← История

История · id 12715

المختصر في أخبار البشر

أبو الفداء

Полный текст (814 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المغيرة فهدمها، وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها. حج أبي بكر الصديق ﵁ بالناس وبعث النبيِ ﷺ أبا بكر الصديق في سنة تسع ليحج بالناس، ومعه عشرون بدنة لرسول الله ﷺ ، ومعه ثلاثمائة رجل، فلما كان بذي الحُلَيْفَة، أرسل النبي ﷺ في إثره علي بن أبي طالب ﵁، وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس، وأن ينادي أن لا يطوف بالبيت بعد السنة عريان، ولا يحج مشرك، فعاد أبو بكر وقال: يا رسول الله أنزل فيّ شيء، قال: " لا ولكن لا يبلغ عني إِلا أنا أو رجل مني ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وصاحبي على الحوض؟ " قال: إلى، فسار أبو بكر ﵁ أميراً على الموسم، وعلي بن أبي طالب ﵁ يؤذن براءة يوم الأضحى، وأن لا يحج مشرك ولا يطوف عريان، من الأشراف للمسعودي. وفي ذي القعدة سنة تسع، كانت وفاة عبد الله بن أُبي بن أبي المنافق، ثم دخلت سنة عشر ورسول الله ﷺ بالمدينة وجاءته وفود العرب قاطبة، ودخل الناس في الدين أفواجاً كما قال الله: " إِذا جاء نصر الله والفتح " النصر: ١ "، وأسلم أهل اليمن وملوك حمير. إرسال علي بن أبي طالب إِلى اليمن روي أن النبي ﷺ بعث علياً كرم الله وجهه إِلى اليمن، فسار إليها وقرأ كتاب رسول الله على أهل اليمن، فأسلمت همذان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وكتب بذلك إِلى النبي ﷺ ، فسجد شكراً لله تعالى، ثم أمر علياً بأخذ صدقات نجران وجزيتهم، ففعل وعاد فلقي رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع . حجة الوداع وخرج رسول الله ﷺ حاجاً لخمس بقين من ذي القعدة، وقد اختلف في حجه، هل كان قراناً أم تمتعاً أم إِفراداً، والأظهر الذي اشتهر أنه كان قارناً، وحج رسول الله ﷺ بالناس، ولقي علي بن أبي طالب محرماً، فقال: " حل كما حل أصحابك " فقال: إِني أُهللت بما أُهل به رسول الله ﷺ ، فبقي على إِحرامه، ونحر رسول الله ﷺ الهدي عنه، وعلّم رسول الله ﷺ الناس مناسك الحج والسنن، ونزل قوله تعالى: " اليوم يئس الذي كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " " المائدة: ٣ " فبكى أبو بكر ﵁ لما سمعها، فكأنه استشعر أنه ليس بمعد الكمال إِلا النقصان، وأنه قد نعيت إِلى النبيَ ﷺ نفسه، وخطب رسول الله صلى الله

стр. 142

عليه وسلم الناس خطبة، بين فيها الأحكام، منها: " يا أيها الناس إِنما النسيء زيادة في الكفر، فإِن الزمان استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً " وتمم حجته وسميت حجة الوداع، لأنه لم يحج بعدها، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ وأقام بها حتى خرجت السنة. ثم دخلت سنة إِحدى عشَرة. وفاة رسول الله ﷺ لما قدم رسول الله ﷺ من حجة الوداع، أقام بالمدينة حتى خرجت سنة عشر، والمحرم من سنة إِحدى عشرة، ومعظم صفر، وابتدأ برسول الله ﷺ مرضه في أواخر صفر، قيل لليلتين بقيتا منه، وهو في بيت زينب بنت جحش، وكان يدور على نسائه، حتى اشتد مرضه وهو في بيت ميمونة بنت الحاِرث، فجمع نساءه واستأذنهن في أن يمرض في بيت إحداهن، فأذن له أن يمرض في بيت عائشة، فانتقل إِليها، كان قد جهز جيشاً مع مولاه أسامة بن زيد، وأكد في مسيره في مرضه، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاء رسول الله ﷺ وبي صداع وأنا أقول وارأساه، فقال: " بل أنا والله يا عائشة أقول وارأساه " ثم قال ما ضرك لو متّ قبلي فقمت عليكِ وكفنتك وصليت عليك ودفنتك " قالت: فقلت كأني بك والله لو فعلت ذلك ورجعت إِلى بيتي وتعزيت ببعض. نسائك، فتبسم ﷺ . وفي أثناء مرضه، وهو في بيت عائشة، خرج بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، حتى جلس على المنبر، فحمد الله ثم قال: " أيّها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقدمني، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستفد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي فإِنها ليست من شأني ". ثم نزل وصلى الظهر ثم رجع إِلى المنبر، فعاد إِلى مقالته، فادعى عليه رجل ثلاثة دراهم فأعطاه عوضها، ثم قال: " ألا إِن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة " ثم صلى على أصحاب أُحد واستغفر لهم ثم قال: " إِنّ عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده " فبكى أبو بكر ثم قال: فديناك بأنفسنا. ثم أوصى بالأنصار فقال: يا معشر المهاجرين أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد، والأنصار عيبتي التي أويت إِليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم إِن رسول الله ﷺ كان في أيام مرضه يصلي بالناس، وإنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذن بالصلاة أول ما انقطع فقال: " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وتزايد به مرضه حتى توفي يوم الاثنين ضحوة النهار، وقيل نصف النهار، وقالت عائشة ﵂: رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء، يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: " اللهم أعني على سكرات الموت ". قالت: وثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه

стр. 143

وإذا بصره قد شخص وهو يقول: " بل الرفيق الأعلى ". قالت: فلما قبض، وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي مع النساء، وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فعلى هذه الرواية يكون يوم وفاته موافقاً ليوم مولده. ولما مات رسول الله ﷺ ارتد أكثر العرب، إِلا أهل المدينة ومكة والطائف فإِنه لم يدخلها ردة، وكان عامل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، فاستخفى عتاب خوفاً على نفسه، فارتجت مكة، وكاد أهلها يرتدون، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بقريش وغيرهم، فاجتمعوا إِليه فقال: يا أهل مكة، كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتدّ، والله ليتمن الله هذا الأمر كما قال رسول الله ﵊، فامتنع أهل مكة من الردة، وحكى القاضي شهاب الدين بن أبي الدم في تاريخه قال: فاقتحم جماعة على النبي ﷺ ينظرون إِليه وقالوا: كيف يموت وهو شهيد علينا. لا والله ما مات بل رفع كما رفع عيسى، ونادوا على الباب لا تدفنوه؛ فإن رسول الله لم يمت؛ فتربصوا به حتى خرج عمه العباس وقال: والله الذي لا إِله إِلاَ هو لقد ذاق رسول الله الموت. وقيل دفن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء ثاني يوم موته، وقيل ليلة الأربعاء وهو الأصح، وقيل بقي ثلاثاً لم يدفن، وكان الذي تولى غسله علي بن أبي طالب والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ ﵃، فكان العباس وابناه يقلبونه وأسامة بن زيد وشقران يصبان الماء وعلي يغسله وعليه قميصه وهو يقول بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، ولم ير منه ما يرى من ميت، وكفن ﷺ في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين وبرد حبرة درج فيها أدراجاً، وصلوا عليه ودفن تحت فراشه الذي مات عليه، وحفر له أبو طلحة الأنصاري ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم أبناء العباس. عمره واختلف في مدة عمره، فالمشهور أنه ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وستون سنة، وقيل ستون سنة، والمختار أنه بعث لأربعين سنة، وأقام بمكة يدعو إِلى الإسلام ثلاث عشرة سنة وكسراً، وأقام بالمدينة بعد الهجرة قريب عشر سنين، فذلك ثلاث وستون سنة وكسور، وقد مضى ذكره وتحقيقه عند ذكر الهجرة. صفته وصفه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان النبي ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم الرأس، كثّ اللحية، شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، مشرباً وجهه حمرة، وقيل كان أدعج العين، سبط الشعر، سهل الخدين، كأن عنقه إِبريق فضة، وقال أنس: لم يشنه الله بالشيب، وكان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض، وروي أنه كان يخضب بالحناء والكتم، وكان بين كتفيه خاتم النبوة، وهو بضعة ناشزة حولها شعر مثل بيضة الحمامة تشبه جسده وقيل كان لونه أحمر، قال القاضي شهاب الدين بن أبي الدم في تاريخه المظفري وكان أبو رثمة طبيباً في الجاهلية فقال: يا رسول الله إِني أداوي فدعني أطب ما بكتفك فقال: يداريها الذي خلقها. خلقه كان ﷺ أرجح الناس عقلاً وأفضلهم رأياً، يكثر الذكر ويقل اللغو دائم البشر، مطيل الصمت لين الجنب، سهل الخلق، وكان عنده القريب والبعيد، والقوي والضعيف، في الحق سواء، وكان يحب المساكين ولا يحقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه، وكان يؤلف قلوب أهل الشرف، وكان يؤلف أصحابه ولا ينفرهم، ويصابر من جالسه ولا يحيد عنه، حتى يكون الرجل هو المنصرف، وما صافحه أحد فيترك يده حتى يكون ذلك الرجل هو الذي يترك يده، وكذلك من قاومه لحاجة، يقف رسول الله ﷺ معه حتى يكون الرجل هو المنصرف، وكان يتفقد أصحابه، يسأل الناس عما في الناس، وكان يحب العنز، ويجلس على الأرض، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويلبس المخصوف، والمرقوع، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء، وكان رسول الله ﷺ يعصب على بطنه الحجر من الجوع. أولاده وكل أولاده ﵇ من خديجة، إِلا إِبراهيم فإِنه من ماريّة، وولد إبراهيم في سنة ثمان من الهجرة في ذي الحجة، وتوفي سنة عشر من الأشراف للمسعودي قال: عاش إِبراهيم سنة وعشرة أشهر، وأولاده الذكور من خديجة القاسم وبه كان يكنى، والطيب والطاهر وعبد الله ماتوا صغاراً، والإِناث أربع، فاطمة زوج علي ﵄ وزينب زوج أبي العاص، وفرق رسول الله ﷺ بينهما بالإسلام، ثم ردها إِلى أبي العاص بالنكاح الأول لما أسلم، ورقية وأم كلثوم تزوج بهما عثمان واحدة بعد أخرى. زوجاته وتزوج ﷺ خمس عشرة امرأة، دخل بثلاث عشرة، وجمع بين إِحدى عشرة، وقيل أنه دخل بإِحدى عشرة، ولم يدخل بأربع، وتوفي عن تسع غير مارية القبطية سريته، والتسع هن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وميمونةِ، وصفية، وجويرية، وأم حبيبة، وأم سلمة ﵅. كتّابه وكان

стр. 144

يكتب له عثمان بن عفان أحياناً، وعلي بن أبي طالب، وكتب له خالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلا بن الحضرمي، وأول من كتب له أبي بن كعب، وكتب له زيد بن ثابت، وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وارتد ثم أسلم بوم الفتح، وكتب له بعد الفتح معاوية بن أبي سفيان. سلاحه وكان لرسول الله ﷺ من السلاح سيفه المسمى ذا الفقار؛ غنمه يوم بدر، وكان لمنبه بن الحجاج السهمي، وقيل لغيره، وسمي ذا الفقار لحفر فيه، وغنم من بني قينقاع ثلاثة أسياف، وقدم معه إِلى المدينة لما هاجر سفيان، شهد بأحدهما بدراً، وكان له أرماح ثلاثة وثلاثة قسي، ودرعان غنمهما من بني قينقاع، وكان له ترس فيه تمثال، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى. عدد غزواته وسراياه ﷺ قيل كانت غزواته تسع عشرة، وقيل ستاً وعشرين، وقيل سبعاً وعشرين غزوة، وآخر غزواته غزوة تبوك، ووقع القتال منها في تسع وهي بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف، وباقي الغزوات لم يجر فيها قتال، وأما السرايا والبعوث فقيل خمس وثلاثون وقيل ثمان وأربعون. أصحابه قد اختلف الناس فيمن يستحق أن يطلق عليه صحابي، فكان سعيد بن المسيب لا يعد الصحابي إِلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة وأكثر، وغزا معه، وقال بعضهم كل من أدرك الحلم وأسلم ورأى النبي ﷺ ، فهو صحابي، ولو أنه صحب رسول الله ﷺ ساعة واحدة، وقال بعضهم لا يكون صحابياً إِلا من تخصص به الرسول ﷺ وتخصص هو بالرسول ﷺ ، بأن يثق رسول الله ﷺ بسريرته، ويلازم هو رسول الله ﷺ في السفر والحضر، والأكثر على أن الصحابي: هو كل من أسلم ورأى النبي ﷺ وصحبه ولو أقل زمان، وأما عددهم على هذا القول الأخير، فقد روي أنَّ النبي ﷺ سار في عام فتح مكة في عشرة آلاف مسلم، وسار إِلى حنين في اثني عشر ألفاً، وسار إِلى حجة الوداع في أربعين ألفاً وأنهم كانوا عند وفاته ﷺ مائة ألف، وأربعة وعشرين ألفاً. وأما مراتبهم فالمهاجرون أفضل من الأنصار على الإِجمال، وأما على التفضيل فسبْاق الأنصار أفضل من متأخري المهاجرين، وقد رتب أهل التواريخ والصحابة على طبقات، فالطبقة الأولى أول الناس إِسلاماً كخديجة وعلي وزيد وأبي بكر الصديق ﵁ م ومن تلاهم ولم يتأخر إِلى دار الندوة. الطبقة الثانية أصحاب دار الندوة، وفيها أسلم عمر ﵁. الطبقة الثالثة المهاجرون إلى الحبشة، الرابعة أصحاب العقبة الأولى وهم سباق الأنصار، الخامسة أصحاب العقبة الثانية، السادسة أصحاب العقبة

стр. 145

الثالثة وكانوا سبعين، السابعة المهاجرون الذين وصلوا إِلى النبي ﷺ بعد هجرته وهو بقباء قبل بناء مسجده، الثامنة أهل بدر الكبرى، التاسعة الذين هاجروا بين بدر والحديبية، العاشرة أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة، الحادية عشرة الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل الفتح، الثانية عشرة الذين أسلموا يوم الفتح، الثالثة عشرة صبيان أدركوا النبي ﷺ ورأوه، ومن الصحابة أهل الصفة وكانوا أناساً فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، ينامون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ويظلون فيه، وكان صفة المسجد مثواهم فنسبوا إِليها، وكان إِذا تعشى رسول الله ﷺ يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم، وكان من مشاهيرهم أبو هريرة وواثلة بن الأسقع وأبو ذر ﵃. خبر الأسود العنسي وفي مدة مرض رسول الله ﷺ ، قتل الأسود العنسي، واسمه عيهلة بن كعب، ويقال له ذو الخمار، لأنه كان يقول يأتيني ذو خمار، وكان الأسود المذكور يشعبذُ ويُري الجهال الأعاجيب، ويسبي بمنطقه قلب من يسمعه، وهو ممن ارتد وتنبأ من الكذابين، وكاتبه أهل نجران، وكان هناك من المسلمين عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص، فأخرجهما أهل نجران وسلموهما إِلى الأسود، ثم سار الأسود من نجران إِلى صنعاء فملكها، وصفي له ملك اليمن واستفحل أمره وكان خليفته في مذحج عمرو بن معدي كرب، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك بعث رسولاً إلى الأبناء وأمرهم أن يخاذلوا الأسود إما غيلة وإما مصادمة، وأن يستنجدوا رجالاً من حمير وهمذان، وكان الأسود قد تغير على قيس بن عبد يغوث، فاجتمع به جماعة ممن كاتبهم رسول الله ﷺ ، وتحدثوا معه في قتل الأسود فوافقهم، واجتمعوا بامرأة الأسود، وكان الأسود قد قتل أباها فقالت: والله إِنه لأبغض الناس إليّ، ولكن الحرس محيطون بقصره، فانقبوا عليه البيت، فواعدوها على ذلك ونقبوا عليه البيت، ودخل عليه شخص اسمه فيروز، فقتل الأسود وأحز رأسه فخار خوار الثور، فابتدر الحرس الباب، فقالت زوجته: هذا النبي يوحى إِليه، فلما طلع الفجر، أمروا المؤذن فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، وأن عيهلة كذاب، وكتب أصحاب النبي ﷺ بذلك، فورد الخبر من السماء إلى النبي ﷺ ، وأعلم أصحابه بقتل الأسود المذكور، ووصل الكتاب بقتل الأسود في خلافة أبي بكر ﵁، فكان كما أخبر به رسول الله ﷺ ، وروى عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال: " أيها الناس إِني قد رأيت ليلة القدر، ثم انتزعت مني، ورأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب صنعاء، ولن تقوم الساعة

стр. 146

حتى يخرج ثلاثون دجالاً كل منهم يزعم أنه نبي " وكان قتل الأسود المذكور قبل وفاة رسول الله ﷺ بيوم وليلة، وكان من أول خروج الأسود إِلى أن قتل أربعة أشهر، وأما صاحب اليمامة فهو مسيلمة الكذاب، وسنذكر خبره ومقتله في خلافة أبي بكر ﵁. أخبار أبي بكر الصديق وخلافته ﵁ لما قبض الله نبيه، قال عمر بن الخطاب ﵁: من قال: إن رسول الله ﷺ مات علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إِلى السماء، فقرأ أبو بكر " وما محمد إِلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإِن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " " آل عمران: ١٤٤ " فرجع القوم إِلى قوله وبادروا سقيفة بني ساعدة، فبايع عمر أبا بكر ﵄، وانثال الناس عليه يبايعونه، في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة إِحدى عشرة، خلا جماعة من بني هاشم والزبير وعتبة بن أبي لهب وخالد بن سعيد ابن العاص والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبي ذر وعمار بن ياسر والبر بن عازب وأبي بن كعب ومالوا مع علي بن أبي طالب، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب: ما كنت أحسب أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن عن أول الناس إِيماناً وسابقه ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهداً بالنبي من ... جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به ... وليس في القوم ما فيه من الحسن وكذلك تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إِلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة ﵂، وقال: إِن أبوا عليك فقاتلهم. فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار، فلقيته فاطمة ﵂ وقالت: إِلى أين يا ابن الخطاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه، كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل، وأسنده إِلى ابن عبد ربه المغربي. وروى الزهري عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها ﷺ ، فأرسل علي إِلى أبي بكر ﵄ فأتاه في منزله فبايعه وقال علي: ما نفسنا عليك ما ساقه الله إِليك من فضل وخير ولكنا نرى أنّ لنا في هذا الأمر شيئاً فاستبددت به دوننا، وما ننكر فضلك. ولما تولى أبو بكر كان أسامة بن زيد مبرزاً، وكان عمر بن الخطاب من جملة جيش أسامة علي ما عينه رسول الله ﷺ ، فقال عمر لأبي بكر: إِن الأنصار تطلب رجلا أقدم سناً من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالساً وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتأمرني أن أعزله، ثم خرج أبو بكر معسكر أسامه، وأشخصهم، وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله ﷺ والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل ولا ركبت، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله، ولما أراد الرجوع قال أبو بكر لأسامة: إِن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فأذن أسامة لعمر بالمقام. وفي أيام أبي بكر ادعت سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية النبوة، واتبعها بنو تميم وأخوالها من تغلب وغيرهم من بني ربيعة، وقصدت مسيلمة الكذاب، ولما وصلت إِليه قصدت الاجتماع به، فقال لها: أبعدي أصحابك، ففعلت، فنزل وضرب لها قبة وطيبها بالبخور واجتمع بها، وقالت: له ماذا أوحي إِليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى. أخرج منها نسمة تسعى. من بين صفاق وغشى. قالت: وما أنزل الله عليك أيضاً. قال: ألم تر أن الله خلق النساء أفواجاً. وجعل الرجال لهن أزواجاً، فتولج فيهن إِيلاجاً. ثم نخرج ما شئنا إِخراجاً. فينتجن لنا إنتاجاً. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال: هل لك أن أتزوجك؟ قالت: نعم. فقال لها: ألا قومي إلى النيك ... فقد هيي لك المضجع فإِن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناَك ... وإن شئت على أربع وإنْ شئتِ بثلثيه ... وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع يا رسول الله. فقال: بذلك أُوحي إِلي، فأقامت عنده ثم انصرفت إِلى قومها، ولم تزل سجاح في أخوالها من تغلب حتى نفاهم معاوية عام بويع فيه، فأسلمت سجاح وحسن إِسلامها، وانتقلت إِلى البصرة وماتت بها. وفي أيام أبي بكر قتل مسيلمة الكذاب، وكان أبو بكر قد أرسل إلى قتاله جيشاً، وقدَّم عليهم خالد بن الوليد، فجرى بينهم قتال شديد وآخره انتصر المسلمون وهزموا المشركين، وقتل مسيلمة الكذاب، قتله وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة عم النبي ﷺ ، وشاركه في قتله رجل من الأنصار، وكان مقام مسيلمة باليمامة، وكان مسيلمة قد قدم على النبي ﷺ في وفد بني حنيفة فأسلم؛ ثم ارتد وادعى النبوة استقلالاً، ثم مشاركة مع النبي ﷺ ، وقتل من المسلمين في قتال مسيلمة جماعة من القرّاء من المهاجرين والأنصار، ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال وجريد النخل والجلود، وترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ ، ولما تولى عثمان ورأى اختلاف الناس في القرآن، كتب من ذلك المكتوب الذي كان عند حفصة نسخاً وأرسلها إلى الأمصار وأبطل ما سواها. وفي أيام أبي بكر منعت بنو يربرع الزكاة، وكان كبيرهم مالك بن نويرة، وكان ملكاً فارساً مطاعاً شاعراً قدم على النبي ﷺ وأسلم، فولاه صدقه قومه، فلما منع الزكاة أرسل أبو بكر إِلى مالك المذكور خالد بن الوليد في معنى الزكاة، فقال مالك: أنا آتي بالصلاة دون الزكاة: فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً؛ لا تقبل واحدة دون الأخرى فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول

стр. 147

ذلك. قال خالد: أوما تراه لك صاحبا؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجاولا في الكلام فقال له خالد: إِني قاتلك. فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال: وهذه بعد تلك، وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالداً في أمره، فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد، ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إِنْ أقلتك، وتقدم إِلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه، فالتفت مالك إِلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام. فقال مالك: أنا على الإسلام، فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه. فضرب عنقه وجعل رأسه اثفية القدر، وكان من أكثر الناس شعراً، وقبض خالد امرأته؛ قيل: إِنه اشتراها من الفيء وتزوج بها، وقيل إِنها اعتدت بثلاث حيض وتزوج بها، وقال لابن عمر ولأبي قتادة: احضرا النكاح فأبيا، وقال له ابن عمر: نكتب إِلى أبي بكر ونعلمه بأمرها وتتزوج بها، فأبى وتزوجها. وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي: ألا قل لحي أوطؤا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغياً عليه بعرسه ... وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إِلى غير أهل هالكاً في الهوالك ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر، قال عمر لأبي بكر: إِن خالداً قد زنى فارجمه، قال: ما كنت أرجمه؛ فإِنه تأول فأخطأ. قال: فإِنه قد قتل مسلماً فاقتله، قال: ما كنت أقتله فإِنه تأول فأخطأ. قال فاعزله، قال ما كنت أغمد سيفاً سله الله عليهم. ولما بلغ متمم بن نويرة أخا مالك المذكور مقتل أخيه، بكاه وندبه بالأشعار الكثيرة، فمن ذلك قصيدة متمم العينية المشهورة التي منها: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول ... اجتماع لم نبت ليلة معا وفي أيام أبي بكر فتحت الحيرة بالأمان على الجزية. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسنة ثلاثة عشرة فيها كانت وقعة اليرموك، وهي الوقعة العظيمة التي كانت سبب فتوح الشام، وكانت سنة ثلاث عشرة للهجرة، وكان هرقل إذ ذاك بحمص فلما بلغه هزيمة الروم باليرموك رحل عن حمص؛ وجعلها بينه وبين المسلمين، ولما فرغ خالد بن الوليد وأبو عبيدة من رقعة اليرموك قصدا بصرى، فجمع صاحب بصرى الجموع للملتقى، ثم إِن الروم طلبوا الصلح؛ فصولحوا على كل رأس دينار وجريب حنطة. وفاة أبي بكر ﵁ وقد اختلف في سبب موته، فقيل إِن اليهود سمته في أرز، وقيل في حسوٍ فأكل هو والحارث

стр. 148

بن كلدة فقال الحارث: أكلنا طعاماً مسموماً سُم سنة، فماتا بعد سنة، وعن عائشة ﵂، أنه اغتسل وكان يوماً بارداً، فحم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة، وأمر عمر أن يصلي بالناس، وعهد بالخلافة إِلى عمر، ثم توفي في مساء ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخر، سنة ثلاث عشرة، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وعمره ثلاث وستون سنة، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ﷺ ، وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله ﷺ بين القبر والمنبر، وأوصى أن يدفن إِلى جنب رسول الله ﷺ ، فحفر له وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ ، وكان حسن القامة؛ خفيف العارضين؛ معروق الوجه؛ غائر العينين؛ ناتئ الجبهة؛ أحنى؛ عاري الأشاجع؛ يخضب بالحناء والكتيم. خلافة عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ﵁ بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأول خطبة خطبها قال: يا أيها الناس، والله ما فيكم أحداً أقوى عندي من الضعيف بم حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. ثم أول شيء أمر به أن عزل خالد بن الوليد عن الإِمرة، وولى أبا عبيدة على الجيش والشام، وأرسل بذلك إِليهما، وهو أول من سميَّ بأمير المؤمنين. وكان أبو بكر يخاطب بخليفة رسول الله ﷺ . ثم سار أبو عبيدة ونازل دمشق، وكانت منزلته من جهة باب الجابية، ونزل خالد من جهة باب توما وباب شرقي، ونزل عمرو بن العاص بناحية أخرى، وحاصروهما قريباً من سبعين ليلة، وفتح خالد ما يليه بالسيف، فخرج أهل دمشق وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخرة وفتحوا له الباب، فأمنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد، وبعث أبو عبيدة بالفتح إِلى عمر، وفي أيامه فتح العراق. ثم دخلت سنة أربع عشرة، فيها في المحرم أمر عمر ببناء البصرة، فاختطت، وقيل في سنة خمس عشرة، وفيها توفي أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق وعمره سبع وتسعون سنة، وكانت وفاته بعد وفاة ابنه أبي بكر. ثم دخلت سنة خمس عشرة فيها فتحت حمص بعد دمشق؛ بعد حصار طويل، حتى طلب الروم الصلح، فصالحهم أبو عبيدة على ما صالح أهل دمشق، ثم سار إِلى حماة، قال القاضي جمال الدين ابن واصل رحمه الله تعالى في التاريخ الذي نقلنا هذا منه: إِن حماة كانت في زمن داود وسليمان ﵉ مدينة عظيمة، قال: وقد وجدت ذكرها في أخبار داود وسليمان في كتاب أسفار الملوك الذي بأيدي اليهود، وكذلك كانت في زمن اليونان، إِلا أنها في زمن الفتوح وقبله كانت صغيرة هي وشيرز، وكانا من عمل حمص، وكانت حِمص كرسي مملكة هذه البلاد، وقد ذكرهما امرؤ القيس في قصيدته التي أولها: سما لك شوق بعدما كان اقصرا ويقول من جملتها:

стр. 149

تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا قال بعض الشراح: حماة شيزر قريتان من قرى حمص، ولما وصل أبو عُبيدة إِلى حماة خرجت الروم التي بها إِليه يطلبون الصلحَ، فصالحهم على الجزية لرؤوسهم، والخراج على أرضهم، وجعل كنيستهم العظمى جامعاً، وهو جامع السوق الأعلى من حماة، ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس، وكان على لوح منه مكتوب أنه جدد من خراج حمص، ثم سار أبو عبيدة إِلى شيزر فصالحه أهلها على صلح أهل حماة، وكذلك صالح أهل المعرة، وكان يقال لها معرة حمص، ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الأنصاري، لأنها كانت مضافة إِليه مع حمص في خلافة معاوية، ثم سار أبو عبيدة إِلى اللاذقية ففتحهما عنوة، وفتح جبلة وطرطوس، ثم سار أبو عبيدة إِلى قنسرين وكانت كرسي المملكة المنسوبة. اليوم إِلى حلب، وكانت حلب من جملة أعمال قنسرين، ولما نازلها أبو عبيدة وخالد بن الوليد، كان بها جمع عظيم من الروم، فجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه المسلمون، ثم بعد ذلك طلب أهلها الصلح على صلح أهل حمص، فأجابهم على أن يخربوا المدينة، فخربت. ثم فتح بعد ذلك حلب وإنطاكية ومنبج ودلوك وسرمين وتنزين وعزاز، واستولى على الشام من هذه الناحية، ثم سار خالد إِلى مرعش ففتحها وأجلى أهلها وأخربها، وفتح حصن الحدث، وفي هذه السنة لما فتحت هذه البلاد وهي سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة، أيس هرقل من الشام وسار إِلى قسطنطينية من إثرها، ولما سار هرقل على نشر من الأرض، ثم التفت إِلى الشام وقال: السلام عليك يا سوريا، سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إِليك رومي بعدها إِلا خائفاً، حتى يولد لولد المشؤوم وليته لم يولد، فأجل فعله فتنته على الروم، ثم. فتحت قيسارية وصبصطية، وبها قبر يحيى بن زكريا، ونابلس واللد ويافا، وتلك البلاد جميعها. وأما بيت المقدس فطال حصاره، وطلب أهله من أبي عبيدة أن يصالحهم على صلح أهل الشام، بشرط أنْ يكون عمر بن الخطاب متولي أمر الصلح، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر ﵁ إلى القدس وفتحها، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب ﵁. وفي هذه السنة أعني سنة خمس عشرة، وضع عمر بن الخطاب الدواوين، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكن قبل ذلك، وقيل: كان ذلك سنة عشرين، فقيل له: ابدأ بنفسك. فامتنع وبدأ بالعباس عم رسول الله ﷺ ، ففرض له خمسة وعشرين ألفاً، ثم بدأ بالأقرب فالأقرب من رسول من رسول الله ﷺ ، وفرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن بعدهم إِلى الحديبية وبيعة الرضوان أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم لمن بعدهم ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وفرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفاً ألفاً، ولروادفهم خمس مائهَ خمس مائة، ثم ثلاثمائة ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين مائتين وخمسين. وكان في هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وقعة القادسية، وكان المتولي لحرب الأعاجم فيها سعد بن أبي وقاص، وكان مقدم العجم رستم، وجرى بين المسلمين وبين الأعاجم إِذ ذاك قتال عظيم دام أياماً، فكان اليوم الأول يوم أغواث، ثم يوم غماس، ثم ليلة الهرير، لتركهم الكلام فيها، وإنما كانوا يهرون هريراً حتى أصبح الصباح، ودام القتال إلى الظهيرة، وهبت ريح عاصفة، فأكل الغبار على المشركين فانكسروا، وانتهى القعقاع وأصحابه إِلى سرير رستم، وقد قام رستم عنه، واستظل تحت بغال عليها مال وصلت من كسرى للنفقة، فلما شدوا على رستم هرب، ولحقه هلال بن علقمة، فأخذ برجله وقتله، ثم جاء به حتى رُمي به بين أرجل البغال، وصعد السرير ونادى: قتلت رستم ورب الكعبة، وتمت الهزيمة على العجم، وقتل منهم ما لا يحصى، ثم ارتحل سعد ونزل غربي دجلة، على نهر شير، قبالة مدائن كسرى، وديوانه المشهور، ولما شاهد المسلمون إيوان كسرى، كبروا وقالوا: هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد الله ورسوله. ثم دخلت سنة ست عشرة وأقام سعد على نهر شير إِلى أيام من صفر، ثم عبروا دجلة، وهربت الفرس من المدائن نحو حلوان، وكان يزد جرد قد قدم عياله إِلى حلوان، وخرج هو ومن معه بما قدروا عليه من المتاع، ودخل المسلمون المدائن، وقتلوا كل من وجدوه، واحتاطوا بالقصر الأبيض، ونزل به سعد، واتخذوا إِيران كسرى مصلى، واحتاطوا على أموال من ذهب والآنية والثياب، تخرج عن الإحصاء، وأدرك بعض المسلمين بغلاً وقع في الماء فوجد عليه حلية كسرى، من التاج والمنطقة والدرع، وغير ذلك، كله مكلل بالجوهر، ووجدوا أشياء يطول شرحها. وكان لكسرى بساط طوله ستون ذراعاً في ستين ذراعاً، وكان على هيئة روضة، قد صورت فيه الزهور بالجوهر على قضبان الذهب، فاستوهب سعد ما يخص أصحابه منه، وبعث به إِلى عمر، فقطعه عمر وقسمه بين المسلمين، فأصاب علي بن أبي طالب منه قطعة، فباعها بعشرين ألف درهم. وأقام سعد بالمدائن، وأرسل جيشاً إلى جلولاء وكان قد اجتمع بها الفرس، فانتصر المسلمون، وقتلوا من الفرس ما لا يحصى، وهذه الوقعة هي المعروفة بوقعة جلولاء، وكان يزد جرد بحلوان، فسار عنها وقصدها المسلمون واستولوا عليها ثم فتح المسلمون تكريت والموصل. ثم فتحوا ما سبذان عنوة، وكذلك قرقيسيا. وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة للهجرة، قدم جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب ﵁، فتلقاه جماعة من المسلمين، ودخل في زي حسن، وبين يديه جنائب مقادة، ولبس أصحابه الديباج، ثم خرج عمر إِلى الحج في هذه السنة فحج جبلة معه، فبينما جبلة طائفاً إِذ وطئ رجل من فزازة على إِزاره، فلطمه جبلة فهشم أنفه، فأقبل الفزاري إِلى عمر وشكاه، فأحضره

стр. 150

عمر وقال: افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك، فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة، فقال عمر: إِن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد. فقال جبلة: كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال عمر: دع عنك هذا. فقال جبلة أتنصر. فقال عمر: إِن تنصرت ضربت عنقك. فقال أنظرني ليلتي هذه، فأنظره، فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله إِلى الشام، ثم صار إِلى القسطنطينية، وتبعه خمس مائة رجل من قومه، فتنصروا عن آخرهم، وفرح هرقل بهم وأكرمه، ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال: تنصرت الأشراف مِنْ عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفنيَ فيها لجاج ونخوة ... وبعت لها العينَ الصحيحة بالعورْ فيا ليتَ أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلى القولِ الذي قاله عمرْ وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل، وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة، فأرسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت، وأوصلها عمر إليه، ومدحه حسان ابن ثابت بأبيات منها: إِن ابن جفنة من بقية معشرِ ... لم يعرُّهم أباؤهم باللوم لم ينسني بالشام إذ هَو ربها ... كلا ولا متنصراً بالروم يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إِلا كبعض عطية المذموم ثم دخلت سنة سبع عشرة فيها اختطت الكوفة، وتحوّل سعد إليها، وفي هذه السنة اعتمر عمر وأقام بمكة عشرين ليلة، ووسع في المسجد الحرام، وهدم منازل قوم أبوا أن يبيعوها، وجعل أثمانها في بيت المال، وتوج أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب، وأمها فاطمة ﵄. وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة، وهي أن المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة، وكان في قبالة العليّة التي فيها المغيرة بن شعبة، علية فيها أربعة وهم: أبو بكرة مولى النبي ﷺ ، وأخوه لأمه زياد بن أبيه، ونافع بن كلدة، وشبل بن معبد، فرفعت الريح الكوة عن العلية، فنظروا إِلى المغيرة وهو على أم جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة، فكتبوا إلى عمر بذلك، فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود، وولى البصرة أبا موسى الأشعري، فلما قدم إِلى عمر، شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا، وأما زياد بن أبيه فلم يفصح شهادة الزنا، وكان عمر قد قال، قبل أن يشهد: أرى رجلاً أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال زياد: رأيته جالساً بين رجلي امرأة ورأيت رِجلين مرفوعتين كأذني حمار، ونفساً يعلو وإستاً تنبو عن ذكر، ولا أعرف ما وراء ذلك. فقال عمر هل رأيت الميل في المكحلة؟ قال: لا. فقال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا. ولكن أشبهها. فأمر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يحدوا حد القذف، فجلدوا، وكان زياد أخا أبي بكرة لأمه،

стр. 151

فلم يكلمه أبو بكرة بعدها. وفيها فتح المسلمون الأهواز، وكان قد استولى عليها الهرمزان، وكان من عظماء الفرس، ثم فتحوا رام هرمز، وتستر وتحصن الهرمزان في القلعة، وحاصروه، فطلب الصلح على حكم عمر، فأنزل على ذلك، وأرسلوا به إِلى عمر ومعه وفد، منهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، فلما وصلوا به إِلى المدينة، ألبسوه كسوته من الديباج المذهب، ووضعوا على رأسه تاجه وهو مكلل بالياقوت، ليراه عمر والمسلمون، فطلبوا عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل جالس في المسجد، فأتوه وهو نائم فجلسوا دونه، فقال الهرمزان: أين هو عمر: قالوا: هوذا. قال: فأين حرسه وحجابه، قالوا ليس له حارس ولا حاجب، واستيقظ عمر على جلبة الناس، فنظر إِلى الهرمزان وقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه وأمر بنزع ما عليه، فنزعوه وألبسوه ثوباً ضيقاً، فقال له عمر: كيف رأيت عاقبة الغدر، وعاقبة أمر الله، فقال الهرمزان: نحن وإياكم في الجاهلية لما خلى الله بيننا وبينكم غلبناكم، ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا. ودار بينهما الكلام، وطلب الهرمزان ماء فأتي به، فقال: أخاف أن تقتلني ولنا أشرب، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشرب، فرمى بالإناء فانكسر، فقصد عمر قتله، فقالت الصحابة: إِنك أمنته بقولك لا بأس عليك إِلى أن تشرب، ولم يشرب ذلك الماء، وآخر الأمر أنّ الهرمزان أسلم وفرض له عمر ألفين. ثم دخلت سنة ثماني عشرة فيها حصل في المدينة والحجاز قحط عظيم، فكتب عمر إِلى سائر الأمصار يستعينهم، فكان ممن قدم عليه، أبو عبيدة من الشام، بأربعة آلاف راحلة من الزاد، وقسم عمر ذلك على المسلمين، حتى رخص الطعام بالمدينة، ولما اشتد القحط، خرج عمر ومعه العباس وجمع الناس واستسقى مستشفعاً بالعباس، فما رجع الناس حتى تداركت السحب وأمطروا، وأقبل الناس يتمسحون بأذيال العباس ﵁. وفي هذه السنة أعني سنة ثمان عشرة، كان طاعون عم الناس بالشام، مات به أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واستخلف أبو عبيدة على الناس معاذ بن جبل الأنصاري، فمات أيضاً بالطاعون، واستخلف عمرو بن العاص، ومات من الناس في هذا الطاعون خمسة وعشرون ألف نفس، فطال مكثه شهراً، وطمع العدو في المسلمين، وأصاب بالبصرة مثله. وفي هذه السنة سار عمر إِلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا ثم رجع إِلى المدينة في ذي القعدة. ثم دخلت سنة تسع عشرة وسنة عشرين فيها فتحت مصر والإسكندرية على يد عمرو بن العاص والزبير بن العوام، فنازلا عين شمس، وهي بقرب المطرية، وكان لها جمعهم، ففتحاها، وبعث عمرو بن العاص أبرهة بن الصباح إلى الفرماء، وضرب عمرو فسطاطه موضع جامع عمرو بمصر الآن واختطت مصر، وبني موضع الفسطاط الجامع المعروف

стр. 152

بجامع عمرو بن العاص. ثم توجه إِلى الإِسكندرية ففتحها عنوة بعد قتال كثير، وفيها أعني سنة عشرين توفي بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو مولى أبي بكر الصديق، واسم أمه حمامة، وهو من مولدي الحبشة، أسلم بعد إِسلام أبي بكر الصديق، ولم يؤذن بعد رسول الله ﷺ ، فطلب من أبي بكر أن يرسله إِلى الجهاد، فسأله أبو بكر أن يقيم معه فأقام معه حتى تولى عمر، فسأله عمر ذلك، فأبى بلال وسار إِلى دمشق وأقام بها حتى مات ودفن عند الباب الصغير. ثم دخلت سنة إِحدى وعشرين فيها كانت وقعة نهاوند مع الأعاجم وكان قد اجتمعوا في مائة وخمسين ألفاً ومقدمهم الفيرزان، فجرى بينهم وبين المسلمين حروب كثيرة آخرها أن المسلمين هزموا الأعاجم وأفنوهم قتلاً، وهرب الفيرزان مقدم جيش الأعاجم، فلما وصل إِلى ثنية همذان، وجد بغالاً محملة عسلاً، فلم يقدر على المضي، فنزل عن فرسه وهرب في الجبل، فتبعه القعقاع راجلاً وقتله فقال المسلمون إِن لله جنداً من عسل. وفي هذه السنة فتحت الدينور والصيميرة وهمذان وأصفهان. وفي هذه السنة توفي خالد بن الوليد، واختلف في موضع قبره، فقيل بحمص، وقيل بالمدينة. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين فيها فتحت أذربيجان والري وجرجان فزوين وزنجان وطبرستان. وفيها سار عمرو بن العاص إِلى برقة، فصالحه أهلها على الجزية، ثم سار إِلى طرابلس الغرب، فحاصرها وفتحها عنوة. وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، وحارب يزد جرد وافتتح هراة عنوة، ثم سار إِلى مرو روز، وكتب يزد جرد إِلى ملك الترك يستمده، وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهما، وانهزم يزد جرد إلى بلخ ثم سار إِليه المسلمون فهزموه، وعبر يزد جرد نهر جيحون، ثم إِن يزد جرد اختلف هو وعسكره، فإِنه أشار بالمقام مع الترك، وأشار عسكره بمصالحة المسلمين والدخول في حكمهم، فأبى يزد جرد ذلك، فطرده عسكره، وأخذوا خزانته، وسار يزد جرد مع الترك في حاشيته، وأقام بفرغانة زمن عمر كله، وبقي عسكره في أماكنهم وصالحوا المسلمين. وفيها توفي أبي بن كعب بن قيس، وهو من ولد مالك بن النجار، وكان يكنى أبا المنذر، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وهو الذي أمر الله تعالى رسوله ﵇ أن يقرأ القرآن على أبي بن كعب المذكور، وقال رسول الله ﷺ : أقرأ أمتي أُبي بعدي، وقيل مات في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين. مقتل عمر ﵁ وفي هذه السنة طعن أبو لؤلؤة واسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة عمرَ بن الخطاب وهو في الصلاة، بخنجر في خاصرته، وتحت سرته، وذلك لست بقين من ذي الحجة من

стр. 153

السنة المذكورة، وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، ودفن عند النبي ﷺ ، وأبي بكر الصديق ﵁ ما، وعهد بالخلافة إِلى النفر الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وهم علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد ﵃، بعد أن عرضها على عبد الرحمن بن عوف فأبى. وكان عمر ﵁ طويل القامة أبيض أصلع أشيب، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، وقيل ستين، وقيل ثلاثاً وستين، وكان له من الفضل والزهد والعدل والشفقة على المسلمين القدر الوافر، فمن ذلك أنه جاء إِلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلاً؛ فقال عبد الرحمن: ما جاء بك يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ فقال: إِن رفقة نزلوا في ناحية السوق، خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق لنحرسهم، فأتيا السوق، وقعدا على نشز من الأرض يتحدثان ويحرسانهم. وعمر أول من سمي بأمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وأرّخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ ، وأول من عس بالليل، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يكبرون أربعاً وخمساً وستاً، وأول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في رمضان، وكتب بذلك إلى سائر البلدان وأمرهم به، وأول من حمل الدرة وضرب بها، ودون الدواوين. وخطب مرة الناس وعليه إِزار فيه اثنتا عشرة رقعة، وكان مرة في بعض حجته فلما مر بضحيان قال لا إِله إِلا الله، المعطي ما شاء من شاء، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظاً يرعبني إِذا عملت؛ ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت وليس بيني وبين الله أحد. وفضائله ﵁ أكثر من أن تحصى. ثم دخلت سنة أربع وعشرين فيها عَقِبَ موت عمر، اجتمع أهل الشورى، وهم علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ﵃، وكان قد شرط عمر أن يكون ابنه عبد الله شريكاً في الرأي، ولا يكون له حظ في الخلافة، وطال الأمر بينهم، وكان قد جعل لهم عمر مدة ثلاثة أيام، وقال لا يمضي اليوم الرابع إِلا ولكم أمير، وإن اختلفتم فكونوا مع الذي معه عبد الرحمن. فمضى علي إِلى العباس ﵄؛ وقال له: عدل عنا لأن سعداً لا يخالف عبد الرحمن، لأنه ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان، فلا يختلفون فيوليها أحدهم الآخر. فقال العباس: لم أدفعك عن شيء إِلا رجعت إِلى مستأخر، أشرت عليك قبل وفاة رسول الله ﷺ أن نسأله فيمن يجعل هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل

стр. 154

فيهم فأبيت، وهذا الرهط لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر؛ حتى يقوم له غيرنا، وأيم الله لا يناله إِلا بشر لا ينفع معه خير. ثم جمع عبد الرحمن الناس بعد أن أخرج نفسه عن الخلافة، فدعا علياً فقال: عليك عهد الله وميثاقه، لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال: أرجو أن أفعل وأعمل مبلغ علمي وطاقتي، ودعا بعثمان وقال له مثل ما قال لعلي، فرفع عبد الرحمن رأسه إِلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اسمع وأشهد، اللهم إِني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وبايعه، فقال علي ليس هذا أول يوم تظاهرتم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إِلا ليرد الأمر إِليك، والله كل يوم هو في شأن. فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك حجةً وسبيلاً، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد بن الأسود لعبد الرحمن: والله لقد تركته، يعني علياً، وإنه من الذين يقضون بالحق، وبه يعدلون. فقال: يا مقداد لقد اجتهدت للمسلمين، فقال المقداد: إني لأعجب من قريش، إِنهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق، ولا أعلم منه، فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله، فإني أخاف عليك الفتنة، ثم لما أحدث عثمان رضي الله ما أحدث من توليته الأمصار للأحداث من أقاربه، روي أنه قيل لعبد الرحمن بن عوف: هذا كله فعلك. فقال: لم أظن هذا به؛ لكن لله علي أن لا أكلمه أبداً، ومات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان ﵄، ودخل عليه عثمان عائداً في مرضه فتحول إِلى الحائط ولم يكلمه. خلافة عثمان ﵁ وبويع عثمان ﵁ لثلاث مضين من المحرم، من هذه السنة، أعني سنة أربع وعشرين، وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة. ولما بويع رقي المنبر وقام خطيباً فحمد الله وتشهد ثم أرتج عليه فقال: إِن أول كل أمر صعب، وإن أعش فسآتيكم الخطب على وجهها، ثم نزل وأقر عثمان ولاة عمر سنة، لأنه كان أوصى بذلك، ثم عزل المغير بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي وقاص، ثم عزله وولى الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان أخا عثمان من أمه. ثم دخلت سنة خمس وعشرين فيها توفي أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة، وكان بالشام ينكر على معاوية جمع المال، ويتلو " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " " التوبة: ٣٤، " الآية، فكتب معاوية إِلى عثمان يشكوه، فكتب إِليه عثمان أن أقدم المدينة، فقدم إِلى المدينة، واجتمع الناس عليه، فصار يذكر ذلك ويكثر الشناعة على من كنز الذهب والفضة، فنفاه عثمان إِلى الربدة وقيل كانت وفاته

стр. 155

بالربدة سنة إِحدى وثلاثين. ثم دخلت سنة ست وعشرين فيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكان رسول الله ﷺ قد أهدر دم عبد الله بن سعد المذكور يوم الفتح، وشفع فيه عثمان، حتى أطلقه رسول اللَه ﷺ . وفي أيام عثمان فتحت إِفريقية، وكان المتولي لذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور، وبعث بالخمس إِلى عثمان، فاشتراه مروان بن الحكم بخمس مائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان، وهذا من الأمور التي أنكرت عليه، ولما فتحت إِفريقية، أمر عثمان عبد الله نافع بن الحصين أن يسير إِلى جهة الأندلس، فغزى تلك الجهة، وعاد عبد الله بن نافع إِلى إِفريقية، فأقام بها من جهة عثمان، ورجع عبد الله ابن سعد إِلى مصر. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسنة ثمان وعشرين فيها استأذن معاوية عثمان في غزو البحر، فأذن له، فسير معاوية إِلى قبرس جيشاً وسار إِليها أيضاً عبد الله ابن سعد من مصر، فاجتمعوا عليها وقاتلوا أهلها، ثم صولحوا على جزية سبعة آلاف دينار في كل سنة، وكان هذا الصلح بعد قتل وسبي كثير من أهل قبرس. ثم دخلت سنة تسع وعشرين فيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وولاها ابن خاله عبد الله بن عامر بن كريز، ثم عزل الوليد بن عقبة من الكوفة، بسبب أنه شرب الخمر وصلى بالمسلمين الفجر أربع ركعات وهو سكران، ثم التفت إِلى الناس وقال: هل أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: مازلنا معك في زيادة منذ اليوم، وفي ذلك يقول الحطيئة: شهدا الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر نادى وقد فرغت صلاتهم ... أأزيدكم سكراً وما يدري فأبوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر ثم دخلت سنة ثلاثين فيها بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق، فإنهم يقولون: قرآننا أصح من قرآن أهل الشام، لأننا قرأنا على أبي موسى الأشعري، وأهل الشام: يقولون قرآننا أصح لأنّا قرأنا على المقداد بن الأسود، وكذلك غيرهم من الأمصار فأجمع رأيه ورأي الصحابة، على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر ﵁، وكان مودعاً عند حفصة زوج النبي ﷺ ، وتحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس، ففعل ذلك ونسخ من ذلك المصحف مصاحف، وحمل كلاً منها إِلى مصر من الأمصار، وكان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان، زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال عثمان: إِن اختلفتم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش، فإِنما نزل القرآن

стр. 156

بلسانهم. وفي هذه السنة سقط من يد عثمان خاتم النبي ﷺ ، وكان من فضة فيه ثلاثة أسطر، محمد رسول الله، كان النبي يتختم به، ويختم به الكتب التي كان يرسلها إِلى الملوك. ثم ختم به بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، إِلى أن سقط في بئر أريس ثم دخلت سنة إِحدى وثلاثين. مهلك يزد جرد بن شهريار بن برويز وهو آخر ملوك الفرس، في هذه السنة هلك يزد جرد، وقد اختلف في ذلك، فقيل إنه نزل بمرو، فثار عليه أهلها وقتلوه، وقيل بغته الترك وقتلوا أصحابه، فهرب يزد جرد إلى بيت رجل ينقر الأرحا فقتله ذلك الرجل، واتبع الفرس أثر يزد جرد إِلى بيت النقار، وعذبوا النقار فأقر بقتله فقتلوه. وفيها عصت خراسان، واجتمع أهلها في خلق عظيم، وسار إِليهم المسلمون، وذلك في أيام عثمان ففتحوها فتحاً ثانياً. وفي هذه السنة مات أبو سفيان بن حرب بن أمية أبو معاوية. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين فيها توفي عبد الله بن مسعود ابن غافل بن حبيب بن شمخ من ولد مدركة بن إِلياس بن مضر، وفي مدركة يجتمع مع رسول الله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات أن عبد الله بن مسعود المذكور، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، والذي روى أنه من العشرة، أسقط أبا عبيدة بن الجراح، وجعل عبد الله المذكور بدله، وكان جليل القدر، عظيماً في الصحابة، وهو أحد القراء رحمه الله تعالى ورضي عنه. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها تكلم جماعة من الكوفة في حق عثمان، بأنه ولى جماعة من أهل بيته، لا يصلحون للولاية، فكتب سعيد بن العاص والي الكوفة من قبل عثمان إِليه بذلك، فأمره عثمان بأن يسير الذين تكلموا بذلك إِلى معاوية بالشام، فأرسلهم وفيهم الحارث بن مالك المعروف بالأشتر النخعي، وثابت ابن قيس النخعي، وجميل بن زياد، وزيد بن صوحان العبدي، وأخوه صعصعة، وجندب بن زهير، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق، فقدموا على معاوية وجرى بينهم كلام كثير، وحذرهم الفتنة، فوثبوا وأخذوا بلحية معاوية ورأسه، فكتب بذلك إِلى عثمان، فكتب إِليه عثمان أن يردهم إِلى سعيد بن العاص، فردهم إِلى سعيد، فأطلقوا ألسنتهم في عثمان، واجتمع أهل الكوفة. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين فيها قدم سعيد إِلى عثمان، وأخبره بما فعله أهل الكوفة، وأنهم يختارون أبا موسى الأشعري فولى عثمان أبا موسى الكوفة، فخطبهم أبو موسى وأمرهم بطاعة عثمان، فأجابوا إِلى ذلك، وتكاتب نفر من الصحابة بعضهم إِلى بعض، أن أقدموا فالجهاد عندنا، ونال الناس من عثمان، وليس أحد من الصحابة ينهي عن ذلك، ولا يذب إِلا نفر، منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن

стр. 157

مالك، وحسان بن ثابت، ومما نقم الناس عليه رده الحكم بن العاص، طريد رسول الله ﷺ ، وطريد أبي بكر وعمر أيضاً، وإعطاء مروان بن الحكم خمس غنائم إِفريقية، وهو خمس مائة ألف دينار، وفي ذلك يقول عبد الرحمن الكندي: سأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمراً سدا ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو تبتلى فإِن الأمينين قد بنيا ... منار الطريق عليه الهدى فما أَخذا درهمًا غيلة ... وما جعلا درهماً في الهوى دعوت اللعين فأدنيته ... خلافاً لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العباد ... ظلماً لهم وحميت الحمى وأقطع مروان بن الحكم فدك، وهي صدقة رسول الله ﷺ ، التي طلبتها فاطمة ميراثاً، فروى أبو بكر عن رسول الله ﷺ " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة "، ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه، إِلى أن تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله، وردها صدقة. وفي هذه السنة توفي المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، ونسب إِلى الأسود بن عبد يغوث، لأنه كان قد حالف الأسود المذكور في الجاهلية، فتبناهُ، فعرف بالمقداد بن الأسود، فلما نزل قوله تعالى " أدعوهم لآبائهم " " الأحزاب: هـ " الآية، قيل له المقداد بن عمرو، ولم يكن في يوم بدر من المسلمين صاحب فرس غير المقداد، في قول، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكان عمره نحو سبعين سنة. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين فيها قدم من مصر جمع، قيل ألف، وقيل سبع مائة، وقيل خمس مائة، وكذلك قدم من الكوفة جمع، وكذلك من البصرة، وكان هوى المصريين مع علي، وهوى الكوفيين مع الزبير، وهوى البصريين مع طلحة، فدخلوا المدينة، ولما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر وقال للجموع المذكورة: يا هؤلاء، الله يعلم وأهل المدينة يعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال: أنا أشهد بذلك، فثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصب عثمان حتى خر على المنبر مغشياً عليه، فأدخل داره، وقاتل جماعة من أهل المدينة عن عثمان، منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة ﵁ م، فأرسل إِليهم عثمان يعزم عليهم بالانْصراف فانصرفوا، وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلت الجموع المذكورة في الّمسجد ثلاثين يوماً ثم منعوه الصلاة، فصلى بالناس أميرهم الغافقي أمير جمع مصر، ولزم أهل المدينة بيوتهم، وعثمان محصور في داره، ودام ذلك أربعين يوماً، وقيل خمسين، ثم إِن علياً اتفق مع عثمان على

стр. 158

ما تطلبه الناس منه من عزل مروان عن كتابته، وعبد الله بن أبي سرح عن مصر، فأجاب عثمان إِلى ذلك، وفرق علي الناس عنه، ثم اجتمع عثمان بمروان فرده عن ذلك، ثم اضطره الحال حتى عزل ابن أبي سرح عن مصر، وولاها محمد بن أبي بكر الصديق، وتوجه مع محمد بن أبي بكر عدة من المهاجرين والأنصار، فبينما هم في أثناء الطريق، وإذا بعبد على هجين يجهده، فقالوا له: إِلى أين؟ قال: إِلى العامل بمصر. فقالوا: هذا عامل مصر، يعنون محمد بن أبي بكر، فقال: بل العامل الآخر، يعني ابن أبي سرح فأمسكوه وفتشوه، فوجدوا معه كتاباً مختوماً بختم عثمان يقول: إِذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه، بأنك معزول فلا تقبل، واحتل بقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر في عملك. فرجع محمد بن أبي بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار إِلى المدينة وجمعوا الصحابة وأوقفوهم على الكتاب، وسألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم وخط كاتبه، وحلف بالله أنه لم يأمر بذلك، فطلبوا منه مروان ليسلمه إِليهم بسبب ذلك فامتنع. فازداد حنق الناس على عثمان وجدوا في قتاله، فأقام علي ابنه الحسن يذب عنه، وأقام الزبير ابنه عبد الله وطلحة ابنه محمد يذبون عنه، بحيث خرج الحسن وانصبغ بالدم، وآخر الحال أنهم تسوروا على عثمان من دار لزق داره، ونزل عليه جماعة فيهم محمد بن أبي بكر فقتلوه. وكان عثمان ﵁ حين قتل صائماً يتلو في المصحف، وكان مقتله لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً. واختلف في عمره، فقيل خمس وسبعون، وقيل اثنتان وثمانون، وقيل تسعون، وقيل غير ذلك، ومكث ثلاثة أيام لم يدفن، لأن المحاربين له منعوا من ذلك، ثم أمر علي بدفنه، وكان عثمان معتدل القامة، حسن الوجه، بوجهه أثر جدري، عظيم اللحية، أسمر اللون، أصلع يصفر لحيته، وتزوج ابنتي رسول الله ﷺ وبسبب ذلك قيل له ذو النورين، وكان كاتبه مروان بن الحكم بن العاص ابن عمه، وقاضيه زيد بن ثابت. وأما فضائله: فإِنه الذي جهز جيش العسرة بجملة من المال، وكان قد أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاماً يصلح العسكر، وجهز به عيراً. فلما وصل ذلك إلى النبي ﷺ ، رفع يده إِلى السماء وقال: " اللهم إِني قد رضيت عن عثمان، فارضَ عنه "، وروى الشعبي أن عثمان دخل على رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ ثوبه عليه وقال رسول الله ﷺ : " كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة "، وانفتح بقتل عثمان باب الشر والفتن. أخبار علي بن أبي طالب ﵁ واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، جد رسول الله ﷺ ، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم، فهو هاشمي ابن هاشميين، بويع بالخلافة يوم قتل عثمان، وقد اختلف في كيفية بيعته، فقيل: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيهم طلحة

стр. 159

والزبير، فأتوا علياً وسألوه البيعة له، فقال: لا حاجة لي في أمركم، من اخترتم رضيت به، فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مراراً. وقالوا: إنا لا نعلم أحداً أحق بالأمر منك، ولا أقدمٍ منك سابقة ولا أقرب من رسول الله ﷺ ، فقال: أكون وزيراً خير من أنْ أكون أميراً. فأتوا عليه، فأتى المسجد، فبايعوه. وقيل: بايعوه في بيته، وأول من بايعه طلحة بن عبد الله، وكانت يد طلحة مشلولة من نوبة أحد، فقال حبيب بن ذؤيب: إِنا لله، أول من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم هذا الأمر، وبايعه الزبير، وقال علي لهما: إنْ أحببتما أنْ تبايعا لي بايعا، وإن أحببتما بايعتكما فقالا: بل نبايعك، وقيل إِنهما قالا بعد ذلك: إنما بايعنا خشية على نفوسنا، ثم هربا إِلى مكة بعد مبايعة علي بأربعة أشهر، وجاءوا بسعد بن أبي وقاص ﵃، فقال له علي: بايع، فقال: لا، حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس فقال خلوا سبيله. وكذلك تأخر عن البيعة عبد الله بن عمر، وبايعته الأنصار إِلا نفراً قليلاً، منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، والنعمان ابن بشير، ومحمد بن مسلمة، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة وزيد بن ثابت وكان هؤلاء قد ولاهم عثمان على الصدقات وغيرها، وكذلك لم يبايع علياً سعيد بن زيد وعبد الله بن سلام،، صهيب بن سنان، وأسامة بن زيد، قدامة بن مطعون، والمغيرة بن شعبة،، سموا هؤلاء المعتزلة، لاعتزالهم بيعة علي. وسار النعمان بن بشير إِلى الشام، ومعه ثوب عثمان الملطخ بالدم، فكان معاوية يعلق قميص عثمان على المنبر؛ ليحرض أهل الشام على قتال علي وأصحابه، وكلما رأى أهل الشام ذلك، ازدادوا غيظاً. وقد روي في بيعة علي غير ذلك، فقيل: لما قتل عثمان، بقيصص المدينة خمسة أيام، والغافقي أمير المصريين ومن معه، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعداً والزبير قد خرجا من المدينة، ووجدوا بني أمية قد هربوا، وأتى المصريون علياً فباعدهم، وكذلك أتى الكوفيون الزبير، والبصريون طلحة فباعداهم، وكانواٍ مع اجتماعهم على قتل عثمان، مختلفين فيمن يلي الخلافة، حتى غشى الناس علياً فقالوا: نبايعك، فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به، فامتنع علي، فألحوا عليه، فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إِنْ أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإِنّما أنا كأحدكم. وافترق الناس على ذلك، وتشاوروا فيما بينهم، وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استَقامت البيعة، فبعث البصريون إِلى الزبير حكيم بن جبلة، ومعه نفر فجاءوا بالزبير كرهاً بالسيف، فبايع، وبعثوا إِلى طلحة الأشتر ومعه نفر، فأتوا بطلحة ولم يزالوا به حتى بايع، ولما أصبحوا يوم الجمعة، اجتمع الناس في المسجد، وصعد علي المنبر واستعفى من ذلك، فلم يعفوه، فبايعه أولاً طلحة، وقال: أنا أبايع مكرهاً، وكانت يد طلحة شلاء، فقيل هذا الأمر لا يتم، كما ذكرنا، وبايعه أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، خلا من لم يبايع ممن ذكرنا. وكان ذلك يوم الجمعة،

стр. 160

لخمس بقين من ذي الحجة، من سنة خمس وثلاثين. ثم فارقه طلحة والزبير ولحقا بمكة، واتفقا مع عائشة ﵃ وكانت قد مضت إِلى الحج وعثمان محصور، وكانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه، وكانت تخرج قميص رسول الله ﷺ وشعره وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل، وقد بلي دينه، لكنها لم تظن أن الأمر ينتهي إِلى ما انتهى إِليه. وكان ابن عباس بمكة لما قتل عثمان، ثم قدم المدينة بعد البيعة لعلي فوجد علياً مسخلياً بالمغيرة بن شعبة، قال: فسألته عما قال له، فقال علي: أشار علي بإقرار معاوية وغيره من عمال عثمان إِلى أنْ يبايعوا ويستقر الأمر، فأبيت ثم أتاني الآن وقال: الرأي ما رأيته. فقال ابن عباس: نصحك في المرة الأولى وغشك في الثانية، وإني أخشى أن ينتقض عليك الشام، مع أني لا آمن طلحة والزبير أنْ يخرجا عليك، وأنا أشير عليك أن تقر معاوية، فإِن بايع لك، فعلي أن اقتلعه لك من منزله متى شئت. فقال علي والله لا أعطيه إِلا السيف، ثم تمثل: وما ميتةٌ أن مِتُّها غير َعاجز ... بعار إذا ما غالتِ النفسُ غولُها فقلت: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع، ولست صاحب رأي. فقال علي: إِذا عصيتك فأطعني. فقال ابن عباس: أفعل، إِن أيسر مالك عندي الطاعة، وخرج المغيرة ولحق بمكة. ثم دخلت سنة ست وثلاثين فيها أرسل علي إِلى البلاد عماله، فبعث إِلى الكوفة عمارة بن شهاب، وكان من المهاجرين، ووالى عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة، وعبد الله بن عباس اليمن، وكان من المشهورين بالجود، وولى قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري مصر، وسهل بن حنيف الأنصاري الشام، فلما وصل تبوك، لقيته خيل، فقالوا من أنت: قال أمير على الشام. فقالوا إِن كان بعثك غير عثمان فارجع. قال: أو ما سمعتم بالذي كان قالوا: إلى. فرجع إِلى علي، ومضى قيس بن سعد إِلى مصر فوليها، واعتزلت عنه فرقة، كانوا عثمانية، وأبوا أن يدخلوا في طاعة علي، إِلا أن يقتل قاتل عثمان، ومضى عثمان بن حنيف إِلى البصرة فدخلها، واتبعته فرقة وخالفته فرقة، ومضى عمارة إِلى الكوفة فلقيه طلحة بن خويلد الأسدي، الذي كان ادعى النبوة في خلافة أبي بكر، فقال له: إِن هل الكوفة لا يستبدلون بأميرهم، فرجع إِلى علي وكان على الكوفة من قبل عثمان، أبو موسى الأشعري، ومضى عبد الله إِلى اليمن، وكان العامل بها من جهة عثمان، يعلى بن منبه، فوليها عبد الله وخرج يعلى، وأخذ ما كان حاصلاً من المال، ولحق بمكة وصار مع عائشة وطلحة والزبير، وسلم إِليهم المال. مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة ولما بلغ عائشة قتل عثمان، أعظمت ذلك، ودعت إِلى الطلب بدمه، وساعدها على ذلك طلحة والزبير وعبد الله بن عمر، وجماعة من بني أمية، وجمعوا جمعاً عظيماً، واتفق رأيها على المضي إِلى البصرة للاستيلاء عليها، وقالوا معاوية بالشام، قد كفانا أمرها، وكان عبد

стр. 161

الله بن عمر قد قدم من المدينة، فدعوه إِلى المسير معهم فامتنع، وساروا، وأعطى يعلى بن منبه عائشة الجمل المسمى بعسكر، اشتراه بمائة دينار، وقيل بثمانين ديناراً، فركبته، وضربوا في طريقهم مكاناً يقال له الحوأب فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: أي ماء هو هذا؟ فقيل: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها وقالت: إِنّا لله وإنا إِليه راجعون، سمعت رسول الله ﷺ يقول وعنده نساؤه: " ليت شعري أيتّكن ينبحها كلاب الحوأب "، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب، فأناخوا يوماً وليله، وقال لها عبد الله بن الزبير إِنه كذب، يعني ليس هذا ماء الحوأب، ولم يزل بها وهي تمتنع، فقال لها: النجاء النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب، فارتحلوا نحو البصرة، فاستولوا عليها بعد قتال مع عثمان بن حنيف، فقتل من أصحاب عثمان بن حنيف أربعون رجلاً، وأُمسك عثمان بن حنيف، فنتفت لحيته وحواجبه، وسجن ثم أطلقته. مسيرة علي إلى البصرة ولما بلغ علياً مسير عائشة وطلحة والزبير إِلى البصرة، سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة، فيهم أربع مائة ممن بايع تحت الشجرة، وثمانمائة من الأنصار، ورأته مع ابنه محمد بن الحنفية، وعلى ميمنته الحسن، وعلى ميسرته الحسين، وعلى الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق، وعلى مقدمته عبد الله بن العباس. وكان مسيره في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، ولمّا وصل علي إِلى ذي قار، أتاه عثمان بنٍ حنيف وقال له: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية، وجئتك أمرد. فقال أصبت أجراً وخيراً، وقال علي: إِن الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب والسنة، ثم وليهم ثالث، فقالوا في حقه وفعلوا، ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان، وخلافهما علي، والله إِنهما يعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم. وقعة الجمل واجتمع إِلى علي من أهل الكوفة جمع، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمع، وسار بعضهم إلى بعض، فالتقوا بمكان يقال له الخريبة في النصف من جمادى الآخرة، من هذه السنة، ودعي على الزبير إِلى الاجتماع به، فاجتمع به، فذكره علي وقال: أتذكر يوماً مررت مع رسول الله ﷺ في بني غنم، فنظر إِلي فضحكت وضحك إِليّ فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زَهوَه. فقال لك رسول الله ﷺ : " إِنه ليس بِمُزْه ولتقاتلنه وأنت ظالم له " فقال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرته ما سرت مسيري هذا. فقيل إنه اعتزل القتال، وقيل بل غيره ولده عبد الله، وقال خفت من رايات ابن أبي طالب. فقال الزبير إِني حلفت أن لا أقاتله. فقال له

стр. 162

ابنه: كفرْ عن يمينك، فعتق غلامه مكحولاً وقاتل، ووقع القتال وعائشة راكبة الجمل المسمى عسكر في هودج، وقد صار كالقنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير، ورمى مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتلة، وكلاهما كانا مع عائشة، قيل إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه، لأنه نسبه إِلى أنه أعان على قتل عثمان، وانهزم الزبير طالباً المدينة، وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة، وقتل أيضاً بين الفريقين خلق كثير، ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل فضربه رجل فسقط، فبقيت عائشة في هودجها إِلى الليل، وأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إِلى البصرة، وأنزلها في دار عبد الله بن خلف، وطاف علي على القتلى من أصحاب الجمل وصلى عليهم ودفنهم. ولما رأى طلحة قتيلاً قال: إنا لله وإنا إِليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشاً صرعى، أنت والله كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إِذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وصلى عليه، ولم ينقل عنه أنه صلى على قتلى الشام بصفين، ولما انصرف الزبير من وقعة الجمل طالباً المدينة، مر بماء لبني تميم وبه الأحنف بن قيس، فقيل للأحنف وكان معتزلاً القتال: هذا الزبير قد أقبل، فقال: قد جمع بين هذين العارين، يعني العسكرين وتركهم وأقبل، وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي، فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبع الزبير؛ حتى وجده بوادي السباع نائماً، فقتله؛ ثم أقبل برأسه إِلى علي بن أبي طالب. فقال علي: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " بشروا قاتل الزبير بالنار ". قال عمرو بن جرموز المذكور لعنه الله: أتيت علياً برأس الزبير ... وقد كنت أحسبها زلفة فبشر بالنار قبل العيان ... فبئس البشارة والتحفه وسيان عندي قتل الزبير ... وضَرطة عير بذي الجحفة ثم أمر علي عائشة بالرجوع إِلى المدينة، وأن تقر في بيتها، فسارت مستهل رجب من هذه السنة، وشيعها الناس، وجهزها علي بما احتاجت إليه، وسير معها أولاده مسيرة يوم، وتوجهت إِلى مكة، فأقامت للحج تلك السنة، ثم رجعت إِلى المدينة. وقيل كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين، عشرة آلاف، واستعمل علي على البصرة عبد الله بن العباس، وسار على الكوفة فنزلها، وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان، ولم يبق خارج عنه إِلا الشام، وفيه معاوية وأهل الشام مطيعون له، فأرسل إِليه علي جريرَ بن عبد الله البجلي، ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. فسار جرير إِلى معاوية، فماطله معاوية، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، حتى قدم عمرو إِلى معاوية، فوجد أهل الشام يحضون على الطلب بدم عثمان، فقال لهم عمرو: أنتم على الحق، واتفق عمرو ومعاوية على قتال علي، وشرط عمرو، على معاوية إِذا ظفر، أن يوليه مصر،

стр. 163

فأجابه إلى ذلك، وكان قيس بن سعد بن عبادة متولياً على مصر من جهة علي، على ما ذكرناه، فقد اعتزل عنه جماعة عثمانية إِلى قرية من بلد مصر يقال لها خربتا، وكان قيس المذكور من دهاة العرب، فرأى من المصلحة مداهنة المذكورين، وكف الحرب عنهم لئلا ينضموا إِلى معاوية، وكتب معاوية إِلى قيس المذكور يستميله، ويبذل له الولايات العظام، فلم يفد فيه، فزور عليه معاوية كتاباً وقرأه على الناس، يوهمهم أن قيساً معه، ولذلك لم يقاتل المعتزلين عنه بخربتا، فبلغ علياً ذلك، فعزل قيساً عن مصر؛ وولى عليها محمد بن أبي بكر، ولحق قيس بالمدينة، ثم وصل إِلى علي وحضر معه حرب صفين، وحكى لعلي ما جرى له مع معاوية، فعلم صحة ذلك، وبقي قيس المذكور مع علي ثم مع الحسن على ذلك، إِلى أن سلم الأمر إِلى معاوية، وأما محمد بن أبي بكر، فوصل إلى مصر وتولى عليها، ووصاه قيس في أنه لا يتعرض إِلى أهل خربتا، فلم يقبل محمد ذلك، وبعث إلى أهل خربتا يأمرهم بالدخول في بيعة علي، أو الخروج من أرض مصر، فأجابوه أن لا نفعل، ودعنا ننظر إلى ما يصير إِليه أمرنا، فأبى عليهم. وقعة صفين ولما قدم عمرو على معاوية كما ذكرنا واتفقا على حرب علي، قدم جرير بن عبد الله البجلي على علي، فأعلمه بذلك، فسار علي من الكوفة إِلى جهة معاوية، وقدم عليه عبد الله بن عباس ومن معه من أهل البصرة، فقال علي ﵁: لأصبحن العاص وابن العاصي ... سبعين ألفاً عاقدي النواصي مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص وحدا بعلي نابغة بني جعد الشاعر فقال: قد علم المصران والعراق ... أن علياً فحْلها العتاقُ أبيض جحجاح له رواقَ ... إِن الأولى جاروك لا أفاقوا لكم سباق ولهم سباق ... قد سلمتْ ذلكم الرفاق وسار عمر ومعاوية من دمشق بأهل الشام إِلى جهة علي، وتأنى معاوية في مسيره، حتى اجتمعت الجموع بصفين، وخرجت سنة ست وثلاثين والأمر على ذلك. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين والجيشان بصفين، ومضى المحرم ولم يكن بينهم قتال، بل مراسلات يطول ذكرها، لم ينتظم بها أمر، ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فيه، وكانت بينهم وقعات كثيرة بصفين، قيل كانت تسعين وقعة، وكان مدة مقامهم بصفين مائة وعشرة أيام، وكانت عدة القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفاً، ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفاً، منهم ستة وعشرون رجلا من أهل بدر، وكان علي قد تقدم إِلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤوا بالقتال، وأن لا يقتلوا مدبراً وألا يأخذوا شيئاً من أموالهم وأن لا يكشفوا عورة. قال معاوية، أردت الانهزام بصفين،

стр. 164

فتذكرت قول ابن الإطنابة فثبت، وكان جاهلياً، والإطنابة مرة وهو قوله: أبت لي همتي وحياء نفسي ... وإقدامي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جاشت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي وقاتل عمار بن ياسر ﵁ مع علي قتالاً عظيماً، وكان قد نيف عمره على تسعين سنة، وكانت الحربة في يده ترعد؛ وقال: هذه راية قاتلت بها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة، ودعى بقدح من لبن فشرب منه ثم قال: صدق الله ورسوله: اليوم ألقى الأحبة ... محمداً وحزبه قال رسول الله ﷺ : " إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن "، والضيحُ: اللبن الرقيق الممزوج. وروي أنه كان يرتجز: نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله ولم يزل عمار المذكور يقاتل حتى استشهد ﵁، وفي الصحيح المتفق عليه، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " يقتل عمار الفئة الباغية، قيل: إِن الذي قتله، أبو عادية برمح، فسقط عمار، فجاء آخر فاحتز رأسه "، وأقبلا يختصمان إِلى عمرو ومعاوية، كل منهما يقول: أنا قتلته. فقال عمرو: إِنكما في النار، فلما انصرفا قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثل ما رأيت اليوم، صرفت قوماً بذلوا أنفسهم دوننا. فقال عمرو: هو والله ذلك، والله إِنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة. وبعد قتل عمار ﵁ انتدب علي اثني عشر ألفاً، وحمل بهم على عسكر معاوية، فلم يبق لأهل الشام صف إِلا انتقض وعلي يقول: أقتلهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الخاويه ثم نادى: يا معاوية، علام تقتل الناس ما بيننا، هلم أحاكمك إِلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور. فقال عمرو: أنصفك ابن عمك، فقال معاوية: ما أنصف، إِنك تعلم أنه لم يبرز إِليه أحد إِلا قتله. فقال عمرو وما يحسن بك ترك مبارزته. فقال معاوية: طمعتَ في الأمر بعدي. ثم تقاتلوا ليلة الهرير، شبهت بليلة القادسية، وكانت ليلة الجمعة، واستمر القتال إِلى الصبح، وقد روى أن علياً كبر تلك الليلة أربعمائة تكبيرة، وكانت عادته أنه كلما قتل قتيلاً كبر، ودام القتال إِلى ضحى يوم الجمعة. وقاتل الأشتر قتالاً عظيماً، حتى انتهى إِلى معسكرهم، وأمده علي بالرجال، ولما رأى عمرو ذلك، قال لمعاوية: هلم نرفع المصاحف على الرماح، ونقول هذا كتاب الله بيننا وبينكم، ففعلوا ذلك، ولما رأى، أهل العراق ذلك قالوا لعلي: لا نجيب إِلى كتاب الله؟ فقال علي: امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، فإِن عمراً ومعاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهم منكم، ويحكم، والله ما رفعوها إِلا خديعة ومكيدة. فقالوا: لا تمنعنا أن ندعي إِلى كتاب الله، فنأبى. فقال علي: إِني إِنما

стр. 165

قاتلتهم ليدينوا بحكم كتاب الله، فإِنهم قد عصوا الله فيما أمرهم. فقال له مسعود بن فدك التميمي، وزيد بن حصين الطائي في عصابة من الذين صاروا خوارج: يا علي أجب إِلى كتاب الله إِذا دعيتُ إِليه، وإلا دفعناك برمتك إِلى القرم، نفعل بك ما فعلنا بابن عفان. فقال علي: إِن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم. قالوا فابعث إِلى الأشتر فليأتك، فبعث إِليه يدعوه، فقال الأشتر: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، فرجع الرسول وأخبره بالخبر، وارتفعت الأصوات وكثر الرهج من جهة الأشتر، فقالوا لعلي: ما نراك أمرته إِلا بالقتال؟ فقال: هل رأيتموني ساررت الرسول إِليه، أليس كلمته وأنتم تسمعون؟ فقالوا: فابعث إِليه ليأتك وإلا اعتزلناك فرجع الرسول إِلى الأشتر وأعلمه. فقال: قد علمت والله أن رفع المصاحف يوقع اختلافاً، وإنها مشورة ابن العاهر فرجع الأشتر إِلى علي وقال: خدعتم فانخدعتم، وكان غالب تلك العصابة الذين نهوا عن القتال قراء، ولما كفوا عن القتال سألوا معاوية: لأي شيء رفعت المصاحف؟ فقال: تنصبوا حكماً منكم وحكماً منا، ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فوقعت الإجابة من الفريقين إِلى ذلك. فقال الأشعث بن قيس وهو من أكبر الخوارج: إِنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري. فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن. لا أرى أن أولي أبا موسى. فقالوا: لا نرضى إِلا به. فقال علي: إِنه ليس بثقة؛ قد فارقني وخذل عني الناس، ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر، ولكن ابن عباس أولى منه. فقالوا: ابن عباس ابن عمك، ولا نريد إِلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء. قال علي: فالأشتر. فأبوا وقالوا: هل أسعرها إِلا الأشتر. فاضطر علي إِلى إِجابتهم، وأخرج أبا موسى، وأخرج معاوية عمرو بن العاص بن وائل، واجتمع الحكمان عند علي ﵁، وكتب بحضوره كتاب القصة وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى أمير المؤمنين علي. فقال عمرو: هو أميركم، وأما أميرنا فلا. فقال الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين. فقال الأشعث بن قيس امح هذا الاسم فأجاب علي ومحاه. وقال علي: الله أكبر سنة بسنة، والله إِني لكاتب رسول الله يوم الحديبية، فكتبت محمد رسول الله، فقالوا لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحو، فقلت: لا أستطيع، فقال: فأرني، فأريته فمحاه بيده، فقال لي: " إِنك ستدعى إِلى مثلها فتجيب ". فقال عمرو: سبحان الله تشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون. فقال علي ﵁: يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين، ولياً وللمؤمنين عدواً. فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم. فقال علي: إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك، ومن أشباهك. وكتب الكتاب؛ فمنه: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، نحيي ما أحيى، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري عبد الله

стр. 166

قيس وعمرو بن العاص - عملاً به، وما لم يجدا في كتاب الله فبألسنة العادلة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق، أنهما أمينان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وأجلا القضاء إلى رمضان، من هذه السنة، وإن أحبا أن يؤخّرا ذلك أخراه. وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين، بدومة الجندل، في رمضان، فإِن لم يجتمعا لذلك، اجتمعا في العام المقبل بإِذرح. ثم سار علي إلى العراق، وقدم إِلى الكوفة ولم تدخل الخوارج معه إِلى الكوفة؛ واعتزلوا عنه، ثم في هذه السنة، بعث علي للميعاد أربعمائة رجل، فيهم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس ليصلي بهم، ولم يحضر علي. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل، ثم جاء معاوية، واجتمعوا بإِذرح وشهد معهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة. والتقى الحكمان؛ فدعى عمرو أبا موسى إِلى أن تجعل الأمر إِلى معاوية، فأبى وقال: لم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين، ودعى أبو موسى عمر، إِلى أن يجعل الأمر إِلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأبى عمرو، ثم قال عمرو: ما ترى أنت؟ فقال أرى أن نخلع علياً ومعاوية؛ ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فأظهر لهم عمرو أن هذا هو الرأي؛ ووافقه عليه. ثم أقبلا إِلى الناس وقد اجتمعوا، فقال أبو موسى: إِن رأينا قد اتفق على أمر نرجو به صلاح هذه الأمة. فقال عمرو: تقدّم فتكلم يا أبا موسى. فلما تقدّم لحقه عبد الله بن عباس وقال: ويحك والله إِني أظن أنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك. فإِني لا آمن أن يخالفك. فقال أبو موسى: إِنا قد اتفقنا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إِنا لم نر أصلح لأمر هذه الأمة من أمر قد اجتمع عليه رأيي ورأي عمرو، وهو أن نخلع علياً ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيولوا منهم من أحبوا وإِني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً. ثم تنحى وأقبل عمرو فقام مقامه: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي فإنه ولي عثمان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: ما لك لا وفقك الله غدرت وفجرت. وركب أبو موسى ولحق بمكة حياء من الناس، وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ومن ذلك الوقت أخذ أمر علي في الضعف، وأمر معاوية في القوة. ولما اعتزلت الخوارج علياً دعاهم إِلى الحق؛ فامتنعوا وقتلوا كل من أرسله إِليهم، فسار إليهم وكانوا أربعة آلاف، ووعظهم ونهاهم عن القتل، فتفرقت منهم جماعة، وبقي مع عبد الله بن وهب جماعة على ضلالتهم، وقاتلوا فقتلوا عن آخرهم، ولم يقتل من أصحاب علي سوى سبعة أنفس، أولهم يزيد بن نويرة، وهو ممن شهد مع رسول الله ﷺ غزوة أُحد. ولما رجع علي

стр. 167

إِلى الكوفة، حض الناس على المسير إِلى قتال معاوية، فتقاعدوا وقالوا: نستريح ونصلح عدتنا، فاحتاج لذلك علي أن يدخل الكوفة. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين فيها جهز معاوية عمرو بن العاص بعسكر إِلى مصر، وكتب محمد بن أبي بكر يستنجد علياً، فأرسل إليه الأشتر فلما وصل الأشتر إِلى القلزم، سقاه رجل عسلاً مسموماً فمات منه، فقال معاوية: إِن لله جنداً من عسل، وسار عمرو حتى وصل إِلى مصر، وقاتله أصحاب محمد بن أبي بكر، فهزمهم عمرو، وتفرق عن محمد أصحابه، وأقبل محمد يمشي حتى انتهى إِلى خربة فقبض عليه وأتوا به إِلى معاوية بن خديح فقتله، وألقاه في جيفة حمار وأحرقه بالنار، ودخل عمرو مصر وبايع أهلها لمعاوية. ولما بلغ عائشة قتل أخيها محمد جزعت عليه وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو بن العاص، وضمت عيال أخيها محمد إِليها، ولما بلغ علياً مقتله جزع عليه وقال: عند الله نحتسبه، وكان ذلك في هذه السنة أعني سنة ثمان وثلاثين ثم بث معاوية سراياه بالغارات على أعمال علي، فبعث النعمان بن بشير الأنصاري إِلى عين التمر، فنهب وهزم كل من كان بها من أصحاب علي، وبعث سفيان بن عوف إِلى هيت والأنبار والمدائن، فنهب وحمل كل ما كان بالأنبار من الأموال، ورجع بها إِلى معاوية، وسير عبد الله بن مسعدة الفزاري إِلى الحجاز، فجهز إِليه علي خيلا، فالتقوا بتيماء؛ وانهزم أصحاب معاوية ولحقوا بالشام، وتتابعت الغارات على بلاد علي ﵁ ، وهو في ذلك يخطب الناس الخطب البليغة، ويجتهد بحضّهم على الخروج إِلى قتال معاوية، فيتقاعد عنه عسكره. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين والأمر على ذلك، وفيها سير عبد الله بن عباس، وكان عامل البصرة، زياداً إِلى فارس، وكانت قد اضطربت لما حصل من قتال علي ومعاوية، فوصل إِليها زياد وضبطها أحسن ضبط حتى قالت الفرس: ما رأينا مثل سياسة أنوشروان إِلا سياسة هذا العربي. ثم دخلت سنة أربعين وعلي بالعراق ومعاوية بالشام، وله معها مصر، وكان علي يقنت في الصلاة ويدعو على معاوية، وعلى عمرو بن العاص، وعلى الضحاك، وعلى الوليد بن عقبة، وعلى الأعور السلمي. ومعاوية يقنت في الصلاة ويدعو على علي، وعلى الحسن وعلى الحسين، وعلى عبد الله بن جعفر. وفي هذه السنة سير معاوية بشر بن أرطأة في عسكر إلى الحجاز، فأتى المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عاملا لعلي، فهرب ولحق بعلي، ودخل بشر المدينة وسفك فيها الدماء واستكره الناس على البيعة لمعاوية، ثم سار إِلى اليمن وقتل ألوفاً من الناس، فهرب منه عبيد الله بن العباس، عامل علي باليمن، فوجد لعبيد الله ابنين صبيين فذبحهما، وأتى في ذلك بعظيمة فقالت أمهما - وهي عائشة بنت عبد الله ابن عبد المدان - تبكيهما: ها من أحسّ بابني اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف ها من أحس بابني اللذين هما ... قلبي وسمعي فقبلي اليوم مختطف

стр. 168

من ذل والهة حيرى مدلهة ... على صبيين ذلا إِذ غدا السلف خبرت بشراً وما صدقت ما زعموا ... من إِفكهم ومن القول الذي اقترفوا أنحا على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف مقتل علي بن أبي طالب ﵁ قيل اجتمع ثلاثة من الخوارج منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وعمرو بن بكر التميمي، والبرُك بن عبد الله التميمي، ويقال إِن اسمه الحجاج، فذكروا أخوانهم من المارقة المقتولين بالنهروان، فقالوا: لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا منهم البلاد، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علياً، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا أن لا يفر أحد منهم عن صاحبه الذي توجه إِليه واستصحبوا سيوفاً مسمومة، وتواعدوا لسبع عشرة ليلة تمضي من رمضان، من هذه السنة، أعني سنة أربعين، أن يثب كل واحد منهم بصاحبه. واتفق مع عبد الرحمن بن ملجم رجلان، أحدهما يقال له وردان من تيم الرباب، والآخر شبيب من أشجع، ووثبوا على علي وقد خرج إِلى صلاة الغداة، فضربه شبيب فوقع سيفه في الطاق، وهرب شبيب فنجا في غمار الناس، وضربه ابن ملجم في جبهته، وأما وردان فهرب. وأمسك ابن ملجم وأحضر مكتوفاً بين يدي علي، ودعا علي الحسن والحسين وقال: أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما منها، ثم لم ينطق إِلا بلا إِله إِلا الله، حتى قبض ﵁. وأما البرك فوثب على معاوية في تلك الليلة، وضربه بالسيف فوقع في إلية معاوية، وأمسك البرك فقال له: إني أبشرك فلا تقتلني، فقال بماذا؟ قال إن رفيقي قتل علياً هذه الليلة، فقال معاوية: لعله لم يقدر، فقال إلى، إن علياً ليس معه من يحرسه، فقتله معاوية. وأما عمرو بن بكر، فإِنه جلس تلك الليلة لعمرو بن العاص، فلم يخرج عمرو إِلى الصلاة، وكان قد أمر خارجة بن أبي حبيبة، صاحب شرطته، أن يصلي بالناس، فخرج خارجة ليصلي بالناس، فشد عليه عمرو بن بكر، وهو يظن أنه عمرو ابن العاص فقتله، فأخذه الناس وأتوا به عمراً، فقال: من هذا؟ قالوا عمرو. فقال: أنا مَن قتلت؟ قالوا: خارجة. فقال عمرو: أردت عمراً وأراد الله خارجة. ولما مات علي أخُرج عبد الرحمن بن ملجم من الحبس، فقطع عبد الله بن جعفر يده، ثم رجله، وكحلت عيناه بمسمار محمى، وقطع لسانه، وأحرق، لعنه الله. ولبعض الخوارج، وهو عمران بن حطان لعنه الله، يرثي ابن ملجم المذكور لعنه الله: لله در المرادي الذي فتكت ... كفاه مهجة شر الخلق إِنسانا يا ضربة من ولي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إِني لأذكره يوماً فأحسبه ... أو فالخليقة عند الله ميزانا واختلف في عمر علي ﵁، فقيل كان ثلاثاً وستين سنة، وقيل خمساً وستين، وقيل

стр. 169

تسعاً وخمسين، وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وكان قتله ما ذكرنا صبيحة يوم الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة أربعين، واختلف في موضع قبره، فقيل دفن مما يلي قبلة المسجد بالكوفة، وقيل عند قصر الإِمارة، وقيل حوله ابنه الحسن إِلى المدينة، ودفنه بالبقيع عند قبر زوجته فاطمة ﵄، والأصح وهو الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره، أن قبره هو المشهور بالنجف، وهو الذي يزار اليوم. صفته ﵁ كان شديد الأدمة، عظيم العينين، أصلع، عظيم اللحية، كثير شعر الصدر، مائلاً إِلى القصر، حسن الوجه، لا يغير شيبه، كثير التبسم. وكان حاجبه قنبر مولاه وصاحب شرطته نعثل بن قيس الرباحي، وكان قاضيه شريح، وكان قد ولاه عمر قضاء الكوفة، ولم يزل قاضياً بها إِلى أيام الحجاج بن يوسف، وأول زوجة تزوج بها علي ﵁، فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ولم يتزوج غيرها في حياتها، وولد له منها الحسن والحسين ومحسن، ومات صغيراً، وزينب وأم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب، ثم بعد موت فاطمة تزوج أم البنين بنت حزام الكلابية، فولد له منها العباس وجعفر وعبد الله وعثمان، قتل هؤلاء الأربعة مع أخيهم الحسين، ولم يعقب منهم غير العباس، وتزوج ليلى بنت مسعود ابن خالد النهشلي التميمي، وولد له منها عبيد الله، وأبو بكر قتلا مع الحسين أيضاً، وتزوج أسماء بنت عميس، وولد له منها محمد الأصغر ويحيى، ولا عقب لهما، وولد له من الصهباء بنت ربيعة التغلبية وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد ابن الوليد بعين التمر عمر ورقية، وعاش عمر المذكور حتى بلغ من العمر خمساً وثمانين سنة، وجاز نصف ميراث أبيه علي؛ ومات بينبع وله عقب، وتزوج علي أيضاً أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وولد له منها محمد الأوسط، ولا عقب له، وولد له من خولة بنت جعفر الحنفية محمد الأكبر المعروف بابن الحنفية، وله عقب، وكان له بنات من أمهات شتى، منهن: أم حسن ورملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة، ومن بناته أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة، فجمع بنيه الذكور أربعة عشر، لم يعقب منهم إِلا خمسة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس وعمر. شيء من فضائله من ذلك مشاهده المشهورة بين يدي رسول الله ﷺ ، وأخوة رسول الله ﷺ ، وسبق إِسلامه، وقول رسول الله ﷺ : " من كنت مولاه فعلي مولاه "، وقول رسول الله ﷺ فيه في غزوة حنين: لأبعثن الراية غداً

стр. 170

مع رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وقوله ﷺ له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " وقال ﵇ " أقضاكم علي " والقضاء يستدعي معرفة أبواب الفقه كلها، بخلاف قوله: " أفرضكم زيد "، وأقرأكم أبي، ولم يبن علي بناء أصلاً، وكان قد ضاع لعلي درع فوجده مع نصراني، فأقبل به إِلى شريح القاضي وجلس إِلى جانبه وقال: لو كان خصمي مسلماً لساويته، وقال: هذه درعي، فقال النصراني ما هي إلا درعي فقال شريح لعلي: ألك بينة؟ فقال علي لا، وهو يضحك. فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيراً ثم عاد وقال: أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إِلى صفين، ففرح علي بإسلامه ووهبه الدرع وفرساً. وشهد مع علي قتال الخوارج، فقتل رحمه الله تعالى. وحمل علي في ملحفته تمراً اشتراه بدرهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك، فقال: أبو العيال أحق بحمله. وكان يقسم ما في بيت المال كل جمعة، حتى لا يترك فيه شيئاً، ودخل مرة إلى بيت المال فوجد الذهب والفضة، فقال: يا صفراء اصفري ويا بيضاء ابيضي وأغري غيري، لا حاجة لي فيك. وقصده أخوه لأبيه وأمه عقيل بن أبي طالب يسترفده، فلم يجد عنده ما يطلب، ففارقه ولحق بمعاوية حباً للدنيا، وكان مع معاوية يوم صفين، فقال له معاوية يمازحه: يا أبا يزيد أنت اليوم معنا. فقال عقيل: ويوم بدر كنت أيضاً معكم، وكان عقيل يوم بدر مع المشركين هو وعمه العباس. أخبار الحسن ابنه ولما توفي علي ﵁ بايع الناس ابنه الحسن، وكان عبد الله بن العباس قد فارق علياً قبل مقتله، وأخذ من البصرة مالاً وذهب إِلى مكة، وجرت بينه وبين علي مكاتبات في ذلك، ولما تولى الحسن الخلافة، كتب إليه ابن عباس يقوي عزيمته على جهاد عدوه، وكان أول من بايع الحسن، قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري، فقال: أبسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المخالفين، فقال الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله، فإنهما ثابتان، وبايعه الناس، وكان الحسن يشترط أنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، فارتابوا من ذلك وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد إِلا القتال. ثم دخلت سنة إِحدى وأربعين. تسليم الحسن الأمر إِلى معاوية قيل: كان علي قبيل موته، قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت، وأخذ في التجهز إِلى قتال معاوية، فاتفق مقتله، ولما بويع الحسن، بلغه مسير أهل الشام إِلى قتاله مع معاوية، فتجهز الحسن في ذلك الجيش، الذين كانوا قد بايعوا أباه، وسار عن الكوفة إِلى لقاء معاوية، ووصل إِلى المدائن، وجعل الحسن على مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفاً، وقيل بل الذي جعله على مقدمته عبيد الله ابن عباس، وجرى في عسكره فتنة، قيل حتى نازعوا الحسن بساطاً كان تحته، فدخل المقصورة البيضاء بالمدائن، وازداد لذلك العسكر بغضاً ومنهم ذعراً. ولما رأى الحسن ذلك، كتب إِلى معاوية، واشترط

стр. 171

عليه شروطاً وقال إِن أجبت إليها فأنا سامع مطيع، فأجاب معاوية إِليها، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، وخراج دارا بجرد من فارس، وأن لا يسب علياً، فلم يجبه إلى الكف عن سبّ علي، فطلب الحسن أن لا يشتم علياً، وهو يسمع، فأجابه إِلى ذلكَ، ثم لم يف له به، وقيل إِنه وصله بأربعمائة ألف درهم، ولم يصل إِليه شيء من خراج دارا بجرد، ودخل معاوية الكوفة، فبايعه الناس، وكتب الحسن إِلى قيس بن سعد، يأمره بالدخول في طاعة معاوية، ثم جرت بين قيس وعبيد الله بن عباس، وبين معاوية، مراسلات، وآخر الأمر أنهما بايعا ومن معهما، وشرطا أن لا يطالبا بمال ولا دم، ووفى لهما معاوية بذلك، ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته، وقيل كان تسليم حسن الأمر إِلى معاوية في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقيل في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى، وعلى هذا فتكون خلافته على القول الأول، خمسة أشهر ونحو نصف شهر، وعلى الثاني ستة أشهر وكسراً، وعلى الثالث سبعة أشهر وكسراً. روى سفينة أن النبي ﷺ قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يعود ملكاً عضوضاً ". وكان آخر الثلاثين يوم خلع الحسن نفسه من الخلافة، وأقام الحسن بالمدينة إِلى أن توفي بها في ربيع الأول، سنة تسع وأربعين، وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة، وهو أكبر من الحسين بسنة، وتزوج الحسن كثيراً من النساء، وكان مطلاقاً، وكان له خمسة عشر ولداً ذكراً، وثماني بنات، وكان يشبه جده رسول الله ﷺ من رأسه إلى سرته، وكان الحسين يشبه جده رسول الله ﷺ من سرته إِلى قدمه. وتوفي الحسن من سم سقته زوجته جعدة بنت الأشعث، قيل فعلت ذلك بأمر معاوية، وقيل بأمر يزيد بن معاوية، ووعدها أنه يتزوجها إِن فعلت ذلك، فسقته السم وطالبت يزيد أن يتزوجها فأبى. وكان الحسن قد أوصى أن يدفن عند جده رسول الله ﷺ ، فلما توفي أرادوا ذلك، وكان على المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية، فمنع من ذلك، وكاد يقع بين بني أمية وبين بني هاشم بسبب ذلك فتنة، فقالت عائشة ﵂: البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه، فدفن بالبقيع، ولما بلغ معاوية موت الحسن خر ساجداً. فقال بعض الشعراء: أصبح اليوم ابن هند شامتاً ... ظاهر النخوة إِذ مات الحسن يا ابن هند إِن تذق كأس الردى ... تكُ في الدهر كشيء لم يكن لست بالباقي فلا تشمت به ... كل حي للمنايا مرتهن ومن فضائل الحسن في الصحيح قول النبي ﷺ : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما "، وروى أنه قال عن الحسن: " إِن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين "، وروي أنه مر بالحسن والحسين وهما يلعبان، فطأطأ لهما عنقه وحملهما، وقال: " نعم المطية مطيتهما، ونعم الراكبان هما ".

стр. 172

خلفاء بني أمية وهم أربعة عشر خليفة، أولهم معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم مروان الجعدي وكان مدة ملكهم نيفاً وتسعين سنة، وهي ألف شهر تقريباً، قال القاضي جمال الدين ابن واصل ﵀: إِن ابن الأثير قال في تاريخه، إِنه لما سار الحسن من الكوفة، عرض له رجل فقال: يا مسِّود وجوه المؤمنين. فقال لا تعذلني فإِن رسول الله ﷺ أُري في منامه، أن بني أمية ينزّون على منبره رجلاَ فرجلا، فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى " إِنا أعطيناك الكوثر " " الكوثر: ١ " " وإنا أنزلناه في ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر " " القدر: ١ " يملكها بعد بنو أمية. أخبار معاوية بن أبي سفيان ابن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه هند بنت عتبة، ويكنى أبا عبد الرحمن، وبويع بالخلافة يوم اجتماع الحكمين، وقيل ببيت المقدس بعد قتل علي، وبويع البيعة التامة لما خلع الحسن نفسه، وسلم الأمر إِليه، واستمر معاوية في الخلافة. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسنة ثلاث وأربعين، فيها توفي عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، وعمرو المذكور، هو أحد الثلاثة الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ ، وهم عمرو بن العاص، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن الزبعري، وكان يجيبهم عن رسول الله ﷺ ثلاثة أيضاً، وهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكانت مصر طمعة لعمرو من معاوية، بعد رزق جندها، حسب ما كان شرطه له لمعاوية، عند اتفاقه معه على حرب علي بن أبي طالب، ﵁، وفي ذلك يقول عمرو: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا فانظرن كيف تصنعُ فإِن تعطني مصرا ربحت بصفقة ... أخذت بها شيخاً يضر وينفع ولما مات عمرو ولى معاوية مصر ابنه عبد الله بن عمرو، ثم عزله عنها، ثم دخلت سنة أربع وأربعين. استلحاق معاوية زياداً وفي هذه السنة، استلحق معاوية زياد بن سمية، وكانت سمية جارية للحارث بن كلدة الثقفي، فزوجها بعبد له رومي، يقال له عبيد، فولدت سمية زياداً على فراشه، فهو ولد عبيد شرعاً. وكان أبو سفيان قد سار في الجاهلية إلى الطائِف، فنزل على إِنسان يبيع الخمر، يقال له أبو مريم، أسلم بعد ذلك، وكانت له صحبة فقال له أبو سفيان: قد اشتهيت النساء، فمال أبو مريم: هل لك في سمية؟ فقال أبو سفيان: هاتها على طول ثدييها، وذفرة بطنها. فأتاه بها، فوقع عليها، فيقال إِنها علقت منه بزياد ثم وضعته في السنة التي هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه

стр. 173

وسلم. ونشأ زياد فصيحاً، وحضر زياد يوماً بمحضر من جماعة من الصحابة، في خلافة عمر، فقال عمرو بن العاص، لو كان أبو هذا الغلام من قريش، لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان لعلي بن أبي طالب: إِني لأعرف من وضعه في رحم أمه. فقال علي فما يمنعك من استلحاقه؟ قال: أخاف الأصلع، يعني عمر، أن يقطع إِهابي بالدرة. ثم لما كان قضية شهادة الشهود على المغيرة بالزنا، وجلدهم، ومنهم أبو بكرة أخو زياد لأمه، وامتناع زياد عن التصريح كما ذكرنا، اتخذ المغيرة بذلك لزياد يداً، ثم لما ولي علي بن أبي طالب ﵁ الخلافة، استعمل زياداً على فارس، فقام بولايتها أحسن قيام، ولما سلم الحسن الأمر إلى معاوية، امتنع زياد بفارس، ولم يدخل في طاعة معاوية، وأهمل معاوية أمره، وخاف أن يدعو إِلى أحد من بني هاشم، ويعيد الحرب، وكان معاوية قد ولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فقدم المغيرة على معاوية، سنة اثنتين وأربعين، فشكا إِليه معاوية امتناع زياد بفارس، فقال المغيرة: أتأذن لي في المسير إِليه: فأذن له. وكتب معاوية لزياد أماناً، فتوجّه المغيرة إِليه، لما بينهما من المودة، وما زال عليه حتى أحضره إِلى معاوية، وبايعه، وكان المغيرة يكرم زياداً ويعظمه، من حين كان منه في شهادة الزنا ما كان. فلما كانت هذه السنة، أعني سنة أربع وأربعين، استلحق معاوية زياداً، فأحضر الناس، وحضر من يشهد لزياد بالنسب، وكان ممن حضر لذلك، أبو مريم الخمار، الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان بالطائف، فشهد بنسب زياد من أبي سفيان، قال: إني رأيت اسكتي سمية، يقطران من مني أبي سفيان، فقال زياد: رويدك، طلبت شاهداً ولم تطلب شتاماً، فاستلحقه معاوية، وهذه أول واقعة خولفت فيها الشريعة علانية، لصريح قول النبي ﷺ ، " الولد للفراش، وللعاهر الحجر "، وأعظمَ الناس ذلك وأنكروه، خصوصاً بنو أمية، لكون زياد بن عبيد الرومي، صار من بني أمية بن عبد شمس، وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان في ذلك: ألا أبلغ معاوية بن صخر ... لقد ضاقت بما تأتي اليدان أتغضبُ أن يقال أبو عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني وأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان ثم ولى معاوية زياداً البصرة، وأضاف إِليه خراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعُمان. وفيها أعني سنة أربع وأربعين، توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ . ثم دخلت سنة خمس وأربعين، فيها قدم زياد إِلى البصرة، فشدد أمر السلطنة، وأكد الملك لمعاوية؛ وجرد السيف، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، فخاف الناس خوفاً شديداً، وذكر أنه لم يخطب أحد بعد علي بن أبي طالب ﵁ مثل زياد. ولما مات المغيرة سنة خمسين وكان عاملا لمعاوية على الكوفة، ولى معاوية الكوفة أيضاً زياداً، فسار زياد إِليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، فحذا حذو زياد في سفك الدماء، وكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر، وفي البصرة مثلها، وهو أول من سير بين يديه بالحراب

стр. 174

والعمد، واتخذ الحرس خمس مائة لا يفارقون مكانه. وكان معاوية وعماله يدعون لعثمان في الخطبة يوم الجمعة، ويسبون علياً، ويقعون فيه، ولما كان المغيرة متولي الكوفة، كان يفعل ذلك طاعة لمعاوية، فكان يقوم حجر وجماعة معه، فيردون عليه سبّه لعليٍ ﵁، وكان المغيرة يتجاوز عنهم، فلما ولي زياد، دعا لعثمان وسب علياً، وما كانوا يذكرون علياً باسمه، وإنما كانوا يسمونه بأبي تراب، وكانت هذه الكنية أحب الكنى إِلى علي، لأن رسول الله ﷺ ، كناه بها، فقام حجر وقال: كما كان يقول من الثناء على علي، فغضب زياد وأمسكه، وأوثقه بالحديد، وثلاثة عشر نفراً معه، وأرسلهم إِلى معاوية، فشفع في ستة منهم عشائِرهم، وبقي ثمانية، منهم: حجر، فأرسل معاوية من قتلهم بعذرا، وهي قرية بظاهر دمشق، ﵃، وكان حجر من عظم الناس ديناً وصلاة، وأرسلت عائشة تتشفع في حجر، فلم يصل رسولها إِلا بعد قتله. قال القاضي جمال الدين بن واصل، وروى ابن الجوزي بإِسناده عن الحسن البصري أنه قال: أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه إِلا واحدة لكانت موبقة، وهي أخذه الخلافة بالسيف من غير مشاورة، وفي الناس بقايا الصحابة، وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه يزيد، وكان سكيراً خميراً يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله ﷺ الولد للفراش، والعاهر للحجر، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر. وروي عن الشافعي رحمة الله عليه، أنه أسرّ إِلى الربيع، أنّه لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة، وهم معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد. وفيها أعني سنة خمسٍ وأربعين، توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان أهل الشام قد مالوا إليه جداً، فدس إليه معاوية سماً مع نصراني يقال له أثال، فاغتاله به. ثم دخلت سنة ست وأربعين وسنة سبع وأربعين فيها توفي قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر، وإليه ينسب، فيقال المنقري، وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في وفد بني تميم فأسلم، وكان قيس المذكور موصوفاً بمكارم الأخلاق. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين غزوة القسطنطينية في هذه السنة، أعني سنة ثمان وأربعين، صبر معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان ابن عوف، إلى القسطنطينية، فأوغلوا في بلاد الروم، وحاصروا القسطنطينية، وكان في ذلك الجيش ابن عباس، وعمرو بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري. وتوفي في مدة الحصار أبو أيوب الأنصاري، ودفن بالقرب من سورها، وشهد أبو أيوب مع النبي ﷺ بدراً وأحداً، وشهد مع علي صفين، وغيرها من حروبه. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسنة خمسين، فيها بنيت القيروان، وكمل بناؤها في سنة خمس وخمسين، وكان من حديثها أنَّ معاوية ولى عقبة بن نافع إفريقية وكان عقبة المذكور صحابياً من الصالحين، فوضع السيف في هل إِفريقية، لأنهم

стр. 175

كانوا يرتدون إِذا فارقهم العسكر، وكان مقام الولاة بزويلة وبرقة، فرأى عقبة أن يتخذ مدينة بتلك البلاد، تكون مقراً للعسكر، واختار موضع القيروان، وكان دخلة مشتبكة فقطع أشجارها وبناها مدينة، وهي مدينة القيروان. وفيها أعني في سنة خمسين، توفي دحية الكلبي، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة، منسوب إِلى كلب بن وبرة، أسلم قديماً، ولم يشهد بدراً، قال النبي ﷺ : " أشبه من رأيت بجبريل، دحية الكلبي ". ثم دخلت سنة إِحدى وخمسين، فيها توفي سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود له بالجنة، ﵃. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسنة ثلاث وخمسين. فيها هلك زياد ابن أبيه، في رمضان، من أكلةِ في إِصبعه وكان مولده عام الهجرة. ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسنة خمس وخمسين وسنة ست وخمسين وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان، خراسان، فقطع نهر جيحون إلى سمرقند، والصغدِ، وهزم الكفار، وسار إلى ترمذ ففتحها صلحاً. وممن قتل معه في هذه الغزوة قثم بن العباس، ودفن بسمرقند، ومات أخوه عبد الله بن العباس بالطائف، والفضل بالشام، ومعبد بإِفريقية، فيقال: لم ير قبور أخوة أبعد من قبور هؤلاء الأخوة بني العباس. وفي هذه السنة بايع معاوية الناس لابنه يزيد بولاية العهد بعده، وبايعه أهل الشام والعراق، وكان المتولي على المدينة من جهة معاوية، مروان بن الحكم، فأراد البيعة له، فامتنع من ذلك الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وامتنع الناس لامتناعهم، وآخر الأمر أن معاوية قدم بنفسه إِلى الحجاز، ومعه ألف فارس، وتحدث مع عائشة في أمرهم، وآخر الأمر، أنه بايع ليزيد أهل الحجاز، وتأخر المذكورون عن البيعة. ويروى أنّ معاوية قال لابنه يزيد: إِني مهدت لك الأمور، ولم يبق أحد لم يبايعك غير هؤلاء الأربعة، فأمّا عبد الرحمن، فرجل كبير، تهابه اليوم وغداً، وأما ابن عمر، فرجل قد غلب عليه الورع، وأمّا الحسين فله قرابة، فإِن ظفرت به، فاصفح عنه، وأما ابن الزبير، فإِن ظفرت به، فقطعه إرْباً إِرْباً. ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسنة ثمان وخمسين فيها توفيت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوج النبي ﷺ ، ﵂. وفيها، توفي أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر. ثم دخلت سنة تسع وخمسين، فيها توفي سعيد بن العاص بن أمية، ولد عام الهجرة، وقتل أبوه العاص يوم بدر كافراً، وكان سعيد من أجواد بني أمية. وفي هذه السنة أعني سنة تسع وخمسين مات الحطيئة، واسمه جرول بن مالك، لقب الحطيئة لقصره، أسلم ثم ارتد، ثم أسلم، وقال عند موت النبي ﷺ وارتداد العرب: أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر أيورثها بكراً إِذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

стр. 176

وفيها توفي أبو هريرة، واختلف في اسمه ونسبه، وهو ممن لازم خدمة رسول الله ﷺ ، وروى عنه الكثير، فاتهمه بعض الناس لكثرة ما رواه من الأحاديث، والأكثر يصححون روايته ولا يشكون فيها. ثم دخلت سنة ستين وفاة معاوية وفيها في رجب توفي معاوية بن أبي سفيان، وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوماً، منذ اجتمع له الأمر، وبايعه الحسن بن علي، وكان عمره خمساً وسبعين، وقيل سبعين، وقيل غير ذلك، وأنشد معاوية وقد تجلد للعائدين: وتجلدي للشامتين أريهُم ... أني لريبِ الدهرِ لا تضَعْضَع وإذا المنيّةُ أنضبتْ أظفارها ... ألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفعُ ولما توفي معاوية، خرج الضحاك بن قيس حتى أتى المنبر، فصعده ومعه أكفان معاوية فأثنى على معاوية، وأعلم الناس بموته، وأنّ هذه أكفانه، ثم صلى عليه الضحاك، وكان يزيد غائباً بقرية حوارين من عمل حمص، فكتبوا إِليه وطلبوه، فحضر بعد دفن أبيه فصلى على قبره. أخبار معاوية أسلم معاوية مع أبيه عام الفتح، واستكتبه النبي ﷺ ، واستعمله عمر على الشام أربع سنين من خلافته، وأقره عثمان مدة خلافته، نحو اثنتي عشرة سنة، وتغلب على الشام محارباً لعلي أربع سنين، فكان أميراً وملكاً على الشام نحو أربعين سنة، وكان حليماً حازماً داهية، عالماً بسياسة الملك، وكان حلمه قاهراً لغضبه، وجوده غالباً على منعه، يصل ولا يقطع. ومما يحكى عن حلمه من تاريخ القاضي جمال الدين بن واصل، أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فقال لها معاوية: مرحباً بك يا خالة، كيف أنت؟ فقالت بخير يا ابن أختي، لقد كفرت النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، وكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء، حتى قبض الله نبيه، مشكوراً سعيه، مرفوعاً منزلته، فوثبت علينا بعده تيم وعدي وأمية، فابتزونا حقنا، ووليتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبينا، بمنزلة هارون من موسى. فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك. فقالت: وأنت يا ابن النابغة، تتكلم وأمك كانت أشهر بغي بمكة، وأرخصهن أجرة، وادعاك خمسة من قريش، فسُئلتْ أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به، فالحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائِل، فألحقوك به. فقال لها معاوية: عفا الله عما سلف، هاتي حاجتك. فقالت: أريد ألفي دينار، لأشتري بها عيناً فوارة، في أرض خرارة، تكون الفقراء بني الحارث بن عبد المطلب: وألفي دينار أخرى، أزوّج بها فقراء بني الحارث،

стр. 177

وألفي دينار أخرى، أستعين بها على شدة الزمان، فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار، فقبضتها وانصرفت. ومعاوية أول خليفة بايع لولده، وأول من وضع البريد، وأول من عمل المقصورة في مسجد، وأول من خطب جالساً، في قول بعضهم، وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ممن يرى سماع الأوتار والغناء، وهو رأى أهل المدينة، وكان معاوية ينكر ذلك عليه، فدخل ابن جعفر يوماً على معاوية ومعه بديح المغني، فقال ابن جعفر لبديح: غنِّ، فغنى بشعر كان يحبه معاوية وهو: يا لُبينى أوقدي النارا ... إِن من تهوين قد حارا رب نار بِتُ أرمقها ... تقضم الهندي والغارا ولها ظبي يؤججها ... عاقد في الخصر زنارا فطرب معاوية وتحرك، وضرب برجله الأرض، فقال له ابن جعفر: مَهْ يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: إِنّ الكريم لطروب، وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث كان رجلاً ظهرت علته، وكنت كتوماً لسري. وكان في أخبث جند، وأشده خلافاً وكنت في أطوع جند وأقله خلافاً. وخلا بأصحاب الجمل فقلت: إِن ظفر بهم أعددت ذلك عليه وَهْنا، وإن ظفروا به، كانوا أهوَنَ شوكهَ عليّ منه. أخبار يزيد ابنه وهو ثاني خلفائهم، وأم يزيد ميسون بنت بحدل الكليبة، بويع بالخلافة لما مات أبوه في رجب سنة ستين، ولما استقر يزيد في الخلافة، أرسل إِلى عامله بالمدينة بإِلزام الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر بالبيعة، فأما ابن عمر فقال: إِن أجمع الناس على بيعته بايعته، وأما الحسين وابن الزبير فلحقا بمكة، ولم يبايعا، وأرسل عامل المدينة جيشاً مع عمرو بن الزبير، أخي عبد الله بن الزبير، وكان شديد العداوة لأخيه عبد الله، لقتال أخيه عبد الله، فانتصر عبد الله بن الزبير، وهزم الجمع الذي مع أخيه، وأمسك أخاه عمراً وحبسه حتى مات في حبسه. مسير الحسين إِلى الكوفة وورد على الحسين مكاتبات أهل الكوفة، يحثونه على المسير إِليهم ليبايعوه، وكان العامل عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فأرسل الحسين إِلى الكوفة، ابن عمه مسلم بن عقيلٍ بن أبي طالب، ليأخذ البيعة عليهم، فوصل إِلى الكوفة، وبايعه بها قيل ثلاثون ألفاً، وقيل ثمانية وعشرون ألف نفس. وبلغ يزيد عن النعمان بن بشير ما لا يرضيه، فولى على الكوفة عبيد الله بن زياد، وكان والياً على البصرة، فقدم الكوفة، ورأى ما الناس عليه، فخطبهم وحثهم على طاعة يزيد بن معاوية، واستمر مسلم بن عقيل عند قدوم عبيد الله بن زياد على ما كان، ثم اجتمع إِلى مسلم بن عقيل من كان بايعه للحسين، وحصروا عبيد الله بن زياد بقصره، ولم يكن مع عبيد الله في القصر أكثر من ثلاثين رجلاً، ثم إِن عبيد الله أمر أصحابه أن يشرفوا من القصر، ويمنّوا أهل الطاعة، ويخذلوا أهل المعصية، حتى أن المرأة ليأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف

стр. 178

إِن الناس يكفونك، قتفرق الناس عن مسلم، ولم يبق مع مسلم غير ثلاثين رجلاً، فانهزم واستتر، ونادى منادي عبيد الله ابن زياد، من أتى بمسلم بن عقيل فله ديته، فأمسك مسلم وأُحضر إِليه، ولما حضر مسلم بين يدي عبيد الله، شتمه وشتم الحسين وعلياً، وضرب عنقه في تلك الساعة، ورميت جيفته من القصر، ثم أحضر هانئ بن عروة، وكان ممن أخذ البيعة للحسين، فضرب عنقه أيضاً، وبعث برأسيهما إِلى يزيد بن معاوية، وكان مقتل مسلم بن عقيل، لثمان مضين من ذي الحجة، سنة ستين. وأخذ الحسين وهو بمكة في التوجه إِلى العراق، وكان عبد الله بن عباس يكره ذهاب الحسين إلى العراق، خوفاً عليه، وقال للحسين: يا ابن العم، إِني أخاف عليك أهل العراق، فإِنهم قوم أهل غدر، وأقم بهذا البلد، فإِنك سيد أهل الحجاز، وإن أبيت إِلا أن تخرج، فسر إِلى اليمن، فإِن بها شيعة لأبيك، وبها حصون وشعاب. فقال الحسين: يا ابن العم، إِني أعلم والله أنك ناصح مشفق، ولقد أزمعت وأجمعت، ثم خرج ابن عباس من عنده، وخرج الحسين من مكة يوم التروية، سنة ستين، واجتمع عليه جمائع من العرب، ثم لما بلغه مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وتخاذل الناس عنه، وأعلم الحسين من معه بذلك وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف، فتفرق الناس عنه يميناً وشمالاً، ولما وصل الحسين إِلى مكان يقال له سراف، وصل إِليه الحر، صاحب شرطة عبد الله بن زياد في ألفي فارس، حتى وقفوا مقابل الحسين، في حرّ الظهيرة، فقال لهم الحسين: ما أتيت إلا يكتبكم، فإن رجعتم رجعت من هنا، فقال له صاحب شرطة ابن زياد: إِنا أُمرنا أن لا نفارقك. حتى نوصلك الكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: الموت أهون من ذلك، وما زالوا عليه حتى سار مع صاحب شرطة ابن زياد. ثم دخلت سنة إِحدى وستين. مقتل الحسين ولما سار الحسين مع الحر، ورد كتاب من عبيد الله بن زياد إِلى الحر، يأمره أن يُنزل الحسين ومن معه على غير ماء، فأنزلهم في الموضع المعروف بكربلاء، وذلك يوم الخميس، ثاني المحرم من هذه السنة، أعني سنة إِحدى وستين. ولما كان من الغد، قدم من الكوفة عمر بن سعد بن أبي وقاص بأربعة آلاف فارس، أرسله ابن زياد لحرب الحسين، فسأله الحسين في أن يُمكَّن إما من العود من حيثُ أتى، وإمّا أن يجهّز إِلى يزيد بن معاوية، وإما أن يُمكّن أن يلحق بالثغور. فكتب عمر إِلى ابن زياد يسأل أن يجاب الحسين إِلى أحد هذه الأمور، فاغتاط ابن زياد فقال: لا ولا كرامة، فأرسل مع شمّر بن ذي الجوشن، إِلى عمر بن سعد إما أن تقاتل الحسين وتقتله، وتطأ الخيل جثته، وإِمّا أن تعتزل، ويكون الأمير على الجيش شمر. فقال عمر بن سعد بل أقاتله، ونهض عشية الخميس، تاسع المحرم هذه السنة، والحسين جالس أمام بيته بعد صلاة العصر، فلما قرب الجيش منه، سألهم مع أخيه العباس، أن يمهلوه إلى الغد، وأنه

стр. 179

يجيبهم إِلى ما يختارونه فأجابوه إِلى ذلك. وقال الحسين لأصحابه، إِني قد أذنت لكم فانطلقوا في هذا الليل، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم. فقال أخوه العباس: لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك، لا أرنا الله ذلك أبداً، ثم تكلم أخوته وبنو أخيه وبنو عبد الله بن جعفر، بنحو ذلك، وكان الحسين وأصحابه يصلون الليل كله، ويدعون، فلما أصبحوا، ركب عمر بن سعد في أصحابه، وذلك يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وعبأ الحسين أصحابه وهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، ثم حملوا على الحسين وأصحابه، واستمر القتال إلى وقت الظهر من ذلك اليوم، فصلى الحسين وأصحابه صلاة الخوف، واشتد بالحسين العطش، قتقدم ليشرب، فرُمي بسهم فوقع في فمه، ونادى شمر: ويحكم ما تنتظرون بالرجل اقتلوه، فضربه زرعة بن شريك على كفه، وضربه آخر على عاتقه، وطعنه سنان ابن أنس النخعي بالرمح، فوقع فنزل إِليه فذبحه واحتز رأسه، وقيل إِن الذي نزل واحتز رأسه هو شمر المذكور، وجاء به إِلى عمر بن سعد، فأمر عمر بن سعد جماعة فوطئوا صدر الحسين، وظهره بخيولهم. ثم بعث بالرؤوس والنساء والأطفال إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ابن زياد يقرع فم الحسين بقضيب في يده، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب، فوالذي لا إِله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الشفتين، ثم بكى، وروي أنّه قتل مع الحسين من أولاد علي أربعة، هم العباس وجعفر ومحمد وأبو بكر، ومن أولاد الحسين أربعة، وقتل عدة من أولاد عبد الله بن جعفر، ومن أولاد عقيل. ثم بعث ابن زياد بالرؤوس وبالنساء وبالأطفال، إلى يزيد بن معاوية ، فوضع يزيد رأس الحسين بين يديه، واستحضر النساء والأطفال، ثم أمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم، وأن يبعث معهم أميناً يوصلهم إلى المدينة، فجهزهم إِلى المدينة، ولما وصلوا إليها لقيهم نساء بني هاشم حاسرات، وفيهن ابنة عقيل بن أبي طالب وهي تبكي وتقول. ماذا تقولونَ إِنْ قالَ النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وصرعى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي واختلف في موضع رأس الحسين، فقيل: جهز إِلى المدينة ودفن عند أمه، وقيل دفن عند باب الفراديس، وقيل: أن خلفاء مصر نقلوا من عسقلان رأساً إِلى القاهرة ودفنوه بها، وبنوا عليه مشهداً يعرف بمشهد الحسين، وقد اختلف في عمره، والصحيح أنه خمس وخمسون سنة وأشهر، وقيل حج الحسين خمساً وعشرين حجة وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. وأما عبد الله بن الزبير فإِنه استمر بمكة ممتنعاً عن الدخول في طاعة يزيد ابن معاوية. ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسنة ثلاث وستين، فيها اتفق أهل المدينة على خلع يزيد بن معاوية، وأخرجوا نائبه عثمان بن محمد بن أبي سفيان منها، فجهز يزيد

стр. 180

جيشاً مع مسلم بن عقبة، وأمره يزيد أن يقاتل أهل المدينة، فإِذا ظفر بهم، أباحها للجند ثلاثة أيام، يسفكون فيها الدماء، ويأخذون ما يجدون من الأموال، وأن يبايعهم على أنهم خوّل وعبيد ليزيد، وإذا فرغ من المدينة، يسير إِلى مكة. فسار مسلم المذكور في عشرة آلاف فارس من أهل الشام، حتى نزل على المدينة من جهة الحرة، وأصر أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم على قتاله وعملوا خندقاً واقتتلوا، فقتل الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، بعد أن قاتل قتالاً عظيماً، وكذلك قتل جماعة من الأشراف والأنصار، ودام قتالهم، ثم انهزم أهل المدينة، وأباح مسلم مدينة النبي ﷺ ثلاثة أيام، يقتلون فيها الناس ويأخذون ما بها من الأموال، ويفسقون بالنساء. وعن الزهري أنّ قتلى الحرة، كانوا سبعمائة من وجوه الناس، من قريش والمهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من وجوه الموالي، وممن لا يعرف، وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، ثم إِنّ مسلماً بايع من بقي من الناس على أنهم خوّل وعبيد ليزيد بن معاوية، ولما فرغ مسلم بن عقبة من المدينة سار بالجيش إلى مكة. ثم دخلت سنة أربع وستين حصار الكعبة ولما فرغ مسلم من المدينة وسار إِلى مكة كان مريضاً، فمات قبل أن يصل إِلى مكة، وأقام على الجيش مقامه الحصين بن نمير السكوني، وذلك في المحرم من هذه السنة، فقدم الحصين مكة وحاصر عبد الله بن الزبير أربعين يوماً، حتى جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، على ما سنذكره بعد رمي البيت الحرام بالمنجنيق، وإحراقه بالنار، ولما علم الحصين بموت يزيد، قال لعبد الله بن الزبير: من الرأي أن ندع دماء القتلى بيننا، وأقبل لأبايعك، وأقدم إِلى الشام، فامتنع عبد الله بن الزبير من ذلك، فارتحل الحصين راجعاً إلى الشام، ثم ندم ابن الزبير على عدم الموافقة، وسار مع الحصين من كان المدينة من بني أمية، وقدموا إِلى الشام. وفاة يزيد بن معاوية بحوارين من عمل حمص لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، من هذه السنة، أعني سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكان مدة خلافته ثلاث سنين وستة أشهر، وكان آدم جعداً أحور العينين، بوجهه آثار جدري، حسن اللحية خفيفها، طويلا، وخلف عدة بنين وبنات، وكانت أمه ميسون بنت بحدل الكلبية، أقام يزيد معها بين أهلها في البادية، وتعلم الفصاحة، ونظم الشعر هناك في بادية بني كلب، وكان سبب إِرساله مع أمه هناك، أن معاوية سمع ميسون بنت بحدل تنشد هذه الأبيات وهي: للبس عباءة وتقر عيني ... أحبُّ إِليَّ من لبسِ الشفوفِ وبيت تخفق الأرياح فيه ... أحب إِليّ من قصر منيف
следующие страницы →