وبيانه كالآتي:
* قال الآجري ﵀ في "سؤلاته" (١٩١٧) : سألت أبا داود عن عبد الله بن دكين، فقال: بلغني عن أحمد أنه وثقه ".
وهذا بلاغٌ لا يُحتج به، وما أحمد ﵀ بالذي يجازف بإطلاق توثيق مثله، أو تخفى عليه المناكير التي أتى بها على قلة حديثه.
وقد بحثت فيما تيسر من كتب "السؤالات" وغيرها التي تعتني بنقل أقوال أحمد في الرجال ك "بحر الدم" فلم أقف على أثر لهذا التوثيق ولا غيره، ويلاحظ أيضاً أن أبا داود ﵀ لم يصدر في هذا الرجل برأي حاسم منه.
* وقال عباس بن محمد الدوري ﵀ في "تاريخه" (٣/٣٩٢ رقم ١٩٠٧، ١٩٠٨) : " سمعت (١) يحيى يقول: عبد الله بن بكير، كوفي يروي عنه
يعلى وأبو نعيم، ليس به بأس، وعبد الله بن دكين كوفي ليس به بأس ".
وفصَّل في الرجلين بصورة أكبر في موضع آخر، قال الدوري (٣ /٤٠٤ رقم ١٩٦٥، ١٩٦٦) : " سمعت يحيى يقول: عبد الله بن بكير الغنوي، لا بأس به، سمع منه الفضل بن دكين، وحسين الأشقر، وعبد الله بن دكين، كوفي، وهو ثقة ليس به بأس.
قلت ليحيى: عبد الله بن دكين هذا بينه وبين أبي نعيم قرابة؟ قال: لا ".
стр. 107
أي لأن أبا نعيم ﵀ اسمه (الفضل بن دكين) .
وحكى جماعة عن يحيى بن معين غير ذلك:
قال إسحاق بن منصور عنه: " عبد الله بن دكين ضعيف الحديث ". كما في ترجمته من ... "الجرح والتعديل" (٥ /٤٨ـ ٤٩) .
وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز البغدادي في "معرفة الرجال" (١/٥٧ رقم ٥٩) : " وسمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن دكين، ليس بثقة " وذكر بعده: (عمرو بن شمر) و (حارثة بن محمد بن أبي الرجال) و (أبا المقدام هشام بن أبي هشام) ـ وهو (هشام بن زياد المدني) ـ، ووصفهم بنفس الوصف.
وكل هؤلاء متروكون عند أهل العلم.
وقال أحمد بن أبي يحيى الأنماطي: " سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن دكين ليس بشيء، يروي عنه أبو نعيم " كما في "الكامل" (٤ /١٥٤٢) .
والأنماطي كذبه إبراهيم بن أورمة الأصبهاني، وقال ابن عدي: " له غير
حديث منكر عن الثقات".
وفيما تقدم غنية، ومعنى ما حكاه ثابت عن ابن معين في رواية ابن محرز.
* وقال البرذعي في "سؤالاته لأبي زرعة الرازي" (٢/٣٥٦) : " قلت: عبد الله بن دكين؟ قال: ضعيف الحديث ".
стр. 108
وعنه الخطيب في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٢ـ ٤٥٣) .
* وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٥/٤٩) : " سئل أبي عن عبد الله بن دكين، فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن جعفر بن محمد غير حديث منكر ".
* وقال ابن الغلابي: " عبد الله بن دكين ضعيف " كما في "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٢) .
* وقال النسائي: " ليس بثقة " كما في "تهذيب الكمال" (١٤/٤٧١) . قال المزي: " وقال في موضع آخر: ليس به بأس ".
فتعقبه الحافظ في " تهذيب التهذيب " (٥ /٢٠١) : " قلت: إنما نقل هذا القول الثاني عن ابن معين بسنده إليه ".
قلت: ومع ذلك لم يتبعه، بل وهَّاه بقوله: " ليس بثقة " وقال أبو الفتح الأزدي: " عبد الله بن دكين ضعيف " كما في آخر ترجمته من "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٣) .
أما ابن حبان ﵀ فهذا من القلائل جداً الذين فاتوا كتابيه "الثقات" و"المجروحين".
* وأورد ابن عدي في ترجمته من "الكامل" (٤/١٥٤٢) من طريق محمد ابن بكار ثنا عبد الله بن دكين، ثنا كثير بن عبيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
стр. 109
وأورد له (٤ /١٥٤٣) من طريق بشر بن الوليد عنه، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: قال علي بن أبي طالب: " يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خرابٌ من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم خرجت الفتنه، وفيهم تعود ".
ثم من طريق يزيد بن هارون عنه ثنا جعفر بن محمد به، قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره بنحوه.
قال ابن عدي: " ولعبد الله بن دكين غير ما ذكرت أحاديث يسيرة "، ولم يورد من كلام الأئمة فيه سوى رواية أحمد بن أبي يحيى الأنماطي عن ابن معين: " ليس بشيء " كما تقدم.
* وأورد له الخطيب في ترجمته من طريق سعيد بن سليمان عنه: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر ".
ومن طريق بشر بن الوليد عنه حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب: " ستة لايأمنهم مسلم: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وشارب الخمر، وصاحب الشطرنج، والمتلهي بأمه "، قال ابن دكين: "فسألته عن المتلهي بأمه، قال: الذي يقول: أمه زانية إن لم أفعل كذا وكذا ".
وله في مصنفات الأئمة الستة أثر واحد، قال البخاري ﵀ في "الأدب المفرد" (١٢٥٦) : " حدثنا موسى بن
стр. 110
إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن دكين، سمع كثير بن عبيد قال: كانت عائشة ﵂ إذا ولد فيهم مولود (يعني: في أهلها) لا تسأل غلاماً أو جارية، تقول: خُلِق سوياً؟ فإذا قيل: نعم، قالت: الحمد لله رب العالمين ".
هذا هو جميع ما وقفتُ له عليه ـ مع حديث ابن عباس ـ من أحاديث وآثار دون استعانة بأحد سوى الله .
أما حديث ابن عباس، فلم أقف له على أصل عن شيخه قيس بن أبي مسلم الماصر، ولا عن شيخ شيخه داود البصري ـ على ما سيأتي فيه ـ وإنما الطريق الوحيدة المحفوظة إلى راويها إلى الآن هي (عتبة بن عمرو المكتب عن عكرمة عن ابن عباس) .
وأما حديثه عن كثير بن عبيد عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ: " أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله ... "؛ فقد تابعه أبو العنبس سعيد بن كثير بن عبيد عن أبيه لكن بأطول من هذا كما رواه أحمد (٢ /٣٤٥) والدارقطني في "سننه" (١ /٢٣١ـ ٢٣٢) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا سعيد بن كثير بن عبيد قال: حدثني أبي: قال رسول الله ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله "، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٤٨) والدارقطني (٢/٨٩) والحاكم (١/٣٨٧) من طرق عن أبي نعيم ثنا أبو العنبس سعيد بن كثير به، ولم يقل: "وأن محمداً رسول الله ".
стр. 111
وسعيد بن كثير بن عبيد أبو النعبس وثقه ابن معين والدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبوحاتم الرازي: " صالح الحديث ".
فهذا هو الحديث الوحيد الذي وجدت (عبد الله بن دكين) هذا توبع عليه
إلا أنه لم يُقِم المتن، فأسقط " ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " (١) .
وأما حديثه عن جعفر بن محمد بإسناده إلى علي ﵁ تارةً مرفوعاً، وتارةً موقوفاً؛ فقد خرجه الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٤/٤١٠، ٤١١) (رقم ١٩٣٦) ، وقال في هذه الطريق له:
" قلت: وهذا إسناد واهٍ، عبد الله بن دكين مختلف فيه، وفي ترجمته ساق الحديث الذهبيُّ مشيراً إلى نكارته. وهذا هو الوجه عندي إن كان قد صح رواية يزيد (يعني: ابن هارون) له عنه ... ".
حتى قال: " وجملة القول: إن هذا الحديث بهذه الطرق الثلاث، يظل على وهائه لشدة ضعفها ... ".
قلت: وقد خرجته ـ بفضل الله ومنّه ـ في "تكميل النفع" (رقم٢٥) (الجزء الأول ص ١١٧: ١٢٣) وذكرت له طريقاً أوهى من هذه من طريق شريك عن الأعمش عن أبي وائل عن علي إسنادها مظلم وفيها أيضاً متروك، كأن أحداً دون شريك سرقه وركب له هذا الإسناد!
стр. 112
وانظر أيضاً تخريج الحديث (٥١٩) من "المجالسة" للدينوري للأستاذ مشهور بن حسن آل سلمان فإنه لا يخلو من فوائد.
والحاصل أنه أيضاً ليس له أصل عن ثقة عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد لا موقوفاً، ولا مرفوعاً والله المستعان.
وأما حديثه عن جعفر بن محمد أيضاً بهذا الإسناد مرفوعاً:
" لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر " فرواه أيضاً البيهقي في " شعب
الإيمان" (٥٢٠٥) من وجه آخر عن سعيد بن سليمان الواسطي عنه به. وقال محقق "الشعب" (ط. السلفية) : " إسناده حسن".
قلت: بل منكر، لقول أبي حاتم الرازي ﵀: " روي عن جعفر بن محمد غيرَ حديث منكر"، وإيراد الخطيب للحديث في ترجمته يدل على تفرده به، ولم أجد له متابعاً بهذا الإسناد بعد البحث عنه في مظانه.
ولا شك أن هذا التحسين قائم على قول الحافظ في "التقريب" (٣٣١٩) : " صدوق يخطيء "، وهذه مرتبة لا يستحقها، بل الجمهور على ضعفه أو وهائه كما رأينا عند استعراض كلامهم فيه.
على أن صيغة (صدوق يخطيء) قرنها الحافظ ابن حجر في المرتبة الخامسة مع (صدوق سيئ الحفظ) و (صدوق يهم) و (صدوق له أوهام) و (صدوق تغير بآخره) بما يدل بظاهره أنه لا يحتج بحديث جميع من قال فيهم إحدى هذه الصيغ.
ثم أنه لا يجوز قبول حديث الراوي الذي له أوهام ومناكير قبل أن ننظر كتب (الضعفاء) و (العلل) ، وهل هذا الحديث بخصوصه مما أنكر عليه أم لا؟
ثم في النهاية، هذا إسناد منقطع بين علي بن الحسين وعلي ﵁.
стр. 113
قال أبو زرعة الرازي ﵀: " لم يدرك جده علياً ﵁ " كما في "جامع التحصيل" (ترجمة ٥٣٩) .
وقال الترمذي في "جامعه" عقب الحديث (٣٦٦٥) : " ولم يسمع علي بن الحسين من علي بن أبي طالب ".
وأما الأثر الذي رواه عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد موقوفاً: " ستة لا يأمنهم مسلم: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وشارب الخمر، وصاحب
الشطرنج، والمتلهي بأمه " فلم أقف له على أصل بهذا الإسناد واللفظ.
وقد رُوي بلفظ آخر، بإسناد تالف إلى علي ﵁ ففي "مساويء الأخلاق" للخرائطي (٧٥٣)(١) من طريق إسرائيل عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " ستة لا يسلم عليهم: اليهود، والنصارى، والمجوس، والذين بين أيديهم الخمر، والريحان، والمتفكهين (٢) بالأمهات، وأصحاب الشطرنج ".
وسعد بن طريف متروك، ورماه ابن حبان بالوضع، وكان رافضياً كما في "التقريب" (٢٢٥٤) وأصبغ بن نباتة أيضاً متروك رمي بالرفض كما فيه (٥٤١)
стр. 114
فهذا هو الإسناد المعروف لهذا الكلام، الذي أتى به الثقات والله المستعان.
وأما الأثر الذي رواه عن كثير بن عبيد ـ رضيع عائشة ﵂ قال: " كانت عائشة ... " الأثر في حمد الله عند الولادة إذا كان المولود سوياً، فلا أعرف له إلا هذا الإسناد.
وبقيت روايات لعبد الله بن دكين عن شيخين آخرين، لم أقف عليها بعد، هما: (فراس بن يحيى الهمداني) صاحب الشعبي، و (القاسم مهران القيسي) خال هشيم ﵏ جميعاً ـ.
٣ـ قيس الماصر:
هو (قيس بن أبي مسلم الكوفي الماصر) والد (عمر بن قيس الماصر) ... وهو أبو الصباح الكوفي، ثقة من رجال " الأدب المفرد " و " سنن أبي داود ".
أما قيس فمختلف في ولائه، فقيل: (مولى ثقيف) ، وقيل: (مولى الأشعث
ابن قيس الكندي) ، وقيل: (العجلي) كما في ترجمة الابن من "تهذيب الكمال" (٢١ /٤٨٤) .
وهو مترجم في عدة مصادر:
* قال أبو عبيد الآجري في "سؤالاته لأبي داود" (٢) : "سئل أبو داود عن عمر بن قيس الماصر، فقال: من الثقات، وأبوه أشهر منه وأوثق ".
وقال أيضاً (٣) : " سئل أبو داود عن قيس الماصر، فقال: ثقة،
стр. 115
قال الأوزاعي:
أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس الماصر ".
* وهو مترجم في "أنساب السمعاني" أفادنيه محقق " الشعب " ـ جزاه الله خيراً ـ.
قال: السمعاني في مادة (الماصري) من "الأنساب" (٥ /١٧٣ ـ ١٧٤) :
" هذه النسبة إلى ماصر وسأذكر السبب فيه. والمشهور بهذه النسبة: أبو بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر بن عبد العزيز بن عمر بن قيس بن أبي مسلم العجلي الماصري، كان له محل عظيم، كاتبه المعتز بالله كتاباً بالنظر في أمرمتظلم تظلم إليه، وهو ابن بنت حبيب بن الزبير الذي روى عنه شعبة، وكان ينزل المدينة. وكان أبو مسلم من سبي الديلم، سباه أهل الكوفة، وحسن إسلامه، فولد له قيس الماصر، ويقال إنه مولى لعلي بن أبي طالب ﵁، ثم ولاّه الماصر، وكان من أول من مصّر الفرات ودجلة، فسُمِّي قيس الماصر، والنسبة إليه: ماصري، وكان ممن خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث أيام الحجاج مع القُرَّاء، فلما هزم ابن الأشعث هرب عبد العزيز بن عمر بن قيس مع أهله إلى أصبهان، وأقام عمر بن قيس الماصر بالكوفة، روى عنه الكوفيون وتزوج عبد العزيز بأم البنين بنت الزبير بن مشكان، وتزوجوا في الزبير، وتزوج فيهم الزبير بن مشكان، فهذه قصة قيس الماصر. وأما أبو بشر يونس بن حبيب، فهو من مشاهير المحدثين بأصبهان ... ".
قلت: فشرع في التعريف بيونس بن حبيب صاحب أبي داود الطيالسي ... ﵏ أجمعين ـ.
стр. 116
وقوله في أول الكلام: " وكان ينزل المدينة " يعني به، (مدينة أصبهان) (١) وتسمى الآن (اليهودية) .
انظر "الأنساب" (٥/٢٣٧) مع الحاشية، وانظر أيضاً ترجمة (يونس بن حبيب) من "طبقات محدثي أصبهان" (٣ /٤٤ ـ ٤٥) و"ذكر أخبار أصبهان" (٢ /٣٤٥ ـ ٣٤٦) .
تنبيه: أما (قيس بن أبي مسلم) الذي يقال له: (قيس بن رمانة) ، والمترجم في "التاريخ الكبير" (٧ /١٥٤ ـ ١٥٥) و"الجرح" (٧/٩٦) و"الثقات" (٧/٣٢٨) و"تعجيل المنفعة" (رقم ٨٩٤) فعندي أنه غير قيس الماصر لأسباب منها:
١ ـ أن المترجمين لقيس الماصر لم يذكر أحد منهم أنه يقال له (قيس بن رمانة) أو أن هذا اسم أمه.
٢ ـ أن المترجمين لقيس بن رمانة لم يذكر أحد منهم أيضاً أنه هو الذي يقال له (قيس الماصر) .
٣ ـ أن قيس بن أبي مسلم الماصر ثقفي أو كندي أو عجلي. وقيس بن
стр. 117
رمانة
أشعري قولاً واحداً كما في ترجمتيه من "جامع الرواة" للأردبيلي (٢ / ٢٤) (رقم ٢٠٠، ٢٠٣) وقوله في الموضع الثاني، " كأنه ابن أبي مسلم " لا وجه له، بل هو قطعاً.
٤ ـ قيس الماصر رمي بالإرجاء كما في "سؤالات الآجري" (٣) عن الأوزاعي. أما قيس بن رمانة، فقال أبو سعيد الأشج: " كان رافضياً " كما في ترجمته من "اللسان" (٤/٤٧٩ ـ ٤٨٠) .
٥ ـ قيس بن رمانة يروي عن ربعي بن حراش، من كبار التابعين، ثقة عابد مخضرم يروي عن علي، وابن مسعود، وحذيفة.
وابن قيس الماصر ـ عمر ـ يروي عن بعض كبار التابعين أيضاً كـ (زيد بن وهب) و (شريح بن الحارث القاضي) ، وهذا يدل على أن (القيسَيْن) ليسا من طبقة واحدة. والحمد لله رب العالمين.
تنبيه أخير:
قد خفي حال (قيس الماصر) على أخينا الحبيب الشيخ مصطفى بن العدوي ـ حفظه الله تعالى ـ فقال عند تخريج الحديث في حاشية "المنتخب من مسند عبد ابن حميد" (١/٥٧٠) : " وقيس هذا لم نعرفه ".
ونلتمس له العذر في ذلك، فإن الرجل لا يجده الباحث في الكتب
стр. 118
المشهورة كـ "التهذيب" وفروعه، و"التاريخ الكبير" و"الجرح" و"الثقات".
٤ـ داود البصري:
لم يتعين لي على وجه القطع.
نعم، ترجم الذهبي في "الميزان" (٢ /٢٢) لرجل بهذا الاسم، وقال: "عن أنس بن مالك. قال الأزدي: متروك الحديث ".
وزاد الحافظ في "اللسان" (٢ /٤٢٧) : " وأورد له من رواية إسماعيل بن عياش عن ليث عنه عن أنس ﵁ رَفعه ـ من استعاذ من الشيطان عشر مرات وكل الله به ملكاً يرد عنه الشيطان ".
قلت: والإسناد إليه أيضاً منكر لا يصح، لمكان إسماعيل بن عياش وضعف ليث بن أبي سليم، فإن كان هذا هو المستند الوحيد للأزدي ـ عفا الله عنه ـ في الحكم عليه بالترك، فما أصاب.
على أن إسماعيل بن عياش قد خولف في هذا الإسناد بإسناد آخر يماثله في الضعف!
قال أبو يعلى في "مسنده" (٧ /١٤٦ ـ ١٤٧ رقم ٤١١٤) :
" حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا المحاربي، عن ليث بن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً: " من استعاذ بالله في اليوم عشر مرات من الشيطان، وكَّل الله به ملكا ً يرد عنه الشياطين ".
стр. 119
وهذا أيضاً لا يصح إلى ليث لضعف الرفاعي، وعنعنة المحاربي، فإنه كان يدلس بل يظن به الأخذ عن بعض الكذابين كما في ترجمته من "الضعفاء الكبير" (٢ /٣٤٨) ، وخلاصة الأمر أن هناك ارتياباً في وجود رجل اسمه (داود البصري) يروي عن أصحاب النبي ﷺ .
أما قول محقق "شعب الإيمان" (١٢/٤٣٤) ـ عند التعريف به في حاشية الكتاب ـ:
" داود البصري أبو سليمان الوراق: مقبول، من السادسة، وقيل: إنه داود ابن أبي هند، ولم يصح ذلك ... ".
فمن المعلوم بداهة أن رجال الطبقة السادسة عند الحافظ ﵀ هم:
(طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج) كما في "مقدمة التقريب" (ص٨٢ بتحقيق أبي الأشبال الباكستاني) .
فلما رجعنا إلى ترجمة (أبي سليمان الوراق) هذا من "تهذيب الكمال" (٨/٤٧٢) وجدناه يروي عن التابعين كـ (سماك بن حرب) وأتباعهم كـ (سعيد بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري) ـ أخي (بهز بن حكيم) ـ و (عباد ابن راشد) صاحب الحسن البصري.
فلا مدخل للرجل بابن عباس ولا غيره من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولا ينبغي لقيس الماصر أن ينزل إلى الرواية عنه، وإلا كان إسناداً في منتهى الغرابة، لكن لا غرابة ولا استشكال حين يأتي به (عبد الله بن دكين) وأمثاله!
стр. 120
والظاهر أن أخانا الحبيب الشيخ أبا عبد الله بن العدوي قد ظنه الوراق أيضاً، فقال: " ولم نقف لداود البصري على رواية عن ابن عباس ".
كذا قال مع ظهور انقطاع بل إعضال هذا الإسناد على القول بأنه هو.
وأرجو بذلك أن يكون قد استبان لكل ذي عينين سقوط هذا الإسناد، فلا تغتر بقول الحافظ العراقي ـ على جلالته ـ: " رواه الطبراني والبيهقي بأسانيد حسنة "، ولا بقول محقق " الشعب ": " إسناده لا بأس به " كما يأتي ـ بمشيئة الله ـ في نهاية البحث.
ووالله لوددت أن أذكر كلام العلماء والباحثين في نهاية كل طريق لكنني ذهلت عن ذلك ذهولاً تاماً، وكذلك كنتُ سأناقش قضيةً من القضايا التي ينبغي أن يكون كل مشتغل بهذا العلم الشريف على ذكرٍ بها؛ عقب الطريق الأولى كما أومأت من قبل.
لكنني سأرجيء كل هذا إلى نهاية هذا البحث الذي أسأل الله ـ جل وعلا ـ
أن يتقبله مني، ويجعله في كفة حسناتي. آمين.
كذلك سأضع بعض الألغاز التي عنّت لي، اختباراً وتنشيطاً وتدريباً لأحبابي الكرام. فالله المعين.
٤ـ طريق (علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه) ـ باختصار المتن ـ:
قال الطبراني ﵀ في "المعجم الكبير" (١٠ /٣٤٢ رقم ١٠٦٦٦) ـ والسياق له ـ، وابن عدي ﵀ في "الكامل" (٣ /٩٥٨) :
" حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا عبد الله بن نمير، عن عتبة بن يقظان، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن
стр. 121
عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المؤمن خُلق مُفَتَّناً تَوَّاباً نسَّاءً (وعند غير الطبراني: نسيِّاً) ، إذا ذُكرِّ ذَكَرَ ".
ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٣ /٢١١) من طريق أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن هاشم به ".
وقال: " هذا حديث غريب من حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، لا أعلم أحداً رواه غير ابن نمير، عن عتبة، عنه ".
تراجم رجال هذا الإسناد:
١ـ القاسم بن زكريا:
هو (أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي المقريء المعروف بالمطرز) وهو ثقة حافظ مقريء مصنف.
* قال الحسن بن محمد الخلال عن الدارقطني: " قاسم بن زكريا أبو بكر المطرز مصنف مقريء نبيل "، كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٢ /٤٤١) .
* وقال الخطيب: " وكان ثقةً ثبتاً "، وروى بإسناده إلى ابن المنادي قال: "أبو بكر القاسم بن زكريا المعروف بالمطرز توفي يوم السبت، ودفن يوم الأحد لسبع عشرة خلون من صفر سنة خمس وثلاثمائة، ودفن في مقابر باب الكوفة، ولم يحدِّث الناس في سنة خمس هذه شيئاً البتة فيما بلغنا، وكان من أهل الحديث والصدق، والمكثرين في تصنيف المسند، والأبواب، والرجال ".
стр. 122
قلت: وأرخ وفاته في هذه السنة أيضاً الحافظ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ كما رواه الخطيب عن أبي نعيم ﵀ عنه.
* وقال الذهبي ﵀ في ترجمته من "السير" (١٤ /١٤٩) : " الإمام العلامة المقريء، المحدث الثقة " حتى قال: " وصنف المسند والأبواب، وتصدَّرَ للإقراء. وكان ثقةً مأموناً. أثنى عليه الدارقطني وغيره ".
وقال في "تذكرة الحفاظ" (٢ /٧١٧) : " الحافظ الثقة المقريء أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي المقريء، ويعرف بالمطرز "، وأورد في ترجمته النصوص المتقدم ذكرها عن "تاريخ الخطيب" وقال في وفيات سنة ٣٠٥ من "العبر" (١ /٤٤٩) :
"وقرأ على الدوري، وأقرأ الناس، وجمع وصنف، وكان ثقة ".
وقال في "معرفة القراء الكبار" (١ /٢٤٠ رقم ١٤١) : " وكان ثقةً حجةً إماماً مصنفاً أثنى عليه الدارقطني وغيره ".
قلت: هو من رجال "التهذيب" ـ تمييزاً له عن شيخه وسَمِيِّه: (القاسم بن زكريا بن دينار أبي محمد القرشي الكوفي الطحان) (١) ـ ثقة من شيوخ مسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجه.
стр. 123
* ومما زاده الحافظ ﵀ في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٨/٣١٥) قوله: " قلت: وقال مسلمة بن قاسم: مات ببغداد وله خمس وثمانون سنة، وكان مشهوراً فاضلاً ".
وقال في "التقريب" (٥٤٩٥) ـ إذ ذكره تمييزاً ـ " حافظ ثقة، أخذ عن الذي قبله، من الثانية عشرة، مات سنة خمس وثلاثمائة، وله خمس وثمانون سنة ".
قلت: ولم يتفرد بالحديث عن (عبد الله بن هاشم الطوسي) ، فقد تابعه عند أبي نعيم في " الحلية ": (أحمد بن محمد بن أبي شيبة) وهو (أحمد بن محمد بن شبيب بن زياد أبو بكر البغدادي البزاز) ، ويعرف بأبي بكر (١) بن أبي شيبة البزاز جار ابن منيع، وَثَّقهُ الدارقطني كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٥ /٣٢) .
٢ـ عبد الله بن هاشم الطوسي:
هو (أبو عبد الرحمن ـ ويقال: أبو محمد ـ عبد الله بن هاشم بن حيان العَبْدي الرَّاذكاني الطوسي نزيل نيسابور) ثقة، من شيوخ مسلم ولم يرو له سائر الستة شيئاً.
ومن أشهر الرواة عنه: إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري المُزكِّي، وأحمد بن سلمة النيسابوري صاحب مسلم، والحسين بن محمد
стр. 124
القباني، وصالح بن محمد الأسدي جزرة، وأبو بكر بن أبي داود، وأبو بكر بن خزيمة، والقاسم بن زكريا المطرز، ويحيى بن محمد بن صاعد، وابن الجارود صاحب "المنتقى"، وأبو حامد بن الشرقي النيسابوري، وأخوه عبد الله.
* قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٥ /١٩٦) : " عبد الله بن هاشم الطوسي، وهو ابن هاشم بن حيان العبدي نزيل (١) بغداد روى عن يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، روى عنه أحمد بن سلمة النيسابوري ".
ومن الواضح البيِّن أنه لم يخبر حاله، فوهم في وصفه بـ (نزيل بغداد) ، ولم يستوف الرواة عنه وفيهم من هو أشهر من (أحمد بن سلمة) ، كما لم يحضره حاله في الرواية واشتهاره بالحفظ والإتقان عندهم.
* وقال صالح بن محمد الأسدي: "حدثنا عبد الله بن هاشم الطوسي ـ ثقة ـ ".
* وقال إبراهيم ابن أبي طالب: " عبد الله بن هاشم مُجَوِّدٌ (٢) في حديث يحيى وعبد الرحمن ".
стр. 125
* وقال أحمد بن سيار المروزي ـ صاحب "تاريخ مرو" ـ:
" عبد الله بن هاشم الراذكاني ـ قرية من أعلى طوس ـ ثم تحول هاشم إلى طوس، وكان يقال له: هاشم الراذكاني، وكان عبد الله رجلاً كاتباً، كتب عن وكيع وابن مهدي ويحيى بن سعيد، معروفاً بطلب الحديث، رحلوا إليه من البلدان، وكتبوا عنه أحاديث كثيرة، وكان أظهر كلام الرأي، ثم إنه ترك ذلك، وأظهر أمر الحديث ".
وهذه النصوص في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٠ /١٩٤) (١) .
* وقال ابن حبان في "الثقات" (٨ /٣٦١ ـ ٣٦٢) : " عبد الله بن هاشم الطوسي، أبو محمد، حَدَّثَ بنيسابور، يروي عن يحيى القطان، ووكيع وإبراهيم بن عيينة، حدثنا عنه عبد الله بن محمد بن شيرويه وأهل نيسابور، مستقيم الحديث من المتقنين، مات في أول سنة تسع وخمسين ومائتين، وقد قيل: كنيته أبو عبد الرحمن ".
قلت: بل الذي ترجح لي بعد بحث وقرائن عديدة أن كنيته (أبو عبد الرحمن) ، فقد كناه بذلك بعض الرواة عنه كيحيى بن صاعد والإمام مسلم وغيرهما، والذين كنوه بأبي محمد اجتمع في بعضهم البعد عن إدراكه وكثرة
стр. 126
الأوهام منهم نسبياً كابن حبان والخليلي ـ غفر الله لي ولهم أجمعين ـ آمين.
نعم، جزم السمعاني ﵀ في ترجمته من "الأنساب" (٣ /٢٢) بأن كنيته أبو محمد أيضاً، ولست أشك طرفة عين أنه اعتمد اعتماداً كلياً على ترجمته من "ثقات ابن حبان" لكن مع تصرف يسير، وزاد: " وظني أن مسلم بن الحجاج أخرج عنه "، فدار الأمر على ابن حبان أيضاً.
ولو كان مستنده ترجمة الحاكم للرجل من "تاريخ نيسابور" أو تكنية أحد الآخذين عنه بأبي محمد، لنوقش الخلاف بأسلوب آخر، والله أعلم بحقيقة الأمر.
* وقال أبو يعلى الخليلي في ترجمته من "الإرشاد" (٢ /٨١٥ ـ ٨١٦ رقم ٧١٥) :
" أبو محمد عبد الله بن هاشم بن حيان الطوسي: [ثقة كبير] (١) سمع يحيى ابن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبا عاصم، ووكيعاً، وأقرانهم.
روى عنه مسلم، والسراج، والحسين (٢) بن علي الطوسي، وابن أبي داود، وأبو حامد بن الشرقي يروي عنه بالإجازة.
وأخوه عبد الله سمع منه. مات سنة أربع وخمسين ومائتين ".
стр. 127
ثم أورد له حديثاً من طرقٍ عنه عن إبراهيم بن عيينة، رواه أبو حامد بن الشرقي بنزول عنه، ثم رواه كتابة عنه، فقال: " وكَتَبَ إليَّ عبد الله بن هاشم حدثنا إبراهيم بن عيينة ... "، قال الخليلي: " بإسناده مثله ".
* وقال الذهبي في ترجمته من"السير" (١٢ /٣٢٨) : " الإمام الحافظ المتقن، أبو عبد الرحمن، الطوسي المولد، النيسابوري الوطن ".
وقال في ترجمته من "تاريخ الإسلام" (وفيات ٢٥١: ٢٦٠) (ص١٨٩) :
" عبد الله بن هاشم بن حيان ـ م ـ أبو عبد الرحمن الطوسي رحل وعني بالحديث ".
* وقال الحافظ في "التقريب" (٣٦٩٩) : " ثقة صاحب حديث، من صغار العاشرة، مات سنة بضع وخمسين ".
ملحوظة: توقفت قليلاً عند قول الحافظ الكبير إبراهيم بن أبي طالب ـ واسمه (إبراهيم بن محمد بن نوح) ـ وهو (إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال، جمع الشيوخ والعلل) كما قال الحاكم ﵀.
توقفت أتأمل قوله في (عبد الله بن هاشم الطوسي) : " عبد الله بن هاشم مُجَوّد في حديث يحيى وعبد الرحمن "، هل هي على ظاهرها بمعنى أنه يتصف بمزيد تثبت وإتقان فيما يرويه عن يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، أم لها معنى آخر من باب قولهم: " جَوَّده فلان " إذا كان الحديث معروفاً بالإرسال مثلاً عن شيخ مخصوص،
стр. 128
فأتى أحد الرواة عن هذا الشيخ فوصل الحديث، أو كان الحديث مروياً بعنعنة تابعي عن صحابي فأتى هذا الراوي فرواه بنفس الإسناد مصرحاً بسماع هذا التابعي من الصحابي، ونحو هذه الصور التي تظهر إسناد الحديث في هيئة جَيِّدة؟
ثم قوي هذا الظن في نفسي لما وجدت الحافظ الذهبي ﵀ يحرص في آخر ترجمته من "السير" (١٢ /٣٢٩) على رواية حديث من طريق يحيى بن محمد (وهو ابن صاعد) ، حدثنا أبو عبد الرحمن ـ وهو عبد الله بن هاشم بن حيان ـ، حدثنا يحيى ابن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً" (١) .
وأفاد محقق "السير" أنه في "الصحيحين" من طرق عن شعبة عن موسى بن أنس عن أنس.
فيكون أتى بالحديث عن شعبة عن قتادة، لأن قتادة أثبت وأحفظ وأكثر حديثاً من ابن أنس نفسه؟؟
وظللت متحيراً من هذا الأمر حتى وجدت الحافظ ابن حجر ﵀ في "النكت الظراف" (١/٤١٢ حاشية التحفة) يقول بعد الاعتراض على المزي في أمور: " وقد خالف الجميع يحيى بن سعيد القطان فزاد بين شعبة وموسى بن أنس: " قتادة "، أخرجه ابن حبان من طريقه ".
стр. 129
يعني أن يحيى القطان خالف سليمان بن حرب، وروح بن عبادة، والنضر
ابن شميل وغيرهم في روايته عن شعبة عن موسى بن أنس رأساً، فأدخل قتادة بين شعبة وموسى بن أنس.
فأفزعني ذلك، قبل أن أعيد مراجعة إسناد ابن حبان، فوجدت الحديث في "الإحسان" (٥٧٩٢) من طريق أبي بكر بن خلاد قال: حدثنا يحيى القطان عن شعبة عن قتادة وموسى بن أنس عن أنس به، كذا بـ (واو العطف) وليس (عن) . فاحتجت إلى مرجِّحٍ، فوجدت الحديث في "إتحاف المهرة" للحافظ نفسه (١٥٥٥) هكذا أيضاً: " عن قتادة وموسى بن أنس عن أنس به ".
فظهر بذلك أن للحديث أصلاً عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن قتادة.
وأبو بكر بن خلاد هو (محمد بن خلاَّد بن كثير الباهلي البصري) وهو ثقة، قال الإمام أحمد: " ... وكان ملازماً ليحيى بن سعيد "، فبرءت بذلك ساحة صاحبنا (عبد الله بن هاشم الطُّوسي) من الغلط على يحيى بن سعيد القطان ـ رحمهما الله ـ.
وللحديث أصل عن قتادة عن أنس، فقد رواه جماعة عن همام بن يحيى عنه به عند أحمد (٣ /١٩٣، ٢٥١، ٢٦٨) وابن ماجه (٤١٩١) وغيرهما، وصرح قتادة بالتحديث في جميع طرقه عند أحمد.
стр. 130
أما تاريخ وفاته فاختُلف فيه على ثلاثة أقوال:
(الأول) أنه تُوُفي في ذي الحجة سنة (٢٥٥) .
قاله الحسين بن محمد بن زياد القباني ـ أحد أركان الحديث بخراسان، ثقة حافظ مُصَنِّف روى عنه البخاري حديثاً وهو أصغر منه ـ وعزاه الذهبي في "تاريخ الإسلام" إلى الحاكم، وبه جزم ابن عساكر في "المعجم المشتمل" (ترجمة٥١١) .
وعليه اقتصر الذهبي في "السير"، وصححه في "تاريخ الإسلام" وجزم به في "الكاشف".
(الثاني) أنه تُوُفي سنة (٢٥٨) .
حكاه الخطيب عن هبة الله بن الحسن الطبري ـ وهو اللاكائي ﵀ وحكاه ابن عساكر بصيغة التمريض.
(الثالث) أنه توفي في أول سنة (٢٥٩) .
قاله أحمد بن سيار المروزي وابن حبان ـ وأراه تَبِعَهُ ـ وابن منجويه في "رجال صحيح مسلم" (ترجمة ٨٧٩) بدون " أول "، وهو يتبع ابن حبان كثيراً أيضاً، لكنه خالفه في الكنية، فجزم بأن كنيته (أبو عبد الرحمن) ولم يحك غيرها، وكذلك صنع الخطيب وابن عساكر والذهبي في غير موضع، لكنه زاد في "الكاشف" (٣٠٦٥) : " ويقال: أبو محمد "
стр. 131
والحمد لله رب العالمين.
ثم وجدت في "الصحيحة" (٣ /٧٥ ـ ٧٦ رقم ١٠٨٧) عند سرد الطرق الموصولة لحديث: " النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة " أن أبا عثمان النجيرمي رواه في "الفوائد" (٢ /٢ /٢) من طريق عبد الله بن هاشم عن معاذ ابن معاذ العنبري عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عن جابر به. فقال عبد الله ابن حامد ـ شيخ النجيرمي ـ لشيخه عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، كيف وقع هذا الحديث؟ ، فقال: إن عبد الله بن هاشم كُفَّ بصره، فلُقِّن هذا الحديث، فتلقَّن ".
ثم تولى ﵀ الدفاع عنه، وبيان براءته من هذه الأوصاف ومن هذا الاتهام بما لا مزيد عليه، وإن كان في تصحيح وصل الحديث نظر ظاهر من حيث الرواة الذين وصلوه، والمصادر التي خرجته موصولاً، والتي منها "مسند البزار" ـ وأشار إلى إعلاله ـ و"المعجم الأوسط" و"فوائد تمام" و"فوائد النجيرمي"
وغيرها.
وكتب الفوائد تعتني بالغرائب وأخطاء الرواة، فلا يظن وقوع الصحيح فيها دون الكتب المشهورة، وقد أتعرض لهذا الحديث بتفصيل أكبر في المحل المناسب، والله المستعان.
٣ـ عبد الله بن نُمَيْر:
هو (أبو هشام عبد الله بن نمير بن عبد الله بن أبي حَيَّة الهمداني ثم الخارفي الكوفي) .
وهو والد الحافظ الكبير (محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني) الذي
стр. 132
كان يرجع إليه أحمد وابن معين ﵏ جميعاً ـ في الكوفيين، وهو ـ الوالد ـ متفق على توثيقه، ومن رجال الجماعة.
* قال ابن محرز في "معرفة الرجال" (١ /٨٩ رقم ٣٢٧) : " سمعت يحيى ابن معين يقول: ابن نمير ليس به بأس ".
(وقال) عثمان بن سعيد الدارمي في " تاريخه " (٥٠) ـ تحت عنوان: (أصحاب الأعمش) ـ: " قلت ـ يعني لابن معين ـ: فجرير أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال كلاهما ".
(قال) (٥١) : " قلت: وابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال كلاهما ثقتان (١) إلا أن ابن إدريس أرفع، وهو ثقة في كل شيء ".
* وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦ /٢٧٥) : " تُوُفي بالكوفة في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين ومائة، وصلى عليه محمد بن بشر العبدي، وكان له صديقاً. وكانت وفاته في خلافة عبد الله المأمون، وكان ثقة كثير الحديث صدوقاً ".
* وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني نا أبو نعيم، قال: " سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر، فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير "، كما في "الجرح" (٥/١٨٦) .
* وقال عبد الله بن أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (١ / ٢٢٦ رقم
стр. 133
١٢٥٣) : " سمعت أبي ذكره عن معافى أو غيره أنه كان يختار ابن نمير على عيسى بن يونس ".
* وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٥ /١٨٦) ـ: " وسألته ـ يعني أباه ـ عنه، فقال: هو مستقيم الأمر ".
* وقال العجلي: " ثقة، صالح الحديث صاحب سُنَّة " كما في "ترتيب معرفة الثقات" (٩٨٦) مستدركاً من "تهذيب التهذيب" (٦ /٥٨) .
* وقال ابن حبان في "الثقات" (٧ /٦٠ ـ ٦١) : " عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي ـ مولاهم ـ من أهل الكوفة، كنيته أبو هشام، يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي خالد، روى عنه ابنه محمد بن عبد الله بن نمير وأهل العراق، مات سنة تسع وتسعين ومائة في شهر ربيع الأول، وصلى عليه محمد ابن بشر العبدي وكان له صديقاً ".
(وقال) في "مشاهير علماء الأمصار" (١٣٧٧) : " من المتقنين ".
* وفي (مسند سعد بن أبي وقاص) من "علل الدارقطني" (س٦١٠) قال البرقاني: " وسئل عن حديث عامر بن سعد عن سعد عن النبي ﷺ قال: "من تَصَبَّح بسبع تمرات عجوة على الريق، لم يضره ذلك اليوم سُمٌ ".
فقال: " يرويه هاشم بن هاشم واختلف عنه، فرواه أبو أسامة عن هاشم ابن هاشم عن عامر بن سعد عن سعد، وخالفه ابن نمير فرواه عن هاشم عن عائشة بنت سعد عن أبيها وكلاهما ثقة، ولعل هاشماً سمعه منهما، والله أعلم ".
стр. 134
قلت: بل الخلاف أكبر من هذا، فقد رواه جمهور أصحاب هاشم بن هاشم عنه كما قال أبو أسامة، منهم مكي بن إبراهيم، وأبو بدر شجاع بن الوليد، ومروان بن معاوية الفزاري، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وأحمد بن بشير، وإبراهيم بن حميد الرؤاسي. انظر حاشية "علل الدارقطني" و"تحفة الأشراف" (رقم٣٨٩٥) بما لا يدع مجالاً للشك في وهم (عبد الله بن نمير) ﵀.
وإني لأعجب كيف خفي هذا على الحافظ الكبير الإمام أبي الحسن الدارقطني ـ في هذا الحديث خاصة ـ مع أن عهدنا به دَوْمَاً أنه يأتي بطرق واختلافات لا تخطر على قلب مشتغل بالحديث (لِلَّهِ) والله يعفو عنا وعنه.
وقد كان كل مقصدي من إيراد هذا النص هو الاستدلال على أن (عبد الله ابن نمير) ثقة عند الدارقطني، وما كنت أظن أنني سأعقب هذا التعقيب.
* وقال الذهبي في ترجمته من "السير" (٩ /٢٤٤) : " الحافظ الثقة الإمام أبو هشام الهمداني الخارفي مولاهم الكوفي ولد في سنة خمس عشرة ومائة ... " (حتى قال) : " وكان من أوعية العلم، وثقه يحيى بن معين وغيره، وممن يروى عنه ابنه الحافظ: محمد بن عبد الله بن نمير ... ".
(وقال) في "تذكرة الحفاظ" (١ /٣٢٧) : " الحافظ الإمام أبو هشام الهمداني ثم الخارفي الكوفي والد الحافظ الكبير محمد ".
стр. 135
(حتى قال) : " وثقه يحيى بن معين وغيره، وكان من كبار أصحاب الحديث ".
(وقال) في "تاريخ الإسلام" (وفيات ١٩١: ٢٠٠) (ص ٢٦٣) : "الكوفي الحافظ " حتى قال: " وثقه يحيى بن معين وغيره ".
(وقال) في "الكاشف" (٢ /١٣٧) : " عن هشام بن عروة والأعمش، وعنه ابنه، وأحمد، وابن معين. حجة، تُوُفي سنة ١٩٩ ".
* وقال الحافظ في "التقريب" (٣٦٩٢) : " ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون ".
* وذكر له الطبراني في " الأوسط " ثلاثة أحاديث تفرد بها (١٥٥٠، ٣٤٧٩، ٦٥٨٣) .
(الأول) عن محمد بن أبي إسماعيل، (والثاني) عن عبد الملك بن أبي سليمان، (والثالث) عن الأعمش.
ويمكن لإخواني الكرام طلبة العلم ـ حفظهم الله ووفقهم ـ أن يتدربوا عليها، هل هي من أفراده أم لا؟ والله المعين.
فإن وجد أحدهم متابعاً له في أحدها فلا يسارع بالاستدراك على الإمام الطبراني حتى يتحقق من أمرين:
الأول: صِحَّة الإسناد إلى المتابع.
الثاني: الاتفاق على المتن، ويتجاوز عن الاختلاف غير المؤثر، والحمد لله رب العالمين.
стр. 136
٤ـ عتبة بن يقظان:
هو (أبو زَحَّارة ـ ويقال: أبو عمرو ـ عتبة بن يقظان الراسبي) .
وهو واهٍ متروك، أغرب ابن حبان فذكره في " الثقات " وسكت عليه.
* قال البخاري ﵀ في "التاريخ الكبير" (٦ /٥٢٦) : " عتبة بن يقظان، سمع الحسن ويحيى بن يعمر، روى عنه أبو هلال محمد البصري " وسكت عليه.
(وقال) ـ قبل هذا ـ: " عتبة الراسبي عن عمرو بن دينار، روى عنه أبوهلال محمد بن سليم، منقطع " (١) ، وهو هو.
* وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٥ /٣٧٤) : " عتبة بن يقظان، روى عن عكرمة، روى عنه فرات بن خالد، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد يقول: لا يساوي شيئاً ".
(وقال) أيضاً (٦ /٣٧٥) : " عتبة روى عن أبي رؤبة (٢) عن أنس بن مالك، روى عنه الفرات بن خالد الرازي " ثم قال: " عتبة الراسبي بصري روى عن عمرو بن دينار، روى عنه أبو هلال الراسبي، سمعت أبي يقول ذلك".
وعندي أن الثلاثة واحد فيما يظهر، والله أعلم.
стр. 137
* وقال النسائي في "الكنى": " وأبو زحارة عتبة بن يقظان غير ثقة ".
* وقال ابن حبان في "الثقات" (٧ /٢٧١) : " عتبة الراسبي، يروي عن عمرو بن دينار، روى عنه أبو هلال الراسبي "، ثم قال: " عتبة بن يقظان، يروي عن الحسن ويحيى بن يعمر، روى عنه البصريون " (١) .
* وروى الدارقطني في "سننه" (٤ /٢٨١) حديثاً من طريق المسيب بن
واضح نا المسيب بن شريك، عن عتبة بن يقظان، عن الشعبي، عن مسروق، عن علي ﵁ مرفوعاً: " نَسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ... " الحديث، وقال ـ عقبه ـ: " عتبة بن يقظان متروك أيضاً " (تحرف اسمه إلى: عقبة بن يقظان) .
* ولم يوفِّه الذهبيُّ ﵀ حقَّه من التضعيف، فقال في "الميزان" (٣/٣٠) : " قوَّاه بعضهم، قال النسائي: غير ثقة، وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي شيئاً "، ثم ساق له حديثاً رواه ابن ماجه في " تفسيره " من طريق عامر بن مدرك عنه عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود، وقال ـ عقبه ـ: " عامر صدوق، والخبر منكر ".
(وقال) في "الكاشف" (٣ /٢٤٦) : " وثَّقه بعضهم، وقال النسائي: غير ثقة ".
стр. 138
(وكذلك قال) في "المغني" (٢ /٤٢٣) .
وعادة الذهبي ـ في مثل هذا المقام ـ أن يقول: " وُثِّق " إشارة إلى لين التوثيق الوارد فيه، لأن مصدره ابن حبان ﵀ وحده فيما نعلم.
* كذلك هَوَّن الحافظ ﵀ في "التقريب" (٤٤٧٦) مِن ضعْفه حيث قال: " عتبة بن يقظان الرّاسبي، أبو عمرو، ويقال: أبو زحّارة، بفتح الزاي وتشديد المهملة، البصري، ضعيف من السادسة ".
وقد ناقشتُ رجحان تكنيته بأبي زحّارة، وأن عتبة أبا عمرو آخر سواه فيما تقدم بما يغني عن الإعادة، وإن كان هذا أليق بهذا الموضع، فالله المستعان.
٥ـ داود بن علي بن عبد الله بن عباس:
هو (أبو سليمان داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي
الهاشمي المدني نزيل (١) الشام) .
* قال عثمان بن سعيد الدارمي في " تاريخه " (٣١٧) : " وسألته (يعني: ابن معين) عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: شيخ هاشمي. قلت: كيف حديثه؟ فقال: أرجو أنه ليس يكذب، إنما يحدث بحديث واحد ". وعنه ابن أبي حاتم في "الجرح" (٣ /٤١٨) وابن عدي في أول ترجمته من "الكامل" (٣ /٩٥٥) .
стр. 139
ثم روى بإسناده ـ من طرق ـ عن هشيم عن ابن أبي ليلى عنه عن أبيه عن جده ... ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً ".
قال: " ثناه ... " فروى بإسناده إلى ابن حي عنه عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن يوماً قبله ويوماً بعده " يعني: يوم عاشوراء.
وقال: " قال العباس (١) : وغير سفيان يقول: ابن حي عن ابن أبي ليلى يعني: عن داود "، ثم روى من طريق الحارث بن النعمان بن سالم عن سفيان عن داود به: " صوموا عاشوراء " وإسناده إلى سفيان الثوري منكر.
* قال ابن عدي: " وهذا الحديث الذي ذكره ابن معين أن داود إنما يُحدِّث بحديث واحد ـ أظنه أنه يعني هذا الحديث ـ حديث عاشوراء (٢) عن أبيه عن جده، قد روى غير هذا الحديث الواحد بضعة عشر حديثاً سأذكرها إن شاء الله".
(ثم روى) من طريق محمد بن أبي رزين الخزاعي سمعت داود بن
стр. 140
علي حين بويع لبني العباس وهو مسند ظهره إلى الكعبة ... فذكر حكايةً.
(ثم من طرق) عن علي بن الجعد أنا ابن ثوبان عن داود به قال: " أكل رسول الله ﷺ لحماً وصلى ولم يتوضَّأ ".
(ثم رواه) من طريق غسان بن الربيع ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن مَن سمع علي بن عبد الله يقول: سمعتُ ابن عباس ... بنحوه.
(ومن طريق) الوليد (هو ابن مسلم) ثنا الأوزاعي حدثني داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس: " رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعاً أو كتفاً مشويةً يسيل على لحيته أمشاج من دمٍ وماءٍ، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ ".
وهذا أول حديث ـ من كل ما سبق ـ رجال إسناده ثقات إلى داود بن علي ـ رحمهما الله ـ ولكن تبين لي أنه معلول!!
فقد رواه ابن ماجه (٤٩٠) : " حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي ثنا الزهري قال: حضرتُ عشاء الوليد أو عبد الملك فلما حضرتْ الصلاة قمتُ لأتوضأ فقال جعفر بن عمرو بن أمية: أشهد على أبي أنه شهد على رسول الله ﷺ أنه أكل طعاماً مما غيرت النار ثم صلى ولم يتوضأ. وقال علي بن عبد الله بن عباس: وأنا أشهد على أبي بمثل ذلك".
стр. 141
وهذا إسناد صحيح، وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي هو دُحيم الثقة الحافظ المتقن، ومن أئمة الجرح والتعديل، خالف موسى بن عامر ـ راويه عن الوليد ـ عند ابن عدي، فجعله عن الأوزاعي عن الزهري عن جعفر بن عمرو ابن أمية عن أبيه، وعن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، وليس عن الأوزاعي عن داود بن علي عن أبيه عن جده (١) .
ثم لم يأت بهذه اللفظة المنكرة جداً: " يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء "، ولم يتفرد بالحديث الأوزاعيُّ عن الزهري، فروى أصله عنه عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه: عقيلُ، وصالحُ بن كيسان، وإبراهيمُ بن سعد، وشعيبُ بن أبي حمزة، ومعمرُ، ويونس، وعمرو بن الحارث، كما في "تحفة الأشراف" (١٠٧٠٠) .
ورواه ـ بالزيادة ـ عن الزهري: عمرو بن الحارث، ورواها ـ فقط ـ عنه هشام بن عروة، كما رواه هشام عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده كما في "التحفة" أيضاً (٦٢٨٩) .
وحديث عمرو بن الحارث وهشام ـ بطريقيه ـ في "صحيح مسلم" (برقم ٣٥٤، ٣٥٥) (١ /٢٧٣، ٢٧٤) .
стр. 142
بل رواه بعض الضعفاء عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ـ بدون هذه الزيادة المنكرة عند ابن عدي ـ ورواية هؤلاء في "المعجم الكبير" (١٠ /٣٤٠ ـ ٣٤١) . بل تقدم أن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ـ أحد الضعفاء أيضاً ـ رواه عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه به عند ابن عدي، وهي كذلك
عند الطبراني في "الكبير".
وهذا أصح من الرواية التي أبهمت شيخ ابن ثوبان لضعف في (غسان بن الربيع الموصلي) ، وكان شيخاً صالحاً ﵀.
أما (موسى بن عامر) الذي خالف دحيماً في إسناد الحديث، وزاد الزيادة المنكرة، فهو (ابن عمارة بن خريم أبو عامر المُري الخزيمي الدمشقي) روى عنه أبو داود (١) ، والنسائي في "الكنى" له ترجمة جيدة في "الكامل" (٦ /٢٣٤٩) ، قال ابن حبان في " الثقات " (٩ /١٦٢) : " يُغرب ".
وقال الذهبي في "الميزان" (٤ /٢٠٩) : " صدوق صحيح الكتب، تكلم فيه بعضهم بغير حجة، ولا ينكرله تفرده عن الوليد، فإنه أكثر عنه ".
قلت: ولكن ينكر له مخالفة مثل دحيم ﵀ الذي لم يلقَ (عبد الله
стр. 143
بن محمد بن سيار الفرهيناني الحافظ) ـ على تشدده ـ شامياً أعلى منه، والذي قال فيه أبو داود: " حجة، لم يكن بدمشق في زمنه مثله ".
ثم أنتقل ـ بحول الله العليم القدير ـ إلى سائر الأحاديث التي ساقها ابن عدي لداود بن علي ـ رحمهما الله ـ فأقول:
(ثم روى) عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى ـ وهما ضعيفان ـ عنه بالإسناد قال: " بعثني العباس إلى رسول الله ﷺ مُمسياً وهو في بيت خالتي ميمونة، قال: فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فلما صلى الركعتين قبل الفجر قال: " اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي " قال: "حديثاً طويلاً في الدعاء ".
(ثم من طريق) الحسين بن عمارة عن داود به: " أن النبي ﷺ كان يختم وتره بهذا الدعاء وهو جالس حين يفرغ من الوتر: " اللهم إني أسألك ... " فذكر مثل ما قبله، وعلق نفس التعليق.
(ثم روى) من وجه آخر عن ابن أبي ليلى به، فذكر قطعة أخرى من نفس الدعاء المتقدم.
(ثم روى) من طريق ابن أبي ليلى به، أن رسول الله ﷺ قال: "علق السوط حيث يراه أهل البيت ".
(ثم من طريق) قيس بن الربيع عن داود به " اجعلوا السوط حيث
стр. 144
يراه أهل البيت " وقال: " هكذا قال لنا الشطوي " يعني: شيخه في هذا الإسناد قيس، عن داود، وإنما هو قيس عن ابن أبي ليلى، عن داود.
(ثم رواه) من وجه آخر عن قيس، عن ابن أبي ليلى به نحوه والحديث رواه النضر بن علقمة عن داود بنحوه عند البخاري في "الأدب" (١٢٢٩) ، والنضر مجهول.
(ثم روى) من طريق سليمان بن قرم عن محمد بن سعيد (تحرف في طبعتي الكامل إلى: محمد بن شعيب) عن داود به: " أن النبي ﷺ أُتي بطير، فقال: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) فجاء عليُّ فأكل معه".
وقال: " وهذا يرويه عن داود محمد بن سعيد (١) ، ومحمد بن سعيد لا أعرفه، ويرويه عن محمد بن سعيد: سليمان بن قرم، وعن سليمان بن قرم: حسين بن محمد المرّوذي " (٢) .
قلت: وسليمان بن قرم أيضاً ضعيف الحديث، لكنه لا يحتمل رواية هذا الإفك، ولا شك أن البلاء من شيخه وحده.
(ومن طريق) حسين ـ يعني ابن أبي بردة ـ عن قيس، عن ابن
стр. 145
أبي ليلى، عنه، عن أبيه: أن ابن عباس نزل عن قوله: حيث سمع أبا سعيد الخدري يروي عن رسول الله ﷺ أنه "نهى عن الصرف" وقيس وابن أبي ليلى ضعيفان.
والراوي عن قيس أورده العقيلي في "الضعفاء" (١ /٢٥٣) ومن طريق عفيف بن سالم عن شريك عنه عن ابن عباس (كذا، والظاهر أنه سقط منه: عن أبيه) مرفوعاً: " يمن الخيل في شقرها ".
وهذا منكرٌ بهذا الإسناد، لا تصح نسبته إلى داود، إنما رواه يزيد بن هارون وحسين بن محمد المروذي (١) عن شيبان بن عبد الرحمن عن أخيه عيسى بن علي ابن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده.
والعجيب أن أبا حاتم الرازي ﵀ صحح رواية زيد بن الحباب عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، ورواية حسين بن محمد المروذي عن شيبان عن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده.
وهاتان الروايتان لم أقف عليهما البتة.
أما حديث حسين بن محمد، فقد رواه الأئمة والحافظ: أحمد، وابن معين، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وجعفر بن محمد بن شاكر الصائغ عنه عن شيبان عن عيسى به.