← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12713

أحاديث ومرويات في الميزان 2 - حديث الفينة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (179 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ?. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا?. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) ?. أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل (١) بدعة ضلالة.

стр. 2

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. فهذه هي الحلقة الثانية من سلسلة " أحاديث ومرويات في الميزان "، بعنوان: " حديث: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة ... ) في الميزان "، بعد انقطاع طويل بلغ أحد عشر عاماً، وهو يمثل

стр. 3

المدة التي تلت خروج الحلقة الأولى من هذه السلسلة التي أرجو الله أن يبارك لي فيها، وكانت: (حديث " قلب القرآن يس " في الميزان) . وكان ذلك لأسباب يطول ذكرها، والتي يعلم الكثيرون منها: المعاناة من اشتداد (مرض السكريِّ) لكنه ـ بلطف ربي وفضله ـ لم يعقني تماماً عن البحث والدراسة، ولو كنت من أنصار الاستعجال في التصنيف لرُؤي لي العديد منها. ولاشك أن طالب العلم ـ بمضي الزمان ـ يتلقى معارف واستفادات ويحصل ثماراً طيبة أثناء بحثه في العمل، ومحادثته مع إخوانه. أما بخصوص هذا الحديث، فقصته معي قديمة. فمنذ أيام الشباب، وأنا أقف ـ من حين لآخر ـ على قول الحافظ الهيثمي ﵀ فيه: " رجاله ثقات "، واستشهادِ آخرين بهذا القول أحياناً؛ وأنا متعجب ومتحير بعض الشيء في هذا الحكم، لاسيّما أنه قد أتى عليَّ وعلى كثيرين غيري زمان كنا نظن فيه أن عبارة: " رجاله ثقات " من نحو المنذري والهيثمي تعني صحة الحديث الذي قيلت فيه. وذلك قبل أن يمن الله علينا بالشيخ العلامة أبي عبد الرحمن الألباني ﵀ وجزاه عن الإسلام والسنة خيراً ـ فيبين لنا سقم هذا الفهم، وعوار هذا المسلك. وكنت قد جمعت عدداً كثيراً من الأحاديث التي وصفها الحافظ الهيثمي ﵀ بهذا الوصف أو جوَّدَ أسانيدها أو حسنها في "مجمع الزوائد"،

стр. 4

وهممت بجد في إيراد طائفة منها في كتاب سميته (فضل المرأة الصالحة) الذي شاء العليم القدير أن يفقد من الأخ الفاضل الذي دفعته إليه لنشره، ولو كان تم على هذه الصورة، لعرَّضني لكثير من الحرج. ويقدِّرُ ربي ـ العليُّ القديرـ أن تقع عيناي ذات يوم أو ليلة على ترجمة (عتبة بن عمرو المكتب) من "تلخيص المتشابه" للخطيب البغدادي (٢/٧٧٩) ـ وهذا كتاب لا يفطن الكثيرون لما فيه من الكنوز ـ فذكر عن البخاري رواية هذا الرجل لحديث: " للمؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة ... " فكتبت تحت اسمه: " وثقه ابن حبان (٧ / ... ) ـ كذا بترك موضع الصفحة ـ وقال أبوحاتم (لا أعرفه) ووهم بعضهم فرواه عن علي بن حفص المدائني عن عبيدة المكتب عن عكرمة ـ كذا كتبتها ـ به (الكبير ١١/ ... ) ". هكذا كان تعليقي من الحافظة وقتها، ومنذ تلك اللحظة وأنا معتقد أن في ثبوت هذا الحديث نظراً، دون تفكير في سائر طرقه أو تطلب لها، لكن الإثبات العلمي لهذا الاعتقادلم يخرج إلى حيز التنفيذ إلا بعد نحو بضع عشرة سنة من هذه الواقعة! والأعجب من ذلك أنني كلما وقفت على متن هذا الحديث لم أكن أقف ـ أبداً ـ عند قوله: " أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا " حتى شرعت عملياً في إخراج هذه الرسالة، مع أنني أعلم من الحديث الضعيف: " ... والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه " أن معنى (الإقامة على الذنب) هو الإصرار عليه.

стр. 5

ثم إنني ـ بعد الفراغ من الكتاب ـ بحثتُ مادة (قَوَمَ) من "لسان العرب" (٥/٣٧٨١: ٣٧٨٧) ، فلم أجد ابن منظور ﵀ يورد (أقام على الشيء) ، ولكنه فسر: (أقام الشيء) بـ (أدامه) من قوله تعالى: " ويقيمون الصلاة " وغيره. (وأقام بالمكان) بمعنى: الثبات، كما فسر: (قام) و (قام على الشيء) بمعنى: (ثبت) و (واظب) و (دام) و (تمسك) كما تأيد هذا لدي ببعض شروح الحديث المذكور آنفاً في " إتحاف السادة المتقين " و" فيض القدير " وشرح الشيخ محمد خليل هراس ﵀ لـ "الترغيب والترهيب"، وكان أوضحها. ثم العجب أن حديث: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، ومن آذى مسلماً ... " إلخ المروي عن ابن عباس؛ قال المناوي في " الفيض " (٣/٢٧٧) : " ... وقال المنذري: الأشبه وقفه، وقال في الفتح: الراجح أن قوله: والمستغفر إلخ، موقوف ". فإن صح موقوفاً على ابن عباس ﵄ فظاهره يعارض ما نسب إليه عن النبي ﷺ أن جميع المؤمنين، إما للواحد منهم ذنب يعتاد إتيانه الحين بعد الحين، أو ذنب هو مقيم، وثابت، ومداوم، ويصر عليه، لا يحول بينه وبينه إلا الموت! وسوف أناقش هذه القضية في نهاية البحث بإذن الله.

стр. 6

ثم إنني توكلت على الله في الشروع في كتابة هذا الجزء واختياره من بدائل شتى كانت أمامي، قد يتلوه حديث: " لا يدخل الجنة عجوز "، إن يسَّر الله الاستخارة على تحسينه ـ ولي فيه سلف ـ لأن من الناس من اتهمني بعدم الاعتراف بـ (اعتضاد الأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض) ، ولعل بعضهم يقول: (عدم الاحتجاج بالحديث الحسن لغيره) مع أنني أفهم أنني لو سميته حسناً، لكان عندي حجة، وتجوز نسبته إلى النبي ﷺ وهو المختار والمترجح الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، خلافاً لابن حزم ومن جرى مجراه ممن رفضوا المسألة برمتها. نعم، لا أرى التحسين سائغاً بمجرد ورود الحديث من طريقين أو ثلاثة فيها ضعف يسير، لاسيما المستنكر على الرواة الذين لم يشتد ضعفهم عند أهل العلم فإن (المنكر أبداً منكر) كما قال الإمام أحمد ـ رحمة الله عليه ـ. وأشير أيضاً إلى مجازفات أخرى أُطلقَتْ، لم يكلف مطلقوها أو مصدقوها أنفسهم الرجوع إليَّ للتحقق من صحتها. فقد قيل: (الإخوة في دار التأصيل يضعفون كل ما ورد في تحريم المعازف) ثم تحرفت إلى: (فلان يضعف ... ) إلخ. وهذا محض افتراء، ولعل بعض من كانوا يعملون بالدار ثم تركوها هم الذين يرون ذلك، فقد بلغني عن بعضهم كلام شنيع وتطاول على الحافظ ابن حجر ﵀.

стр. 7

فإن صحَّ ذلك عنهم ـ والذي أخبرني ثقة جليل ـ فأسأل الله لهم الهداية، والتوبة من هذه الغواية أما أن يُظلَمَ آخرون بسببهم، فهذا لا يقره ولا يرضَى به أحد. هناك أيضاً مجازفة وفرية حاصلها أنني لا أقر شيئاً من جميع ما صححه إمامنا العلامة الألباني ﵀ أو أنني لا أحبه!!! ولا ينبيء هذا إلا عن رِقّة ديانة الذي تولّى كبره، وسوء أدبه وخلقه. أسأل الله لي ولإخواني المحبين الصادقين المحتسبين السلامة. وفي الجملة، لا أجعل في حل من نسب إليَّ، أو شاع عني كلاماً قبل الرجوع إليَّ وعرضه عليَّ، وإن كنتُ قد قلتُه في وقت من الأوقات؛ فهل ما زلتُ على ذلك أم رجعتُ؟ وهل في المسألة تفصيل أم هي على الإطلاق الذي بلغه؟ تنبيه أخير: كنت قد ذكرت أثناء تلخيص الأمور التي خلصت إليها من تراجم أهل العلم لـ (عتبة بن عمرو المكتب) أن ابن حبان ﵀ في كتابه (مشاهير علماء الأمصار) قد نصّ على إتقان جماعة ووثقهم بصيغ رفيعة جداً، وغيره من النقاد يرون فيهم عكس ذلك، ولم يكن الكتاب بين يديّ وقتها، ثم وجدته ونقلت عنه في موضعين. وأذكر الآن بعض الأمثلة، للتنبيه بعدها على أمر آخر لعله أعظم خطورة، لأن أغلب طلبة العلم يعلمون تساهل ابن حبان ﵀.

стр. 8

١ ـ قال في ترجمة (فليح بن سليمان) (رقم١١١٧) : " من متقني أهل المدينة وحفاظهم ". قارن بترجمته في "هدي الساري" (ص٤٥٧) . ٢ ـ قال في ترجمة (عبد الله بن عياش بن عباس القتباني) (رقم١٥١٦) : "من ثقات أهل مصر". وقد ضعفه أبو داود، والنسائي، وقال ابن يونس ـ وإليه المرجع في المصريين ـ: " منكر الحديث "، وروى له مسلم استشهاداً، وهو صاحب الحديث الذي فيه " إلعنوهن، فإنهن ملعونات "، والذي تعقب الذهبيُّ فيه الحاكمَ على تصحيحه. ٣ ـ قال في ترجمة (سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر) (رقم ١٣٦١) : "من متقني أهل الكوفة، وكان ثبتاً" ومعروف حال أبي خالد ـ على صدقه ـ من كثرة أوهامه ومخالفاته للثقات. أنظر ترجمته ـ مثلاً ـ في " الكامل " و " التقريب ". ٤ ـ قال في ترجمة (يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي) (رقم ١١٠١) : " وكان متقناً " ويحيى هذا فيه جهالة، ولا يعرف إلا بحديث واحد. أنظر ترجمته في " الميزان " و " تهذيب الكمال " مع الحواشي. ٥ ـ قال في ترجمة (عثمان بن أبي العاتكة) (رقم ١٤٤٩) : " من متقني أهلها ـ يعني الشام ـ وقدماء مشايخهم ".

стр. 9

والرجل أحسن أحواله أن يكون صدوقاً إذا روى عن غير (علي بن يزيد الألهاني) ـ ذاك المتروك ـ أنظر " تهذيب الكمال " بحواشيه. وفي المقابل وصف جماعة من الثقات والصدوقين برداءة الحفظ، حتى ولو كان يقصد أنهم يعتمدون في الرواية على كتبهم، لكن ظاهر صنيعه أنهم مجروحون بجرح مفسر، وهذا ما يعرفه عامة المبتدئين في الطلب. فمن هؤلاء: ١ ـ علي بن الحكم البناني (رقم ١٢١٧) . ٢ ـ عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبو طوالة (رقم ٥٧٦) . ٣ ـ غالب القطان (رقم ١٢٣١) . وغالب لم يُصب ابنُ عديّ بإيراده في (الكامل) لأن البلاء من الراوي عنه. ٤ ـ غسان بن مضر الأزدي (رقم ١٢٦١) . ٥ ـ برد بن سنان (رقم ١٢٢٨) . ٦ ـ حزم بن أبي حزم القطعي (رقم ١٢٣٧) . ٧ ـ بل قال في الثقة الثبت القاسم بن الفضل الحداني (رقم ١٢٥٩) : " من المتيقظين في الروايات على سوء حفظه ". والحداني وثقه الناس، وأورده العقيلي في "الضعفاء" (٣/٤٧٧، ٤٧٨) متعلقاً بحديث لمَّا علم شعبةُ أن القاسم سمعه من أبي نضرة ولم يأخذه من شهر بن حوشب سكت، وهو حديث صحيح.

стр. 10

٨ ـ وقال في (يزيد بن عبد الله بن خصيفة) (رقم ١٠٦٦) : " وكان يهِمُ كثيراً إذا حدث من حفظه " وهذا وصفٌ لم أر أحداً سبقه إليه، ولو كان ابنُ خصيفة كذلك لكان مثل (عبد العزيز بن محمد الدراوردي) وحاشاه. نعم، روى الآجري عن أبي داود أن الإمام أحمد قال: " منكر الحديث "، والثابت عن الإمام أحمد توثيقه كما رواه عنه الأثرم. وفي القلب من بعض ما يرويه الآجري عن أبي داود. فالله أعلم. وأخيراً، فإني بانتظار مقترحات إخواني الأفاضل، وما يرونه من تنبيهات وملاحظات، سواء ما يتعلق بالإطالة في أحوال الرواة الذين لا يحتاج بيان أمرهم إلى ذلك، أو غير ذلك من الأمور. كذلك أرجو أن تقر عيني بإجابات سديدة عن (الاختبار) أو (الألغاز) التي وضعتها في آخر الكتاب، ولعل أحسن إجابة أو ثلاث إجابات ينال أصحابها ما تقرُّ به أعينهم إن شاء الله. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا وقدوتنا محمد ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته الغرِّ الميامين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) .

стр. 11

وكتبه: أبو عبد الرحمن محمد عمرو بن عبد اللطيف بن محمد بن عبد القادر بن رضوان بن سليمان بن مفتاح بن شاهين الشنقيطيّ ـ عفا الله عنه ـ. بمنزله بمدينة نصر يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان ١٤٢٥ هـ الموافق للتاسع من أكتوبر ٢٠٠٤ م. والحمد لله رب العالمين.

стр. 12

رُوي هذا المتن عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس وحده ـ فيما أعلم ـ من طريق كل من: عكرمة مولاه، وسعيد بن جبير، وداود البصري عنه. ورُوي شطره الآخر ـ حَسْبُ ـ من طريق ابنه علي بن عبد الله بن عباس عنه. ولا يصح منها شيء، بل كلها ما بين إسناد مُعَلٍّ، أو ظاهر الضعف، وهاك بيان ذلك. ١ ـ طريق عكرمة عن ابن عباس . وقد اختُلِف على اسم الراوي عنه ـ بنفس الإسناد والمخرج ـ على وجهين: الأول: عبيد المُكْتِب الكوفي عنه: قال أبو القاسم الطبراني ﵀ في (المعجم الكبير) له (١١ / ٣٠٤ رقم ١١٨١٠) : " حدثنا الحسن (١) بن عباس الرازي ثنا أحمد بن أبي سريج الرازي ثنا علي بن حفص المدائني ثنا عبيد المكتب الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه

стр. 13

لا يفارقه حتى يفارق الدنيا (١) ، إن المؤمن خلق مُفَتَّناً توَّاباً نَسَّاءً (٢) ، إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ ". تفرد الطبراني ﵀ بروايته في " الكبير " من هذا الوجه ـ فيما أعلم ـ، ورجاله كلهم ثقات على مقال يسير في (علي بن حفص المدائني) ، إلا أنه معلول بهذا الإسناد كما يأتي بيانه في موضعه بحول الله وقوته. وهذه تراجم رجال هذا الإسناد مع شيء من الإطالة: ١ ـ الحسن بن العباس الرازي ـ شيخ الطبراني ـ: هو: (أبو علي الحسن بن العباس بن أبي مهران الرازي المقريء) نزيل بغداد، ويعرف بـ (الجَمَّال) . قال الخطيب البغدادي ﵀ في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٧ /٣٩٧ رقم ٣٩٣٥) : " سكن بغداد، وحدث بها عن سهل بن عثمان العسكري، وعبد المؤمن بن علي الزعفراني، وعبد الله بن هارون الفروي، ويعقوب بن حميد ابن كاسب. روى عنه: يحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن

стр. 14

مخلد، وأبو عمرو ابن السماك، وعبد الصمد بن علي الطستي، وأبو سهل بن زياد، ومحمد بن الحسن النقاش المقريء، وعبد الباقي بن قانع (١) ، وغيرهم، وكان ثقة ". ثم روى بإسناده إليه: " حدثنا عبد الله بن هارون بن موسى الفروي ... " فذكر بإسناده إلى أنس مرفوعاً: " من عَزَّى أخاه المؤمن من مصيبة، كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة "، قيل: يا رسول الله، ما يحبر؟ قال: " يغبط بها يوم القيامة ". وبإسناده إلى ابن المنادي قال: " والحسن بن العباس بن أبي مهران الجَمَّال الرازي المقريء ـ يعني: مات ـ في شهر رمضان لأيام خلت منه سنة تسع وثمانين. وكان بالجانب الغربي في دار القطن، ثم انتقل إلى كرخايا، وهناك مات". قلت: والحديث الذي أورده له الخطيب عن عبد الله بن هارون

стр. 15

الفروي لم يتفرد به، بل تابعه عليه محمد بن عبد الله بن عبد السلام مكحول البيروتي الحافظ فيما كتب إلى ابن عدي ﵀ كما في ترجمة الفروي من "الكامل" (٤/ ١٥٧٢) وتابعه أيضا عبد الجبار بن أحمد السمرقندي عند ابن عساكر في "تاريخه" ـ وضَلَّ عني موضعه لأنه في الأجزاء التي لم تصلني بعد ـ وهو في (المحمدين) ، والراوي عنه سكت عليه ابن عساكر. ثم وجدت الديلمي رواه من طريق أحمد بن منصور المروزي عن الفروي به كما في حاشية "الفردوس" (ح ٦١٤٨) فالحمد لله رب العالمين. وترجم له الخطيب أيضاً في "تلخيص المتشابه في الرسم" (١/٤٠٣) تحت (باب ذكر الخلاف في حرفين: الحسن بن عياش، والحسن بن عباس) باسم: (الحسن بن عباس بن أبي مهران المقريء الرازي) . قال: " ويعرف بالجَمَّال. حدث عن سهل بن عثمان، ومحمد بن حميد، وأحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، وغيرهم. روى عنه: أبو عمرو بن السماك، وأبو سهل بن زياد. وقلما تجيء عنه الرواية بحذف الألف واللام اللذين للتعريف من اسم أبيه ". ثم ساق له حديثاً من طريق أبي سهل بن زياد القطان عنه مقروناً بأبي يحيى الزعفراني، عن الدشتكي بإسناده إلى أُبيّ بن كعب ـ رضي الله تعالى عنه ـ.

стр. 16

وأبو يحيى الزعفراني هو: (جعفر بن محمد بن الحسن الرازي) ويعرف (بالتفسيري) وهو ثقة حافظ لاسيما لمرويات التفسير (١) . فكان مقصود الخطيب بإيراد هذا الحديث أنه سُمِّي فيه (الحسن بن عباس) بالتنكير خلافاً لأكثر الروايات التي يأتي فيها باسم (الحسن بن العباس) مع أن أبا سهل بن زياد القطان نفسه سمَّاه (الحسن بن العباس) في الحديث الذي أورده له الخطيب في "تاريخه". ثم إن محققة "تلخيص المتشابه" ـ السيدة: سكينة الشهابي ـ عفا الله عنهاى ـ عزته في حاشية الكتاب إلى "أنساب السمعاني" وحده. والحق أنها نبهتني إلى وجوده فيه (٢/ ٨٣، ٨٤) (دار الجنان) تحت نسبة (الجَمَّال) حيث قال السمعاني ﵀: " والحسن بن عباس بن أبي مهران الجمال المقريء الرازي حدث عن ... " فذكر عَيْن الشيوخ والرواة الذين في "تلخيص المتشابه" بزيادة: (وغيرهما) .

стр. 17

كأنه انتزع الترجمة منه بقرينة أنه ذُكر اسم أبيه مُنَكّراً، بخلاف ما في "التاريخ" وغيره. وترجم له الذهبي ﵀ في "تاريخ الإسلام" (وفيات ٢٨١ ـ ٢٩٠) (ص ١٥٢) وقال: " المقريء المجود "، وقال أيضاً: " تصدر للإقراء، وكان من كبار المحققين للقراءات " حتى قال: " وثقة الخطيب ". وترجم له ترجمة أوسع من هذه في "معرفة القراء الكبار" (١/٢٣٥ رقم ١٣٤) ، فقال: " فقال روى عن سهل بن عثمان، وعبد المؤمن بن علي الزعفراني، ويعقوب بن حميد بن كاسب. وعني بالقراءات، فقرأ على الأحمدين: ابن قالون والحلواني، ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وأحمد بن صالح المصري " حتى قال: " وكان إليه المنتهى في الضبط والتحرير، أقرأ ببغداد وغيرها. قرأ عليه ابن مجاهد، وابن شبنوذ، والنقاش، وأحمد بن حماد صاحب المشطاح. وحَدَّثَ عنه ابن السماك، وابن قانع، وعبد الصمد الطستي، وأبو سهل القطان، وأبو القاسم الطبراني "، ثم حكى توثيق الخطيب وتأريخ وفاته باختصار. وترجم له أيضاً ابن الجزري ﵀ في "غاية النهاية" (١/٢١٦ رقم ٩٨٦) ، وقال: " شيخ عارف حاذق مصدر ثقة، إليه المنتهى في الضبط والتحرير ". وزاد على الذهبي فيمن قرأ عليهم وقرأوا عليه قليلاً.

стр. 18

فالحاصل أن الرجل ـ مع تثبته وإتقانه في القراءة ـ ثقة أيضاً في الحديث، لا أعلم فيه مَطْعَناً، ولم أجد أحداً قد أخذ عليه شيئاً يقدح في عدالته أو ضبطه. وقد مَرَّ عليَّ أثناء رحلتي مع هذا العلم الشريف أن بعض الناس ـ ممن لا أستحضره الآن ـ كان إذا وجد الخطيب انفرد بتوثيق رجل، أو شاركه مثل ابن حبان؛ لا يتابعه على هذا التوثيق، ولا يرقى حديثه إلى مرتبة الصحة، بل يحطه إلى مرتبة (الصدوق) حَسْب. ولم أدْرِ ما الحامل له على ذلك. نعم، ما الخطيب كأحمد والبخاري وأبي حاتم وأضرابهم في المعرفة والإتقان والدقِّة. بل تكلم بعضهم في تحامله على أهل الرأي والحنابلة، وهذه قضية أخرى لا أستطيع الخوض فيها الآن إذ لم أُحِط بأطرافها، وإذ الأصل في توثيق الخطيب الاعتماد والقبول، لكنني أريد أن أنبه على أن الراوي الثقة ليس معصوماً أو مُبَرَّأً من الوهم والغلط، لاسيّما إن لم يكن من المبرزين في الحفظ والإتقان بحيث تتساوى كِفَّتُه بكفة راوٍ آخر ممن وصفتُ حالهم. بل الحكم عند المخالفة في حديث بخصوصه للأرجح منه حفظاً وإتقاناً أو عدداً، إلا أن تقوم قرينةٌ تجعلنا نقضي بالضد من ذلك. فكيف إذا كان المخالف لصاحب هذا الحديث ـ الحسن بن العباس

стр. 19

الرازيّ ـ هو الجبل الأشَمُّ أستاذ الأستاذِين، الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري نفسه؟ هذا ما سنراه قريباً بحول الملك وطَوْله. ٢ ـ أحمد بن أبي سريج الرازي: هو (أبو جعفر أحمد بن الصباح ـ ويقال: أحمد بن عمر بن الصباح الدارمي النهشلي ـ ويقال: الأزدي الجهضمي ـ الرَّازي البغدادي المقريء، أحد الثقات من رجال " التهذيب " ومن شيوخ البخاري، وأبي داود، والنسائي) . * قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢/٥٦ رقم ٧٥) : " وسُئل أبي عنه، فقال: صدوق ". * وقال يعقوب بن شيبة السَّدُوسي: " وابن أبي سريج هذا أحد أصحاب الحديث، كان ينزل المخرم، ونزع إلى الري ومات بها قديماً قبل أن يحدّث (١) ، وكان ثبتاً ". * وقال النسائي: " أحمد بن الصباح رازي ثقة ".

стр. 20

وهذان النصان رواهما الخطيب في ترجمته من " تاريخ بغداد " (٤/٢٠٦) بعد تعليق قول ابن أبي حاتم المذكور آنفاً (١) . * وقال ابن حبان في "الثقات" (٨/٣٨) : " يُغْرِبُ على استقامة فيه ". * وقال مغلطاي: " وخرج ابن خزيمة والحاكم حديثه في صحيحهما، وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي: " هو ثقة ... " وقال الحبال: رازي ثقة " كما في حاشية ترجمته من "تهذيب الكمال" (١/٣٥٧) نقلا عن "الإكمال" (١/الورقة ١٦) أما ابن خزيمة فحدث عنه كما تقدم عن ابن حبان. وأما الحاكم فلا يسمى "مستدركه" صحيحاً إلا تجوزاً، ولا يُستدل على ثقة من خرج له فيه وصحح حديثه بمجرده، وحسبه أنه من شيوخ البخاري في "الصحيح" مع توثيق من تقدم ذكره. * وقال الخطيب البغدادي في أول ترجمته من "تاريخ بغداد" (٤ /٢٠٥ رقم ١٨٩) : " هبة الله بن الحسن الطبري (وهو الأمام اللالكائي) يذكر أنه

стр. 21

مولى (١) آل جرير بن حازم. وهو أحد القرآء المعروفين، قرأ على على بن حمزة الكسائي، وسمع إسماعيل بن علية، ومروان بن معاوية، وكيع بن الجراح، وأبا أحمد الزبيري، وكان يسكن المخرم ... " إلخ. * وقال الذهبي في "معرفة القراء الكبار" (١/٢١٩ رقم ١١٧) : " قرأ على الكسائي، قرأ عليه العباس بن فضل الرازي، وغيره. وروى عن شعيب بن حرب، وأبي معاوية الضرير، وجماعة حدث عنه البخاري، وأبو داود والنسائي في كتبهم، وأبو بكر بن أبي داود، وأبو حاتم، وقال: صدوق ". وقال في وفيات (٢٤١ ـ ٢٥٠) (ص ١٥٥ ـ ١٥٦) من "تاريخ الإسلام": " قرأ القرآن على أبي الحسن الكسائي، وأقرأه، وسمع شعيب بن حرب، وأبا معاوية الضرير، وابن علية ووكيعاً، وجماعة. وعنه: خ. د. ن.، وأبوبكر بن أبي داود، وأهل الري، وقرأ عليه: العباس ابن الفضل الرازي. وقال النسائي: ثقة، وروى عنه أيضاً: أبو زرعة، وأبوحاتم، وقال أبوحاتم: صدوق ". * وقال ابن الجزري في "غاية النهاية" (١/٦٣ رقم ٢٦٩) : " ثقة ضابط كبير، وهو شيخ البخاري وأحد أصحاب الشافعي، قرأ على الكسائي وله عنه نسخة، وأخذ أيضا عن عبيد الله بن موسى،

стр. 22

وعبد الوهاب بن عطاء (١) صاحب أبي عمرو ... " حتى قال: " توفي سنة ثلاثين ومائتين ". قلت: اختلف في تأريخ وفاته على أقوال هذا أحدها وأبعدها عن الصواب كما يأتي بيانه. والثاني: أنه مات بعد الأربعين ومائتين. قاله الذهبي في "التذهيب" (١/الورقة ١٥) كما في حاشية " تهذيب الكمال "، ونقله الحافظ في "التهذيب" (١/٤٤) من خطه أيضاً، قال: " وكذا كتب ابن سيد الناس على حاشية الكمال ". وأكد الذهبي هذا القول بإيراده في الطبقة الخامسة والعشرين من "التاريخ" كما تقدم. والثالث: قال الحافظ: " وقال غيره ـ يعني: غير ابن حبان ـ: (مات بعد البخاري) ". يعني: بعد ست وخمسين ومائتين، أو بعد شوال منها، وهذا فيه بُعد، ولم أرَ أحداً سمى القائل به، أما القول الأول فهو خطأ بيقين، فإن أبا بكر بن أبي داود السجستاني ـ رحمهما الله تعالى ـ ولد في تلك السنة ـ أعني سنة ثلاثين ومائتين (٢) ـ

стр. 23

وقد ذكروه في جملة الرواة عن ابن أبي سريج. وسافر به أبوه من سجستان وهو صبي فشهد جنازة إسحاق بن راهويه في شعبان سنة ثمان وثلاثين. وكان أول شيخ سمع منه هو الإمام الربّاني محمد بن أسلم الطوسي ـ رحمة الله تعالى عليه ـ المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين. فالله أعلم بحقيقة الأمر". وأحمد بن الصباح ـ أبي سريج ـ مترجم في مصادر أخرى ليس فيها ما يلفت الانتباه، إلا أن السبكي ﵀ قد ترجم له في "طبقات الشافعية" (٢/٢٥) ناصَّاً على سماعه من الإمام الشافعي ﵀، فقد فات الخطيب والمزي ـ رحمهما الله ـ، وعامة مترجميه ـ سوى ابن الجزري فيما أعلم ـ ذِكْرُ الشافعي في جملة شيوخه. فائدة: ومما سمعه من هذا الإمام الجليل، ما رواه أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (٢/٤٧٨) بإسناده إليه: " سمعت الشافعي يقول: أتعجب من سفيان الثوري يروي الحديث عن الثقات ثم لايعمل به (١) . أورده في وسط أحاديث وحكايات تتعلق بشعبة ﵀. هذا، وقد لخّص الحافظ ﵀ حاله في "التقريب" (٥٠) (ط. دار

стр. 24

العاصمة) بقوله: " ثقة حافظ له غرائب، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين "، كأن الحافظ تأثر بقول ابن حبان فيه: " يُغرب على استقامة فيه ". وهو يُغرب حقاً، فإن ابن حبان نفسه روى له في "صحيحه" حديثاً واحداً (١) أغرب فيه (!) كما في "الإحسان" (٦٥٥٦) : " أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا شبابة بن سوار، حدثني ورقاء، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى حَبْرِ بَيْمَاء، فَسَلَّمَ عليه ". وهذا الحديث لم أجده في مكان آخر بهذا الإسناد أو بغيره، وله علة من فوق، وهي أن العقيلي ﵀ قال في ترجمته من "الضعفاء الكبير" (٤/٣٢٧) : "تكلموا فيه في حديثه عن منصور "، وأورد حواراً دار بين معاذ بن معاذ ويحيى القطان مؤداه أن حديثه عن منصور بن المعتمر لا يساوي شيئاً. مع أن شبابة ﵀ قد روى عنه خلقٌ وفيهم كبار الحفاظ كأحمد، وإسحاق، والحسن بن عرفة، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وعباس العنبري، وعباس الدوري، وابني أبي شيبة ـ أبي بكر وعثمان ـ، وابن المديني، وعمرو بن محمد الناقد، ومحمد بن رافع، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة، هل أعرضوا جميعاً عن هذا الحديث الفائدة وتركوه لابن أبي سريج الرازي؟

стр. 25

وله في "المعجم الأوسط" (٧٤٨٠، ٧٤٨٨) حديثان تفرد بهما. الأول: يرويه عن شعيب بن حرب، نا كامل أبو العلاء، ثنا أبو صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إن امرأة دخلت النار في هرة لها كانت ربطتها، فلا تطعمها، ولا تخليها تأكل من خشاش (١) الأرض ". والثاني: يرويه عن عمرو بن مجمع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نرمي الجمرة حتى تطلع الشمس ". والأول لم أجده في مصدر آخر من هذا الوجه، لكنه صحيح ثابت من أوجه أخرى عن أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، والثاني رواه أيضاً في "الكبير" (١١/ ٣٩٨ رقم ١٢١٢٠) وابن عدي في "الكامل" (٥/١٧٨٢) من طرق عنه عن عمرو بن مجمع به. وقد رواه جماعة ـ غير إسماعيل بن أبي خالد ـ عن الحكم بنحوه، ورواه الحسن العرني عن ابن عباس أيضاً. فالأول: الإغراب فيه دائر بينه وبين شيخ الطبراني (محمد بن شعيب الأصبهاني التاجر) قال أبوالشيخ ﵀ في "الطبقات" (٤/٤٣ رقم

стр. 26

٥٤٠) : " حَدَّث عن الرازيين بما لم نجده بالري، ولم نكتب إلا عنه "، فساق له ثلاثة أحاديث أحدها عن عبد الرحمن بن سلمة الرازي، والآخران عن الحسن بن علي الخلال ـ وليس (١) رازياً ـ لكن يرويهما عن الفرات بن خالد الرازي. وقال أبو نعيم في "ذكر أخبار أصبهان" (٢/٢٥٢) : " يروي عن الرازيين بغرائب " فساق له الحديث الأول عند أبي الشيخ، وحديثين آخرين. والثاني: تفرده وإغرابه عن عمرو بن مجمع ـ وإن كان الإسناد بعد ذلك في غاية الشهرة ـ، فهو محتمل، لأن هذا الشيخ واهٍ. * قال ابن عدي في آخر ترجمته من "الكامل" (٥/١٧٨٢) : " وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، إما إسناداً وإما متناً ". * وقال ابن معين: " ليس حديثه بشيء " كما في آخر ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٢/١٩٥) ولعله قال: " لم يكن به بأس " ـ كما في "تاريخ الدوري" (٢/٤٥٤) ـ قبل أن يتبين له أمره.

стр. 27

* وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث " كما في "الجرح" (٦/٢٦٥) . * وقال الداراقطني في "الضعفاء" (٣٩٤) : " ضعيف كوفي ". هذه نماذج مما أغرب فيه أحمد بن أبي سريج الرازي ﵀، يضم إليها الحديث الذي نحن بصدد تخريجه وبيان ما ترجح لدينا فيه. ومن الله العون والسداد وسأذكر المزيد فيه عند الكلام على الوجه الثاني للحديث عن عكرمة ـ بإذن الله ـ. ١ ـ علي بن حفص المدائني: هو (أبو الحسن علي بن حفص المدائني البغدادي) وهو من رجال مسلم ـ احتجاجاً ـ وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وأقل أحواله أنه (صدوق (١) لا بأس به) . * قال محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي: " حدثنا علي بن حفص المدائني وكان أحمد يحبه حباً شديداً" كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١١/٤١٦) . * وقال أبو بكر المرُّوذي: " قال أحمد بن حنبل: " علي بن حفص أحبُّ إليَّ من شبابة "، وعنه الخطيب.

стр. 28

وقال أبو عبيد الآجري في "سؤلاته" (رقم ١٩٣٧) : " سئل أبوداود عن علي بن حفص قال: ثقة. قال لي الحسن بن علي (يعني: الخلال) قال لي أحمد بن حنبل: أكتُبْ عن علي بن حفص حديث حريز. قال: فوجدت يزيد (١) أروى منه ". * وقال عثمان بن سعيد الدارمي في "تاريخه" (٦٤٢) : " قلت ـ يعني: ليحيى ابن معين ـ: فعلي بن حفص، حدثنا عنه خلف المخرمي؟ فقال: المدائني ليس به بأس ". * وقال ابن محرز في "معرفة الرجال" (١/٩٧ رقم ٤٠٦) : " سمعت يحيى يقول: علي بن حفص المدائني ثقة ". * وقال ابن الجنيد في "سؤلاته" (٣١٤) : " قلت ليحيى بن معين: تفسير ورقاء عمن حملته؟ قال: كتبته عن شبابة وعن علي بن حفص، وكان شبابة أجرأ عليها وجميعاً ثقة ". * وقال علي بن المديني: " علي بن حفص ثقة "، كما في "الجرح" (٦/١٨٢) . * وقال ابن أبي حاتم فيه: " سألت أبي عن علي بن حفص المدائني، فقال: صالح الحديث يكتب حديثه، ولا يحتج به ".

стр. 29

* فرد عليه الذهبي في "الميزان" (٣/١٢٥) بقوله: " قلت: احتج مسلم به ". * وقال النسائي: " أبو الحسن علي بن حفص المدائني ليس به بأس "، كما في "تاريخ بغداد". * وقال ابن حبان في "الثقات" (٨/٤٦٥) : " ربما أخطأ ". * وقال بن أبي شيبة: " ثقة "، كما في ترجمته من "تهذيب الكمال" (٢٠/٤١٠) . * وقال الحاكم في "المستدرك" (١/١١٢) : " وعلي بن حفص المدائني ثقة ". * وقال الحافظ في "التقريب" (٤٧٥٣) : " صدوق ". قلت: وقول ابن معين ـ في رواية عنه ـ والنسائي: " ليس به بأس " يؤيد قول ابن حبان فيه: " ربما أخطأ "، فقد قال أبو أحمد ابن عدي ﵀ في ترجمة (المغيرة بن زياد الموصلي) من "الكامل" (٦/ ٢٣٥٤) : " وعامة ما يرويه مغيرة بن زياد مستقيم إلا أنه يقع في حديثه كما يقع هذا في حديث مَنْ ليس به بأس من الغلط ... ". (ومما أخذ عليه) : ما رواه العسكري في " تصحيفات المحدثين " (١/١٣٨) من طريق حنبل بن إسحاق قال: " وسمعت أحمد يقول قال علي بن حفص يعني المديني (كذا) : في حديث: (وأما خالد،

стр. 30

فإنكم تظلمونه، قد احتبس أدرعه وأعتاده) ، أخطأ فيه وصحف، إنما هو: (وأعْتُده) ". وحنبل ـ ابن عم الإمام أحمد ـ رحمهما الله ـ وإن كان ثقة ثبتاً، فقد نص (١) بعضُ أهل العلم على أنه تفرد بأشياء عن الإمام أحمد ﵀ غلط فيها، فإن كان حفظه فقد تبين لي أنه لا ذنب لِعَليّ بن حفص في هذا التصحيف، فقد رواه ابن حبان (٣٢٧٣) والدارقطني في "سننه" (٢/١٢٣) من طرقٍ عن شبابة، ثنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً به، وفيه أيضاً: " وأعتاده ". فلم يتفرد علي بن حفص بهذه اللفظة، بل الظاهر انها من ورقاء بن عمر اليشكريّ ـ عفا الله عنه ـ بمخالفة شعيب بن أبي حمزة وغيره. نعم، في رواية أبي داود (١/٣٧٦) من طريق شبابة: " وأعتده "، وهي كذلك في "مختصر السنن" (١٥٥٦) للمنذري و "صحيح أبي داود" (١٤٣٥) . ولكن رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/١٦٣ ـ ١٦٤) عن أبي داود به، فقال: " وأعتاده " وفي "السنن بشرح العَيْني" (١٧٤٣) : " وأعتاده "، وهو الثابت ـ عندي ـ عن شبابة والله أعلم. على أنني لم أجد فيما وقفت عليه ـ من كتب الشروح ـ فارقاً بين

стр. 31

اللفظتين، بل كلاهما جمع (عَتد) إلا على معنى مخصوص ذكره البدر العيني، فانظره إن شئت، وانظر لتمام تخريج الحديث: "إرواء الغليل" (رقم ٨٥٧) . ثم إن مسلماً ﵀ قد رواه في "صحيحه" (٢/٦٧٦ ـ ٦٧٧ رقم ٩٨٣) من طريق علي بن حفص محتجاً به حيث بوَّب (باب: في تقديم الزكاة ومنعها) فلم يذكر سواه. وأسوقه بتمامه تتميماً للفائدة: قال ﵀: " وحدثني زهير بن حرب، حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ عُمَرَ على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله. وأما العباس فهي عَلَيَّ ومثلها معها ". ثم قال: " يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه "، وانظر لتمام تخريجه "إرواء الغليل" (٨٥٨) ، فقد نَبَّهَ الشيخ الألباني ﵀ على بعض الألفاظ فيه. وعَوْدٌ إلى (علي بن حفص) ﵀ فمما أخطأ فيه بيقين: ما رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/١٠ رقم ٥) ، وأبو داود (٢/ ٥٩٤) ، وابن حبان (٣٠) والحاكم (١/١١٢) وغيرهم من طرق عنه قال: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن

стр. 32

عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " (١) وخالفه المشاهير وغير المشاهير (٢) من أصحاب شعبة ﵀ فممن وقفت عليه منهم: ١ ـ محمد بن جعفر الهذلي البصري غُنْدَرْ. ٢ ـ عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري. ٣ ـ معاذ بن معاذ التميمي العنبري البصري. ٤ ـ سليمان بن حرب الواشحي البصري. ٥ ـ حفص بن عمر النَّمَري الحوضي البصري. ٦ ـ وهب بن جرير بن حازم الأزدي الجهضمي البصري. ٧ ـ أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي. ٨ ـ النَّضر بن شميل المازني البصري النحوي نزيل مرو. ففي (مسند أبي هريرة) من "علل الدارقطني" (س ٢٠٠٨) قال البرقاني ﵀: " وسُئِل ـ يعني: أبا الحسن الدارقطني ﵀ عن حديث حفص بن

стр. 33

عاصم عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " فقال: يرويه شعبة واختلف عنه؛ فرواه علي بن حفص المدائني عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وخالفه أصحاب شعبة، رووه عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم مرسلاً عن النبي ﷺ ، وكذلك قال غندر، والنضر بن شميل، وسليمان بن حرب، وغيرهم. والقول قولهم، وأخرج مسلم حديث علي بن حفص عن أبي بكر بن أبي شيبة المتصل، ثم رواه بإسناده إلى علي بن حفص المدائني به موصولاً، وقال: (تفرد به علي بن حفص عن شعبة متصلاً) ". وفي (مسند أبي هريرة) أيضاً من "التتبع" للداراقطني أيضاً ﵀ (الحديث الثامن ص ١٣٠ ـ ١٣١) : " وأخرج مسلم عن أبي بكر عن علي بن حفص عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي ﵌: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) والصواب مرسل، قاله معاذ وغندر وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم ". قلت الإعلال صحيح لا ريب فيه، ولكن لا يصح تعقُّبُ هذا الحديث على الإمام مسلم ﵀، فإن أحاديث "المقدمة" ليست على شرطه في أصل "الصحيح".

стр. 34

ثم إنه أشار إلى العلة بتقديمه المرسل من وجهين بلغا الغاية في الصحة إلى شعبة ﵀. قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀ عند تعليقه على هذا الحديث: " والعذر لمسلم واضح، وهو أنه قدم المرسل ثم ذكر الحديث المسند، وأيضاً ذكره في المقدمة ولم يذكره في أصل الكتاب كما قاله الحاكم ج١ ص١١٢. والله أعلم ". قلت: أخرج الحاكم (١/ ١١٢) الحديث من طريق محمد بن رافع ثنا علي ابن حفص (١) المدائني ثنا شعبة به موصولاً، وقال: " قد ذكر مسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في خطبة الكتاب عن محمد بن رافع (٢) ، ولم يخرجه محتجاً به في موضعه من الكتاب، وعلي بن حفص (٣) المدائني ثقة. وقد نبهنا في أول الكتاب على الاحتجاج بزيادات الثقات، وقد أرسله جماعة من أصحاب شعبة حدثناه ... ". ثم رواه بأسانيده إلى آدم (٣) بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر قالوا: ثنا شعبة به مرسلاً.

стр. 35

أما التنبيه الذي أومأ إليه، فهو قوله في خطبة "المستدرك" (١/٣) : " وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتجَّ بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة. والله المعين على ما قصدته، وهو حسبي ونعم الوكيل ". قلت: من المتقرر أنه لابد لمعرفة أصول وقواعد كل علم شرعي أو دنيوي، أن يرجع إلى أهل الاختصاص فيه الذين هم أدرى به من غيرهم بداهة. والمذهب الذي صححه الحاكم وإن كان هو المترجح عند غير أهل الحديث فلا كذلك عند جهابذة النقاد من المحدثين، فإنهم لا يقبلون الزيادة من الثقة بإطلاق، بل إذا كانت من أمثال مالك والثوري ـ رحمهما الله ـ المبرزين في الحفظ والإتقان. وهم لا يجرون على قاعدة ثابتة لا محيد عنها أبداً، بل ينظرون إلى كل حديث على انفراده، ويرجحون أحد وَجْهَي أو وجوه الاختلاف بعد مراعاة القرائن المحيطة بهذا الحديث. ونظراً لأن أصحاب الزيادة في الأسانيد والمتون كثيراً ما تكون كفة الواحد منهم مرجوحة تارةً في الحفظ والإتقان، وتارةً في العدد، بل أحياناً فيهما جميعاً كما في حديثنا هذا؛ فإننا نجدهم في الغالب

стр. 36

يرجحون الرواية الأنقص إرسالاً أو وقفاً أو قطعاً أو إبهاماً لاسم راوٍ أو غير ذلك، ولا يفعلون ذلك باطِّراد. ولذلك نجد الدارقطني يقول أحياناً: " فلان ثقة والزيادة من الثقة مقبولة "، وهوبالضرورة لا يعني آحاد الثقات الذين لا يتميزون بمزيد تثبت وإتقان، أو بمزيد حفظ أو بأصحية كتاب أو بطول ملازمة للشيخ ... إلخ، بل يقصد الحفاظ المبرزين في الحفظ والإتقان. ولو كان الأمر كما قال الحاكم ـ عفا الله تعالى عنه ـ ما استحق علم " علل الحديث " أن يوصف بأنه (أوعر وأدق علومه على الإطلاق) بحيث لا يقوم به ولا يطيقه إلا جهابذة النقاد وحذاقهم. ولما كان لتصنيف مثل ابن المديني والنسائي والبرديجي وابن رجب (أصحاب فلان) ـ من المشاهير ـ وذكر طبقاتهم ومعرفة المقدم والمؤخر بل والثقة المضعف في شيخ من الشيوخ كبير فائدة. بل لاستوى المبتدئ في هذا العلم مع الناقد الجهبذ لو علم ـ فقط ـ من مثل "تقريب التهذيب" أن فلاناً من الرواة ثقة، وأن مخالفيه أيضاً ثقات، بعد اجتماع وجوه الاختلاف عنده بالحاسوب مثلاً! ولذلك نجد المذهب الذي انتصر له الحاكم، وسيأتي مثله عن الإمام النووي ﵏ جميعاً ـ لم يأخذ به إلا المتسمحون أمثال: ابن حبان، والضياء المقدسي، بحيث صححوا عشرات الأحاديث المعلولة إسناداً أو متناً. فحديثنا هذا، لم يخرج ابن حبان لعلي بن حفص المدائني سواه ـ

стр. 37

والعهدة على صانع فهارس "الإحسان" ـ على الرّغم من أنه قال في ترجمته من "الثقات": " ربما أخطأ "، وذلك لأن زيادة الوصل ـ عنده ـ زيادة ثقة وهي مقبولة، بينما عند أهل التحقيق كالدارقطني ومن وافقه زيادة مرجوحة، وخطأ، ووهم، وسلوك للجادة! تنبيهات: الأول: وقع في عدة طبعات من "صحيح مسلم" ﵀ إثبات زيادة شاذة في الإسنادين المُرسَلَيْن لهذا الحديث، بما أفضى إلى كثير من الخلط والخبط عند أكثر من تكلموا على هذا الحديث. فمثلا في طبعة الأستاذ / محمد فؤاد عبد الباقي (١/١٠ رقم ٥) : " وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي (ح) وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع "، وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص ... " إلخ. فزيادة (عن أبي هريرة) هنا خطأ من وجوه: الأول: أن مسلماً ﵀ لو كانت جميع هذه الوجوه عنده موصولة، لأتبع الإسنادين المتقدم ذكرهما بقوله: " (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص قالوا: حدثنا شعبة ... " إلخ. وما احتاج أن يفرد الإسناد الثالث ثم يقول في آخره: " بمثل ذلك ". الثاني: أننا نجد جهابذة الأئمة الذين يعتنون ببيان العلل في كتبهم

стр. 38

المسندة إذا كان الحديث مختلفاً في وصله وإرساله، أو رفعه وإيقافه؛ نجدهم يبدأون بأحد أوجه الاختلاف ثم يتبعونه بالآخر، أو يسوقون أسانيدهم إلى مَن عليه مدار الحديث، ثم يقولون ـ بعد روايته موصولاً أو مرفوعاً ـ: " ولم يذكر فلان كذا "، أي لم يذكر الصحابي أو لم يرفع الحديث. وأضرب المثال بالثاني أولاً لأنه يتعلق بنفس الحديث: قال الإمام أبو داود (٢/٥٩٤) : "حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، (ح) وثنا محمد بن الحسين، ثنا علي بن حفص قال: ثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال ابن حسين في حديثه: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ". قال راوي "السنن": " قال أبو داود: ولم يذكر حفص أبا هريرة. قال أبو داود: ولم يسنده إلا هذا الشيخ، يعني علي بن حفص المدائني ". ومثال الأول: قال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣/١٤٣ـ ١٤٤) : " حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن يحيى ثنا ثابت البناني عن أنس ابن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (١) " مثَل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أو آخره ".

стр. 39

ثم كشف لنا عن علته بأن أتبعه بقوله: " ثنا حسن بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن ثابت وحميد ويونس عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: " مثل أمتي " فذكره ". الثالث: أن الأئمة الذين عزوا الحديث إلى "صحيح مسلم" قد بينوا أن رواية معاذ بن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة مرسلة، كما تقدم عن الدارقطني ويأتي عن النووي والمازري. الرابع: أن جماعة من الأئمة صرحوا بتفرد علي بن حفص المدائني بوصل الحديث، منهم: أبو داود، والدارقطني، والحاكم كما تقدم، والمازري، والنووي كما سيأتي بإذن الله. قد يقال: لعل هناك اختلافاً على معاذ وابن مهدي بحيث وقعت رواية مسلم ـ خاصةً ـ للحديث موصولة. ولم يقف أبو داود وغيره على هذا. والجواب: أن ذلك مدفوع بالأوجه المتقدم ذكرها، وأن (عَرش) هذه الزيادة غير مُثَبَّت بل مزعزع ومزلزل! * قال الحافظ المنذري ﵀ في "مختصر سنن أبي داود" (٧/٢٨١) : " وأخرجه مسلم في المقدمة مسنداً ومرسلاً، وعند بعض رواة مسلم كلاهما مسند، وقال الدارقطني: والصواب مرسل ".

стр. 40

* وقال الإمام المازري ﵀ في "المعلم بفوائد مسلم" (١) (ص ١٨٤) : " رواه شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، أن رسول الله ﷺ فأتى به مرسلاً، لم يذكر فيه (أبا هريرة) ؛ هكذا رُوي من حديث معاذ ابن معاذ، وغندر، وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة.
следующие страницы →