← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12713

أحاديث ومرويات في الميزان 2 - حديث الفينة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (179 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يرجحون الرواية الأنقص إرسالاً أو وقفاً أو قطعاً أو إبهاماً لاسم راوٍ أو غير ذلك، ولا يفعلون ذلك باطِّراد. ولذلك نجد الدارقطني يقول أحياناً: " فلان ثقة والزيادة من الثقة مقبولة "، وهوبالضرورة لا يعني آحاد الثقات الذين لا يتميزون بمزيد تثبت وإتقان، أو بمزيد حفظ أو بأصحية كتاب أو بطول ملازمة للشيخ ... إلخ، بل يقصد الحفاظ المبرزين في الحفظ والإتقان. ولو كان الأمر كما قال الحاكم ـ عفا الله تعالى عنه ـ ما استحق علم " علل الحديث " أن يوصف بأنه (أوعر وأدق علومه على الإطلاق) بحيث لا يقوم به ولا يطيقه إلا جهابذة النقاد وحذاقهم. ولما كان لتصنيف مثل ابن المديني والنسائي والبرديجي وابن رجب (أصحاب فلان) ـ من المشاهير ـ وذكر طبقاتهم ومعرفة المقدم والمؤخر بل والثقة المضعف في شيخ من الشيوخ كبير فائدة. بل لاستوى المبتدئ في هذا العلم مع الناقد الجهبذ لو علم ـ فقط ـ من مثل "تقريب التهذيب" أن فلاناً من الرواة ثقة، وأن مخالفيه أيضاً ثقات، بعد اجتماع وجوه الاختلاف عنده بالحاسوب مثلاً! ولذلك نجد المذهب الذي انتصر له الحاكم، وسيأتي مثله عن الإمام النووي ﵏ جميعاً ـ لم يأخذ به إلا المتسمحون أمثال: ابن حبان، والضياء المقدسي، بحيث صححوا عشرات الأحاديث المعلولة إسناداً أو متناً. فحديثنا هذا، لم يخرج ابن حبان لعلي بن حفص المدائني سواه ـ

стр. 37

والعهدة على صانع فهارس "الإحسان" ـ على الرّغم من أنه قال في ترجمته من "الثقات": " ربما أخطأ "، وذلك لأن زيادة الوصل ـ عنده ـ زيادة ثقة وهي مقبولة، بينما عند أهل التحقيق كالدارقطني ومن وافقه زيادة مرجوحة، وخطأ، ووهم، وسلوك للجادة! تنبيهات: الأول: وقع في عدة طبعات من "صحيح مسلم" ﵀ إثبات زيادة شاذة في الإسنادين المُرسَلَيْن لهذا الحديث، بما أفضى إلى كثير من الخلط والخبط عند أكثر من تكلموا على هذا الحديث. فمثلا في طبعة الأستاذ / محمد فؤاد عبد الباقي (١/١٠ رقم ٥) : " وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي (ح) وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع "، وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص ... " إلخ. فزيادة (عن أبي هريرة) هنا خطأ من وجوه: الأول: أن مسلماً ﵀ لو كانت جميع هذه الوجوه عنده موصولة، لأتبع الإسنادين المتقدم ذكرهما بقوله: " (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص قالوا: حدثنا شعبة ... " إلخ. وما احتاج أن يفرد الإسناد الثالث ثم يقول في آخره: " بمثل ذلك ". الثاني: أننا نجد جهابذة الأئمة الذين يعتنون ببيان العلل في كتبهم

стр. 38

المسندة إذا كان الحديث مختلفاً في وصله وإرساله، أو رفعه وإيقافه؛ نجدهم يبدأون بأحد أوجه الاختلاف ثم يتبعونه بالآخر، أو يسوقون أسانيدهم إلى مَن عليه مدار الحديث، ثم يقولون ـ بعد روايته موصولاً أو مرفوعاً ـ: " ولم يذكر فلان كذا "، أي لم يذكر الصحابي أو لم يرفع الحديث. وأضرب المثال بالثاني أولاً لأنه يتعلق بنفس الحديث: قال الإمام أبو داود (٢/٥٩٤) : "حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، (ح) وثنا محمد بن الحسين، ثنا علي بن حفص قال: ثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال ابن حسين في حديثه: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ". قال راوي "السنن": " قال أبو داود: ولم يذكر حفص أبا هريرة. قال أبو داود: ولم يسنده إلا هذا الشيخ، يعني علي بن حفص المدائني ". ومثال الأول: قال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣/١٤٣ـ ١٤٤) : " حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن يحيى ثنا ثابت البناني عن أنس ابن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (١) " مثَل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أو آخره ".

стр. 39

ثم كشف لنا عن علته بأن أتبعه بقوله: " ثنا حسن بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن ثابت وحميد ويونس عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: " مثل أمتي " فذكره ". الثالث: أن الأئمة الذين عزوا الحديث إلى "صحيح مسلم" قد بينوا أن رواية معاذ بن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة مرسلة، كما تقدم عن الدارقطني ويأتي عن النووي والمازري. الرابع: أن جماعة من الأئمة صرحوا بتفرد علي بن حفص المدائني بوصل الحديث، منهم: أبو داود، والدارقطني، والحاكم كما تقدم، والمازري، والنووي كما سيأتي بإذن الله. قد يقال: لعل هناك اختلافاً على معاذ وابن مهدي بحيث وقعت رواية مسلم ـ خاصةً ـ للحديث موصولة. ولم يقف أبو داود وغيره على هذا. والجواب: أن ذلك مدفوع بالأوجه المتقدم ذكرها، وأن (عَرش) هذه الزيادة غير مُثَبَّت بل مزعزع ومزلزل! * قال الحافظ المنذري ﵀ في "مختصر سنن أبي داود" (٧/٢٨١) : " وأخرجه مسلم في المقدمة مسنداً ومرسلاً، وعند بعض رواة مسلم كلاهما مسند، وقال الدارقطني: والصواب مرسل ".

стр. 40

* وقال الإمام المازري ﵀ في "المعلم بفوائد مسلم" (١) (ص ١٨٤) : " رواه شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، أن رسول الله ﷺ فأتى به مرسلاً، لم يذكر فيه (أبا هريرة) ؛ هكذا رُوي من حديث معاذ ابن معاذ، وغندر، وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة.

стр. 41

وفي نسخة أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد: (عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة مسنداً) ولا يثبت هذا ". * وقال الإمام النووي ﵀ في "شرح صحيح مسلم" (١/٧٢) : " فيه خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) ، وفي الطريق الآخر عن خبيب أيضاً عن حفص عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثل ذلك ". وقال أيضا بعد قليل (١/٧٤) : " وأما فقه الإسناد فهكذا وقع في الطريق الأول: عن حفص عن النبي ﷺ مرسلاً، فإن حفصاً تابعي. وفي الطريق الثاني: عن حفص عن أبي هريرة عن النبي ﷺ متصلاً فالطريق الأول رواه مسلم من رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهدي وكلاهما (كذا) عن شعبة، وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله. والطريق الثاني عن علي بن حفص عن شعبة، قال الدارقطني: الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ وابن مهدي وغندر. قلت: وقد رواه أبو داود في سننه أيضاً مرسلا ًومتصلاً فرواه مرسلاً عن حفص عن عمر النميري (١) عن شعبة، ورواه متصلاً من رواية علي بن حفص.

стр. 42

وإذا ثبت أنه رُوي متصلاً ومرسلاً، فالعمل على أنه متصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث، ولا يضر كون الأكثريين رووه مرسلاً، فإن الوصل زيادة من ثقة وهي مقبولة، وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في الفصول السابقة والله أعلم. وأما قوله في الطريق الثاني " بمثل ذلك " فهي رواية صحيحة، وقد تقدم في الفصول بيان هذا وكيفية الرواية به ". قلت: قد تقدم الجواب عن الكلام الأخير بما لا يدعو لتكراره لاسيما وقد أطلتُ فيه جداً، وإنما أردت بيان الدَّخَل في زيادة (عن أبي هريرة) على الأسانيد المرسلة في النسخة التي قام الإمام النووي ﵀ بشرحها. التنبيه الثاني: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨ / ٤٠٧ ـ ٤٠٨) الحديث مرسلاً، حيث قال: " حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، قال: حدثني خبيب، عن حفص بن عاصم عن النبي ﷺ قال: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ". فزاد محققه ـ عفا الله عنه ـ بين قوسين معكوفين: [عن أبي هريرة] قائلاً في الحاشية: " زيد من صحيح مسلم ١/٨ حيث أخرجه عن ابن أبي شيبة ". قلت: لكن عن علي بن حفص المدائني، وليس عن أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي.

стр. 43

والظاهر أن الوجهين ـ المرسل والموصول ـ كانا عنده. ولكن يحترز من هذا الصنيع الذي تكرر من المحقق المذكور في تضاعيف "المصنف" نقلاً واعتماداً على مصادر روت الحديث بأسانيد لا علاقة لها بالمثبت في الأصل المخطوط. الثالث: جاء في حاشية "الإحسان" (١ /٢١٤) ـ تعليقاً على نفس هذا الحديث ـ: " إسناده صحيح على شرط الصحيح، وأخرجه مسلم (٥) في مقدمة صحيحه عن علي بن حفص، ومعاذ العنبري، وعبد الرحمن بن مهدي (!) ، وأبو داود (٤٩٩٢) عن علي بن حفص، وابن أبي شيبة (٨/٥٩٥) عن أبي أسامة (!) ، والحاكم (١/١١٢) عن علي بن جعفر المدائني (!) ، قالوا خمستهم (!) : حدثنا شعبة بهذا الإسناد. وقد أرسله حفص بن عمرو، وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، فقالوا: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن النبي ﷺ . أخرجه أبو داود (٤٩٩٢) ، والحاكم (١/١١٢) ، والقضاعي (١٤١٦) ، ولا يضر إرسالهم، فإن الوصل زيادة وهي من الثقات مقبولة. وله شاهد من حديث أبي أمامة عند الحاكم (٢/٢١٢٠) (كذا، والصواب: ٢/٢٠ ـ ٢١) وسنده حسن في الشواهد " أهـ.

стр. 44

قلت: في هذا التعليق على الحديث عدة أوهام وتخبطات: الأول: عدَّ روايتي معاذ بن معاذ وابن مهدي عند مسلم موصولتين اغتراراً بالغلط الواقع في طبعات " الصحيح "، والذي بينته تفصيلياً. الثاني: عدَّ رواية ابن أبي شيبة في "المصنف" عن أبي أسامة موصولة أيضاً، اغتراراً بصنيع محقق الكتاب. الثالث: إعتقاد أن هناك راوياً اسمه (علي بن جعفر المدائني) ممن وصلوا الحديث مع علي بن حفص والآخرين (!) اغتراراً بالتَّحَرُّف الواقع في "مستدرك الحاكم". الرابع: عزو روايات حفص بن عمر، وآدم، وسليمان بن حرب المرسلة إلى أبي داود، والحاكم، والقضاعي في " مسند الشهاب "، بينما لم يروه الأخير عن واحد من هؤلاء الثلاثة بل عن محمد بن جعفر الهذلي ـ غندرـ وحده. نعم، شيخ القضاعي فيه ـ هبة الله بن إبراهيم الخولاني ـ لم أقف له على ترجمة، ولكن الرواية ثابتة عن غندر ﵀ فقد جزم الدارقطني في كتابيه، وغير واحد بأنه ممن رووا الحديث عن شعبة مرسلاً. فانبنى على الخبط المذكور أن هؤلاء الخمسه المتوهمين (!) من أصحاب شعبة وصلوا الحديث فرجحت زيادتهم على الثلاثة الآخرين! وحقيقة الأمر أنهم واحد فقط في مقابل ثمانية، ولو صح أن آدم بن أبي إياس العسقلاني رواه أيضاً، فهم تسعة الواحد منهم ـ على انفراده ـ أحفظ وأثبت من المدائني.

стр. 45

الخامس: الجَزْم بأن سند حديث أبي أمامة حسن في الشواهد، وما هو كذلك بل ضعيف جداً مسلسل بالعلل التي أسوؤها شدة ضعف (العلاء بن هلال الرقي) فقد اتهمه أبوحاتم الرازي، ووهاه ابن حبان، وعدَّ ابن عدي هذا الحديث من مناكيره، فرواه مختصراً. تنبيه: والتبس أمره على العلامة الشيخ الألباني ـ رحمة الله عليه ـ فقال في "الضعيفة" (٢٢٣٤) (١) ـ بعدما رجَّحه على ابنه هلال: " فقد وثقه ابن معين وأبوحاتم وابن حبان، لكن هذا عاد فذكره في " الضعفاء " أيضاً ... ". أقول: الذي وثقه ابن معين وأبوحاتم وابن حبان هو (العلاء بن هلال الباهلي البصري) من شيوخ حماد بن سلمة وطبقته، والذي تردد النسائي بينه وبين ابنه هلال، وأورده ابن عدي في "الكامل"، وابن حبان في "الضعفاء" هو: (العلاء بن هلال بن عمر الباهلي الرَّقي) وترجمته في "الجرح" (٦/٣٦١ ـ ٣٦٢) بعد البصري رأساً (٢) ، فسبحان من لا تخفى عليه خافية. ثم فوجئت بالعلامة الألباني ﵀ يورد المتن في "الصحيحة" (٢٠٢٥) معتمداً ما رآه في "صحيح مسلم" ـ المطبوع ـ من الروايات

стр. 46

التي بينَّا الخطأ في وصلها، رادَّاً على الإمام أبي داود جَزْمه بتفرد المدائني بوصل الحديث، وذكر طريقاً أخرى عن أبي هريرة مقتصراً على تضعيفها، وفيها يحيى بن عبيد الله التيمي أحد المتروكين، وشاهداً هو حديث أبي أمامة الذي بيَّنَّا وهاءه ونكارته. التنبيه الأخير: وقع وهم آخر للحافظ البزار ﵀ حيث روى الحديث ـ مرسلاً ـ في "مسنده" من طريق وهب بن جرير نا شعبة به، وقال: "وهذا الحديث أرسله وهب، وأَسْنَده محمد بن جعفر عن شعبة عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ". كذا نقله محقق "علل الدارقطني" (١٠/٢٧٦) نقلاًعن مخطوط "مسند البزار" (١/١٦١) فوقع لي ارتياب في صحة النَّقل، ولم آمن التَّحَرُّف، فطلبت من أخي ومفيدي ـ وخِرِّيجي السابق ـ الشيخ عادل أبي تراب أن ينظر لي في النسخة التي عنده، فوجده كذلك، ولا شك أن الكل يدرك أن الذي أسند هذا الحديث هو (علي بن حفص) وليس (محمد بن جعفر غندر) ، فإنه من أبرز من أرسلوه كما بينت بياناً لا خفاء فيه (١) .

стр. 47

والآن أنتقل إلى الراوي الذي فوق (علي بن حفص المدائني) في إسناد الطبراني وهو: ٤- عبيد المُكْتِب الكوفي: هو (عبيد بن مهران ـ وقيل: ابن عمرو ـ الضَّبِّي (١) الكوفي المُكْتِب) . ثقة باتفاق، ومن رجال "التهذيب"، فقد روى له مسلم حديثاً واحداً في الشواهد (٢٩٦٩) والنسائي في "الكبرى" ـ نفس الحديث ـ عن فضيل بن عمرو الفُقَيْميّ، وأبوداود في " الناسخ والمنسوخ " عن مجاهد بن جبر المكي. * قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: " عبيد بن مهران المُكْتِب ثقة " كما في "الجرح" (٦/٢) . * وقال أبوحاتم الرازى: " ثقة صالح الحديث " كما فيه. * وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦ /٢٣٧ ط. دار الفكر

стр. 48

العربي) : " عبيد المكتب ابن مهران مولى لبني ضَبَّة، وكان ثقة قليل الحديث ". * وقال العجلي: " عبيد بن مهران المكتب كوفي روى عن الشعبي ومجاهد، وكان ثقة في عداد الشيوخ " كما في "ترتيب معرفة الثقات" (١١٨٦) . قلت: وذكر الحافظ المزي ﵀: أبا الطفيل ﵁ في جملة شيوخه، فلو صح لقاؤه إياه، فهو من صغار التابعين. والله أعلم بحقيقة الأمر. * وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/٩٣) : " وقال ـ يعنى أبا نعيم الفضل بن دكين ـ: حدثنا سفيان عن عبيد المكتب ابن مهران، ثقة "، وقال أيضاً (٣ /٢٣٨ ـ ٢٣٩) : " حدثنا أبو نعيم: ثنا سفيان عن معبد بن خالد الجدلي، وعن يحيى بن هانيء المرادي، وعن شبيب بن غرقدة العجلي ... " فذكر جماعة، حتى قال: "وعن عبيد المكتب ... " وقال بعد سرد هؤلاء الشيوخ: " وكل هؤلاء كوفيون ثقات ". * وقال ابن حبان في "الثقات" (٧/١٥٦) : " عبيد بن مهران المكتب، من أهل الكوفة، يروي عن: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومجاهد، روى عنه: الثوري، وشريك، وجرير، ويقال: عبيد بن عمرو المكتب ". قلت: كأنه بنى هذه الترجمة على قول البخاري ﵀ في "التاريخ الكبير" (٦/٤) : " سمع سعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهداً، وأبا رزين روى عنه: الثوري، وشريك، وجرير بن عبد الحميد ".

стр. 49

إلا أن البخاري ﵀ يمتاز على غيره بالتنصيص على سماع المترجَم له من شيوخه، وفي الرواة الذين لم يقف لهم على هذا السماع يقول: " عن فلان "، وقد يجمع بين العبارتين في ترجمة واحدة كما فعل في ترجمة (عبد الله بن بريدة الأسلمي) (٥/٥١) حيث قال: " ... عن أبيه سمع سمرة (١) وعمران بن حصين "، ثم أورد له حديثاً إسناده كالشمس، يصرح فيه بسماعه من عبد الله بن مغفل المزني ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ والحمد لله رب العالمين. * وترجم الذهبي ﵀ لعبيد المكتب في "الميزان" (٣/٢٣) تمييزاً، فقال: " عبيد بن مهران الوزان، عن الحسن، ما علمتُ روى عنه غير حرمي بن حفص. له في اليوم والليله للنسائي، أما: عبيد بن مهران [م، س] المُكْتِب الكوفي، عن: أبي الطفيل، ومجاهد. وعنه: السفيانان وجماعة، فوثقوه ". كما ترجم له في وفيات (١٣١: ١٤٠) من "تاريخ الإسلام" (ص٤٨١)

стр. 50

فقال: " عن: أبي الطفيل، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومجاهد. وعنه: فضيل بن عياض، وجرير، وابن عيينة، وُثِّق ". قلتُ: (وُثق) هنا ـ من الذهبي ﵀ بمعنى: " وثقوه "، وإلا فإنه غالباً ما يعبِّر عن تفرد ابن حبان ـ ومن قاربوه في التساهل ـ بالتوثيق بنفس هذه اللفظة. وفيه أيضاً من الفوائد: أن الفعل المبني للمجهول لا يلزم بالضرورة وفي جميع أحوال استخدامه أن يدلَّ على تمريض القول. ومن الملاحظ عند النظر في ترجمة العلماء لهذا الرجل ـ عبيد بن مهران المكتب ـ أنهم اتفقوا على عدم ذكر (عكرمة مولى ابن عباس) في جملة شيوخه، كما أنني لا أعلم أحداً من المترجِمين لعكرمة ذكره في جملة الرواة عنه. وأبرز هؤلاء: الحافظ المزي في ترجمة عكرمة من " تهذيب الكمال "، أما في ترجمة المكتب نفسه (١٩/٢٣٤) فذكر له ثمانية شيوخ ـ على سبيل الحصر ـ ليس عكرمة أحدهم. ولم أكتف بتهذيب الكمال لعلمي بفوات أشياء عليه ـ أحياناً ـ فطالعت بعض التراجم المطولة لعكرمة ﵀ في " الطبقات الكبرى " لابن سعد، و" تاريخ دمشق " لابن عساكر، و "السير" (١) للذهبي،

стр. 51

والذي خَلُصْتُ إليه: أن عبيداً المكتب لا رواية له عن عكرمة أصلاً ـ فضلاً ـ عن أن يكون سمع منه، والذى روى عنه بيقين: مكتب آخر، فانتقل وَهَمُ الوَاهمينَ إليه! ٥- عكرمة: هو (أبو عبد الله عكرمة البربري القرشي الهاشمي) مولى أبي العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وحبر هذه الأمة وأعلمها بتفسير القرآن استجابة لدعوة رسول الله ﷺ له: "اللهم علمه الحكمة". أما عكرمة، فكنت قد هممت بإيراد ترجمته من "هدي الساري" للحافظ ابن حجر ﵀ لتضمنها الدفاع عنه ضد التهم الموجهة إليه، وإثبات أنه حجة في الحديث ظناً مني أن الحافظ ترجم له في بضعة أسطر، فإذا به يترجم له في نحو خمس صفحات (!) ، كما تصدى للدفاع عنه أيضاً في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، وكذلك أطال الحافظ الذهبي ﵀ ترجمته في "الميزان" و"السير"، ورد في ثانيهما على بعض الانتقادات لكنه كأنه توقف فيه في آخر الترجمة، وسبق إلى الدفاع عنه أبو جعفر بن جرير الطبري وابن منده،

стр. 52

فانظر الموضعين المذكورين عند ابن حجر، وحاشية "السير" تجد الكثير الطيب. وأكتفي هنا بقول الحافظ في "التقريب" (٤٧٠٧) : " ثقة ثبت، عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة (١) ، من الثالثة مات سنة أربع ومائة، وقيل بعد ذلك ". ٦- ابن عباس ـ رضوان الله عليهما ـ: لا ريب أنه غني عن التعريف به، فأكتفي بما تقدم قريباً لأنتقل ـ بحَوْل الله وقوته ـ إلى عنوان جديد. وكنت كلما تذكرت أن أثبت كلام العلماء حول هذا الإسناد أصابني الذهول، ولذلك سأجعل كلامهم حول كل طريق بعد سوق جميع أسانيد الحديث، والله المستعان. الوجه الثاني عن عكرمة: علي بن حفص أيضاً عن عتبة بن عمرو المكتب عنه. سأبدأ ـ إن شاء الله ـ بترجمة عتبة هذا من "التلخيص" للخطيب ﵀ إذ فيها إسناده إلى البخاري، ثم أُثَنِّي بترجمته من " التاريخ الكبير"، وذلك

стр. 53

لوقوع المتن في المصدر الأول على الصواب، وإن لم يسلم المصدران من تحرف إسناد الحديث فيهما. * قال الخطيب البغدادي ﵀ في "تلخيص المتشابه في الرسم" (٢/٧٧٩) (باب عقبة بن عمرو وعتبة بن عمرو) بعدما ترجم في الثاني لـ: (عتبة بن عمرو بن عياش بن علقمة) وساق له حديثاً عن أبي هريرة: " وعتبة بن عمرو المكتب: من أهل الكوفة ". ثم روى بإسناده إلى أبي أحمد بن فارس ـ من رواة "التاريخ الكبير" ـ نا البخاري قال: " عتبة بن عمرو المكتب الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : " للمؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة "، قال أحمد بن الصباح، سمع عاصماً، سمع عتبة ". وهذا خطأ صوابه: " قاله أحمد بن الصباح، سمع علي بن حفص، سمع عتبة " كما سيأتي من " التاريخ " مع تَحَرُّفٍ آخر. قالت محققة الكتاب في الحاشية: " في تاريخ البخاري: (المؤمن أنت لعبادة العتبة بعد العتبة) ، تصحيف صوابه ما في التلخيص ". * وقال البخاري ﵀ في "التاريخ الكبير" (٦/٥٢٣) : " عتبة بن عمرو المكتب الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : المؤمن انت (١) لعبادة العتبة بعد العتبة ـ قاله أحمد بن الصباح سمع علي بن جعفر سمع عتبة ". وعلي بن جعفر صوابه: علي بن حفص، وهو المدائني،

стр. 54

أما المتن فتقدم أن صوابه: " للمؤمن ذنب يعتادة الفينة بعد الفينة " وهذا التحريف العجيب دعا المحقق الفاضل (١) للكتاب أن يقول: " كذا في الأصل، ولم نجد الحديث. وكان في الأصل: انت (٢) ، ولعله: أمؤمن أنت يا عتبة، والله أعلم ". تراجم رجال هذا الإسناد: ١- أحمد بن الصباح: هو أحمد بن أبي سريج الهنشلي الرازي المقريء. تقدمت ترجمته، وهو من شيوخ البخاري ـ رأساً ـ في "الصحيح" كما ذكرتُ هناك. * وقال أبو نصر الكلاباذي في "رجال صحيح البخاري" (١٤) : " أحمد ابن أبي سريج ـ واسمه: الصبَّاح ـ أبو جعفر النهشلي الرازي، سمع شبابة بن سوار (٣) ، وعبيد الله بن موسى روى عنه البخاري في (التوحيد) وفي (غزوة أحد) ". قلت: أما روايته عن عبيد الله بن موسى، فهي التي في كتاب المغازي، (باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ) (ح: ٤٠٥٣) . وفي إدخال البخاري واسطة بينه وبين عبيد الله ابن موسى نزول، لأنه

стр. 55

يروي عنه رأساً، وهو من كبار شيوخه، فالظاهر أنه لم يسمع هذا الحديث منه، والله أعلم. وأما روايته عن شبابة بن سوار، فهي التي في كتاب التوحيد، (باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه) (ح: ٧٥٤٠) ، وفيها نزول نِسْبِيٌّ أيضاً، لأن البخاري ﵀ يصل إلى شعبة بن الحجاج ـ شيخ شبابة فيه ـ بواحد أحياناً، كآدم بن أبي إياس، وحفص بن عمر الحوضي، وسليمان بن حرب. ثم وجدت الحافظ ﵀ يذكر في "الفتح" (١٣/٥٢٥) أن البخاري روى الحديث عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة في (تفسير سورة الفتح) ، وعن أبي الوليد الطيالسي عنه في (غزوة الفتح) ، إلا أن لفظ ابن أبي سريج عن شبابة عن شعبة فيه بعض المغايرة كما نَبَّه ﵀، والله أعلم. تنبيه: توقفت قليلاً عند قول الحافظ ﵀ في "الفتح" (١٣/٥٢٤) : " قوله (حدثنا أحمد بن أبي سريج) وهو بمهملة ثم جيم، وهو أحمد بن عمر، فقيل: هو اسم أبي سريج، وقيل: أبو سريج جد أحمد ... ". قلت: الذي وجدتُ أكثر التراجم متفقة عليه أن اسمه (أحمد بن صباح) وحَكَى بعضهم أنه (أحمد بن عمر بن صباح) بصيغة: " وقيل ". فكانحقه ﵀ أن يقول: (وهو أحمد بن الصباح) أبي: فيكون والده الصباح هو أبو سريج، والله أعلم بالصواب. فظهر مما تقدم أن البخاري ﵀ أقلَّ من الرواية جداً عنه مع أنه يوصله إلى شيوخ كثيرين لم يدركهم، وقلما يشاركه في شيخ بعينه، فالله أعلم بالعِلَّة في ذلك.

стр. 56

والذي يهمنا أن قوله في ترجمة (عتبة بن عمرو المكتب) ـ بعد إيراد المتن باختصار ـ: " قاله أحمد بن الصباح "؛ حكمه حكم السماع والاتصال، وهو الاستعمال الغالب عليه في "تواريخه" بخلاف "الصحيح" وسائر المصنفات. ٢- علي بن حفص: هو (أبو الحسن المدائني البغدادي) تقدم تفصيلياً. ٣- عتبة بن عمرو المكتب الكوفي: قدمتُ ترجمته من "التلخيص" ثم "التاريخ الكبير" لمناسبة تميزهما بإيراد متن حديثه دون سائرالمصادر التي وقفتُ له عليها، وهو مترجم أيضاً في عدة مصادر فيها فوائد شتى تتعلق به. * قال العباس بن محمد الدُّوري في "تاريخه" (٣/٤٧٩ ـ ٤٨٠ رقم ٢٣٤٣) : " سمعت يحيي يقول: سمعت ابن إدريس يقول عن عتبة المُكتب، قال: لقيني محارب بن دثار فقال: أنتم الذين تقولون: لسنا من المؤمنين ولسنا من الفئة الباغية، وهل بين ذلك من منزلٍ يُدان به الناس في الآخرة؟ كذا قال يحيي عن ابن إدريس عن عتبة المكتب، ولم يقل: عبيد (١) المكتب، قلت ليحيي: من عتبة المكتب هذا؟ قال: شيخٌ لابن إدريس ".

стр. 57

* وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/٣٧٢) : " عتبة بن عمرو المكتب الكوفي، روى عن: عكرمة، وقتادة. روى عنه: محاضر والوليد بن مسلم، سمعت أبي يقول ذلك، قريء على العباس بن محمد الدوري ... " فذكر قول ابن معين فيه باختصار القصة، وختم الترجمة بقوله: " سألت أبي عن عتبة الكوفي، فقال: لا أعرفه ". * وقال ابن حبان في "الثقات" (٧/٢٦٩) : " عتبة بن عمرو المكتب، من أهل الكوفة، يروي عن الشعبي وعكرمة، روى عنه أبو صَيْفِيّ (١) والكوفيون، وليس هذا بعبيد بن عمرو المكتب ". * وقال البرقاني في "سؤالاته للدارقطني" (٣٩٦) عنه: " عُتبة أبو عمر كوفي شيخ لا بأس به، يحدث عن ابن نهشل مجهول يترك حديثه "، كذا في "السؤالات" المطبوع: " عتبة أبو عمر " فإن كان صواب الكنية " أبا عمرو " فالظاهر أنه هو، فقد قال الأردبيلي في "جامع الرواة" (١/ ٥٣١ رقم ٤٣٢٦) : "عتبة بن عمرو المكتب الكوفي أبو عمرو [ق] (مج) ". و [ق] رمز جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃ الملقب

стр. 58

بـ (جعفر الصادق) والمراد أنه روى عنه، وهذا محتمل مع تقاربهما في الطبقة، وقد بدأت ببيان كنيته من مصدر من مصادر الرافضة ـ أخزاهم الله ـ لكون ذلك واقعاً في ترجمة مستقلة. وإلا، ففي "أطراف الغرائب والأفراد" لأبي الفضل بن طاهر المقدسي (٢/٢٦١) ط. دار الكتب العلمية) الذي أصله كتاب "الأفراد" لأبي الحسن الدارقطني ﵀ (مسند أنس) ـ على ترتيب الرواة عنه ـ: (أبو روق عنه) (الحديث رقم ١٣٢) : " كان رسول الله ﷺ ( ... ) (١) تفتح رجل ... الحديث ". ثم ذكر قول الدارقطني: " غريب من حديث أبي روق عطية بن الحارث عن أنس، تفرد به عتبة بن عمر وأبو عمرو عنه (كذا) ، ولم يروه عنه غير محمد ابن الحسن بن أتش الأسري ". (كذا) ، ووقع في هذه الطبعة التجارية تصحيفات عدة ـ سوى العجز عن قراءة المتن وعن الرجوع إلى مصادر الحديث ـ تخص الإسناد، منها:

стр. 59

١- عتبة بن عمر وأبو عمرو (حيث جاء اسم عمر في آخر السطر) ، ولا شك أن الصواب: " عتبة بن عمرو أبو عمرو ". ٢- محمد بن الحسن بن أتش الأسدي ـ وإن ذهب المحققان المسكينان إلى التعريف به على أنه (محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني الأبناوي اليماني أبوعبد الله) وأحالا على عشرة مصادر (لِلَّهِ) وابن أتش هذا ليس أسدياً، بل هو فارسي من الأبناء. فهذا إما وهم من ابن طاهر على الدارقطني (١) ، أو متحرف من (محمد بن الحسن ابن التلّ الأسدي) وكثير من المتقدمين يلقبونه بـ (التل) ويلقبون كلاً من ولديه عُمَر وجعفر بـ (ابن التل) فلعل الدارقطني ﵀ يذهب إلى الأول ـ أعني: (ابن التل) ـ فقد جرى عليه الذهبي في تصانيفه، وكذلك ابن نقطة في " تكملته " ـ رحمهما الله ـ وسماه الحافظ في "هدي الساري" (ص٤٦٠) : " محمد بن الحسن بن التل ". تنبيه: حديث أنس المذكور آنفاً منكر جداً، ففيه نَصٌّ على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وقد رُوِيَ من حديث المختار بن فلفل (٢) أيضاً عن أنس من طرق لا يصح منها شيء، فمنها ما رواه الطبراني في "الأوسط" (٥١٧٢) من طريق عبد الأعلى بن

стр. 60

أبي المساور ـ أحد المتروكين، وقد كُذِّبَ ـ عنه به، قال: " دخل النبي ﷺ حائطاً من حيطان المدينة، فأمرني أن أجيف الباب، فأجفته، فجاء رجل فقرع الباب، فقال: " افتح الباب، وبشره بالجنة، وأنه سيلي الأمة من بعدي "، ففتحتُ الباب، فإذا هو أبوبكر ... " الحديث بطوله. قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن المختار بن فلفل إلا عبد الأعلى بن أبي المساور وبكر بن المختار بن فلفل وعتبة أبو عمرو المكتب ". قلت: هذا وَهَمٌ من أبي القاسم الطبراني ﵀، فإن عتبة لم يرو الحديث إلا عن أبي رَوْق ـ عطية بن الحارث الهمداني ـ عن أنس، وأدلتي على ذلك: ١ ـ أن الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة (الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مغول) من "لسان الميزان" (ترجمة ٨٦٨) أطال في تخريج الحديث، وبيان طرقه عن المختار بن فلفل) فلم يذكر أن عتبة أيضاً رواه بهذا الإسناد. ٢ ـ أن الحافظ ابن عساكر ﵀ على شدة اعتنائه بطرق الحديث الواحد لم يذكر أيضاً أن عتبة أباعمرو رواه عن المختار عن أنس في تراجم كل من (أبى بكر الصديق عبد الله بن عثمان) و (عثمان بن عفان) و (عمر بن الخطاب) ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ من "تاريخ دمشق"، ولكن روى حديث محمد بن الحسن الأسدي عن عتبة ـ ولم يُنسب

стр. 61

عنده ـ عن أبي روق عن أنس به في ترجمتي أبي بكر وعمر كما قدَّمتُ بل لم يروه في ترجمة الصِّدِّيق عن المختار أصلاً. ٣ ـ أنه لم يمُرَّ عَليَّ ـ على ضَعْفي وقِلَّة إمكانيَّاتي ـ موصولاً عن عتبة على النحو الذى ذكره الطبراني ﵀. وانظر لبيان كذب هذا الحديث ترجمتي (السقر بن عبد الرحمن) و (الصقر ابن عبد الرحمن) من "لسان الميزان" (٣/٥٦ (١) ، ١٩٢: ١٩٤) ـ وهما رجل واحد (٢) ـ، لكنَّ الحافظ ﵀ اختصر في الأولى وأطال شيئاً في الثانية، و" ظلال الجنة " للشيخ الألباني ﵀ (٢/ ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٥٧، ٥٥٨) وقد صح المتن عن النبي ﷺ بدون هذه الزيادة الباطلة، أنظر " الظلال " (٢/٥٤٤، ٥٤٥) عند الحديث (١١٤٧) من "السُّنّة". ولكن يبقى تساؤلٌ هنا: حديث محمد بن الحسن الأسدي عن عتبة عن أبي روق ـ وهو صدوق ـ عن أنس بنحو حديث المختار بن فلفل عن أنس، الذي جزم ابن المديني وأبوحاتم والذهبي وابن حجر والألباني وغيرهم بوضعه وبطلانه؛ من المتهم به؟ فإني قد وجدتُ كثيراً مما استُنكِرعلى الأسدي إنما هو متون معروفة

стр. 62

أتى لها بأسانيد منكرة أو مراسيل أخطأ في وصلها ولم أَرَ له متناً جاوز الحد في النكارة مثل هذا، فالله أعلم بحقيقة الأمر. تنبيه: وقع وهم آخر بخصوص عتبة أبي عمرو في هذا الحديث، فقد قال الحافظ الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (٥/١٧٧) ـ بعد عزو المتن لأبي يعلى والبزار: "وفيه (١) صقر بن عبد الرحمن، وهو كذاب، وفي إسناد البزار عتبة أبوعمرو ضعفه النسائي وغيره ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، ورواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال البزار ... ". قلت: هذا الخلاف لا ينطبق إلا على (عتبة بن يقظان الراسبي البصري أبى زحارة) الذي وهَّاه ابن الجنيد والنسائي، وقال الدارقطني: " متروك "، وذكره ابن حبان في" الثقات "، فقد جزمتْ (٢) بعض المصادر ك"تهذيب الكمال" و"تهذيب التهذيب" ـ تبعاً لعبد الغني المقدسي صاحب "الكمال" ﵀، فيما يظهر ـ بأن كنيته (أبو عمرو) . وقد وجدتُ كلمة المصنفين في "الكنى" وغيرها متفقة على أن كنية ابن يقظان هذا: " أبو زَحَّارة "، منهم ابن معين ـ كما في "تاريخ الدوري" ـ،

стр. 63

والنسائي، والدولابي، وابن منده في "فتح الباب"، والذهبي في "المقتنى" وهو يتبع أصله "كنى أبي أحمد الحاكم" أما البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان فلم يكنُّوه أصلاً. كما لم يكنوا عتبة (١) المكتب نفسه (لِلَّهِ) وسأتعرض لعتبة بن يقظان أبي زحارة في موضع آخر يأتي ـ بإذن الله ـ عند طريق (علي بن عبد الله بن عباس ﵄ عن أبيه) . ومن الأوهام أيضاً أن الحافظ العقيلي ﵀ أورد في ترجمة (عتبة بن أبي عتبة الفزاري) من "الضعفاء الكبير" (٤/٣٣٠) حديثاً بنفس إسناد الطبراني في " الأوسط " إلى عتبة أبي عمرو، فقال: " وحدثنا محمد بن العباس الأخرم، قال: حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عتبة أبو عمرو، عن عامر الشعبي (تحرف في المطبوع إلى: عامر الشعي) ، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: " إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد، فيقبضها الله إذا شاء ويرسلها إذا شاء " وقال: " هذا هو عندي (تحرفت إلى: عند) ، الفزاري، ولا يتابع على الحديثين جميعاً إلا من طريق تقارب هذا ".

стр. 64

قلت: الحديث الأول عن هذا الفزاري من طريق مالك بن الحسن عنه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: " إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه "، ولا تصح نسبته إليه لأن العقيلي نفسه قال في نفس الترجمة: " روى عنه مالك بن الحسن، وفي مالك نظر ". أما الحديث الثاني، فقد علمنا من تعليقين للطبراني والدارقطني أن عتبة أبا عمرو هو ابن عمرو المكتب الكوفي. وهذا الحديث أيضاً منكر كما دل صنيع العقيلي ﵀ وإن وَهِم في تعيين أحد رواته على النحو الذي أسهبنا في بيانه، وعتبة المكتب قد نص ابن حبان في ترجمته من "الثقات" على روايته عن الشعبي كما تقدم. وسأعيد ذكر هذا الحديث، فقد وجدته مطولاً في "مجمع الزوائد"، هذا وقد وجدت حديثين آخرين رُوِيَا عنه عن عكرمة عن ابن عباس أختم بهما ما وقفتُ عليه من أحاديث له. ثم ألخص ملاحظاتي عليه وعلى مروياته في نهاية البحث بإذن الله ـ جل وعزَّ ـ. أورد أبو الفضل بن طاهر المقدسي ﵀ في "أطراف الغرائب والأفراد" (٣/٢٤٧) (مسند ابن عباس) ـ على ترتيب الرواة عنه ـ تحت عنوان (عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس) وعلى ترتيب الرواة عن عكرمة: "عتبة المكتب"؛ أورد حديثين: الأول: (رقم٢٥٥٧) : " نهى رسول الله ﷺ يوم حنين عن نكاح الحبالى ... " الحديث.

стр. 65

والثاني: (رقم ٢٥٥٨) : " العجماء (١) جبار ... " الحديث. قال الدارقطني ﵀: " تفرد به حماد بن داود عن عتبة عنه ". كذا فيه، ولعل الصواب: "تفرد بهما" كما في نظائر أخرى لهذا في الكتاب، والاحتمال الأبعد أن يكون قد سقط تعليق الدارقطني على الحديث الأول. وهذان الحديثان لم يصح إسنادهما إلى عتبة ـ على افتراض الاحتمال الأوجه عندي ـ وحماد بن داود، الظاهر أنه أبو سليمان الكوفي الذي ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/٢٠٤ـ ٢٠٥) ، وقال: " يروي عن أبي يحيى شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عمير أبياتاً بحسان بن ثابت (كذا، ولعل الصواب: لحسان) ، روى عنه العباس بن أبي طالب ". والظاهر أيضاً أنه (حماد بن داود الكوفي) الذي أورده ابن عدي في "الكامل" (٢/٦٦٨) ، لحديث رُوِيَ عنه عن علي بن صالح (وهو ابن صالح ابن حي الهمداني) بإسناده إلى ابن عباس، وقال: " وهذا ـ بهذا الإسناد ـ معضل لا يرويه غير حماد بن داود هذا، وليس بالمعروف ". قلت: الراوي عنه (زيدان بن عبد الغفار) سكت عليه الخطيب في "تاريخه" (٨/٤٨٧) ، ولا أدري أتوبع عليه عن حماد هذا أم لا، والذي يعنينا هو قول ابن عدي فيه: " وليس بالمعروف "، الذي لم

стр. 66

يعارَض بتوثيق إمام معتبر، بل إن ذكر ابن حبان للرجل في كتاب "الثقات" ـ بمجرده ـ لا يلزم منه التوثيق بمعناه الاصطلاحي، بل قد يراد به إثبات العدالة حَسْبُ بقرينة العديد من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين أدخلهم في هذا الكتاب مع نصه على أنه لا يعلم لأحدهم حديثاً مسنداً، فتنبه. وسأجيب عن هذين الحديثين على افتراض ثبوتهما عن عتبة المكتب، فلعل الأيام والليالي تثبت أن حماد بن داود الكوفي هذا قد وثقه إمام من الأئمة المعتبرين، كالإمام النسائي في "الكنى"، أو غيرها من الكتب غير المتداولة، أو الدارقطني ـ في غير "السؤالات المشهورة" ـ أو الخطيب في موضعٍ ما من "تاريخه"، أو غيره من التصانيف. فأما الحديث الأول، فقد كنت أظن تفرده به عن عكرمة عن

стр. 67

ابن عباس ﵄ وإن وجدت له طرقاً عن مجاهد ومقسم ـ وربما غيرهما ـ لا يثبت منها شئ، بعد التغاضي عن لفظة " يوم حنين " التي صار من السهولة بمكان أن تتحرف إلى " يوم خيبر" أو العكس، لا أقول في الكتب المطبوعة، بل وفي المخطوطات أيضاً. حتى وجدت عند الطبراني في "الأوسط" (٤٧٩) والدارقطني في "سننه" (٣/٢٥٧) من طريقين عن عبد الله بن عمران العابدي (١) نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن مسلم الجَنَدي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع، أو حائل حتى تحيض "، واللفظ للدارقطني ﵀ هكذا دون تقييد، وعمرو بن مسلم الجَنَدي أكثر عبارات الأئمة على تليينه، ومع ذلك فثم علتين أخريين: الأولى: أن الدارقطني قال ـ عقبه ـ: " قال لنا ابن صاعد: وما قال لنا في هذا الإسناد أحدٌ (عن ابن عباس) إلا العابدي ". وابن صاعد حافظ كبير وناقد من أهل البصر والفهم، وظاهر هذا أنه وقع له بهذا الإسناد عن عكرمة مرسلاً، والعابدي، وإن قال أبوحاتم ﵀: " صدوق " إلا أنه وَهِم على ابن عيينة في غير حديث، وقال ابن حبان في ترجمته من "الثقات" (٨/٣٦٣) : " يخطيء، ويخالف ". الثانية: أن ابن أبي شيبة رواه في "المصنف" (٤/٣٧٠) : من طريق مَعْمَر عن عمرو بن مسلم عن طاووس: " أن رسول الله ﷺ أمر منادياً في غزاة غزاها أن لايطأ الرجال حاملاً حتى تضع، ولا حائلاً (٢) حتى تحيض"،

стр. 68

لكن يُعَكِّر على هذا الإسناد أن رواية البصريين عن مَعْمَر فيها شيء ـ من أجله لا من أجلهم ـ وهذا يرويه المعتمر بن سليمان التيمي، فإن كان محفوظاً، فيمكن حَمْلُه على أن عمرو بن مسلم الجَنَدي قد أضطرب فيه، والله أعلم بحقيقة الأمر. ثم وجدته عند عبد الرزاق في "مصنفه" (٧ / ٢٢٦ ـ ٢٢٧) عن معمر به، نحوه فصح بذلك عن معمر، والله المستعان. أما حديث: " العجماء جبار ... " فهو متفق عليه عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: " العجماء (١) جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس ".

стр. 69

ولم أجده من حديث ابن عباس إلا من طريقٍ واحدةٍ منكرةٍ، فروى ابن عدي في "الكامل" (١/٣٥٠) وابن عساكر (١٠/٩٦) عنه وعن غيره ـ من طريق أيوب بن خالد (وهو الجهني الحراني) حدثنا الأوزاعي عن محمد بن مسلم عن (وتحرف في الكامل إلى: ابن) عبيد الله بن عبد الله عنه عن النبي ﷺ قال: " العجماء جبار، والقليب جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس ". وأيوب بن خالد هذا: * قال أبو عروبة الحراني ﵀: " ولي بريد بيروت فسمع من الأوزاعي هناك، فجاء بأحاديث مناكير ". * وقال ابن عدي: " لأيوب بن خالد غير ما ذكرت في أخباره، قل ما يتابعه عليه أحد " يعني: هذا الحديث وحديثين آخرين.

стр. 70

* وقال أبو أحمد الحاكم: " لا يتابع في أكثر حديثه ". * وروى عنه إبراهيم بن هانيء النيسابوري، وقال: " وكان ثقة ". والنصان الأخيران في ترجمته من "تاريخ دمشق" (١٠/٩٨) . وإبراهيم بن هانيء ﵀ وإن كان حافظاً رحَّالةً قدوةً عابداً، إلا أنه لم يكن من أهل الشأن، ومن النقاد الجهابذة. أما ابن حبان، فألان فيه القول إذ أورده في "الثقات" (٨/١٢٥) ، وقال: "يخطيء". والمقصود أن الحديث بهذا الإسناد منكر لا أصل له من رواية الثقات عن الأوزاعي أو الزهري. وإنما المحفوظ عن الزهري أنه يرويه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة في " الصحيحين " كما قدمتُ، وأَعضل الزهري بعضه ـ مرة ـ في قصة دارت بينه وبين مَعْمَر كما في "مصنف عبد الرازق" (١٨٣٧٧) . نعم، له أصل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من رواية أحد الثقات، عن غير ابن عباس. ففي "صحيح مسلم" (١٧١٠) من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة به، ورواه إسحاق ابن راشد ـ وهو ضعيف في الزهري خاصة ـ عنه عن عبيد الله ـ وحده ـ به كما في "علل الدارقطني" (س ١٨١٤)

стр. 71

وخالفهما جمهور أصحاب الزهري فرووه عنه عن سعيد وأبي سلمة كما ذكرتُ. قال الدارقطني ﵀: " والصحيح عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة، وحديثه عن عبيد الله غير مدفوع (١) لأنه قد اجتمع عليه اثنان والله أعلم". قلت: إن كان يعني ﵀ احتمال صحته؛ ففي القلب من ذلك، فإن الرواة عن يونس لم يتفقوا على ذلك، فرواه شبيب بن سعيد عن يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة كما قال الدارقطني، وشبيب وإن كان دون ابن وهب في الحفظ إلا أن حمل رواية يونس على ما يوافق الجماعة أولى، وإن كانت الأخرى هي المحفوظة عن يونس، فقد خالفة أثبت ثلاثة في الزهري وهم: مالك وابن عيينة ومعمر وانضم إليهم الليث بن سعد، وابن جريح، وعقيل بن خالد الأيلي. وأحياناً كان بعض الرواة عن بعض هؤلاء يفردون سعيداً ـ وحده ـ أو أبا سلمة ـ وحده ـ والله المستعان. وعَوْداً إلى حديث عتبة أبي عمرو عن الشعبي عن أنس فإن رواية العقيلي قد اختصرت المتن جداً. فإنني رجعت إلى كتاب "الفرائد على مجمع الزوائد" لأخي الحبيب

стр. 72

الشيخ / خليل بن محمد العربي ـ حفظه الله ـ لأثبت في نسختي اسم (عتبة أبي عمرو) بعد استدراكي إياه على الحافظ الهيثمي ﵀ إذ جعله (عتبة بن يقظان) وإن لم يصرح باسم أبيه كما بيَّنتُ. فإذا به أيضاً يستدرك على قوله في "المجمع" (١/٣٢٢) : " رواه البزار، وفيه عتبة أبوعمرو. روى عن الشعبي، وروى عنه محمد بن الحسن الأسدي، ولم أجد من ... ذكره ... " لكنه اختصر كلامه، قائلاً: " قلت: الراجح أنه: عتبة بن عمرو المكتب، فقد ترجم له ابن حبان في الثقات، ... وقال: يروي عن الشعبي شيخه في هذا الحديث، بالإضافة إلى أنه كوفي كما نسبه ابن حبان، وإسناد البزار إسناد كوفي، وكذلك عادة كثير من الرواة (١) أن يسموا أبنائهم باسم آبائهم (تحرفت إلى: آباءهم) ، ثم يكتنوا بها، وصاحب الترجمة كنيته أبو عمرو (تحرفت إلى: أبو عمر) فهذه أمور عدة ترجح ما ذهبت إليه، والله أعلم، وعتبة بن عمرو هذا ترجم له البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان " أهـ. قلت: هذه متابعة لي من أخي الحبيب أزداد بها يقيناً بما هداني ربي جلَّ وعزَّ إليه، وإن فاتته بعضُ مصادر الترجمة، والنصُّ على كنيته في أحدها، وفاته وصفُ الطبراني في حديث الخلافة لـ (عتبة أبي عمرو) بأنه (المكتب) ، ونصُّ الدارقطني في (الأفراد) على أنه (عتبة بن عمرو

стр. 73

أبو عمرو) بل في حديث الشعبي أيضاً بأنه (عتبة بن عمرو) كما سيأتي ـ بإذن الله ـ، فالحمد لله على توفيقه. أما رواية البزار للحديث ـ بطوله ـ فأني أسوقها الآن: قال ﵀: " حدثنا عمر (١) بن محمد بن الحسن ثنا أبي عن عتبة أبي عمرو (٢) عن الشعبي عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: من يكلؤنا (٣) الليلة؟ فقلت: أنا. فنام ونام الناس ونمت، فلم نستيقظ (٤) إلا بحر الشمس، فقال: أيها الناس، إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد يقبضها ويرسلها إذا شاء، فاقضوا حوائجكم على رسلكم. فقضينا حوائجنا على رسلنا، وتوضأنا، وتوضأ النبي ﷺ فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى بنا". قال البزار: " لا نعلم رواه عن الشعبي عن أنس إلا عتبة، ولا حدث به

стр. 74

إلا محمد بن الحسن الأسدي " كما في "كشف الأستار" (٣٩٦) و"مختصر الزوائد" (١) للحافظ ﵀ (٢٤٧) . وكنت قد وجدت الحديث في "أطراف الغرائب والأفراد" (مسند أنس) (٢/١٢٨) تحت عنوان: (عامر الشعبي عن أنس) (رقم ٩٣٩) ، وقال الدارقطني ﵀: " غريب من حديث الشعبي عن أنس، تفرد به عتبة بن عمرو عنه، وتفرد به محمد بن الحسن الأسدي عن عتبة بن عمرو " ولم يستطع المحققان ـ عفا الله عنهما ـ إثبات طرف المتن على الصواب، فأثبتاه هكذا: "كنت مع رسول الله ﷺ فقال: من " كلو " ما فعلت أنا ... " الحديث. مع كثرة الوسائل الهادية إلى أن صوابه: " من يكلؤنا؟ فقلت: أنا " وإنما التوفيق من الله وحده. ثم إنني أثناء بحثي عن طرف: " من يكلؤنا الليلة " ـ لتأكيد أنه الصواب ـ وجدتُ متعلقاً وحجة لمن ذهب إلى أن عتبة بن يقظان الراسبي كنيته (أبو عمرو) إذ كان من جملة المصادر التي وقعتْ عيناي عليها: "كنى الدولابي" (٢/٤٥) ، فإذا به ـ تحت عنوان: " من كنيته أبو عمرو " (٢/٤٣) ـ يذكر: " وأبو عمرو عتبة بن اليقظان " ثم يروي حديثه (٢/٤٥ ـ ٤٦) : " أخبرنا أحمد بن شعيب (وهو الإمام النسائي) قال: أنبا عمر بن محمد بن الحسن قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عتبة أبو عمرو ـ وهو ابن اليقظان ـ عن الشعبي عن أنس ... " فذكر الحديث بطوله.

стр. 75

فالظاهر أن الإمام النسائي ﵀ أورد هذه الترجمة وهذا الحديث في كتابه "الكنى"، ولعله هو القائل: " وهو ابن اليقظان " ولو كان القائل هو الراوي عن عتبة أبي عمرو (محمد بن الحسن الأسدي) ؛ لكانت القضية محسومة، وما أرى هذا التعيين إلا ممن دونه، وبذلك يَثْبُتُ أن الخلاف في تعيين (عتبة أبي عمرو) قديم جداً. وقد قال النسائي ﵀ في "الكنى": " أبو زحارة عتبة بن يقظان غير ثقة " كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٧/١٠٤) والذي كناه بذلك هو الراوي عنه، وبَلَدِيُّه وقِرنه أبو هلال محمد بن سليم الراسبي. قال عباس الدوري في "تاريخه" (٤/٣٢٣ رقم ٤٦٠٣) : " سمعت يحيى يقول: قد روى أبو هلال عن عتبة بن يقظان أبي زخَّارة، هكذا قال سليمان بن حرب: أبو زخَّارة ". فهو ينكر على سليمان بن حرب إعجام الحاء فحسب. هذا والذي أخَّر وقوفي على ذلك النص في " كنى الدولابي " أنني وجدته يكنيه (أبا زحارة) ويستدل على ما في "تاريخ الدوري" فلم يخطر ـ وقتها ـ على قلبي قط أنه سيكنيه كنية أخرى في موضع آخر، فأستغفر الله على تقصيري. وقد وقع سقط وتحرف في "كنى الدولابي" (١/١٨٤) ففيه " وأبو زحارة " ثم انتقل إلى كنية أخرى ولكن ختم (أفراد الزاي) بإيراد نص الدوري، وفيه: " عتبة بن بوطان " هكذا والله، فلا أدري أهو خطأ يتعلق بالطباعة كما عهدناه بكثرة في هذه الطبعة السقيمة، أم تَحَرَّفَ الاسمُ
следующие страницы →