ، جاز كَيْلًا ووَزْنًا وجِزافًا. ولا رِبًا في ماءٍ، ولا فيما لا يُوزَن عُرفًا؛ لصناعتِه من غيرِ ذهبٍ أو فضة، كمعمولٍ من نُحاسٍ، وحديدٍ، وحريرٍ، وقُطْنٍ، ولا في مطعومٍ لا يُكال ولا يُوزَن، كبيْضٍ وجَوْز. (ولا) يصحُّ أنْ (يُباعَ مَكِيْلٌ بجنسِه وَزْنًا) ولو تمرةً بتمرةٍ (ولا) يُباعُ مَكِيلٌ بجنسِه (جِزَافًا (١)، ولا) يُباع (موزونٌ بجنسِه كيلًا، ولا) يُباعُ بجنسِه (جِزافًا) فلا يصحُّ بيعُ المكيلِ بجنسِه إلا كيْلًا، ولا بيعُ الموزون بجنسه إلا وَزْنًا؛ لقولِه ﷺ : "الذهبُ بالذهب وَزنًا بوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيْلًا بكَيلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ كَيلًا بكيْلٍ" رواهُ الأثرمُ من حديثِ عُبادةَ (٢)، ولأنَّ ما خُولفَ معيارُه الشرعيُّ لا يتحقَّقُ فيهِ التماثلُ، والجَهْلُ به كالعِلْمِ بالتفاضُلِ، فلو كِيْلَ المَكِيلُ الذي بِيْعَ بجنسِه وَزْنًا أو جِزافًا، أو وزِنَ الموزونُ الذي بِيْعَ بجنسِه كَيْلًا أو جِزافًا، فكانا سواء، أو كانا يعلمانِ تساويهما في المعيار الشَّرعيِّ، صحَّ. (وإن اختلفَ الجنسُ كبُرِّ بشعيرٍ) وحديدٍ بنحاسٍ (جاز) البيعُ (كَيْلًا ووَزْنًا وجِزافًا) لقولِه ﷺ : "إذا اختلفتْ هذه الأشياءُ، فبيعوا كيفَ شِئْتُم إذا كانَ يدًا بيدٍ" رواه مسلم وأبو داود (٣). والجنس ما يشملُ أنواعًا، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ، والبُرِّ والتَّمرِ، وفروعُ الأجناس كالأدِقَّةِ (٤)، والأخبازِ، والأدهانِ أجناسٌ. واللحمُ أجناسٌ باختلافِ أصوله (٥)، ولحمُ

стр. 979

ولا يصحُّ بيعُ لحمٍ بحيوانٍ من جنسِه، ولا بيعُ حَبٍّ بدقيقِه أو سويقِه، ولا نِيْئه بمطبوخِه، ولا خالصِهِ بمَشُوبهِ، الضَّأنِ والمَعزِ جنسٌ واحدٌ. ولحمُ البَقَرِ والجواميسِ جنسٌ واحدٌ. ولحمُ الإِبلِ جنسٌ، وهكذا، والشَّحْمُ، والكَبِدُ، والقلبُ، والأَلْيةُ، والطِّحال، والرِّئةُ، والكارعُ أجناسٌ؛ لأنَّها مختلفةٌ في الاسم والخِلْقة، فيجوزُ بيعُ جنسٍ منها بآخرَ متفاضلًا. (ولا يصحُّ بيعُ لحمٍ بحيوانٍ من جنسِه) لما روى مالكٌ، عن زيدِ بن أسلم، عن سعيد بن المسيّب أن النبيَّ ﷺ "نهى عن بيعِ اللَّحْمِ بالحيوان" (١). ويصحُّ بيعُ اللَّحْمِ بحيوانٍ مِنْ غيرِ جنسِه، كلَحْمِ ضَأنٍ ببقرةٍ. (ولا) يصحُّ (بيعُ حَبٍّ) كَبُرٍّ (بدقيقهِ أو سوِيقِه) لتعذُّر التساوي؛ لأنَّ أجزاءَ الحبِّ تنتشرُ بالطَّحْنِ، والنَّارُ قد أخذتْ مِنَ السَّويق. وإنْ بِيعَ الحَبُّ بدقيقٍ أو سويقٍ من غير جنسِه، صحَّ؛ لعدم اعتبارِ التَّساوي إذًا. (ولا) بيعُ (نيْئِهِ بمطبوخِه) كحنطةٍ بهَرِيستها (٢) أو بُخبز أو نَشا -بالفتح، والقَصْر، وقد يُمَدُّ- وهو ما يُعملُ منه الحلواء (٣)؛ لأنَّ النارَ تعقدُ أجزاءَ المطبوخِ، فلا يحصلُ التساوي. (ولا) بيعُ (خالصِه) أو مشُوبهِ (بمَشُوبه) (٤) كحنطةٍ فيها شعيرٌ بمثلِها أو بخالصة، إلا أن يكونَ الخَلْطُ يسيرًا. وكذا بيعُ اللَّبن بالكَشكِ (٥).

стр. 980

ولا رطبِه بيابسِه، إلَّا في العَرَايا. ويصحُّ بيعُ دقيقِه بدقيقِه إذا استويا نعومةً، وخبزِه بخبزِه إذا استويا نَشَافًا. ولا يُباعُ منزوعُ النَّوى بما فيه نَوَاه، ولا رِبَويٌّ بجنسِه ومعه أو معهما مِنْ غيرِ الجِنْسِ، كمُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ، أو بمُدَّين (ولا) بيعُ (رطبهِ بيابسِه) كبيعِ رطبٍ بتمرٍ، وعنبٍ بزبيبٍ؛ لما روى مالكٌ وأبو داود، عن سعد بن أبي وَقَّاص: أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن بيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، قال: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِس"؟ قالوا: نعم. فنَهَى عن ذلك (١). (إلا في العَرَايَا) وهي: بَيْعُ الرُّطَبِ على النَّخْلِ خَرْصًا (٢) بمثلِ ما يؤولُ إليه إذا جَفَّ كيلًا فيما دون خمسةِ أوْسُقٍ لمحتاجٍ لرطبٍ ولا ثَمنَ معه، بشَرْطِ الحلولِ والتقابضِ قبلَ تفرُّقِ، ففي نَخلٍ بتخليةٍ، وفي تَمْرِ بكَيْلٍ. ولا تصحُّ في بقيَّةِ الثِّمار، ولا زيادةُ مشترٍ ولو من عددٍ في صفقاتٍ. (ويصحُّ بيعُ دقيقهٍ) أي: الرِّبَويِّ (بدقيقهِ إذا استويا نعومةً. و) يصحُّ بيعُ (خبزِه بخبزِه إذا استويا نَشافًا) لا إن اختلفا. ويعتبر التَّماثلُ في الخبزِ بالوَزْنِ كالنَّشاف (٣)؛ لأنَّه يقدَّر به عادةً، ولا يُمكنُ كَيْله. ومثلُه العَجْوةُ إذا تجبَّلتْ، فتصيرُ موزونةً، لكن إنْ يَبِس الخبزُ ودُقَّ وصار فتيتًا، رجع إلى الكَيْلِ. (ولا يُباعُ) تَمْرٌ (منزوعُ النَوَّى بما) أي: بتَمْر (فيه نَواه) لعدمِ التَّساوي. (ولا) يُباعُ (رِبَوِيٌ بجنسهِ ومعه) أي: الرِّبويِّ (أو معهما) أي: العِوضَيْن (مِنْ غيرِ الجِنْسِ، كمُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ، أو) بَيع مدِّ عجوةٍ ودرهمٍ (بمُدَّيْن

стр. 981

منها، ويصحُّ بيعُ نوًى بتمرٍ فيه نوًى، وصوفٍ أو لبنٍ بذاتِ صوفٍ أو لبنٍ ونحوِه. ويحرُم ربا نسيئةٍ بين كلِّ مكيلَيْن أو موزونَيْن ليس أحدُهما نقدًا، ولو مِنْ جنسَيْن. منها) أي: من العَجْوةِ، وكبيعٍ مُحلًّى بِفضَّة بفضَّةٍ، أو محلًّى بذهبٍ بذهبٍ، وتسمَّى مسألةَ: مُدّ عجوةٍ ودرهمٍ؛ لأنَّها مُثِّلتْ بذلك. ونصَّ على عدمِ جوازِها؛ لما روى أبو داود عن فُضالةَ بنِ عبيد قال: أُتِيَ النبي ﷺ بقلادةٍ فيها ذهبٌ وخَرَزٌ، ابتاعها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ أو سبعة دنانير، فقال النبي ﷺ : "لا، حتَّى تميِّز بينهما" (١) فإنْ كان ما مع الرِّبويِّ يسيرًا لا يُقصَدُ، كخبزٍ فيه ملحٌ بمثلِه، فوجودهُ كعدمهِ. (ويصحُّ بيعُ نوًى بتمرٍ فيه نوًى، و) يصحُّ بيعُ (صوفٍ أو لبنٍ بـ) شاةٍ (ذاتِ صوفٍ أو لبنٍ)؛ لأنَّ النَّوَى في التَّمرِ، واللَّبنَ والصوفَ في الشاةِ، غيرُ مقصودٍ (ونحوهِ) كدارٍ مموَّهٍ سقفُها بذهبٍ، وكدرهمٍ فيه نُحاسٌ بمثلِه (٢) أو بنحاسٍ. ثمَّ أشارَ إلى النوع الثاني من نوعَي الرِّبا بقوله: (ويحرُم رِبَا نَسِيئةٍ) من النِّساء -بالمدِّ- وهو التأخير (٣). (بين كلٍّ مكيلَيْن) كبُرٍّ بشعير (أو موزونَيْن) كحديدٍ بنحاس (ليس أحدُهما) أي: الموزونَيْن (نقدًا) فإنْ كان أحدُهما نقدًا كحديدٍ بذهبٍ أو فضةٍ، جاز النَّساء، وإلا لا نْسَدَّ بابُ السَّلَمِ في الموزونات غالبًا. إلا صْرفَ فلوسٍ نافقةٍ (٤) بنقدٍ، فيشترطُ فيه الحلولُ والقَبْضُ، خلافًا لجمْعٍ، وتَبِعهم في "الإقناع" (٥). ويحرُم رِبَا النَّسيئةِ بينَ ما ذُكر (ولو من جنسَيْن) فإذا بِيعَ بُرٌّ بشعيرٍ، أو حديدٌ بنحاسٍ، اعتُبِرَ الحلولُ والتَّقابُضُ قبلَ التَّفرُّق.

стр. 982

فإنْ تفرَّقا قبلَ قبضٍ، بطلَ كالصَّرف. ويجوزُ النَّساء في بيعِ مكِيْلٍ بموزونٍ، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزنَ، كالجوزِ والبيضِ، لا بيع دينٍ بدينٍ. (فإنْ تفرَّقا قبلَ قبضٍ، بطَل) العقدُ؛ لقولِه ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيفَ شئتمْ، يدًا بِيَدٍ" (١) والمرادُ به القبضُ. (كَـ) ما يبطلُ (الصَّرْفُ) وهو بيعُ نَقدٍ بنقدٍ، بتفرُّق قبلَ قبْضٍ للعوضَيْن أو أحدِهما. وإنْ تفرَّقا قبلَ قبْضِ البَعْضِ، بَطل فيه فقط؛ لقوله ﷺ : "بِيعُوا الذَّهبَ بالفضَّة كيفَ شئتم يدًا بِيَد" (٢). ولا يضرُّ طولُ مجلسٍ مع تلازمِهما، فلو مشيَا إلى منزلِ أحدِهما مصطحِبَين، صحَّ. وقبْضُ وكيلٍ قبلَ مفارقةِ موكِّلهِ المجلسَ كقبْضِ موكِّله. ولو ماتَ أحدُهما قبلَ قبضٍ، بَطل. (ويجوزُ النِّساءُ في بيْعِ مَكيلٍ بموزون) كبُرٍّ بحديدٍ؛ لأنَّهما لم يجتمعا في أحدِ وصفَيْ علَّةِ ربَا الفَضْل، أعْني الكَيْلَ والوزنَ، أشبَه الثيابَ والحيوانَ. (و) يجوزُ النّساءُ في بيعِ (ما لا كَيْلَ فيه ولا وزنَ، كالجَوزِ والبَيْضِ) لأمرِ النبيِّ ﷺ عبدَ الله بنَ عمرو (٣) أنْ يأخذَ على قلائصِ الصَّدقةِ، فكان يأخذُ البعيرَ بالبعيريْن إلى إبلِ الصَّدقةِ. رواهُ أحمدُ والدَّارقُطْنِيُّ وصحَّحه (٤). وإذا جازَ في الجِنْسِ الواحدِ، ففي الجنسين أوْلَى. و (لا) يجوزُ (بيعُ دَيْنٍ بدَيْنٍ) حكاه ابنُ المنذرِ إجماعًا (٥)؛ لحديث "نهى النبي ﷺ

стр. 983

وتتعيَّنُ دراهمُ ودنانيرُ بتعيينٍ في العقدِ، فلا تُبدَّلُ. عن بيعِ الكالئ بالكالئِ" (١) وهو: بيعُ ما في الذِّمة بثمنٍ مؤجَّل لمن هو عليه، وكذا بحالٍّ لم يُقبضْ قبلَ تفرُّقٍ، وَجَعْلِه رأسَ مالِ سَلَم. (وتتعيَّن دراهمُ ودنانيرُ بتعيينٍ في العَقد) لأنَّها عِوَضٌ مشارٌ إليه في العَقْد؛ فوجب أنْ تتعيَّن كسائرِ الأعواض (فلا تُبدَّلَ) بل يلزمُ تسليمُها إذا طُولِبَ بها؛ لوقوع العَقْدِ على عينها.

стр. 984

وإن كانت مغصوبةً أو معيبةً من غيرِ الجنسِ، بطل. ومعيبةً من الجنس، أمسكَ أو ردَّ، ولا أرشَ إن اتَّحَدَ الجنسُ. (وإنْ كانت مغصوبةً) بطلَ العَقْدُ، كالمبيع إذا ظهر مستحَقًّا (أو) كانت (مَعيبةً من غيرِ الجنس) كما لو وَجَد الدراهمَ نحاسًا (بَطل) العقدُ؛ لأنَّه باعَه غيرَ ما سمَّى له (و) إن كانتْ (معيبةً من الجنسِ) كالوضوحِ في الذَّهب، والسَّوادِ في الفضة (أمسَك) مع العَيْبِ (أو ردَّ) به (ولا أَرْشَ) مع الإِمساك (إن اتحَّدَ الجنسُ) بأنْ تعاقدا على مِثلين، كدرهمِ فِضَّةٍ بمثله، فإن اختلف الجنسُ، كدراهمَ بدنانير، فله أخذُ الأرْشِ بالمجلس لا من جنسِ السَّليم (١)، وكذا بعدَه من غيرِ جنسِهما (٢). ويحرُم الرِّبَا بين مُسلمٍ وحَرْبيٍّ، وبدارِ حرْبٍ، لا بين سيِّدٍ ورقيقهِ.

стр. 985

باب بيع الأصول والثمار من باعَ دارًا شَمِلَ أرضَها، وبناءَها، وبابَها المنصوبَ، وسلَّمًا ورفًّا منصوبَيْن، وخابيةً مدفونةً، دون حبلٍ، ودلوٍ، وبَكْرةٍ، ومفتاحٍ، وكنزٍ، ونحوِها، وأرضًا شملَ غراسَها وبناءها، وإنْ لم يقلْ: بحقوقِها. باب بيع الأصولِ والثمارِ الأصولُ: جمعُ أصلٍ، وهو ما يتفرَّعُ (١) عليه غيرُه، والمرادُ به هنا: دُورٌ وأرضٌ وشجرٌ. والثَّمارُ: جمعُ ثمرٍ، كجبَلٍ وجبالٍ، وواحدُ الثَّمرِ: ثَمَرَةٌ. (من باعَ دارًا) أو وهبَها، أو وقفَها، أو أقَرَّ، أو أوصَى بها (شَمِلَ) العَقْدُ (أرضَها) التي يصحُّ بيعُها، بخلافِ نحوِ سَوَادِ العراقِ، فلا، قاله في "المبدع" (٢) و "شرح المنتهى" (٣)، قال المصنِّفُ (٤): وظاهرُ ما تقدَّمَ من صِحَّةِ بيعِ المساكنِ خلافُه. انتهى. وقد يقالُ: تصريحُهم هنا بالقيدِ قرينة على أنَّ المرادَ بالمساكنِ -فيما تقدَّمَ- مجرَّدُ البناءِ دونَ الأرضِ، فلا مخالفةَ. (و) شَمِلَ (بناءَها) وسقفَها؛ لأنَّهما داخلان في مُسمَّى الدار (و) شَمِلَ (بابَها المنصوبَ) وحَلْقَتَه (و) شَمِلَ (سُلَّمًا ورَفًّا منصوَبين وخابِيَةً مدفونةً) ورحًى منصوبةً؛ لأنَّه متَّصلٌ بها لمصلحتها، أشبهَ الحيطان. وكذا معدِنٌ جامدٌ، وما فيها من شجرٍ وعُرُشٍ (دونَ) ما هو منفصلٌ منها كـ (حبلٍ، ودَلْوٍ، وبَكْرةٍ ومفتاحٍ، و) دونَ ما هو مودَعٌ (٥) فيها من (كَنزٍ) أي: مالٍ مدفونٍ (ونحوِها) أي: المذكوراتِ، كحجرٍ مدفونٍ وقُفُلٍ وفُرُشٍ. (و) من باعَ (أرضًا) أو وهبَها، أو وقفَها أو رهنَها، أو أقرَّ، أو أوصى بها (شَمِلَ) العقدُ (غِراسَها وبناءَها، وإنْ لم يقلْ: بحقوقِها) لاتِّصالِهما بها، وكونِهما من حقوقِها
следующие страницы →