← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فصل ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ ويطوفُ طوافَ الإفاضةِ بالنيَّة، عالمًا؛ لما رَوى سعيد عن عطاء، أن النبي ﷺ قال: "مَن قدمَ شيئًا قبلَ شيءٍ، فلا حَرَجَ" (١). ويحصلُ التحلُّلُ الأوَّلُ: باثنينِ من رمْي وحَلقٍ وطوافٍ، والثَّاني: بما بقيَ مع سعيٍ. ثُمَّ يخطُبُ الإمامُ بمنًى يومَ النَّحرِ خُطبةً، يفتتحُها بالتَّكبيرِ، يُعلمُهم فيها النَّحرَ والإفاضةَ والرميَ. فصل (ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ، ويطوف طواف الإفاضةِ) ويُقالُ (٢): طواف الزيارةِ، ويعينُ كونه طوافَ الإفاضةِ (بالنيَّةِ) وجوبًا، وهو رُكن لا يتم حجه إلَّا به. فظاهرُه أن المفرِدَ والقارنَ لا يطوفانِ للقدومِ، ولو لَم يكونا دخلا مكَّةَ قبلَ ذلك. وكَذا المتمتع يطوفُ للإفاضةِ فقط، كمن دخلَ المسجدَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، فإنَّه يكتفي بها عن تحيَّةِ المسجدِ، واختارَه الموفقُ (٣)، والشَّيخُ تقي الدينِ (٤)، وابنُ رجبٍ (٥). ونصّ الإمام (٦) -واختارَه الأكثرُ- أن القارنَ والمفرِدَ إنْ لم يكونا دَخلاها قبلُ، يَطوفان للقدومِ برَمَلٍ واضطباعٍ، ثُمَّ للإفاضة، وأن المتمتعَ يطوف للقدوم بلا رَملٍ ولا اضطباعٍ ثم للإفاضة.

стр. 912

وأوَّلُ وقتِه: مِنْ نِصْفِ ليلةِ النَّحرِ، وسُنَّ في يومِه، وله تأخيرُه، ثم يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ومَنْ لمْ يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ. ثُمَّ قدْ حلَّ له كل شيءٍ، ويشربُ من ماءِ زَمْزَمَ لما أحبَّ، ويتضلَّعُ منه، ويقولُ: بسم اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا عِلمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، ورِيًّا وشِبَعًا (١)، وشِفاءً من كلِّ داءٍ، واغسلْ به قلبي، واملأهُ من خَشيتِكَ. (وأَوَّل وقته) أي: وقتِ طوافِ الإفاضةِ (من نصفِ ليلةِ (٢) النَّحرِ) لمن وقفَ قَبلَ ذلك بعرفاتٍ، وإلَّا، فبعدَ الوقوفِ. (وَسُنَّ) فعلُه (في يومِه، وله تأخيرُه) أي: الطَّوافِ من أيَّامِ منًى؛ لأنَّ آخرَ وقتِه غيرُ محدودٍ كالسَّعي. (ثُمَّ يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمرْوة) لحجِّه؛ لأنَّ سعيَهُ الأوَّلَ كانَ لِعُمرتِه (و) يَسعى (مَنْ لم يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ) مِن مُفرِدٍ وقارنٍ، ومَن سعى منهما، لم يُعِده؛ لأنَّه لا يستحبُّ التَّطوعُ به كسائرِ الأنساكِ، إلَّا الطَّوافَ؛ لأنَّه صلاةٌ (ثُمَّ قد حلَّ له كلُّ شيءٍ) حتَّى النِّساء، وهذا هو التحلُّل الثَّاني. (ويشربُ من ماء زَمْزَمَ لما أحبَّ ويتضلَّعُ (٣) منه) وَيرُشُّ على بَدَنِه وثوبِه، ويستقبلُ القِبلةَ، ويتنفَّسُ ثلاثًا (ويقولُ: بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا علمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، وريًّا وَشِبَعًا، وَشِفاءً من كل داءٍ، واغسل به قلبي، واملأه من خَشيتِكَ) زادَ بعضُهم: "وحكمتِك"؛ لحديثِ جابرٍ: "ماءُ زمزمَ، لما شُربَ له" رواهُ ابنُ ماجه (٤). وهذا الدعاءُ شاملٌ لخَيري الدُّنيا والآخرة.

стр. 913

فصل ثُمَّ يرجعُ فيبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ، ويرمي الجَمَراتِ أيَّامَ التَّشريقِ، فيبدأ بالأولى، وتلي مسجدَ الخَيْفِ بسبعِ حصَيَاتٍ، ويجعلُها عن يسارهِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو طويلًا، ثم الوسطى، ويجعلُها عن يمينه، فيرميها بالسَّبْعِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو، ثُمَّ جمرة العقبةِ، ويجعلُها عن يمينه، ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ في اليومِ الثَّاني والثالث بعدَ الزَّوالِ، ويستقبلُ القبلةَ. فصل (ثُمَّ يرجعُ) من مكَّةَ بعدَ الطَّوافِ والسَّعي (فـ) يُصلِّي ظهرَ يومِ النًّحرِ بِمنًى، و (يبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ) إن لم يتعجَّل، وليلتينِ إنْ تعجَّلَ في يومينِ. (ويرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامَ التَّشريقِ، فَيبدأُ بما رَمي الجَمرَةِ (الأولى، وتلي مسجدَ الخَيفِ (١)) فيرمِيها (بسبع حصيَاتٍ) متعاقباتٍ، يفعلُ كما تقدَّمَ في جَمرةِ العقبةِ. (ويجعلُها) أي: الجمرةَ (عن يسارِه، ويتأخَّرُ قليلًا) بحيثُ لا يُصيبُه الحصى (ويدعُو طويلًا) رافعًا يَدَيه. (ثُمَّ) يأتي الجَمرَة (الوسطى ويجعلُها) أي: الوسطى (عن يمينه، فيرميها بـ) الحَصَياتِ (السَّبع، ويتأخَّرُ قليلًا ويدعُو) طويلًا. (ثُمَّ) يرمي (جمرةَ العقبةِ) بسبع كذلك (ويجعلُها عن يمينه) (ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ) ما تقدَّمَ من رميِ الجمارِ الثَّلاثِ على التَّرتيبِ والكيفيةِ المذكورَين (في اليوم الثَّاني والثَّالثِ) من أيَّامِ التشريقِ. ولا يُجزئُ الرَّمي في الأيَّامِ الثلاثةِ إلَّا (بعدَ الزَّوالِ) فلا يُجزئُ قبلَه، ولا ليلًا لغيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ. والأفضلُ: الرَّميُ قبلَ صلاةِ الظهر (ويستقبلُ القبلةَ) في الكلِّ.

стр. 914

وإنْ رماه في الثَّالثِ، أجزأه (١) أداءً، ويرتِّبه بالنيَّةِ، وإنْ أخَّره عنها، أو لم يَبِتْ بها، فَدمٌ، ومَنْ تعجَّل في يومينِ، خرجَ قبلَ الغُروبِ، وسقطَ عنه رميُ اليومِ الثَّالثِ، وَيدْفِنُ حَصاهُ نَدْبًا. وإذا أرادَ الخروجَ من مكَّةَ، ودَّعَ البيتَ بالطَّوافِ، (وإن رماه) أي: الحصى السَّبعين كلَّه (في) اليومِ (الثَّالثِ) منْ أيَّامِ التَّشريقِ (أجزأَه) الرَّميُ، ويكونُ (أَداءً) لأنَّ أيَّامَ التَّشريقِ كلَّها وقتُ الرَّمي. (ويرتِّبُه) وجوبًا (بالنِّيَّةِ) فيرمي لليومِ الأوَّلِ بنيَّتِه، ثُمَّ للثَّاني، وَهكذا كفوائت الصَّلاةِ. (وإن أخَّره) أي: الرميَ (عنها) أي: من أيَّامِ التَّشريقِ، فعليهِ دَمٌ (أو لم يَبِت بها) أي: بمنًى؛ أي: فيها (فـ) عليهِ (دمٌ) لأنَّه تَرَكَ نُسكًا واجبًا. ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ. ويخطُبُ الإمامُ ثانيَ أيَّامِ التَّشريقِ خُطبة يعلِّمهم فيها حُكمَ التَّعجيلِ والتأخيرِ والتَّوديعِ. (ومن تعجَّل في يومينِ) بأن أرادَ النَّفرَ من منًى في ثاني أيَّامِ التَّشريقِ (خرجَ قبلَ الغروبِ) ولا إثمَ عليه (وسقط عنه رمي اليوم الثَّالثِ، ويَدفِنُ حصاه) أي: حصى الثَّالثِ (نَدْبًا) وفُهِمَ منهُ أنَّه إذا لم يخرج قبلَ الغُروبِ، لزمَهُ المبيتُ والرَّمي مِنَ الغدِ بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ عمرَ ﵁: من أدركه (٢) المساءُ في اليوم الثَّاني، فليُقِم إلى الغدِ، حتَّى ينفرَ مع النَّاسِ (٣). (وإذا أَرادَ الخروجَ من مكَّةَ) بعدَ عودِه إِليها (ودَّع البيتَ بالطَّواف) وجوبًا، إِذا

стр. 915

ويسقط عن حائضٍ. وإنْ أقامَ أو اتَّجَر بعدَه، أعادَه، ومَنْ تركَه، رجعَ إليه إنْ لم يشقَّ، فإن لم يفعلْه، فعلَيْه دمٌ. ويقفُ بالملتزَمِ بين الركنِ والبابِ ملصقًا جميعَه، ويدعُو فيقول: فرغَ مِنْ جميعِ أمورِهِ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: أمِرَ النَّاسُ أن يكونَ آخر عهدِهم بالبيتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المرأةِ الحائض. متَّفق عليه (١)، ويُسمَّى طوافَ الصَّدَرِ (٢). (ويسقط) طواف الوداعِ (عن حائضٍ) ونُفساءَ؛ لما تقدَّم. (وإنْ أقامَ) بعدَ طوافِ الوداع (أو اتَّجَر بعدَه، أعاده) إذا عَزمَ على الخروجِ وفرغَ من جميعِ أموره؛ ليكونَ آخرَ عهدِه بالبيتِ، كما جرت العادةُ في توديعِ المسافرِ أهلَه وإخوانَه. (ومَن تركَه) أي: طواف الوداعِ غيرَ حائضٍ ونُفساءَ (رجعَ إليه إن لم يشقَّ) عليه الرُّجوعُ بلا إحرامٍ، إنْ لم يبعد من مكَّةَ، وإلَّا، أحرمَ بعُمرةٍ، فيطوفُ وَيَسعى للعمرةِ، ثُمَّ يطوفُ للوداعِ. (فإن لم يفعله (٣)) أي: لم يرجِع، أو شقَّ الرُّجوعُ على مَن بعدَ عن مكَّةَ دونَ مسافةِ قَصرٍ، أو بعُدَ عنها مسافة قَصرٍ -ولا يلزمُه الرُّجوعُ إذًا- (فعليه دَمٌ) لتركهِ نُسُكًا واجبًا. (ويقفُ) غيرُ حائضٍ ونُفساءَ بعد الوداعِ (بالملتزم) وهو مقدارُ أربعةِ أذرعٍ (بينَ الرُّكنِ) الذي به الحجرُ الأسودُ (والباب) (٤) حالَ كونه (ملصقًا) به (جميعه) وجهَهُ، وصدرَهُ، وذراعيهِ، وكفيهِ مبسوطَتينِ (ويدعُو) بما وردَ (فيقول) وهو على هذهِ الحالِ:

стр. 916

اللَّهمَّ هذا بيتُكَ، وأنا عبدُكَ، وابنُ عبدِكَ، وابنُ أمتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقِكَ، وسيَّرتني في بلادِكَ حتَّى بلَّغتني بنعمتِكَ إلى بيتِكَ، وأَعنتني على أداءِ نُسُكي، فإنْ كنتَ رضِيتَ عنِّي، فازددْ عنِّي رِضًا، وإلَّا، فمُنَّ الآنَ قبلَ أن تنأى عن بيتِكَ داري، وهذا أوانُ انصِرافي غير مستبدِلٍ بكَ ولا ببيتِكَ، ولا راغبٍ عنكَ، ولا عن بيتكَ، اللَّهمَّ فأصْحِبْنِي العافيةَ في بدني، والصِّحةَ في جسمي، والعِصمةَ في ديني، وأحسِن مُنقَلبي. وارزُقني طاعتَكَ ما أبقيتني، واجمعْ لي بين خَيْرَي الدُّنيا والآخرةِ، إنَّكَ على كل شيءٍ قديرٌ. ويدعو بما أحبَّ، ويصلِّي على النَّبيّ ﷺ ، (اللّهمّ هذا بيتُكَ، وأنا عبدُكَ وابنُ عبدِك وابنُ أمتكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقِكَ، وسيَّرتني في بلادِكَ حتَّى بلَّغتني بنعمتكَ إلى بيتكَ، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإنْ كنتَ رضِيتَ عني، فازدد عنِّي رضًا، وإلَّا فمُنَّ الآنَ) -بضمِّ الميمِ وتشديدِ النُّون -فِعْلُ أمْرِ مِن مَن يَمُنُّ للدُّعاءِ (١)، ويجوزُ كسرُ الميمِ على أنَّها حرف جرٍّ لابتداءِ الغاية. والآنَ: الوقتُ. (قبلَ أَنْ تنأى) أي: تبعدَ (٢) (عن بيتِكَ داري، وهذا أَوانُ انصِرافي) إنْ أذِنتَ لي (غير مستبدِلٍ بكَ ولا ببيتكَ، ولا راغبٍ عنكَ ولا عن بيتِكَ، اللّهمّ فأصحِبني) بقطعِ الهمزةِ (العافيةَ في بدني، والصحةَ في جسمي، والعِصمةَ) أي: المنعَ مِنَ المعاصي (٢) (في ديني، وأَحسِن (٣) مُنْقلبي، وارزقني طاعتكَ ما أبقيتَني، واجمع لي بين خَيرَي الدُّنيا والآخر، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ) (٤). (ويدعُو) بعدَ ذلك (بما أحبَّ، ويصلِّي على النبي ﷺ ).

стр. 917

ويقول في انصرافِه: اللَّهمَّ لا تجعلْهُ آخرَ العَهْدِ. وتدعو حائضٌ ببابِ المسجدِ. وتستحبُّ زيارةُ قبرِ النَّبيّ ﷺ وقبرِ صاحبَيْه حتَّى لنساءٍ. ويأتي الحطِيمَ أيضًا -وهو تحتَ الميزابِ- فيدعُو ثُمَّ يشربُ من ماءِ زمزمَ، ويستلمُ الحَجَرَ. ثمّ يخرجُ (ويقول في انصرافِه: اللّهمّ لا تجعلْهُ آخرَ العَهدِ. وتدعو حائضٌ) ونُفساءُ (ببابِ المسجدِ) بالدُّعاءِ السَّابقِ. (وتُستحَبُّ زيارةُ قبرِ النبي ﷺ ، وقبرِ صاحبيهِ) أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ (حتَّى لنساءٍ) فتُسنُّ لهنَّ الزِّيارةُ؛ لحديثِ: "من حجَّ، فزارَ قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" رواهُ الدارَقطنيُّ (١). فيُسلِّمُ عليه مُستقبلًا له، ثُمَّ يستقبل القِبلةَ، ويجعلُ الحجرةَ عن يساره، ويدعو بما أحبَّ. وَيحرُمُ الطَّوافُ بها. وكرِهَ التَّمسُّحُ بها ورفْعُ الصَّوتِ عندَها. وإذا أدارَ وجهَهُ إلى بلدِه قال: لا إله إلَّا اللهُ، آيبُونَ، تائبون، عابدونَ، لِربَّنا حامدونَ، صَدَقَ اللهُ وَعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزَم الأحزابَ وحدَه (٢).

стр. 918

فصل صفةُ العمرةِ: أن يُحرِمَ بها من الحِلِّ، والأفضلُ من التَّنعيمِ، ثُمَّ يطوفُ، وَيسعى، ويحلقَ أو يقصِّرَ، وتصحُّ كلَّ وقتٍ، وتجزئُ عن عُمرةِ الإسلام. وأركانُ الحجِّ: إحرام، ووقوفٌ بعرفةَ، فصل (١) (صفةُ العُمرةِ: أن يحرِمَ بها) من الميقاتِ، إذا كان مارًّا به، أو (من الحِلِّ) إذا كانَ بمكَّةَ، وأي موضعٍ من الحِلّ أحرمَ منه بها، جازَ (والأفضلُ) أن يُحرِمَ بها (من التَّنعيمِ) لأمرِه ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بكرٍ أن يُعمِرَ عائشةَ من التَّنعيمِ (٢). ويحرِمُ من الحَرمِ، وينعقدُ، وعليه دَمٌ. (ثُمَّ) بعدَ إحرامهِ بالعُمرةِ (يطوف، وَيسعَى، ويَحلِق أو يقصِّر) فيحلُّ؛ لإتيانهِ بأفعالها. (وتَصَحُّ) العُمرةُ (كلَّ وقتٍ) فلا تُكرَه بأشهرِ الحجِّ، ولا يومَ النَّحرِ، أو عرفةَ. ويُكرهُ الإكثارُ والموالاةُ بينها باتفاقِ السَّلفِ. قاله في "المبدع" (٣). ويُستحبُّ تَكرارُها في رمضان؛ لأنَّها تعدِلُ حَجَّةً (وتُجزئُ) العُمرةُ من التَّنعيمِ، وعُمرةُ القارنِ (عن عُمرةِ الإسلامِ) التي هي الفرضُ. (وأركانُ الحج) أربعةٌ: (إحرامٌ) وتقدَّمَ أنَّه نيَّةُ الدُّخولِ في النُّسكِ؛ لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ" (٤). (ووقوف بعرفة) لحديثِ: "الحجِّ عرفة" (٥).

стр. 919

وطوافُ إفاضةٍ، وسَعْيٌ. وواجباتُه: إحرامٌ من ميقاتٍ، ووقوفُ مَنْ وقفَ بعرفةَ نهارًا إلى الغروبِ، والمبيتُ بمزدلفةَ إلى نصفِ اللَّيلِ، وبمنًى لياليَ أيَّام التَّشريقِ على غير سُقاة (١) ورُعاة، والرَّميُ مرتبًا، وحَلْقٌ أو تقصيرٌ. والباقي سُنَنٌ. (وطواف إفاضةِ) لقولهِ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. (وسَعْيٌ) لحديثِ: "اسعَوْا؛ فإنَّ اللهَ كتبَ عليكم السَّعيَ" رواهُ الإمامُ أحمد (٢). (وواجباتُه) سبعة: (إحرامٌ من ميقاتٍ) معتبر له، وتقدَّمَ (ووقوفُ مَن وقفَ بعرفةَ نهارًا إلى الغروب) ليجمعَ واقفُ النَّهارِ بينَ جُزءٍ من النَّهارِ وجُزءٍ من اللَّيلِ، ولو قال: ووقوفُ من وقفَ نهارًا جزءًا من اللَّيلِ. لكان أظهرَ، وأمَّا من وقفَ ليلًا فقط، فلا واجبَ عليه. (والمبيتُ بمُزدلفةَ) على غيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ (إلي) بعد (نصفِ اللَّيلِ). (و) المبيتُ (بمنًى لياليَ أيَّامِ التَّشريقِ) على ما مرَّ (٣) (على غيرِ سُقاة ورُعاةٍ. والرَّميُ مرتَّبًا وحَلْقٌ، أو تقصيرٌ) والوداعُ. (والباقي) من أفعالِ حجّ وأقوالهِ السَّابقةِ (سُنَنٌ) كطوافِ القُدومِ، والمبيتِ بمنًى

стр. 920

وأركانُ عُمرةٍ: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ. وواجبُها (١): حَلْقٌ أو تقصيرٌ، وإحرامٌ من الحِلِّ. فمَنْ تركَ الإحرامَ، لم ينعقدْ نُسكُه. ورُكنًا غيرَه، لم يتمَّ إلَّا به. وواجبًا ولو عمدًا، فدمٌ، ونُسكُه صحيحٌ. وسُنَّةً، فلا شيءَ عليه. فصل ليلةَ عرفةَ، والاضطباعِ والرَّملِ في موضِعهما، وتقبيلِ الحَجَرِ، واستلامِ (٢) اليمانيِّ من غيرِ تقبيلٍ، والأدعيةِ ونحوِ ذلك. (وأَركانُ عُمرةٍ) ثلاثةٌ: (إحرامٌ، وطوافٌ، وسعْيٌ) كالحجِّ (٣) (وواجبُها: حَلْقٌ أو تقصيرٌ، وإحرامٌ من) الميقاتِ أو (الحِلِّ) على ما تقدَّم. (فمن تركَ الإحرامَ، لم ينعقدْ نُسكُه) حَجًّا كان أو عُمرةً، كالصَّلاة لا تنعقدُ إلَّا بالنِّيَّةِ. (و) مَن تركَ (رُكنًا غيرَه) أي: غيرَ الإحرام، أو تركَ نيَّته (٤) حيثُ اعتبرت (لم يتمَّ) نُسكُه (إِلَّا به. و) من تركَ (واجبًا ولو عمدًا، فـ) عليه (دمٌ، ونُسكُه صحيحٌ) فإنْ عدم الدَّمَ، فَكَصومِ المتعةِ (٥) (و) من تركَ (سُنَّةً، فلا شيءَ عليه) كالصَّلاةِ وأَولى. فصلٌ الفَواتُ: سَبْقٌ لا يُدرَكُ. والإحصارُ: الحبْسُ (٦)

стр. 921

ومَنْ طلعَ عليه فجرُ يوم النَّحرِ ولم يقفْ بعرفةَ، فاتَه الحجُّ، وتحلَّلَ بعمرةٍ إنْ شاء، ويقضي ويهدِي إن لم يشترطْ، ومَنْ صدَّه عدوٌّ عن البيتِ، (و) قد أشارَ إلى الأَوَّلِ بقولهِ: (من طلعَ علبه فجرُ يوم النَّحرِ ولم يقفْ بعرفةَ، فاته الحجُّ) لقولِ جابرٍ: لا يفوتُ الحجُّ حتَّى يطلعَ الفجرُ من ليلة جَمْعٍ (١). قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رواه الأثرمُ، وتقدَّم (٢). (وتحلَّلَ بعمرةٍ) فيطوفُ، ويَسعى، ويحْلق أو يقصِّر (إنْ شاءَ) بأنْ لم يختر البقاءَ على إحرامهِ ليحجَّ مِنْ قابلٍ. (ويقضي) الحجَّ الفائتَ (ويهدي) هديًا يذبحُه في قضائِهِ (إنْ لم يشترطْ) في ابتداءِ إحرامهِ؛ لقول عمرَ ﵁ لأبي أيوب لمَّا فاتَه الحجُّ: اصنعْ ما يصنعُ المعتمرُ، ثمَّ قد حلَلتَ، فإذا أدركتَ الحجَّ قابلًا، فحُجَّ وأهدِ ما استيسر مِنَ الهدْي. رواه الشَّافعيُّ ﵁ (٣). والقارِنُ وغيرُه سواءٌ، فإنِ اشترَطَ بأنْ قال في ابتداءِ إحرامِه: وإنْ حبسَني حابسٌ، فمحِلِّي حيثُ حبستني. فلا هَدْيَ عليه ولا قضاءَ، إلَّا أنْ يكونَ الحجُّ واجبًا، فيؤديه. وإنْ أخطأ النَّاسُ، فوقفُوا الثَّامنَ أو العاشرَ، أجزأهم، وإن أخطأ بعضُهم (٤)، فاتَه الحجُّ. وأشارَ إلى الثَّاني بقوله: (ومن صدَّه) أي: منعَه (عدوٌّ عن البيتِ) ولمْ يكن له

стр. 922

أهدى، فإنْ لم يجدْ، صام عشرةَ أيَّامٍ بالنِّيَّة، ثمَّ حلَّ، وإن حصَره مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ، بقي مُحرِمًا إن لم يكنْ اشترطَ. طريقٌ إلى الحج (أهدى) أي: نَحَر هديًا في موضِعه (فإنْ لم يجدْ) هديًا (صام عشرةَ أيَّامٍ بالنِّيَّة) أي: نيَّةِ التَّحلُّلِ (ثمَّ حلَّ) ولا إطعامَ في الإحصارِ. وظاهرُ كلامِه -كالخرقيِّ وغيره- عدمُ وجوبِ الحلْقِ أو التَّقصيرِ، وقدَّمه (١) في "المحرر". وإن صُدَّ عن عرفةَ دون البيتِ، تحلَّلَ بعُمرةٍ. وإن أُحصرَ عنْ طوافِ الإفاضةِ فقط، لم يتحلَّلْ حتى يطوفَ. وإن أُحصِرَ عن واجبٍ، لم يتحلَّل وعليه دمٌ. (وإن حصَره مرضٌ، أو ذهابُ نفقهٍ) أو ضلَّ الطَّريقَ (بقيَ مُحرمًا) حتى يقدرَ على البيتِ؛ لأَنَّه لا يستفيدُ بالإحلالِ التخلُّصَ من أذاه، بخلافِ حَضرِ العدوِّ، فإنْ قدرَ على البيتِ بعد فواتِ الحجِّ، تحلَّلَ بعُمرةٍ، ولا ينحرُ هديًا معه إلَّا بالحَرَمِ، هذا (إن لم يكن اشترطَ) في ابتداءِ إحرامِه أنَّ محِلِّي حيثُ حبستني. فإن اشترط، فله التَّحلُّلُ مجانًا في الجميع.

стр. 923

باب الهدي والأضحية أفضلُها: إبلٌ، ثمَّ بقرٌ، ثمَّ غنمٌ، ولا يجزئُ دونَ جَذَعِ ضأنٍ؛ ما له سِتَّةُ أشهرٍ، أو ثَنيّ غيرِه، فمِنْ مَعْزٍ ما له سَنَةٌ، [ومن بقرٍ ما له سنتان] (١)، ومن إبلٍ ما له خمس. بابٌ الهديُ والأُضحيةُ والعقيقةُ الهَديُ: ما يُهدى للحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها (٢)، سُمِّي (٣) بذلك؛ لأنَّه يُهدى إلى اللهِ تعالى. والأُضْحيةُ -بضمِّ الهمزةِ وكسرِها- واحدةُ الأَضاحي (٢): ما يُذبحُ منْ إبلٍ وبَقرٍ وغنمٍ أهليَّةٍ أيَّامَ النَّحرِ؛ بسببِ العيدِ تقرُّبًا إِلى الله تعالى. وأجمع المسلمون على مشروعيَّتها (٤). (أفضلُها: إبلٌ، ثمَّ بقرٌ) إنْ أخرَجَ كاملًا (٥)؛ لكثرةِ الثَّمنِ، ونفعِ الفقراءِ (ثمَّ غنمٌ) وأفضلُ كلِّ جنسٍ أسمنُ، فأغلى ثمنًا؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فأشهبُ: وهو الأَملحُ، أي: الأَبيضُ، أو ما بياضه أكثرُ من سوادِه (٦)، فأصفرُ، فأسودُ. (ولا يُجزئُ) في هَذي واجبٍ ولا أُضحيةٍ (دون جَذعِ ضأنٍ) وهو (ماله سِتَّةُ أشهرٍ، أو ثَنيّ غيرهِ) أي: غيرِ الضَّأنِ من إبلٍ، وبقرٍ، ومَعزٍ (فـ) الثَّنيُّ (من مَعْز ماله سنةٌ، و) الثَّنيُّ (من بقر ماله سنتان، و) الثَّنيُّ (من إبل ماله خمسٌ) سنين.

стр. 924

وتُجزئُ شاةٌ عن رجلٍ وأهل بيتِه، وبدنةٌ أو بقرةٌ عن سبعةٍ، ولا تُجزئُ عوراءُ، ولا عرجاءُ بيِّنتهما، ولا عَجْفاءُ، ولا هَتْماء، ولا جدَّاءُ، ولا مريضةٌ مرضًا يضرُّ بلحمٍ، (وتُجزئُ شاةٌ عن رَجلٍ وأهل بيته) وعيالِه؛ لحديث أبي أيوبٍ: كانَ الرَّجلُ في عهدِ رسول الله ﷺ يُضَحِّي بالشَّاةِ عنه وعن أهلِ بيته، فيأكلونَ ويطعمونَ (١). قال في "شرح المقنع" (٢): حديثٌ صحيحٌ. (و) تُجزئُ (بَدَنةٌ أو بقرةٌ عن سبعةٍ) لقولِ جابرٍ: أمرنا (٣) رسول الله ﷺ أنْ نشتركَ في الإِبلِ والبقرِ كلُّ سبعةٍ في واحدٍ منها. رواه مسلم (٤). وشاةٌ أفضلُ من سُبْعِ بَدَنةٍ أو بقرةٍ. (ولا تُجزئُ) في هَدي واجبٍ أَو أُضحيةٍ (عوراءُ ولا عرجاء بيِّنتهما) أي: ظاهرةُ العَورِ، بأن انخسفت عينُها، بخلافِ قائمةِ إحدى العينَين مع بياضِها والأُخرى صحيحةٌ، فتُجزئُ، وظاهرةُ العَرَجِ، بأنْ لا تطيقَ مشيًا مع صحيحةٍ (ولا عجفاءُ): وهي الهزيلةُ التي لا مُخَّ فيها (٥) (ولا هَتماءُ): وهي التي ذهبت ثناياها من أصلِها (٦) (ولا جدَّاءُ) بتشديدِ الدَّالِ المهملةِ: وهي ما شابَ ونشف ضرعُها (٧) (ولا مريضةٌ مرضًا يضرُّ بلحمٍ) لحديثِ البراءِ بن عازبٍ: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ فقالَ: "أربعٌ لا تجوزُ في الأَضاحي: العوراءُ البيِّنُ عورُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّن ظَلَعُها، والعجفاءُ التي لا تُنْقي". رواه أبو داود والنسائي (٨).

стр. 925

ولا عضباءُ، وتجزئُ بتبراءُ، وجَمَّاءُ، وخَصِيٌّ غيرُ مجبوبٍ، وما قُطِعَ نصفُ أُذنِه أو قَرْنِه فأقلّ. وتُنحرُ الإِبلُ، ويُذبحُ غيرُها على جنبِه الأيسرِ، (ولا عضْباءُ): وهي التي ذهبَ أكثرُ أُذنِها أو قَرْنِها (١). (وتُجزئُ بتراءُ) لا ذَنَبَ لها خِلْقةً، أو مقطوعًا (و) تُجزئ (جمَّاءُ) لا قَرنَ لها (٢)، أولا أُذنَ لها خِلقةً (و) يُجزئ (خَصِيٌّ غيرُ مجبوبٍ) بأنْ قُطعتْ خُصْيتاه فقط (٣)، وفُهِمَ منه أنَّه لا يُجزئ مجبوبٌ: وهو ما قُطِعَ ذكرهُ مع أنثييه (٤). وكذا يُجزئ ما ذهب نصفُ أَليتِه فأقلّ، لكنْ مع الكراهةِ، كما ذكره المصنِّفُ. (و) يُجزئ مع الكراهةِ (ما قُطعَ) أو خُرِقَ، أو شُقَّ (نصفُ أُذنهِ أو قَرْنِه فأقلّ) مِنَ النِّصفِ. (وتُنحرُ الإبلُ) قائمةً معقولةً يدُها اليُسرى نَدْبًا؛ بأنْ يطعنها بحربةٍ، أو نحوِها في الوَهْدَةِ التي بينَ أصلِ العنقِ والصَّدرِ؛ لِفعله ﷺ وفِعلِ أصحابهِ، كما رواه أبو داود (٥). (ويُذبحُ) ندْبًا (غيرُها) أي: غيرُ الإبلِ (على جنبهِ الأَيسرِ) مُوَجَّهًا إلى القِبلةِ.

стр. 926

ويقولُ: بسم الله، واللهُ أكبرُ، هذا منكَ ولكَ. ويتولَّاها صاحبُها أو يُوكِّل ويَحْضُرُها. ووقتُ ذبح: بعدَ صلاةِ عيدٍ، أو قدرِها مع يومين بعدَه. فإنْ فاتَ، قضى الواجبَ. (ويقولُ) حينَ يحرِّكُ يدَه بالنَّحرِ، أو الذَّبحِ: (بسم الله) وجوبًا (واللهُ أكبرُ) نَدْبًا اللَّهمَّ (هذا منكَ ولكَ) ولا بأسَ بقولهِ: اللَّهمَّ تقبَّلْ من فلانٍ، ويذبحُ واجبًا قبلَ نَفْلٍ. (ويتولَّاها) أي: الأُضحيةَ (صاحبُها) إنْ قدرَ (أو يُوَكِّلُ) مسلمًا نَدْبًا (ويَحْضُرُها) وقتَ الذَّبحِ. وإن استنابَ ذمِّيًّا في ذبحها، أجزأتْ مع الكراهةِ. (ووقتُ ذبحِ) أُضحيةٍ، أو هَديِ نَذْرٍ، أو تطوُّعٍ، أو مُتعةٍ، أو قِرانٍ (بعدَ صلاةِ عيدٍ) بالبلدِ، فإن تعدَّدتْ، فبأسبقَ (أو) بعد (قدرِها) أي: الصَّلاةِ، لمن لم يُصَلِّ، فإن فاتت بالزَّوالِ، ذبحَ بقيَّةَ يومِ العيدِ (مع يومين بعدَه) أي: بعدَ يومِ العيدِ. قال الإمامُ أحمد ﵁: أيامُ النَّحرِ ثلاثةٌ، عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ رسول الله ﷺ (١). والذَّبحُ في اليوم الأَوّلِ، عَقِبَ الصَّلاةِ والخُطبةِ، وذبحُ الإمامِ أفضلُ (٢). ثُمَّ ما يليه (٣)، ويُكرَهُ في ليلتِهما. (فإنْ فاتَ) وقتُ الذَّبحِ (قضى الواجب) وفعلَ به كالأداءِ وسقطَ التَّطوُّعُ؛ لفواتِ وقتِه. ووقتُ ذبحٍ واجبٍ بفعلٍ محظورِ من حينهِ، فإنْ أرادَ فعلَه لِعذرٍ، فله ذبحُه قبلَه، وكذا ما وجبَ لِتركِ واجبٍ، يدخلُ وقتُه مِنْ تركِه.

стр. 927

فصل ويتعيَّنان بقولِه: هذا هديٌ، أو: أضحيةٌ، أو: للهِ، وبنذرِه، فلا تباعُ، ولا توهب (١) بل تُبدَل بخيرٍ منها. ويجزُّ صوفها ونحوه لِنفعِها، ويتصدَّقُ به، ولا يُعطَى جازِرُها بأجرتِه منها، ولا يُباعُ جلدُها، ولا شيءٌ منها، بل يُنتفعُ به. فصل (ويتعيَّنان) أي: الهَدْيُ والأُضحيةُ (بقولِه: هدا هدْيٌ، أو: أُضحيةٌ، أو) هذا (للهِ) لأنَّه لفظٌ يقتضي الإيجابَ، فترتَّبَ عليه مُقتضاه. وكذا يتعيَّنُ بإشعارِه أو تقليدِه (٢) بنيَّته، لا بمجرَّدِ نيَّته حالَ الشِّراءِ، ولا بسَوْقِه مع نيَّتِه (و) يتعيَّنُ كلٌّ منهما (بنَذْرِهِ) وإذا تعيَّنتِ الأُضحيةُ أو الهَدْيُ (فلا تباعُ، ولا) هكذا بخطِّه، والظَّاهرُ أنَّه أرادَ: ولا (تُوهَبُ)، فسقطَ من القلمِ لفظُ: "توهب" وإنَّما امتنعَ ذلك؛ لتعلُّقِ حقِّ اللهِ بها، كالمنذورِ عتقهُ نَذْرَ تبرُّرٍ (بل) يجوزُ أَنْ (تُبدلَ بخيرٍ منها) وكذا يجوزُ بيعُها وشراءُ خيرٍ منها؛ لأَنَّ المقصودَ نفعُ الفقراءِ، وهو حاصلٌ بالبدلِ، ويركبُ لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ. (ويجزُّ صوفها ونحوه) كشعرِها ووبَرِها (لِنفعها ويتصدَّقُ به) نَدْبًا، وله الانتفاعُ به كجلدِها، فإنْ كانَ بقاؤُه أَنفَع لها لحرٍّ أو بَرْدٍ، حَرُمَ جزُّه، كأخْذِ بعضِ أعضائِها. (ولا يُعطَى جازرُها بأجرتِه) [أي: عن أجرته] (٣) شيئًا (منها) لأنّه معاوَضةٌ، بل يُعطى هديَّةً أو صدقةً (ولا يُباعُ جلدُها، ولا شيءٌ منها) سواءٌ كانت واجبةً، أو تطوُّعًا؛ لتعيُّنها بالذَّبحِ (بل ينتفعُ به) أي: بجلدِها أو يتصدَّقُ به ندبًا (٤)؛ لِقولِه ﷺ :

стр. 928

والأُضحيَّةَ سُنَّةٌ، وذبحُها أفضلُ من صدقةٍ بثمنِها، ويأكلُ منها، ويهدي، ويتصدَّقُ أثلاثًا، ويُجزئُ الصدقةُ بنحوِ أُوقيَّةِ منها، فإنْ لم يفعلْ، ضَمِنَه. "لا تبيعوا لحومَ الأَضاحي والهَدْيِ، وتصدَّقوا، واستمتعُوا بجلودها" (١) وكذا حُكمُ جُلِّها (٢). وإن تعيَّبت، ذبحها وأجزأتْهُ، إِلَّا أنْ تكونَ واجبةً في ذمَّته قبلَ التَّعيينِ. (والأُضحيَّةُ سُنَّةٌ) مؤكَّدةٌ على المسلم، وتجبُ بنذرٍ (وذبحُها أفضلُ من صدقةٍ بثمنها) كهديٍ وعقيقةٍ؛ لحديثِ: "ما عملَ ابنُ آدمَ يومَ النَّحرِ عملًا أَحبَّ إلى اللهِ من إراقةِ دَمٍ" (٣). (ويأكلُ منها) أي: من الأُضحيةِ (ويهدِي، ويتصدَّقُ أثلاثًا) نَدْبًا، فيأكلُ هو وأهلُ بيتِه الثُّلثَ، ويهدي الثُّلُثَ، ويتصدَّقُ بالثُّلثِ، حتَّى من (٤) واجبةٍ بنَذْرٍ أو تعيينٍ. وهديُ تطوعٍ ومتعةٍ وقرانٍ كأُضحيةٍ. ولا يأكلُ من هَديٍ واجبٍ غيرَ ما تقدَّمَ ولا يهدي. ولا هديَّةَ ولا صدقةَ مما ذُبحَ ليتيمٍ أو مُكاتبٍ. (ويجزئُ الصَّدقةُ بنحوِ) أي: بقدرِ (أُوقيَّةٍ منها) أي: من الأُضحيةِ؛ لأنَّ الأمرَ بالأكل والإطعامِ مُطلَقٌ (فإن لم يفعلْ) أي: لم يتصدَّقْ منها بنحوِ أُوقيَّةِ، بأنْ أكلَها كلَّها (ضمنَه) أي: نحوَ الأُوقيَّةِ بمثلهِ لحمًا؛ لأنَّه حقٌّ يجبُ عليه أَداؤُه مع بقائِه، فلزمَه

стр. 929

وإذا دخلَ العَشْرُ حَرُمَ على مُضَحٍّ ومضحًّى عنه أخْذُ شيءٍ من شَعرِه، أو ظُفرهِ إلى ذَبْح. فصل تُسَنُّ العَقِيقةُ عن الغُلامِ شاتان، غُرمُه إذا أَتلَفه كوديعةٍ. (وإذا دخلَ العَشْرُ) أي: عَشْرُ ذي الحجَّةِ (حرَم على مُضحٍّ ومضحًّى عنه أخْدُ شيءٍ من شَعرِه أو ظُفرِه) أو بَشَرتِه (إلى ذَبْحِ) الأُضحيةِ؛ لحديثِ مسلمٍ عن أمِّ سلمةَ مرفوعًا: "إذا دخلَ العَشرُ، وأراد أَحدُكم أن يُضحِّيَ، فلا يأخذ من شعرِه ولا من أظفارِه شيئًا، حتَى يُضحِّيَ" (١). وسُنَّ حَلْقٌ بعدَه. فصلٌ (تُسَنُّ العقيقةُ) أي: الذَّبيحةُ عن المولودِ في حقِّ أبٍ ولو معسرًا، ويقترضُ. قال الإمامُ أحمدُ ﵁ (٢): العقيقةُ سُنَّةٌ عن رسولِ الله ﷺ ، قدْ عَقَّ عنِ الحسنِ والحُسينِ (٣). وفَعَلَه أصحابُه (عن الغلامِ شاتانٍ) متقاربتانِ سِنًّا وشَبَهًا، فإن عدمَ، فواحدةٌ

стр. 930

وعن الأُنثى شاةٌ، تُذبَحُ في السَّابع، ويسَمَّى فيه باسمٍ حَسَنٍ. فإنْ فاتَ، فرابعَ عشرَ. فإنْ فاتَ، ففي أحدٍ (١) وعشرين، وتُنزعُ جدولًا (٢) (وعَنِ الأُنثى شاةٌ)؛ لحديثِ أُمِّ كُرْزٍ الكعبيَّةِ (٣) قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "عن الغُلامِ شاتانِ مُتكافئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" (٤). (تُدبَحُ) العقيقةُ (في) اليومِ (السَّابعِ) مِنَ الولادةِ، ويحلَقُ فيه رأسُ ذَكرٍ، ويُتصدَّقُ بوزنه فضَّةَ (ويُسمَّى فيه) أي: في (٥) السَّابعِ (باسمٍ حَسَنٍ)، وأَحبُّها: عبد اللهِ، وعبد الرَّحمنِ، وحرمَ بنحوِ: عبد الكعبةِ، وعبد النَّبيِّ. وكرهَ بنحو حَرْب ويَسار. (فإنْ فاتَ) الذَّبحُ يومَ السَّابعِ (فـ) في (رابعَ عشرَ، فإن فاتَ، ففي أحدِ وعشرين) من ولادتِه، يُروى عن عاثشةَ (٦). ولا تُعتبرُ الأسابيعُ بعدَ ذلك. (وتنزعُ جدُولًا (٧)) جمعُ جَدْلٍ بالدَّالِ المهملةِ، ..............

стр. 931

بلا كسر، ويكونُ منه بحُلْوٍ، وهي كأضحيةٍ (١)، لكنْ لا يُجزئُ فيها شِرْكٌ. أي: أَعضاءَ (٢) (بلا كسرِ) عَظْمٍ؛ تفاؤلًا بالسَّلامةِ، كذلك قالت عائشةُ ﵂ (٣). وطبخُها أفضلُ (ويكونُ منه) أي: من الطَّبيخ شَيءٌ (بحُلوٍ) تفاؤلًا بحلاوةٍ أخلاقِه. (وهي) أي: العقيقةُ (كأُضحيةٍ) فيما يُجزئ ويُستحبُّ ويكرَهُ، وفي أَكلٍ وهدَّيةٍ وصدَقةٍ (لكنْ) يباعُ جلدٌ ورأسٌ وسواقط، ويتصدَّق بثمنهِ، و (٤) (لا يُجزئُ فيها) أي: في العقيقةُ (شِرْكٌ) في دمٍ، فلا تُجزئُ بَدَنةٌ ولا بقرةٌ إِلَّا كاملةً. قال في "النِّهاية": وأفضلُه شاةٌ. ولا تُسَنُّ فَرَعة: نَحْرُ أوَّلِ ولدِ ناقةٍ. ولا عَتيرة: ذبيحةُ رَجَب (٥). ولا يُكرهان.

стр. 932

كتاب الجهاد فَرْضُ كِفايةٍ، ويجبُ إذا حضرَه، أو حُصِرَ بلدُهُ، أو استنفره مَنْ له استنفارُه. وسُنَّ رباطٌ، وتمامُه: أربعون يومًا. كتاب (الجهادُ): مصدرُ جاهَدَ، أي: بالغَ في قَتلِ عَدوِّه. وشرعًا: قتالُ كُفَّارٍ (١). وهو (فرْضُ كِفايةٍ) إِذا قامَ به مَنْ يكفي، سَقَطَ عن سائِرِ النَّاسِ، وإلَّا، أثِمَ الكُلُّ، وسُنَّ بتأكُّدٍ مع قيامِ من يكفي به. وهو أَفضلُ مُتطوَّعٍ به، ثُمَّ نفقةٌ فيه. (ويجبُ) الجهادُ (إذا حضرَه) أي: حضرَ صَفَّ القتالِ (أو حُصِرَ) بالبناءِ للمفعولِ (بلدُهُ (٢)) أي: حَصَرَه عدوٌّ، أو (٣) احتيجَ إِليه (أو استنفره) أي: طلبَ خروجَه للقتالِ (من له استنفارُه) من إمامٍ أو نائبِه حيثُ لا عذرَ له. (وسُنَّ رباطٌ) في سبيلِ اللهِ؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: "رِباطُ ليلةٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقِيامه، فإنْ ماتَ، جرى عليه عملُه الذي كان يعملُه (٤)، وأُجْرِي (٥) عليه رزقُه، وأَمِنَ الفَتَّانَ" رواه مسلم (٦). وهو لزومُ ثَغْرٍ لجهادٍ ولو ساعةً. (وتمامُه) أي: الرِّباطِ (أربعونَ يومًا) رواه أبو الشَّيخِ في كتاب "الثَّواب" مرفوعًا (٧) .........

стр. 933

ومَنْ أبواهُ مسلمان، لا يتطوَّعُ بجهادٍ إلَّا بإذنِهما، ويتفقَّدُ إمامٌ جيشَه عند مسيرٍ، ويمنعُ مُخذِّلًا ومُرْجِفًا ونحوَه، ويَلزمُ الجيشَ طاعتُه، والصَّبرُ معه، ولا يجوزُ الغزو بلا إذنِه، وأَفضلُه بأَشدِّ الثُّغورِ خوفًا، وكُرِه نَقلُ أهلِه إلى مَخُوفٍ (١). (ومَنْ أبواهُ مسلمانِ) حُرَّانِ (لا يتطوَّعُ بجهادٍ إلَّا بإذنِهما) وكذا لو كان أَحدهما كذلك؛ لقوله ﷺ : "ففيهما فجاهدْ" صحَّحه التَّرمذيُّ (٢)، ولا يعتبرُ إذنُهما لواجبٍ، ولا إذنُ جَدٍّ وجَدَّةٍ، وكذا لا يتطوَّعُ به مدِينُ آدميٍّ لا وفاءَ له، إلَّا مع إذنٍ، أو رهَنٍ مُحرَزٍ، أو كفيلٍ مَلِيءٍ. (ويتفقَّدُ إِمامٌ) وجوبًا (جيشَه عند مسيرٍ، ويمنعُ مُخذِّلًا) يُفنِّدُ (٣) النَّاسَ عن القتال ويزهِّدُهم فيه (ومُرْجِفًا) (٤) كمن يقولُ: هلكت سَرِيَّةُ المسلمين، ومالهم مَدَدٌ أو طاقة (ونحوَه) كمن يُكاتِبُ بأَخبارِنا (٥)، أو يرمي بيننَا بفتنٍ. ويعرِّفُ الأَميرُ عليهم العُرفاءَ، ويعقدُ لهم الأَلويةَ والرَّاياتِ، ويتخيّرُ المنازلَ، ويتحفَّظُ مكامِنها، ويبعثُ العيونَ؛ ليتعرَّفَ حالَ العدوِّ. (ويلزمُ الجيشَ طاعتهُ) والنُّصحُ له (٦) (والصَّبرُ معه) لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (ولا يجوزُ الغزو بلا إذنِه) أي: الإمامِ

стр. 934

إلَّا أنْ يَفْجأَهُم عدوٌّ يخافون كَلَبَه. وتُملَكُ غنيمةٌ باستيلاءٍ ولو بدارِ حربٍ، وهي لمن شَهِدَ الوقعةَ من أهلِ القتالِ، فتُخمَّس، ثمَّ الخُمُس: سهمٌ للمصَالحِ، وسهمٌ لذوي القُربى، (إلَّا أنْ يَفْجأَهُم عدوٌ يخافون كَلَبَه) بفتحِ اللَّام: أي: شرَّه وأذاه (١)؛ لتعيُّنِ المصلحةِ في قتالِه. ويجوزُ تَبْيِيتُ كفَّارٍ (٢)، ورميُهم بمَنْجَنيقٍ ولو قُتِلَ بلا قصدٍ نحو صبيٍّ. ولا يجوزُ قَصْدًا قتْلُ صبيٍّ، وامرأةٍ، وخنْثى، وراهبٍ، وشيخٍ فانٍ، وزَمِنٍ، وأعمى، لا رأيَ لهم ولم يقاتلوا أو يحرِّضوا، ويكونون أَرقَّاءَ بسبْيٍ. (وتُملَكُ غنيمةٌ باستيلاءٍ) عليها (ولو بدارِ حربٍ) ويجوزُ قسمتُها فيها (٣). والغنيمةُ: ما أُخِذَ من مالِ حربيٍّ قهرًا بقتالٍ وما أُلحقَ به، مشتقَّةٌ من الغُنمِ، وهو: الرِّبحُ (٤). (وهي لمن شَهِدَ الوقعةَ) أي: الحربَ (من أهلِ القتالِ) بقصدِهِ، قاتلَ، أَوْلا، حتَّى تاجرَ العسكر وأجيره المستعدَّين للقتال؛ لقولِ عمرَ ﵁: الغنيمةُ لمن شَهِدَ الوقْعةَ (٥). (فتُخمَّس) أي: يُخرجُ الإمامُ أو نائبُهُ الخُمْسَ بعد دفع سَلَب لقاتلٍ، وأجْرةِ جمعٍ وحِفْظٍ وجُعْلِ من دلَّ على مصلحةٍ (٦) (ثم) يُجْعلُ (الخُمْس) خَمْسَةَ أسْهمٍ (سهمٌ) لله ورسوله ﷺ مَصْرِفه (للمصالح) كَلِّها، كَفَيءٍ (وسهمٌ لذوي القربى) وهم بنو هاشم وبنو

стр. 935

وسهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناءِ السَّبيلِ، ثمَّ يقْسِمُ باقي الغنيمةِ بين الجيشِ وسراياهُ بعدَ النَّفَل، للرَّاجِلِ سهمٌ، وللفارسِ ثلاثةٌ. والغالُّ يُحْرَقُ رحلُه، إلَّا السَّلاحَ، والمصحفَ، وما فيه روحٌ. المطَّلب حيثُ كانوا، غَنيُّهم وفقيرُهم. (وسهمٌ لـ) فقراءِ (اليتامى) وهم مَنْ لا أبَ له [ولم يَبْلغُ] (١). (وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناءِ السَّبيل) يَعُمُّ مَنْ بجميعِ البلادِ حسبَ الطَّاقة. (ثمَّ يَقْسِمُ باقي الغنيمةِ) وهو أرْبَعةُ أخماسِها (بين الجيشِ وسراياه (٢)) التي بُعِثَت لدارِ الحربِ (بعدَ) إعطاءِ (النَّفَلِ) أي: الزيادة (٣) لِمَنْ فعلَ ما فيه مصلحةٌ للمسلمينَ، وبعد رَضْخٍ لنحو قِنٍّ (٤) ومُميِّزٍ على ما يراهُ (للرَّاجِلِ (٥)) ولو كافرًا (سهمٌ، وللفارس ثلاثةٌ) سهمٌ له، وسهمانِ لفَرسِهِ إنْ كانَ عربيًّا؛ لأنَّه ﷺ "أسْهمَ يوم خَيْبَر للفارسِ ثلاثةَ أسْهُمٍ، سهمانِ لفرسهِ وسهمٌ له" متَّفقٌ عليه عن ابنِ عمرَ (٦). ولفارسٍ على فرسٍ غيرِ عربيٍّ سهمانِ فقط. ولا يُسْهمُ لأكثرَ مِن فَرَسينِ مع رجلٍ، ولا لغيرِها من بَهائم؛ لعدمِ ورودِه عنه ﷺ . (والغالُّ): وهو مَنْ كَتمَ شيئًا مما غَنِمَهُ لا يُحْرَمُ سَهْمَهُ، بل (يُحرقُ) وجوبًا (رَحلهُ) كُلُّه، ما لم يَخْرُج عَنْ ملكِه (إلَّا السِّلاحَ، والمصحفَ، وما فيه رُوحٌ) وآلتَهُ كسَرْجٍ، ولجامٍ، وجُلٍّ، ورَحْلٍ، وعلفه، ونَفقتَهُ، وكُتبَ علمٍ، وثيابَه التي عليه، وما لا تَأكُلُه النَّارُ، كحديدٍ، فله (٧).

стр. 936

ويخيَّر إمامٌ في أرضٍ بين قَسْم ووَقْف مع ضرْبِ خَراجٍ يُؤْخَذُ كلَّ عامٍ ممَّنْ هي بيدِهِ باجتهادِهِ، ويجري فيها الميراثُ. (ويُخيَّرُ إمامٌ في أرض) فَتَحُوها بالسَّيفِ (ببن قَسْمِـ) ها بين الغانمينَ (ووَقْفِـ) ها على المسلمينَ بلفظٍ من ألفاظِ الوقفِ (مع ضرْب خَراجٍ) عليها، إذا وقَفَها (يُؤْخَدُ كُلَّ عامٍ ممَّنْ هي) أي: الأرضُ (بيدِه) مِنْ مسلمٍ وذِمِّيِّ، يكونُ أُجْرةً لها، كما فَعَلَ عمرُ ﵁ فيما فتحَ من أرضِ الشَّامِ والعراقِ ومصرَ (١)، وكذا أرضٍ جَلَوْا عنها خوفًا مِنَّا، أو صالحناهُمْ على أنَّها لنا، ونُقِرُّها معهم بالخراجِ، بخلاف ما صُولِحُوا على أنَّها لهم ولنا الخراجُ عنْها، فكجِزيةٍ يسقطُ بإسلامِهِمْ. وتقديرُ الخراجِ (باجتهادِهِ) أي: الإمامِ (ويجري فيها) أي: في الأرضِ الخراجيَّةِ (الميراثُ) فَتَنتقِلُ إلى وارثِ مَن كانت بيدِه على الوجه الذي كانت عليهِ، وإنْ آثرَ بها أحدًا، قامَ مَقامه، كمستأجرةٍ، ولا خراجَ على مَزارع مكَّةَ والحرَمِ.

стр. 937

ومَنْ عجزَ عن عمارةِ ما بيدِه منها، رفعَ يدَه عنه، وما أُخِذَ من مالِ كافرٍ بغيرِ قتالٍ كجزيةٍ، وخراجٍ وعُشْرِ تجارةٍ، ونصفِه، وما تركوه فَزَعًا، فَفَيْءٌ يُصرَفُ في مصالحِ المسلمَين الأهمُّ فالأهمُّ. (ومَنْ عجزَ عن عمارةِ ما بيدِه منها) أي: الخراجيَّةِ (رفعَ) الإمامُ (يدَه عنه) بإجارةٍ أو غيرِها؛ لأَنَّ الأرضَ للمسلمين، فلا تعطَّلُ عليهم. (وما أُخِذَ) بحقٍّ (من مالِ كافرٍ بغيرِ قتالٍ) متعلِّقٍ بـ "أخذ"، (كجزيةٍ، وخَراجٍ، وعُشرِ تجارةٍ) من حربيٍّ (ونصفِه) من ذمِّيٍّ اتَّجَر إلينا (١) (وما تركوه فَزعًا) أي: خوفًا منَّا، أو تخلَّفَ عن ميِّتٍ لا وارثَ له (فـ) ـهو (فَيْء) سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه رجَع إلى المسلمين (يُصرَفُ في مصالحِ المسلمين) يُقدَّمُ منها (الأهمُّ فالأهمُّ) من سَدِّ بَثْقٍ، وتعزيلِ نهر (٢)، وعملِ قنطرة، ورزْقِ نحو قضاةٍ. ويُقسم فاضلٌ بين أحرار المسلمين؛ غنِّيهم وفقيرهم. فصل في الأمان والهُدنة يصحُّ أمانٌ من مسلمٍ، عاقلٍ، مختارٍ، غيرِ سكرانَ ولو قِنًّا، أو أنثى، بلا ضررٍ، مُدَّةَ عشرِ سنين فأقلَّ، منجَّزًا ومعلَّقًا، ومن إمامٍ لجميعِ المشركين، ومِنْ أميرٍ لأهل بلدةٍ جُعل بإزائِهم، ومِنْ كلِّ أحدٍ لقافلةٍ وحِصنٍ صغيرين عُرْفًا. وحَرم به (٣) قتلٌ ورقٌّ وأسرٌ. ومَن طلبه ليَسمعَ كلامَ الله وَيعرفَ أحكام الإسلام، لزم إجابته، ثم يُرَدُّ إلى مأْمنه. والْهُدْنَةُ: عقدُ إمامٍ أو نائِبه على تَرْكِ قتالٍ مدَّةً معلومةً بقدرِ حاجة، وهي لازمةٌ يجوز عقدُها لمصلحةٍ حيثُ جاز تأخير جهاد.

стр. 938

باب عقد الذمة يَعقدُها الإمامُ أو نائبُه لأهلِ الكتابَيْن والمجوسِ، إذا بذلوا الجزيةَ والتزموا أحكامَنا، ولا جِزْيَةَ على صبيٍّ، ولا امرأةٍ، ولا عبدٍ، ولا مَنْ يَعجِزُ عنها. ومَنْ صار أهلًا لها، أُخِذتْ منه، وتُؤخَذُ آخرَ الحَوْل، باب عقد الذمة الذِّمَّةُ: العهدُ والضمان والأمان (١). ومعنى عقدِها: إقرارُ بعض كفَّارٍ على كفرهم بشرطِ بذْل الجزية، والتزامِ أحكام الملَّة. والأصلُ فيها قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وإنَّما (يَعقدُها الإمامُ أو نائبُه) لأنَّه عقدٌ مؤبَّد، فلا يُفتات (٢) على الإمام فيه (لأهل الكتابَيْن) اليهودِ والنصارى ومَن تبعهم (٣) (والمجوسِ) لأنَّه يُروى أنَّه كان لهم كتابٌ فرُفع، فلهم بذلك شبهة، ولأنَّه ﷺ "أخذَ الجِزيَةَ من مجوسِ هَجَر" رواه البخاريُّ عن عبد الرحمن بن عَوف (٤) (إذا بذلوا الجزيةَ) وهي: مالٌ يؤخذُ منهم على وجهِ الصِّغار (٥) كلَّ عامٍ بدلًا عن قتلهم، وإقامتِهم بدارِنا (والتزموا أحكامَنا) الآتي بيانُها في أحكام الذمة (ولا جِزْيةَ) واجِبة (على صبيٍّ، ولا امرأةٍ) ومجنونٍ، وزَمِنٍ، وأعمى، وشيخٍ فانٍ، وخنثى مشكلٍ (ولا عبدٍ، ولا) على (مَنْ) أي: فقير (يعجزُ عنها). (ومَنْ صار أهلًا لها) أي: للجزية، كما لو بلغ صغيرٌ، أو عتَق رقيق، أو (٦) استغنى فقير (أُخِذت منه) وجوبًا (وتُؤخذُ) الجزيةُ ممن صار أهلًا في أثناءِ الحوْل (آخرَ الحَوْل) بالحساب، فمن صار أهلًا قبل الحوْل بثلاثةِ أشهر، أُخِذَ منه ربعُها وهكذا.

стр. 939

وإنْ بذلوا ما عليهم، وجبَ قبولُه، وحَرُمَ قتالُهم، ويُمتَهنون عند أَخْذِها، ويُطالُ قيامُهم، وتجرُّ أيديهم. فصل وعلى الإمامِ أخذُهم بحُكْمِ الإسلامِ في نفسٍ، ومالٍ، وعِرْضٍ، وإقامةِ حدٍّ فيما يحرِّمونه، ويلزمُهم التمييزُ عنَّا، وهكذا (وإنْ بذلُوا ما عليهم) من الجزية (وَجَبَ قبولُه) منهم. (وحَرُمَ) علينا (قتالُهم) وأخذُ مالهم، ووجبَ دفعُ مَن قصدَهم بأذًى ما لم يكونوا بدارِ حرب. ومن أسلم بعد الحول، سقطتْ عنه. (ويُمتَهنون عند أَخْذِها) أي: الجزية (ويُطالُ قيامُهم، وتجرُّ أيديهم) وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ولا يُقبل إرسالُها (١). فصل في أحكام الذِّمة (و) يجب (على الإمامِ أخذُهم) أي: أهلِ الذمة (بحكمِ الإسلام في) ضمانِ (نفسٍ، ومالٍ، وعِرْضٍ، وإقامةِ حدٍّ) عليهم (فيما يحرِّمونه) أي: يعتقدون تحريمَه كالزِّنى، لا ما يعتقدون حِلَّه كالخمر؛ لما روي عن ابنِ عمر "أنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بيهودِيَّيْن قد فَجَرا بعد إحصانهما، فرجمهما" (٢). (ويلزمُهم التمييزُ عنَّا) معاشر المسلمين؛ فيتميَّزون بالقبور بألَّا يُدفنوا في مقابرنا، والحُلَى (٣) بحذفِ مقدَّم رؤوسهم (٤) لا كعادة الأشراف، ونحوِ شدِّ زُنَّار، ولدخولِ حمَّامنا جُلْجُل (٥)، ونحو خاتمِ رَصاصٍ برقابهم.

стр. 940

وَيركبون غيرَ خيلٍ بإكافٍ، ولا يجوزُ تصديرُهم، ولا القيامُ لهم، ولا بداءتُهم بالسَّلام ونحوِه. ويُمنعون من إحداثِ كنيسةٍ ونحوِها، وبناءِ ما انهدمَ منها، ومن تعليةِ بناءٍ فقط على مسلمٍ، (ويَركبون غيرَ خيلٍ) كحمير (بإكافٍ) أي: بَرْذَعةٍ لا بسرج (١)؛ لما روى الخلَّالُ أنَّ عمرَ أمر بجزِّ نواصي أهلِ الذمة، وأن يشدُّوا المناطق، وأن يركبوا الأُكُف بالعَرْض (٢). (ولا يجوز تصديرُهم) في مجلس (ولا القيامُ، ولا بداءتُهم بالسَّلام ونحوِه) مثل: كيف أصبحتَ، أو: أمسيتَ، أو: حالُك. وتهنئتهم، وتعزيتهم، وشهود أعيادهم. (ويُمنعون من إحداثِ كنيسة ونحوِها) كبِيْعة ومجتمعٍ لصلاة (و) من (بناءِ ما انهدمَ منها) ولو ظلمًا؛ لما روى كَثِيرُ بن مُرَّة (٣) قال: سمعتُ عمر بنَ الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تُبنَى الكنيسةُ في الإسلامِ، ولا يُجَدَّد ما خَرِبَ منها" (٤). (و) يُمنعون أيضًا (من تعليةِ بناءٍ فقط على مسلمٍ) ولو رضيَ؛ لقوله ﷺ : "الإسلامُ

стр. 941

ومن إظهارِ خمرٍ، وخنزيرٍ، وناقوسٍ، وجهرٍ بكتابهم. وإن تهوَّد نصرانيٌّ أو عكسه، لم يُقبلْ منه إِلَّا الإسلامُ أو دينُه. ومَنْ أبى منهم بَذْلَ الجزية (١)، أو التزامَ حُكْمِنا، أو تعدَّى على مسلمٍ بقتلٍ، أو زِنًى، أو فَتَنَه (٢) عن دينِه، أو قطعَ طريقًا، أو آوى جاسوسًا، أو ذَكَرَ اللهَ يعلو ولا يُعلى عليه" (٣). وسواءٌ لاصقَه، أَوْلا، إذا كان يُعَدُّ جارًا له (٤)، فإن عَلِيَ، وجب نقضه. وفُهم من قوله: "فقط" أنَّه لا يُمنع من مساواتِه لبناءِ المسلم. (و) يمنعون أيضًا (من إظهارِ خمرٍ، وخنزيرٍ) فإنْ فعلوا، أَتلفناهما (و) مِنْ ضَرْبِ (ناقوسٍ، وجَهْرٍ بكتابهم) ورفْعِ صوتٍ على ميت، ومِنْ قراءةِ قرآن، وإظهارِ أكلٍ وشربٍ برمضان، ومن دخولِ مسجدٍ ولو بإذن مسلمٍ. وإن تحاكموا إلينا، فلنا الحكمُ والتركُ. (وإنْ تهوَّد نصرانيٌّ أو عكسه) بأنْ تنصَّر يهوديٌّ (لم يُقبلْ منه إلَّا الإسلامُ أو دينُه) الأوَّل؛ لأنَّه انتقل إلى دينٍ باطلٍ أَقرَّ ببطلانِه، أشبَه المرتدَّ. (ومَنْ أبى منهم) أي: من أهلِ الذِّمة (بَذْلَ الجزية) أو الصِّغار (أو) أبى (التزامَ حُكْمِنا، أو تعدَّى على مسلمٍ بقتلٍ، أو) تعدَّى بـ (زِنَاه) بمسلمةٍ -ومثلُه لواط- (أو فَتنَه) أي: فتن الذِّمِّيُّ مسلمًا (عن دينِه، أو قطعَ طريقًا، أو آوى جاسوسًا، أو ذَكر اللهَ

стр. 942

أو كتابَه أو رسولَه بسوءٍ، انتقض عهدُه وَحْدَه. وإذا أَسلمَ، أو ماتَ، أو عدمَ أحدُ أبوي غيرِ بالغٍ منهم بدارنا، حُكِمَ بإسلامِه، كالمَسْبِيِّ دون أبوَيْه. أو كتابَه أو رسولَه بسوءٍ، انتقض عهدُه) لأنَّ هذا ضررٌ يعمُّ المسلمين، وحلَّ دمُه ومالُه (وَحْدَه) أي: دونَ عهدِ أولادِه ونسائِه، فلا ينتقض. (وإذا أَسلم) أَحَدُ أبَوَيْ غيرِ بالغ (أو مات) أحدُ أبويْ غير (١) بالغ، حُكم بإسلامه (أو عدم أحدُ أبوي غيرِ بالغٍ منهم) أي: من أهل الذِّمَّة، وكانوا (بدارنا) كأنْ زنتْ كافرةٌ ولو بكافرٍ، فأتتْ بولد بدارنا (حُكِمَ بإسلامِه) لحديث: "كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه" رواه مسلم (٢). وقولُه: "على الفِطرة" أي: على الإسلام. وقيل: بل المعنى أنَّه يكونُ متهيِّئًا وقابلًا للإسلام، وقد انقطعتْ تبعيَّتُه لأبوَيْه بانقطاعِه عنهما أو عن أحدهما (كـ) ما يُحكم بإسلامِ (المَسْبِيِّ) غيرِ البالغ (دونَ أبوَيْه) بأن سُبِيَ منفردًا أو مع أحدهما؛ لانقطاع التبعيَّة كما تقدَّم، ولإخراجِه من دارِهما إلى دارِ الإسلام. وفُهم منه أنَّ المسبيَّ معهما على دينِهما؛ للخبر، وكغير بالغٍ مَنْ بلغَ مجنونًا.

стр. 943

كتاب البيع ينعقدُ بإيجابٍ وقَبولٍ، ولا يضرُّ تَراخِيْه عنه بالمَجْلسِ، ما لم يتشاغَلَا بما يقطعُه، وبمعاَطاةٍ، كأعطِنِي بهذا كذا. فيُعطيه ما يُرضيه. كتاب البيع هو جائزٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وهو لغةً: أخذُ شيء وإعطاءُ شيء. قاله ابن هبيرة (١). مأخوذ من الباع؛ لأنَّ كلًّا من المتبايعين يمدُّ باعَه للأخذِ والإعطاءِ. وشرعًا: مبادلةُ عيْنٍ ماليَّةٍ أو منفعةٍ مباحةٍ بمثل أحدهما، أو بمالٍ في الذِّمَّةِ للملكِ على التأبيدِ غيرِ ربًا وقرضٍ (٢). و (ينعقدُ) البيعُ (بإيجابٍ) أي: لفظٍ صادرٍ من البائع، كقوله: بعْتُكَه، أو: ملَّكْتُكه بكذا (وقبولٍ) أي: لفظ صادرٍ من المشتري، كقوله: ابتعتُ، أو: قبِلتُ ونحوه. (ولا يضرُّ تَراخِيْه) أي: القبول (عنه) أي: عن الإيجابِ ما داما (بالمجْلس) الذي وقع به العقد؛ لأنَّ حالةَ المجلسِ كحالةِ العَقْدِ (ما لم يتَشاغَلا بما يقطعُه) عُرفًا، فإنْ تشاغَلا كذلك، أو انقضى المجلسُ قبلَ القبولِ، بطلَ الإيجابُ؛ للإعراض عن البيع. (و) ينعقدُ البيعُ أيضًا (بمعاطاةٍ، كـ) قولِ مشترٍ: (أعطِني بهذا) الدرهمِ (كذا) أي: خبزًا أو غيرَه (فيُعطيه ما يُرضيه) أو يقولُ البائعُ: خذْ هذا بدرهم. فيأخذه المشتري، أو وضعَ ثمنَه عادةً وأخذَه عقبه (٣)؛ فتقومُ المعاطاةُ مقامَ الإيجابِ والقبولِ؛ للدِّلالة على الرضا، لعدمِ التعبُّدِ به، وكذا هبةٌ وهديَّةٌ وصدقةٌ.

стр. 944

وشروطه: الرِّضا، إلَّا من مُكْرَه بحقٍّ. وكونُ عاقدٍ جائزَ التَّصَرُّف، فلا يصحُّ من صغيرٍ وسفيهٍ بغيرِ إذنِ وليِّه. وكونُ مَبيع مباحًا نفعُه بلا حاجةٍ، كبغلٍ، وحمارٍ، ودودِ قزٍّ، وبِزْرِه، وفِيلٍ، وسِبَاعِ بهائمَ، وطيرٍ تصلُحُ لصيدٍ، (وشروطُه) أي (١): البيع سبعةٌ: أحدُها: (الرضا) من المتعاقدين؛ لقوله ﷺ : "إنَّما البيعُ عن تراضٍ" رواه ابنُ حِبَّان (٢). فلا يصحُّ مع الإكراهِ لأحدهما (٣) (إلَّا من مُكْرَه بحقٍّ) فيصحُّ، كمن يُكرهُه الحاكمُ على بيعِ مالِه لوفاءِ دَيْنه، وإن أكرهه على وزن (٤) مالٍ، فباع ملكَه لذلك، كُرِهَ الشراءُ منه وصحَّ. (و) الشرطُ الثاني: (كونُ عاقدٍ) وهو البائعُ والمشتري (جائزَ التَّصَرُّف) أي: حرًّا، مكلَّفًا، رشيدًا (فلا يصحُّ) بيعٌ ولا شراءٌ (من صغيرٍ، وسفيهٍ بغيرِ إذنِ وليِّه) أي: وليِّ كلٍّ منهما، فإن أذن، صحَّ، وحرُم إذنٌ بلا مصلحةٍ، وينفذُ تصرُّفهما في يسيرٍ بلا إذنٍ. وتصرُّفُ عبدٍ بإذنِ سيده. (و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ مَبيع) أي: معقودٍ عليه أو على منفعتِه، ثمنًا كان أو مُثْمَنًا (مباحًا نفعه بلا حاجةٍ، كبغلٍ، وحمارٍ) لانتفاع الناس بهما وتبايُعهِما في كلِّ عصرٍ مِنْ غيرِ نكير (و) كـ (دودِ قَزٍّ، وبِزْرِه (٥)) لأنَّه طاهرٌ مُنْتَفَعٌ به (و) كـ (فِيلٍ) لأنَّه يباحُ نفعُه واقتناؤه، أشبه الِبغل (و) كـ (سباعِ بهائمَ) تصلُحُ لصيدٍ، كفُهود (و) سباعِ (طيرٍ تصلحُ لصيدٍ) كبازٍ وصَقْرٍ.

стр. 945

لا كلبٍ، وحشراتٍ ومَيْتةٍ، وسِرْجين ودهنٍ نجسَيْن، ويجوزُ استصباحٌ بمتنجسٍ في غيرِ مسجدٍ. وحَرُمَ بيعُ مصحفٍ، ولا يصحُّ لكافرٍ. و (لا) يصحُّ بيعُ ما يختصُّ نفعُه بحالٍ دون حالٍ كجلدِ ميتةٍ؛ فإنه إنَّما يُباح في يابس، و (كلبٍ) فإنَّه إنَّما يُقتنى لصيدٍ، أو حرثٍ، أو ماشيةٍ. قال ابن مسعود: "نهى النبي ﷺ عن ثَمَنِ الكَلْبِ" متّفقٌ عليه (١) (و) لا بيعُ ما لا نفعَ فيه، كـ (حشراتٍ) إلَّا علَقًا لمصِّ دمٍ، وديدانًا لصيدِ سَمَك، وما يُصاد عليه، كبومة شباشًا (٢). (و) لا بيعُ (مَيْتَةٍ) ولو طاهرةً، كميتةِ آدميٍّ؛ لعدمِ النَّفعِ بها، إلَّا سمكًا وجرادًا (و) لا بيعُ (سِرْجين (٣) ودهنٍ نجسَيْن) كرَوْث حميرٍ، وشحمِ ميتةٍ، وكذا دهنٍ متنجِّسٍ؛ لأنَّه لا يطهرُ بغَسْل. وعُلم منه: صحَّةُ بيعِ سرجين طاهرٍ، كرَوْثِ حمام (ويجوزُ استصباحٌ بـ) دهنٍ (متنجسٍ في غيرِ مسجدٍ) على وجهٍ لا تتعدَّى نجاستُه، كالانتفاعِ بجلدِ ميتةٍ مدبوغٍ في يابس. (وحَرُمَ بيعُ مصحفٍ) مطلقًا (٤)؛ لما فيه من ابتذالِه وتركِ تعظيمِه، ويصحُّ بيعُه لمسلم (٥) (ولا يصحُّ) بيعُه (لكافرٍ) لأنَّه ممنوع من استدامة الملكِ عليه، فتملُّكه أَوْلى. ولا شراؤُه استنقاذًا.

стр. 946

وكونُ عاقدٍ مالكًا أو مأذونًا، فلا يصحُّ من فُضُوليٍّ، إلَّا إذا اشترى في ذمَّتِه لمن لم يُسمِّه في العقد، فيصحُّ له بالإجازةِ، وإلَّا، لزمَ المشتريَ. ولا يُباعُ غيرُ المساكنِ ممَّا فُتِحَ عَنوةً، كأرضِ مِصْرَ والشَّامِ، بل تُؤْجَرُ، ولا رباعُ مكَّةَ ولا تُؤْجَر، (و) الشرطُ الرابعُ: (كونُ عاقدٍ مالكًا) للمعقودِ عليه (أو مأذونًا) له في العقدِ، كوكيلٍ ووليٍّ؛ لقوله ﷺ لحكيمِ بنِ حزام: "لا تَبعْ ما ليس عندَك" رواه ابنُ ماجه والترمذيُّ وصحَّحه (١). وخُصَّ منه المأذونُ؛ لقيامِه مقامَ المالكِ (فلا يصحُّ) بيعٌ ولا شراءٌ (من فُضُوليٍّ) ولو أُجيزَ بَعْدُ (إلَّا إذا اشترى) الفضوليُّ (في ذمَّتِه) ونوى الشراءَ (لمن) أي: لشخص (لم يسمه في العقد، فيصحُّ له) أي: لمن وقع الشراءُ له (بالإجازةِ) للشراءِ، سواءٌ نقدَ الفضوليُّ الثمنَ من مالِ الغيرِ، أمْ لا، فيثبُتُ ملكُ المجيز عليه من حينِ العَقْد (وإلَّا) أي: وإن لم يُجِزه من اشتري له (لزمَ المشتري) أخذُه، كما لو لم ينوِ غيرَه، وليس له التصرُّفُ فيه قبلَ عرضِه على من اشتري له. (ولا يُباعُ غيرُ المساكنِ ممَّا فُتِحَ عَنوةً) ولم يُقسم (كأرضِ مِصْرَ والشَّام) ونحوِها كأرضِ العراق؛ لأنَّها موقوفةٌ أُقِرَّتْ بأيدي أهلِها بالخَراج، كما تقدَّم (بل تُؤْجَرُ) الأرضُ العَنوة ونحوها (٢)؛ لأنَّها مُؤْجَرةٌ في أيدي أربابِها بالخراجِ المضروبِ عليها في كلِّ عامٍ، وإجارةُ المؤجَرِ جائزةٌ. وعُلم منه صِحَّةُ بيعِ المساكن. (ولا) تباعُ (رِباعُ مكَّةَ) والحَرَمِ وهي: المنازل (ولا تُؤْجَر) الرِّباع؛ لحديثِ عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ الله ﷺ في مكَّةَ: "لا تُباع رِباعُها ولا

стр. 947

ولا نَقْعُ بئرٍ، [ولا كلأٌ] (١) ونحوه قبلَ حَوزِه، ويملكُه آخِذُه. تُكرَى بيوتُها" رواه الأثرم (٢). (ولا) يُباعُ (نَقْعُ بئرٍ (٣)) وماء عيون؛ لحديث: "المسلمون شركاءُ في ثلاثٍ، في الماءِ، والكَلَأِ والنار" رواه أبو داود وابنُ ماجه (٤). (ولا) يُباعُ (كَلَأٌ ونحوه) كشوكٍ (قبلَ حَوزِه) لما تقدَّم، ولأنَّه إنَّما يُمْلك بالحَوز (ويملكُه آخِذُه) لأنَّه مباحٌ، لكن (٥) لا يجوزُ دخولُ ملكِ غيرِ المحُوطِ بغيرِ إذنِه، ورَبُّ الأرضِ أحقُّ به من غيرِه؛ لأنَّه في ملكِه. وحرُم منعُ مستأذنٍ بلا ضرر.

стр. 948

وقُدْرة على تسليمِه؛ فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ، وشاردٍ، وطيرٍ في هواءٍ (١)، وسمكٍ بماءٍ، ومغصوبٍ إلَّا لغاصبِه أو قادرٍ على أَخْذِه منه. وكونُ مَبيعٍ معلومًا برؤيةٍ [أو بوصفٍ يكفي] (٢) في سَلَمٍ، (و) الشرطُ الخامسُ: (قُدْرةُ) عاقدٍ (على تسليمِه) أي: المعقودِ عليه (فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ) عُلم خبرُه، أَوْ لا؛ لما روى أحمدُ عن أبي سعيد أن رسولَ الله ﷺ : "نهى عن شراءِ العبدِ وهو آبقٌ" (٣) (و) لا بيعُ (شاردٍ (٤)، و) لا بيعُ (طيرٍ في هواءٍ) ولو اعتادَ الرجوعَ، إلَّا أنْ يكونَ بمُغْلَقٍ (٥) ولو طال زمنُ أخذِه (و) لا يصحُّ بيعُ (سمكٍ بماءٍ) لأنَّه غَرَرٌ، ما لم يكنْ مَرْئِيًّا بمَحُوْزٍ يسهلُ أخذُه منه؛ لأنَّه معلومٌ يمكنُ تسليمه. (و) لا يصحُّ بيعُ (مغصوبٍ إلَّا لغاصبِه أو قادرٍ على أَخْذِه) أي: المغصوب (منه) أي: من غاصبِه، فيصحُّ، ثمَّ إنْ عجز بَعْدُ، فلهُ الفَسْخُ، ما لم يكنْ غصبَه أو جحدَه حتى يبيعَه له، فلا يصحُّ، كما جزم به في "المنتهى" (٦). (و) الشرطُ السادسُ: (كَوْنُ مَبيعٍ معلومًا) عندَ المتعاقدَيْن؛ لأنَّ جهالةَ المبيعِ غَرَرٌ منهيٌّ عنه؛ فلا بُدَّ من معرفتِهما له، إمَّا (برؤيةٍ) له، أو لبعضِه الدالِّ عليه، مقارنةً للعقدِ، أو متقدِّمةً بزمنٍ لا يتغيَّر فيه المبيعُ ظاهرًا (٧). ويُلحَق بذلك ما عُرف بلمسِه، أو شمِّه، أو ذَوقِه (أو بوصفٍ يكفي في سلَم) فيقومُ مقامَ الرؤيةِ في بيعِ ما يجوزُ السَّلَمُ فيه خاصَّةً.

стр. 949

فلا يباعُ حَمْلٌ ببطنٍ، ولا لبنٌ بضَرع، ولا مسكٌ في فأرتِه ونحوه، ولا نحو عبدٍ من عبيدِه، ولا استثناؤُه إلَّا معيَّنًا، ويصحُّ بيعُ حيوانٍ دونَ رأسِه، وجلدِه، وأطرافِه، لا استثناءُ شحمِه أو حملِه، ويصحُّ بيعُ باقلاءٍ في قشرها، وحبٍّ مشتدٍّ في سُنْبُلِه. ولا يصحُّ بيعُ الأُنْمُوذَجِ (١) بأنْ يُريَه صاعًا مثلًا، ويبيعه الصُّبْرة (٢) على أنَّها من جنسِه. ويصحُّ بيعُ الأعمى وشراؤُه بالوَصْفِ، واللَّمْسِ، والشمِّ، والذَّوْقِ فيما يعرف به كتوكيله (٣). وإذا عرفتَ أنَّه لابدَّ من معرفةِ المبيع (فلا يُباعُ حَمْلٌ ببطنٍ، ولا لبنٌ بضَرْع) للجهالة (ولا) يباع (مِسْكٌ في فأرته) وهي: الوعاء الذي يكون فيه (٤) (ونحوه) كنوَى في تمرٍ؛ للجهالة. (ولا) يباعُ (نحو عبدٍ من عبيده) كشاةٍ من غنمِه؛ للجهالة. (ولا) يصحُّ (استثناؤُه) أي: نحو عبدٍ من عبيده، بأنْ باع العبيدَ إلَّا واحدًا منهم غيرَ معيَّن، أو القطيع إلَّا شاةً مبهمةً، فلا يصحُّ البيعُ؛ لأنَّ استثناءَ المجهولِ من المعلوم يصَيِّرهُ مجهولًا (إلَّا معيَّنًا) كبعتُك هؤلاءِ العبيدَ إلَّا فلانًا، أو إلَّا هذا، فيصحُّ. (ويصحُّ بيعُ حيوانٍ) مأكولٍ (دونَ رأسِه، وجِلدِه، وأطرافِه) فيصحُّ استثناؤُها، نصًّا و (لا) يصحُّ (استثناءُ شحمِه) أي: الحيوانِ (أو) (حملِه) لأنَّهما مجهولانِ. (ويصحُّ بيع باقلاءٍ) وحمَّصٍ، وجَوزٍ، ولوز (في قشرها، و) بيعُ (حبٍّ مشتدٍّ في سُنْبُلهِ) لدعاءِ الحاجة إلى بيعهِ كذلك، ولأنَّه ﷺ جعلَ الاشتدادَ غايةً للمنع (٥)، وما بعدَ الغايةِ مخالفٌ لما قبلها، ويدخلُ الساترُ تبعًا.

стр. 950

وكونُ ثمنٍ معلومًا، فإنْ باعه برَقْمه، أو بما ينقطعُ به السِّعرُ ونحوه، أو بألفٍ ذهبًا وفضةً، لم يصحَّ، ويصحُّ بيعُ الثوبِ ونحوِه كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، لا منه كذلك. ومَنْ باعَ معلومًا ومجهولًا صَفْقةً، صحَّ في المعلومِ بقسطِه، ما لم يتعذَّرْ عِلْمُ المجهولِ، فيبطلُ فيهما إنْ لم يبيِّن ثمنَ كلٍّ، وإنْ باع مُشاعًا بينَه وبَيْن غيرِه، أو عبدَه (و) الشرطُ السابعُ: (كونُ ثمنٍ معلومًا) للمتعاقدين حالَ عقْدٍ ولو برؤية متقدِّمة، أو وصفٍ كما تقدَّم في المبيع (فإنْ باعه برَقْمه) أي: بثمنه المكتوبِ عليه، لم يصحَّ (١) (أو) باعه (بما ينقطعُ به السِّعرُ) أي: يقفُ عليه، لم يصحَّ (ونحوه) كما لو باعه بما يبيعُ به الناس (أو) باعَه (بألفٍ ذهبًا وفضةً، لم يصحَّ) لأنَّ قَدْرَ كلٍّ منهما مجهولٌ. (ويصحُّ بيعُ الثوبِ ونحوِه) كالخيطِ (كلَّ ذراعٍ (٢)) من الثوبِ ونحوِه (بدرهمٍ) وإنْ لم يعلما عددَ ذلك؛ لأنَّ المبيعَ معلومٌ بالمشاهدةِ، والثمن يُعرفُ بجهةٍ لا تتعلَّقُ بالمتعاقدين، وهو ذرعُ الثوبِ ونحوه. وكذا يصحُّ بيعُ الصُّبْرةِ والقطيعِ، كلَّ قفيزٍ أو شاةٍ بدرهم. و (لا) يصحُّ أن يبيعَ (منه) أي: من الثوب ونحوِه (كذلك) أي: كلَّ ذراعٍ، أو قفيزٍ، أو شاةٍ بدرهم؛ لأنَّ "من" للتبعيضِ، و"كُلّ" للعددِ، فيكونُ مجهولًا. (ومَنْ باع معلومًا ومجهولًا صفْقةً) أي: عقدًا واحدًا، كبعتُكَ هذا العبدَ وثوبًا غيرَ معيَّن (صحَّ) البيعُ (في المعلومِ بقسطِه) من الثمنِ، وبطلَ في المجهول (مالم يتعذَّرْ علمُ المجهولِ) كبعتكَ هذا الفرسَ وحَمْلَ الأُخرى بكذا (فيبطلُ) البيعُ (فيهما إنْ لم يبيِّن ثمنَ كلٍّ) منهما؛ لأنَّ المجهولَ لا يصحُّ بيعُه؛ لجهالته، والمعلومُ مجهول الثمن، فإنْ بيَّن ثمنَ كلٍّ منهما، صحَّ في المعلوم بثمنه. (وإنْ باع مُشاعًا بينَه وبَيْنَ غيرِه) بلا إذنٍ، صحَّ في ملكه بقسطِه (أو) باع (عبدَه
следующие страницы →