← История

История · id 12715

المختصر في أخبار البشر

أبو الفداء

Полный текст (814 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفيها توفي أبو هريرة، واختلف في اسمه ونسبه، وهو ممن لازم خدمة رسول الله ﷺ ، وروى عنه الكثير، فاتهمه بعض الناس لكثرة ما رواه من الأحاديث، والأكثر يصححون روايته ولا يشكون فيها. ثم دخلت سنة ستين وفاة معاوية وفيها في رجب توفي معاوية بن أبي سفيان، وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوماً، منذ اجتمع له الأمر، وبايعه الحسن بن علي، وكان عمره خمساً وسبعين، وقيل سبعين، وقيل غير ذلك، وأنشد معاوية وقد تجلد للعائدين: وتجلدي للشامتين أريهُم ... أني لريبِ الدهرِ لا تضَعْضَع وإذا المنيّةُ أنضبتْ أظفارها ... ألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفعُ ولما توفي معاوية، خرج الضحاك بن قيس حتى أتى المنبر، فصعده ومعه أكفان معاوية فأثنى على معاوية، وأعلم الناس بموته، وأنّ هذه أكفانه، ثم صلى عليه الضحاك، وكان يزيد غائباً بقرية حوارين من عمل حمص، فكتبوا إِليه وطلبوه، فحضر بعد دفن أبيه فصلى على قبره. أخبار معاوية أسلم معاوية مع أبيه عام الفتح، واستكتبه النبي ﷺ ، واستعمله عمر على الشام أربع سنين من خلافته، وأقره عثمان مدة خلافته، نحو اثنتي عشرة سنة، وتغلب على الشام محارباً لعلي أربع سنين، فكان أميراً وملكاً على الشام نحو أربعين سنة، وكان حليماً حازماً داهية، عالماً بسياسة الملك، وكان حلمه قاهراً لغضبه، وجوده غالباً على منعه، يصل ولا يقطع. ومما يحكى عن حلمه من تاريخ القاضي جمال الدين بن واصل، أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فقال لها معاوية: مرحباً بك يا خالة، كيف أنت؟ فقالت بخير يا ابن أختي، لقد كفرت النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، وكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء، حتى قبض الله نبيه، مشكوراً سعيه، مرفوعاً منزلته، فوثبت علينا بعده تيم وعدي وأمية، فابتزونا حقنا، ووليتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبينا، بمنزلة هارون من موسى. فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك. فقالت: وأنت يا ابن النابغة، تتكلم وأمك كانت أشهر بغي بمكة، وأرخصهن أجرة، وادعاك خمسة من قريش، فسُئلتْ أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به، فالحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائِل، فألحقوك به. فقال لها معاوية: عفا الله عما سلف، هاتي حاجتك. فقالت: أريد ألفي دينار، لأشتري بها عيناً فوارة، في أرض خرارة، تكون الفقراء بني الحارث بن عبد المطلب: وألفي دينار أخرى، أزوّج بها فقراء بني الحارث،

стр. 177

وألفي دينار أخرى، أستعين بها على شدة الزمان، فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار، فقبضتها وانصرفت. ومعاوية أول خليفة بايع لولده، وأول من وضع البريد، وأول من عمل المقصورة في مسجد، وأول من خطب جالساً، في قول بعضهم، وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ممن يرى سماع الأوتار والغناء، وهو رأى أهل المدينة، وكان معاوية ينكر ذلك عليه، فدخل ابن جعفر يوماً على معاوية ومعه بديح المغني، فقال ابن جعفر لبديح: غنِّ، فغنى بشعر كان يحبه معاوية وهو: يا لُبينى أوقدي النارا ... إِن من تهوين قد حارا رب نار بِتُ أرمقها ... تقضم الهندي والغارا ولها ظبي يؤججها ... عاقد في الخصر زنارا فطرب معاوية وتحرك، وضرب برجله الأرض، فقال له ابن جعفر: مَهْ يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: إِنّ الكريم لطروب، وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث كان رجلاً ظهرت علته، وكنت كتوماً لسري. وكان في أخبث جند، وأشده خلافاً وكنت في أطوع جند وأقله خلافاً. وخلا بأصحاب الجمل فقلت: إِن ظفر بهم أعددت ذلك عليه وَهْنا، وإن ظفروا به، كانوا أهوَنَ شوكهَ عليّ منه. أخبار يزيد ابنه وهو ثاني خلفائهم، وأم يزيد ميسون بنت بحدل الكليبة، بويع بالخلافة لما مات أبوه في رجب سنة ستين، ولما استقر يزيد في الخلافة، أرسل إِلى عامله بالمدينة بإِلزام الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر بالبيعة، فأما ابن عمر فقال: إِن أجمع الناس على بيعته بايعته، وأما الحسين وابن الزبير فلحقا بمكة، ولم يبايعا، وأرسل عامل المدينة جيشاً مع عمرو بن الزبير، أخي عبد الله بن الزبير، وكان شديد العداوة لأخيه عبد الله، لقتال أخيه عبد الله، فانتصر عبد الله بن الزبير، وهزم الجمع الذي مع أخيه، وأمسك أخاه عمراً وحبسه حتى مات في حبسه. مسير الحسين إِلى الكوفة وورد على الحسين مكاتبات أهل الكوفة، يحثونه على المسير إِليهم ليبايعوه، وكان العامل عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فأرسل الحسين إِلى الكوفة، ابن عمه مسلم بن عقيلٍ بن أبي طالب، ليأخذ البيعة عليهم، فوصل إِلى الكوفة، وبايعه بها قيل ثلاثون ألفاً، وقيل ثمانية وعشرون ألف نفس. وبلغ يزيد عن النعمان بن بشير ما لا يرضيه، فولى على الكوفة عبيد الله بن زياد، وكان والياً على البصرة، فقدم الكوفة، ورأى ما الناس عليه، فخطبهم وحثهم على طاعة يزيد بن معاوية، واستمر مسلم بن عقيل عند قدوم عبيد الله بن زياد على ما كان، ثم اجتمع إِلى مسلم بن عقيل من كان بايعه للحسين، وحصروا عبيد الله بن زياد بقصره، ولم يكن مع عبيد الله في القصر أكثر من ثلاثين رجلاً، ثم إِن عبيد الله أمر أصحابه أن يشرفوا من القصر، ويمنّوا أهل الطاعة، ويخذلوا أهل المعصية، حتى أن المرأة ليأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف

стр. 178

إِن الناس يكفونك، قتفرق الناس عن مسلم، ولم يبق مع مسلم غير ثلاثين رجلاً، فانهزم واستتر، ونادى منادي عبيد الله ابن زياد، من أتى بمسلم بن عقيل فله ديته، فأمسك مسلم وأُحضر إِليه، ولما حضر مسلم بين يدي عبيد الله، شتمه وشتم الحسين وعلياً، وضرب عنقه في تلك الساعة، ورميت جيفته من القصر، ثم أحضر هانئ بن عروة، وكان ممن أخذ البيعة للحسين، فضرب عنقه أيضاً، وبعث برأسيهما إِلى يزيد بن معاوية، وكان مقتل مسلم بن عقيل، لثمان مضين من ذي الحجة، سنة ستين. وأخذ الحسين وهو بمكة في التوجه إِلى العراق، وكان عبد الله بن عباس يكره ذهاب الحسين إلى العراق، خوفاً عليه، وقال للحسين: يا ابن العم، إِني أخاف عليك أهل العراق، فإِنهم قوم أهل غدر، وأقم بهذا البلد، فإِنك سيد أهل الحجاز، وإن أبيت إِلا أن تخرج، فسر إِلى اليمن، فإِن بها شيعة لأبيك، وبها حصون وشعاب. فقال الحسين: يا ابن العم، إِني أعلم والله أنك ناصح مشفق، ولقد أزمعت وأجمعت، ثم خرج ابن عباس من عنده، وخرج الحسين من مكة يوم التروية، سنة ستين، واجتمع عليه جمائع من العرب، ثم لما بلغه مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وتخاذل الناس عنه، وأعلم الحسين من معه بذلك وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف، فتفرق الناس عنه يميناً وشمالاً، ولما وصل الحسين إِلى مكان يقال له سراف، وصل إِليه الحر، صاحب شرطة عبد الله بن زياد في ألفي فارس، حتى وقفوا مقابل الحسين، في حرّ الظهيرة، فقال لهم الحسين: ما أتيت إلا يكتبكم، فإن رجعتم رجعت من هنا، فقال له صاحب شرطة ابن زياد: إِنا أُمرنا أن لا نفارقك. حتى نوصلك الكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: الموت أهون من ذلك، وما زالوا عليه حتى سار مع صاحب شرطة ابن زياد. ثم دخلت سنة إِحدى وستين. مقتل الحسين ولما سار الحسين مع الحر، ورد كتاب من عبيد الله بن زياد إِلى الحر، يأمره أن يُنزل الحسين ومن معه على غير ماء، فأنزلهم في الموضع المعروف بكربلاء، وذلك يوم الخميس، ثاني المحرم من هذه السنة، أعني سنة إِحدى وستين. ولما كان من الغد، قدم من الكوفة عمر بن سعد بن أبي وقاص بأربعة آلاف فارس، أرسله ابن زياد لحرب الحسين، فسأله الحسين في أن يُمكَّن إما من العود من حيثُ أتى، وإمّا أن يجهّز إِلى يزيد بن معاوية، وإما أن يُمكّن أن يلحق بالثغور. فكتب عمر إِلى ابن زياد يسأل أن يجاب الحسين إِلى أحد هذه الأمور، فاغتاط ابن زياد فقال: لا ولا كرامة، فأرسل مع شمّر بن ذي الجوشن، إِلى عمر بن سعد إما أن تقاتل الحسين وتقتله، وتطأ الخيل جثته، وإِمّا أن تعتزل، ويكون الأمير على الجيش شمر. فقال عمر بن سعد بل أقاتله، ونهض عشية الخميس، تاسع المحرم هذه السنة، والحسين جالس أمام بيته بعد صلاة العصر، فلما قرب الجيش منه، سألهم مع أخيه العباس، أن يمهلوه إلى الغد، وأنه

стр. 179

يجيبهم إِلى ما يختارونه فأجابوه إِلى ذلك. وقال الحسين لأصحابه، إِني قد أذنت لكم فانطلقوا في هذا الليل، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم. فقال أخوه العباس: لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك، لا أرنا الله ذلك أبداً، ثم تكلم أخوته وبنو أخيه وبنو عبد الله بن جعفر، بنحو ذلك، وكان الحسين وأصحابه يصلون الليل كله، ويدعون، فلما أصبحوا، ركب عمر بن سعد في أصحابه، وذلك يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وعبأ الحسين أصحابه وهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، ثم حملوا على الحسين وأصحابه، واستمر القتال إلى وقت الظهر من ذلك اليوم، فصلى الحسين وأصحابه صلاة الخوف، واشتد بالحسين العطش، قتقدم ليشرب، فرُمي بسهم فوقع في فمه، ونادى شمر: ويحكم ما تنتظرون بالرجل اقتلوه، فضربه زرعة بن شريك على كفه، وضربه آخر على عاتقه، وطعنه سنان ابن أنس النخعي بالرمح، فوقع فنزل إِليه فذبحه واحتز رأسه، وقيل إِن الذي نزل واحتز رأسه هو شمر المذكور، وجاء به إِلى عمر بن سعد، فأمر عمر بن سعد جماعة فوطئوا صدر الحسين، وظهره بخيولهم. ثم بعث بالرؤوس والنساء والأطفال إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ابن زياد يقرع فم الحسين بقضيب في يده، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب، فوالذي لا إِله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الشفتين، ثم بكى، وروي أنّه قتل مع الحسين من أولاد علي أربعة، هم العباس وجعفر ومحمد وأبو بكر، ومن أولاد الحسين أربعة، وقتل عدة من أولاد عبد الله بن جعفر، ومن أولاد عقيل. ثم بعث ابن زياد بالرؤوس وبالنساء وبالأطفال، إلى يزيد بن معاوية ، فوضع يزيد رأس الحسين بين يديه، واستحضر النساء والأطفال، ثم أمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم، وأن يبعث معهم أميناً يوصلهم إلى المدينة، فجهزهم إِلى المدينة، ولما وصلوا إليها لقيهم نساء بني هاشم حاسرات، وفيهن ابنة عقيل بن أبي طالب وهي تبكي وتقول. ماذا تقولونَ إِنْ قالَ النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وصرعى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي واختلف في موضع رأس الحسين، فقيل: جهز إِلى المدينة ودفن عند أمه، وقيل دفن عند باب الفراديس، وقيل: أن خلفاء مصر نقلوا من عسقلان رأساً إِلى القاهرة ودفنوه بها، وبنوا عليه مشهداً يعرف بمشهد الحسين، وقد اختلف في عمره، والصحيح أنه خمس وخمسون سنة وأشهر، وقيل حج الحسين خمساً وعشرين حجة وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. وأما عبد الله بن الزبير فإِنه استمر بمكة ممتنعاً عن الدخول في طاعة يزيد ابن معاوية. ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسنة ثلاث وستين، فيها اتفق أهل المدينة على خلع يزيد بن معاوية، وأخرجوا نائبه عثمان بن محمد بن أبي سفيان منها، فجهز يزيد

стр. 180

جيشاً مع مسلم بن عقبة، وأمره يزيد أن يقاتل أهل المدينة، فإِذا ظفر بهم، أباحها للجند ثلاثة أيام، يسفكون فيها الدماء، ويأخذون ما يجدون من الأموال، وأن يبايعهم على أنهم خوّل وعبيد ليزيد، وإذا فرغ من المدينة، يسير إِلى مكة. فسار مسلم المذكور في عشرة آلاف فارس من أهل الشام، حتى نزل على المدينة من جهة الحرة، وأصر أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم على قتاله وعملوا خندقاً واقتتلوا، فقتل الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، بعد أن قاتل قتالاً عظيماً، وكذلك قتل جماعة من الأشراف والأنصار، ودام قتالهم، ثم انهزم أهل المدينة، وأباح مسلم مدينة النبي ﷺ ثلاثة أيام، يقتلون فيها الناس ويأخذون ما بها من الأموال، ويفسقون بالنساء. وعن الزهري أنّ قتلى الحرة، كانوا سبعمائة من وجوه الناس، من قريش والمهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من وجوه الموالي، وممن لا يعرف، وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، ثم إِنّ مسلماً بايع من بقي من الناس على أنهم خوّل وعبيد ليزيد بن معاوية، ولما فرغ مسلم بن عقبة من المدينة سار بالجيش إلى مكة. ثم دخلت سنة أربع وستين حصار الكعبة ولما فرغ مسلم من المدينة وسار إِلى مكة كان مريضاً، فمات قبل أن يصل إِلى مكة، وأقام على الجيش مقامه الحصين بن نمير السكوني، وذلك في المحرم من هذه السنة، فقدم الحصين مكة وحاصر عبد الله بن الزبير أربعين يوماً، حتى جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، على ما سنذكره بعد رمي البيت الحرام بالمنجنيق، وإحراقه بالنار، ولما علم الحصين بموت يزيد، قال لعبد الله بن الزبير: من الرأي أن ندع دماء القتلى بيننا، وأقبل لأبايعك، وأقدم إِلى الشام، فامتنع عبد الله بن الزبير من ذلك، فارتحل الحصين راجعاً إلى الشام، ثم ندم ابن الزبير على عدم الموافقة، وسار مع الحصين من كان المدينة من بني أمية، وقدموا إِلى الشام. وفاة يزيد بن معاوية بحوارين من عمل حمص لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، من هذه السنة، أعني سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكان مدة خلافته ثلاث سنين وستة أشهر، وكان آدم جعداً أحور العينين، بوجهه آثار جدري، حسن اللحية خفيفها، طويلا، وخلف عدة بنين وبنات، وكانت أمه ميسون بنت بحدل الكلبية، أقام يزيد معها بين أهلها في البادية، وتعلم الفصاحة، ونظم الشعر هناك في بادية بني كلب، وكان سبب إِرساله مع أمه هناك، أن معاوية سمع ميسون بنت بحدل تنشد هذه الأبيات وهي: للبس عباءة وتقر عيني ... أحبُّ إِليَّ من لبسِ الشفوفِ وبيت تخفق الأرياح فيه ... أحب إِليّ من قصر منيف

стр. 181

وبكر تتبع الأظعان صعب ... أحبّ إِلي من بغل زفوفِ وكلب ينبح الأضياف دوني ... أحب إِليّ من هر ألوفِ وخرق من بني عمي فقير ... أحبّ إلي من علج عنيفِ فقال لها معاوية: ما رضيت يا ابنة بحدل، حتى جعلتني علجاً عنيفاً، الحقي بأهلك فمضت إِلى بادية بني كلب ويزيد معها. أخبار معاوية بن يزيد بن معاوية وهو ثالث خلفائهم، ولما توفي يزيد بن معاوية، بويع بالخلافة ولده معاوية في رابع عشر ربيع الأول من هذه السنة، وكان شاباً ديناً، فلم تكن ولايته غير ثلاثة أشهر وقيل: أربعين يوماً، ومات وعمره إِحدى وعشرون سنة، وفي أواخر أيامه جمع الناس وقال: قد ضعفت عن أمركم، ولم أجد لكم مثل عمر بن الخطاب لأستخلفه، ولا مثل أهل الشورى، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب فيه حتى مات، وقيل إِنه أوصى أن يصلي بالناس الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة. البيعة لعبد الله بن الزبير ولما مات يزيد بن معاوية، بايع الناس بمكة ابن الزبير، وكان مروان بن الحكم مدينة، فقصد المسير إِلى عبد الله بن الزبير ومبايعته، ثم توجّه مع من ترجّه من بني أمية إِلى الشام، وقيل إِن ابن الزبير كتب إِلى عامله بالمدينة، أن لا يترك بها من بني أمية أحداً. ولو سار ابن الزبير مع الحصين إِلى الشام، أو صانع بني أمية ومروان، لاستقر أمره، ولكن لا مرد لما قدره الله تعالى، ولما بويع عبد الله بن الزبير بمكة، كان عبيد الله بن زياد بالبصرة، فهرب إِلى الشام، وبايع أهل البصرة ابن الزبير، واجتمعت له العراق والحجاز واليمن، وبعث إِلى مصر فبايعه أهلها، وبايع له في الشام سراً الضحاك ابن قيس، وبايع له بحمص النعمان بن بشير الأنصاري، وبايع له بقنسرين زفر بن الحارث الكلابي، وكاد يتم له الأمر بالكلية، وكان عبد الله بن الزبير شجاعاً، كثير العبادة، وكان به البخل وضعف الرأي. أخبار مروان بن الحكم وهو رابع خلفائهم، وقام مروان بالشام في أيام ابن الزبير، واجتمعت إِليه بنو أمية، وصار الناس بالشام فرقتين، اليمانية مع مروان، والقيسية مع الضحاك بن قيس، وهم يبايعون لابن الزبير، وجرت مقاولات وأمور يطول شرحها. وقعة مرج راهط وآخر ذلك، أن الفريقين التقوا بمرج راهط، في غوطة دمشق، واقتتلوا، وكانت الكرة على الضحاك والقيسية، وانهزموا أقبح هزيمة، وقتل الضحاك بن قيس، وقتل جمع كثير من

стр. 182

فرسان قيس. ولما انهزمت قيس يوم المرج، نادى منادي مروان بن الحكم، ألا لا يتبع أحد، ودخل دمشق مروان، ونزل في دار معاوية بن أبي سفيان، واجتمع عليه الناس، وتزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية، لخوفه من خالد. ولما انهزمت القيسية وقتل الضحاك وبلغ ذلك أهل حمص، وعليها النعمان ابن بشير الأنصاري، خرج هارباً بامرأته وأهله، فخرج أهل حمص وقتلوا النعمان بن بشير وردوا برأس النعمان وأهله إِلى حمص. ولما بلغ زفر بن الحارث، وهو بقنسرين، يدعو لابن الزبير، خبر الهزيمة، خرج من قنسرين وأتى قرقيسيا، فغلب عليها، واستوسق الشام لمروان بن الحكم، ثم خرج إِلى جهة مصر وبعث قدامه عمرو بن سعيد بن العاص، فدخل مصر وطرد عامل ابن الزبير عنها، وبايع لمروان بن الحكم أهلها، ولما ملك مروان مصر، رجع إِلى دمشق، وخرجت سنة أربع وستين ومروان خليفة بالشام ومصر، وابن الزبير خليفة في الحجاز والعراق واليمن. وفي هذه السنة أعني سنة أربع وستين هدم ابن الزبير الكعبة، وكانت حيطانها قد مالت من ضرب المنجنيق، فهدمها وحفر أساسها، وأدخل الحجر فيها، أعادها على ما كانت عليه أولاً. ثم دخلت سنة خمس وستين وفاة مروان بن الحكم وتوفي بأن خنقته أم خالد بن يزيد بن معاوية زوجته، وصاحت مات فجأة، وذلك لثلاث خلون من رمضان، من هذه السنة، أعني سنة خمس وستين، ودفن بدمشق، وعمره ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً. شيء من أخباره كان النبي ﷺ ، قد طرد أباه الحكم، إِلى الطائف، ولم يزل طريداً في أيام أبي بكر وعمر، إِلى أن رده عثمان، كما ذكرنا، ومروان هو الذي قتل طلحة بسهم نشاب في حرب الجمل. أخبار عبد الملك وهو خامس خلفائهم، لما مات مروان، بويع ابنه عبد الملك بن مروان، في ثالث رمضان من هذه السنة، عني سنة خمس وستين، عقب موت مروان، واستثبت له الأمر بالشام ومصر، وقيل إِنه لما أتته الخلافة، كان قاعداً والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك. ثم دخلت سنة ست وستين. خروج المختار بن أبي عبيد الثقفي وفي هذه السنة، خرج المختار بالكوفة، طالباً بثأر الحسين، واجتمع إِليه جمع كثير، واستولى على الكوفة، وبايعه الناس بها على كتاب الله وسنة رسوله، والطلب بدم أهل البيت وتجرد المختار لقتال قتلة الحسين، وطلب شمر بن ذي الجوشن حتى ظفر به وقتله، وبعث إِلى خولي

стр. 183

الأصبحي، وهو صاحب رأس الحسين، فاحتاط بداره، وقتله وأحرقه بالنار، ثم قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، صاحب الجيش، الذين قتلوا الحسين، وهو الذي أمر أن يداس صدر الحسين وظهره بالخيل، وقتل ابن عمر المذكور، واسمه حفص، وبعث برأسهما إلى محمد بن الحنفية بالحجاز، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، ثم إِن المختار اتخذ كرسياً، وادعى أن فيه سراً، وأنه لهم مثل التابوت لبني إِسرائيل ولما أرسل المختار الجنود لقتال عبيد الله بن زياد، خرج بالكرسي على بغل يحمله في القتال. ثم دخلت سنة سبع وستين. مقتل عبيد الله بن زياد وفي هذه السنة في المحرم، أرسل المختار الجنود لقتال عبيد الله بن زياد، وكان قد استولى على الموصل، وقدم على الجيش إِبراهيم بن الأشتر النخعي، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزمت أصحاب ابن زياد، وقتل عبيد الله بن زياد، قتله إِبراهيم بن الأشتر في المعركة، وأخذ رأسه وأحرق جثته، وغرق في الزاب من أصحاب ابن زياد المنهزمين أكثر ممن قتل، وبعث إِبراهيم برأس ابن زياد، وبعدة رؤوس معه إِلى المختار، وانتقم الله للحسين بالمختار، وإن لم تكن نية المختار جميلة. وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وستين، ولى ابن الزبير أخاه مصعباً البصرة، ثم سار مصعب إِلى البصرة، بعد أن طلب المهلب بن أبي صفرة من خراسان، فقدم إِليه بمال وعسكر كثير، فسارا جميعاً إلى قتال المختار بالكوفة، وجمع المختار جموعه والتقيا، فتمت الهزيمة بعد قتال شديد على المختار وأصحابه، وانحصر المختار في قصر الإِمارة بالكوفة، ودخل مصعب الكوفة وحاصر المختار، وما زال المختار يقاتل حتى قتل، ثم نزل أصحابه من القصر على حكم مصعب، فقتلهم جميعهم، وكانوا سبعة آلاف نفس، وكان مقتل المختار في رمضان سنة سبع وستين، وعمره سبع وستون سنة. وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وستين للهجرة، وقيل سنة إِحدى وسبعين، وقيل سنة تسع وستين، وقيل سنة ثمان وستين، توفي بالكوفة أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة، وكان يعرف الضحاك المذكور بالأحنف، وهو الذي يضرب به المثل في الحلم، وكان سيد قومه، موصوفاً بالعقل، والدهاء والعلم، والحلم والذكاء، أدرك عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يصحبه، ووفد على عمر بن الخطاب في أيام خلافته، وكان من كبار التابعين، وشهد مع علي وقعة صفين، ولم يشهد وقعة الجمل، مع حد الفريقين، والأحنف: المائل؛ سمي بذلك لأنه كان أحنف الرجل، يطأ على جانبها الوحشي، وقدِم الأحنف المذكور على معاوية في خلافته، وحضر عنده في وجوه الناس، فدخل رجل من أهل الشام، وقال خطيباً، وكان آخر كلامه أن لعن علي بن أبي طالب، فأطرق الناس، وتكلم الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، إِن هذا القائل لو يعلم أن رِضاك في لعن المرسلين، للعنهم، فاتق الله ودع عنك علياً، فقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وكان والله الميمونة نقيبته العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف

стр. 184

لقد أغضيت العين على القذى، فأيم الله لتصعدنّ المنبر ولتلعنه، وطوعاً أو كرهاً، فقال الأحنف: أو تعفيني فهو خير لك، فألح عليه معاوية، فقال الأحنف: أما والله لا نصفنك في القول، قال: وما أنت قائل، قال أحمد الله بما هو أهله وأصلي على رسوله وأقول: أيها الناس، إِن أمير المؤمنين معاوية، أمرني أن ألعن علياً، ألا وِإن علياً ومعاوية اختلفا فاقتتلا، وادّعى كل منهما أنه مبغي عليه، فإِذا دعوت فأمنوا. ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك ملك وجميع خلقك، الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعناً كثيراً، أمنوا رحمكم الله. يا معاوية أقوله ولو كان فيه ذهاب روحي، فقال معاوية: إِذن نعفيك من ذلك، ولم يلزمه به. ثم دخلت سنة ثمان وستين فيها توفي عبد الله بن عباس بالطائف، وكان محمد ابن الحنفية مقيماً بالطائف أيضاً، فصلى على ابن عباس، وأقام محمد بن الحنفية بالطائف إِلى أن قدم الحجاج بن يوسف إِلى مكة، وكان مولد عبد الله بن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي ﷺ وقال: اللهم فقهه في الدين، وعلمه الكلمة والتأويل، فكان كذلك، وكان يسمى الحبر، لكثرة علومه. ثم دخلت سنة تسع وستين وما بعدها إِلى سنة إِحدى وسبعين. مقتل مُصعب بن الزَّبير في هذه السنة، أعني سنة إِحدى وسبعين، تجهز عبد الملك، وسار إِلى العراق، وتجهز مصعب لملتقاه، واقتتل الجمعان، وكان أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك، وصاروا معه في الباطن، فتخلوا عن مصعب، وقاتل مصعب حتى قتل، هو وولده وكان مقتل مصعب بدير الجاثليق، عند نهر دجيل، وكان عمر مصعب ستاً وثلاثين سنة: وكان مقتله في جمادى الآخرة سنة. إِحدى وسبعين. وكان مصعب صديق عبد الملك بن مروان قبل خلافته، وتزوج مصعب سكينة الحسين، وعائشة بنت طلحة، وجمع بينهما في عقد نكاحه. ثم دخل عبد الملك الكوفة وبايعه الناس، واستوسق له ملك العراقين. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين، فيها جهز عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش إِلى مكة، لقتال عبد الله بن الزبير، فسار الحجاج في جمادى الأولى من هذه السنة، ونزل الطائف، وجرى بينه وبين أصحاب ابن الزبير حروب، كانت الكرة فيها على أصحاب ابن الزبير، وآخر الأمر أنه حصر ابن الزبير بمكة، ورمى البيت الحرام بالمنجنيق، ودام الحصار حتى خرجت هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين، والحجاج محاصر لابن الزبير، وأبى ابن الزبير أن يسلم نفسه، وقاتل حتى قتل، في جمادى الآخرة، من هذه السنة، بعد قتال سبعة أشهر، وكان عمر ابن الزبير حين قتل نحو ثلاث وسبعين سنة، وهو أول من ولد من المهاجرين بعد الهجرة، وكانت مدة خلافته تسع سنين، لأنه بويع له سنة أربع وستين، لما مات يزيد بن معاوية، وكان عبد الله بن الزبير كثير العبادة، مكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وفي هذه السنة، بعد مقتل

стр. 185

ابن الزبير، بويع لعبد الملك بالحجاز واليمن، واجتمع الناس، على طاعته. وفي هذه السنة أعني سنة ثلاث وسبعين، توفي عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، وكان موته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وعمره سبع وثمانون سنة. ثم دخلت سنة أربع وسبعين، فيها هدم الحجاج الكعبة، وأخرج الحجر عن البيت، وبنى البيت على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ ، وهو على ذلك إلى الآن، واستمر الحجاج أميراً على الحجاز. ثم دخلت سنة خمس وسبعين، فيها أرسل عبد الملك إِلى الحجاج بولاية العراق، فسار من المدينة إِلى الكوفة، وخرج في أيام ولاية الحجاج العراق شبيب الخارجي، وكثرت جموعه، وجرى له مع الحجاج حروب كثيرة، آخرها أن جموع شبيب تفرقت، وتردّى به فرسه من فوق جسر، وسقط شبيب في الماء وغرق، وكذلك خرج على الحجاج، عبد الرحمن بن الأشعث، واستولى على خراسان، ثم سار إِلى جهة الحجاج، وغلب على الكوفة، وكثرت جموعه وقويت شوكته، وفي ذلك يقول بعض أصحابه: شطب نوى من داره بالإِيوان ... إِيوان كسرى ذي القرى والزنجان من عاشق أضحى بزابلستان ... إِن ثقيفاً منهم الكذابات كذابها الماضي وكذاب ثان ... إنا سمونا للكفور الفتان حتى طغى في الكفر بعد الإِيمان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبا من قحطان ... بجحفل جم شديد الأركان فقل الحجاج ولي الشيطان ... يثبت لجمع مذحج وهمذان فإِنهم ساقوه كأس الديفان ... وملحقوه بقرى ابن مروان ثم أمد عبد الملك الحجاج بالجيوش من الشام، وآخر الأمر أن جموع عبد الرحمن تفرقت، وانهزم، ولحق بملك الترك، وأرسل الحجاج يطلبه من ملك الترك، ويتهدده بالغزو إِن أخره، فقبض ملك الترك على عبد الرحمن المذكور، وعلى أربعين من أصحابه، وبعث بهم إِلى الحجاج، فلما نزل في مكان في الطريق، ألقى عبد الرحمن نفسه من سطح فمات. ثم دخلت سنة ست وسبعين وما بعدها إلى إحدى وثمانين، فيها توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين فيها توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان من الأجواد المشهورين بالكرم والشهامة، وكان الحجاج قد ولى المهلب خراسان، ومات المهلب بمرو الرود، واستخلفَ بعده ابنه يزيد بن المهلب، ولما دنت من المهلب الوفاة، أحضر السهام لأولاده وقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا قال أتكسرونها متفرقة؟ قالوا: نعم، قال هكذا أنتم. وفي هذه السنة أعني سنة اثنتين وثمانين توفي خالد بن يزيد بن معاوية، وكان من المعدودين في بني أمية بالسخاء والفصاحة والعقل. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين،

стр. 186

فيها بنى الحجاج مدينة واسط. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وسنة خمس وثمانين، فيها أعني سنة خمس وثمانين، توفي عبد العزيز بن مروان بمصر. ثم دخلت سنة كست وثمانين. وفاة عبد الملك بن مروان وفي منتصف شوال، من هذه السنة، توفي عبد الملك بن مروان وعمره ستون سنة، وكانت مدة خلافته، منذ قتل ابن الزبير، واجتمع له الناس، ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر، تنقص سبع ليال، وكان شديد البخر، وكنّي لذلك بأبي الذبّان، وكان يلقب لبخله برشح الحجر، وكان حازماً، عاقلاً، فقيهاً، عالماً، وكان ديناً، فلما تولى الخلافة استهوته الدنيا، فتغير عن ذلك، وفيه يقول الحسن البصري، ماذا أقول في رجل، الحجاج سيئة من سيئاته. ولاية الوليد بن عبد الملك وهو سادس خلفائهم، لما توفي عبد الملك، بويع الوليد بالخلافة، في منتصف شوال من هذه السنة، أعني سنة ست وثمانين، بعهد من أبيه إِليه، وكان مغرماً بالبناء، واستوثقت له الأمور، وفتحت في أيامه الفتوحات الكثيرة، من ذلك جزيرة الأندلس، وما وراء النهر، وولى الحجاج خراسان مع العراقين، فتغلغل في بلاد الترك، وتغلغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الروم، ففتح وسبى، وفتح محمد بن القاسم الثقفي بلاد الهند. وفي هذه السنة أعني سنة ست وثمانين، ولى الوليد ابن عمه، عمر بن عبد العزيز المدينة، فقدم إِليها ونزل في دار جده مروان، ودعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم عروة بن الزبير بن العوام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد. فقال لهم عمر بن عبد العزيز: أريد أن لا أقطع أمراً إِلا برأيكم، فما علمتموه من تعدي عامل، أو من ظلامة، فعرفوني به، فجزوه خيراً. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وسنة ثمان وثمانين فيها كتب الوليد إِلى عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم مسجد رسول الله ﷺ ، وهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ، وأن يدخل البيوت في المسجد، بحيث تصير مساحة المسجد مائتي ذراع، في مائتي ذراع، وأن يضع أثمان البيوت في بيت المال، فأجابه أهل المدينة إِلى ذلك، وقدمت الفعلة والصناع من عند الوليد، لعمارة المسجد، وتجرد لذلك عمر بن عبد العزيز. وفي هذه السنة أيضاً أعني سنة ثمان وثمانين، أمر الوليد ببناء جامع دمشق فأنفق عليه أموالاً عظيمة، تجل عن الوصف. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وما بعدها حتى دخلت سنة ثلاث وتسعين، فيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة. ثم دخلت سنة أربع وتسعين، فيها قتل الحجاج سعيد بن جبير، بسبب أن سعيداً كان خلع الحجاج، وصار مع عبد الرحمن بن

стр. 187

الأشعث، وكان سعيد بن جبير قد هرب من الحجاج، وأقام في مكة، فأرسل الحجاج يطلب جماعة من الوليد قد التجأوا إِلى مكة، فكتب الوليد إلى عامله على مكة، وهو خالد بن عبد الله القسري، يأمره بإِرسال من يطلبه الحجاج، وطلب الحجاج سعيد بن جبير وغيره، فبعث بهم إليه فضرب عنق سعيد بن جبير، وسعيد بن جبير المذكور، كان من أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعنه روى القرآن أبو عمرو، وقال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا مفتقر إِلى علمه. وفي هذه السنة أعني سنة أربع وتسعين، توفي سعيد بن المسيب، وكان من كبار التابعين، وفقهائهم. وفيها وقيل في سنة خمس وتسعين توفي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين، وكان مع أبيه الحسين لمّا قتل، وسلم من القتل، لأنه كان مريضاً على الفراش، وكان كثير العبادة، ولهذا قيل له زين العابدين، وتوقي بالمدينة، ودفن بالبقيع وعمره اثنان وخمسون سنة. ثم دخلت سنة خمس وتسعين، فيها توفي الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراقين وخراسان، وعمره أربع وخمسون سنة، وكانت مدة ولايته العراق نحو عشرين سنة، وكان الحجاج، أخفش، رقيق الصوت، في غاية الفصاحة، قيل إِنه أحصي من جملة الذين قتلهم الحجاج، فكانوا مائة ألف وعشرين ألف. ثم دخلت سنة ست وتسعين وفاة الوليد وفي جمادى الآخرة، من هذه السنة، أعني سنة ست وتسعين، توفي الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، وكانت وفاته بدير مران، ودفن بدمشق، خارج الباب الصغير، وصلى عليه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وستة أشهر، وكان سائل الأنف جداً، وكان له من الولد ثمانية عشر ابناً، وهو الذي بنى مسجد دمشق، واحتمل له الصناع من بلاد الروم، ومن سائر بلاد الإسلام، وكان في جانب الجامع كنيسة، قد سلمت للنصارى، بسبب أنها في نصف البلد الذي أخذ بالصلح، وكانت تعرف بكنيسة ماريحنا فهدمها الوليد، وأدخلها في الجامع، وكان الوليد لحاناً، دخل عليه أعرابي يشكو صهراً له، فقال له الوليد: ما شأنك، بفتح النون. فقال الأعرابي أعوذ بالله من الشين، فقال له سليمان بن عبد الملك: أمير المؤمنين يقول: ما شأنك بضم النون. فقال الأعرابي: ختني ظلمني، فقال الوليد: من ختنَك بالفتح. فقال الأعرابي: إِنما ختنني الحجام، ولست أريد ذا. فقال سليمان بن عبد الملك: أمير المؤمنين يقول من ختنُك بالضم؟ فقال: هذا وأشار إلى خصمه، وكان أبوه عبد الملك فصيحاً، وعرف بلحن ابنه، فقال له: إِنك يا بني لا تصلح للولاية على العرب، وأنت تلحن، وجعله في بيت؛ وجعل معه من يعلمه الإعراب، فمكث الوليد كذلك مدة، ثم خرج وهو أجهل مما دخل.

стр. 188

أخبار سليمان بن عبد الملك بن مروان وهو سابعهم، بويع بالخلافة لما مات أخوه الوليد، في جمادى الآخرة من هذه السنة، أعني سنة ست وتسعين، وكان سليمان لما مات الوليد في مدينة الرملة، فلما وصل إِليه الخبر بعد سبعة أيام، سار إلى دمشق ودخلها، وأحسن السيرة، وردّ المظالم، واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيراً. وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم. ثم دخلت سنة سبع وتسعين وسنة ثمان وتسعين، فيها خرج سليمان ابن عبد الملك بالجيوش لغزو قسطنطينية، ونزل بمرج دابق، وسير أخاه مسلمة إِلى قسطنطينية، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها، فشتى مسلمة على قسطنطينية، وزرع الناس بها الزرع، وأكلوه، وأقام مسلمة قاهراً لأهل قسطنطينية، حتى جاءه الخبر بموت سليمان. وفيها أعني سنة ثمان وتسعين، فتح يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، الوالي على خراسان، من قبل سليمان بن عبد الملك، جرجان وطبرستان. ثم دخلت سنة تسع وتسعين وفاة سليمان بن عبد الملك وفي هذه السنة عني سنة تسع وتسعين، توفي سليمان بن عبد الملك، في صفر، وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر، وعمره خمس وأربعون سنة، ومات بدابق، من أرض قنسرين، مرابطاً، وأخوه مسلمه منازل قسطنطينية، وكان سليمان طويلاً أسمر، جميل الصورة، وكان به عرج، وكان حسن السيرة، وكان مُغْرماً بالنساء، كثير الأكل، حج مرة، وكان الحر في الحجاز إِذ ذاك شديداً، فتوجه إِلى الطائف طلباً للبرودة، وأتي برمان فأكل سبعين رمانهَ، ثم أتي بجدي وست دجاجات فأكلها، ثم أتي بزبيب من زبيب الطائف فأكل منه كثيراً، ونعس فنام، ثم انتبه فأتوا بالغداء فأكل على عادته، وقيل كان سبب موته أنه أتاه نصراني وهو نازل على دابق، بزنبيلين مملوءين تيناً وبيضاً، فأمر من يقشر له البيض، وجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بمخ وسكر، فأكله فاتخم، ومرض ومات، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، ودفن، وكان شديد الغيرة، أمر بخصي المخنثين الذين كانوا بالمدينة، فخصاهم عامله على المدينة، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو الأنصاري. أخبار عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف. وهو ثامن خلفائهم، وأم عمر بن عبد العزيز، بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وأوصى إِليه بالخلافة سليمان بن عبد الملك، لما اشتد مرضه بدابق، وبويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة في صفر، من هذه السنة، أعني سنة تسع وتسعين بعد موت سليمان.

стр. 189

إبطال عمر سب علي إبطال عمر بن عبد العزيز سب علي بن أبي طالب على المنابر كان خلفاء بني أمية يسبون علياً ﵁ ، من سنة إِحدى وأربعين، وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر، أبطل ذلك، وكتب إِلى نوابه: بإبطاله، ولما خطب يوم الجمعة، أبدل السب في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى " إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي لعلكم تذكرون " " النمل: ٩٠ " فلم يسب علي بعد ذلك. واستمرت الخطباء على قراءة هذه الآية، ومدحه كثير بن عبد الرحمن الخزاعي فقال: وليت فلم تشتم علياً ولم تخفْ ... برياً ولم تتبع سجية مجرمِ وقلتَ فصدقتَ الذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأضحى راضياً كل مسلم ثم دخلت سنة مائة وسنة إِحدى ومائة وفاة عمر بن عبد العزيز ﵁ وفي هذه السنة، أعني سنة إِحدى ومائة، توفي عمر بن عبد العزيز، لخمس بقين من رجب، يوم الجمعة، بخناصرة، ودفن بدير سمعان، وقيل: توفي بدير سمعان ودفن به، قال القاضي جمال الدين بن واصل، مؤلف التاريخ المنقول هذا الكلام منه: والظاهر عندي أن دير سمعان، هو المعروف الآن بدير النقيرة، من عمل معرة النعمان، وأن قبره هو هذا المشهور، وكان موته بالسم، عند أكثر أهل النقل، فإِن بني أمية علموا أنه إِن امتدت أيامه، أخرج الأمر من أيديهم، وأنه لا يعهده بعده إِلا لمن يصلح للأمر. فعالجوه وما أمهلوه، وكان مولده بمصر على ما قيل، سنة إِحدى وستين، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره أربعين سنة وأشهراً، وكان في وجهه شجة من رمح دابة، وهو غلام، ولهذا كان يدعى بالأشج، وكان متحرياً سيرة الخلفاء الراشدين. أخبار يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو تاسعهم، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، بويع بالخلافة لما مات عمر بن عبد العزيز، في رجب سنة إِحدى ومائة، بعهد من سليمان بن عبد الملك إِليه بعد عمر. وفي أيام يزيد بن عبد الملك خرج يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، واجتمع إِليه جمع، وأرسل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فقاتله، وقتل يزيد بن المهلب، وجميع آل المهلب بن أبي صفرة، وكانوا مشهورين بالكرم والشجاعة، وفيهم يقول الشاعر: نزلت على آل المهلب شاتياً ... غريباً عن الأوطان في زمن المحل

стр. 190

فما زال بي إِحسانهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي ثم دخلت سنة اثنتين ومائة، فيها أعني في سنة اثنتين ومائة، توفي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وعبيد الله المذكور، هو ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي، وهؤلاء الفقهاء السبعة، هم الذين انتشر عنهم الفقه والفتيا، وقد نظم بعض الفضلاء أسماءهم فقال: ألا كُلّ من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد سليمان أبو بكر خارجه ولنذكرهم على ترتيبهم في النظم، فأولهم عبيد الله المذكور، وكان من أعلام التابعين، ولقي خلقاً كثيراً من الصحابة. الثاني عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، أبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر، وهي ذات النطاقين، وهو شقيق عبد الله بن الزبير، الذي تولى الخلافة، وتوفي عروة المذكور، في سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وقيل أربع وتسعين، وكان مولده سنة اثنتين وعشرين. الثالث قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكان من أفضل أهل زمانه، وأبوه محمد بن أبي بكر، الذي قتل بمصر على ما شرحنا. الرابع سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي، جمع بين الحديث والفقه، والزهد والعبادة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وتوفي في سنة إِحدى وقيل اثنتين، وقيل ثلاث، وقيل أربع وقيل خمس وتسعين. الخامس سليمان بن يسار، مولي ميمونة زوج النبي ﷺ ، روى عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، وأم سلمة، وتوفي في سنة سبع ومائة، وقيل غير ذلك، وعمره ثلاث وسبعون سنة. السادس أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، وكنيته اسمه، كان من سادات التابعين، وسمي راهب قريش، وجده الحارث، هو أخو أبي جهل بن هشام، وتوفي أبو بكر المذكور في سنة أربع وتسعين للهجرة، وولد في خلافة عمر بن الخطاب. السابع خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وأبوه زيد بن ثابت من أكابر الصحابة، الذي قال رسول الله ﷺ في حقه أفرضكم زيد. وتوفي خارجة المذكور، في سنة تسع وتسعين للهجرة، وقيل سنة مائة بالمدينة، وأدرك زمن عثمان ابن عفان، فهؤلاء السبعة هم المعروفون بفقهاء المدينة السبعة، وانتشرت عنهم الفتيا والفقه، وكان في زمانهم من هو في طبقتهم في الفضيلة، ولم يذكر معهم، مثل سالم ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وغيره، وتوفي سالم المذكور في سنة ست ومائة، وقيل غير ذلك، وكان من أعلام التابعيين أيضاً، وقد ذكر في موضع آخر وفاة بعض المذكورين، وإنما ذكرناهم جملة لأنه أقرب للضبط، ثم دخلت سنة ثلاث وسنة أربع وسنة خمس ومائة.

стр. 191

وفاة يزيد بن عبد الملك وفيها، أعني سنة خمس ومائة، لخمس بقين من شعبان، توفي يزيد بن عبد الملك، وعمره أربعون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت مدة خلافته أربع سنين وشهراً، وكان يزيد المذكور، قد عهد بالخلافة إِلى أخيه هشام، ثم من بعده إِلى ابنه الوليد ابن يزيد بن عبد الملك. وكان يزيد صاحب لهو وطرب، وهو صاحب حبابة، وسلامة القس، وكان مغرماً بهما جداً، وماتت حبابة، فمات بعدها بسبعة عشر يوماً، وإنما سميت سلامة القس، لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمار، كان يسمى القس، لعبادته، وكان فقيهاً، فمرّ بمنزل أستاذ سلامة، فسمع غناءها، فهويها وهويته، واجتمعا، فقالت له سلامة: إِني أحبك، فقال: وأنا أيضاً. وقالت: وأشتهي أن أقبلك. قال: وأنا أيضاً. فقالت له: ما يمنعك: قال تقوى الله، وقام وانصرف عنها، فسميت سلامة القس، بسبب عبد الرحمن المذكور. أخبار هشام بن عبد الملك وهو عاشرهم، وكان عمره لما ولي الخلافة، أربعاً وثلاثين سنة وأشهراً، وكان هشام بالرصافة لما مات يزيد بن عبد الملك، في دويرة له صغيرة، فجاءته الخلافة على البريد، فركب من الرصافة وسار إِلى دمشق. ثم دخلت سنة ست ومائة وما بعدها، حتى دخلت سنة عشر ومائة، فيها توفي الإمام المشهور الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان مولده في خلافة عمر بن الخطاب، وهو من أكابر التابعين. وفيها توفي محمد بن سيرين، وكان أبوه سيرين، عبداً لأنس بن مالك، فكاتبه أنس على مال، وحمله سيرين وعتق، وكان من سبي خالد بن الوليد، وروى محمد بن سيرين المذكور، عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم، وكان من كبار التابعين، وله اليد الطولى في تعبير الرؤيا. ثم دخلت سنة إِحدى عشرة ومائة ودخلت سنة اثنتي عشرة ومائة وما بعدها، حتى دخلت سنة ست عشرة ومائة، فيها توفي الباقر محمد بن زين العابدين، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المقدم ذكره، وقيل كانت وفاته سنة أربع عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة ثماني عشرة ومائة، وكان عمر الباقر المذكور ثلاثاً وسبعين سنة، وأوصى أن يكفن بقميصه الذي كان يصلي فيه، وقيل له الباقر: لتبقره في العلم، أي توسعه فيه، وولد الباقر المذكور في سنة سبع وخمسين، وكان عمره لما قتل جده الحسين ثلاث سنين، وتوفي بالحميمة من الشراة، ونقل ودفن بالبقيع. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة، فيها أعني في سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين ومائة، توفي نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، أصابه عبد الله في بعض غزواته، وكان نافع من كبار التابعين، سمع مولاه عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وروى عن نافع الزهري، ومالك بن أنس، وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر،

стр. 192

سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة وسنة تسع عشرة ومائة فيها غزا المسلمون بلاد الترك، فانتصروا وغنموا أشياء كثيرة، وقتلوا من الأتراك مقتلة عظيمة، وقتلوا خاقان، ملك الترك، وكان المتولي لحرب الترك، أسد بن عبد الله القسري. ثم دخلت سنة عشرين ومائة فيها توفي أبو سعيد عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة، فيها غزا مروان بن محمد بن مروان، وكان على الجزيرة وأرمينية، بلاد صاحب السرير، فأجاب صاحب السرير إِلى الجزية، في كل سنة سبعين ألف رأس، يؤديها. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم، فافتتح حصونها وغَنمَ. وفيها غزا نصر بن سيار بلاد ما وراء النهر، وقتل ملك الترك، ثم مضى إِلى فرغانة فسبى بها سبياً كثيراً. وفيها أعني سنة إِحدى وعشرين، وقيل اثنتين وعشرين ومائة، خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃، بالكوفة، ودعا إلى نفسه، وبايعه جمع كثير، وكان الوالي على الكوفة من قبل هشام، يوسف بن عمر الثقفي، فجمع العسكر وقاتل زيداً، فأصاب زيداً سهم في جبهته، فأدخل بعض الدور، ونزعوا السهم من جبهته، ثم مات. ولما علم يوسف بن عمر بمقتله، تطلبه حتى دل عليه واستخرجه وصلب جثته، وبعث برأسه إِلى هشام بن عبد الملك، فأمر بنصب الرأس بدمشق، ولم تزل جثته مصلوبة حتى مات هشام، وولي الوليد، فأمر بحرق جثته، فأحرقت، وكان عمر زيد لما قتل، اثنتين وأربعين سنة. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة فيها توفي إِياس بن معاوية بن قرة المزني، المشهور بالفراسة والذكاء، وكان ولي قضاء البصرة في أيام عمر بن عبد العزيز. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة وسنة أربع وعشرين ومائة، فيها وقيل غير ذلك، توفي محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، وعمره ثلاث وسبعون سنة، المعروف بالزُهري، بضم الزاي المنقوطة، وسكون الهاء، وبعدها راء، هذه النسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة، وكان الزُهري المذكور، من أعلام التابعين، رأى عشرة من أصحاب النبي، وروى عن الزهري المذكور، جماعة من الأئمة، مثل مالك وسفيان الثوري وغيرهما، وكان الزهري، إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله مشتغلا بها عن كل أحد فقالت له زوجته: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة. وفاة هشام وفي هذه السنة، أعني سنة خمس وعشرين ومائة، توفي هشام بن عبد الملك بالرصافة، لست خلون من ربيع الأول، فكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر، وكسراً، وكان مرضه الذبحة، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، ولما مات طلبوا له ما يسخنون فيه الماء، فلم يعطهم عياض كاتب الوليد، ما يسخنون فيه الماء، فإِنه ختم على جميع موجوده للوليد، فاستعاروا

стр. 193

له من الجيران قمقساً لتسخين الماء، ودفن بالرصافة، وكان أحول بين الحول، وخلف عدة بنين، منهم معاوية أبو عبد الرحمن، الذي دخل الأندلس، وملكها لما زال ملك بني أمية، وكان هشام حازماً سد يد الرأي، غزير العقل، عالماً بالسياسة، واختار هشام الرصافة، وبناها، وإليه تنسب فيقال رصافة هشام، وكانت مدينة رومية، ثم خرجت وهي صحيحة الهواء، وإنما اختارها لأن خلفاء بني أمية، كانوا يهربون من الطاعون، وينزلون في البرية، فأقام هشام بالرصافة، وهي في تربة صحيحة، وابتنى بها قصرين وكان بها دير معروف. أخبار الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو حادي عشر خلفاء بني أمية، لما مات هشام، نفذت الكتب إِلى الوليد، وكان الوليد مقيماً في البريّة بالأزرق خوفاً من هشام، وكان الوليد وأصحابه في ذلك الموضع في أسوأ حال، ولما اشتد به الضيق، أتاه الفرج بموت هشام، وكانت البيعة للوليد يوم الأربعاء، لثلاث خلون من ربيع الآخر، من هذه السنة أعني سنة خمس وعشرين ومائة، وعكف الوليد على شرب الخمر، وسماع الغناء ومعاشرة النساء، وزاد الناس في أعطيتهم عشرات، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة أخرى، ولم يقل في شيء سُئله لا. انتهى اَلنقل من تاريخ القاضي جمال الدين بن واصل، وابتدأت من هنا من تاريخ ابن الأثير الكامل، وفي هذه السنة أعني سنة خمس وعشرين ومائة، توفي القاسم بن أبي برة، وهو من المشهورين بالقراءة. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة، فيها سلم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، خالد بن عبد الله القسري. إِلى يوسف بن عمر، عامله على العراق، فعذبه وقتله. قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك في هذه السنة، قتل الوليد، قتله يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الذي يقال له يزيد الناقص، وكان مقتله في جمادى الآخرة، سنه ست وعشرين ومائة، بسبب كثرة مجونه ولهوه وشربه الخمر، ومنادمة الفساق، فثقل ذلك على الرعية والجند، وأذى بني عميه هشام والوليد، فرمره بالكفر، وغشيان أمهات أولاد أبيه، ودعا يزيد إلى نفسه، واجتمعت عليه اليمانية، ونهاه أخوه العباس بن الوليد بن عبد الملك عن ذلك، وتهدده، فأخفى يزيد الأمر عن أخيه، وكان يزيد مقيماً بالبادية، لوخم دمشق، فلما، اجتمع له أمره، قصد دمشق متخفياً في سبعة نفر، وكان بينه وبينها مسيرة أربعة أيام، ونزل بجيرود على مرحلة من دمشق، ثم دخل دمشق ليلاً، وقد بايع له أكثر أهلها، وكان عامل الوليد على دمشق، عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وجاء الوباء بدمشق فخرج منها، ونزل قرية قطنا، وظهر يزيد في دمشق، واجتمعت عليه الجند وغيرهم، وأرسل إِلى قطنا مائتي فارس، فأخذوا عبد الملك المذكور، عامل الوليد على دمشق بالأمان، ثم جهز يزيد جيشاً إِلى الوليد بن زيد بن عبد الملك، ومقدمهم عبد العزيز بن

стр. 194

الحجاج بن عبد الملك، ولما ظهر يزيد بن الوليد بدمشق، سار بعض موالي الوليد إِليه، وأعلمه، وهو بالأغذف من عمان، فسار الوليد حتى أتى البحرة، إِلى قصر النعمان بن بشير، ونازله عبد العزيز، وجرى بينه وبين الوليد قتال كثير، وقصد العباس بن الوليد بن عبد الملك، أخوه يزيد المذكور، اللحوق بالوليد ونصرته على أخيه، فأرسل عبد العزيز، منصور بن جمهور، إلى العباس، فأخذه قهراً، وأتى به إِلى عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك، فبايع، ونصب عبد العزيز راية وقال: هذه راية العباس، قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فتفرق الناس عن الوليد، فركب الوليد بمن بقي معه، وقاتل قتالاً شديداً، ثم انهزم عنه أصحابه، فدخل القصر وأغلقه، وحاصروه ودخلوا إِليه وقتلوه، واحتزوا رأسه، وسيروه إلى يزيد بن الوليد، فسجد يزيد شكراً لله، ووضع الرأس على رمح، وطيف به في دمشق، وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومائة، فكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وقيل غير ذلك، وكان الوليد من فتيان بني أمية وظرفائهم، منهمكاً في اللهو والشرب وسماع الغناء. أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك وهو ثاني عشر خلفائهم، استقر يزيد الناقص في الخلافة، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومائة، وسمي يزيد الناقص، لأنه نقص الناس العشرات التي زادها الوليد، وقررهم على ما كانوا عليه أيام هشام، ولما قتل الوليد وتولى يزيد الخلافة خالفه أهل حمص، وهجموا دار أخيه العباس بحمص، ونهبوا ما بها، وسلبوا حرمه، وأجمعوا على المسير إِلى دمشق لحرب يزيد، فأرسل إِليهم يزيد عسكراً، والتقوا قرب ثنية العقاب، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم أهل حمص، واستولى عليها يزيد، وأخذ البيعة عليهم. ثم اجتمع أهل فلسطين، فوثبوا على عامل يزيد، فأخرجوه من فلسطين، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك، فجعلوه عليهم، ودعا الناس إِلى قتال يزيد الناقص، فأجابوه إِلى ذلك، وبلغ يزيد ذلك، فأرسل إِليهم جيشاً مع سليمان بن هشام ابن عبد الملك، ووعد كبراء فلسطين ومناهم، فتخاذلوا عن صاحبهم، فلما قرب منهم الجيش تفرقوا، وقدم جيش سليمان في أثر يزيد بن سليمان بن عبد الملك، فنهبوه، وسار سليمان بن هشام بن عبد الملك حتى نزل طبرية، وأخذ البيعة بها ليزيد الناقص، ثم سار حتى نزل الرملة، وأخذ البيعة على أهلها أيضاً للمذكور. ثم أن يزيداً عزل يوسف بن عمر عن العراق، واستعمل عليه منصور بن جمهور، وضم إِليه مع العراق خراسان، فامتنع نصر بن سيار في خراسان، ولم يجب إِلى ذلك، ثم عزل يزيد بن الوليد، منصور بن جمهور عن العراق، وولاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. وفي هذه السنة أعني سنة ست وعشرين ومائة، أظهر مروان بن محمد الخلاف ليزيد بن الوليد.

стр. 195

وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك وفي هذه السنة، توفي يزيد الناقص المذكور، لعشر بقين من ذي الحجة، وكانت خلافته خمسة أشهر واثني عشر يوماً، وكان موته بدمشق، وكان عمره ستاً وأربعين سنة، وقيل ثلاثون سنة، وقيل غير ذلك. وكان أسمر طويلاً، صغير الرأس جميلاً، ولما مات يزيد بن الوليد، قام بالأمر بعده إبراهيم أخوه وهو ثالث عشر خلفائهم، غير أنه لم يتم له الأمر، وكان يسلم عليه بالخلافة تارة، وتارة بالإمارة، فمكث أربعة أشهر وقيل سبعين يوماً. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. وفيها توفي أبو جمرة صاحب ابن عباس، جمرة بالجيم والراء المهملة. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة، فيها سار مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، أمير ديار الجزيرة، إِلى الشام لخلع إبراهيم بن الوليد، ولما وصل إِلى قنسرين، اتفق معه أهلها، وساروا معه، ولما وصل مروان إِلى حمص، بايعه أهلها، وصاروا معه أيضاً، ولما قرب مروان من دمشق، بعث إِبراهيم إِلى قتاله الجنود، مع سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكانت عدتهم مائة وعشرين ألفاً، وعدة عسكر مروان بن محمد ثمانين ألفاً، فاقتتلوا من ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم، وانهزم عسكر إبراهيم، ووقع القتل فيهم والأسر، وهرب سليمان فيمن هرب إلى دمشق، واجتمعوا مع إِبراهيم، وقتلوا ابني الوليد بن يزيد وكانا في السجن، ثم هرب إبراهيم واختفى، ونهب سليمان بن هشام بيت المال، وقسمه في أصحابه، وخرج من دمشق. بيعة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو رابع عشر خلفاء بني أمية وآخرهم، وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومائة، بويع لمروان المذكور في دمشق بالخلافة، ولما استقر له الآمر، رجع إِلى منزله بحران، وأرسل إِبراهيم المخلوع بن الوليد، وسليمان بن هشام، فطلبا من مروان الأمان، فأمنهما، فقدما عليه ومع سليمان أخوته وأهل بيته فبايعوا مروان بن محمد. وفي هذه السنة، عصي أهل حمص على مروان، فسار مروان من حران إلى حمص، وقد سد أهلها أبوابها، فأحدق بالمدينة، ثم فتحوا له الأبواب وأظهروا طاعته، ثم وقع بينهم قتال، فقتل من أهل حمص مقتلة، وهدم بعض سورها، وصلب جماعة من أهلها. ولما فتح حمص جاءه الخبر بخلاف أهل الغوطة، وأنهم ولوا عليهم يزيد بن خالد القسري، وأنهم قد حصروا دمشق، فأرسل مروان عشرة آلاف فارس، مع أبي الورد بن الكوثر، وعمرو بن الصباح، وساروا من حمص، ولما وصلوا إلى قرب دمشق، حملوا على أهل الغوطة، وخرج من بالبلد عليهم أيضاً، فانهزم أهل الغوطة، ونهبهم العسكر وأحرقوا المزة وقرى غيرها. ثم عقيب ذلك خالفت أهل فلسطين، ومقدمهم ثابت بن نعيم، فكتب مروان إِلى أبي الورد يأمره بالسير إليه، فسار إِليه وهزمه على طبرية، ثم

стр. 196

اقتتلوا على فلسطين، فانهزم ثابت بن نعيم، وتفرق أصحابه، وأسر ثلاثة من أولاده، فبعث بهم أبو الورد إِلى مروان، وأعلمه بالنصر. ثم سار مروان بن محمد إِلى قرقيسيا، فخلعه سليمان بن هشام بن عبد الملك، واجتمع إِليه من أهل الشام سبعون ألفاً، وعسكر بقنسرين، وسار إِليه مروان من قرقيسيا، والتقوا بأرض قنسرين، وجرى بينهم قتال شديد، ثم انهزم سليمان بن هشام وعسكره، واتبعهم خيل مروان يقتلون ويأسرون، فكانت القتلى من عسكر سليمان تزيد على ثلاثين ألفاً، ثم إِن سليمان وصل إِلى حمص، واجتمع إِليه أهلها وبقية المنهزمين، فسار إِليهم مروان وهزمهم ثانية، وهرب سليمان إلى تدمر، وعصى أهل حمص، فحاصرهم مروان مدة طويلة، ثم طلبوا الأمان، وسلموا إِلى مروان من كان عليهم من الولاة، من جهة سليمان، فأجابهم إِلى ذلك ومنهم. وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومائة، مات محمد بن واسع الأزدي الزاهد. وفيها مات عبد الله بن إسحاق. مولى الحضرمي من خلفاء عبد شمس، وكنيته أبو بحر، وكان إِماماً في النحو واللغة، وكان يعيب الفرزدق في شعره، وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق بقوله: ولو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا فقال له عبد الله: وقد لحنت أيضاً في قولك مولى مواليا، يل ينبغي أن تقول مولى موالي. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة، فيها أرسل مروان بن محمد، يزيد بن هبيرة إِلى العراق، لقتال من به من الخوارج، وكان بخراسان نصر بن سيار، والفتنة بها قائمة، بسبب دعاة بني العباس. وفيها مات عاصم بن أبي النجود، صاحب القراة، والنجود الحمارة الوحشية. ظهور دعوة بني العباس ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة، فيها ظهرت دعوة بني العباس بخراسان، وكان يختلف أبو مسلم الخراساني من خراسان، إلى إِبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان يُسمى إِبراهيم الإمام، ومنه إلى خراسان، ليستلم منه إِبراهيم الأحوال، فلما كانت هذه السنة، استدعى إِبراهيم أبا مسلم من خراسان، فسار إِليه، ثم أرسل إليه إِبراهيم أن ابعث إِلي بما معك من المال مع قحطبة، وارجع إلى أمرك من حيث وافاك كتابي، ووافاه الكتاب بقومس، فامتثل أبو مسلم ذلك، وأرسل ما معه إِلى إِبراهيم مع قحطبة، ورجع أبو مسلم إلى خراسان، فلما وصل إِلى مرو أظهر الدعوة لبني العباس، فأجابه الناس، وأرسل إِلى بلاد خراسان بإظهار ذلك، وذلك بعد أن كان قد سعى في ذلك سراً مدة طويلة، ووافقه الناس في الباطن، وأظهروا ذلك في هذه السنة، وجرى بين أبي مسلم، وبين نصر بن سيار، أمير خراسان من جهة بني أمية، مكاتبات ومراسلات يطول شرحها، ثم جرى بينهما قتال، فقتل أبو مسلم بعض عمال نصر بن سيار، على بعض بلاد خراسان، واستولى على ما بأيديهم، وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من سواد الكوفة، وكان قهرماناً لإِدريس معقل العجلي، ثم صار إِلى

стр. 197

أن ولاه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الأمر في استدعاء الناس في الباطن، ثم مات محمد، فولاه ابنه إِبراهيم الإمام بن محمد ذلك، ثم الأئمة من ولد محمد، ولما قوى أبو مسلم على نصر بن سيار، ورأى نصر أن أمر أبي مسلم كلما جاء في قوة، كتب إلى مروان بن محمد يعلمه بالحال، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكتب أبيات شعر وهي: أرى تحتَ الرماد وميضَ نارٍ ... وأوشك أن تكون لها ضرامُ فإِن لم يُطفها عقلاءُ قوم ... يكون وقودها جثث وهامُ فقلت من التعجب ليتَ شعري ... أأيقاظ أمية أم نيامُ وكان مقام إِبراهيم الإمام وأهله بالشراة، من الشام، بقرية يقال لها الحميمة، والحميمة، بضم الحاء المهملة، وميم مفتوحة، وياء مثناهْ من تحتها ساكنة، ثم ميم وهاء، هي عن الشوبك أقل من مسيرة يوم، بينها وبين الشوبك وادي موسى، وهي من الشوبك قبلة بغرب، وتلك البقعة التي هي من الشوبك، إِلى جهة الغرب، والقبلة، يقال لها الشراة. ولما بلغ مروان الحال، أرسل إِلى عامله بالبلقاء، أن يسير إِليه إبراهيم بن محمد المذكور، فشدّه وثاقاً، وبعث به إِليه، فأخذه مروان وحبسه في حران، حتى مات إِبراهيم في حبسه، وكان مولده في سنة اثنتين وثمانين. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة، في هذه السنة، دخل أبو مسلم مدينة مرو ونزل في قصر الإمارة، في ربيع الآخر، وهرب نصر بن سيار من مرو، ثم وصل قحطبة من عند الإمام إِبراهيم بن محمد إِلى أبي مسلم، ومعه لواء كان قد عقده له إِبراهيم، فجعل أبو مسلم قحطبة في مقدمته، وجعل إِليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بذلك. وفيها أعني سنة ثلاثين ومائة، وقيل سنة ست وثلاثين، توفي ربيعة الرأي ابن فروج، فقيه أهل المدينة، أدرك جماعة من الصحابة، وعنه أخذ العلم الإمام مالك. ثم دخلت سنة إِحدى وثلاثين ومائة، فيها مات نصر بن سبار بساوة، قرب الري، وكان عمره خمساً وثمانين سنة، وفيها، أيضاً توفي أبو حذيفة، واصل بن عطاء الغزال المعتزلي، وكان مولده سنة ثمانين للهجرة، وكان يشتغل على الحسن البصري، ثم اعتزل عنه، وخالف في قوله في أصحاب الكبائر من المسلمين، أنهم ليسوا مؤمنين ولا كافرين، بل لهم منزلة بين المنزلتين، فسمي وأصحابه معتزلة، وكان واصل المذكور، يلثغ بالراء، ويتجنب اللفظ بالراء في كلامه، حتى ذكر ذلك في الأشعار فمنه في المديح: نعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء ولم يكن واصل بن عطاء غزّالا، وإنما كان يلازم الغّزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيحمل صدقته لهن. وفيها أعني سنة إِحدى وثلاثين ومائة، توفي بالبصرة مالك بن دينار، من موالي بني أسامة بن ثور القرشي، العالم الناسك الزاهد المشهور، وما أحسن ما وري باسم مالك المذكور، واسم أبيه دينار، بعض الشعراء، في ملك اقتتل مع أعدائه، وانتصر عليهم،

стр. 198

وأسر الرجال وفرق الأموال فقال: أعتقت من أموالهم ما استعبدوا ... وملكتُ رقهم وهم أحرارُ حتى غدا من كان منهم مالكا ... متمنياً لو أنه دينار ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة، في هذه السنة، سار قحطبة في جيش كثيف من خراسان، طالباً يزيد بن هبيرة أمير العراق، من جهة مروان، آخر خلفاء بني أمية، وسار حتى قطع الفرات، والتقيا، فانهزم ابن هبيرة، وعدم قحطبة، فقيل غرق، وقيل وجد مقتولاً، وقام بالأمر بعده ابنه الحسن بن قحطبة. خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح وفي هذه السنة بويع أبو العباس السفاح، واسمه عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس بالخلافة، في ربيع الأول، وقيل في ربيع الآخر بالكوفة، بعد مسيره من الحميمة، وكان سبب مسيره من الحميمة، وكان مقامه بها، أن إِبراهيم الإمام لما أمسكه مروان، نعى نفسه إِلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى أهل الكوفة، مع أخيه أبي العباس السفاح، وبالسمع له والطاعة، وأوصى إِبراهيم الإمام بالخلافة إِلى أخيه السفاح، وسار أبو العباس السفاح بأهل بيته، منهم أخوه أبو جعفر المنصور، وغيره، إِلى الكوفة، فقدم إليها في صفر، واستخفى إِلى شهر ربيع الأول، فظهر وسلم عليه الناس بالخلافة، وعزره في أخيه إبراهيم الإمام، ودخل دار الإمارة بالكوفة، صبيحة يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ثم خرج إِلى المسجد، فخطب وصلى بالناس، ثم صعد إِلى المنبر ثانياً، وصعد عمه داود بن علي، فقام دونه، وخطبا الناس، وحضاهم على الطاعة ثم نزل السفاح وعمه داود بن علي أمامه، حتى دخل القصر، وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور في المسجد، يأخذ له البيعة على الناس، ثم خرج السفاح فعسكر بحمام أعين واستخلف على الكوفة وأرضها، عمه داود بن علي، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله ابن بسام. ثم بعث السفاح عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس إلى شهرزور، وأهلها مذعنون بالطاعة لبني العباس، وبها من جهة بني العباس أبو عون، عبد الملك بن يزيد الأزدي. وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد، إِلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط. وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس، إِلى حميد بن قحطبة، أخي الحسن بن قحطبة بالمدائن، وأقام السفاح في العسكر أشهراً، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية، وهي هاشمية الكوفة، بقصر الإِمارة. هزيمة مروان بالزاب وأخباره إلى أن قتل كان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، آخر خلفاء بني أمية، وكان يقال له مروان الجعدي، وحمار الجزيرة أيضاً، بحران، فسار منها طالباً أبا عون، عبد الملك بن يزيد الأزدي، المستولي على شهرزور من جهة بني العباس،

стр. 199

فلما وصل مروان إِلى الزاب، نزل به وحفر عليه خندقاً، وكان في مائة ألف وعشرين ألفاً، وسار أبو عون من شهرزور إِلى الزاب، بما عنده من الجموع، وأردفه السفاح بعساكر في دفوع، مع عدة مقدمين، منهم سلمة بن محمد ابن عبد الله الطائي، وعم السفاح عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، كما ذكرناه، ولما قدم عبد الله بن علي على أبي عون، تحول أبو عون عن سرادقه وخلاه له وما فيه. ثم إِن مروان عقد جسراً على الزاب، وعبر إِلى جهة عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فسار عبد الله بن علي إلى مروان، وقد جعل على ميمنته أبا عون، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية، وكان عسكر عبد الله عشرين ألفاً، وقيل أقل من ذلك، والتقى الجمعان، واشتد بينهم القتال، وداخل عسكر مروان الفشل، وصار لا يريد أمراً إِلا وكان فيه الخلل، حتى تمت الهزيمة على عسكر مروان، فانهزموا وغرق من أصحاب مروان عدة كثيرة، وكان ممن غرق، إِبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان المخلوع، وهو يومئذ مع مروان الحمار، وكتب عبد الله بن علي إِلى السفاح بالفتح، وحوى من عسكر مروان سلاحاً كثيراً. وكانت هزيمة مروان بالزاب، يوم السبت، لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ولما انهزم مروان من الزاب، أتى الموصل، فسبّه أهلها وقالوا: يا جعدي، الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا، فسار عنها حتى أتى حران، وأقام بها نيفاً وعشرين يوماً، حتى دنا منه عسكر السفاح، فحمل مروان أهله وخيله، ومضى منهزماً إلى حمص، وقدم عبد الله بن علي حران، ثم سار مروان من حمص وأتى دمشق، ثم سار عن دمشق إِلى فلسطين، وكان السفاح قد كتب إِلى عمه عبد الله بن علي باتباع مروان، فسار عبد الله في أثره إلى أن وصل إلى دمشق، فحاصرها ودخلها عنوة، يوم الأربعاء لخمس مضين من رمضان، سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما فتح عبد الله بن علي دمشق، أقام بها خمسة عشرة يوماً، ثم سار من دمشق حتى أتى فلسطين، فورد عليه كتاب السفاح يأمره أن يرسل أخاه، صالح بن علي بن عبد الله بن عباس في طلب مروان، فسار صالح في ذي القعدة من هذه السنة، حتى نزل نيل مصر، ومروان منهزم قدامه، حتى أدركه في كنيسة في بوصير من أعمال مصر، وانهزم أصحاب مروان، وطعن إِنسان مروان برمح فقتله، وسبق إِليه رجل من أهل الكوفة، كان يبيع الرمان، فاحتز رأسه، وكان قتله لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ولما أحضر رأسه قدام صالح بن علي بن عبد الله ابن العباس، أمر أن ينفض، فانقطع لسانه، فأخذته هرة، وأرسله صالح إلى السفاح وقال: قد فتحَ اللهُ مصراً عنوةً لكُمُ ... وأهلك الفاجرَ الجعديَ إِذ ظلما وذاك مقوله هر يجرره ... وكان ربُكَ من ذي الكفر منتقما ثم رجع صالح المذكور إِلى الشام، وخلف أبا عون بمصر، ولما وصل الرأس إِلى السفاح وهو

стр. 200

بالكوفة، سجد شكراً لله تعالى، ولما قتل مروان، هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إِلى أرض الحبشة، فقاتلتهم الحبشة، فقتل عبيد الله، ونجا عبد الله في عدّة ممن معه، وبقي إلى خلافة المهدي، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إِلى المهدي، ولما قتل مروان حُملت نساؤه وبناته إِلى بين يدي صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، فأمر بحملهن إلى حران، فلما دخلنها ورأين منازل مروان، رفعن أصواتهن بالبكاء، وكان عمر مروان لما قتل، اثنتين وستين سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين وعشرة أشهر ونصفاً، وكان يكنى أبا عبد الملك وكانت أمه أم ولد كردية، وكان يلقب بالحمار، وبالجعدي، لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه، في القول بخلق القرآن، والقدر، وكان مروان بن محمد، الحكمٍ المذكور، أبيض أشهل، ضخم الهامة، كث اللحية أبيضها، ربعة، وكان شجاعاً، حازماً، إلا أن مدته انقضت، فلم ينفعه حزمه وهو آخر الخلفاء من بني أمية. من قتل من بني أمية كان سليمان بن هشام بن عبد الملك، قد أمنه السفاح وأكرمه، فدخل سديف على السفاح وأنشده: لا يغرنك ما ترى من رجال ... إِنّ تحت الضلوع داء دويا فضع السيفَ وارفع السوطَ حتّى ... لا ترىَ فوق ظهرها أمويا فأمر السفاح بقتل سليمان، فقتل، وكان قد اجتمع عند عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، عدة من بني أمية، نحو تسعين رجلاً، فلما اجتمعوا عند حضور الطعام، دخل شبل بن عبد الله، مولى بني هاشم، على عبد الله بن علي عم السفاح المذكور وأنشده: أصبحَ الملك ثابتُ الأساسِ ... بالبهاليل من بني العباسِ طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياسِ لا تقيلن عبد شمس عثاراً ... واقطعن كل رقلة وغرَاس ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحد المواسي ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاسِ واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وشهيد بجانبَ المهراس والقتل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربة وتتاسِ فأمر عبد الله بهم، فضربوا بالعمد حتى وقعوا، وبسط عليهم الأنطاع، ومد عليهم الطعام، وأكل الناس وهم يسمعون أنينهم حتى ماتوا جميعاً، وأمر عبد الله بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، ونبش قبر يزيد ابنه، ونبش قبر عبد الملك بن مروان، ونبش قبر هشام بن عبد الملك، فوجد صحيحاً، فأمر بصلبه فصلب ثم أحرقه بالنار، وذراه، وتتبع

стр. 201

يقتل بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فلم يفلت منهم غير رضيع، أو من هرب إِلى الأندلس، وكذلك قَتَل سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة، جماعة من بني أمية، وألقاهم في الطريق فأكلتهم الكلاب، ولما رأى من بقي من بني أمية ذلك، تشتتوا واختفوا في البلاد. وفي هذه السنة أعني سنة اثنتين وثلاثين ومائة، خلع أبو الورد بن الكوثر، وكان من أصحاب مروان بن محمد، طاعة بني العباس، بعد أن كان قد دخل في طاعتهم، فسار عبد الله بن علي ابن عبد الله بن عباس، إِلى أبي الورد، وهو بقنسرين، في جمع عظيم، واقتتلوا قتالاً شديداً، وكثر القتل في الفريقين، ثم انهزمت أصحاب أبي الورد، وثبت أبو الورد حتى قتل. ولما فرغ عبد الله بن علي من أمر أبي الورد، من أهل قنسرين، وجدد البيعة معهم، ثم رجع إِلى دمشق، وكان قد خرج من بها عن الطاعة أيضاً، ونهبوا أهل عبد الله بن علي، فلما دنا عبد الله من دمشق، هربوا، ثم أمنهم. وفيها ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الموصل، وكان أهلها قد أخرجوا الوالي الذي بها، فسار يحيى إِلى الموصل، ولما استقر بها، قتل من أهلها نحو أحد عشر ألف رجل، ثم أمر بقتل نسائهم وصبيانهم، وكان مع يحيى قائد معه أربعة آلاف زنجي، فاستوقفت امرأة من الموصل يحيى، وقالت: مأنف للعربيات أن ينكحن الزنوج، فعمل كلامها فيه، وجمع الزنوج فقتلهم، عن آخرهم. وفي هذه السنة أرسل السفاح أخاه أبا جعفر المنصور، والياً على الجزيرة وأذربيجان وأرمنية، وولى عمه داود المدينة ومكة واليمن واليمامة، وولى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، الكوفة وسوادها، وكان على الشام عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، وعلى مصر أبو عون بن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فيها استولى ملك الروم، وكان اسمه قسطنطين على ملطية، وقاليقلا، وفيها ولى السفاح عمه سليمان بن علي ابن عبد الله بن عباس، البصرة وكور دجلة والبحرين وعمان، واستعمل عمه إِسماعيل ابن علي بن عبد الله بن عباس على الأهواز. وفيها مات عم السفاح داود بن علي بالمدينة، وولى السفاح مكانه زياد بن عبد الله الحارثي. وفيها عزل السفاح أخاه يحيى بن محمد عن الموصل، لكثرة قتله فيهم، وولى عليها عمه إِسماعيل بن علي. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة فيها تحول السفاح من الحيرة، وكان مقامه بها، إِلى الأنبار، في ذي الحجة. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة فيها توفي يحيى أخو السفاح بفارس، وكان قد ولاه إِياها السفاح بعد عزله عن الموصل. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة فيها استأذن أبو مسلم السفاح في القدوم عليه، وفي الحج، فأذن له فحج أبو مسلم، وحج أبو جعفر المنصور أيضاً، وكان أبو جعفر هو أمير الموسم.

стр. 202

موت السفاح في هذه السنة مات السفاح بالأنبار، في ذي الحجة بالجدري، وعمره ثلاث وثلاثون سنة فمدة خلافته، من لدن قتل مروان، أربع سنين، وكان قد بويع له بالخلافة قبل قتل مروان بثمانية أشهر، وكان السفاح طويلا أقنى الأنف، أبيض، حسن الوجه واللحيه، وصلى عليه عمه عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفنه بالزنبار العتيقة. خلافة المنصور وهو ثاني خلفاء بني العباس، كان السفاح قد عهد بالخلافة إِلى أخيه أبي جعفر المنصور، ثم من بعده إلى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فعقد العهد في ثوب، وختم عليه، ودفعه إلى عيسى بن موسى، ولما مات السفاح، كان أبو جعفر في الحج، فأخذ له البيعة على الناس عيسى بن موسى، وأرسل يعلمه بذلك، وبموت السفاح، وكان مع أبي جعفر أبو مسلم في الحج، فبايع أبو مسلم أبا جعفر وبايعه الناس. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة فيها قدم أبو جعفر المنصور من الحج إلى الكوفة، فصلى بأهلها الجمعة، وخطبهم، وسار إلى الأنبار فأقام بها. وفيها بايع عم المنصور عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لنفسه بالخلافة، وكان أبو مسلم قد قدم من الحج مع أبي جعفر المنصور، فأرسل أبو جعفر أبا مسلم ومعه الجنود، إِلى قتال عمه عبد الله بن علي، وكان عبد الله بأرض نصيبين، فاقتتل هو وأبو مسلم عدة دفوع، واجتهد أبو مسلم بأنواع الخدع في قتاله، وداموا كذلك مدّة، وفي آخر الأمر انهزم عبد الله بن علي وأصحابه في جمادى الآخرة، من هذه السنة، إِلى جهة العراق، واستولى أبو مسلم على عسكره، وكتب بذلك إِلى المنصور. قتل أبي مسلم الخراساني وفيها قتل أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني، بسبب وحشة جرت بينهما، فإِن المنصور كتب إِلى أبي مسلم بعد أن هزم عبد الله عمه، بالولاية على مصر والشام، وصرفه عن خراسان، فلم يجب أبو مسلم إِلى ذلك، أبو مسلم يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم يطلبه إليه، فاعتذر عن الحضور إِليه، وطالت بينهما المراسلات في ذلك، وآخر الأمر أن أبا مسلم قدم على أبي جعفر المنصور بالمدائن، في ثلاثة آلاف رجل، وخلف باقي عسكره بحلوان، ولما قدم أبو مسلم، دخل على المنصور، وقبل يده، وانصرف، فلما كان من الغد، ترك المنصور بعض حرسه خلف الرواق، وأمرهم أنه إذا صفق بيديه، يخرجون ويقتلون أبا مسلم، ودعا أبا مسلم، فلما حضر أخذ المنصور يعدد ذنوبه، وأبو مسلم يعتذر عنها، ثم صفق المنصور، فخْرجَ الحرس وقتلوا أبا مسلم، وكان قتله في شعبان

стр. 203

من هذه السنة، أعني سنة سبع وثلاثين ومائة، وكان أبو مسلم قد قتل في مدة دولته ستمائة ألف صبراً. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة في هذه السنة، خرج قسطنطين ملك الروم إلى بلد الإسلام، فأخذ ملطية عنوة، وهدم سورها، وعفا عن من فيها من المقاتلة والذرية، وقد مر في سنة ثلاث وثلاثين ومائة نحو ذلك، وفيها وسع المنصور في المسجد الحرام. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة.

стр. 204

ابتداء الدولة الأموية بالأندلس في هذه السنة، دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم، إِلى الأندلس، وسبب ذلك أنّ بني أمية، لما قتلوا، استخفى من سلم منهم، فهرب عبد الرحمن المذكور، واستولى على الأندلس في هذه السنة. وفيها ظفر المنصور بعمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، وأعدمه وكان عبد الله مستخفياً عند أخيه سليمان بن علي من حين هرب من أبي مسلم على ما ذكرناه. ثم دخلت سنة أربعين ومائة في هذه السنة، أرسل المنصور عبد الوهاب ابن أخيه، إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة، في سبعين ألف مقاتل، ليعمروا ملطية فعمروها في ستة أشهر، وسار إِليهم ملك الروم في مائة ألف مقاتل، حتى نزل على نهر جيحان، فبلغه كثرة المسلمين، فرجع عنهم. وفيها حج المنصور وتوجه

стр. 205

إلى البيت المقدس، ثم إِلى الرقة، وعاد إِلى هاشمية الكوفة، وفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصيصة، وبنى بها مسجداً جامعاً، وأسكنها ألف جندي، وسماها المعمورة. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة في هذه السنة، كان خروج الراوندية على المنصور، وهم قوم من أهل خراسان، على مذهب أبي مسلم الخراساني يقولون بالتناسخ، فيزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم، هو الخليفة أبو جعفر المنصور، فلما ظهروا وأتوا إِلى قصر المنصور، قالوا: هذا قصر ربنا، فحبس المنصور رؤساءهم، وهم مائتان، فغضب أصحابهم، وأخذوا نعشاً وحملوه ومشوا به على أنهم ماشون في جنازة، حتى بلغوا باب السجن، فرموا بالنعش، وكسروا باب السجن، وأخرجوا رؤساءهم، ثم قصدوا المنصور وهم نحو ستمائة رجل، فتنادى الناس، وأغلقت أبواب المدينة وخرج المنصور ماشياً، واجتمع عليه الناس، وكان معن بن زائدة مستخفياً من المنصور، فحضر وقاتل الراوندية بين يدي المنصور، فعفا عن معن لذلك وقتل في ذلك اليوم الراوندية عن آخرهم. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة فيها مات عم المنصور سليمان بن علي. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة، ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة في هذه السنة، حبس المنصور من بني الحسن بن علي بن أبي طالب أحد عشر رجلا وقيدهم، وفيها مات عبد الله بن شبرمة وعمرو بن عبيد المعتزلي الزاهد، وعقيل بن خالد صاحب الزهري. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة فيها ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، واستولى على المدينة، وتبعه أهلها، فأرسل المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى إِليه، فوصل إِلى المدينة، وخندق محمد ابن عبد الله على نفسه، موضع خندق رسول الله ﷺ للأحزاب، وجرى بينهما قتال، آخره أن محمد بن عبد الله المذكور، فتل هو وجماعة من أهل بيته وأصحابه، وانهزم من سلم من أصحابه، وكان محمد المذكور، سميناً أسمر شجاعاً، كثير الصوم والصلاة، وكان يلقب المهدي، والنفس الزكية، ولما قتل محمد، أقام عيسى بن موسى بالمدينة أياماً، ثم سار عنها في أواخر رمضان يريد مكة معتمراً. بناء بغداد وفي هذه السنة، ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد، وسبب ذلك: أن المنصور كره سكنى الهاشمية التي ابتناها أخوه بنواحي الكوفة، لما ثارت عليه الراوندية فيها، وكرهها أيضاً لجوار أهل الكوفة، فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، فخرج يرتاد له موضعاً يسكنه، فاختار موضع بغداد، وابتدأ في عملها سنة خمس وأربعين ومائة. ظهور إبراهيم العلوي في هذه السنة أيضاً، في رمضان، ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن

стр. 206

أبي طالب، أخو محمد النفس الزكية، وكان مستخفياً هارباً من بلد إِلى بلد، والمنصور مجتهد على الظفر به، فقدم البصرة ودعا الناس إِلى بيعة أخيه محمد بن عبد الله، وذلك قبل أن يبلغه قتله بالمدينة، فبايعه جماعة، منهم: مرة العبشمي وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن سلمة الهجيمي، وعبد الله بن يحيى الرقاشي، وأجابه جماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف، وكان أمير البصرة سفيان بن معاوية، فلما رأى اجتماع الناس على إِبراهيم المذكور، تحصن في دار الإمارة بجماعة، فقصده إِبراهيم وحصره، فطلب سفيان منه الأمان فأمنّه إبراهيم، ودخل إِبراهيم القصر، فجاء يجلس على حصير فرشت له هناك، فقلبها الريح، فتطير الناس بذلك، فقال إِبراهيم: إِنا لا نتطير وجلس عليها مقلوبة، ووجد إبراهيم في بيت المال ألفي ألف درهم، فاستعان بها، وفرض لأصحابه خمسين خمسين. ومضى إِبراهيم بنفسه إِلى دار زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى هناك لأهل البصرة بالأمان، وأن لا يتعرض إليهم أحد. ولمّا استقرت البصرة لإبراهيم، أرسل جماعة فاستولوا على الأهواز، ثم أرسل هارون بن سعد العجلي في سبعة عشر ألفاً إِلى واسط فملكها العجلي، ولم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش، حتى أتاه خبر مقتل أخيه محمد بن عبد اَلله، قبل عيد الفطر بثلاثة أيام. ثم إِن إبراهيم أجمع على المسير إِلى الكوفة، وسار من البصرة وقد أحصى ديوانه مائة ألف، حتى نزل باحمرا وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخاً، وكان المنصور قد استدعى عيسى بن موسى من الحجاز، فحضر، وجعله في جيش قبالة إِبراهيم بن عبد الله، وجرى بينهما قتال شديد، انهزم فيه غالب عسكر عيسى بن موسى ثم تراجعوا. ثم وقعت الهزيمة على أصحاب إِبراهيم، وثبت هو في نفر قليل من أصحابه يبلغون ستمائة، فجاء سهم في حلق إِبراهيم، فتنحى عن موقفه فقال أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وأنزلوه، فحمل عليهم عسكر عيسى ابن موسى وفرقوهم عنه، واحتزوا رأس إِبراهيم، وأتوا به إِلى عيسى فسجد شكراً لله تعالى، وبعث به إِلى المنصور. وكان قتل إِبراهيم، لخمس بقين من ذي القعدة، سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة فيها تحول المنصور من مدينة ابن هبيرة إِلى بغداد ليكمل عمارتها، واستشار أصحابه، وفيهم خالد بن برمك؛ في نقض إِيوان كسرى والمدائن، ونقل ذلك إلى بغداد، فقال خالد ابن برمك: لا أرى ذلك، لأنه من أعلام المسلمين، فقال المنصور: مِلتَ يا خالد إلى أصحابك العجم، وأمر المنصور بنقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه، فكان ما يغرمون على نقضه، أكثر من قيمة ذلك المنقوض، فترك نقضه، فقال له خالد: إِني لا أرى أن تبطل ذلك لئلا يقال أنك عجزت عن تخريب ما بناه غيرك، فلم يلتفت المنصور إِلى ذلك، وترك هدمه، ونقل المنصور أبواب مدينة واسط،

стр. 207

فجعلها على بغداد، وجعل المنصور بغداد مدوّرة، لئلا يكون بعض الناس أقرب إِلى السلطان من بعض، وبني قصره في وسطها، والجامع في جانب القصر. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة: فيها خلع المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، من ولاية العهد، وبايع لابنه المهدي محمد بن المنصور. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة: فيها ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، وفيها ولىّ المنصور خالد بن برمك الموصل، وكان مولد الفضل قبل مولد الرشيد بتسعة أيام، فأرضعته الخيزران أم الرشيد. وفيها توفي جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وجعفر الصادق، أحد الأئمة الاثني عشر، على رأي الإمامية، فإِنه قد تقدم منهم علي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم الحسين، ثم زين العابدين، ثم الباقر، ثم جعفر الصادق المذكور، وسنذكر الباقين إِن شاء الله تعالى، وسمي جعفر بالصادق لصدقه، وله كلام في صنعة الكيمياء، والزجر، والفأل، وولد سنة ثمانين، وتوفي في هذه السنة. أعني سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة، ودفن بالبقيع، وأمّه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. وفيها توفى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة: فيها مات مسلم بن قتيبة بالري، وكان مشهوراً، عظيم القدر، وفيها مات كهمش بن الحسن التميمي البصري. وفيها مات عيسى بن عمر الثقفي، وعنه أخذ الخليل النحو. ثم دخلت سنة خمسين ومائة: فيها بنى عبد الرحمن الأموي سور قرطبة، وفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور، وفيها مات الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ابن زوطا، مولى تيم الله بن ثعلبة، وكان زوطا من أهل كابل، وقيل من أهل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وهو الذكي مسه الرق فأعتق، وولد له ثابت على الإسلام، وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة المذكور: ما وقع علينا رِق قط، وروى أن ثابتاً أبا أبي حنيفة وهو صغير، ذهب إِلى علي بن أبي طالب فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. وقيل في نسب أبي حنيفة غير ذلك، فقيل: هو النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، وأن جده النعمان بن المرزبان، أهدى إلى علي بن أبي طالب ﵁ في يوم المهرجان فالوذجا، فقال له علي: مهرجونا في كل يوم، وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، وهم أنس بن مالك، وعبد الله بن أُبي، أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحداً منهم، ولا أخذ عنهم، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وأخذ عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وكان أبو حنيفة عالماً عاملاً زاهداً ورعاً، راوده أبو جعفر المنصور في أن يلي القضاء فامتنع، وكان حسن الوجه، ربعة، وقيل طويلاً، أحسن الناس منطقاً. قال الشافعي: قيل لمالك، هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلاً، لو كلمته في هذه السارية أن يجعلها ذهباً، لقام بحجته، وكان يصلي غالب الليل، حتى قيل

стр. 208

إِنه صلى الصبح بوضوء عشاء الآخرة أربعين سنة، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه، سبعة آلاف مرة. وكان يعاب بقلة العربية، وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وقيل ولد سنة إِحدى وستين، وكانت وفاته ببغداد، في السجن ليلي القضاء، فلم يفعل، وقيل إِنه توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي، وذلك في رجب من هذه السنة، وقيل في جمادى الأولى وقبره ببغداد مشهور. وزوطا، بضم الزاي المعجمة وسكون الواو وفتح الطاء المهملة. وفيها مات محمد بن إسحاق، صاحب المغازي فقيل كانت وفاة محمد بن إِسحاق المذكور، سنة إحدى وخمسين ومائة، وكان ثبتاً في الحديث عند أكثر العلماء، وقد ذكره البخاري في تاريخه، ولكن لم يرو عنه، وكذلك مسلم لم يخرج عنه إلا حديثاً واحداً في الرجم، وإنما لم يرو عنه البخاري لأجل طعن الإمام مالك بن أنس فيه، وكانت وفاة ابن إسحاق ببغداد، وفيها مات مقاتل بن سليمان البلخي المفسر. ثم دخلت سنة إِحدى وخمسين ومائة فيها ولى المنصور، هشام بن عمرو الثعلبي على السند، وكان على السند، عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، فعزله وولاه إِفريقية، وكان يلقب عمر المذكور بهزار مرد أي ألف رجل وفيها بنى المنصور الرصافة، للمهدي ابنه وهي من الجانب الشرقي من بغداد، وحول إليها قطعة من جيشه، وفيها قتل معن بن زائدة الشيباني، بسجستان في بست. وكان المنصور قد استعمله على سجستان، قتله جماعة من الخوارج، هجموا عليه في بيته بغتة وهو يحتجم فقتلوه، وقام بالأمر بعده ابن أخيه يزيد بن مزبد بن زائدة الشيباني. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة فيها غزا حميد بن قحطبة كابل وكان أمير خراسان. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسنة أربع وخمسين ومائة فيها أعني في سنة أربع وخمسين ومائة، توفي بالكوفة أبو عمرو، واسمه كنيته، ابن العلا بن عمار من ولد الحصين التميمي المازني البصري، وكانت ولادته في سنة سبعين، وقيل ثمان وستين، وهو أحد القراء السبعة، وكان أعلم الناس بالقرآن الكريم، وفيها سار المنصور إِلى الشام، وجهز جيشاً إِلى المغرب، لقتال الخوارج بها، وفيها مات أشعب الطامع، وفيها مات وهيب بن الورد المكي الزاهد. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة: فيها عمل المنصور للكوفة والبصرة سوراً وخندقاً، وجعل ما أنفق فيه، من أموال أهلهما، ولما أراد المنصور معرفة عددهم، أمر أن يقسم فيهم خمسة الدراهم خمسة الدراهم، ثم جبى منهم أربعين أربعين فقال بعض شعرائهم: يا لقوم ما لقينا ... من أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا ... وجبانا أربعينا ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة: في هذه السنة توفي حمزة بن حبيب ابن عمارة الكوفي، المعروف بالزيات، أحد القراء السبعة، وعنه أخذ الكسائي القراءة. وكان يجلب الزيت من الكوفة إِلى حلوان، ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، فقيل له الزيات لذلك.

стр. 209

ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة: فيها مات الأوزاعي الفقيه، واسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، وعمره سبعون سنة، وكنيته أبو عمرو، وكان يسكن بيوت، وبها توفي، وكانت ولادته ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وكان يخضب بالحناء، وكان إمام أهل الشام، قيل إِنه أجاب في سبعين ألف مسألة وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها خنتوس، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون هاهنا رجل صالح. والأوزاعي منصوب إِلى أوزاع وهي بطن من ذي كلاع، وقيل بطن من همذان، وجده يحمد، بضم الياء المثناة من تحتها، وسكون الحاء المهملة وكسر الميم، وبعدها دال مهملة. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة وفاة المنصور وهو المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكانت وفاته في هذه السنة، لست خلون من ذي الحجة، ببئر ميمونة وكان قد خرج من بغداد لحج، فسار معه ابنه المهدي، فقال له المنصور: إِني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وهذا هو الذي حداني على الحج، فاتق الله فيما عهد إِليك من أمور المسلمين بعدي، ووصاه وصية طويلة، ثم ودعه وبكيا، ثم سار إِلى الحج، ومات ببئر ميمونة محرماً، في التاريخ المذكور، وكان مرضه القيام، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر وكسراً. وكان المنصور أسمر نحيفاً خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة، ودفن بمقابر بابه المعلى وبقي أثر الإحرام، فدفن ورأسه مكشوف، ومما يحكى عنه فيما جرى له في حجه، قيل: بينما الخليفة المنصور يطوف بالكعبة ليلاً، إِذ سمع قائلاً يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور إلى ناحية من المسجد، ودعا القائل وسأله عن قوله، فقال له: يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها، فأمنه. فقال: إن الذي دخله الطمع حتى حال، بين الحق وأهله، هو أنت يا أمير المؤمنين فقال المنصور: ويحك وكيف يدخلني الطمع، والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ فقال الرجل: لأن الله تعالى استرعاك المسلمين وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحجاباً معهم الأسلحة، وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإِيصال المظلوم والملهوف، ولا الجائع والعاري، ولا الضعيف والفقير، وما أحد إلا وله من هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذي استخلصتهم لنفسك، وأثرتهم على رعيتك، تجبي الأموال فلا تعطيها، وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله تعالى، فما لنا لا نخونه، وقد سخّر لنا نفسه، فاتفقوا على أن لا يصل إِليك من أخبار الناس إِلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إِلا أقصوه ونفوه، حتى تسقط منزلته ويصغر قدره،

стр. 210

فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، عظمهم الناس وهابوهم، فكان أول من صانعهم عملك، بالهدايا، ليتقووا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذو القدرة والثروة من رعيتك، لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلماً وفساداً، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، وأنت غافل، فإن جاء متظلم، حيل بينه وبين الدخول إِليك، فإن أراد رفع قصة إِليك، وجدك قد منعت من ذلك، وجعلت رجلاً ينظر في المظالم، فلا يزال المظلوم يختلف إِليه، وهو يدافعه خوفاً من بطانتك، فإذا صرخ بين يديك، ضرب ضرباً شديداً، ليكون نكالاً لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا، فإِن قلت إِنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله في الطفل يسقط من بطن أمه وماله في الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحوبه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل، حتى يعظم رغبة الناس إِليه، ولست الذي يعطي، وإنما الله يعطي من يشاء بغير حساب، وإن قلت إِنما أجمع المال لتسديد الملك وتقويته، فقد أراك الله في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة، وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع، حين أراد الله تعالى لهم ما أراد، وإن قلت إِنما أجمعه لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله ما فوق الذي أنت فيه منزلةً، إِلا منزلةً ما تنال إِلا بخلاف ما أنت عليه. أولاده وهم المهدي محمد، وجعفر الأكبر، مات في حياة أبيه المنصور، ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب وجعفر الأصغر وصالح المسكين، وكان المنصور أحسن الناس خلقاً في الخلوة حتى يخرج إِلى الناس. خلافة المهدي محمد بن المنصور، وهو ثالثهم، ووصل إِليه الخبر بموت أبيه، وبالبيعة له، في منتصف ذي الحجة لأن القاصد وصل من مكة إِلى بغداد، في أحد عشر يوماً، فباد أهل بغداد. ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة وسنة ستين ومائة فيها أمر المهدي برد نسب آل زياد، الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان، إِلى عبيد الرومي، وأخرجهم من قريش، فأخرجوا من ديوان قريش والعرب، وردوهم إِلى ثقيف. وفيها حج المهدي، وفرق في الناس أموالاً عظيمة، ووسع مسجد رسول الله ﷺ ، وحمل الثلج إِلى مكة. وفيها مات داود الطائي الزاهد، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي، وفيها توفي الخليل بن أحمد البصري النحوي أستاذ سيبويه. ثم دخلت سنة إِحدى وستين ومائة فيها أمر المهدي باتخاذ المصانع في طريق مكة وبتجديد الأميال والبرك وبحفر الركايا، وبتقصير المنابر في البلاد وجعلها بمقدار منبر رسول الله ﷺ . وفيها جعل المهدي يحيى بن خالد بن برمك مع ابنه هارون، وجعل مع الهادي أبان بن صدقة،

стр. 211

وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين. وفيها توفي إِبراهيم بن أدهم بن منصور الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام، فأقام به مرابطاً، وهو من بكر بن وائل. قال إِبراهيم بن يسار، سألت إبراهيم بن أدهم، كيف كان بدو أمرك حتى صرت إلى الزهد؟ قال: غير هذا أولى بك، فما زال يلح عليه بالسؤال حتى قال: إِني من ملوك خراسان، وكان قد حبب إِلي الصيد، فبينما أنا راكب فرساً وكلبي معي، إذ تحركت على صيد، فسمعت نداء من ورائي: يا إِبراهيم، ليس لهذا خلقت، ولا به أمرت، فوقفت مقشعراً أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحداً، قلت: لعن الله إِبليس. ثم حركت فرسي، فسمعت من قربوس سرجي: يا إِبراهيم ليس لهذا خلقت ولا به أُمرت فوقفت وقلت هيهات! جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي، فتوجهت إِلى أهلي وجئت إِلى بعض رعاء أبي فأخذت جبته وكساءه، وألقيت إِليه ثيابي، ثم سرت حتى صرت إِلى العراق، ثم صرت إِلى الشام، ثم قدمت إِلى طرسرس، فأستأجرني شخص ناطور البستان، قال: فمكثت في البستان أياماً كثيرة، كلما اشتهرت، اختفيت وهربت من الناس، وكان إِبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده، مثل الحصاد وحفظ البساتين، والعمل في الطين، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فيها تجهز المهدي لغزو الروم، وجمع العساكر من خراسان وغيرها، وعسكر بالبردان وسار عنها، وكان قد استخلف على بغداد، ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، فلما وصل المهدي إِلى حلب، بلغه أن في تلك الناحية زنادقة، فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم. وسار إِلى جيحان، وجهز ابنه هارون بالعسكر إلى الغزو، فتغلغل هارون في بلاد الروم، وفتح فتحات كثيرة، ثم عاد سالماً منصوراً. وفيها قتل المقنع الخرساني، واسمه عطا، وكان من حديثه، أنه كان رجلاً ساحراً، خيل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين، وإلى هذا القْمر أشار ابن سناء الملك بقوله: إِليك فما بدر المقنع طالعاً ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمم وادعى المقنع المذكور الربوبية، وأطاعه جماعة كثيرة، وقال: إِن الله حل في آدم، ثم في نوح، ثم في نبي بعد آخر، حتى حل فيه، وعمر قلعة تسمى سنام، بما وراء النهر من رستاق كيش، وتحصن بها، ثم اجتمع عليه الناس وحصروه في قلعته، فسقى نساءه سماً فمتن، ثم تناول منه فمات في السنة المذكورة، لعنه الله، فدخل المسلمون قلعته وقتلوا من بها من أشياعه، وكان المقنع المذكور في مبدأ أمره قصاراً، من أهل مرو وكان مشوّه الخلق أعور قصيراً، وكان لا يسفر عن وجهه، بل اتخذ له وجهاً من ذهب قتقنع به، ولذلك قيل له المقنع. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فيها مات عم المنصور، عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعمره ثمان وسبعون سنة. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة: فيها أرسل المهدي

стр. 212

ابنه هارون الرشيد إِلى الروم في جيش كثير، فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية، وغنم شيئاً كثيراً وقتل في الروم وعاد. ثم دخلت سنة ست وستين ومائة: فيها قبض المهدي وزيره يعقوب بن داود بن طهمان، وكان قبل أن يتولى وزارة المهدي، يكتب لنصر بن سيار، ثم بقي بعده بطالاً، واتصل بالمهدي فاستوزره، وصارت الأمور إِليه وتمكن عنده فحسده أصحاب المهدي، وسعوا فيه حتى أمسكه في هذه السنة، وحبسه، ولم يزل محبوساً إِلى خلافة الرشيد، فأخرجه وقد عمي، فلحق بمكة، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، وكان يعقوب ينهي المهدي عن ذلك، فضيق على المهدي حتى أمسكه المهدي وحبسه، وفيه يقول بشار بن برد: بني أمية هبوا طال نومكم ... إِن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناء والعود وفي هذه السنة أقام المهدي بريداً بين مكة والمدينة واليمن، بغالاً وإبلاً: وفيها قتل بشار بن برد الشاعر على الزندقة، وكان أعمى، خلق ممسوح العينين، ولما قتل كان قد نيف على التسعين، وكان بشار المذكور يفضل النار على الأرض ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم ﵇. ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة: فيها توفي عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي السفاح والمنصور وهو الذي أوصى له السفاح بالخلافة بعد المنصور. ثم خلعه المنصور وولى ابنه المهدي، وكان عمر عيسى بن موسى المذكور، خمساً وستين سنة، وفي هذه السنة زاد المهدي في المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ . ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة وسنة تسع وستين ومائة. موت المهدي فيها توفي المهدي، محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بماسبذان في المحرم، لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهراً، وعمره ثلاث وأربعون سنة، ودفن تحت جوزة، وصلى عليه ابنه الرشيد، وكان المهدي يجلس للمظالم ويقول: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي للمظالم إِلا للحياء منهم لكفى. خلافة الهادي وهو رابعهم، كان موسى الهادي مقيماً بجرجان، يحارب أهل طبرستان، فبويع له بالخلافة في عسكر المهدي، في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهو لثمان بقين من المحرم، من هذه السنة، أعني سنة تسع وستين ومائة، ولما وصل الرشيد وعسكر المهدي إِلى بغداد، راجعين من ماسبذان، أُخذت البيعة ببغداد أيضاً للهادي وكتب الرشيد إِلى الآفاق بوفاة المهدي، وأخذ البيعة للهادي، ولما وصل إِلى الهادي وهو بجرجان الخبر بموت أبيه المهدي، وبيعة الناس له بالخلافة، نادى بالرحيل، وسار على البريد مجدّاً، فدخل بغداد في عشرين يوماً واستوزر الربيع.

стр. 213

ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وفي هذه السنة، ظهر الحسين المذكور بمدينة الرسول ﵇، وكان معه جماعة من أهل بيته منهم الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله المذكور هو ابن عاتكة. واشتد أمر الحسين المذكور، وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة، وهو عمر بن العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قتال، فانهزم عمر المذكور، وبايع الناس الحسين المذكور على كتاب الله وسنة نبيه، للمرتضى من آل محمد. وأقام الحسين هو وأصحابه بالمدينة يتجهزون، أحد عشر يوماً، ثم خرجوا يوم السبت، لست بقين من ذي القعدة، ووصل الحسين إِلى مكة ولحق به جماعة من عبيد مكة. وكان قد حج تلك السنة جماعة من بني العباس وشيعتهم، فمنهم سليمان بن أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وانضم إِليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، واقتتلوا مع الحسين المذكور يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين وقتل الحسين واحتز رأسه، وأحضر قدام المذكورين من بني العباس، وجمع معه من رؤوس أصحابه ورؤوس أهل المدينة ما يزيد على مائة رأس، وفيها أيضاً رأس سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، واختلط المنهزمون بالحاج، وكان مقتلهم بموضع يقال له وج وهو عن مكة إِلى جهة الطائفْ، ووج المذكور هو الذي ذكره النميري في شعره فقال: تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات مررن بوج ثم قمن عشية ... يلبن للرحمن معتمرات وفي قتل المذكورين بوج يقول بعضهم: فلأبكين على الحسي ... ن بعولة وعلى الحسن وعلى ابن عاتكة الذي ... واروه ليس له كفن تركوا بوج غدوة ... في غير منزلة الوطن وأفلت من المنهزمين، إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأتى مصر، وعلى بريدها واضح، مولى بني العباس وكان شيعياً، فحمل إدريس المذكور على البريد إلى المغرب، حتى انتهى إلى طنجة، ولما بلغ الهادي ذلك، ضرب عنق واضع، وبقي إدريس في تلك البلاد حتى أرسل الرشيد الشماخ النامي، مولى بني الأسد، فاغتاله بالسم فمات، ولما مات إِدريس المذكور كانت له حظية حبلى، فولدت ابناً وسموه إِدريس باسم أبيه، وبقي حتى كبر، واستقل بملك تلك البلاد، وحمل رأس الحسين ومعه باقي الرؤوس إلى الهادي، فأنكر الهادي عليهم حمل رأس الحسين، ولم يعطهم جوائزهم غضْباً عليهم، وكان الحسين المذكور، شجاعاً كريماً، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها ببغداد والكوفة، وخرج

стр. 214

من الكوفة ما يملك ما يلبسه إلا فروة لم يكن تحتها قميص. وفي هذه السنة مات مطيع بن إياس الشاعر. وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم المقرئ. أحد القراء السبعة، وروى عن نافع راويان، وهما ورش وقنبل، وكان نافع إمام أهل المدينة في القراءة، ويرجعون إلى قرائته، وكان محتسباً فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، وقرأ مالك عليه القرآن، وهذا نافع بن عبد الرحمن المقرئ. غير نافع مولى عبد الله بن عمر المحدث، فليُعْلم ذلك. وفيها مات الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه. ثم دخلت سنة سبعين ومائة وفاة الهادي وفي هذه السنة توفي موسى الهادي بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان عمره ستاً وعشرين سنة، قيل إِن أمه الخيزران قتلته، بأن أمرت الجواري فغمين وجهه وهو مريض، فمات ودفن بعيسا باذ الكبرى في بستانه، وكان طويلاً جسيماً أبيض، وكان بشفته العليا تقلص، وكان له سبعة بنين وابنتان. خلافة الرشيد بن المهدي وهو خامسهم. وفي هذه السنة أعني سنة سبعين ومائة، بويع للرشيد هارون ابن المهدي محمد بالخلافة، في الليلة التي مات فيها الهادي، وكان عمر الرشيد حين ولي اثنتين وعشرين سنة، وأمه وأم الهادي الخيزران أم ولد وكان مولد الرشيد بالري في آخر ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين ومائة، ولما مات الهادي بعيسا باذ صلى عليه الرشيد وسار إِلى بغداد وفي هذه السنة في شوال، أولد الأمين محمد بن الرشيد من زبيدة، واستوزر الرشيد يحيى بن خالد، وألقى إِليه مقاليد الأمور. وفي هذه السنة عزل الرشيد الثغور كلها، من الجزيزة وقنسرين، وجعلها حيزاً واحداً، وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس، على يد فرج الخادم التركي، ونزلها الناس. وفي هذه السنة أمر عبد الرحمن الداخل الأموي المستولي على الأندلس ببناء جامع قرطبة، وكان موضعه كنيسة، وأنفق عليه مائة ألف دينار. ثم دخلت سنة إِحدى وسبعين ومائة: في هذه السنة توفي عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس بقرطبة، ويعرف بعبد الرحمن الداخل، لدخوله بلاد المغرب، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. في ربيع الآخر، وكان مولده بأرض دمشق سنة ثلاث عشرة ومائة، ومدة ملكه الأندلس ثلاث وثلاثون سنة، لأنه تولى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة، ولما مات ملك بعده ابنه هشام بن عبد الرحمن، وكان عبد الرحمن أصهب خفيف العارضين طويلاً نحيفاً أعور. وقصده بنو أمية من المشرق والتجأوا إِليه. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة: فيها توفي رباح وكنيته أبو زيد اللخمي الزاهد بمدينة القيروان،

стр. 215

وكان مجاب الدعوة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة: فيها ماتت الخيزران أم الرشيد، وفيها حج الرشيد وأحرم من بغداد. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة، وسنة خمس وسبعين ومائة: فيها صار يحيي بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى الديلم. فتحرك هناك، وفيها ولد إِدريس بن إِدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإدريس بن عبد الله المذكور، هو الذي سلم وانهزم لما قتل أهل بيته يوم التروية بظاهر مكة، حسب ما ذكرناه في سنة تسع وستين ومائة، وكان قد توفي أبوه إِدريس الأول وله جارية حبلى، ولم يكن له ولد، فولدت الجارية بعد موته في ربيع الآخر من هذه السنة ولداً ذكراً، فسموه إِدريس أيضاً باسم أبيه، فبقي حتى كبر واستقل بالملك. دخلت سنة ست وسبعين ومائة: فيها ظهر أمر يحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب بالديلم، واشتدت شوكته، ثم إِن الرشيد جهز إِليه الفضل بن يحيى في جيش كثيف، فكاتبه الفضل وبذل له الأمان وما يختاره، فأجاب يحيى بن عبد الله إِلى ذلك وطلب يمين الرشيد، وأن يكون بخطه ويشهد فيه الأكابر، ففعل ذلك، وحضر يحيى بن عبد الله إِلى بغداد، فأكرمه الرشيد وأعطاه مالا كثيراً، ثم أمسكه وحبسه حتى مات في الحبس. وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمنية، وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فجمع الرؤساء وسعوا في الصلح بينهم، فأتوا بني القين وكلموهم في الصلح فأجابوا، وأتوا اليمانية وكلموهم في الصلح، فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر، ثم سارت اليمانية إِلى بني القين، وقتلوا منهم نحو ستمائة، فاستنجدت بنو القين، قضاعة وسليحا، فلم ينجدوهم، فاستنجدوا قيساً فأجابوهم وساروا معهم إِلى العواليك من أرض البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثر القتال بينهم، ثم عزل الرشيد عبد الصمد عن دمشق وولاها إِبراهيم بن صالح بن علي، ودام القتال بين المذكورين نحو سنتين وكان سبب الفتنة بين اليمانيين والمضريين، أن رجلا من القين أتى رحى بالبلقاء ليطحن فيه، فمر بحائط رجل من لخم أو جذام، وفيه بطيخ فتناول منه فشتمه صاحبه وتضاربا، واجتمع قوم من اليمانيين وضربوا الذي من القين، فأعانه جماعة من مضر، فقتل رجل من اليمانيين فكان ذلك سبب الفتنة. وفيها مات الفرج بن فضالة وصالح بن بشر القاري، وكان ضعيفاً في الحديث. وفيها مات نعيم بن مسيرة النحوي الكوفي. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة: في هذه السنة أعني سنة سبع وسبعين ومائة، توفي بالكوفة أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك، تولى القضاء أيام المهدي، ثم عزله الهادي، وكان عالماً عادلاً في قضائه كثير الصواب حاضر الجواب، ذكر معاوية بن أبي سفيان عنده، ووصف بالحلم فقال شريك: ليس بحليم من سفّه الحق، وقاتل علي بن أبي طالب، وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين للهجرة.
следующие страницы →