المبحث الثالث: الأوائل في دخول الجنة
أول البشر دخولاً الجنة على الإطلاق هو رسولنا محمد ﷺ وأول الأمم دخولاً الجنة أمته، وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ﵁.
وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك (١) . فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أول من يقرع " أي: باب الجنة. وفيه أيضاً: " أنا أول شفيع في الجنة ". (٢)
وروى مسلم عن أنس أيضاً، قال: قال رسول الله ﷺ : " آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك ". (٣)
وثبت في الصحيحين وسنن النسائي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة ". (٤)
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي " فقال أبو بكر: يا رسول الله، وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ : " أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ". (٥)
стр. 107
المبحث الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب
أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفاً واحداً، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً ". (١)
وروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف – لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". (٢)
وقد صح أن الله أعطى رسوله ﷺ مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفاً، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله
стр. 108
- ﷺ قال: " أعطيت سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ، فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً ". (١)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي ". (٢) فذكر هذا الحديث زياد ثلاث حثيات.
وقد وصف الرسول ﷺ السبعين ألفاً الأوائل وبيَّن علاماتهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قال إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة ". (٣)
ولعل هؤلاء هم الذين سماهم الحق بالمقربين، وهم السابقون،
стр. 109
(والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم) [الواقعة: ١٠-١٢] ، وهؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) [الواقعة: ١٣-١٤] .
стр. 110
المبحث الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة ٍإلى الجنة بأربعين خريفاً ". (١)
وروى الترمذي عن أبي سعيد، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة ". (٢)
وقد بيّن الرسول ﷺ في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس ". (٣)
стр. 111
وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال: " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار " (١) . وأصحاب الجد هم الأغنياء من المسلمين.
وقد وقع في الأحاديث السابقة أن الفقراء يسبقون الأغنياء بأربعين خريفاً، وجاء في حديث آخر بخمسمائة عام، ووجه التوفيق بين الحديثين أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء – كما يقول القرطبي- (٢) . فالفقراء متفاوتون في قوة إيمانهم وتقدمهم، والأغنياء كذلك، فإذا كان الحساب باعتبار أول الفقراء دخولاً الجنة وآخر الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة خمسمائة عام، أما إذا نظرت إلى آخر الفقراء دخولاً الجنة وأول الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة أربعين خريفاً، باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء والله أعلم". (٣)
стр. 112
المبحث السادس: أول ثلاثة يدخلون الجنة
روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: عُرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة: " شهيد، وعفيف متعفف، وعبد أحسن عبادة الله، ونصح مواليه".
стр. 113
(١)
المبحث السابع: دخول عصاة المؤمنين الجنة
المطلب الأول: إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة
روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن (٢) ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر (٣) ، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". (٤)
ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله يرفعه إلى رسول الله ﷺ : " إن أقواماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة ". (٥)
وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة
стр. 114
بالجهنميين، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي ﷺ قال: " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين ". (١)
وفي الصحيح أيضاً عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " يخرج (٢) من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير، قلت: وما الثعارير؟ قال: الضغابيس ". (٣)
وروى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين". (٤)
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا (احترقوا) ، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل ". (٥)
стр. 115
وقد ورد في أكثر من حديث أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من إيمان، بل يخرج أقواماً لم يعملوا خيرا ً قط، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: " انظروا من وجدتم في قلبه حبة من خردل من إيمان فأخرجوه.. ". (١)
وفي حديث جابر بن عبد الله في ورود النار: " ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير مثقال شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في حميل السيل. ويذهب حراقه (٢) ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها". (٣)
وفي حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن الذرة". والأحاديث في هذا كثيرة.
стр. 116
(١)
المطلب الثاني: موقف الفِرَق من الشفاعة
أنكرت الخوارج والمعتزلة (٢) شفاعة الشافعين في أهل الكبائر والذين أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها، والذين دخلوها أن دخلوها أن يخرجوا منها، قال القرطبي: " وهذه الشفاعة أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح ". (٣)
وهذه المقولة المضادة للأحاديث الصحيحة المتواترة برزت والصحابة أحياء، روى مسلم في صحيحه عن يزيد الفقير، قال: " كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم، جالس إلى سارية، عن رسول الله ﷺ قال: فإذا هو ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون به والله يقول: (إنك من تدخل النار فقد أخزيته) [آل عمران: ١٩٢] ، و (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) [السجدة: ٢٠] ؟ فما هذا الذي تقولون: قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه) ؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قوماً
стр. 117
يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس (١) ، فرجعنا قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ فرجعنا. فلا والله، ما خرج منا غير رجل واحد". (٢)
والخوارج والمعتزلة تطرفوا في هذه المسألة إذ زعموا أن أهل الكبائر لا يخرجون من النار، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، كما أن المرجئة تطرفوا في الجانب المقابل حيث لم يقطعوا بدخول أحد من أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبائر جميعاً في الجنة من غير عذاب، وكلا الفريقين مخالف للسنة المتواترة الثابتة عن الرسول ﷺ ، وهم مخالفون لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد هدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، حيث ذهبوا إلى أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم برحمته، وإن شاء عذبهم بذنوبهم، ثم أدخلهم الجنة برحمته، (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] وقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر: ٥٣] فالشرك لا يغفره الله، وما دونه تحت المشيئة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وحجة الخوارج في نفي هذه الشفاعة الآيات الواردة في نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك، فأهل الشرك يعتقدون أن الشفاعة عند الله كالشفاعة في الدنيا، يشفع الشافع عند غيره بدون إذن منه، ويشفع الشافع عند غيره وإن لم يرض عن المشفوع له، وهذا لا يكون عند الله ﵎، وقد جاءت النصوص بإبطال هذا النوع من الشفاعة،
стр. 118
كما قال تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) [البقرة: ٤٨] ، وقال: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨] ، وقال: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) [غافر: ١٨] ، وقد جاءت النصوص مبينة أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا بعد أن يرضى عن الشافع والمشفوع له: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] وقال: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨] ، وقال: (وكم من ملك في السماوات لا
تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) [النجم: ٢٦] ، وقال عن الملائكة أيضاً: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء: ٢٨] ، وقال: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) [سبأ: ٢٣] .
فهذه النصوص تنفي الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين وتبطلها، وتثبت الشفاعة التي تكون بإذن الله ورضاه عن الشافع والمشفوع، والله لا يرضى عن الكفرة المشركين، أما عصاة أهل التوحيد، فيشفع فيهم الشافعون، ولا يشفعون لمشرك. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قِبل نفسه ". (١)
стр. 119
المبحث الثامن: آخر من يدخل الجنة
حدثنا الرسول ﷺ قصة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، وما جرى من حوار بينه وبين ربه، وما أعطاه الله من الكرامة العظيمة التي لم يُصدّق أن الله أكرمه بها لعظمها، وقد جمع ابن الأثير روايات هذا الحديث في جامع الأصول، ومنه نقلنا هذه الأحاديث (١) :
١- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة: رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله : اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي – أو أتضحك بي – وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة " أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار: رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له:
стр. 120
أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنَّ، فيتمنى فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه " وفي رواية الترمذي مثل هذه التي لمسلم. (١)
٢- عن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رسول الله ﷺ قال: " آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا، يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها، قال: وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي أن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يا رب لا أسألك غيرها – وربه
стр. 121
يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك (١) ، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر " أخرجه مسلم.
(٢)
وهذا الحديث هكذا أخرجه الحميدي وحده في أفراد مسلم، والذي قبله في المتفق عليه، وقال: إنما أفردناه للزيادة التي فيه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلة: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب، قربني من هذه الشجرة لأكون في ظلها.. وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك؟ .. إلى آخر الحديث ".
وزاد فيه: " ويذكره الله، سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: " فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت " أخرجه مسلم هكذا عقيب حديث ابن مسعود. (٣)
стр. 122
المبحث التاسع: الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة
أول من دخل الجنة من البشر هو أبو البشر آدم (وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما) [البقرة: ٣٥] ، وقال: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) [الأعراف: ١٩] ، ولكن آدم عصى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها فأهبطه الله من الجنة إلى دار الشقاء: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً* وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى* فقلنا يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى* إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى* وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى* فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى* فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى* قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو) [طه: ١١٥-١٢٣] .
وقد رأى الرسول ﷺ الجنة ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: " اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ". (١)
стр. 123
ومن الذين يدخلون الجنة قبل يوم القيامة الشهداء، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: ١٦٩] . قال: " إنا قد سألنا عن ذلك فقال: " أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا: قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ". (١)
ومن مات عرض عليه مقعده من الجنة والنار بالغداة والعشي، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". (٢)
стр. 124
الفصل الثاني: الجنة خالدة وأهلها خالدون
المبحث الأول: النصوص الدالة على ذلك
الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولا يبيدون ولا يموتون، (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم) [الدخان: ٥٦] ، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) [الكهف: ١٠٧-١٠٨] .
وقد سقنا عند الحديث عن خلود النار - الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ذبح الموت بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة ولأهل النار: " يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ".
إن مقتضى النصوص الدالة أن الجنة تخلق خلقاً غير قابل للفناء، وكذلك أهلها،
стр. 125
ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ". (١)
واستمع إلى النداء العلوي الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة: " إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدا، فذلك قوله : (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) [الأعراف: ٤٣] . (٢)
стр. 126
المبحث الثاني: القائلون بفناء الجنة
قال بفناء الجنة كما قال بفناء النار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة.
وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة (١) . وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: " فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨] ، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: (إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٨] " (٢) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: " واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن
стр. 127
أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعاً ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: (عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨] ، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم - مع خلودهم - في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) [الإسراء: ٨٦] ، وقوله تعالى: (فإن يشأ الله يختم على قلبك) [الشورى: ٢٤] ، وقوله: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) [يونس: ١٦] ، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وقيل: إن " ما " بمعنى " من " أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك.
وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: (عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨] . وكذلك قوله تعالى: (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد) [ص: ٥٤] . وقوله: (أكلها دائم وظلها) [الرعد: ٣٥] . وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع
стр. 128
من القرآن، وأخبر أنهم (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان: ٥٦] . وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٨] ، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها ". (١)
стр. 129
الفصل الثالث: صفة الجنة
المبحث الأول: الجنة لا مثل لها
نعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما ترقى الناس في دنياهم، فسيبقى ما يبلغونه أمراً هيناً بالنسبة لنعيم الآخرة، فالجنة كما ورد في بعض الآثار لا مثل لها، " هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبداً، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية ". (١)
وقد سأل الصحابة الرسول عن بناء الجنة، فأسمعنا الرسول ﷺ في الإجابة وصفاً عجباً، يقول ﵇ في صفة بنائها: " لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر (٢) ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها
стр. 130
الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابها، ولا يفنى شبابهم " (١) . وصدق الله حيث يقول: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) [الإنسان: ٢٠] .
وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] ، وقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] (٢) . ورواه مسلم من عدة طرق عن أبي هريرة وجاء في بعض طرقه: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخراً، بلْه (٣) ما أطلعكم الله عليه، ثم قرأ: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) . [السجدة: ١٧] " (٤) . ورواه مسلم عن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله ﷺ مجلساً وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال ﷺ في آخر حديثه:
стр. 131
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ هذه الآية: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون* فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٦-١٧] (١) .
стр. 132
المبحث الثاني: أبواب الجنة
للجنة أبواب يدخل منها المؤمنون كما يدخل منها الملائكة (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) [ص: ٥٠] ، (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ٢٣] ، وأخبرنا الحق ﵎ أن هذه الأبواب تفتح عندما يصل المؤمنون إليها، وتستقبلهم الملائكة محيية بسلامة الوصول: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) [الزمر: ٧٣] .
وأخبرنا رسولنا ﷺ أن أبواب الجنة تفتح في كل عام في رمضان، فعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ". (١)
وعدد أبواب الجنة ثمانية، وأحد هذه الأبواب يسمى الريّان وهو خاص بالصائمين ففي الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: " في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل غيرهم". (٢)
وهناك باب للمكثرين من الصلاة، وباب للمتصدقين، وباب للمجاهدين، بالإضافة إلى باب الصائمين المسمى بالريّان، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله، دُعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل
стр. 133
الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام ". فقال أبو بكر: والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم". (١)
وسؤال أبي بكر يريد به شخصاً اجتمعت فيه خصال الخير، من صلاة، وصيام، وصدقة وجهاد ونحو ذلك، بحيث يدعي من جميع تلك الأبواب، وقد أخبر الرسول ﷺ أن الذي ينفق زوجين في سبيل الله يدعى من أبواب الجنة الثمانية، وأخبر الرسول ﷺ أن الذي يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يرفع بصره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء.
فقد روى مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أبو يسبغ) الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". (٢)
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن خص الذين لا حساب عليهم بباب خاص بهم دون غيرهم وهو باب الجنة الأيمن، وبقيتهم يشاركون بقية الأمم في الأبواب الأخرى، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة " فيقول الله:
стр. 134
يا محمد: أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخرى " ثم بين في هذا الحديث سعة أبواب الجنة، وأن ما بين جانبي الباب كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى، ففي الحديث السابق المتفق عليه يقول الرسول ﷺ : " والذي نفس محمد بيده: إن بين المصراعين من مصاريع الجنة، أو ما بين عضادتي الباب، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ". (١)
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن أبواب الجنة تفتح في رمضان، ففي الصحيحين ومسند أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وفي رواية: " فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار ". (٢)
وورد في بعض الأحاديث أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة، فقد روى أحمد في "مسنده" وأبو نعيم في " الحلية" عن حكيم بن معاوية عن أبيه معاوية أن رسول الله ﷺ قال: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم، وإنه لكظيظ " وإسناده صحيح.
ورواه مسلم وأحمد عن عتبة بن غزوان قال: " لقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين نسة، وليأتين عليه يوم، وإنه لكظيظ من الزحام ".
стр. 135
ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن سلام: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، يزاحم عليه كازدحام الإبل وردت لخمس ظما ". (١)
стр. 136
المبحث الثالث: درجات الجنة
المطلب الأول: الأدلة على أن الجنة درجات، وأهلها متفاوتون في الرفعة
الجنة درجات بعضها فوق بعض، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها، قال الله تعالى: (ومن يأتيه مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) [طه: ٧٥] .
ومن الذين وضحوا هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " والجنة درجات متفاضلة تفاضلاً عظيماً، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال ﵎: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً) [الإسراء: ١٨-٢١] .
فبين الله أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظوراً من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى: (انظر كيف فضلنا
стр. 137
بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) [الإسراء: ٢١] . فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا. وتفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين. فقال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [البقرة: ٢٥٣] ، وقال تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً) [الإسراء: ٥٥] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ". وقد قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الدين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) [الحديد: ١٠] وقال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً* درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً) [النساء: ٩٥-٩٦] .
وقال
стр. 138
تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: ١٩-٢٢] وقال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) [الزمر: ٩] ، وقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) [المجادلة: ١١] ". (١)
وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : " من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل، أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفروس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: وفوقه عرش الرحمن – ومنه تفجر أنهار الجنة ". (٢)
وثبت في الصحيح أيضاً عن أنس أن أم حارثة أتت رسول الله ﷺ وقد هلك حارثة يوم بدر، أصابه سهم غرب، فقالت: يا رسول الله، قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإلا سوف ترى
стр. 139
ما أصنع، فقال لها: " أجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى ". (١)
وقد بين الرسول ﷺ أن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم فيها، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر (٢) في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". (٣)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وصحي ابن حبان عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الدرجات العلى يراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". (٤)
قال القرطبي: " اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع.. وقوله " والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ولم يذكر عملاً، ولا شيئاً سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ لتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى:
стр. 140
(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) [الفرقان: ٧٥] ، والصبر بذل النفس والثبات له وقوفاً بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين.
وقال في آية أخرى: (ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧] ، فذكر شأن الغرفة، وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بين أن لهم جزاء الضعف، وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به، مطمئناً به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه، فإذا عمل عملاً صالحاً، فلا يخلطه بضده، وهو الفاسد، فلا يكون العمل الصالح الذ ي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره". (١)
وأهل الدرجات العاليات يكونون في نعيم أرقى من الذين دونهم، فقد ذكر الله أنه أعد للذين يخافونه جنتين (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦] ، ووصفهما، ثم قال: (ومن دونهما جنتان) [الرحمن: ٦٢] ، أي دون تلك الجنتين في المقام والمرتبة، من تأمل صفات الجنتين اللتين ذكرهما الله آخراً علم أنهما دون الأوليين في الفضل، فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين، كما قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري. (٢)
قال القرطبي: " لما وصف الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: (فيهما عينان تجريان) [الرحمن: ٥٠] ، وقال في الأخريين: (فيهما عينان
стр. 141
نضاختان) [الرحمن: ٦٦] ، أي فوارتان بالماء، ولكنهما ليستا كالجاريتين، لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: (فيهما من كل فاكهة زوجان) [الرحمن: ٥٢] ، معروف وغريب، رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن: ٦٨] ، ولم يقل من كل فاكهة زوجان، وقال في الأوليين: (متكئين على فرش بطائنها من استبرق) [الرحمن: ٥٤] ، وهو الديباج، وفي الأخريين: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [الرحمن: ٧٦] ، والعبقري الوشي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخبا، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من الخبا.
وقال في الأوليين في صفة الحور العين: (كأنهن الياقوت والمرجان) [الرحمن: ٥٨] ، وفي الأخريين: (فيهن خيرات حسان) [الرحمن: ٧٠] ، وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين: (ذواتا أفنان) [الرحمن: ٤٨] ، وفي الأخيرتين: (مدهامتان) [الرحمن: ٦٤] ، أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والآخرتين بالخضرة وحدها". (١)
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما
стр. 142
وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " (١) ، وفي رواية الترمذي: " إن في الجنة جنتين من فضة.. "وذكر الحديث (٢) .
وذكر الحق ﵎ أن الأبرار يشربون كأساً ممزوجة بالكافور: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) [الإنسان: ٥] ، وقال في موضع آخر: (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) [الإنسان: ١٧] ، ويبدو أن هذا – والعلم عند الله – لأهل اليمين، وقال في موضع آخر: (ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون) [المطففين: ٢٨-٢٨] ، فأهل اليمين يشربون شراباً ممزوجاً من تسنيم، وهي عين في الجنة، والمقربون يشربون من تسنيم صرفاً غير ممزوج.
المطلب الثاني: أعلى أهل الجنة وأدناهم منزلة
روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة أن الرسول ﷺ – قال: " سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب كيف؟ وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله،
стр. 143
ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت، رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك. فيقول: رضيت رب.
قال: رب. فأعلاهم منزلة؟ قال: " أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر " قال: ومصداقه في كتاب الله : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] ". (١)
المطلب الثالث: المنزلة العليا في الجنة
أعلى منزلة في الجنة ينالها شخص واحد تسمى الوسيلة، وسينالها- إن شاء الله – النبي المصطفى المختار خيرة الله من خلقه نبينا محمد ﷺ ، قال ابن كثير النهاية: " ذكر أعلى منزلة في الجنة وهي الوسيلة، فيها مقام رسول الله ﷺ قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محمودا الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة ". (٢)
وساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم في صحيحه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإن من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة، فإن من سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ". (٣)
стр. 144
وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ قائلين: " وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون هو " رواه أحمد عن أبي هريرة، وفي المسند عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة ". (١)
المطلب الرابع: الذين ينزلون الدرجات العاليات
من الذين يحلون الدرجات العاليات في الجنة الشهداء، وأفضلهم الذين يقاتلون في الصفوف الأولى لا يلتفون حتى يقتلوا، ففي مسند أحمد ومعجم الطبراني عن نعيم بن همار (٢) بإسناد صحيح عن النبي ﷺ قال: " أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربهم، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ". (٣)
والساعي على الأرملة والمسكين له منزلة المجاهد في سبيل الله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله – وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر ". (٤)
стр. 145
ومنزلة كافل اليتيم قريبة من منزلة الرسول ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة " وأشار مالك بالسبابة والوسطى. (١)
ويرفع الله درجة الآباء ببركة دعاء الأبناء، ففي مسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك".
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". (٢)