وهذا إسناد صحيح، وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي هو دُحيم الثقة الحافظ المتقن، ومن أئمة الجرح والتعديل، خالف موسى بن عامر ـ راويه عن الوليد ـ عند ابن عدي، فجعله عن الأوزاعي عن الزهري عن جعفر بن عمرو ابن أمية عن أبيه، وعن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، وليس عن الأوزاعي عن داود بن علي عن أبيه عن جده (١) .
ثم لم يأت بهذه اللفظة المنكرة جداً: " يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء "، ولم يتفرد بالحديث الأوزاعيُّ عن الزهري، فروى أصله عنه عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه: عقيلُ، وصالحُ بن كيسان، وإبراهيمُ بن سعد، وشعيبُ بن أبي حمزة، ومعمرُ، ويونس، وعمرو بن الحارث، كما في "تحفة الأشراف" (١٠٧٠٠) .
ورواه ـ بالزيادة ـ عن الزهري: عمرو بن الحارث، ورواها ـ فقط ـ عنه هشام بن عروة، كما رواه هشام عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده كما في "التحفة" أيضاً (٦٢٨٩) .
وحديث عمرو بن الحارث وهشام ـ بطريقيه ـ في "صحيح مسلم" (برقم ٣٥٤، ٣٥٥) (١ /٢٧٣، ٢٧٤) .
стр. 142
بل رواه بعض الضعفاء عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ـ بدون هذه الزيادة المنكرة عند ابن عدي ـ ورواية هؤلاء في "المعجم الكبير" (١٠ /٣٤٠ ـ ٣٤١) . بل تقدم أن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ـ أحد الضعفاء أيضاً ـ رواه عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه به عند ابن عدي، وهي كذلك
عند الطبراني في "الكبير".
وهذا أصح من الرواية التي أبهمت شيخ ابن ثوبان لضعف في (غسان بن الربيع الموصلي) ، وكان شيخاً صالحاً ﵀.
أما (موسى بن عامر) الذي خالف دحيماً في إسناد الحديث، وزاد الزيادة المنكرة، فهو (ابن عمارة بن خريم أبو عامر المُري الخزيمي الدمشقي) روى عنه أبو داود (١) ، والنسائي في "الكنى" له ترجمة جيدة في "الكامل" (٦ /٢٣٤٩) ، قال ابن حبان في " الثقات " (٩ /١٦٢) : " يُغرب ".
وقال الذهبي في "الميزان" (٤ /٢٠٩) : " صدوق صحيح الكتب، تكلم فيه بعضهم بغير حجة، ولا ينكرله تفرده عن الوليد، فإنه أكثر عنه ".
قلت: ولكن ينكر له مخالفة مثل دحيم ﵀ الذي لم يلقَ (عبد الله
стр. 143
بن محمد بن سيار الفرهيناني الحافظ) ـ على تشدده ـ شامياً أعلى منه، والذي قال فيه أبو داود: " حجة، لم يكن بدمشق في زمنه مثله ".
ثم أنتقل ـ بحول الله العليم القدير ـ إلى سائر الأحاديث التي ساقها ابن عدي لداود بن علي ـ رحمهما الله ـ فأقول:
(ثم روى) عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى ـ وهما ضعيفان ـ عنه بالإسناد قال: " بعثني العباس إلى رسول الله ﷺ مُمسياً وهو في بيت خالتي ميمونة، قال: فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فلما صلى الركعتين قبل الفجر قال: " اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي " قال: "حديثاً طويلاً في الدعاء ".
(ثم من طريق) الحسين بن عمارة عن داود به: " أن النبي ﷺ كان يختم وتره بهذا الدعاء وهو جالس حين يفرغ من الوتر: " اللهم إني أسألك ... " فذكر مثل ما قبله، وعلق نفس التعليق.
(ثم روى) من وجه آخر عن ابن أبي ليلى به، فذكر قطعة أخرى من نفس الدعاء المتقدم.
(ثم روى) من طريق ابن أبي ليلى به، أن رسول الله ﷺ قال: "علق السوط حيث يراه أهل البيت ".
(ثم من طريق) قيس بن الربيع عن داود به " اجعلوا السوط حيث
стр. 144
يراه أهل البيت " وقال: " هكذا قال لنا الشطوي " يعني: شيخه في هذا الإسناد قيس، عن داود، وإنما هو قيس عن ابن أبي ليلى، عن داود.
(ثم رواه) من وجه آخر عن قيس، عن ابن أبي ليلى به نحوه والحديث رواه النضر بن علقمة عن داود بنحوه عند البخاري في "الأدب" (١٢٢٩) ، والنضر مجهول.
(ثم روى) من طريق سليمان بن قرم عن محمد بن سعيد (تحرف في طبعتي الكامل إلى: محمد بن شعيب) عن داود به: " أن النبي ﷺ أُتي بطير، فقال: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) فجاء عليُّ فأكل معه".
وقال: " وهذا يرويه عن داود محمد بن سعيد (١) ، ومحمد بن سعيد لا أعرفه، ويرويه عن محمد بن سعيد: سليمان بن قرم، وعن سليمان بن قرم: حسين بن محمد المرّوذي " (٢) .
قلت: وسليمان بن قرم أيضاً ضعيف الحديث، لكنه لا يحتمل رواية هذا الإفك، ولا شك أن البلاء من شيخه وحده.
(ومن طريق) حسين ـ يعني ابن أبي بردة ـ عن قيس، عن ابن
стр. 145
أبي ليلى، عنه، عن أبيه: أن ابن عباس نزل عن قوله: حيث سمع أبا سعيد الخدري يروي عن رسول الله ﷺ أنه "نهى عن الصرف" وقيس وابن أبي ليلى ضعيفان.
والراوي عن قيس أورده العقيلي في "الضعفاء" (١ /٢٥٣) ومن طريق عفيف بن سالم عن شريك عنه عن ابن عباس (كذا، والظاهر أنه سقط منه: عن أبيه) مرفوعاً: " يمن الخيل في شقرها ".
وهذا منكرٌ بهذا الإسناد، لا تصح نسبته إلى داود، إنما رواه يزيد بن هارون وحسين بن محمد المروذي (١) عن شيبان بن عبد الرحمن عن أخيه عيسى بن علي ابن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده.
والعجيب أن أبا حاتم الرازي ﵀ صحح رواية زيد بن الحباب عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، ورواية حسين بن محمد المروذي عن شيبان عن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده.
وهاتان الروايتان لم أقف عليهما البتة.
أما حديث حسين بن محمد، فقد رواه الأئمة والحافظ: أحمد، وابن معين، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وجعفر بن محمد بن شاكر الصائغ عنه عن شيبان عن عيسى به.
стр. 146
وإنما أطلتُ في بيان نكارة نسبة هذا الحديث ـ خاصةً ـ إلى داود بن علي ـ رحمهما الله ـ لأن شريكاً القاضي ﵀ يُعدُّ من أمثل من روى عن داود فيما ساقه له ابن عدي.
على أن في الطريق إليه (حرب بن محمد الطائي) والد (علي بن حرب) سكت عليه ابن أبي حاتم، وأورده ابن حبان في " الثقات "، وروى من طريق ابن أبي ليلى عن داود به أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: إن لي والدَين، وإنهما يمنعاني من الجهاد، فقال: " بِرَّهُما، فإنك في جهاد "، وابن أبي ليلى سيء الحفظ جداً، وفي الطريق إليه: محمد بن حميد الرازي وهو واهٍ.
(ثم روى) بنفس إسناد الطبراني حديث: " إن المؤمن خلق ... " إلا أنه قال: " مفتوناً ". وفي الإسناد شكٌ، إذ فيه: " ثنا عتبة بن يقظان أو ابن أبي اليقظان (١) لا أدري ممن.
وقال ابن عدي ـ عقبه ـ: " قال لنا القاسم ـ يعني: المطرز ـ: كتب عني هذا الحديث أبو أحمد بن عبدوس "، قلت: هو الثقة الحافظ (محمد بن عبدوس بن كامل السلمي البغدادي السراج) قال الخطيب (٢/٣٨١) : " وكان من أهل العلم والمعرفة
стр. 147
والفضل "، وهو أكبر من القاسم المطرز ـ إذ أدرك بعض من لم يدركهم ـ وإن شاركه في بعض الشيوخ كأبي بدر شجاع بن الوليد، وتوفي قبله بنحو اثنتى عشرة سنة، سنة ٢٩٣، ولعله كتبه عنه لغرابته، وشدة الفردية في إسناده.
(ثم روى ابن عدي) من طريقين عن حبان بن علي العنزي ثنا ابن أبي ليلى عن داود به: " ولد الزنا شر الثلاثة، إذا عمل بعمل أبويه "، تفرد به حبان وكان
ضعيفاً.
وقال الطبراني في "الأوسط" (٧٢٩٤) : " لم يرو هذا الحديث عن داود بن علي إلا ابن أبي ليلى، تفرد به بكر بن يحيى بن زبان ".
قلت: ولا يقُال: تابعه بشر بن آدم الضرير عند ابن عدي، فإن سليمان بن محمد الخزاعي ـ وهو الدمشقي ـ شيخ ابن عدي فيه، قال أبو أحمد الحاكم: " فيه نظر "، وقال ابن عبد البر: " لا يحتج به " (١) ، وهو معروف روى عنه جمع كبير.
стр. 148
وكأن ذلك خفي على الحافظ ﵀ فقال في ترجمته من "اللسان" (٣/١٠٤) : " وما عرفتُ سليمان بعد ".
وسبحان الله، جئتُ أدافع عن جزم الطبراني بتفرد ابن زبان به عن مندل، فإذا بي أجده يروي عين الحديث في "المعجم الكبير" (١٠ /٣٤٦ رقم ١٠٦٧٤) عن أبي زرعة الدمشقي ثنا محمد بن الصلت الكوفي ثنا مندل به.
ومحمد بن الصلت ليس متهماً ولا مخلطاً، بل هو ثقة من شيوخ البخاري (١) ، ووثقه ابن نمير، والرازيان وغيرهم.
(ثم روى) ابن عدي من طريق سليمان بن أبي هوذة، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن محمد بن أبي ليلى عن داود به: "أن رسول الله ﷺ احتجم، وهو صائم".
(وبإسناد حديث) : " برهما فإنك في جهاد ": " أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ
فقال: يا رسول الله، إن داري شاسع فهل تنفعني التقوى؟ قال: نعم، وإن كنت في جحر فأرة ".
وتقدم أنه إسناد تالف، ثم ما علاقة ضيق أو اتساع الدار بالتقوى؟!
ثم روى من طريق عبد الله بن يوسف ـ وهو التنِّيسي ـ ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن داود بن علي، عن عبد الله بن عباس (كذا، والظاهر أنه سقط منه: عن أبيه) ، أنَّ النبي ﷺ " كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة، ألم تنزيل ".
قلت: ورجاله كلهم ثقات، وسعيد بن عبد العزيز من الثقات الأثبات، وقدَّمَهُ بعضهم على أهل الشام بإطلاق، وبعضهم على الأوزاعي ﵀ وجعله بعضهم بعده رأساً، أما القول باختلاطه؛ فيرى البعضُ أنه اختلط قبل موته، ووصفه البعض بأنه " تغيّر " والأكثرون لم يتعرضوا لهذه القضية أصلاً.
стр. 149
والذي لاح لي بعد النظر في عدة تراجم له:
أولاً: أنه اختلط قبل موته بيسير.
ثانياً: أنه كان يأبى التحديث في هذه الحالة.
قال عباس الدوري ﵀ في "تاريخه" (٣ /٤٧٩ رقم ٥٣٧٧) :
" سمعت يحيى يقول: قال أبو مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يُعْرَضُ عليه قبل (١) أن يموت، وكان يقول: لا أُجِيْزُهَا ".
وعليه، فهذا إسناد صحيح إلى داود بن علي ﵀ وهو الحديث الوحيد في جميع ما ساقه له ابن عدي الذي يصح إسناده إليه ـ في نقدي ـ.
أما قوله هنا: " عن داود بن علي " فالظاهر أنه من تصرف الرواة، فإنه كان لايذكر صيغ الحديث ـ أصلاً ـ عن شيوخه لا احتيالاً ولا تدليساً، حاشاه ـ رحمة الله تعالى عليه ـ.
قال أبو زرعة الدمشقي ﵀ في "تاريخه" (١ /٣٦٠ رقم ٧٦٩) : "فقلت لأبي مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز يقول: حدثنا؟ قال: لا.
стр. 150
قلت: كيف كان يقول؟ قال: يقول يعني: مكحول، ربيعة أو كما قال ".
ومعناه ـ إن شاء الله ـ أنه كان يقول: " مكحول: " ويذكر قوله أو الأمر المتعلق به، ويقول: " ربيعة: " ويذكر قوله أو الأمر المتعلق به بإسقاط آلة التحديث وليس كما قال محقق "التاريخ" (١) في الحاشية: "يقصد أن سعيداً يقول: يقول مكحول، يقول ربيعة، أو كما قال مكحول ... "، وإن استشهد بتعليقه.
ولو كان الأمر كما فهم، لقال: " يقول: يقول ـ يعني مكحولاً ـ ربيعة ... " جواباً لسؤال: " كيف كان يقول؟ ". كذلك قوله: " أو كما قال مكحول " فيه إغراب، بل الظاهر أنه قول أبي زرعة الدمشقي نفسه، والعلم عند العليم الخبير ـ جلَّ وعزَّ ـ.
وأخيراً، يظهر لي أن في متن هذا الحديث اختصاراً، إذ الثابت عن النبي ﷺ من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قراءة (ألم تنزيل) في الركعة الأولى من فجر الجمعة و (الإنسان) في الركعة الثانية.
стр. 151
وبقى من كلام ابن عدي ﵀ قوله في آخر الترجمة: " وهذا الذي
أمليتُ لداود هو عامة ما يرويه، ولعله لا يروي غير ما ذكرتُه إلا حديثاً أو حديثين، وعندي أنه لا بأس برواياته عن أبيه، عن جده، فإن عامة ما يرويه عن أبيه عن جده " أهـ.
قلت: قد وقفت عليهما بفضل الله ومدارهما ـ أيضاً ـ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عنه!
الأول: رواه الطبراني في "الكبير" (١٠ /٣٤٥، ٣٤٦ رقم ١٠٦٧٣) :
" حدثنا عبيد (١) بن محمد بن صبيح الزيات الكوفي ثنا محمود بن بكر بن عبد الرحمن ثنا أبي عن عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن داود بن عليّ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ استسقى فقال: " اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضارٍّ "، فما لبثنا أن مُطِرنا حتى سال كل شيء حتى أتوه، فقالوا: قد غرقنا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حوالينا، ولا علينا ".
قال الهيثمي في "المجمع" (٢ /٢١٣) : " وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام كثير ".
قلت: ومحمود بن بكر بن عبد الرحمن لم أقف له على ترجمة، وإن ذكره المزي في جملة الرواة عن أبيه في "التهذيب" (٤ /٢١٩) .
стр. 152
الثاني: رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" (٢٠١٩) و"مختصر الزوائد" (١٧١٦) : " حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي (١) ، ثنا محمد ابن عمران (٢) بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني أبي، ثنا ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ قال: ... " لا تجلسوا في المجالس، فإن كنتم لابد فاعلين، فردّوا السلام، وغُضُّوا البصر، واهدوا السبيل، وأعينوا على الحمولة ".
قال الهيثمي في "المجمع" (٨ /٦٢) : " رواه البزار، وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو ثقة سيء الحفظ، وبقية رجاله وُثِّقوا ".
قلت: محمد بن أبي ليلى لا يستحق وصف (الثقة) إلا على معنى (العدالة) وليس هو المتبادر عند الإطلاق عندهم.
وأحسن منه قول الحافظ ابن حجر ﵀ في "مختصر الزوائد": " والراوي عنه ـ يعني داود بن علي ـ: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقيه فاضل، لكنه سيء الحفظ ".
قلت: والراوي عنه ابنه عمران، ليس له شيخ سواه، ولم أرَ توثيقه
стр. 153
لمعتبر، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨ /٤٩٦) . فالخلل يدور بينه وبين أبيه، وإن كان هو أَستَرُ حالاً.
وهذا الحديث دلَّني على موضعه عند البزار أخي الفاضل الحبيب المتواضع ... ـ إن شاء الله ـ طارق بن محمد آل بن ناجي في الطبعة الثانية من كتابه القيم ... "التذييل على كتب الجرح والتعديل"، حيث ترجم لـ (داود بن علي) ـ رحمهما الله ـ (رقم ٢٦٣ ص ٩٤، ٩٥) وزاد على بعض نصوص "التهذيب" بقوله:
" قلت: قال أبو بكر البزار: " لم يكن بالقوي في الحديث، على أنه لا يتوهم عليه إلا الصدق، وإنما يُكتب من حديثه ما لم يروه غيره ".
وأحال على مواضع ترجمته في "الكامل" ـ الطبعة الثانية ـ و"كشف الأستار" و"البحر الزخار" (١) ، يزاد عليه ـ إن شاء الله ـ "مختصر الزوائد" للحافظ ﵀ وقد اختصر كلام البزار بقوله: " قال: لا نعلم: " وأعينوا على الحمولة " إلا في (٢) هذا، وداود ليس بالقوي في الحديث، ولا يتوهم عليه إلا الصدق ".
وأصل اللفظ: " لا نعلم لابن عباس غير هذا الطريق، وروي عن غيره بألفاظ، ولا نعلم في حديث: وأعينوا على الحمولة إلا في هذا ... " إلخ.
стр. 154
* وقال ابن حبان في "الثقات" (٦ /٢٨١) : " داود بن علي بن عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب الهاشمي، أخو عيسى ومحمد، يروي عن أبيه، روى عنه ابن أبي ليلى والمسور بن الصلت، يخطيء ".
قلت: لم يذكر ابن حبان واحداً منهما في "الثقات"، أما ابن أبي ليلى فقال في "المجروحين" (٢ /٢٤٤) : " كان رديء الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، يروي الشيء على التوهم، ويحدِّثُ على الحسبان، فكثر المناكير في رواياته فاستحق الترك، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ".
ووهَّى مسور بن الصلت أيضاً، فقال في "المجروحين" (٣ /٣١) : " كان غالياً في التشيع يشتم السلف، وكان يروي عن الثقات الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به، كان أحمد بن حنبل يكذِّبُه، وأما يحيى فحسن القول فيه ".
ثم روى عن صالح بن محمد قال: " سألت يحيى بن معين عن مسور بن الصلت، فقال: شيخ صدوق ".
قلت: لم أقف لمسور بن الصلت على حديث يرويه عن داود ﵀ ولعل ابن حبان أراد ذكرهما على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر، فإن ابن أبي ليلى أكثر عنه جداً كما رأينا عند استعراض مروياته.
أما رأي الحافظين الذهبي وابن حجر في داود:
* فقال الذهبي في "المغني" (١ /٢١٩) : " ليس حديثه بحجة. قال ابن معين: أرجو أنه لا يكذب ".
стр. 155
(وقال) في "الكاشف" (١ /٢٩٠) : " وُثِّق، فصيح مُفَوَّه بليغ، عاش ٥٣ سنة، تُوُفِّي سنة ١٣٣ ".
(وقال) في "السير" (٥ /٤٤٤) : " له حديث طويل في الدعاء، تفرد به عنه ابن أبي ليلى، وقيس، وما هو بحجة. والخبر يُعَدُّ منكراً، ولم يقحم أولو النقد على تليين هذا الضرب لدولتهم، وكان داود ذا بأس وسطوة وهيبة وجبروت وبلاغة. وقيل كان يرى القدر ".
قلت: بل الحديث رواه قيس عن ابن أبي ليلى عنه كما هو عند ابن خزيمة (١١١٩) وابن عدي والطبراني (١٠ /٣٤٣ رقم ١٠٦٦٨) ولم يروه عنه رأساً.
وتوبع قيس عند الترمذي (٣٤١٩) من عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ـ وتقدم الكلام فيه ـ والذي تابع ابن أبي ليلى حقاً هو (الحسنُ بن عمارة ... البجلي الكوفي) ـ أحد المتروكين ـ عند ابن عدي ـ بإسناد لا يصح إليه ـ والبيهقي في "الدعوات" (٦٩) بإسناد جيد إلى الحسن به.
فوائد:
الأولى: اختَلَف الحافظ الذهبي مع الحافظ ابن عدي ـ رحمهما الله ـ في الحديث الواحد لداود بن علي ـ الذي عناه ابن معين ـ وسيأتي كلامه الآن أثناء النقل من ترجمة داود من "تاريخ الإسلام".
قال الذهبي ﵀ في وفيات (١٣١: ١٤٠) من "تاريخ الإسلام"
стр. 156
(ص ٤١٢) ـ عقب قول يحيى بن معين: "أرجو أنه ليس يكذب، إنما يحدث بحديث واحد " ـ: " قلت: يعني: حديث آدم بن أبي إياس وعاصم بن علي عن قيس عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن ابن عباس، الحديث الطويل في الدعاء، تفرد به ابن أبي ليلى عنه ـ وليس بذاك ـ، وقيس (١) ـ وهو ضعيف ـ، لكنهما لا يحتملان هذا المتن المنكر، فالله أعلم.
وفي الخلفاء وآبائهم وأهلهم قوم أعرض أهل الجرح والتعديل عن كشف حالهم خوفاً من السيف والضرب، وما زال هذا في كل دولة قائمة يصف المؤرخ محاسنها ويُغضي عن مساوئها، هذا إذا كان المحدث ذا دين وخير، فإن كان مدَّاحاً مُداهناً لم يلتفت إلى الورع، بل ربما أخرج مساويء الكبير وهنّاته في هيئة المدح والمكارم والعظمة، فلا قوة إلا بالله.
وكان داود هذا من جبابرة الأمراء له هيبة ورواء، وعنده أدب وفصاحة، وقيل: كان قدرياً ".
* وقال الحافظ في "التقريب" (١٨١٢) : " مقبول، من السادسة، مات سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابن اثنتين وخمسين ".
قلت: يعني أنه (لين الحديث) حيث تفرد، ولم يتابع.
стр. 157
الثانية: وقفت لدواد بن علي ـ رحمهما الله ـ على حديثين أعضلهما عن
النبي ﷺ ولم يسندهما عن أبيه عن جده.
فقد كنت علّقت ـ منذ زمان بعيد ـ في آخر ترجمته من "الكامل" (٣ /٩٥٩) بقولي: " روى الدارمي ١/٣٥ من طريق الأوزاعي عنه قال: قيل: يا رسول الله ألا نحجبك، فقال: لا، دعوهم يطؤون عقبي وأطأ أعقابهم حتى يريحني الله منهم) أهـ.
كذا كتبتُ، لَعلّه مما يقرب من عشرين عاماً.
وتركت أشياء يسيرة مثل (علامة الاستفهام) بعد " ألا نحجبك ". ووضع الكلام النبوي بين أقواس هكذا " ... ".
ولعلي فعلتُ ذلك ذهولاً عن هذه الآداب أو استعجالاً، وإسناد هذا الحديث إلى الأوزاعي صحيح، وقد غلطتُ غلطاً آخر، فإن صواب الرقم (١/٣٦) .
والحديث الثاني: أورده بعد الأول صاحب " بذل المساعي في جمع ما رواه الإمام الأوزاعي " ـ جزاه الله خيراً ـ في (قسم المراسيل) تحت (ما أرسله الأوزاعي عن داود بن علي) في (الرقمين ٥٩٠، ٥٩٠أ) ، فقال:
" قال ابن شبّه (١) ـ رحمه الله تعالى ـ: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا الأوزاعي، عن داود بن علي، أن رسول الله ﷺ احتجم بموضع يقال له
стр. 158
القارة فشرط بكسرة شفرة، فمر به عيينة بن بدر فقال له: يا محمد علام تعطي هذا الأعرابي يبطط جلدك؟
فقال: " إن هذا الحجم خير ما يُداوى به ".
وهذا ـ مع إعضاله ـ فيه محمد بن مصعب القرقساني، وهو ضعيف.
وقد روى قريباً منه أحمد في "مسنده" (٥ /٩، ١٥، ١٨، ١٩) والحاكم في "المستدرك" (٤ /٢٠٨ ـ ٢٠٩) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن حصين ابن أبي الجر، عن سمرة بن جندب ﵁ وكذا الطبراني في "الكبير" (٧ /١٨٥ ـ ١٨٦ رقم ٦٧٨٤: ٦٧٨٧) ، اختصره شعبة عن عبد الملك، وطَوَّله جماعة ورجاله كلهم ثقات.
ثم تبين لي أن النسائي رواه في "السنن الكبرى" (٧٥٩٦) من طريق داود الطائي ﵀ عن عبد الملك به.
والآن أنتقل إلى آخر رجل في إسناد هذا الحديث، ألا وهو:
١ ـ علي بن عبد الله بن عباس:
هو (أبو محمد ـ ويقال: أبو عبد الله ـ علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المدني نزيل (١) الشام) .
стр. 159
والد محمد، وعيسى، وداود، وسليمان، وعبد الصمد، وإسماعيل، وصالح، وعبد الله بني عليِّ، ثقة متفق على توثيقه وفضله، روى له البخاري في "الأدب" وسائر الستة.
* قال البخاري ﵀ في ترجمته من "التاريخ الكبير" (٦ /٢٨٢) : "علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي. ويقال: كنيته أبو عبد الله. حجازي، يحدث عن أبيه، روى عنه ابنه محمد والزهري ".
* وقال ابن سعد ﵀ في "الطبقات الكبرى" (٥ /٢٢٩) :
" ... وهو كندي (يعني: تبعاً لوالدته) ويكنى أبا محمد، ولد ليلة قتل علي ابن أبي طالب ـ رحمة الله عليه ـ في شهر رمضان سنة أربعين ... ".
(حتى قال) : " وكان علي بن عبد الله بن عباس أصغر ولد أبيه سناً، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه، وأكثر صلاة، وكان يقال له: السَّجَّاد لعبادته وفضله ... ".
(حتى قال) : " وكان ثقة قليل الحديث ". وختم الترجمة بأن روى عن الواقدي قال:
" تُوُفي علي بن عبد الله بن عباس سنة ثماني عشرة ومائة " قال: " وقال أبو معشر وغيره: توفي بالشام سنة سبع عشرة ومائة ".
قلت: الأكثرون على قول الواقدي، وهو الذي رجَّحه ابن حبان والذهبي والحافظ ـ رحمهم الله تعالى ـ.
* وقال ابن أبي حاتم ـ رحمهما الله ـ في "الجرح والتعديل"
стр. 160
(٦ /١٩٢) :
" علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي حجازي وكنيته أبو عبد الله روى عن أبيه. روى عنه بنوه: عبد الصمد، وسليمان، ومحمد، سمعت أبي يقول ذلك ".
(ثم قال) : " سئل أبو زرعة عن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: مديني ثقة ".
* وقال العجلي ﵀: " تابعي ثقة " كما في " ترتيب معرفة الثقات " (١٣٠٥) .
* وقال ابن حبان في "الثقات" (٥ /١٦٠) :
" ... كنيته أبو محمد، وقد قيل: أبو عبد الله، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب فَسُمِّي باسمه، يروي عن أبيه، روى عنه الزهري وابنه محمد بن علي، وكان من العُبَّاد يصلي في كل يوم ألف ركعة، وكان يخضب بالوسمة، مات بالشام سنة ثمان عشرة ومائة، وقد قيل: سنة أربع عشرة ومائة، وقد قيل: سنة سبع عشرة ومائة، أمه زرعة بنت مشرح بن معديكرب ".
(وقال) في "مشاهير علماء الأمصار" (٤٣٧) :
" ... أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب فسُمِّيَ باسمه، وكان من عباد أهل المدينة وصالحي بني هاشم، كان يصلي في كل يوم ألف ركعة، مات بالشام سنة ثماني عشرة ومائة ".
قلت: أما صلاته في كل يوم ألف ركعة، فصحيح ثابتٌ عنه رواه عنه علي ابن أبي حملة وجماعة ـ وكان ابن أبي حملة قد أدركه ـ كما في
стр. 161
"تاريخ دمشق" (٤٣/٤٨ ـ ٤٩) ، وفيه رد على قول الهيثمي ﵀ في "المجمع" (٢/٢٥٨) : رواه الطبراني في الكبير وإسناده منقطع.
ورُوي في تفصيل هذه الركعات قصة طريفة، فعند ابن عساكر أيضاً من طريق يعقوب بن شيبة حدثني صاحبنا أحمد بن أبي موسى، نا محمد بن يحيى الأزدي، نا هشام بن سفيان، عن ابن المبارك، قال: " كان لعلي بن عبد الله بن عباس خمسمائة أصل شجرة، فكان يصلي كل يوم إلى شجرة ركعتين ".
وهذا إسناد منقطع، ابن المبارك ﵀ ولد في السنة التي مات فيها علي بن عبد الله ـ سنة ١١٨ ـ (لِلَّهِ) وشيخ يعقوب بن شيبة لم أهتد إليه الآن.
وأما وصفه بأنه كان يخضب بالوسمة، فروى ابن عساكر أيضاً من طريق أبي بكر محمد بن الحسين بن شهريار، أنا أبو حفص الفلاس، حدثني ميمون بن زياد العدوي، نا أبو سنان، قال: " كان علي بن عبد الله بن عباس معنا بالشام، وكانت له لحية طويلة، وكان يخضب بالوسمة، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة". وابن شهريار مختلفٌ فيه، وشيخ الفلاس لم أهتد إليه.
هذا وقد ترجم له الذهبي ﵀ في موضعين من "السير" (٢ /٢٥٢ ـ ٢٥٣ رقم ١١٦) و (٥ /٢٨٤ ـ ٢٨٥ رقم ١٣٤) وذكر فيهما أشياء لا تصح بصيغة الجزم، ذكرتُ بعضها.
ومنها
стр. 162
قوله: " قال علي بن أبي حملة: دخلت على علي بن عبد الله، وكان جسيماً آدم، ورأيت له مسجداً كبيراً في وجهه ".
وهذا في "تاريخ دمشق" (٤٣ /٤٩) بزيادة: " ... داره بدمشق ... " وفي إسناده أحمد بن مروان الدينوري، رماه الدارقطني بالوضع، وهو صاحب كتاب "المجالسة".
* وأختم بترجمة هذا الرجل الصالح من "التقريب" (٤٧٩٥) حيث قال الحافظ ﵀:
" ... أبو محمد، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة ثماني (١) عشرة على الصحيح ".
والآن، أستعرض كلام العلماء والباحثين في طرق هذا الحديث، كل طريق على حدة بإذن الله.
* طريق الطبراني في "الكبير" عن الحسن بن العباس الرازي عن أحمد بن أبي سريج الرازي عن علي بن حفص المدائني عن عبيد المكتب الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس.
٢ ـ قال الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (١٠ /٢٠١) : " رواه
стр. 163
الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" ـ باختصار ـ، وأحد أسانيد "الكبير" رجاله ثقات، وله السياق " يعني: هذا.
٣ ـ وقال العراقي ﵀ في " المغني عن حمل الأسفار في الأسفار " (٣٦٤٤) (وقد أورده الغزالي ﵀ في "الإحياء" (٤ /٤٤) بلفظ: وفي الخبر: " لابد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة ") : " الطبراني والبيهقي في "الشعب" من حديث ابن عباس بأسانيد حسنة ".
٤ ـ والحديث مرموز له في "الجامع الصغير" بالرمز (ح) أي: حسن، قال المناوي في "فيض القدير" (٥ /٤٩١) : " قال الهيثمي: أحد إسناد (كذا والصواب: إسنادي) الكبير رجاله ثقات ".
٥ ـ وقال أحمد بن محمد بن الصديق الغماري ـ عليه من الله ما يستحق ـ في "المداوي" (٥ /٥٢٨) : " لم يتعرض الشارح لذكر مخرج آخر لهذا الحديث مع أنه مخرج أيضاً في مسند الشهاب للقضاعي الذي اختصرة الشارح ورتب أحاديثه، قال القضاعي: أخبرنا أبو علي الحسن بن خلف الواسطي ... " فساق الإسناد الذي فيه (عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني) ـ الوضَّاع كما تقدم ـ وأعله في مكان آخر بغيره كما سيأتي.
٦ ـ وقال الغماري ـ عليه من الله ما يستحق ـ في "فتح الوهّاب" (٢ /٦٣) : " محمد بن سليمان الخزاز ضعيف. لكن رواه الطبراني في
стр. 164
الكبير والأوسط من حديثه أيضاً (يعني: ابن عباس) بأسانيد أحدها في الكبير رجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي ".
٧ ـ وقال حمدي السلفي في حاشية "فتح الوهاب": " رواه الطبراني في الكبير (١١٨١٠) بإسناد رجاله ثقات ... ".
(وقال) في حاشية "مسند الشهاب" (٢ /٢٤) : " ورواه الطبراني في الكبير (١١٨١٠) من طريق آخر عن ابن عباس ورجاله ثقات كما في المجمع (١٠/٢٠١) ولذا صحَّحَه شيخنا ... ".
قلت: لم يُصَحِّحْه الشيخ الألباني لقول الهيثمي ـ بمجرده ـ بل إنه نظر بنفسه في إسناده وأداه اجتهاده إلى تصحيحه كما يأتي.
٧ ـ وقال محقق "شعب الإيمان" (١٢ /٤٣٥ الطبعة السلفية) : بعد ذكر الرمز لحسنه وعزو المناوي أيضاً للأوسط ـ: " وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠ /٢٠١) : رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وأحد إسنادي "الكبير" رجاله ثقات، وقال الألباني: صحيح (صحيح الجامع الصغير) (٥٦١١) .
٨ ـ وقال الألباني ﵀ في "صحيح الجامع الصغير" (٥ /١٧٢) عند الحديث (٥٦١١) : " صحيح "، وأحال على "الصحيحة" (٢٢٧٧) وقال في "الصحيحة" (٢٢٧٦) ـ بعد أن ساق إسناده ـ: " قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال "الصحيح"، غير الحسن بن العباس الرازي، وهو ثقة، كما قال الخطيب (٧ /٣٩٧) مات سنة تسع وثمانين ومائتين، والظاهر أنه قد توبع فقد قال الهيثمي
стр. 165
في "المجمع" (١٠ /٢٠١) ... " فذكره، ثم قال الشيخ: "أقول: فإني لم أره في ترجمة الرازي هذا من "الأوسط"، والله أعلم ".
قلت: لم يروه الطبراني ـ بهذا الإسناد ـ إلا في "الكبير"، وما أحراه أن يكون مروياً ـ به ـ في "الأوسط" الذي ضمّنه غرائب شيوخه، فإنه ينطبق عليه أنه (لم يروه عن عبيد المكتب عن عكرمة إلا علي بن حفص المدائني) وأنه (تفرد به أحمد بن أبي سريج الرازي) وأنه (لم يروه بهذا الإسناد إلا الحسن بن العباس الرازي) ، والله أعلم وأَجَلُّ وأكرم.
أما كون (رجاله رجال الصحيح) فالحق أنه ملفق من رجالهما، فأحمد بن
أبي سريج وعكرمة من أفراد البخاري، وعلي بن حفص وعبيد المكتب من أفراد مسلم، والله المستعان.
٩ ـ وقال قاسم بن صالح القاسم ـ محقق " المطالب العالية المسندة " ـ (رقم ٣٢٦٤) : " وذكره الهيثمي في المجمع ... " حتى قال: " وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٥ /٣٤٦) ، وقال: هذا إسناد صحيح. قلت: إسناده حسن لحال علي بن حفص، قال الحافظ: صدوق (التقريب ص ٤٠٠) ... ".
تعقيب:
أـ وجدنا الكثيرين تابعوا الهيثمي على قوله " رجاله ثقات " بدون أن يدرسوا هذا الإسناد بأنفسهم، فكم من إسناد مجزوم بضعفه، قال فيه هذه العبارة.
стр. 166
ب ـ لم نَرَ أحداً بحث: هل عبيد المكتب له رواية عن عكرمة أم لا؟
جـ ـ لم نَرَ أحداً بحث: هل خولف أحد رجال هذا الإسناد أم لا؟
مسألة:
هل يجوز أن يتفرد الطبراني ﵀ في أحد "معاجمه" بحديث صحيح الإسناد، يفوت الأئمة الستة جميعاً، وأحمد في "مسنده"، والصحاح المشهورة؟
الجواب ـ بحول الله العليِّ العظيم ـ:
قال الحافظ الكبير ابن رجب الحنبلي ﵀ في "شرح علل الترمذي" ـ عند الكلام عن الحديث الغريب الذي هو ضد المشهور ـ (ص ٣٠٠ ـ ٣٠١ بتحقيق صبحي السامرائي) : " قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتَنَباً، والثابت مصدوفاً عنه مطرحاً، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين.
وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث لا يُعْنَى بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويُعْنَى بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني وهي مجمع الغرائب والمناكير ".
стр. 167
قلت: فإذا وجدتَ حديثاً في أحد "المعاجم" الثلاثة، رجاله كلهم ثقات أو صدوقون، فلا تتسرع بالحكم عليه بالصحة أو الثبوت، إذ لابد أن تجد فيه خللاً ما، من إعلال، أو شذوذ، أو عدم اشتهار بعضهم بالرواية عن بعض.
وقد يجتمع فيه الأمران جميعاً ـ كما في حديثنا هذا ـ المخالفةُ في الإسناد وانتفاءُ الرواية.
وليس هذا خاصاً بالطبراني وحده، و"مسند البزار"، و"أفراد الدارقطني"، فإنما ذكرها الإمام ابن رجب على سبيل التمثيل بقوله: " وبمثل مسند البزار ... ".
أما البزار فقد سمى كتابه " المسند المعلل " فهو يشبه في معناه " علل ابن أبي حاتم " و" علل الدارقطني "، وفي الغالب يكون الوجه الراجح هو الوجه المرسل، أو الموقوف أو الذي فيه راوٍ مبهم أو ضعيف التبس اسمه باسم ثقة ... إلخ.
نعم، لا تعدم أن تجد فيه حديثاً معلاًّ بالوقف على صحابي، فإن صح الإسناد فيكون أثراً صحيحاً، أو بالإرسال عن كبار التابعين الذين لايُسندون إلا عن أهل الثقة والصدق، أو لايروون إلا عن أصحاب النبي ﷺ كسعيد ابن المسيب، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونحوهما فتكون لهم مكانة متميزة في الاحتجاج أو الاعتبار.
стр. 168
* طريق البخاري، عن أحمد بن الصباح الرازي، عن علي بن حفص، عن عتبة بن عمرو المكتب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
لم أَرَ أحداً ـ في جميع من تعرضوا لهذا المتن ـ أورده، أو تكلم عليه أو تفطن له، والحق أن "التاريخ الكبير" و"تاريخ أبي زرعة الدمشقي" و"تاريخ الدوري" و"تاريخ ابن أبي خيثمة" وغيرها؛ فيها كنوز خفية لا يتفطن لها الكثيرون فـ (في الزوايا خبايا) .
نعم، "التاريخ الكبير" ليس له كبير فائدة عاجلة للمبتدئين ـ فقط ـ أما مطلقاً، فلا.
* طريق محمد بن سليمان بن بزيع عن مصعب بن المقدام عن أبي معاذ عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
١ ـ أشار إليه الهيثمي، ولم يعلق عليه.
٢ ـ قال العراقي: " الطبراني والبيهقي في "الشعب" من حديث ابن عباس بأسانيد حسنة " والبيهقي إنما رواه بإسناد واحد، فيكون العراقي حسَّنه أيضاً.
٣ ـ قال الغماري ـ عليه من الله ما يستحق ـ في "فتح الوهاب" (٢ /٦٣) :
" ومحمد بن سليمان الخزاز ضعيف ... "، ولم يدرك أن الراوي عنه يضع الحديث، وأن أحد الثقات خالفوه، فسموا هذا الشيخ: (محمد بن سليمان بن بزيع) كما أنه أعرض عن سائر
стр. 169
العلل أو لم يتفطن لها، لاسيما وأبو معاذ جزم الطبراني بأنه: (سليمان بن أرقم) .
(وقال) في "المداوي": " لم يتعرض الشارح لذكر مخرج آخر لهذا الحديث
مع أنه مخرج أيضاً في مسند الشهاب للقضاعي ... " وأورد إسناده كله.
مع أن إسناد الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" والأصبهاني في "الترغيب" ليس فيه (عبد الله بن محمد بن جعفر) ، بل إسناد عبد بن حميد والبيهقي في "الشعب" ـ على وهائه ـ أمثلُ من إسنادٍ فيه وضّاع وضعيف (لِلَّهِ) إن كان الخزاز الذي زعم ذاك الوضاع أنه سمعه منه غير ابن بزيع (لِلَّهِ) ، كما قدمت بتفصيل أوضح.
٤ ـ وقال حمدي السلفي في حاشية "فتح الوهاب": " رواه الطبراني في الكبير ... وفي الأوسط (ص ٤٦٠ مجمع البحرين) بإسنادين آخرين "، ولم يتفطن أن أحد الإسنادين الآخرين هو طريق أصح لنفس حديث القضاعي، ولم يحكم عليه.
(وقال) في حاشية "مسند الشهاب" (٢ /٢٤) : " عبد الله بن محمد بن جعفر، اتُّهم بوضع الحديث، ومحمد بن سليمان الخزاز ضعيف، ومصعب بن المقدام صدوق له أوهام، ورواه الطبراني في الأوسط (٤٦٠ مجمع البحرين) من طريق سليمان بن بزيع الكوفي عن مصعب به، وسليمان منكر الحديث ".
وتقدم ما في كلامه من الوهم، وأن الصواب في اسم الراوي (محمد
стр. 170
بن سليمان بن بزيع الكوفي) وأن (سليمان بن بزيع) الذي وُصِف بهذا الوصف (إسكندراني) ، وليس كوفياً.
٥ ـ وقال قاسم بن صالح القاسم ـ محقق "المطالب العالية" ـ:
" وإسناده ضعيف لحال مصعب بن المقدام، قال الحافظ: صدوق له أوهام (التقريب ص ٥٣٣) ، وأبو معاذ إما هو فضيل بن ميسرة البصري وهو صدوق، أو سليمان بن أرقم البصري، وهو ضعيف (التقريب ص ٤٤٨، ٢٥٠) " أهـ. ولم يتعرض للراوي عن مصعب بن المقدام.
٦ ـ وقال أيمن بن صالح في حاشية "الترغيب والترهيب" لأبي القاسم التيمي الأصبهاني (١/٧٦) : " رجاله ثقات قال (الصواب: قاله) الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط، وخّرجه الطبراني في الكبير ١٢/٥٦ عن شيخه محمد بن علي بن مهدي العطار ... ".
ولم يتفطن المسكين أنه ليس هو الإسناد الذي قال فيه الهيثمي " رجاله ثقات" ـ مع أنه عزاه إلى موضعه في " المعجم الكبير " ـ، وأن الهيثمي لم يعقب على هذا الإسناد أصلاً!
٧ ـ واستدل العلامة الألباني ﵀ على أن شيخ الطبراني ـ في الإسناد الأول ـ قد توبع، بكلام الهيثمي، لكنه لم يهتد إلى موضعه في "الكبير" ـ فيما يظهر ـ على العكس من المسكين المذكور.
стр. 171
* طريق عبد الله بن دكين، عن قيس الماصر، عن داود البصري عن ابن عباس.
١ ـ قال الحافظ العراقي ﵀: " الطبراني والبيهقي في "الشعب" من حديث ابن عباس، بأسانيد حسنة "، ولم يروه البيهقي في "الشعب" إلا بهذا الإسناد.
٢ ـ وقال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ﵀ في حاشية "المطالب العالية" (٣ /١٩٨) : " قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، وأحد أسانيد الكبير رجاله ثقات وله السياق (١٠/٢٠١) قلت: سياقه قريب من سياق الكتاب، وسكت على إسناده البوصيري (٣ /١٠٣) " أهـ.
٣ ـ وقال محقق "الشعب" (١٢ /٤٣٤ ـ ٤٣٥) في الحاشية: " إسناده لا بأس به، قيس الماصر ـ هو قيس بن أبي مسلم العجلي الماصري ... " إلخ " داود البصري أبو سليمان الوراق. مقبول، من السادسة، وقيل إنه داود بن أبي هند ولم يصح ذلك (دس) ... ".
قلت: ولم يتعرض لـ (عبد الله بن دكين الكوفي) ، وقدمتُ ما في حُكْمِهِ على هذا الإسناد من النظر، بما يغني عن الإعادة.
٤ ـ وقال الشيخ مصطفى بن العدوي ـ حفظه الله ـ في حاشية "المنتخب من المسند" (١ /٥٧٠) ـ كما تقدم ـ: " في هذا الإسناد
стр. 172
عبد الله (١) بن دكين صدوق يخطيء، ولم نقف له على رواية عن قيس هذا، وقيس هذا لم نعرفه، ولم نقف لداود البصري على رواية عن ابن عباس " أهـ.
وقدمتُ التعقيب على هذا عند الترجمة لرجال هذا الإسناد.
٥ ـ وقال قاسم بن صالح القاسم في حاشية "المطالب العالية":
" هذا الحديث في سنده عبد الله بن دكين وهو ضعيف، وفيه داود البصري لم أُميّزْه، لذا أتوقف في الحكم عليه ".
* طريق عتبة بن يقظان الراسبي، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده.
١ ـ أورده ابن عدي في ترجمة (داود بن علي) ـ رحمهما الله ـ من "الكامل" (٣ /٩٥٨) في معرض الاستدراك على إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين ﵀ في جَزْمه بأن داود ﵀ (إنما يحدِّث بحديث واحد) ، ولم يعقب على هذا الحديث ولا غيره باستنكار، بل ذهب إلى أن داود: " لا بأس برواياته، عن أبيه، عن جده "، ولو قيَّد هذا الإطلاق بقوله: " إن كان دُونَه
ثقة" أو نحو ذلك، لكان أصوب.
٢ ـ قال أبو نعيم في "الحلية" (٣ /٢١١) : " هذا حديث غريب من
стр. 173
حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، لا أعلم أحداً رواه غير ابن نمير، عن عتبة عنه "، وقد تقدم.
٣ ـ وقال قاسم بن صالح في حاشية "المطالب" ـ عقب قول أبي نعيم ـ:
" قلت: سنده ضعيف، فيه عتبة بن يقظان، قال الحافظ: ضعيف، وفيه داود بن علي قال الحافظ: مقبول (التقريب ص ٣٨١، ١٩٩) " أهـ.
стр. 174
تعقيب على هذا الحديث:
في متن هذا الحديث: " ما من عبد مؤمن، إلا وله ذَنبٌ يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مُفَتَّنَاً توَّاباً نَسَّاءً، إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ ".
ألفاظٌ ومعان يأباها القلب، ويستنكر صحتها، فضلاً عن صدورها عن المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
فإن: " ما من كذا، إلا ... " من صيغ الحَصْر عند أهل اللغة، مثل كلمة التوحيد سواءً بسواء (لا إله إلا الله) .
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] .
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] .
وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] .
وقال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحدٍ، إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان ... " الحديث متفق عليه عن عدي بن حاتم ﵁.
فهل حقاً لا يوجد عبد مؤمن مُنذ خَلَقَ اللهُ آدم ﵇ حتى تقوم الساعة إلا وله ذَنْبٌ قد اعتاد إتيانَهُ الحينَ بعد الحينِ؟!
أو ذنبٌ ـ وهذه أعظم ـ هو مقيمٌ عليه ومُصِرٌّ على مواقعته، لا يَفرِقُ بينه وبين مقارفته إلا الموت؟!
стр. 175
وهل هذه الصفة من خصائص ولوازم الإيمان الذي هو أعلى مرتبةً من الإسلام ودون الإحسان؟
لقد وجدتُ كثيراً من الحفاظ والأئمة يعتنون بتفسير لفظة (الفَيْنة بعد الفَيْنة) بأنها (الحين بعد الحين) ، منهم: أبو القاسم التيمي، والديلمي، والبيهقي، دون أن يتعرضوا لأول الحديث لإزاحة هذا الاستشكال.
بل أن قِوَامَ السُّنَّة أبا القاسم التيمي ﵀ لم يورده في أبواب (التوبة والاستغفار) من "ترغيبه" كما فعل أكثرُ من وقفتُ عليه من العلماء، بل أورده في الباب الأول (الإيمان) (فصل في صفة الإيمان والمؤمنين) ، فأورد أحاديث فيها صفات (الصبر) و (السماحة) و (حسن الخلق) و (أن تسرك حسنتك ... وتسوءك سيئتك) .
وحديث: " كيف أصبحت يا حارثة؟ " ـ على ضعفه هو وغيره ـ ونحو ذلك من الصفات الطيبه الصالحة، حتى ختم الفصل بهذا الحديث (رقم ٢٦) وقال ـ عقبه ـ:
" الفينة بعد الفينة، أي: الوقت بعد الوقت، والساعة بعد الساعة ".
ولعله آثر لفظ حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، لأنه ليس فيه هذه اللفظة الشنعاء: " أو ذنب هو مقيم عليه، لا يفارقه حتى يفارق الدنيا " الواقعة في أصح أسانيده ظاهراً والتي لم تقع إلا في " المعجم الكبير " للطبراني ـ عفا الله
عنه ـ ولعله لو كان لفظه:
" ما من عبد مسلم إلا وله ذنب " لكان أهون، كما لو كان اللفظ: " ما من عبد مُحسن ... " لكان أشنع، لما في مدلول مرتبة " الإحسان " من المراقبة الدائمة للحي القيوم الذي (لا يعزُبُ عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض)
стр. 176
مع علمي بأن (الإسلام) و (الإيمان) لو أُفرد كل منهما بالذكر لترادفا، ولو اجتمعا ـ كما في حديث جبريل ـ لتغايرا.
فبالله: أكان أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي هكذا؟ أو يظن بهم ذلك؟
وكذلك طلحة، والزبير، وسعد، وسائر العشرة.
أكان ابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وابن مسعود هكذا؟ أو يظن بأحدهم ذلك؟
أكان سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والأسود بن يزيد، وعلقمة، ومسروق، والربيع بن خثيم هكذا؟
أليس كل هؤلاء مؤمنين أم ماذا؟
إني أخاف أن يُحَرّض هذا الحديثُ المنكرُ على عدم ترك الاعتياد على الذنوب، بل الإصرار عليها بحجة أن هذا لا ينافي الاتصاف بالإيمان، بل بحجة أن أحد كبار الأئمة يرى أنه (من صفات الإيمان والمؤمنين) .
ولقد أحسن الحافظ المنذري ﵀ صُنعاً إذ لم أجد لهذا الحديث عنده أثرٌ في كتابه القيم "الترغيب والترهيب" ـ على كثرة ما فيه من الواهيات ـ ولا يخفى على مثله هذا الحديث وجَوْدَةِ إسناده في الظاهر!!
فإن قال قائل: ألم يقل النبي ﷺ : " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين
التوابون "؟ ، و (كل) أيضاً من صيغ العموم؟
стр. 177
قلت له: نِسْبَةُ هذا الحديث إليه ﷺ غلطٌ عليه، فقد استنكره ابن حبان، وابن عدي، وأبو أحمد الحاكم ﵏ وإنما هو من الإسرائيليات كما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنها.
وإنما الثابت قول ابن عمر ﵄: " كل ابن آدم خطَّاء ـ وفي رواية: ابن آدم خلق خطّاء ـ إلا ما رحم الله ".
ولابد من هذا الاستثناء لأن الصالحين والصديقين من الصحابة وتابعيهم بإحسان ليسوا كذلك، وإنما الذنوب واقعة من أهل الإسلام في الجملة، وما أجمل قوله ﷺ الدال على هذا المعنى ـ: " لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون، يغفر لهم "، وفي اللفظ الآخر: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم " رواهما مسلم عن أبي أيوب وأبي هريرة.
هذا ما بدا لي، ولم يتيسر لي أن أستشير أحداً من أهل العلم، إلا أخاً واحداً حبيباً إلى نفسي أقرَّني على هذا الفهم، وإني بانتظار من عنده جديد في المسألة.
اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره.
اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ، وما أعلَنْتُ، وما أسرَفْتُ، وما أنت أعلم به مني، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله.
стр. 178
من الألغاز: [ برجاء ترك الاستعانة بالأجهزة، والاعتماد على الملكة والقدرة
على البحث] .
الأول: حديث علي بن حفص المدائني الذي رواه عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يُحَدِّث بكل ما سمع "، وخالفه جمهور أصحاب شعبة، فرووه عنه بهذا ... الإسناد مرسلاً.
في حالةٍ واحدةٍ فقط ـ افتراضية ـ يصحُّ القولُ بصحة الحديث مرسلاً، وموصولاً عن أبي هريرة ﵁. ما هي هذه الحالة؟
الثاني: ـ ترجم ابن عساكر ﵀ لـ (عكرمة مولى ابن عباس) في "تاريخه" (٤١ /٧٢: ١٢٦ط. دار الفكر) ، والمراد الإجابتة عن الآتي:
١ ـ ذَكَر في جملة الرواة عنه راويين أخطأ في نسبتهما.
٢ ـ روى عن أبي حاتم الرازي أنه ذكر في ترجمة عكرمة راوياً عَبْدياً اختُلِف في بصريته وكوفيته، واختار أنه كوفي.
٣ ـ فيما رواه عن ابن عدي بإسناده إلى قتادة قال: " ما حفظت عن عكرمة إلا بيت شعر " نكارة إسناداً ومتنا بَيِّن، مستدلاً بكلام أهل العلم.
стр. 179
الثالث: حديث: " من لم يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم ".
صَحَّ موقوفاً على أحد أتباع التابعين، تم تحرير أمر عرض له في ترجمة داود ابن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ بَيِّن ذلك.
وفقنا الله جميعاً لاتباع مرضاته. آمين.
والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.
اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على آل إبراهيم إنك حميدٌ
مجيدٌ.
اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ.
تم الكتاب ـ بحمد الله ـ ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ١٤٢٥هـ والخامس من أكتوبر ٢٠٠٤ م.