← История

История · id 12715

المختصر في أخبار البشر

أبو الفداء

Полный текст (814 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين. وفيها توفي إِبراهيم بن أدهم بن منصور الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام، فأقام به مرابطاً، وهو من بكر بن وائل. قال إِبراهيم بن يسار، سألت إبراهيم بن أدهم، كيف كان بدو أمرك حتى صرت إلى الزهد؟ قال: غير هذا أولى بك، فما زال يلح عليه بالسؤال حتى قال: إِني من ملوك خراسان، وكان قد حبب إِلي الصيد، فبينما أنا راكب فرساً وكلبي معي، إذ تحركت على صيد، فسمعت نداء من ورائي: يا إِبراهيم، ليس لهذا خلقت، ولا به أمرت، فوقفت مقشعراً أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحداً، قلت: لعن الله إِبليس. ثم حركت فرسي، فسمعت من قربوس سرجي: يا إِبراهيم ليس لهذا خلقت ولا به أُمرت فوقفت وقلت هيهات! جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي، فتوجهت إِلى أهلي وجئت إِلى بعض رعاء أبي فأخذت جبته وكساءه، وألقيت إِليه ثيابي، ثم سرت حتى صرت إِلى العراق، ثم صرت إِلى الشام، ثم قدمت إِلى طرسرس، فأستأجرني شخص ناطور البستان، قال: فمكثت في البستان أياماً كثيرة، كلما اشتهرت، اختفيت وهربت من الناس، وكان إِبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده، مثل الحصاد وحفظ البساتين، والعمل في الطين، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فيها تجهز المهدي لغزو الروم، وجمع العساكر من خراسان وغيرها، وعسكر بالبردان وسار عنها، وكان قد استخلف على بغداد، ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، فلما وصل المهدي إِلى حلب، بلغه أن في تلك الناحية زنادقة، فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم. وسار إِلى جيحان، وجهز ابنه هارون بالعسكر إلى الغزو، فتغلغل هارون في بلاد الروم، وفتح فتحات كثيرة، ثم عاد سالماً منصوراً. وفيها قتل المقنع الخرساني، واسمه عطا، وكان من حديثه، أنه كان رجلاً ساحراً، خيل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين، وإلى هذا القْمر أشار ابن سناء الملك بقوله: إِليك فما بدر المقنع طالعاً ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمم وادعى المقنع المذكور الربوبية، وأطاعه جماعة كثيرة، وقال: إِن الله حل في آدم، ثم في نوح، ثم في نبي بعد آخر، حتى حل فيه، وعمر قلعة تسمى سنام، بما وراء النهر من رستاق كيش، وتحصن بها، ثم اجتمع عليه الناس وحصروه في قلعته، فسقى نساءه سماً فمتن، ثم تناول منه فمات في السنة المذكورة، لعنه الله، فدخل المسلمون قلعته وقتلوا من بها من أشياعه، وكان المقنع المذكور في مبدأ أمره قصاراً، من أهل مرو وكان مشوّه الخلق أعور قصيراً، وكان لا يسفر عن وجهه، بل اتخذ له وجهاً من ذهب قتقنع به، ولذلك قيل له المقنع. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فيها مات عم المنصور، عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعمره ثمان وسبعون سنة. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة: فيها أرسل المهدي

стр. 212

ابنه هارون الرشيد إِلى الروم في جيش كثير، فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية، وغنم شيئاً كثيراً وقتل في الروم وعاد. ثم دخلت سنة ست وستين ومائة: فيها قبض المهدي وزيره يعقوب بن داود بن طهمان، وكان قبل أن يتولى وزارة المهدي، يكتب لنصر بن سيار، ثم بقي بعده بطالاً، واتصل بالمهدي فاستوزره، وصارت الأمور إِليه وتمكن عنده فحسده أصحاب المهدي، وسعوا فيه حتى أمسكه في هذه السنة، وحبسه، ولم يزل محبوساً إِلى خلافة الرشيد، فأخرجه وقد عمي، فلحق بمكة، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، وكان يعقوب ينهي المهدي عن ذلك، فضيق على المهدي حتى أمسكه المهدي وحبسه، وفيه يقول بشار بن برد: بني أمية هبوا طال نومكم ... إِن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناء والعود وفي هذه السنة أقام المهدي بريداً بين مكة والمدينة واليمن، بغالاً وإبلاً: وفيها قتل بشار بن برد الشاعر على الزندقة، وكان أعمى، خلق ممسوح العينين، ولما قتل كان قد نيف على التسعين، وكان بشار المذكور يفضل النار على الأرض ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم ﵇. ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة: فيها توفي عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي السفاح والمنصور وهو الذي أوصى له السفاح بالخلافة بعد المنصور. ثم خلعه المنصور وولى ابنه المهدي، وكان عمر عيسى بن موسى المذكور، خمساً وستين سنة، وفي هذه السنة زاد المهدي في المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ . ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة وسنة تسع وستين ومائة. موت المهدي فيها توفي المهدي، محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بماسبذان في المحرم، لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهراً، وعمره ثلاث وأربعون سنة، ودفن تحت جوزة، وصلى عليه ابنه الرشيد، وكان المهدي يجلس للمظالم ويقول: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي للمظالم إِلا للحياء منهم لكفى. خلافة الهادي وهو رابعهم، كان موسى الهادي مقيماً بجرجان، يحارب أهل طبرستان، فبويع له بالخلافة في عسكر المهدي، في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهو لثمان بقين من المحرم، من هذه السنة، أعني سنة تسع وستين ومائة، ولما وصل الرشيد وعسكر المهدي إِلى بغداد، راجعين من ماسبذان، أُخذت البيعة ببغداد أيضاً للهادي وكتب الرشيد إِلى الآفاق بوفاة المهدي، وأخذ البيعة للهادي، ولما وصل إِلى الهادي وهو بجرجان الخبر بموت أبيه المهدي، وبيعة الناس له بالخلافة، نادى بالرحيل، وسار على البريد مجدّاً، فدخل بغداد في عشرين يوماً واستوزر الربيع.

стр. 213

ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وفي هذه السنة، ظهر الحسين المذكور بمدينة الرسول ﵇، وكان معه جماعة من أهل بيته منهم الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله المذكور هو ابن عاتكة. واشتد أمر الحسين المذكور، وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة، وهو عمر بن العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قتال، فانهزم عمر المذكور، وبايع الناس الحسين المذكور على كتاب الله وسنة نبيه، للمرتضى من آل محمد. وأقام الحسين هو وأصحابه بالمدينة يتجهزون، أحد عشر يوماً، ثم خرجوا يوم السبت، لست بقين من ذي القعدة، ووصل الحسين إِلى مكة ولحق به جماعة من عبيد مكة. وكان قد حج تلك السنة جماعة من بني العباس وشيعتهم، فمنهم سليمان بن أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وانضم إِليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، واقتتلوا مع الحسين المذكور يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين وقتل الحسين واحتز رأسه، وأحضر قدام المذكورين من بني العباس، وجمع معه من رؤوس أصحابه ورؤوس أهل المدينة ما يزيد على مائة رأس، وفيها أيضاً رأس سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، واختلط المنهزمون بالحاج، وكان مقتلهم بموضع يقال له وج وهو عن مكة إِلى جهة الطائفْ، ووج المذكور هو الذي ذكره النميري في شعره فقال: تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات مررن بوج ثم قمن عشية ... يلبن للرحمن معتمرات وفي قتل المذكورين بوج يقول بعضهم: فلأبكين على الحسي ... ن بعولة وعلى الحسن وعلى ابن عاتكة الذي ... واروه ليس له كفن تركوا بوج غدوة ... في غير منزلة الوطن وأفلت من المنهزمين، إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأتى مصر، وعلى بريدها واضح، مولى بني العباس وكان شيعياً، فحمل إدريس المذكور على البريد إلى المغرب، حتى انتهى إلى طنجة، ولما بلغ الهادي ذلك، ضرب عنق واضع، وبقي إدريس في تلك البلاد حتى أرسل الرشيد الشماخ النامي، مولى بني الأسد، فاغتاله بالسم فمات، ولما مات إِدريس المذكور كانت له حظية حبلى، فولدت ابناً وسموه إِدريس باسم أبيه، وبقي حتى كبر، واستقل بملك تلك البلاد، وحمل رأس الحسين ومعه باقي الرؤوس إلى الهادي، فأنكر الهادي عليهم حمل رأس الحسين، ولم يعطهم جوائزهم غضْباً عليهم، وكان الحسين المذكور، شجاعاً كريماً، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها ببغداد والكوفة، وخرج

стр. 214

من الكوفة ما يملك ما يلبسه إلا فروة لم يكن تحتها قميص. وفي هذه السنة مات مطيع بن إياس الشاعر. وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم المقرئ. أحد القراء السبعة، وروى عن نافع راويان، وهما ورش وقنبل، وكان نافع إمام أهل المدينة في القراءة، ويرجعون إلى قرائته، وكان محتسباً فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، وقرأ مالك عليه القرآن، وهذا نافع بن عبد الرحمن المقرئ. غير نافع مولى عبد الله بن عمر المحدث، فليُعْلم ذلك. وفيها مات الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه. ثم دخلت سنة سبعين ومائة وفاة الهادي وفي هذه السنة توفي موسى الهادي بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان عمره ستاً وعشرين سنة، قيل إِن أمه الخيزران قتلته، بأن أمرت الجواري فغمين وجهه وهو مريض، فمات ودفن بعيسا باذ الكبرى في بستانه، وكان طويلاً جسيماً أبيض، وكان بشفته العليا تقلص، وكان له سبعة بنين وابنتان. خلافة الرشيد بن المهدي وهو خامسهم. وفي هذه السنة أعني سنة سبعين ومائة، بويع للرشيد هارون ابن المهدي محمد بالخلافة، في الليلة التي مات فيها الهادي، وكان عمر الرشيد حين ولي اثنتين وعشرين سنة، وأمه وأم الهادي الخيزران أم ولد وكان مولد الرشيد بالري في آخر ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين ومائة، ولما مات الهادي بعيسا باذ صلى عليه الرشيد وسار إِلى بغداد وفي هذه السنة في شوال، أولد الأمين محمد بن الرشيد من زبيدة، واستوزر الرشيد يحيى بن خالد، وألقى إِليه مقاليد الأمور. وفي هذه السنة عزل الرشيد الثغور كلها، من الجزيزة وقنسرين، وجعلها حيزاً واحداً، وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس، على يد فرج الخادم التركي، ونزلها الناس. وفي هذه السنة أمر عبد الرحمن الداخل الأموي المستولي على الأندلس ببناء جامع قرطبة، وكان موضعه كنيسة، وأنفق عليه مائة ألف دينار. ثم دخلت سنة إِحدى وسبعين ومائة: في هذه السنة توفي عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس بقرطبة، ويعرف بعبد الرحمن الداخل، لدخوله بلاد المغرب، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. في ربيع الآخر، وكان مولده بأرض دمشق سنة ثلاث عشرة ومائة، ومدة ملكه الأندلس ثلاث وثلاثون سنة، لأنه تولى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة، ولما مات ملك بعده ابنه هشام بن عبد الرحمن، وكان عبد الرحمن أصهب خفيف العارضين طويلاً نحيفاً أعور. وقصده بنو أمية من المشرق والتجأوا إِليه. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة: فيها توفي رباح وكنيته أبو زيد اللخمي الزاهد بمدينة القيروان،

стр. 215

وكان مجاب الدعوة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة: فيها ماتت الخيزران أم الرشيد، وفيها حج الرشيد وأحرم من بغداد. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة، وسنة خمس وسبعين ومائة: فيها صار يحيي بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى الديلم. فتحرك هناك، وفيها ولد إِدريس بن إِدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإدريس بن عبد الله المذكور، هو الذي سلم وانهزم لما قتل أهل بيته يوم التروية بظاهر مكة، حسب ما ذكرناه في سنة تسع وستين ومائة، وكان قد توفي أبوه إِدريس الأول وله جارية حبلى، ولم يكن له ولد، فولدت الجارية بعد موته في ربيع الآخر من هذه السنة ولداً ذكراً، فسموه إِدريس أيضاً باسم أبيه، فبقي حتى كبر واستقل بالملك. دخلت سنة ست وسبعين ومائة: فيها ظهر أمر يحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب بالديلم، واشتدت شوكته، ثم إِن الرشيد جهز إِليه الفضل بن يحيى في جيش كثيف، فكاتبه الفضل وبذل له الأمان وما يختاره، فأجاب يحيى بن عبد الله إِلى ذلك وطلب يمين الرشيد، وأن يكون بخطه ويشهد فيه الأكابر، ففعل ذلك، وحضر يحيى بن عبد الله إِلى بغداد، فأكرمه الرشيد وأعطاه مالا كثيراً، ثم أمسكه وحبسه حتى مات في الحبس. وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمنية، وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فجمع الرؤساء وسعوا في الصلح بينهم، فأتوا بني القين وكلموهم في الصلح فأجابوا، وأتوا اليمانية وكلموهم في الصلح، فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر، ثم سارت اليمانية إِلى بني القين، وقتلوا منهم نحو ستمائة، فاستنجدت بنو القين، قضاعة وسليحا، فلم ينجدوهم، فاستنجدوا قيساً فأجابوهم وساروا معهم إِلى العواليك من أرض البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثر القتال بينهم، ثم عزل الرشيد عبد الصمد عن دمشق وولاها إِبراهيم بن صالح بن علي، ودام القتال بين المذكورين نحو سنتين وكان سبب الفتنة بين اليمانيين والمضريين، أن رجلا من القين أتى رحى بالبلقاء ليطحن فيه، فمر بحائط رجل من لخم أو جذام، وفيه بطيخ فتناول منه فشتمه صاحبه وتضاربا، واجتمع قوم من اليمانيين وضربوا الذي من القين، فأعانه جماعة من مضر، فقتل رجل من اليمانيين فكان ذلك سبب الفتنة. وفيها مات الفرج بن فضالة وصالح بن بشر القاري، وكان ضعيفاً في الحديث. وفيها مات نعيم بن مسيرة النحوي الكوفي. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة: في هذه السنة أعني سنة سبع وسبعين ومائة، توفي بالكوفة أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك، تولى القضاء أيام المهدي، ثم عزله الهادي، وكان عالماً عادلاً في قضائه كثير الصواب حاضر الجواب، ذكر معاوية بن أبي سفيان عنده، ووصف بالحلم فقال شريك: ليس بحليم من سفّه الحق، وقاتل علي بن أبي طالب، وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين للهجرة.

стр. 216

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة، وسنة تسع وسبعين ومائة: فيها توفي مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث من ولد في الأصبح. ولذلك قيل له الأصبحي، وذو الأصبح اسمه الحارث بن عوف من ولد يعرب بن قحطان، وكان مولد الإِمام مالك المذكور سنة خمس وتسعين للهجرة، أخذ القراءة عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الزهري، وأخذ العلم عن ربيعة الراي. قال الشافعي ﵁: قال لي محمد بن الحسن، أيهما أعلم، صاحبنا أم صاحبكم، يعني أبا حنيفة ومالكاً. قال: قلت على الإنصاف؟. قال: نعم. قال: قلت فأنشدك الله من أعلم بالقرآن، صاحبنا أو صاحبكم؟. قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت فأنشدك الله من علم بالسنة؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله المتقدمين، صاحبنا أم صاحبكم؟. قال: اللهم صاحبكم. قال الشافعي: فلم يبق إِلا القياس، والقياس لا يكون إِلا على هذه الأشياء، وسعى بمالك إِلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو ابن عم أبي جعفر المنصور وقالوا له: إِنه لا يرى الإِيمان ببيعتكم هذه بشيء، لأن يمين المكره ليست لازمة فغضب جعفر، ودعا بمالك وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة. وتوفي مالك المذكور بالمدينة ودفن بالبقيع، وكان شديد البياض إِلى الشقرة، طويلاً، وفيها توفي مسلم بن خالد الزنجي الفقيه المكي، وكان الشافعي قد صحبه قبل مالك وأخذ عنه الفقه، وكان أبيض مضرباً بحمرة. ولذلك قيل له الزنجي. وفيها أعني في سنة تسع وسبعين ومائة، توفي السيد الحميري الشاعر، واسمه إِسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، والسيد لقب غلب عليه أكثر من الشعر، وكان شيعياً كثيراً الوقيعة في الصحابة، وكان كثير المدح لآل البيت، والهجو لعائشة أم المؤمنين ﵂، فمن ذلك قوله في مسيرها إِلى البصرة لقتال علي من قصيدة طويلة: كأنها في فعلها حية ... تريد أن تأكل أولادها وكذلك له فيها وفي حفصة أبيات؛ منها: إِحداهما نمت عليه حديثه ... وبغت عليه بغية إِحداهما ثم دخلت سنة ثمانين ومائهَ: فيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك صاحب الأندلس. وكانت إِمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام وعمره تسع وثلاثون سنة وأربعة أشهر، واستخلف بعده ابنه الحكم ابن هشام، ولما وليَ الحكم خرج عليه عمّاه، سليمان وعبد الله ابنا عبد الرحمن، وكانا في بر العدوة، فتحاربوا مدة والظفر للحكم، وظفر الحكم بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين ومائة، فخاف عمه عبد الله، وصالح الحكم سنة ست وثمانين، ولما اشتغل الحكم بقتال عميه، اغتنمت الفرنج الفرصة

стр. 217

فقصدوا بلاد الإسلام، وأخذوا مدينة برشلونة في سنة خمس وثمانين ومائة. وفي هذه السنة أعني سنة ثمانين ومائة سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام، فسكّن الفتنة التي كانت بالشام، وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب ما كان يقع من أهلها من العصيان في كل وقت. وفيها أي سنة ثمانين ومائة وقيل سنة سبع وسبعين ومائة، توفي سيبويه النحوي بقرية يقال لها البيضاء من قرى شيراز، واسم سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، وجميع كتب الناس في النحو عيلة على كتاب ٧ واشتغل على الخليل بن أحمد، وكان عمره لما مات نيفاً وأربعين سنة، وقيل توفي بالبصرة سنة إِحدى وستين ومائة، وقيل سنة ثمان وثمانين ومائة، وقال أبو الفرج ابن الجوزي؛ توفي سيبويه في سنة أربع وتسعين ومائة، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وإنه توفي بمدينة ساوة، وذكر خطيب بغداد عن ابن دريد، أن سيبويه مات بشيراز وقبره بها، وكان سيبويه كثيراً ما ينشد: إِذا بل من داء به ظن أنْه ... نجا وبه الداء الذي هو قاتله وسيبويه لقبه، هو لفظ فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح، وقيل إِنما لقب سيبويه لأنه كان جميل الصورة، ووجنتاه كأنهما تفاحتان، وجرى له مع الكسائي البحث المشهور في قولك: كنت أظن لسعة العقرب أشد من لسعة الزنبور. قال سيبويه: فإِذا هو هي، وقال الكسائي فإِذا هو إِياها، وانتصر الخليفة للكسائي فحمل سيبويه من ذلك هماً، وترك العراق وسافر إِلى جهة شيراز وتوفي هناك. ثم دخلت سنة إِحدى وثمانين ومائة فيها غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصفصاف وفيها توفي عبد الله بن المبارك المروزي، في رمضان، وعمره ثلاث وستون سنة. وفيها توفي مروان بن أبي حفصة الشاعر، وكان مولده سنة خمس ومائة، وفيها توفي أبو يوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم من ولد سعد بن خيثمة، وسعد المذكور صحابي من الأنصار وهو سعد بن بجير واشتهر باسم أمه خيثمة، وأبو يوسف المذكور هو أكبر أصحاب أبي حنيفة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة: فيها مات جعفر الطيالسي المحدث. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها توفي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد في حبس الرشيد، وحبسه عند السندي بن شاهك، وتولى خدمته في الحبس أخت السندي، وحكت عن موسى المذكور أنه كان إِذا صلى العتمة، حمد الله ومجده ودعاه إِلى أن يزول الليل، ثم يقوم يصلي حتى يطلع الصبح، فيصلي الصلح ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إِلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر، ثم يذكر الله تعالى حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إِلى أن مات رحمة الله عليه، وكان يلقب الكاظم: لأنه كان يحسن إِلى من

стр. 218

يسيء إِليه، وموسى الكاظم المذكور سابع الأئمة الاثني عشر على رأي الإمامية، وقد تقدم ذكر أبيه جعفر الصادق في سنة ثمان وأربعين ومائة، وتقدم ذكر جده محمد الباقر في سنة ست عشرة ومائة وولد موسى المذكور في سنة تسع وعشرين ومائة، وتوفي في هذه السنة أعني سنة ثلاث وثمانين ومائة لخمس بقين من رجب ببغذاد، وقبره مشهور هناك، وعليه مشهد عظيم في الجانب الغربي من بغداد، وسنذكر باقي الأئمة الاثني عشر إِن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة توفي يونس بن حبيب النحوي المشهور، أخذ العلم عن أبي عمرو بن العلاء وكان عمره قد زاد على مائة سنة، وروى عنه سيبويه، وليونس المذكور قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة فيها ولى الرشيد حماد البربري اليمن ومكة وولىّ داود بن يزيد بن مرثد بن حاتم المهلبي السند. وولى يحيى الحرسي الجبل، وولى مهرويه الرازي طبرستان وولى إِفريقية إبراهيم بن الأغلب وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة فيها مات عم المنصور، عبد الصمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، وكان في القرب إلى عبد المناف بمنزلة يزيد بن معاوية، وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة. وفيها توفي يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني وهو ابن أخي معن بن زائدة. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة. الإيقاع بالبرامكة في هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة، وقتل جعفر بن يحيى وقد اختلف في سبب ذلك اختلافاً كثيراً، والأكثر أن ذلك لإتيانه عباسة أخت الرشيد، فإنه زوجه بها ليحل له النظر إِليها، وشرط على جعفر أنه لا يقربها، فوطئها وحبلت منه وجاءت بغلام، وقيل بل الرشيد حبس يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عند جعفر فأطلقه جعفر، وقيل بل إِنه لما عظم أمر البرامكة واشتهر كرمهم وأحبهم الناس، والملوك لا تصبر على مثل ذلك، فنكبهم لذلك، وقيل غير ذلك، وكان قتل جعفر بالأنبار، مستهل صفر من هذه السنة، عند عود الرشيد من الحج، وبعد أن قتل جعفر وحمل رأسه، أُرسل أن أحاط بيحيى وولده وجميع أسبابه، وأخذ ما وجد للبرامكة من مال ومتاع وضياع وغير ذلك، وأُرسل إِلى سائر البلاد بقبض أموالهم ووكلائهم، وسائر أسبابهم، وأرسل رأس جعفر وجيفته إِلى بغْداد، وأمر بنصب رأسه وقطعة من جيفته على الجسر، ونصب الأخرى على الجسر الآخر، ولم يتعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه لبراءته مما دخل فْيه أخوه يحيى بن خالد بن برمك وولده، وكان عمر جعفر لما قتل سبعاً وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إِليهم سبع عشرة سنة، وفي ذلك يقول الرقاشي وقيل أبو نواس:

стр. 219

الآن استرحنا واستراحت ركابُنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يحتدي فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدْفداً بعد فدْفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولم تظفري من بعده بمسود وقل للعطايا يا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفاً برمكياً مهنداً ... أصيب بسيف هاشمي مهندِ وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا دول، والمال عازية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. وفي هذه السنة خلع الروم ملكتهم وكانت امرأة تدعى رمنى وملكوا تقفور فكتب إِلى الرشيد: من تقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أمّا بعد، فإِن الملكة التي كان قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إِليها، لكن ذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإِذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وإلا السيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، وكتب على ظهر الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين، إِلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، ثم سار الرشيد من يومه حتى نزل على هرقلة، ففتح وغنم وخرب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله في كل سنة فأجابه. وفي هذه السنة هاجت الفتنة بالشام بين المضرية واليمانية، فأرسل الرشيد وأصلح بينهم، وفيها ترفي الفضيل بن عياض الزاهد وكان مولده بسمرقند وانتقل إِلى مكة ومات بها، وفيها توفي أبو مسلم معاذ الفرءا النحوي وعنه أخذ الكسائي النحو وولد أيام يزيد بن عبد الملك. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة فيها توفي العباس بن الأحنف الشاعر. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة فيها وقيل في سنة إِحدى وثمانين توفي أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز المعروف بالكسائي، في الري، وهو أحد القراء السبعة، وكان إِماماً في النحو واللغة، وقيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وأتى إِلى حمزة بن حبيب الزيات ملتفاً بكساء، وقيل بل حج وأحرم بكساء. وفيها سار الرشيد إلى الري وأقام به أربعة أشهر، ثم رجع الرشيد إِلى العراق ودخل بغداد في آخر ذي الحجة، وأمر بإِحراق جثة جعفرة وكانت مصلوبة على الجسر، ولم ينزل ببغداد، ومضى من فوره إِلى الرقة، فقال في ذلك بعض شعراء الرشيد: ما أنخنا حتى ارتحلنا فانف ... رق بين المناخ والارتحال سألونا عن حالنا إِذ قدمنا ... فقرأنا وداعهم بالسؤال فقال الرشيد: والله إِني أعلم أنه ما في الشرق ولا في الغرب مدينة أيمن ولا أيسر من بغداد، وأنها دار مملكة بني العباس، ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق،

стр. 220

والبغض لأئمة الهدي، والحب لشجرة اللعنة بني أمية، ولولا ذلك ما فارقت بغداد. وفي هذه السنة مات محمد بن الحسن الشيباني الفقيه صاحب أبي حنيفة، وكان والده الحسن من أهل قرية حرستا، من غوطة دمشق، فسار إِلى العراق وأقام بواسط، فولد ولده محمد بن الحسن المذكور، ونشأ بالكوفة، ثم صحب أبا حنيفة وتفقه على أبي يوسف، وصنف عدة كتب مثل: الجامع الكبير، والجامع الصغير، في فقه أبي حنيفة وغير ذلك. ثم دخلت سنة تسعين ومائة في هذه السنة سار الرشيد في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفاً من المرتزقة سوى من لا ديوان له من الأتباع والمتطوعة، حتى نزل على هرقلة وحصرها ثلاثين يوماً، ثم فتحها في شوال من هذه السنة، وسبى أهلها، وبث عساكره في بلاد الروم، ففتحوا الصفصاف وملقونية وخربوا ونهبوا وبعث تقفور بالجزية عن رعيته وعن رأسه أيضاً، ورأس ولده، وبطارقته، وفي هذه السنة نقض أهل قبرس العهد. فغزاهم معتوق بن يحيى، وكان عاملاً على سواحل مصر والشام، فسبى أهل قبرس، وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، وكان مجوسياً، وفيها توفي أسد بن عمر، وابن عامر الكوفي صاحب أبي حنيفة، وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوساً بالرقة، في المجرم وعمره سبعون سنة. ثم دخلت سنة إِحدى وتسعين ومائة. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة فيها سار الرشيد من الرقة إلى خراسان فنزل بغداد، ورحل عنها إِلى النهروان، لخمس خلون من شعبان، واستخلف على بغداد ابنه الأمين. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة. فيها مات الفضل بن يحيى بن خالد ابن برمك في الحبس بالرقة، في المحرم، وعمره خمس وأربعون سنة، وكان من محاسن الدنيا؛ لم ير في العالم مثله. موت الرشيد في هذه السنة أعني سنة ثلاث وتسعين ومائة، مات الرشيد لثلاث خلون من جمادى الآخرة، وكان به مرض من حين ابتدأ بسفره، فاشتدت علته بجرجان، في صفر، فسار إِلى طوس فمات بها في التاريخ المذكور، وكان قد سير ابنه المأمون إِلى مرو، وحفر الرشيد قبره في موضع الدار التي كان فيها، وأنزل فيه قوماً ختموا فيه القرآن، وهو في محفة على شفير القبر، وكان يقول في تلك الحالة واسوءتاه من رسول الله، ولما دنت منه الوفاة غشي عليه ثم أفاق، فرأى المفضل بن الربيع على رأسه فقال: يا فضل أحين دنا ما كنت أخشى دنوه ... رمتني عيونُ الناس من كل جانب فأصبحتُ مرحوماً وكنت محسداً ... فصبرا على مكروه مر العواقب سأبكي على الوصل الذي كان بيننا ... وأندبُ أيام السرور الذواهب ثم مات، وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح وسرور وحسين، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً، وكان عمره

стр. 221

سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان جميلاً أبيض قد وخطه الشيب، وكان له من البنين: الأمين من زبيدة، والمأمون من أم ولد اسمها مراجل، والقاسم المؤتمن، والمعتصم محمد، وصالح، وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو علي محمد، وأبو محمد، وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد، وخمس عشرة بنتاً، وكان الرشيد يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وعهد بالخلافة إِلى الأمين، ثم من بعده إِلى المأمون، وكتب بينهما عهداً بذلك، وجعله في الكعبة، وكان قد جعل ابنه القاسم ولقبه المؤتمن، ولي العهد بعد المأمون، وجعل أمر استقراره وعزله إلى المأمون إِن شاء استمر به وإن شاء عزله. خلافة الأمين وهو سادسهم، ولما توفي الرشيد بويع للأمين بالخلافة، في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي توفي فيها الرشيد، وكان المأمون حينئذ بمرو وكتب صالح بن الرشيد إِلى أخيه الأمين، بوفاة الرشيد، مع رجاء الخادم، وأرسل معهُ خاتم الخليفة، والبردة والقضيب، ولما وصل إِلى الأمين ببغداد، أخذت له البيعة ببغداد، وتحول إِلى قصر الخلافة، ثم قدمت عليه زبيدة أمه من الرقة، ومعها خزائن الرشيد، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار ومعه جميع وجوه بغداد، وفي هذه السنة قتل تقفور ملك الروم في حرب برجان، وكان ملكه سبع سنين. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة وفي هذه السنة اختلف أهل حمص على عاملهم إِسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إِلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرسي، فقاتل أهل حمص حتى سألوا الأمان فأمنهم. وفي هذه السنة قتل شقيق البلخي الزاهد في غزوة كولان من بلاد الترك. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها أبطل الأمين اسم المأمون من الخطبة، وكان أبوهما قد عهد إِلى الأمين، ثم من بعده إِلى المأمون حسب ما ذكرناه، فخطب لهما إِلى هذه السنة، فقطعها الأمين، وخطب لابنه موسى بن الأمين، ولقبه الناطق بالحق. وكان موسى طفلاً صغيراً، ثم جهز الأمين جيشاً لحرب المأمون بخراسان، وقدم عليهم علي بن عيسى بن ماهان، وكان طاهر بن الحسين مقيماً في الري من جهة المأمون ومعه عسكر قليل، وسار علي بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفاً، حتى وصل إِلى الري، والتقى العسكران، فخلع طاهر بيعة الأمين وبايع المأمون بالخلافة، وقاتل علي بن عيسى بن ماهان قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الأمين، وقتل علي بن عيسى بن ماهان، وحمل رأسه إِلى طاهر، فأرسل طاهر بالرأس وبالفتح إلى المأمون، وهو بخراسان. وفي هذه السنة توفي أبو نواس الحسن بن هانئ الشاعر، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة في هذه السنة سير الأمين جيشاً صحبة أحمد بن مرثد، وعبد الله بن حميد بن قحطبة، ومع كل واحد عشرون ألف فارس، فساروا إِلى حلوان لحرب طاهر، فلما وصلوا إِلى خانقين وقع الاختلاف بينهم، فرجعوا من خانقين من غير أن يلقوا طاهراً،

стр. 222

فتقدم طاهر فنزل حلوان، ولحقه هرثمة بجيش من عند المأمون، وكتاب يأمره فيه أن يسلم ما حوى من المدن والكور إِلى هرثمة، وأن يتوجه طاهر إِلى الأهواز، ففعل ذلك، وأقام مرثمة بحلوان، ولما تحقق المأمون قتل ابن ماهان وانهزام عساكر الأمين، أمر أن يخطب له بإِمرة المؤمنين، وأن يخاطب بأمير المؤمنين، وعقد للفضل بن سهل على المشرق، من جبل همدان إِلى التبت طولاً، ومن بحر فارس إِلى بحر الديلم وجرجان عرضاً، ولقبه ذا الرياستين، رياسة الحرب والقلم، وولىّ الحسن بن سهل ديوان الخراج، وذلك كله في هذه السنة، ثم استولى طاهر على الأهواز، ثم على واسط، ثم على المدائن، ونزل صرصر ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة في هذه السنة حاصر طاهر وهرثمة بالعساكر الذين صحبتهما بغداد، وحصروا الأمين، ووقع في بغداد النهب والحريق، ومنع طاهر دخول الميرة إِلى بغداد، فغلت بها الأسعار ودام الحصار وشدة الحال، إِلى أن انقضت هذه السنة. وفي هذه السنة أعني سنة سبع وتسعين ومائة، توفي إِبراهيم بن الأغلب عامل إِفريقية، وقد تقدم ذكر ولايته في سنة أربع وثمانين ومائة ولما توفي تولى على إِفريقية بعد ولده أبو العباس عبد الله بن إِبراهيم بن الأغلب ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة. استيلاء طاهر على بغداد وقتل الأمين في هذه السنة هجم طاهر على بغداد بعد قتال شديد، ونادى مناديه: من لزم بيته فهو آمن. وأخذ الأمين أمه وأولاده إِلى عنده بمدينة المنصور، وتحصن بها؛ وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه، وحصره طاهر هناك، وأخذ عليه الأبواب، ولما أشرف على أخذه، طلب الأمين الأمان من هرثمة، وأن يطلع إِليه فروجع في الطلوع إِلى طاهر، فأبى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، خرج الأمين بعد عشاء الآخرة وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فأرسل إِليه هرثمة يقول: إِني غير مستعد لحفظك، وأخشى أن أُغلب عنك، فأقم إلى الليلة القابلة، فأبى الأمين إلا الخروج تلك الليلة، ثم دعا الأمين لابنيه وضمهما إليه وقبلهما وبكى، ثم جاء راكباً إِلى الشط، فوجد حراقة هرثمة، فصعد إِليها، فاحتصنه هرثمة وضمه إِليه، وقبل يديه ورجليه ثم شد أصحاب طاهر على حراقة هرثمة حتى غرقوها، فأخرج الملاح هرثمة من الماء، وأما الأمين فلما سقط في الماء، شق ثيابه، ثم أخذ بعض أصحاب طاهر الأمين وهو عريان عليه سراويل وعمامة، فأمر به طاهر فحبس في بيت، فلما انتصف الليل، أرسل إِليه طاهر قوماً من العجم فقتلوه وأخذوا رأسه ومضوا به إِلى طاهر، فنصبه على برج من أبرجة بغداد، وأهل بغداد ينظرون إِليه. ثم أرسل طاهر رأس الأمين إِلى أخيه المأمون وكتب بالفتح، وأرسل البردة والقضيب، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، وصلى بالناس وخطب للمأمون، وكان قتل الأمين لست بقين من المحرم، سنة ثمان وتسعين

стр. 223

ومائة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسراً، وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة، وكان سبطاً أنزع صغير العينين، أقنى جميلا طويلاً وكان منهمكاً في لذات وشرب الخمر، حتى أرسل إلى جميع البلاد في طلب الملهين وضمهم إِليه، وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخوته وأهل بيته، وقسم الأموال والجواهر في خواصه، وفي الخصيان والنساء، وعمل خمس حراقات في دجلة، على صورة الأسد، وعلى صورة الفيل وعلى صورة العقاب، وعلى صورة الحية، وعلى صورة الفرس، وأنفق في عملها مالا عظيماً، وذكر ذلك أبو نواس في شعره فقال: سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرْنَ براً ... سار في الماء راكباً ليثُ غاب عجب الناس إِذ رَأوك عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات سور ومنسر وجناحي ... ن تشق العباب بعد العباب ولما قتل الأمين، استوثق الأمر في المشرق والمغرب للمأمون، وهو لهم، فولى الحسن بن سهل أخا الفضل، على كور الجبال والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة. فيها ظهر ابن طباطبا العلوي، وهو محمد بن إِبراهيم بن إِسماعيل بن إِبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بالكوفة، يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ وكان القيم بأمره، أبو السرايا السري بن منصور، وبايعه أهل الكوفة واستوثق له أهلها، فأرسل إِليه الحسن بن سهل بن زهير بن المسيب الضبي، في عشرة آلاف مقاتل، فهزمهم ابن طباطبا واستباحهم، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة من هذه السنة، فلما كان مستهل رجب، مات محمد بن إِبراهيم بن طباطبا فجأة، سمه أبو السرايا ليستبد بالأمر، لأنه علم أنه لا حكم له مع ابن طباطبا، وأقام أبو السرايا غلاماً يقال له ابن زيد، من ولد علي بن أبي طالب، صورة مكان ابن طباطبا، ثم استولى أبو السرايا على البصرة وواسط، وجرى بينه وبين عساكر المأمون عدة وقائع يطول شرحها. وفي هذه السنة توفي والد طاهر، وهو الحسين بن مصعب، بخراسان، وأرسل المأمون يعزي ابنه طاهراً بأبيه. وفيها توفي عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، وكنيته أبو هاشم، وهو والد محمد بن عبد الله بن نمير شيخ البخاري. ثم دخلت سنة مائتين فيها في المحرم هرب أبو السرايا من الكوفة في ثمان مائة فارس، بعد أن حاصره هرثمة ودخل هرثمة الكوفة وآمن أهلها، وسار أبو السرايا إِلى جلولاء وتفرق عنه أصحابه، فظفر به حماد الكندغوش، فأمسك أبا السرايا ومن بقي معه، وأتى بهم إِلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتل أبا السرايا وبعث برأسه إِلى المأمون، وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر. وفي هذه السنة ظهر إِبراهيم

стр. 224

بن موسى بن عيسى بن جعفر بن محمد العلوي وسار إِلى اليمنٍ، وبها إِسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عاملاً للمأمون، فهرب من إِبراهيم بن موسى العلوي المذكور، واستولى إِبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار، لكثرة من قتل وسبى. وفي هذه السنة سار هرثمة من الكوفة بعد فراغه من أمر أبي السرايا، إلى جهة المأمون، ووردت عيه مكاتبات المأمون بالمسير إِلى الشام والحجاز، فحملته الدالية وكثرة مناصحته، على القدوم على المأمون ومخالفة مرسومه، وكان بينه وبين الحسن ابن سهل عداوة، فدس الحسن بن سهل أصحاب المأمون بالحض على هرثمة، وكان يظن هرثمة أن قوله هو المقبول في حق الحسن بن سهل، فقدم على المأمون بمرو في ذي القعدة هذه السنة، أعني سنة مائتين، فلما حضر هرثمة بين يدي المأمون، ضربه وحبسه، ثم دس إليه من قتله في الحبس وقالوا مات. وفي هذه السنة أمر المأمون أن يحصى ولد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً، بين ذكر وأنثى. وفيها قتلت الروم ملكهم الليون، وملك عليهم ميخائيل. وفيها توفي معروف كرخي الزاهد، صاحب الكرامات، وكان أبو معروف نصرانياً. ثم دخلت سنة إِحدى ومائتين فيها اشتد أذى فساق بغداد وشطارها على الناس، حتى قطعوا الطريق، وأخذوا النساء والصبيان علانية ونهبوا القرى مكابرة، وبقي الناس معهم في بلاء عظيم، فتجمع أهل بعض المحال ببغداد، مع رجل يقال له خالد بن الدريوس، وشدوا على من يليهم من الفساق فمنعوهم وطردوهم، وقام بعده رجل يقال له سهل بن سلامة الأنصاري، من أهل خراسان، وردع الفساق، واجتمع إِليه جمع كثير من أهل بغداد، وعلق مصحفاً في عنقه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، فقبل الناس منه وكان قيام سهل المذكور لأربع خلون من رمضان، وقيام ابن الدريوس قبله بنحو ثلاثة أيام. وفي هذه السنة جعل المأمون علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولي عهد المسلمين، والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد ﷺ وأمر جنده بطرح السواد ولبس الخضرة، وكتب بذلك إِلى الآفاق، وذلك لليلتين خلتا من رمضان، من هذه السنة، وصعب ذلك على بني العباس، وكان أشدهم تحرقاً في ذلك منصور وإبراهيم ابنا المهدي، وامتنع بعض أهل بغداد عن البيعة، وكان المتحدث في أخذ البيعة لعلي بن موسى في بغداد. عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفي هذه السنة، في ذي الحجة خاض الناس ببغداد في البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون، لأنهم نقموا على المأمون توليته الحسن بن سهل، وجعله الخلافة في آل علي بن أبي طالب، وإخراجها عن بني العباس فأظهر العباسيون الخلاف، لخمس بقين من ذي الحجة، ووضعوا يوم الجمعة رجلاً يقول إنا نريد أن ندعو للمأمون وبعده لإبراهيم بن المهدي، ووضعوا آخر يجيبه، بأنا لا نرضى إِلا أن تبايعوا لإبراهيم بن

стр. 225

المهدي بالخلافة، وبعده لإسحاق بن موسى الهادي، وتخلعوا المأمون، ففعلوا ذلك، فتفرق الناس من الجامع، ولم يصلوا الجمعة. وفي هذه السنة توفي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، صاحب إِفريقية، وتولى بعده أخوه زيادة الله بن إِبراهيم. وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة والي طبرستان جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شهريار بن شروين عنها وأسر أبا ليلى ملك الديلم. ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين. البيعة لإِبراهيم بن المهدي بايعه أهل بغداد بالخلافة، في المحرم من هذه السنة، أعني سنة اثنتين ومائتين. ولقب المبارك بعد أن خلعوا المأمون، وكان المتولي لبيعته، المطلب بن عبد الله بن مالك، واستولى إِبراهيم على الكوفة وعسكر بالمدائن، واستعمل علي الجانب الغربي من بغداد، العباس بن موسى الهادي، وعلى الجانب الشرقي، إسحاق ابن الهادي، ولما تولى إسحاق المذكور، ظفر بسهل بن سلامة الذي ظهر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقمع الفساق، فتفرق عنه أصحابه وأمسكه إسحاق وبعث به إِلى إِبراهيم بن المهدي إِلى المدائن، فضربه وحبسه. مسير المأمون إلى العراق وقتل ذي الرياستين وفي هذه السنة، سار المأمون من مرو إِلى العراق، واستخلف على خُرَاسان غسان بن عباد وكان سبب مسيره ما وقع في العراق من الفتن، في البيعة لإبراهيم بن المهدي، ولما أتى المأمون سرخس، وثب أربعة أنفس بالفضل بن سهل، فقتلوه في الحمام، لليلتين خلتا من شعبان من هذه السنة، أعني سنة اثنتين ومائتين، وكان عمره ستين سنة، وجعل المأمون لمن أمسكهم عشرة آلاف دينار، فأمسكهم العباس ابن الهيثم الدينوري، وأحضرهم إِلى المأمون فقالوا: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت أعناقهم. ورحل المأمون طالباً العراق، وبلغ إبراهيم بن المهدي، والمطلب الذي أخذ البيعة لإبراهيم وغيرهما، قدوم المأمون، فتمارض المطلب، وراح إِلى بغداد، وسعى في الباطن في أخذ البيعة للمأمون، وخلع إبراهيم، وبلغ إِبراهيم ذلك وهو في المدائن فقصد بغداد وأرسل في طلب المطلب، فامتنع عليه، فأمر بنهبه، فنهبت دور أهله، ولم يظفروا بالمطلب، وذلك في صفر من هذه السنة. وفي هذه السنة عقد المأمون العقد على بوران لنت الحسن بن سهل، وزوج المأمون ابنته من علي بن موسى الرضا. وفي هذه السنة توفي أبو محمد اليزيدي، وهو يحيى بن المبارك بن المغيرة المقرئ صاحب أبي عمرو بن العلاء، وإنما قيل له اليزيدي، لأنه صحب يزيد بن منصور، خال المهدي، وكان يعلم ولده. ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين في هذه السنة في صفر مات علي بن موسى الرضا بأن أكل عنباً فأكثر منه فمات فجأة بطوس وصلى عليه المأمون، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد، وكان مولد علي بالمدينة، سنة ثمان وأربعين ومائة، ولما مات، كتب المأمون إلى

стр. 226

أهل بغداد يعلمهم بموت علي الرضا، وقال: إِنما نقمتم علي بسببه، وقد مات، وكان يقال لعلي المذكور، علي الرضا وهو ثامن الأئمة الاثني عشر، على رأي الإمامية، وهو علي الرضا بن موسى الكاظم المقدم ذكره، في سنة ثلاث وثمان مائة، ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين علي بن أبي طالب، وعلي الرضا المذكور هو والد محمد الجواد تاسع الأئمة وسنذكره إِن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة أعني سنة ثلاث ومائتين، خلع أهل بغداد إِبراهيم المهدي، ودعوا للمأمون بالخلافة، وتخلى عن إِبراهيم صحابه، فلما رأى إِبراهيم ذلك فارق مكانه واختفى، ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، من كل السنة، وأحدق حميد، أحد قواد المأمون بدار إِبراهيم بن المهدي، فلم يجده في الدار، فلم يزل إِبراهيم متوارياً حتى قدم المأمون إِلى بغداد، وكانت أيام ولاية إِبراهيم نحو سنة وأحد عشر شهراً، وكسر. وفي هذه السنة في آخر ذي الحجة وصل المأمون إِلىٍ همدان، وكانت بخراسان وما وراء النهر زلازل عظيمة، دامت مقدار سبعين يوماً، فخربت البلاد وهلك فيها خلق كثير وكان معظمها ببلخ والجورجان والفارياب والطالقان، وفي هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل وتغير عقله، حتى شد في الحديد وحبس، وكتب قواد العسكر الذين كانوا مع الحسن بذلك إِلى المأمون. ابتداء دولة بني زياد ملوك اليمن وذكرهم عن آخرهم وكان ينبغي ذكر ذلك مبسوطاً في السنين، ولكن جمعناه ليضبط، بخلاف ما لو تفرق، فإنه كان يصعب التقاطه وضبطه، فنقول: كان ابتداؤها في هذه السنة تاريخ اليمن، لعمارة اليمني قال: كان شخص من بني زياد بن أبيه، اسمه محمد فلان، وقيل ابن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد، مع جماعة من بني أمية، قد سلمهم المأمون إِلى الفضل بن سهل بن سهل ذي الرياستين، وقيل إِلى أخيه الحسن، وبلغ المأمون اختلال أمر اليمن، فأثنى ابن سهل على محمد بن زياد المذكور وأشار بإِرساله أميراً على اليمن، فأرسل المأمون محمد بن زياد المذكور، ومعه جماعة، فحج ابن زياد في هذه السنة أعني سنة ثلاث ومائتين، وسار إِلى اليمن وفتح تهامة، بعد حروب جرت بينه وبين العرب، واستقرت قدم ابن زياد المذكور باليمن، وبني مدينة زبيد، واختطها في سنة أربع ومائتين، وأرسل ابن زياد المذكور مولاه جعفراً بهدايا جليلة إِلى المأمون، فسار جعفر بها إِلى العراق، وقدمها إِلى المأمون في سنة خمس ومائتين، وعاد جعفر إِلى اليمن في سنة ست ومائتين، ومعه عسكر من جهة المأمون، بمقدار ألفي فارس، فعظم أمر ابن زياد، وملك إِقليم اليمن بأسره وتقلد جعفر المذكور الجبال، واختط بها مدينة يقال لها المديحرة، والبلاد التي كانت لجعفر تسمى إِلى اليوم مخلاف جعفر، والمخلاف عبارة عن قطر واسع، وكان جعفر هذا من الكفاة الدهاة، وبه تمت دولة بني زياد، حتى

стр. 227

قتل ابن زياد بجعفرة، وبقي محمد بن زياد كذلك حتى توفي. ثم ملك بعده ابنه إِبراهيم بن محمد. ثم ملك بعده ابنه زياد بن إِبراهيم بن محمد، ولم تطل مدته. ثم ملك بعده أخوه أبو الجيش إِسحاق بن إِبراهيم، وطالت مدته وأسن وتوفي أبو الجيش المذكور في سنة إِحدى وسبعين وثلاثمائة خلف طفلاً واختلف في اسم الطفل المذكور، قيل زياد، وقيل غير ذلك، وتولت كفالة الطفل المذكور أخته هند بنت أبي الجيش، وتولى معها عبد لأبي الجيش اسمه رشد، وبقي رشد على ولايته حتى مات، فتولى موضعه عبده حسين بن سلامة، عبد رشد المذكور، وسلامة المذكورة هي أم حسين، ونشأ حسين المذكور حازماً عفيفاً إِلى الغاية، وصار وزيراً لهند، ولأخيها المذكور، حتى ماتا. ثم انتقل ملك اليمن إلى طفل من آل زياد، وقام بأمر الطفل عمته، وعبد من عبيد حسين بن سلامة، اسمه مرجان، وكان لمرجان المذكور عبدان، قد تغلبا على أمور مرجان، اسم أحدهما قيس، والآخر نجاح، ونجاح المذكور هو جد ملوك زيد، على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى، فوقع التنافس بين قيس ونجاح عبدي مرجان على الوزارة، وكان قيس؛ عسوفاً ونجاح رءوفاً، وكان سيدهما مرجان يميل مع قيس على نجاح، وكانت عمة الطفل تميل إلى نجاح، فشكا قيس ذلك إِلى مولاه مرجان، فقبض مرجان على الملك، قيل كان اسمه إِبراهيم، وقيل عبد الله، وعلى عمته، وسلمها إِلى قيس، فبنى قيس على إبراهيم وعمته جداراً وختمه عليهما حتى ماتا، وكان إبراهيم المذكور آخر ملوك اليمن من بني زياد، وكان قبض مرجان على إِبراهيم وعمته في سنة سبع وأربعمائة فيكون مدة ملك بني زياد لليمن مائتي سنة وأربع سنين، لأنهم تولوا من قبل المأمون في سنة، ثلاث ومائتين، وزال ملكهم في سنة سبع وأربعمائة. وانتقل ملكهم في سنة سبع وأربعمائة، وانتقل ملكهم إِلى عبيد عبيدهم الملك صار لنجاح المذكور، على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى. ولما قتل إِبراهيم وعمته، تملك، فعظم ذلك على نجاح، واستنصر نجاح الأسود والأحمر، وقصد قيساً في زبيد، وجرى بين نجاح وقيس، حروب عدة، آخرها أن قيساً قتل على باب زبيد، وفتح نجاح زبيد في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وأربع مائة. وقال نجاح لسيده مرجان: ما فعلت بمواليك وموالينا؟ قال: هم في ذلك الجدار، فأخرج نجاح إبراهيم وعمته ميتين، وصلى عليهما ودفنهما، وبنى عليهما مشهداً، وجعل نجاح سيده مرجان موضعهما، ووضع معه جثة قيس، وبني عليهما ذلك الجدار، وتملك نجاح وركب بالمظلة، وضرب السكة باسمه، واستقل بملك اليمن، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في سنة اثنتي عشرة وأربع مائة. ثم دخلت سنة أربع ومائتين. قدوم المأمون إلى بغداد في هذه السنة قدم المأمون إِلى بغداد، وانقطعت الفتن بقدومه، وكان لباس المأمون لما دخل

стр. 228

بغداد ولباس أصحابه الخضرة، وكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، ويحرقون كل ملبوس يرونه من السواد، ودام ذلك ثمانية أيام، ثم تكلم بنو العباس وقواد خراسان في ذلك، فترك الخضرة وأعاد لبس السواد. وفاة الإِمام الشافعي ﵀ وفي هذه السنة، أعني سنة أربع ومائتين، توفي الإمام الشافعي وهو محمد بن إِدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السايب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وهذا شافع الذي ينسب إِليه الشافعي، لقي النبي ﷺ وهو مترعرع، وأبوه السايب أسلم يوم بدر. فالشافعي شقيق رسول الله ﷺ في نسبه، يجتمع معه في عبد مناف، وكانت زوجة هاشم بن المطلب بن عبد مناف بنت عمه الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف فولد له منها عبد يزيد، جدّ الشافعي، فالشافعي إِذن ابن عم رسول الله ﷺ وابن عمته، لأن الشفاء أخت عبد المطلب جد رسول الله ﷺ . وولد الشافعي سنة خمسين ومائة بغزة، على الصحيح، وقيل في غيرها، وأخذ العلم من مالك بن أنس، ومسلم بن خالد الزنجي، وسفيان بن عيينة، وسمع الحديث من إِسماعيل بن علية، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وغيرهم، قال الشافعي: حفظت القرآن وأنا ابن تسع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر، وقدمت على مالك وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقال: رأيت علي بن أبي طالب في منامي، فسلم علي وصافحني؛ وجعل خاتمه في إِصبعي، ففسر لي أن مصافحته لي أمان من العذاب، وجعله الخاتم في إِصبعي، أنّه سيبلغ اسمي ما بلغ اسم علي، في الشرق والغرب. وناظر الشافعي محمد بن الحسن في الرقة، فقطعه الشافعي، وكان الشافعي حافظاً للشعر، قال الأصمعي: قرأت ديوان الهذليين على محمد بن إِدريس الشافعي، وقال أبو عثمان المازني: سمعت الأصمعي يقول قرأت ديوان الشنفري على الشافعي بمكة، وكان أحمد بن حنبل يقول: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه، حتى جالست الشافعي. وقدم الشافعي إِلى بغداد مرتين، مرة في سنة خمس وسبعين ومائة، ثم قدمها مرة أخرى في سنة ثمان وسبعين ومائة، وناظر بشر المريسي المعتزلي ببغداد، وناظر حفص الفرد بمصر، فقال حفص: القرآن مخلوق، واستدل عليه، فتحاربا في الكلام حتى كفره الشافعي وقد رواه أبو يعقوب البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: إِنما خلق الله الخلق بكن، فإِذا كانت كن مخلوقة، فكأن مخلوقاً خلق بمخلوق، قال ابن بنت الشافعي: حدثنا أبي قال: كان الشافعي ينظر في النجوم وهو حدث، وما نظر في شيء إِلا فاق فيه، فجلس يوماً وامرأته تطلق، فحسب وقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود، تموت إِلى كذا وكذا، فكان كما قال. فجعل على نفسه ألا ينظر فيه بعدها، ودفن الكتب التي كانت عنده

стр. 229

في النجوم، وكان الشافعي ينكر على أهل علم الكلام وعلى من يشتغل فيه، وللشافعي أشعار فائقة منها: وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى بعيش ضيق وله أيضاً: رعت النسور بقوة جيف الفلا ... ورعى الذبابُ الشهدَ وهو ضعيف فيها مات الحسن بن زياد اللولوي الفقيه، أحد أصحاب أبي حنيفة، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، صاحب المسند، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وفيها أعني سنة أربع ومائتين، وقيل سنة ثلاث ومائتين، توفي النصر بن شميل بن خرشة البصري النحوي، سار إلى خراسان من البصرة، ولما خرج من البصرة مسافراً، طلع لوداعه نحو ثلاثة آلاف رجل من أعيان أهل البصرة، فقال النضر: والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلي ما فارقتكم، فلم يكن فيهم أحد يتكلف ذلك له، وأقام بمرو من خراسان، وصار ذا مال طائل، وصحب الخليفة المأمون وحظي عنده. وكان يوماً عنده فقال المأمون: حدثنا هشيم عن مخالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عون " وفتح سين سداد، فأعاد النضر الحديث وكسر السين من سداد، فاستوى المأمون جالساً وقال: تلحني يا نضر؟ فقال: إِنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتتبع أمير المؤمنين لفظه قال: فما الفرق بينهما؟ قال: السداد بالفتح، القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر، البلغة، وكلما سددت به شيئاً فهو سداد، بكسر السين، وأنشد من أبيات عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان المعروف بالعرجي الشاعر المشهور: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فأمر له المأمون بخمسين ألف درهم، وكان النضر من أصحاب الخليل بن أحمد، والنضر بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، ثم راء، وشُميل - بضم الشين - وخرشة بفتح الخاء المعجمة، والعَرج بفتح العين، وسكون الراء، ثم جيم، عقبة بين مكة والمدينة. ثم دخلت سنة خمس ومائتين: فيها استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق، من مدينة السلام إِلى أقصى عمل المشرق، وفيها توفي يعقوب بن إِسحاق بن زيد البصري المقرئ، وهو أحد القراء العشرة، وله في القراءات رواية مشهورة، قرأ على سلام بن سليمان الطويل، وقرأ سلام على عاصم بن أبي النجود وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب ﵁، وقرأ علي على ﷺ . ثم دخلت سنة ست ومائتين في هذه السنة مات الحكم بن هشام صاحب الأندلس، لأربع بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته في صفر سنة ثمانين ومائة، ولما توفي كان عمره اثنتين وخمسين سنة، وخلف من الولد تسعة عشر ذكراً. ولما مات قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن بن

стр. 230

الحكم. في هذه السنة توفي محمد بن المسير المعروف بقطرب النحوي، أخذ النحو عن سيبويه وكان يبكر الحضور إِلى سيبويه، للاشتغال عليه، قبل الصبح، فقال له سيبوبه: ما أنت إِلا قطرب، فغلب عليه ذلك وصار لقبه. وفيها توفي أبو عمرو إِسحاق الشيباني اللغوي. ثم دخلت سنة سبع ومائتين في هذه السنة توفي طاهر بن الحسين في جمادى الأولى، من حمى أصابته، وكان في آخر جمعة صلاها، قد ترك الدعاء للمأمون، وقصد لمن يخلعه فمات، وكان طاهر أعور، ويلقب ذا اليمينين وفيه يقول بعضهم: يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة وفي هذه السنة توفي بشر بن عمرو الزاهد الفقيه، وهو غير بشر الحافي. وفيها توفي محمد بن عمر بن واقد الواقدي، وعمره ثمان وسبعون سنة، وكان عالماً بالمغازي واختلاف العلماء، وكان يضعف في الحديث، وللواقدي عدة مصنفات، وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته، وكان الواقدي متولياً القضاء بالجانب الشرقي من بغداد. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى، المعروف بابن كناسة، وهو ابن أخت إِبراهيم بن الأدهم، وكان عالماً بالعربية والشعر وأيام الناس. وفيها توفي أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله، المعروف بالفراء الديلمي الكوفي، وكان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب وكان في ذلك إِماماً. قال الجاحظ: دخلت بغداد في سنة أربع ومائتين، حين قدم إليها المأمون، وكان الفراء يحبني ويشتهي أن يتعلم شيئاً من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع، واتخذ المأمون الفراء معلماً لأولاده، وللفراء عدّة مصنفات منها، كتاب الحدود، وكتاب المعاني، وكتابان في الشكل، وكتاب النهي، وغير ذلك، وكانت وفاته بطريق مكة حرسها الله تعالى، وعمره نحو ثلاث وستين سنة، ولم يكن الفراء يعمل الفراء ولا يبيعها، بل تلقب بذلك لأنه كان يفري الكلام. ثم دخلت سنة ثمان ومائتين فيها مات الفضل بن الربيع. ثم دخلت سنة تسع ومائتين فيها مات ميخائيل ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملك بعده ابنه توفيل. وفيها توفي أبو عبيدة محمد بن حمزة اللغوي، وكان يميل إِلى مقالة الخوارج، وعمره تسعٍ وتسعون سنة، وكان متفنناً في العلوم، وكان مع كمالَ فضائله، إِذا أنشد شعراً كسره، ولا يحسن يقيم وزنه، وبلغت مصنفاته نحو مائتي مصنف. ثم دخلت سنة عشر ومائتين في هذه السنة ظفر المأمون بإِبراهيم بن محمد ابن عبد الوهاب بن إِبراهيم الإمام، وكان يعرف بابن عائشة، وبجماعة معه من الأعيان الذين كانوا قد سعوا في البيعة لإبراهيم بن المهدي، فحبسهم، ثم صلب ابن عائشة، وهو أول عباسي صُلب، ثم أنزل وكفن وصلي عليه ودفن. ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي وفي هذه السنة أعني سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر، أمسك حارس أسود إِبراهيم

стр. 231

بن المهدي، وهو متنقب مع امرأتين، في زي امرأة وأحضر بين يدي المأمون، فحبسه، ثم بعد ذلك أطلقه، قيل شفع فيه الحسن بن سهل؛ وقيل ابنته بوران وقيل بل المأمون من نفسه عفا عنه. وفي هذه السنة دخل المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وكان الحسن ابن سهل مقيماً في فم الصلح فسار المأمون من بغداد إِلى فمٌ الصلح، ودخل بها ونثرت عليه جدة بوران أم الحسن والفضل ألف حبة لؤلؤ؛ من أنفس ما يكون، وأوقدت شمعة عنبر، فيها أربعون منا، وكتب الحسن بن سهل أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد، فمن وقع له رقعة، أخذ الضيعة المسماة فيها، أقول: قد تقدم في سنة ثلاث ومائتين، أن الحسن بن سهل تغير عقله من السوداء، وقيد وحبس وكأنه بعد ذلك تعافى وعاد إِلى منزلته، ولكن لم يذكروا ذلك. وفي هذه السنة ماتت علية بنت المهدي، ومولدها سنة ستين ومائة وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين فيها أمر المأمون منادياً فنادى: برأت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وفيها مات أبو العتاهية الشاعر. وفيها توفي أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش النحوي البصري والأخفش: الصغير العينين مع سوء بصرهما. وكان من أئمة العربية البصريين، وأخذ النحو عن سيبويه، وكان أكبر من سيبويه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إِلا بعد أن عرضه عليّ، وللأخفش المذكور عدة مصنفات وهو الذي زاد في العروض بحر الخبب، والذين يسمون بالأخفش ثلاثة، أولهم: الأخفش الأكبر، وهو أبو الخطاب عبد الحميد، من أهل هجر، وكان نحوياً أيضاً. ثم الأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة الإمام المذكور. ثم الأخفش الأصغر المتأخر، وهو علي بن سليمان بن الفضل، وكان الأخفش الأصغر المذكور، نحوياً أيضاً، وتوفي في سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة وثلاثمائة. وفيها توفي عبد الرزاق الصغاني المحدث وهو من مشايخ أحمد بن حنبل، وكان يتشيع. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين فيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب ﵁ على جميع الصحابة، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ . وفيها توفي محمد بن يوسف الضبي، وهو من مشايخ البخاري. ثم دخلت سنة ثلاث عشر ومائتين فيها ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة والثغور والعواصم، وولى أخاه أبا إِسحاق المعتصم الشام ومصر، وولى غسان بن عباد على السند. وفيها توفي إِبراهيم الموصلي المغني، وكان كوفياً، وسار إِلى الموصل، وعاد، فقيل له الموصلي. وفيها مات علي بن جبلة الشاعر، وأبو عبد الرحمن المقرئ المحدث. وفيها وقيل في سنة ثماني عشرة ومائتين، توفي بمصر أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، وهذا ابن هشام، هو الذي جمع سيرة رسول الله

стр. 232

صلى الله عليه وسلم من المغازي والسير، لابن إِسحاق وهذ بها وشرحها السهيلي، وابن هشام المذكور، من أهل مصر، وأصله من البصرة. ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين فيها استعمل المأمون، عبد الله بن طاهر على خراسان. وفيها صلح حال أبي دلف مع المأمون، وكان أبو دلف من أصحاب الأمين، وقدم على المأمون وهو شديد الخوف منه، فأكرمه وأعلى منزلته. وفيها وقيل في سنة ثلاث عشرة ومائتين، توفي إدريس بن إِدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمغرب، وقام بعده ابنه محمد بن إِدريس بفاس والبربر، وولى أخاه القاسم بن إِدريس طنجة وما يليها، وولى أخاه عمر صنهاجة وغمارة، وولى أخاه داود هوارة بأسليب، وولى أخاه يحيى مدينة داني وما والاها. واستعمل باقي أخوته على ملك البربر، وسنذكر أخبار باقي الأدارسة في سنة سبع وثلاثمائة إِن شاء الَله تعالى. وفيها توفي أبو عاصم بن مخلد الشيباني، وهو إِمام في الحديث. ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين فيها سار المأمون لغزو الروم، ووصل إِلى منبج ثم إِلى إنطاكية، ثم إِلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إِلى بلاد الروم، في جمادى الأولى، ففتح حصوناً، ثم عاد وتوجه إلى دمشق. وفي هذه السنة توفي أبو سليمان الداراني الزاهد؛ توفي بداريا، ومكي بن إِبراهيم البلخي وهو من مشايخ البخاري، وأبو زيد سعيد النحوي اللغوي وعمره ثلاث وتسعون سنة. وفيها توفي أبو سعيد الأصمعي اللغوي البصري، وقيل في سنة ست عشرة، وقيل في سنة سبع عشرة ومائتين، واسم الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن صالح، وكان عمره نحو ثمان وثمانين سنة، والأصمعي نسبة إِلى جده أصمع، وكان أياماً في الأخبار والنوادر واللغة، وله عدة مصنفات منها: كتاب خلق الإنسان، وكتاب الأجناس، وكتاب الأنواء، وكتاب الصفات، وكتاب الميسر والقداح، وكتاب خلق الفرس، وكتاب خلق الإبل، وكتاب الشاء، وكتاب جزيرة العرب، وكتاب النبات، وغير ذلك، وقُرَيب - بضم القاف وفتح الراء المهملة وياء مثناة من تحتها ساكنة ثم باء موحدة من تحتها. ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين فيها سار المأمون إِلى بلاد الروم فقتل وسبى وفتح عدة حصون، ثم عاد إِلى دمشق، ثم سار المأمون في هذه السنة في ذي الحجة من دمشق إِلى مصر، وفي هذه السنة ماتت أم جعفر زبيدة ببغداد. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين فيها عاد المأمون من مصر إِلى الشام، ثم دخل بلاد الروم، وأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عائداً وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة فلم تتم ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين. ما كان في أمر القرآن المجيد في هذه السنة كتب المأمون إِلى عامله ببغداد، إِسحاق بن إِبراهيم أن يمتحن القضاة والشهود، وجميع أهل العلم بالقرآن، فمن أقر أنّه مخلوق محدث، خلى سبله، ومن أبى يعلمه به، ليرى فيه

стр. 233

رأيه، فجمع أولي العلم الذين كانوا ببغداد، منهم قاضي القضاة بشر بن الوليد الكندي، ومقاتل، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وعلي بن الجعد وغيرهم. وقرأ عليهم كتاب المأمون، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال بشر: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء. قال: والقرآن شيء؟ قال: نعم. قال: مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق. قال: ليس عن هذا أسألك، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك. فقال إسحاق للكاتب: اكتب ما قال. ثم سأل غيره وغيره، فيجيبون قريباً مما أجاب به بشر. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله ما أزيد عليها. ثم قال له: ما معنى قوله سميع بصير؟ قال أحمد: هو كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدري، هو كما وصف نفسه. ثم سأل قتيبة، وعبيد الله بن محمد، وعبد المنعم بن إِدريس ابن بنت وهب بن منبه، وجماعة معهم، فأجابوا أنّ القرآن مجعول لقوله تعالى " إِنا جعلناه قرآناً عربياً " " الزخرف: ٣ " والقرآن محدث لقوله تعالى " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " " الأنبياء: ٢ " قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قالوا: نعم. قال فالقرآن مخلوق؟ قالوا: لا نقول مخلوق، ولكن مجعول. فكتب مقالتهم، ومقالة غيرهم، رجلاً رجلا، ووجهت إِلى المأمون، فورد جواب المأمون إِلى إِسحاق بن إبراهيم، أن يحضر قاضي القضاة بشر بن الوليد، وإبراهيم بن المهدي، فإن قالا بخلق القرآن وإلا تضرب أعناقهما، وأما من سواهما، فمن لم يقل بخلق القرآن، يوثقه بالحديد، ويحمله إلي فجمعهم إسحاق، وعرض عليهم ما أمر به المأمون، فقال بشر وإبراهيم وجميع الذين أحضروا لذلك؛ بخلق القرآن، إلا أربعة نفر، وهم أحمد بن حنبل، والقواريري، وسجادة، ومحمد بن نوح المصروب، فإنهم لم يقولوا بخلق القرآن فأمر بهم إِسحاق، فشدوا في الحديد، ثم سألهم، فأجاب سجادة والقواريري إلى القول بخلق القرآن، فأطلقهما، وأصر أحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح المصروب على قولهما؛ فوجههما إلى طرسوس، ثم ورد كتاب المأمون يقول: بلغني أن بشر بن الوليد، وجماعة معه، إِنما أجابوا بتأويل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر " إِلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " " النحل: ١٠٦ " وقد أخطؤوا التأويل، فإِن الله تعالى عنى بهذه الآية، من كان معتقداً للإيمان، مظهراً للشرك، فأما من كان معتقداً للشرك، مظهراً للإيمان. فليس هذا له، فأشخصهم إِلى طرسوس ليقيموا بها، إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأمسكهم إِسحاق وأرسلهم، فلما صاروا إِلى الرقة، بلغهم موت المأمون فرجعوا إِلى بغداد. مرض المأمون وموته رحمه الله تعالى في هذه السنة، أعني سنة ثماني عشرة ومائتين، مرض المأمون لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة، وكان سببه ما حكاه سعيد بن العلاف قال: دعاني المأمون، وهو وأخوه المعتصم جالسان على شاطئ نهر البدندون، وقد وضعا أرجلهما في الماء، فقال لي: أي شيء يؤكل ليشرب عليه من هذا الماء، الذي هو في نهاية الصفاء والعذوبة؟ قال: أمير المؤمنين أعلم،

стр. 234

فقال: الرطب، فبينما هم في الحديث، إِذ وصلت بغال البريد، عليها الحقائب، وفيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر إِن كان في هذه الألطاف رطب، فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما رطب من أطيب ما يكون، فشكر الله تعالى، وتعجبنا جميعاً، وأكل وأكلنا من ذلك الرطب، وشربنا عليه من ذلك الماء، فما قام منا أحد إِلا وهو محموم، ولم يزل المعتصم مريضاً حتى دخل العراق، ولما مرض المأمون، أوصى إِلى أخيه المعتصم، بحضرة ابنه العباس، بتقوى الله تعالى، وحسن سياسة الرعية، في كلام حسن طويل، ثم قال للمعتصم: عليك عهد الله وميثاقه، وذمة رسوله، لتقومن بحق الله في عباده ولتؤثرن طاعة الله على معصيته، إِذا أنا نقلتها من غيرك إِليك. قال: اللهم نعم. ثم قال: هؤلاء بنو عمك ولد أمير المؤمنين علي، صلوات الله عليه، أحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة، عند محلها، وتوفي المأمون في هذه السنة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، وحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إِلى طرسوس، فدفناه بدار جلعان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم، وكانت خلافة المأمون عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً سوى أيام دعي له بالخلافة، وأخوه الأمين محصور ببغداد، وكان مولده للنصف منٍ ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكانت كنيته أبا العباس، وكان ربعة، أبيض جميلا طويل اللحية رقيقها، قد وخطه الشيب، وقيل كان أسمر، أحنى، أعين، ضيق الجبهة، بخده خال أسود. بعض سيرته وأخباره لما كان المأمون بدمشق، قل المال الذي صحبته، حتى ضاق وشكى ذلك إِلى المعتصم، فقال له يا أمير المؤمنين: كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وحمل إِليه المعتصم ثلاثين ألف ألف ألف، من خراج ما يتولاه له، فلما ورد ذلك، قال المأمون ليحيى بن أكتم: اخرج بنا ننظر إِلى هذا المال فخرجا ونظرا إِليه، وقد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، فاستكثر المأمون ذلك، واستحسنه، واستبشر به الناس، والناس ينظرون ويتعجبون، فقال المأمون: يا أبا محمد، ننصرف بالمال، ويرجع أصحابنا خائبين. إِن هذا للؤم، فدعا محمد بن رداد، فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف ألف؛ ورجله في الركاب، وكان المأمون ينظم الشعر، فما يروى له من أبيات: بعثتك مرتاداً ففزتَ بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأتُ بك الظنّا فناجيت من أهوى وكنت مباعداً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى أرى أثراً منها بعينيك بيْنا ... لقد أخذت عيناكَ من عينها حُسنا وكان المأمون شديد الميل إِلى العلويين، والإحسان إِليهم رحمه الله تعالى، ورد فدك على ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسلمها إِلى محمد ابن يحيى بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ليفرقها على مستحقيها من ولد فاطمة، وكان المأمون فاضلاً مشاركاً في علوم كثيرة.

стр. 235

خلافة المعتصم وهو ثامنهم، وبويع للمعتصم أبي إِسحاق محمد بن هارون الرشيد بالخلافة، بعد موت المأمون، ولما بويع له، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل المعتصم إِلى العباس وأحضره، فبايعه العباس، ثم خرج إِلى الجند فقال لهم قد بايعت عمي، فسكنوا، وانصرف المعتصم إِلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان. وفي هذه السنة توفي بشر بن غياث المريسي وكان يقول بخلق القرآن. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين في هذه السنة أحضر المعتصم أحمد ابن حنبل، وامتحنه بالقرآن، فلم يجب إِلى القول بخلقه، فجلده حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وقيد وحبس. وفيها توفي أبو نعيم الفضل التيمي وهو من مشايخ البخاري ومسلم. وكان مولده سنة ثلاثين ومائة، وكان شيعياً. ثم دخلت سنة عشرين ومائتين في هذه السنة خرج المعتصم لبناء سامراء فخرج إلى القاطول، واستخلف على بغداد ابنه الواثق، وفيها قبض المعتصم على وزيره الفضل بن مروان، وكان قد استولى على الأمور، بحيث لم يبق للمعتصم معه أمر، وولى المعتصم مكانه محمد بن عبد الملك الزيات. وفي هذه السنة توفي محمد الجواد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهو أحد الأئمة الاثني عشر، عند الإمامية، وصلى عليه الواثق، وكان عمره خمساً وعشرين سنة، ودفن ببغداد عند جده مَوسى بن جعفر، ومحمد الجواد المذكور، هو تاسع الأئمة الاثني عشر، وقد تقدم ذكر أبيه علي الرضا، في سنة ثلاث ومائتين، وسنذكر الباقين إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة إِحدى وعشرين ومائتين فيها توفي قاضي القيروان، أحمد ابن محرز، وكان من العلماء العاملين الزاهدين. وفيها توفي آدم بن أبي إِياس العسقلاني، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين. فتح عمورية وإمساك العباس بن المأمون وحبسه وموته . في هذه السنة خرج ملك الروم نوفيل في جمع عظيم، فبلغ زبطرة وقتل وسبى ومثل بمن وقع في يده من المسلمين، ولما بلغ المعتصم ذلك، وأن امرأة هاشمية صاحت وهي في أيدي الروم وامعتصماه، استعظمه ونهض من وقته، وجمع العساكر وسار لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وبلغه أن عمورية هي عين النصرانية وهي أشرف عندهم من قسطنطينة، وأنه لم يتعرض أحد إِليها منذ كان الإسلام، وتجهز المعتصم جهازاً لم يعهد قبله، مثله من السلاح وخيام الأدم، وغير ذلك، وسار المعتصم حتى نزل على نهر قريب من البحر، بينه وبين طرسوس يوم، وجعل عسكره ثلاث فرق،

стр. 236

فرقة مع الإفشين خيذر ابن كاؤوس ميمنة، وفرقة مع أشناس ميسرة، وفرقة مع المعتصم في القلب، وبين كل فرقة وفرقة فرسخان، وأمرهم المعتصم بحريق القرى وتخريب بلاد الروم ففعلوا ذلك، حتى وصلوا إِلى عمورية، فأول من قدمها أشناس، ثم المعتصم، ثم الإفشين، فأحدقوا بها، وكان نزوله عليها لست خلون من رمضان، من هذه السنة، وأقام عليها المنجنيقات، وجرى بين المسلمين والروم عليها قتال شديد يطول شرحه، وآخره أن المسلمين خربوا في السور مواضع بالمنجنيق، وهاجموا البلد وقتلوا أهله، ونهبوا الأموال والنساء، وأقبل الناس بالسبي والأسرى إِلى المعتصم، من كل جهة، وأمر بعموربة فهدمت، وأحرقت، وكان مقامه على عمورية خمسة وخمسين يوماً، ثم ارتحل راجعاً إِلى الثغور، فلما كان في أثناء الطريق، بلغ المعتصم أن العباس بن المأمون قد بايعه جماعة من القواد وهو يريد أن يثب عليه، ويأخذ الخلافة منه، فدعا المعتصم بالعباس بن المأمون، وأمسكه. وسلمه إِلى الافشين خيذر، فلما وصل إِلى منبج طلب العباس الطعام، فأكل ومُنع الماء حتى مات بمنبج، فصلى عليه بعض أخوته وأتم المعتصم سيره حتى دخل سامراء. وفيها أعني سنة ثلاث وعشرين ومائتين، توفي ملك إِفريقية زيادة الله إِبراهيم بن الأغلب، وتولى بعده أخوه أبو عقال الأغلب بن إِبراهيم بن الأغلب. ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين في هذه السنة مات إِبراهيم المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم. وفيها مات أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعاً وستين سنة. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين في هذه السنة توفي أبو دلف وعلي بن محمد المدايني المشهور. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين في هذه السنة غضب المعتصم على الإفشين خيذر بن كاؤوس، وحبسه حتى مات في حبسه، وأُخرج فصُلب، أُحرقت جثته، والإفشين هو الذي قاتل بابك المجوسي، الذي استولى على جبال طبرستان مدة عشرين سنة، وعظم أمره، وهزم عدة مرار عساكر المعتصم، حتى انتدب له المعتصم الإفشين المذكور، فجرى له معه قتال شديد، في مدة طويلة، انتصر الإفشين وأخذ مدينة بابك البذ، وأسر بابك، وأحضره إِلى المعتصم، فقتله والإفشين خيذر المذكور بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها والذال المعجمة وفي آخرها راء مهملة. وفي هذه السنة توفي الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله العلاف البصري شيخ المعتزلة وزاد عمره على مائة سنة. وفيها توفي أبو عقال الأغلب بن إِبراهيم بن الأغلب، وتولى بعده أخوه أبو العباس محمد بن إِبراهيم بن الأغلب، فكانت ولاية الأغلب سنتين وتسعة أشهر. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين. وفاة المعتصم وفيها توفي أبو إِسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، لثماني عشرة مضت من ربيع الأول

стр. 237

بسامراء، وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان مولده سنة سبع وتسعين ومائة، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين، وثمان بنات، وكان أبيض، أصهب اللحية طويلها، مربوعاً مشرب اللون بحمرة، وهو أول من أضيف إِلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء، وكان المعتصم بالله، طيب الأخلاق، لكنه إِذا غضب لا يبالي من قتل، وما فعل، وقد حكي أن المعتصم انفرد عن أصحابه في يوم مطر، فبينما هو يسير إِذ رأى شيخاً مع حمار عليه حمل شوك، وقد توحل الحمار ووقع الحمل، وهو ينتظر من يمر عليه ويساعده على ذلك، فنزل المعتصم بالله عن دابته، وخلص الحمار، ورفع معه الحمل عليه، ثم لحقه أصحابه، فأمر لصاحب الحمار بأربعة آلاف درهم، وقال ابن أبي داود: تصدق المعتصم ووهب على يدي مائة ألف ألف درهم. خلافة ابنه الواثق وهو تاسعهم، وبويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، في هذه السنة أعني سنة تسع وعشرين ومائتين، وأم الواثق أم ولد رومية تسمى قراطيس. وفي هذه السنة هلك نوفيل ملك الروم، وملك بعده امرأته بدورة، وابنها ميخائيل بن نوفيل. الفتنة بدمشق لما مات المعتصم، ثارت القيسية بدمشق، وعاثوا وأفسدوا، وحصروا أميرهم بدمشق. فبعث إِليهم الواثق عسكراً مع رجاء بن أيوب فقاتلهم، وكانوا قد اجتمعوا بمرج راهط فقتل من القيسة نحو ألف وخمس مائة، وانهزم الباقي، وصلح أمر دمشق. وفي هذه السنة توفي بشر بن الحارث الزاهد، المعروف بالحافي في ربيع الأول. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين في هذه السنة فتح المسلمون عدة أماكن من جزيرة صقلية، وكان الأمير على صقلية محمد بن عبد الله بن الأغلب، وكان مقيماً في صقلية، بمدينة بلرم، لم يخرج منها، لكن يجهز الجيوش والسرايا فيفتح ويغنم، وكانت إِمارته على صقلية تسع عشرة سنة، وتوفي في سنة سبع وثلاثين ومائتين في رجب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة مات أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر، وفيها أعطى الواثق أشناس، تاجاً ووشاحين. ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين في هذه السنة حبس الواثق الكتاب، وألزمهم أموالاً عظيمة، وفيها توفي خلف بن هشام البزار المقرئ البزار، بالزاي المنقوطة والراء المهملة. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين في هذه السنة مات عبد الله بن طاهر بنيسابور وهو أمير خراسان وعمره ثمان وأربعون سنة، واستعمل

стр. 238

الواثق موضعه ابنه طاهر بن عبد الله. وفي هذه السنة خرجت المجوس في أقاصي بلاد الأندلس، في البحر، إِلى بلاد المسلمين، وجرى بينهم وبين المسلمين بالأندلس عدة وقائع، انهزم فيها المسلمون، وساروا يقتلون المسلمين، حتى دخلوا حاضر إِشبيلية، ووافاهم عسكر عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس، ثم اجتمع عليهم المسلمون من كل جهة، فهزموا المجوس، وأخذوا لهم أربعة مراكب، بما فيها، وهربت المجوس في مراكبهم إِلى بلادهم. وفي هذه السنة مات أشناس التركي بعد عبد الله بن طاهر بتسعة أيام. ثم دخلت سنة إِحدى وثلاثين ومائتين، فيها مات مخارق المغني وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه، صاحب الشافعي، وكان قد حبس في محنة الناس بالقرآن المجيد، فلم يجب إِلى القول بأنه مخلوق، وكان البويطي من الصالحين، وهو منسوب إِلى بويط، قرية من قرى مصر. وفيها توفي محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي، صاحب اللغة، وكان أبوه زياد عبداً سندياً أخذ الأدب عن المفضل الضبي صاحب المفضليات، ولابن الأعرابي المذكور عدة مصنفات منها: كتاب النوادر وكتاب الأنواء وكتاب تاريخ القبائل وغير ذلك، وولد في الليلة التي توفي فيها أبو حنيفة، سنة خمسين ومائة، والأعرابي منسوب إِلى الأعراب، يقال رجل أعرابي إِذا كان بدوياً، وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إِلى العرب، وإن لم يكن بدوياً، ويقال رجل أعجم وأعجمي إِذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، ورجل عجمي منسوب إِلى العجم، وإن كان فصيحاً، هكذا ذكر محمد بن عزيز السجستاني، في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين موت الواثق بالله وتوفي الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بالله، في هذه السنة، لست بقين من ذي الحجة بالاستسقاء وعولج بالإِقعاد في تنور مسخن، ووجد عليه خفة، فعاوده وشدد سخونته، وقعد فيه أكثر من اليوم الأول، فحمي عليه، وأخرج منه في محفة، فمات فيها، ودفن بالهاروني، ولما اشتد مرض الواثق، أحضر المنجمين، فنظروا في مولده، فقدروا له أنه يعيش خمسين سنة مستأنفة، من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إِلا عشرة أيام، وكان أبيض مشرّباً حمرة، في عينه اليسرى نكتة بياض، وكانت خلافته، خمس سنين وتسعة أشهر وكسراً، وعمره اثنتان وثلاثون سنة وكان الواثق يبالغ في إِكرام العلويين والإِحسان إِليهم، وفرق في الحرمين أموالا عظيمة، حتى أنه لم يبق بالحرمين في أيام الواثق سائل، ولما بلغ أهل المدينة موته، كانت تخرج نساؤهم إِلى البقيع كل ليلة، ويندبن الواثق، لفرط إِحسانه إِليهم، وسلك الواثق مذهب أبيه المعتصم، وعمه المأمون في امتحان الناس بالقرآن المجيد، وألزمهم القول بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى في الآخرة بالأبصار.

стр. 239

خلافة المتوكل جعفر بن المعتصم هو عاشرهم، ولما مات الواثق، عزم كبراء الدولة على البيعة لمحمد بن الواثق، فألبسوه قلنسوة ودرّاعة سوداء وهو غلام أمرد قصير، فلم يروا ذلك مصلحة، فتناظروا فيمن يولونه، وذكروا عدة من بني العباس، ثم أحضروا المتوكل، فقام أحمد بن أبي داود وألبسه الطويلة، وعممه، وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فبويع بالخلافة في يوم مات الواثق فيه، لست بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان عمر المتوكل لما بويع ستَاً وعشرين سنة. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. القبض على ابن الزيات في صفر من هذه السنة، قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وحبسه وأخذ جميع أمواله، وعذبه بالسهر، ثم حطه في تنور خشب، فيه مسامير حديد، أطرافها إِلى داخل التنور، يمتنع من يكون فيه من الحركة، ولا يقدر على الجلوس، فبقي كذلك محمد بن الزيات أياماً، ومات لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول من هذه السنة، وكان ابن الزيات هو الذي عمل هذا التنور، وعذب به ابن أسباط المضري وأخذ أمواله، وكان ابن الزيات صديق إِبراهيم الصولي، فلما ولي ابن الزيات الوزارة صادره بألف ألف درهم، فقال الصولي: وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا وفي هذه السنة ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف، وفيها توفي أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام المري البغدادي المشهور، وكان إماماً حافظاً، قيل إِنه من قرية نحو الأنبار تسمى نقيا، وهو صاحب الجرح والتعديل، وكان الإمام أحمد بن حنبل شديد الصحبة له، وكانا مشتركين في الاشتغال بعلوم الحديث، وذكر الدارقطني يحيى بن معين المذكور في جملة من روى عن الإمام الشافعي. وولد يحيى بن معين المذكور في سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي في هذه السنة أعني سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، في ذي القعدة، وقيل ذي الحجة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها توفي محمد بن مبشر، أحد المعتزلة البغداديين، وأبو جيثمة زهر المحدث، وعلي بن عبد الله بن جعفر المعروف بابن المديني الحافظ، وهو إِمام ثقة. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين في هذه السنة، ظهر بسامراء رجل يقال له: محمود بن فرج، وادعى النبوة، وزعم أنه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلاً، فأُتي به وبأصحابه إِلى المتوكل، فأمر أصحابه فصفعه كل واحد عشر صفعات، وضرب حتى مات من الضرب، وحبس أصحابه.

стр. 240

وفي هذه السنة مات الحسن بن سهل وعمره تسعون سنة، وكان قد شرب دواء فأفرط عليه القيام حتى مات، وفيها مات إِسحاق بن إِبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء. وفيها مات سريح بن يونس بن سريح بالسين المهملة، وفيها وقيل في السنة التي تليها، توفي عبد السلام بن رغبان - بالغين المنقوطة - الشاعر المشهور المعروف بديك الجن، وكان يتشيع، وعاش بضعاً وسبعين سنة، ومن جيد شعره أبياته التي من جملتها: وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغر ... ولا تسق إِلا خمرها وعقارها مشعشة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده وأدارها ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وهدم ما حوله من المنازل ومنع الناس من إِتيانه، وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، ولأهل بيته، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة، ويكشفَ رأسه، وهو أصلع، ويرقص ويقول: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين، يعني علياً، والمتوكل يشرب ويضحك، وفعل كذلك يوماً بحضرة المنتصر، فقال: يا أمير المؤمنين، إِن علياً ابن عمك، فكل أنت لحمه إِذا شئت، ولا تخلي مثل هذا الكلب وأمثاله يطمع فيه، فقال المتوكل للمغنين غنوا: غارا الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حرامه وكان يجالس من اشتهر ببغض علي، مثل ابن الجهم الشاعر، وأبي السمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية وغيرهما، فغطى ذمه لعلي على حسناته، وإلا فكان من أحسن الخلفاء سيرة، ومنع الناس عن القول بخلق القرآن. وفي هذه السنة توفي منصور بن المهدي. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين في هذه السنة مات محمد بن عبد الله أمير صقلية، وتولى موضعه على جزيرة صقلية العباس بن الفضل بن يعقوب بن فزارة، وفتح فيها الفتوحات الجليلة، وفتح قصر يانه، وهي المدينة التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن مرقوسه، فلما أخذ المسلمون بعض الجزيرة، انتقل الملك إِلى قصر يانه. لحصانتها، ففتحها العباس في هذه السنة، يوم الخميس منتصف شوال، وبنى فيها مسجداً في الحال، ونصب فيه منبراً وخطب وصلى فيه الجمعة. وفيها توفي حاتم الأصم الزاهد المشهور البلخي، ولم يكن أصم؛ وإنما سمي به لأن امرأة جاءت تسأله عن مسألة فخرج منها صوت فخجلت، فأوهمها أنّه أصم، وقال: ارفعي صوتك، فسرّت المرأة ظناً منها أنه لم يسمع حبقتها، فغلب عليه هذا الاسم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين في هذه السنة توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، وولايته إِحدى وثلاثين

стр. 241

سنة وثلاثة أشهر، وكان أسمر طويلاً عظيم اللحية، يخضب بالحناء، وخلف خمسة وأربعين ابناً، ولما مات ملك بعده ابنه محمد بن عبد الرحمن. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين فيها توفي محمود بن غيلان المروزي، وهو من مشايخ البخاري ومسلم. ثم دخلت سنة أربعين ومائتين في هذه السنة مات ابن الإمام الشافعي، واسمه محمد، وكنيته أبو عثمان، وكان قاضي الجزيرة، وروى عن أبيه وعن ابن عينية، وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد أيضاً، مات بمصر سنة إِحدى وثلاثين ومائتين. وفيها توفي أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، الفقيه البغدادي، صاحب الإمام الشافعي، وناقل أقواله القديمة عنه، وكان على مذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي إِلى العراق، فاختلف إِليه واتبعه، ورفض مذهبه الأول. ثم دخلت سنة إِحدى وأربعين ومائتين في هذه السنة توفي الإِمام أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إِدريس، ينسب إِلى معد بن عدنان، وكان وفاته في ربيع الأول وروى عنه مسلم، والبخاري، وأبو داود، وإبراهيم الحرثي، وكان مجتهداً ورعاً زاهداً صدوقاً، قال الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أحداً أتقى ولا أورع ولا أفقه من أحمد بن حنبل. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين فيها مات أبو العباس محمد بن إِبراهيم بن الأغلب أمير إِفريقية، وولي بعده ابنه أبو إِبراهيم أحمد بن محمد المذكور. وفيها توفي القاضي يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن من ولد أكثم بن صيفي التميمي، حكم العرب، وكان يحيى المذكور عالماً بالفقه بصيراً بالأحكام، وهو من أصحاب الشافعي، وكان إِماماً في عدة فنون، وكان ذميم الخلق، وابن أكثم المذكور، هو الذي رد المأمون عن القول بتحليل المتعة. فقال ابن أكثم لبعض الفضلاء الذي كانوا يعاشرون المأمون، ومنهم أبو العيناء: بكروا غداً إِليه، فإِن وجدتم للقول وجهاً فقولوا، وإلا فاسكتوا، حتى أدخل. قال أبو العيناء: فدخلنا على المأمون وهو يسأل ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر ﵁، وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل حتى تنهي عما فعله رسول الله، فأوجم أولئك، حتى دخل يحيى بن أكثم فقال له المأمون: أراك متغيراً، فقال يحيى: هو غم لما حدث من النداء بتحليل الزنا يا أمير المؤمنين. فقال المأمون: الزنا. فقال: نعم. المتعة زنا. قال: ومن أين قلت هذا. قال: من كتاب الله وحديث رسوله. قال الله تعالى: " قد أفلح المؤمنون إِلى قوله والذين هم لفروجهم حافظون إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " " المؤمنون: ٥ " يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: فهي الزوجة ترث وتورث؟ قال: لا. قال: وهذا الزهري روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب قال " أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة

стр. 242

وتحريمها، بعد أن كان أمر بها " فقال المأمون: أمحفوظ هذا عن الزهري؟ قال: نعم. رواه عنه جماعة، منهم مالك ﵁، فقال: المأمون: أستغفر الله، فبادروا بتحريم المتعة، والنهي عنها، ولم يكن في يحيى بن أكثم ما يعاب به سوى ما يتهم به من محبة الصبيان، وقد قيل فيه بسبب ذلك عدة أشعار منها: وكنا نرجى أن نرى العدل ظاهراً ... فاعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط ولأحمد بن نعيم في ذلك: أنطقني الدهر بعد إِخراس ... لنائبات أطلن وسواسي لا أفلحت أمة وحق لها ... بطول نكس وطول إِتعاسِ ترضى بيحيى يكون سايسها ... وليس يحيى لها بسواسِ قاضٍ يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باسِ يحكم للأمرد العذير على ... مثل جرير ومثل عباسِ فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقل الوفاء في الناسِ أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأس شر ما راسِ لا أحسب الجور ينقضي ... وعلى الأمة وال من آل عباس وأكثم بالثاء المثناة من فوقها والثاء المثلثة كلاهما لغتان، وهو الرجل العظيم البطن، والشبعان أيضاً. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين في هذه السنة سار المتوكل إِلى دمشق في ذي القعدة. وفيها مات إِبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي وفيها توفي الحارث بن أسد المحاسبي الزاهد، وكان قد هجره أحمد بن حنبل لأجل علم الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه غير أربعة أنفس. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين في هذه السنة وصل المتوكل إِلى دمشق ودخلها في صفر، وعزم على المقام بها، ونقل دواوين الملك إِليها، فقال يزيد ابن محمد المهلبي. أظن الشام يشمت بالعراق ... إِذا عزم الإمام على انطلاق فإِن تدع العراقَ وساكنيهِ ... فقد تبكي المليحةُ بالطلاقِ ثم استوبأ المتوكل دمشق، واستثقل ماءها، فرجع إِلى سامراء وكان مقامه بدمشق شهرين وأياماً، وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله ونفاه إِلى البحرين. وفيها قتل المتوكل أبا يوسف يعقوب بن إِسحاق المعروف بابن السكيت، صاحب كتاب إصلاح المنطق في اللغة وغيره وكان إِماماً اللغة والأدب، قتله المتوكل لأنه قال له أيمّا أحب إليك: ابناي المعتز والمؤيد، أم الحسن والحسين، فغض ابن السكّيت عن ابنيه، وذكر عن الحسن

стр. 243

والحسين ما هما أهله، فأمر مماليكه فداسوا بطَنه، فحمل إِلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم. وقيل إن المتوكل لما سأل ابن السكيت عن ولديه، وعن الحسن والحسين، قال له ابن السكيت: والله إِن قنبراً خادم علي خير منك ومن ولديك. فقال المتوكل سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك، فمات لساعته، في رجب في هذه السنة المذكورة، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة والسكيت بكسر السين المهملة وتشديد الكاف فعيل، اسم لكثير السكوت والصمت. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين في هذه السنة توفي ذو النون المصري، في ذي القعدة، وأبو علي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين فيها تحول المتوكل إلى الجعفري، وكان قد ابتدئ في عمارته سنة خمس وأربعين ومائتين، وأنفق عليه أموالاً تجل عن الحصر، وكان يقال لموضعه الماحورة وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين. مقتل المتوكل في هذه السنة قتل المتوكل جماعة بالليل بالسيوف، وقت خلوته، باتفاق من ابنه المنتصر، وبغا الصغير الشرابي، وقتل في مجلس شرابه، وقتل معه وزيره الفتح ابن خاقان، وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وعمره نحو أربعين سنة، وكان أسمر خفيف العارضين. بيعة المنتصر وهو حادي عشرهم، لما أصبح نهار الأربعاء صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل حضر الناس والقواد والعساكر إلى الجعفري، فخرج أحمد بن الخصيب إِلى الناس، وقر عليهم كتاباً من المنتصر، أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتلته به، فبايع الناس المنتصر، صبيحة الليلة، التي قتل فيها المتوكل. وفي هذه السنة توفي العباس أمير صقلية، فولى الناس عليهم ابنه عبد الله ابن عباس، ثم ورد من إِفريقية خفاجة بن سفيان أميراً على صقلية، فغزا وفتح في جزيرة صقلية، ثم اغتاله رجل من عسكره، فقتله وهرب القاتل إِلى المشركين، ولما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمد بن خفاجة، ثم أقره على ولايته محمد بن أحمد بن الأغلب صاحب القيروان، وبقي محمد بن خفاجة أميراً على صقلية إِلى سنة سبع وخمسين ومائتين، فقتله خدمه الخصيان وهربوا، فأدركهم الناس وقتلوهم، على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة توفي أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي الإمام في العربية. ثم دخلت

стр. 244

سنة ثمان وأربعين ومائتين. موت المنتصر في هذه السنة توفي المنتصر بالله، محمد بن جعفر المتوكل، يوم الأحد بسامراء لخمس خلون من ربيع الأول، بالذبحة، وكانت مدة علته ثلاثة أيام وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وكان أعين، أقنى، قصيراً، سهيباً، عظيم اللحية، راجح العقل، كثير الإنصاف، وأمر الناس بزيارة قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، وأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه. خلافة المستعين أحمد بن محمد المعتصم وهو ثاني عشرهم، ولما توفي المنتصر، اتفق كبراء الدولة مثل بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش الأتراك، ومحمد بن الخصيب، على تولية المستعين وكرهوا أن يقيموا بعض ولد المتوكل، لكونهم قتلوا المتوكل، فبايعوا المستعين ليلة الاثنين، لست خلون من ربيع الآخر، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. وفيها ورد على المستعين الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله أمير خراسان، في رجب، فعقد المستعين لولده محمد بن طاهر على خراسان. وفيها مات بغا الكبير. فجعل المستعين ابنه موسى بن بغا مكانه. وفي هذه السنة شغب أهل حمص على كيدر عاملهم، فأخرجوه عنهم. وفي هذه السنة تحرك يعقوب ابن الليث الصفار من سجستان، نحو هراة. وفيها توفي محمد ابن العلا الهمداني، وكان من مشايخ البخاري ومسلم. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين في هذه السنة كان بين المسلمين والروم وقعة بمرج الأسقف. قتل فيها مقدم العسكر، وهو عمر بن عبد الله الأقطع، وكان من شجعان المسلمين وانهزمت المسلمون وقتل منهم جماعة، وخرجت الروم، فأغاروا إِلى الثغور الجزرية. وفي هذه السنة شغبت الجند، الشاكرية والعامة، ببغداد، على الأتراك، بسبب استيلائهم على أمور المسلمين، يقتلون من شاءوا من الخلفاء ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين، ثم وقعت في سامراء فتنة من العام وفتحوا السجون وأطلقوا ما فيها، ثم ركبت الأتراك وقتلوا من العامة جماعة وسكنت الفتنة. وفي هذه السنة ثارت الموالي بأتامش، فقتلته، ونهبوا من داره أموالاً جمة، لأن المستعين كان قد أطلق يد أتامش، ويد والدته، أعني والدة المستعين، ويد شاهك الخادم، في بيوت الأموال، فكانوا يأخذون الأموال من دون غيرهم، فقتل أتامش بسبب استيلائه على الأموال. وفي هذه السنة توفي علي بن الجهم الشاعر. وفي هذه السنة توفي أبو إِبراهيم أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية، ولما مات ولي موضعه أخوه زيادة الله بن محمد، وكنية زيادة الله المذكور أبو محمد. ثم دخلت سنة خمسين ومائتين في هذه السنة ظهر يحيى عمر بن يحيى

стр. 245

بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسين، بالكوفة، وكثر جمعه، واستولى على الكوفة، ثم جهز إِليه محمد بن عبد الله بن طاهر جيشاً، فخرج إِليهم يحيى بجمعة، فقتل يحيى وانهزم أصحابه، وقتل منهم جماعة وحمل رأسه إِلى المستعين، ثم في هذه السنة ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إِسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بطبرستان، وكثر جمعه واستقل بملك طبرستان، ويسمى بالداعي إِلى الحق، وبقي مستولياً حتى قتل في سنة سبع وثمانين ومائتين، وقام بعده الناصر الحسن بن علي. وفي هذه السنة وثب أهل حمص على عاملهم، وهو الفضل بن قارن أخو مازيار فقتلوه، فأرسل المستعين إِليهم موسى بن بغا الكبير، فحاربوه بين حمص والرستن، فهزمهم وافتتح حمص، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها. وفي هذه السنة توفي زيادة الله بن محمد بن إِبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة وستة أشهر، وملك بعده ابن أخيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المذكور وفيها مات الخليع الشاعر، واسمه الحسين بن الضحاك، وأشعاره وأخباره مشهورة، وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة. ثم دخلت سنة إِحدى وخمسين ومائتين في هذه السنة اتفق بغا الصغير ووصيف، وقتلا باغر التركي، فشغبت الترك، وحصروا المستعين وبغا الصغير ووصيفاً في القصر، بسامراء فهرب المستعين وبغا ووصيف في حرّاقه، وانحدروا إلى بغداد، واستقر بها المستعين. البيعة للمعتز بالله في هذه السنة بعد مسير المستعين إِلى بغداد من سامراء، كما ذكرنا، خافه الأتراك فأخرجوا المعتز بالله بن المتوكل، وكان في الحبس، وبايعوه، واستولى على الأموال التي كانت في سامراء للمستعين، ولأمه، وأنفق في الجند، ثم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وهو الموافق لسبع بقين من المحرم، وجهزه مع خمسين ألفاً من الترك، إِلى حرب المستعين، وتحصن المستعين ببغداد، وبقي المعتز بسامراء والمستعين ببغداد، وجرى بين الفريقين قتال كثير، ثم اتفق كبراء الدولة ببغداد، على خلع المستعين، وألزموه بذلك، وفي هذه السنة مات السري السقطي الزاهد. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين. خلع المستعين وولاية المعتز وهو ثالث عشرهم، ولما جرى من أمر المعتز والمستعين ما ذكرناه، خلع المستعين أحمد بن محمد المعتصم نفسه من الخلافة، وبايع المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم، وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة، رابع المحرم من هذه السنة، وأخذت له البيعة على جميع من ببغداد، ثم نقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بعياله وأهله، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، فطلب المستعين أن يكون مقامه بمكة، فمنع من التوجه إِلى مكة، فاختار

стр. 246

المقام بالبصرة، فوكل به جماعة، وانحدر إِلى واسط، ثم أمر المعتز بقتل المستعين، وكتب إلى أحمد بن طولون بقتل المستعين، فامتنع أحمد بن طولون عن قتله، وسار أحمد بن طولون بالمستعين إِلى القاطول وسلمه إِلى الحاجب سعيد بن صالح، فضربه سعيد حتى مات، وحمل رأسه إِلى المعتز. فأمر بدفنه، وكانت مدة خلافة المستعين إِلى أن خلع ثلاث سنين وتسعة أشهر وكسراً، وكان عمره أربعاً وثلاثين سنة. وفي هذه السنة عقد لعيسى بن الشيخ علي الرملة، فأنفذ له نائبا عليها يسمى أبا المعتز، وهذا عيسى شيباني وهو عيسى بن الشيخ بن السليك من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، فلما كان من فتنة الأتراك ما كان بالعراق، تغلب ابن الشيخ المذكور على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال. وفيها توفي محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى الزمن البصريان وهما من مشايخ البخاري ومسلم في الصحيح. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين في هذه السنة شغبت الجند بسبب طلب رزق أربعة أشهر، فلم يجبهم وصيف إِلى ذلك، فوثبوا على وصيف وقتلوه، فجعل المعتز كل ما كان إِلى وصيف إِلى بغا الشرابي. وفي هذه السنة مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين. وفي هذه السنة ملك يعقوب الصفّار هراة وبوشنج، وعظم أمره، وهابه أمير خراسان وغيره. ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين. في هذه السنة قتل بغا الشرابي الصغير، تحت الليل، وكان بغا قد خرج من بين أصحابه وجنده، ومعه خادمان له، وقصد الركوب في زورق، فأعلم المتوكلون بالجسر المعتز بخبره، فأمرهم بقتله، فقتلوه وحملوا رأسه إِلى المعتز. وفي هذه السنة في جمادى الآخرة، توفي علي الهادي؛ وعلي التقي وهو أحد الأئمة الإثني عشر عند الإِمامية، وهو علي الزكي بن محمد الجواد المقدم ذكره في سنة عشرين ومائتين، وكان علي المذكور قد سعى به إِلى المتوكل، أن عنده كتباً وسلاحاً، فأرسل المتوكل جماعة من الأتراك، وهجموا عليه ليلاً على غفلة، فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن، في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إِلا الرمل، والحصا، فحمل على هيئته إِلى المتوكل، والمتوكل يستعمل الشراب، وفي يده الكأس، فلما رآه المتوكل أعظمه، وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس، فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً. فقال: إِني لقليل الرواية للشعر. فقال المتوكل: لا بد من ذلك. فأنشده: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلبَ الرّجالُ فما أغنتهُمُ القلَلُ واستُزلوا بعد عزٍ عَنْ معاقلِهِم ... فأَودَعوا حُفراً يا بئس ما نزلوا ناداهُمُ صارخٌ من بعدما قَبروا ... أين الأسرة والتيجانُ والحلل أين الوجوهُ التي كانت مُنعَّمة ... منْ دونها تُضرب الأستار والكللُ

стр. 247

فأفصحَ القبرُ عنهمْ حين ساءلهم ... تلكَ الوجوهُ عليها الدود يقتتَلُ قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبحوا بعد طولِ الأكل قد أكلوا فبكى المتوكل، ثم أمر برفع الشراب وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار، فدفعها إِليه ورده إِلى منزله مكرماً، وكانت ولادة علي المذكور، في رجب سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل ثلاث عشرة، وتوفي لخمس بقين من جمادى الآخرة، من هذه السنة، أعني سنة أربع وخمسين ومائتين، بسرمن رأى، ويقال لعلي المذكور، العسكري لسكناه بسرمن رأى يقال لها العسكري، لسكنى العسكر بها، وعلي المذكور عاشر الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن العسكري، والحسن العسكري هو حادي عشر الأئمة الاثني عشر، وهو الحسن بن علي الزكي المذكور بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المقدم ذكرهم، ﵃ أجمعين. وكانت ولادة الحسن العسكري المذكور، في سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي في سنة ستين ومائتين في ربيع الأول، وقيل في جمادى الأولى، بسرمن رأى، ودفن إِلى جانب أبيه علي الزكي المذكور، والحسن العسكري المذكور، هو والد محمد المنتظر، صاحب السرداب، ومحمد المنتظر المذكور هو ثاني عشر الأئمة الاثني عشر، على رأى الإِمامية، ويقال له القائم، والمهدي، والحجة. وولد المنتظر المذكور، في سنة خمس وخمسين ومائتين، والشيعة يقولون: دخل السرداب في دار أبيه، بسرمن رأى، وأمه تنظر إِليه، فلم يعد يخرج إِليها، وكان عمره حينئذ تسع سنين، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين، وفيه خلاف. وفيها توفي أحمد بن الرشيد، وهو عم الواثق. وفي هذه السنة ولي أحمد بن طولون على مصر. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين في هذه السنة استولى يعقوب بن الليث الصفّار على كرمان، ثم استولى بالسيف على فارس، ودخل يعقوب الصفار إِلى شيراز، ونادى بالأمان وكتب إِلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة، منها عشرة بازات بيض، ومائة مَن من المسك. خلع المعتز وموته وفي هذه السنة، في يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب، خلع المعتز بن جعفر، المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، واختلف في اسم المعتز، فقيل محمد، وقيل الزبير، ويكنى أبا عبد الله، وقيل كنيته غير ذلك، ومولده، بسرمن رأى، في ربيع الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأمه أم ولد، تدعى قبيحة، ولليلتين خلتا من شعبان ظهر موته، وكان سبب ذلك: أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فلم يكن عند المعتز مال يعطيهم، فنزلوا معه إِلى خمسين ألف دينار فأرسل المعتز وسأل أمه قبيحة في ذلك، فقالت: ما عندي شيء. فاتفق الأتراك والمغاربة والفراعنة،

стр. 248

على خلع المعتز، فصاروا إلى بابه، فقالوا: اخرج إلينا، فقال: قد شربت أمس دواء، وقد أفرط في العمل، فإِن كان لا بد من الاجتماع، فليدخل بعضكم إِليّ، فدخل إِليه جماعة منهم، فجروا المعتز برجله إِلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبقي بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب القاضي وجماعة، فأشهدوهم على خلعه، ثم سلموا المعتز إِلى من يعذبه، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم أدخلوه سرداباً، وجصصوه عليه، فمات ودفنوه بسامراء مع المنتصر. وكانت خلافته من لدن بويع بسامراء، إِلى أن خلع، أربع سنين وسبعة أشهر إلا سبعة أيام، وكان عمره أربعاً وعشرين سنة، وثلاثة وعشرين يوماً، وكان أبيض، أسود الشعر. خلافة المهتدي وهو رابع عشرهم، وفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب، من هذه السنة، بويع لمحمد بن الواثق بالخلافة، ولقب المهتدي بالله، وكنيته أبو عبد الله، وأمه رومّية اسمها قرب. وفي هذه السنة في رمضان، ظهرت قبيحة أم المعتز، وكانت قد اختفت لما قتل ابنها، وكان لقبيحة أموال عظيمة ببغداد، وكان لها مطمور تحت الأرض ألف ألف دينار، ووجد لها في سفط قدر مكوك زمرد، وفي سفط آخر مقدار مكوك لؤلؤ، وفي سفط مقدار كيلجة ياقوت أحمر، لا يوجد مثله. ونبش ذلك كله، وحمل جميعه إلى صالح بن وصيف، فقال صالح: قبح الله قبيحة، عرضت ابنها للقتل، لأجل خمسين ألف دينار، وعندها هذه الأموال كلها، وكان المتوكل قد سماها قبيحة، لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافور. ثم سارت قبيحة إِلى مكة، فكانت تدعو بصوت عال على صالح بن وصيف وتقول: هتك ستري، وقتل ولدي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني. ظهور صاحب الزنج في هذه السنة كان أول خروج صاحب الزنج، وهو علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، فجمع إِليه الزنج الذين كانوا يسكنون السباخ، في جهة البصرة، وادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ولما صار له جَمْع عبر دجلة ونزل الديناري، وكان صاحب الزنج المذكور قبل ذلك، متصلاً لحاشية المنتصر في سامراء، يمدحهم ويستمنحهم بشعره، ثم إِنه شخص من سامراء سنة تسع وأربعين ومائتين إِلى البحرين، فادعى نسبته في العلويين، كما ذكر وأقام في الإحساء، ثم صار إِلى البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين. وخرج في هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين ومائتين، واستفحل أمره، وبث أصحابه يميناً وشمالاً للإِغارة والنهب. وفي هذه السنة توفي خفاجة

стр. 249

بن سفيان أمير صقلية، وولى بعده ابنه محمد، وفيها توفي محمد بن كرام صاحب المقالة في التشبيه، وكان موته بالشام، وهو من سجستان، وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن الداراني صاحب المسند، توفي في ذي الحجة، وعمره خمس وسبعون سنة. وفيها توفي أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، صاحب التصانيف المشهورة، وكان كثير الهزل، نادر النادرة، خالط الخلفاء ونادمهم، أخذ العلم عن النظام المتكلم، وكان الجاحظ قد تعلق بأسباب ابن الزيات، فلما قتل ابن الزيات، قيد الجاحظ وسجن، ثم أُطلق. قال الجاحظ: ذُكرت للمتوكل لتعليم ولده، فلما مثلت بين يديه بسامراء، استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. وصنف الجاحظ كتباً كثيرة منها: كتاب البيان والتبيين، جمع فيه بين المنثور والمنظوم، وكتاب الحيوان، وكتاب الغلمان، وكتاب في الفرق الإسلامية، وكان جاحظ العينين كاسمه، قال المبرد: دخلت على الجاحظ في مرضه فقلت: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج؟ لو نشر ما أحس به ونصفه الآخر منقرسٌ، لو طار الذباب به آلمه، وقد جاوز التسعين، ثم أنشد: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشبابِ لقد كذبتكَ نفسكَ ليسَ ثوبٌ ... دريسٌ كالجديد من الثيابِ وقد روي أن موته كان بوقوع مجلدات عليه، وكان من عادته أن يصفها قائمة كالحائط، محيطة به، وهو جالس إِليها، وكان عليلاً فسقطت عليه فقتلته، في محرم هذه السنة. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين في هذه السنة، جمع موسى بن بغا أصحابه لقتل صالح بن وصيف، فهرب صالح واختفى، ثم ظفر به موسى فقتله. خلع المهتدي وموته في هذه السنة، في منتصف رجب، خُلع محمد المهتدي بن هارون الواثق بن المعتصم، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه، وكان سببه أنه قصد قتل موسى بن بغا، وكان موسى المذكور معسكراً قبالة بعض الخوارج، وكتب بذلك إِلى بابكيال، - كان من مقدمي الترك - أن يقتل موسى بن بغا، ويصير موضعه، فأطلعَ بابكيال موسى على ذلك، فاتفقا على قتل المهتدي، وسارا إِلى سامراء، ودخل بابكيال إلى المهتدي، فحبسه المهتدي وقتله، وركب لقتال موسى، ففارقت الأتراك الذي كانوا مع المهتدي عسكر المهتدي، وصاروا مع أصحابهم الأتراك مع موسى، فضعف المهتدي وهرب، ودخل بعض الدور، فأُمسك وداسوا خصيتيه، ليصفعوه، فمات، ودفن بمقبرة المنتصر. وكانت خلافة المهتدي أحد عشر شهراً ونصفاً، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة، وكان المهتدي أسمر عظيم البطن، قصيراٌ طويل اللحية، ومولده بالقاطول وكان ورعاً كثير العبادة، قصد أن يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية.

стр. 250

خلافة المعتمد على الله وهو خامس عشرهم، لما خلع المهتدي وقُتل، أخرج كبراء الدولة، أبا العباس أحمد بن المتوكل من الحبس، وبايعه الناس بالخلافة، ولقب المعتمد على الله، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وفي هذه السنة ملك صاحب الزنج الأبله عنوة. وقتل من أهلها خلقاً كثيراً وأحرقها، وكانت مبنية بالساج، فأسرعت النار فيها، ثم استولى على عبادان بالأمان ثم استولى على الأهواز بالسيف، وفيها عزل عيسى بن الشيخ عن الشام، وكان قد استولى عليه، وقطع الحمل عن بغداد، كما ذكرنا، فعقد لعيسى على أرمينية، وولى أماجور الشام، فسار واستولى عليه، بعد أن جرى بينه وبين أصحاب عيسى قتال شديد، انتصر فيه أماجور واستقر أميراً بالشام. وفي هذه السنة توفي الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي صاحب المسند الصحيح، الذي هو الدرجة العالية في الصحة، المتفق على تفضيله والأخذ منه، والعمل به، ورحل في طلب الحديث إِلى الأمصار، وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة لثلاث عشرة خلت من شوال. قال البخاري: ألهِمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، ابن عشر سنين، فلما بلغت ثماني عشرة سنة صنفت قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ، إِذ ذاك، عند قبر رسول الله ﷺ قال: أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما أدخلت فيه إِلا ما صح. وورد مرة إِلى بغداد، فعمد أهل الحديث إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، ووضعوا عشرة أنفس، فأورد واحد بعد آخر الأحاديث المذكورة، والبخاري يقول في كل حديث منها: لا أعرفه. فلما فرغوا قال: أما الحديث الأول فهو كذا، ورده إِلى حقيقته، وأما الثاني فهو كذا، حتى ذكرها عن آخرها على حقيقتها. ووقع بين البخاري وأمير بخارى واسمه خالد وحشة، فدسّ خالد من قال إن البخاري يقول بخلق الأفعال للعباد، وبخلق القرآن فتبرأ البخاري من ذلك وأنكره، وعظم عليه فارتحل، ونزل عند بعض أقاربه، بقرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، اسمها خرشك فمات بها ليلة عيد الفطر من هذه السنة. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين، فيها أخذ الزنج البصرة، وقتلوا بها كل من وجدوه، وخربوها. وفي هذه السنة ملك يعقوب الصفار بلخ، ثم سار إلى كابل، فاستولى عليها، وأرسل هدية إِلى الخليفة، وفيها أصنام من تلك البلاد. وفي هذه السنة قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان جرجان وملكها وفيها قُتل محمد بن خفاجة أمير صقلية، قتله خدَمه كما تقدم ذكره سنة سبع وأربعين ومائتين، واستعمل محمد بن أحمد الأغلبي صاحب إِفريقية على صقلية أحمد بن يعقوب. وفيها توفي العباس بن الفرج الرياشي اللغوي. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين في هذه السنة أرسل المعتمد أخاه الموفق، أبا أحمد إِلى قتال الزنج.
следующие страницы →