المبحث الثالث: أكثر من يدخل النار النساء
أكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء، كما في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، إنه قال في خطبة الكسوف " أريت النار، فلم أر منظر كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء ". (١)
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقلن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: " تكثرن اللعن، وتكفرن المشير ". (٢)
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد: " وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء ".
وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: " إن أقل ساكني الجنة النساء ". (٣)
وهذا لا ينافي أن كل واحد من أهل الجنة له أكثر من زوجة، فإن المراد بالنساء اللواتي هن أكثر أهل النار من كان منهن من ذرية آدم، أما زوجات أهل الجنة الكثيرات فهن من الحور العين.
" وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الآخرى، فيضعفهن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هن أقوى أسباب
стр. 72
الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى، وأعمالها من المتقين " (١) . ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته ويطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.
стр. 73
الفصل السابع: عظم خلق أهل النار
يدخل أهل الجحيم النار على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله ﷺ قال: " ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " رواه مسلم (١) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث ". (٢)
وقال زيد بن أرقم: " إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار، حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد ". رواه أحمد وهو مرفوع، ولكن زيداً لم يصرح برفعه. (٣)
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن غلظ جلد الكافر اثنان
стр. 74
وأربعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة " رواه الترمذي. (١)
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة " أخرجه الحاكم وأحمد. (٢)
وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: " هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به " (٣) . وقال ابن كثير معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث: "ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال شديد العقاب: (ليذوقوا العذاب) [النساء: ٥٦] . (٤)
стр. 75
الفصل الثامن: طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم
طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع) [الغاشية: ٦-٧] ، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه (١) . وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب.
وقال تعالى: (إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم) [الدخان: ٤٣-٤٦] وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: (أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون*
стр. 76
ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [الصافات: ٦٢-٦٨] .
وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين) [الواقعة: ٥١-٥٦] .
ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: ١٥] . هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.
وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده (إن لدينا أنكالاً وجحيماً* وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما) [المزمل: ١٢-١٣] ، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.
стр. 77
وقد صور لنا الرسول ﷺ شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (١)
ومن طعام أهل النار الغسلين، قال تعالى: (فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون) [الحاقة: ٣٥-٣٧] ، وقال تعالى: (هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج) [ص: ٥٧-٥٨] .
والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى: هو عصارة أهل النار. (٢)
وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.
أما شرابهم فهو الحميم، قال تعالى: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: ١٥] ، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: ٢٩] ، وقال: (ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه) [إبراهيم: ١٦-١٧] ، وقاا: (هذا فليذوقوه حميم وغساق) [ص: ٥٧] .
стр. 78
وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:
الأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال تعالى: (يطوفون بينهم وبين حميم آن) [الرحمن: ٤٤] ، والـ (آن) : هو الذي انتهى حره، وقال: (تسقى من عين آنية) [الغاشية: ٥] ، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.
النوع الثاني: الغساق، وقد مضى الحديث عنه، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم.
النوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: " إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".
الرابع: المهل. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي ﷺ في قوله: " كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".
وقال ابن عباس: في تفسير المهل: " غليظ كدردي الزيت ".
أكلهم النار:
من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقاً، (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) [النساء: ١٠] .
стр. 79
وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [البقرة: ١٧٤] .
أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق ﵎ أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) [الحج: ١٩] . وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثياباً. (١)
وقال تعالى: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: ٤٩] . والقطران: هو النحاس المذاب. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي ﷺ قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب ".
وخرجه ابن ماجه ولفظه: " النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من جرب ".
стр. 80
الفصل التاسع: عذاب أهل النار
المبحث الأول: شدة ما يكابده أهل النار من عذاب
النار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) [آل عمران: ٩١] ، وقال الحق في هذا المعنى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثلهم معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبل منهم ولهم عذاب أليم) [المائدة: ٣٦] .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتي
стр. 81
بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ". (١)
إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيماً كلّ أوقات السعادة والهناء.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم. فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال:) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك ". (٢)
إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى) [المعارج: ١١-١٦] .
وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر.
стр. 82
المبحث الثاني: صور من عذابهم (الجزء الأول)
المطلب الأول: تفاوت عذاب أهل النار
لما كانت النار دركات بعضها أشد عذاباً وهولاً من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب، ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة، عن النبي ﷺ قال في أهل النار: " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته " وفي رواية " إلى عنقه ". (١)
وقد حدثنا الرسول ﷺ عن أخف أهل النار عذاباً، ففي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه ". وفي رواية أخرى في صحيح البخاري أيضاً عن النعمان بن بشير: " إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم ". (٢)
стр. 83
وفي رواية عن النعمان بن بشير عن مسلم: " إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً ". (١)
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: " إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل نعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ". (٢)
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ انه سمع رسول الله ﷺ وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه ". (٣)
وقد جاءت النصوص القرآنية مصدقة لتفاوت أصحاب النار في العذاب كقوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥] ، وقوله: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر: ٤٦] ، وقوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) [النحل: ٨٨] .
يقول القرطبي في هذا الموضوع: " هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرد وعصى، ولا شك أن الكفار في عذاب
стр. 84
جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساوياً لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين، ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي ﷺ إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين ". (١)
وقال ابن رجب: " واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي أدخلوا بها النار " ثم ساق الأدلة الدالة على ذلك، وساق قول ابن عباس: " ليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك" ثم قال ابن رجب: " وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أهل الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم بحسنات أخرى له أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار ". (٢)
المطلب الثاني: إنضاج الجلود
إن نار الجبار تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلوداً أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، وهكذا دواليك، (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم
стр. 85
ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً) [النساء: ٥٦] .
المطلب الثالث: الصهر
من ألوان العذاب صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما بطونهم والجلود) [الحج: ١٩-٢٠] .
أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعود كما كان "، وقال: حسن غريب صحيح. (١)
المطلب الرابع: اللفح
أكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول ﷺ عن ضرب الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عمياً وصما وبكماً (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما
стр. 86
خبت زدناهم سعيرا) [الإسراء: ٩٧] ، ويلقون في النار على وجوههم (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) [النمل: ٩٠] .
وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبداً لا يجدون حائلا يحول بينهم وبينها (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون) [الأنبياء: ٣٩] ، (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) [المؤمنون: ١٠٤] ، (سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: ٥٠] ، (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) [الزمر: ٢٤] ، وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) [الأحزاب: ٦٦] ، أرأيت كيف يقلب اللحم على النار، والسمك في المقلى، كذلك تقلب وجوههم في النار، نعوذ بالله من عذاب أهل النار.
المطلب الخامس: السحب
ومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار في النار على وجوههم (إن المجرمين في ضلال وسعر* يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) [القمر: ٤٧-٤٨] ، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال
стр. 87
والسلاسل (فسوف يعلمون* إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون) [غافر: ٧٠-٧٢] ، قال قتادة: يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة. (١)
المطلب السادس: تسويد الوجوه
يسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) [آل عمران: ١٠٦] ، وهو سواد شديد، كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [يونس: ٢٧] .
صور من عذابهم (الجزء الثاني)
المطلب السابع: إحاطة النار بالكفار
أهل النار هم الكفار الذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم، فلم تبق لهم حسنة، كما قال تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم
стр. 88
فيها خالدون) [البقرة: ٨١] ، ولا يكون المرء كذلك إلا إذا كان كافراً مشركاً، يقول صديق حسن خان: " المراد بالسيئة هنا الجنس، ولابد أن يكون سببها محيطاً بها من جميع جوانبه، فلا تبقى له حسنة، وسدت عليها مسالك النجاة، والخلود في النار هو للكفار والمشركين، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج لما ثبت في السنة متواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار ". (١)
ولما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفار من كل جهة، كما قال تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) [الأعراف: ٤١] . والمهاد ما يكون من تحتهم، والغواش جمع غاشية، وهي التي تغشاهم من فوقهم، والمراد أن النيران تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، كما قال تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجهلم) [العنكبوت: ٥٥] ، وقال في موضع آخر: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) [الزمر: ١٦] ، وقد صرح بالإحاطة في موضع آخر: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) [التوبة: ٤٩] . وقد فسر بعض السلف المهاد بالفرش، والغواش باللحف. (٢)
وتأتي الإحاطة من ناحية أخرى، ذلك أن للنار سوراً يحيط بالكفار، فلا
стр. 89
يستطيع الكفار مغادرتها أو الخروج منها، كما قال تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: ٢٩] . وسرادق النار سورها وحائطها الذي يحيط بها.
المطلب الثامن: إطلاع النار على الأفئدة
ذكرنا أن أهل النار يضخم خلقهم في النار شيئاً عظيماً، ومع ذلك فإن النار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم (سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لواحة للبشر) [المدثر: ٢٦-٢٩] ، قال بعض السلف في قوله: (لا تبقي ولا تذر) ، قال: " تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك ". (١)
وقال الحق ﵎: (كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة) [الهمزة: ٤-٧] .
قال محمد بن كعب القرظي: " تأكله النار إلى فؤاده، فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه ". وعن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: " تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي ". (٢)
стр. 90
المطلب التاسع: اندلاق الأمعاء في النار
في الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال: " يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". (١)
ومن الذين يجرون أمعاءهم في النار عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين العرب، وقد رآه الرسول ﷺ يجر قصبه في النار، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب ". (٢)
المطلب العاشر: قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم
أعد الله لأهل النار في النار سلاسل وأغلالاً وقيوداً ومطارق (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا) [الإنسان: ٤] ، (إن لدينا أنكالاً وجحيماً * وطعاماً ذا
стр. 91
غصة وعذاباً أليماً) [المزمل: ١٢-١٣] ، والأغلال توضع في الأعناق (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [سبأ: ٣٣] ، (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون) [غافر: ٧١] ، والأنكال: القيود، سميت أنكالاً لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها (إن لدينا أنكالاً وجحيماً) [المزمل: ١٢] ، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وانظر إلى هذه الصورة التي أخبرنا بها الكتاب الكريم (خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) [الحاقة: ٣٠-٣٢] .
وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطوح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، (ولهم مقامع من حديد* كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) [الحج: ٢١-٢٢] .
стр. 92
المطلب الحادي عشر: قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار
كان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يبعدونها من دون الله، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله النار إهانة لعابديها وإذلالاً لهم، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، يعبدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً (إنكم وما تعبدون من دون حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون) [الأنبياء: ٩٨-٩٩] .
يقول ابن رجب: " لما عبد الكفار الآلهة من دون الله، واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله، وتقربهم إليه، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لهم وإذلالاً، ونكاية لهم وإبلاغاً في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته ". (١)
ومن أجل ذلك يقذف في يوم القيامة بالشمس والقمر في النار، ليكونا مما توقد به النار، تبكيتاً للظالمين الذين كانوا يعبدونها من دون الله، ففي الحديث: " الشمس والقمر مكوران في النار ". (٢)
يقول القرطبي: " وإنما يجمعان في جهنم، لأنهما قد عُبداً من دون الله لا
стр. 93
تكون النار عذاباً لهم، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، هكذا قال بعض أهل العلم ". (١)
ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم ليكون أشد لعذابهم: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون* حتى إذا جاءنا قال يا ليت بين وبينك بعد المشرقين فبئس القرين* ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) [الزخرف: ٣٦-٣٩] .
المطلب الثاني عشر: حسرتهم وندمهم ودعاؤهم
عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم، ولات ساعة مندم (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) [يونس: ٥٤] .، وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله، فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار، فإنه يدعو بالثبور والهلاك (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً *ويصلى سعيراً) [الانشقاق: ١٠-١٢] .
ويتكرر دعاؤهم بالويل والهلاك عندما يلقون في النار، ويصلون حرها (وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً* لا تدعوا اليوم ثبوراً واحدة وادعوا ثبوراً كثيراً) [الفرقان: ١٣-١٤] . وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم، ويدعون ربهم آملين أن يخرجهم من النار، (وهم يصطرخون فيها ربنا
стр. 94
أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل) [فاطر: ٣٧] ، وهم يعترفون في ذلك الوقت بضلالهم وكفرهم وقلة عقولهم (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) [الملك: ١٠] ، (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) [غافر: ١١] .
ولكن طلبهم يرفض بشدة، ويجابون بما تستحق أن تجاب به الأنعام (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين* ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون* قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون) [المؤمنون: ١٠٦-١٠٨] .
لقد حق عليهم القول، وصاروا إلى المصير الذي لا ينفع معه دعاء ولا يقبل فيه رجاء (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون* ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) [السجدة: ١٢-١٤] .
ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئاً مما يعانونه (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب* قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) [غافر: ٤٩-٥٠] .
стр. 95
عند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) [الزخرف: ٧٧] .
إنه الرفض لكل ما يطلبون، لا خروج من النار، ولا تخفيف من عذابها، ولا إهلاك، بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم، ويقال لهم آن ذاك: (فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون) [الطور: ١٦] .
هناك يشتد نحيبهم، وتفيض دموعهم، ويطول بكاؤهم (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) [التوبة: ٨٢] ، إنهم يبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دماً، وتؤثر دموعهم في وجوههم كما يؤثر السيل في الصخر، ففي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: " إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم، لجرت وإنهم ليبكون الدم – يعني – مكان الدمع ".
وعن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ: " يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت ". (١)
لقد خسر هؤلاء الظالمون أنفسهم وأهليهم عندما استحبوا الكفر على الإيمان، واستمع إلى عويلهم وهم يرددون حال العذاب (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله
стр. 96
وأطعنا الرسول *وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) [الأحزاب: ٦٦-٦٨] .
وتأمل قوله تعالى يصف حالهم، ونعوذ بالله من حالهم (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق* خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٦] ، قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جداً. وقيل: الزفير: ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع، والشهيق النفس الطويل الممتد، أو رد النفس إلى الصدر، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه.
وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. (١)
стр. 97
الفصل العاشر: كيف يتقي الإنسان نار الله ؟
لما كان الكفر هو السبب في الخلود في النار فإن النجاة من النار تكون بالإيمان والعمل الصالح، ولذا فإن المسلمين يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم كي يخلصهم من النار، (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) [آل عمران: ١٦] ، (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار* ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) [آل عمران: ١٩١-١٩٤] .
وقد فصلت النصوص هذا الموضوع فبينت الأعمال التي تقي النار فمن ذلك محبة الله، ففي مستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " والله لا يلقي الله حبيبه في النار ". (١)
والصيام جنة من النار، ففي مسند أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله عن
стр. 98
النبي ﷺ قال: " قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها من النار ". (١)
وعند البيهقي في الشعب من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي ﷺ : " الصوم جنة من عذاب الله " ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن خزمية وإسناده صحيح. (٢)
أما إذا كان الصوم في حال جهاد الأعداء فذاك الفوز العظيم، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: " من صام يوماً في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً ". رواه أحمد، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي. (٣)
ومما ينجي من النار مخافة الله، والجهاد في سبيل الله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦] ، وروى الترمذي والنسائي في سننهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ". (٤)
وفي صحيح البخاري عن ابن عبس وهو عبد الرحمن بن جبر، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار " (٥) ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً ". (٦)
ومما يقي العبد من النار استجارة العبد بالله من النار، (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً* إنها ساءت مستقراً ومقاماً) [الفرقان: ٦٥-٦٦] ، وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان ومستدرك
стр. 99
الحاكم بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما سأل أحد الله الجنة ثلاثاً، إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثاً، إلا قالت النار: اللهم أجره مني". (١)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر وفيه: " أن الله يسألهم وهو أعلم بهم، فيقول: " فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد مخافة، فأشهدكم أني قد غفرت لهم ". (٢)
стр. 100
الباب الثاني: الجنة
стр. 101
الجنة تعريف وبيان
الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول ﷺ يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه.
استمع إلى قوله ﵎ في الحديث القدسي " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ثم قال الرسول ﷺ : " اقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] ". (١)
وتظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئاً. ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ". (٢)
ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم، والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: (فمن زحزح عن النار
стр. 102
وأدخل الجنة فقد فاز) [آل عمران: ١٨٥] ، وقال: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: ٧٢] ، وقال أيضا: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) [النساء: ١٣] .
стр. 103
الفصل الأول: دخول الجنة
لا شك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمراً إلى جنات النعيم، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات، وشاهدوه من الأهوال (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) [الزمر: ٧٣] ، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات.
стр. 104
المبحث الأول: الشفاعة في دخول الجنة
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء أن يستفتحوا لهم باب الجنة، فكلهم يمتنع ويتأبى، ويقول: لست لها حتى يبلغ الأمر نبينا محمد ﷺ فيشفع في ذلك، فيُشفّع، ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك.. ". الحديث. (١)
وذكر فيه تدافع الأنبياء لها، حتى يأتون محمداً ﷺ ، فيؤذن لهم.
стр. 105
المبحث الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول
بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهاراً أبراراً، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضاً بشيء.
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا ". (١)
ورسولنا ﷺ هو أول من يستفتح الجنة بعد أن يأبى أبو البشر آدم وأولوا العزم من الرسل التعرض لهذه المهمة.
стр. 106
المبحث الثالث: الأوائل في دخول الجنة
أول البشر دخولاً الجنة على الإطلاق هو رسولنا محمد ﷺ وأول الأمم دخولاً الجنة أمته، وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ﵁.
وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك (١) . فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أول من يقرع " أي: باب الجنة. وفيه أيضاً: " أنا أول شفيع في الجنة ". (٢)
وروى مسلم عن أنس أيضاً، قال: قال رسول الله ﷺ : " آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك ". (٣)
وثبت في الصحيحين وسنن النسائي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة ". (٤)
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي " فقال أبو بكر: يا رسول الله، وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ : " أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ". (٥)
стр. 107
المبحث الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب
أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفاً واحداً، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً ". (١)
وروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف – لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". (٢)
وقد صح أن الله أعطى رسوله ﷺ مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفاً، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله
стр. 108
- ﷺ قال: " أعطيت سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ، فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً ". (١)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي ". (٢) فذكر هذا الحديث زياد ثلاث حثيات.
وقد وصف الرسول ﷺ السبعين ألفاً الأوائل وبيَّن علاماتهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قال إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة ". (٣)
ولعل هؤلاء هم الذين سماهم الحق بالمقربين، وهم السابقون،
стр. 109
(والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم) [الواقعة: ١٠-١٢] ، وهؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) [الواقعة: ١٣-١٤] .
стр. 110
المبحث الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة ٍإلى الجنة بأربعين خريفاً ". (١)
وروى الترمذي عن أبي سعيد، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة ". (٢)
وقد بيّن الرسول ﷺ في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس ". (٣)