Полный текст (814 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ذكر وفاة سقمان في هذه السنة توفي سقمان بن أرتق بن أكسب، كذا ذكره ابن الأثير أنه أكسب بالباء، وصوابه أكسك بكافين، ذكر ذلك أيضاً ابن خلكان، وكان وفاة سقمان في القريتين لأنه كان متوجهاً إلى دمشق، باستدعاء طغتكين بسبب الفرنج، ليجعله مقابلتهم بحكم مرض طغتكين، فلحق سقمان الخوانيق في مسيره فتوفي في القريتين في صفر من هذه السنة، وخلف سقمان اثنين هما إبراهيم وداود، وحمل سقمان في تابوت إلى حصن كيفا فدفن به، ولما مات سقمان كان مالكاً لحصن كيفا ماردين، أما ملكه لحصن كيفا فقد ذكرنا ذلك، وصورة تسليم موسى التركماني صاحب الموصل الحصن له لما استنجد به على جكرمش، وأما ملكه ماردين فنحن نورده من أول الحال.
وهو أن ماردين كان قد وهبها هي وأعمالها، السلطان بركيارق لإنسان مغن، ووقع حرب بين كربوغا صاحب الموصل وبين سقمان، وكان مع سقمان ابن أخيه ياقوتي وعماد الدين زنكي ابن أقسنقر، وهو إذ ذاك صبي، فانهزم سقمان وأخذ ابن أخيه ياقوتي أسيراً، فحبسه كربوغا في قلعة ماردين، وبقي ياقوتي في حبسه مدة، فمضت زوجة أرتق إلى كربوغا وسألته في إطلاق ابن ابنها ياقوتي، فأجابها كربوغا إلى ذلك وأطلقه، فأعجبت ياقوتي ماردين، وأرسل يقول لصاحبها المغني إن أذنت لي سكنت في ربض قلعتك وجلبت إليها الكوبات وحميتها من المفسدين، ويحصل لك بذلك النفع، فأذن له المغني بالمقام في الربض فأقام ياقوتي بماردين.
وجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد ويستصحب معه حفاظ قلعة ماردين ويحسن إليهم ويؤثرهم على نفسه، فاطمأنوا إليه، وسار مرة ونزل معه أكثرهم، فقيدهم وقبضهم وأتى إلى باب قلعة ماردين ونادى من بها من أهليهم إن فتحتم الباب وسلمتم إلي القلعة وإلا ضربت أعناقهم جميعهم، فامتنعوا، فأحضر واحداً منهم وضرب عنقه، ففتحوا له باب القلعة وتسلمها ياقوتي وأقام بها، ثم جمع ياقوتي جمعاً وقصد نصيبين، ولحقه مرض حتى عجز عن لبس السلاح وركوب الخيل، وحمل على فرسه وركبه، فأصابه سهم فسقط ياقوتي منه ومات، ثم ملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي، وصار في طاعته جكرمش صاحب الموصل، واستخلف على ماردين بعض أصحابه وكان اسمه علياً أيضاً، فأرسل علي يقول لسقمان: إن ابن أخيك يريد أن يسلم ماردين إلى جكرمش، فسار سقمان بنفسه وتسلم ماردين، فطالبه ابن أخيه علي بردها إليه، فلم يفعل سقمان ذلك، وأعطاه جبل جور عوضها، واستقرت ماردين وحصن كيفا لسقمان حتى سار إلى دمشق ومات بالقريتين، فصارت ماردين لأخيه أيلغازي بن أرتق، وصارت حصن كيفا لابنه إبراهيم بن سقمان المذكور، وبقي إبراهيم بن سقمان مالكاً لحصن كيفا حتى توفي، وملكها بعده أخوه داود بن سقمان حتى توفي، وملكها بعدهما
стр. 422
قرا أرسلان بن داود حتى توفي في سنة اثنتين وستين وخمسمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غير ذلك:
وفي هذه السنة اجتمعت الحجاج من الهند وما وراء النهر وخراسان وغيرها، وساروا فلما وصلوا جوار الري، أتاهم الباطنية وقت السحر، فوضعوا فيهم السيف وقتلوهم، ونهبوا أموالهم ودوابهم، وفيها كانت وقعة بين فرنج أنطاكية والملك رضوان بن تنش صاحب حلب، عند شيزر، فانهزم المسلمون وأسر وقتل منهم كثير، واستولى الفرنج على أرتاح. وفيها توفي محمد بن علي بن الحسن المعروف بابن أبي الصقر، كان فقيهاً شافعياً، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وغلب عليه الشعر فاشتهر به، فمن قوله لما كبر.
ابن أبي الصقر افتكر ... وقال في حال الكبر
والله لولا بولة ... تحرقني وقت السحر
لما ذكرت أن لي ... ما بين فخذي ذكر
وكانت ولادته في نحو سنة سبع وأربعمائة.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة في هذه السنة سار سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلة إلى البصرة فملكها.
ذكر اتصال ابن ملاعب بملك أفامية
واستيلاء الفرنج عليها:
كان خلف بن ملاعب الكلابي صاحب حمص، وكان رجاله وأصحابه يقطعون الطريق على الناس، فكان الضرر بهم عظيماً، فسار صاحب دمشق تنش بن ألب أرسلان إليه، وأخذ حمص منه، كما تقدم ذكره في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ثم تقلبت بخلف بن ملاعب المذكور الأحوال، إلى أن دخل مصر وأقام بها، واتفق أن متولي أفامية من جهة رضوان بن تنش صاحب حلب، كان يميل إلى مذهب خلفاء مصر، فكاتبهم في الباطن في أن يرسلوا من يسلم إليه أفامية وقلعتها، فطلب ابن ملاعب أن يكون هو الذي يرسلونه لتسليم أفامية فأرسلوه، وتسلم أفامية وقلعتها، فلما استقر خلف بن ملاعب الكلابي المذكور بأفامية، خلع طاعة المصريين ولم يرع حقهم، وأقام بأفامية يقطع الطريق ويخيف السبيل، فاتفق قاضي أفامية وجماعة من أهلها وكاتبوا الملك رضوان صاحب حلب؛ في أن يرسل إليهم جماعة ليكبسوا أفامية بالليل، وأنهم يسلمونها إليهم، فأرسل رضوان مائة، فأصعدهم القاضي والمتفقون معه بالحبال إلى القلعة، فقتلوا ابن ملاعب وبعض أولاده، وهرب البعض، واستولوا على قلعة أفامية، ثم سار الفرنج إلى أفامية وحاصروها وملكوا البلد والقلعة وقتلوا القاضي المتغلب عليها.
ذكر حال طرابلس مع الفرنج كان صنجيل قد ملك مدينة جبلة، ثم سار وأقام على طرابلس، فحصرها وبنى بالقرب منها
стр. 423
حصناً، وبنى تحته ربضاً، وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس فأحرق الربض، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المحرقة، فانخسف به، فمرض صنجيل، لعنه الله، من ذلك، وبقي عشرة أيام ومات وحمل إلى القدس ودفن فيها، ودام الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين، وظهر من صاحبها ابن عمار صبر عظيم، وقلت الأقوات بها، وافتقرت الأغنياء.
ثم دخلت سنة خمسمائة.
ذكر وفاة يوسف بن تاشفين في هذه السنة توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك الغرب والأندلس وكان حسن السيرة، وكان قد أرسل إلى بغداد فطلب التقليد من المستظهر خليفة بغداد، فأرسل إليه الخلع والتقليد، ويوسف المذكور هو الذي بنى مدينة مراكش، ولما مات يوسف ملك البلاد بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، وتلقب أيضاً بأمير المسلمين.
ذكر قتل فخر الدولة بن نظام الملك في هذه السنة قتل فخر الدولة أبو المظفر علي بن نظام الملك، يوم عاشوراء، وكان أكبر أولاد نظام الملك، وزّر لبركيارق، ثم لأخيه سنجر بن ملكشاه، وكان قد أصبح في يوم قتل صائماً بنيسابور. وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام الحسين بن علي وهو يقول: عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا، وقد اشتغل فكري ولا محيد عن قضاء الله تعالى. فقالوا الصواب أن لا تخرج اليوم، فأقام يومه يصلي ويقرأ القران، وتصدق بشيء كثير، وخرج العصر من الدار التي كان بها، يريد دار النساء، فسمع صياح متظلم شديد الحرقة، فأحضره وقال: ما حالك؟ فدفع رقعة، فبينما فخر الدولة يتأملها إذ ضربه بسكين فقتله. وأمسك الباطني وحمل إلى السلطان سنجر فقرره، فأقر على جماعة كذباً فقتل هو وتلك الجماعة.
ذكر ملك صدقة تكريت
في هذه السنة ملك سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد قلعة تكريت، سلمها إليه كيقباذ بن هزارسب الديلمي، وكانت تكريت لبني مقن، برهة من الزمان، ثم خرجت عنهم وتنقلت في أيدي غيرهم، حتى صارت لأقسنقر صاحب حلب، ثم لكوهراتين ثم لمجد الملك البلاساني، فولى عليها كيقباذ المذكور، وبقيت في يده حتى سلمها في هذه السنة لصدقة المذكور.
ذكر ملك جاولي الموصلي
وموت جكرمش وقليج أرسلان
في هذه السنة أقطع السلطان محمد جاولي، سقاوة الموصل، والأعمال التي بيد جكرمش فسار، جاولي حتى قارب الموصل فخرج جكرمش لقتاله في محفة، لأنه كان قد
стр. 424
لحقه طرف فالج، واقتتلا، وانهزم عسكر جكرمش، وأخذ جكرمش أسيراً من المحفة، وسار جاتولي بعد الوقعة، وحصر الموصل، وكان قد أقام أصحاب جكرمش زنكي بن جكرمش، وملك الموصل، وله إحدى عشرة سنة، وبقي جاولي يطوف بجكرمش حول الموصل أسيراً وهو يأمرهم بتسليم البلد، فلم يقبلوا منه، ومات جكرمش في تلك الحال وعمره نحو ستين سنة، وكان قد عظم ملك جكرمش، وهو الذي على سور الموصل وحصنها، وكاتب أهل الموصل قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش السلجوقي صاحب بلاد الروم، يستدعونه، فسار قاصد الموصل. فلما وصل إلى نصيبين رحل جاولي عن الموصل خوفاً منه، وسار إلى الرحبة، ووصل قليج أرسلان إلى الموصل وتسلمها في الخامس والعشرين من رجب من هذه السنة، ثم استخلف قليج أرسلان ابنه ملكشاه بن قليج أرسلان على الموصل، وعمره إحدى عشرة سنة، وأقام معه أميراً يدبره، وسار قليج أرسلان إلى جاولي، وكان قد كثر جمع جاولي، واجتمع إليه رضوان صاحب حلب وغيره، ولما وصل قليج أرسلان إلى الخابور وصل إليه جاولي واقتتلوا في العشرين من ذي القعدة، وقاتل قليج أرسلان بنفسه قتالاً عظيماً، فانهزم عسكره واضطر قليج أرسلان إلى الهروب، فألقى نفسه في الخابور فغرق وظهر بعد أيام، ودفن بالشميسانية، وهي من قرى الخابور، ولما فرغ جاولي من الوقعة سار إلى الموصل فسلمت إليه بالأمان، وسار ملكشاه بن قليج أرسلان إلى عند السلطان محمد.
ذكر قتل الباطنية في هذه السنة حاصر السلطان محمد قلعة الباطنية التي بالقرب من أصفهان، التي بناها ملكشاه بإشارة رسول ملك الروم، على ما قدمنا ذكره، وكان اسم القلعة شاه دز وكانت المضرة بها عظيمة، وأطال عليها الحصار، ونزل بعض الباطنية بالأمان وساروا إلى باقي قلاعهم، وبقي صاحب شاه دز واسمه أحمد بن عبد الملك بن عطاش مع جماعة يسيرة، فزحف السلطان عليه وقتله وقتل جماعة كثيرة من الباطنية، وملك القلعة وخربها.
وفي هذه السنة توفي الأمير شرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي، وكان له أموال وخيول لا تحصى، وقام مقامه بعده أخوه منصور بن بدر، وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين سنة.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة.
ذكر مقتل صدقة في هذه السنة في رجب قتل سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب، في قتال جرى بينه وبين السلطان محمد، واشتد القتال بينهم، وقتل صدقه في المعركة بعد أن قاتل قتالاً شديداً، وحمل رأسه إلى السلطان محمد، وكان عمر صدقة تسعاً
стр. 425
وخمسين سنة، وإمارته إحدى وعشرين سنة، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، وكان صدقة متشيعاً وهو الذي بنى الحلة بالعراق. وأقول: إنه قد تقدم ذكر الحلة قبل وجود صدقة المذكور، فكيف يكون هو الذي بناها؟ لكن كنا نقلناه من الكامل لابن الأثير، وكان قد عظم شأنه وعلا قدره واتسع جاهه واستجار به صغار الناس وكبارهم، وكان مجتهداً في النصح للسلطان محمد، حتى أنه جاهر بركيارق بالعداوة ولم يبرح على مصافاة محمد، ثم فسد ما بينهما حتى قتل صدقة كما ذكرنا، وكان سبب الفساد بينهما حماية صدقة لكل من خاف من السلطان، واتفق أن السلطان محمد أغضب على أبي دلف شرخاب بن كيخسرو صاحب ساوة، فهرب صاحب ساوة المذكور واستجار بصدقة، وأرسل السلطان يؤكد في إرساله وطلبه، فلم يفعل صدقة أن يسلمه، فسار إليه السلطان واقتتلوا كما ذكرنا، فقتل صدقة وأسر ابنه دبيس بن صدقة، وأسر شرخاب صاحب سارة المذكور.
ذكر وفاة تميم بن المعز
في هذه السنة في رجب توفي تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية وكان تميم ذكياً حليماً، وكان ينظم الشعر، وكان عمره تسعاً وسبعين سنة، وكانت ولايته ستاً وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً، وخلّف من الأولاد مائة ابن، أربعين ذكراً وستين بنتاً. ولما توفي ملك بعده ابنه يحيى بن تميم، وكان عمر يحيى حين ولي ثلاثاً وأربعين سنة وستة أشهر.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة توجه فخر الملك أبو علي بن عمار من طرابلس إلى بغداد مستنفراً لما حل بطرابلس وبالشام من الفرنج، واجتمع بالسلطان محمد وبالخليفة المستظهر، فلم يحصل منهما غرض، فعاد إلى دمشق وأقام عند طغتكين، وأقطعه الزبداني، وأما طرابلس فإن أهلها دخلوا في طاعة خليفة مصر، وخرجوا عن طاعة ابن عمار، وكان من أمر طرابلس ما سنذكره.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة في هذه السنة أرسل السلطان محمد عسكراً فيهم عدة من أمرائه الكبار، مع أمير يقال له مودود بن الطغتكين إلى الموصل ليأخذوها من جاولي، فوصلوا إلى الموصل وحصروها، وتسلمها الأمير مودود في صفر، وأما جاولي فإنه لم ينحصر بالموصل وهرب إلى الرحبة قبل نزول العسكر عليها، ثم سار جاولي مجداً ولحق السلطان محمداً قريب أصفهان، وأخذ كفنه معه ودخل عليه، وطلب العفو، فعفا عنه وأمّنه.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد، ولاه إياها السلطان محمد، وأمر بهروز بعمارة دار المملكة ببغداد، ففعل بهروز ذلك وأحسن إلى الناس وكان السلطان
стр. 426
لما ولاه، في أصفهان، ثم لما قدم السلطان إلى بغداد، ولى بهروز شحنكية العراق جميعه.
وفي هذه السنة في فصح النصارى نزل الأمراء بنو منقذ أصحاب شيزر منها، للتفرج على عيد النصارى فثار جماعة من الباطنية في حصن شيزر، فملكوا قلعة شيزر، وبادر أهل المدينة إلى الباشورة، وأصعدهم النساء بالحبال من الطاقات وأدركهم الأمراء بنو منقذ ووقع بينهم القتال، فانخذل الباطنية وأخذهم السيف كل جانب، فلم يسلم منهم أحد. وفي هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي أحد أئمة اللغة. قرأ على أبي العلاء سليمان المعري، وضيره، وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه سليم بن أبو الرازي وغيره. وروى عنه أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وغيره، وتخرج عليه خلق كثير، وتتلمذوا له، قال في وفيات الأعيان: وقد روي أنه لم يكن بمرضي الطريقة، وشرح الحماسة، وديوان المتنبي، وله في النحو مقدمة وهي عزيزة الوجود وله في إعراب القرآن كتاب سماه المخلص في أربع مجلدات، وله غير ذلك التواليف الحسنة المفيدة، سافر من تبريز إلى المعرة لقصد أبي العلاء ودخل مصر في عنفوان شبابه، وقرأ بها على طاهر بن بايشاذ، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات، وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وتوفي فجأة في التاريخ المذكور ببغداد. وفيها توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن المشهور بجودة الخط وله شعر حسن.
ثم دخلت سنة ثلاث. وخمسمائة.
ذكر ملك الفرنج طرابلس في هذه السنة في حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج مدينة طرابلس، لأنهم ساروا إليها من كل جهة، وحصروها في البر والبحر، وضايقوها من أول رمضان، وكانت في يد نواب خليفة مصر العلوي، وأرسل إليها خليفة مصر أسطولاً، فرده الهواء ولم يقدر على الوصول إلى طرابلس، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وملكوها بالسيف فقتلوا ونهبوا وسبوا، وكان بعض أهل طرابلس، قد طلبوا الأمان، وخرجوا منها إلى دمشق قبل أن يملكها الفرنج.
ثم في دخلت سنة أربع وخمسمائة في هذه السنة ملك الفرنج مدينة صيدا في ربيع الآخر، وملكوها بالأمان، وفيها سار صاحب. أنطاكية مع من اجتمع إليه من الفرنج إلى الأثارب، وهي بالقرب من حلب، وحصروها، ودام القتال بينهم، ثم ملكوها بالسيف وقتلوا من أهلها ألفي رجل وأسروا الباقين، ثم ساروا إلى ذردنا فملكوها بالسيف، وجرى لهم كما جرى لأهل الأثارب، ثم سار الفرنج إلى منبج وبالس، فوجدوهما قد أخلاهما أهلهما فعادوا عنهما، وصالح الملك رضوان صاحب حلب الفرنج على اثنين وثلاثين ألف دينار، يحملها إليهم مع خيول وثياب، ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج، فبذلت لهم
стр. 427
أصحاب البلاد أموالاً، وصالحوهم، فصالحهم أهل مدينة صور على سبعة آلاف دينار، وصالحهم إبن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماه على ألفي دينار.
ذكر غير ذلك
وفي هذه السنة توفي الكيا الهراسي الطبري، والكيا بالعجمية: الكبير القدر المقدّم بين الناس، واسمه أبو الحسن علي بن محمد بن علي، ومولده سنة خمسين وأربعمائة وكان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور وتفقه على إمام الحرمين، وكان حسن الصورة، جهوري الصوت، فصيح العبارة،، ثم خرج إلى للعراق وتولى تدريس النظامية.
وفي هذه السنة أعني سنة أربع وخمسمائة، قال ابن خلكان في ترجمة الآمر منصور العلوي، وقيل في سنة إحدى عشرة وخمسمائة قصد بردويل الفرنجي الديار المصرية، فانتهى إلى الفرما، ودخلها وأحرقها، وأحرق جامعها ومساجدها، ورحل عنها راجعاً إلى الشام وهو مريض، فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش، فشقه أصحابه ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليرم، ورحلوا بجثته فدفنوها بقمامة، وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى بردويل المذكور، والناس يقولون عن الحجارة الملقاة هناك إنها قبر بردويل، وإنما هي هذه الحشوة، وكان بردويل المذكور صاحب بيت المقدس وعكا ويافا وعدة من بلاد ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد المذكورة من المسلمين.
ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة فيها جهز السلطان محمد عسكراً فيه صاحب الموصل مودود، وغيره من صحاب الأطراف إلى قتال الفرنج بالشام، فساروا ونزلوا على الرها، فلم يملكوها، فرحلوا ووصلوا إلى حلب، فخاف منهم الملك رضوان بن تنش صاحب حلب، وغلق بواب حلب ولم يجتمع بهم، ولا فتح لهم أبواب المدينة، فساروا إلى المعرة ثم افترقوا، ولم يحصل لهم غرض.
وفي هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي، اشتغل بطوس، ثم قدم نيسابور، واشتغل على إمام الحرمين، واجتمع بنظام الملك فأكرمه وفوض إليه تدريس مدرسة النظامية ببغداد، في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق التزهد والانقطاع، وحج وقصد دمشق وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى القدس واجتهد في العبادة، ثم قصد مصر وأقام بإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس وصنف الكتب المفيدة المشهورة، منها البسيط، والوسيط، والوجيز، والمنخول والمنتخل في علم الجدل، وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة ونسبه إلى طوس من خراسان، وطوس مدينتان، تسمى إحداهما طابران، والأخرى نوقان،
стр. 428
والغزالي نسبة إلى الغرال، والعجم تقول في القصّار قصاري، وفي الغزال غزالي وفي العطار عطاري.
ثم دخلت سنة ست وخمسمائة فيها توفي بسيل الأرميني صاحب بلاد الأرمني، فقصدها صاحب أنطاكية الفرنجي ليملك بلاد الأرمن المعروفة الآن ببلاد سيس، فمات في الطريق وملكها سيرجال.
وفيها توفي قراجا صاحب حمص، وقام بعده ولده قيرخان.
وفيها توفي سكمان أو سقمان القطبي، صاحب خلاط، وكان قد ملك خلاط في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة حسبما تقدم ذكره هناك، ولما توفي سكمان ملك خلاط بعده ولده ظهير الدين إبراهيم بن سكمان وسلك سيرة أبيه، وبقي في ملك خلاط حتى توفي في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فتولى مكانه أخوه أحمد بن سكمان، وبقي أحمد في الولاية عشرة أشهر وتوفي، فحكمت والدتهما وهي إينانج خاتون، وهي ابنه أركمان على وزن أفخران، وبقيت مستبدة بمملكة خلاط، ومعها ولد ولدها سكمان بن إبراهيم بن سكمان، وكان عمره ست سنين، فقصدت جدته إينانج المذكورة إعدامه، لتنفرد بالمملكة، فلما رأى كبراء الدولة سوء نيتها لولد ولدها المذكور، اتفق جماعة وخنقوا إينانج المذكورة في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، واستقر ابن ابنها شاهرمن سكمان بن إبراهيم المذكور بن سكمان في الملك حتى توفي في سنة تسع وسبعين وخمسمائة حسبما نذكره إن شاء الله تعالى.
أثم دخلت سنة سبع وخمسمائة.
ذكر الحرب مع الفرنج
وقتل مودود بن الطونطاش صاحب الموصل:
في هذه السنة اجتمع المسلمون وفيهم مودود صاحب الموصل، وتميرك صاحب سنجار، والأمير أياز بن أيلغازي وطغتكين صاحب دمشق، وكان مودود قد سار من الموصل إلى دمشق، فخرج طغتكين والتقاه بسلمية، وسار معه إلى دمشق واجتمعت الفرنج وفيهم بغدوين صاحب القدس، وجوسلين صاحب الحلس واقتتلوا بالقرب من طبرية، ثالث عشر المحرم، وهزم الله الفرنج وكثر القتل فيهم، ورجع المسلمون منصورين إلى دمشق ودخلوها في ربيع الأول، ودخل الجامع مودود وطغتكين وأصحابهما وصلوا الجمعة، وخرج طغتكين ومودود يتمشيان في بعض صحن الجامع، فوثب باطني على مودود وضربه بسكين، وقتل الباطني وأخذ رأسه، وحمل مودود إلى دار طغتكين وكان صائماً واجتهدوا به أن يفطر فلم يفعل، ومات من يومه رحمه الله تعالى، وكان خيرّاً عادلاً، قيل إن الباطنية الذين بالشام خافوه فقتلوه، وقيل: إن طغتكين خافه فوضع عليه من قتله ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق بن تنش، ثم نقل إلى بغداد فدفن في جوار أبي حنيفة ثم نقل إلى أصفهان.
стр. 429
ذكر وفاة رضوان في هذه السنة توفي الملك رضوان بن تنش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب حلب، وقام بملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس ابن رضوان، وكانت سيرة رضوان غير محمودة، وقتل رضوان قبل موته أخويه أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه، وكانت ولاية رضوان في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة في سنة قتل أبوه تنش، ولما ملك الأخرس بن رضوان استولى على الأمور لؤلؤ الخادم، وكان الحكم والأمر إليه، ولم يكن ألب أرسلان المذكور أخرس حقيقة، وإنما كان في لسانه حبسة وتمتمة، وكانت أم الأخرس بنت باغي سيان صاحب أنطاكية، وكان عمره حين ولي ست عشرة سنة، ولما مات رضوان ملك ألب أرسلان، قتلت الباطنية الذين كانوا بحلب، وكانوا جماعته ولهم صورة ونهبت أموالهم.
ذكر غير ذلك
في هذه السنة توفي إسماعيل بن أحمد الحسين البيهقي الإمام ابن الإمام وتوفي ببيهق، ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد الأبيوردي الأديب الشاعر وله شعر حسن فمنه:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأهوال الزمان تهون
وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه وبت أريه الصبر كيف يكون وكانت وفاته بأصفهان وهو من بني أمية.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن أبي الحسن بن عمر، وكنيته أبو بكر الشاشي الفقيه الشافعي، ومولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتفقه على أبي إسحق الشيرازي ببغداد، وعلى أبي نصر بن الصباغ، وصنف المستظهر بالله كتابه المعروف بالمستظهري.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة فيها أرسل السلطان محمد بن ملكشاه أقسنقر البرسقي والياً على الموصل لما بلغه قتل مودود بن الطنطاش صاحب الموصل، وأمر السلطان الأمراء وأصحاب الأطراف بالسير بصحبة البرسقي لقتال الفرنج، وجرى بين البرسقي وأيلغازي بن أرتق صاحب ماردين قتال انتصر فيه
أيلغازي وهرب البرسقي، ثم خاف أيلغازي من السلطان فسار إلى طغتكين صاحب دمشق، فاتفق معه وكاتباً الفرنج واعتضدا بهم، ثم عاد أيلغازي من دمشق إلى جهة بلاده، فلما قرب من حمص وكان في جماعة قليلة، خرج قيرخان بن قراجا صاحب حمص، وأمسك أيلغازي وبقي في أسره مدة، ثم تحالفا وأطلقه.
стр. 430
ذكر وفاة صاحب غزنة في هذه السنة في شوال، توفي الملك علاء الدولة أبو سعد مسعود بن إبراهيم ابن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، كان ملكه في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وملك بعده ابنه أرسلان شاه بن مسعود، وأمسك إخوته، وهرب، من إخوته بهرام شاه، واستجار بالسلطان سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان، وأرسل سنجر إلى أرسلان شاه يشفع في بهرام شاه فلم يقبل منه، فسار السلطان سنجر إلى غزنة، وجمع أرسلان شاه عساكره وخيوله، واقتتلوا واشتد القتال بينهم، فانهزم عسكر غزنة، وانهزم أرسلان شاه، ودخل سنجر غزنة واستولى عليها في سنة عشر وخمسمائة، وأخذ منها أموالاً عظيمة، وقرر السلطنة لبهرام شاه بن مسعود، وأن يخطب في مملكته للسلطان محمد، ثم للملك سنجر ثم للسلطان وبهرام شاه المذكور، ثم عاد سنجر إلى بلاده، وكان أرسلان شاه قد هرب إلى جهة هندستان، ثم جمع جمعاً وعاد إلى غزنة فاستنجد بهرام شاه بسنجر ثانياً، فأرسل إليه عسكراً، فلما قاربوا أرسلان شاه هرب من غير قتال، وتبعوه حتى أمسكوه، فخنق بهرام شاه أخاه أرسلان شاه، ودفنه بتربة أبيه بغزنة، وكان قتل أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وقدمنا ذكره لنتبع الحادثة بعضها بعضاً، وكان عمر أرسلان شاه لما قتل سبعاً وعشرين سنة.
ذكر مقتل صاحب حلب في هذه السنة قتل تاج الدولة ألب أرسلان الأخرس، صاحب حلب ابن الملك رضوان بن تنش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، قتلة غلمانه بقلعة حلب، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، وكان المتولي على الأمر لؤلؤ الخادم.
ثم دخلت سنة تسع وخمسمائة فيها أرسل السلطان محمد بن ملكشاه عسكراً ضخماً لقتال طغتكين صاحب دمشق، وأيلغازي صاحب ماردين، فعبر العسكر الفرات من الرقة وقصدوا حلب، فعصت عليهم، فساروا إلى حماة وهي لطغتكين، فحصروها وفتحوها عنوة، ونهبوا الأموال ثلاثة أيام، ثم سلموا حماة إلى الأمير قيرخان بن قراجا صاحب حمص، وأقام العسكر بحماة واجتمع بأفامية أيلغازي وطغتكين وملوك الفرنج، وهم صاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس وغيرهما، وأقاموا بأفامية ينتظرون تفرق المسلمين، فلما أقام عسكر المسلمين إلى الشتاء، تفرق الفرنج وسار طغتكين إلى دمشق، وأيلغازي إلى ماردين، ثم سار المسلمون من حماة إلى كفرطاب وهي للفرنج، فاستولوا عليها وقتلوا من بها من الفرنج ونهبوهم، ثم سار المسلمون إلى المعرة، وهي للفرنج، ثم ساروا منها إلى حلب، فكبسهم صاحب أنطاكية في أثناء الطريق، فانهزمت المسلمون، وقتل الفرنج فيهم،
стр. 431
ونهبوهم، وهرب من سلم منهم إلى بلاده.
وفي هذه السنة: استولى الفرنج على رفنية، وكانت لطغتكين أيضاً ثم سار طغتكين من دمشق واسترجعها إلى ملكه وقتل من بها من الفرنج.
ذكر وفاة صاحب إفريقية في هذه السنة توفي يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية يوم عيد الأضحى فجأة، وتولى بعده ابنه علي بن يحيى، وكان عمر يحيى اثنتين وخمسين سنة، وولايته ثمان سنين وخمسة أشهر وخلّف ثلاثين ولداً.
ذكر غير ذلك
فيها قدم السلطان محمد إلى بغداد، فسار إليه طغتكين من دمشق ودخل عليه وسأل الرضى عنه، فرضي عنه ورده إلى دمشق، وفيها أخذ السلطان الموصل وما كان معها من أقسنقر البرسقي، وأقطعها للأمير جيوش بك وبقي البرسقي في الرحبة وكانت أقطاعه.
ثم دخلت سنة عشرة وخمسمائة في هذه السنة مات جاولي سقاوه بفارس وكان السلطان محمد بن ملكشاه قد ولاه فارس، بعد أخذ الموصل منه علي ما تقدم ذكره. وفيها وقيل بل في سنة ست عشرة وخمسمائة توفي بمروالروز أبو محمد الحسن بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي الفقيه المحدث، كان بحراً في العلوم صنف كتباً عدة منها: التهذيب في الفقه، والمصابيح في الحديث، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك، والفراء نسبة إلى عمل الفراء والبغوي نسبة إلى بلدة بخراسان يقال لها بغ وبغشور أيضاً.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
ذكر وفاة السلطان محمد في هذه السنة في رابع وعشرين ذي الحجة توفي السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وابتدأ مرضه من شعبان، ومولده ثامن عشر شعبان من سنة أربع وسبعين وأربعمائة، فكان عمره ستاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وأول ما خطب له ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقطعت خطبته عدة دفعات، ولقي من المشاق والأخطار ما لا زيادة عليه، وكان عادلاً حسن السيرة، أطلق المكوس والضرائب في جميع بلاده، وعهد بالملك إلى ولده محمود وعمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة. ولما عهد عليه اعتنقه، وقبله وبكى كل واحد منهما، وجلس محمود على تخت السلطنة بالتاج والسوارين يوم وفاة أبيه في الرابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وخطب لمحمود بالسلطنة في يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة.
стр. 432
ذكر قتل صاحب حلب
واستيلاء أيلغازي عليها:
في هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم، وكان قد استولى على حلب وأعمالها. وكان قد أقام لؤلؤ المذكور، بعد رضوان ابنه، ألب أرسلان الأخرس بن رضوان، فلما قتل كما تقدم ذكره، أقام أخاه سلطان شاه، وليس له من الحكم شيء، وبقي لؤلؤ المذكور هو المتحكم في البلاد، فلما كانت هذه السنة سار لؤلؤ إلى قلعة جعبر، ليجتمع بسالم بن مالك العقيلي صاحب قلعة جعبر، فوثب جماعة من الأتراك أصاب لؤلؤ على لؤلؤ وقد نزل يريق الماء، وصاحوا أرنب أرنب، وقتلوه بالنشاب، ونهبوا خزانته وعادوا إلى حلب، فاتفق أهل حلب واستعادوا منهم المال، وقام بأتابكية سلطان شاه بن رضوان شمس الخواص يارقطاش، وبقي يارقطاش شهراً، ثم اجتمع كبراء الدولة وعزلوه وولوا أبا المعالي بن الملحي الدمشقي، ثم غزوه وصادروه، ثم خاف أهل حلب من الفرنج، فسلموا البلد إلى أيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، فسار أيلغازي وتسلم حلب، وجعل فيها ولده حسام الدين تمرتاش، وعاد أيلغازي إلى ماردين.
ذكر غير ذلك:
في هذه السنة جاء سيل فغرق مدينة سنجار، وغرق من الناس خلق كثير، وهدم المنازل، ومن عجيب ما يحكى أن الماء حمل مهداً فيه مولود، فتعلق المهد بشجرة زيتون ثم نقص الماء والمهد معلق بالشجرة فسلم الطفل. وفيه هجم الفرنج على ربض حماة وقتلوا من أهلها ما يزيد على مائة رجل، ثم عادوا عنها.
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في هذه السنة عزل السلطان محمود مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد، وجعل أقسنقر البرسقي شحنة بغداد، وسار بهروز إلى تكريت، وكانت أقطاعه، وكان المدبر لدولة السلطان محمود، الوزير الربيب أبو منصور.
وفيها سار الأمير دبيس بن صدقة إلى الحلة بإذن السلطان محمود، وكان دبيس معتقلاً مع السلطان محمد، من حين قتل أبوه صدقة، إلى الان، فلما أطلق توجه إلى الحلة، واجتمعت عليه العرب والأكراد.
ذكر وفاة المستظهر في هذه السنة، في سادس عشر ربيع الآخر، توفي المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بأمر الله عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم، وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر وأياماً، وخلافته أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوماً. ومن الاتفاق الغريب، أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم بأمر الله، ولما توفي ملكشاه توفي بعده المقتدي، ولما توفي محمد، توفي بعده المستظهر.
стр. 433
خلافة المسترشد
وهو تاسع عشرينهم، ولما توفي المستظهر بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور فضل بن أحمد المستظهر، وأخذ البيعة على الناس للمسترشد. القاضي أبو الحسن الدامغاني.
ذكر غير ذلك: وفي هذه السنة توفي أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده الأصفهاني المحدث المشهور، وله في الحديث تصانيف حسنة. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن الخازن وكان أديباً وله شعر حسن. وفيهما قتل أرسلان شاه ابن مسعود السبكتكيني قتله أخوه بهرام شاه بن مسعود، واستقر بهرام شاه في ملك غزنة، حسبما قدمنا ذكره في سنة ثمان وخمسمائة.
ثم دخلت سنة ثلاث عشر وخمسمائة فيها سار السلطان سنجر إلى حرب ابن أخيه السلطان محمود، والتقيا بالري بالقرب من ساوة، فانهزم محمود. ونزل السلطان سنجر في خيامه، ثم وقع الصلح بينهما، على أن يخطب للسلطان سنجر ثم بعده للسلطان محمود، واستولى سنجر على الري وأضافها إلى ما بيده، وقدم السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجر بالري فأكرمه سنجر وأحسن إليه.
ذكر غير ذلك: فيها كانت وقعة بين أيلغازي بن أرتق، وبين الفرنج، بأرض حلب، فهزم الفرنج وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر عدة، وكان فيمن قتل، سرجال صاحب أنطاكية، ثم سار أيلغازي وفتح عقيب الوقعة الأثارب وزردنا. وكانت الوقعة في منتصف ربيع الأول عند عفرين، ومما مدح أيلغازي به بسبب هذه الوقعة.
قل ما تشاء فقولك المقبول ... وعليك بعد الخالق التعويل
واستبشر القرآن حين نصرته ... وبكى لفقد رجاله الإنجيل
وفي هذه السنة سار جوسلين صاحب تل باشر إلى، بلاد دمشق ليكبس العرب بني ربيعة، وأميرهم إذ ذاك مر بن ربيعة، فتقدم عسكر جوسين قدامه، فضل جوسلين عنهم، ووقع عسكره على العرب. وجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه مر بن ربيعة، وقتل وأسر من الفرنج عدة كثيرة.
ذكر غير ذلك:
في هذه السنة أمر السلطان سنجر بإعادة بهروز إلى شحنكية العراق، فعاد إليها. وفيها ظهر قير إبراهيم الخليل، وقبور ولديه إسحاق ويعقوب ﵈ بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، قال ابن الأثير مؤلف الكامل: هكذا ذكره حمزة بن أسد بن علي بن محمد
стр. 434
التميمي في تاريخه.
ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة.
ذكر الحرب بين السلطان محمود وأخيه مسعود كان مسعود ابن السلطان محمد له الموصل وأذربيجان، فكاتب دبيس بن صدقة، جيوش بك أتابك مسعود، يشير عليه بطلب السلطنة لمسعود، ووعده دبيس بأن يسير إليه وينجده وكان غرض دبيس أن يقع بين محمود ومسعود، لينال دبيس علو المنزلة، كما نالها، أبوه صدقة، بسبب وقوع الخلاف بين بركيارق وأخيه محمد. فأجاب مسعود إلى ذلك، وخطب لنفسه بالسلطنة، وجمع عسكره وسار إلى أخيه محمود والتقوا عند عقبة أستراباذ، منتصف ربيع الأول من هذه السنة واشتد القتال بينهم، فانهزم مسعود وعسكره، ولما انهزم مسعود اختفى في جبل، وأرسل يطلب من أخيه محمود الأمان فبذله له، وقدم مسعود إلى أخيه محمود فأمر محمود بخروج العسكر إلى تلقيه، ولما التقيا اعتنقا وبكيا، وبالغ محمود في الإحسان إلى أخيه مسعود، وفى له، ثم قسم جيوش بك أتابك مسعود على محمود فأحسن إليه أيضاً، وأما دبيس بن صدقة، فإنه لما بلغه انهزام مسعود أخذ في إفساد البلاد ونهبها، وكاتبه محمود فلم يلتفت إليه. فسار السلطان محمود إليه، ولما قرب منه خرج دبيس عن الحلة والتجأ إلى أيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، ثم اتفق الحال على أن يرسل دبيس أخاه منصوراً رهينة، ويعود إلى الحلة، فأجيب إلى ذلك.
وفي هذه السنة خرجت الكرج إلى بلاد الإسلام وملكو تقليس بسيف، وقتلوا ونهبوا من المسلمين شيئاً كثيراً.
وفي هذه السنة أيضاً جمع أيلغازي التركمان وغيرهم، والتقى مع الفرنج عند ذات البقل، من بلد سرمين، وجرى بينهم، قتال شديد، فانتصر أيلغازي وانهزم الفرنج.
ذكر ابتداء أمر محمد بن تومرت وملك عبد المؤمن
كان محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسيني من قبيلة من المصامدة، من أهل جبل السوس، من بلاد المغرب، فرحل ابن تومرت إلى بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم الأصولين والعربية، والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي في العراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه لم يجتمع بالغزالي. ثم حج ابن تومرت وعاد إلى المغرب، وأخذ في الإنكار على الناس وإلزامهم بإقامة الصلوات وغير ذلك من أحكام الشريعة، وتغيير المنكرات، ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجاية في عبد المؤمن المذكور، وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي. واستمر المهدي المذكور على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل الى مراكش، وشدد في النهي عن المنكرات وكثرت أتباعه، وحسنت ظنون الناس به، ولما اشتهر أمره استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم
стр. 435
وقطعهم، وأشار بعض وزراء علي بن يوسف بن تاشفين عليه بقتل ابن تومرت المهدي وقال: والله ماغرضه النهي عن المنكر والأمر بالمعروف بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبل علي ذلك. فقال الوزير: وكان اسمه مالك بن وهيب من أهل قرطبة: فإذا لم تقتله فخلده في الحبس. فلم يفعل، وأمر بإخراجه من مراكش، فسار المهدي إلى أغمات ولحق بالجبل واجتمع عليه الناس وعرفهم أنه هو المهدي الذي وعد النبي ﷺ بخروجه، فكثرت أتباعه واشتدت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس، وقالوا له: أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المسلمين علي إليه جيشاً فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونه وعظم أمره، وتوجه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه، ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قوماً خافهم. فقال: إن الله أعطان نوراً أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس جبل، وجعل يقول: عن كل من يخافه هذا من أهل النار، فيلقى من رأس الشاهق ميتاً، وكل من لا يخافه، هذا من أهل الجنة ويجعله عن يمينه، حتى قتل خلقاً كثيراً واستقام أمره وأمن على نفسه. وقيل: إن عدة الذين قتلهم سبعون ألفاً وسمي عامة أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين، ولم يزل أمر ابن تومرت المهدي يعلو، إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة فجهز جيشاً يبلغون أربعين ألفاً فيهم الونشريسي وعبد المؤمن إلى مراكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يوماً، ثم سار متولي سجلماسة بالعساكر للكشف عن مراكش وطلع أهل مراكش وأمير المسلمين واقتتلوا فقتل الونشريبسي، وصار عبد المؤمن مقدم العسكر، واشتد بينهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي بن تومرت خبر هزيمة عسكره وكان مريضاً فاشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن فقالوا سالم، فقال المهدي لم يمت أحد، وأوصى أصحابه باتباع عبد المؤمن وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد، وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور وكان عمره إحدى وخمسين سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى تينمليل وأقام بها يؤلف قلوب الناس، إلى سنة ثمان وعشرين وخسمائة ثم سار عبد المومن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ابنه تاشفين بن علي يسير في الوطاة قبالة عبد المؤمن، وفي سنة عائشة تسع وثلاثين سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران، وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان من هذه السنة وهي ليلة يعظمها المغاربة، سار تاشفين في جماعة يسيرة متخفياً. ليزور مكاناً على البحر، فيه متعبدون وصالحون، وقصد التبرك وبلغ الخبر مقدم جيش عبد المؤمن واسمه عمر بن يحيى الهنتماتي، فسار وأحاط بتاشفين بن علي بن يوسف، فركب تاشفين فرسه وحمل ليهرب، فسقط من جرف عال فهلك، وأخذ ميتاً،
стр. 436
وعلت جثته على خشبة، وقتل كل من كان معه وتفرق عسكر تاشفين، وسار عبد المؤمن إلى تلمسان وهي مدينتان بينهما شوط فرس، إحداهما اسمها قاروت بها أصحاب السلطان، والأخرى اسمها أفادير فملك عبد المؤمن قاروت أولاً، ثم قرر أمرها وجعل على أفادير جيشاً يحصرها، ثم سار عبد المؤمن إلى فاس وملكها بالأمان في آخر سنة أربعين وخمسمائة ورتب أمرها، ثم سار إلى سلا ففتحها
في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وفتح عسكره أفادير بعد حصار سنة، وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مراكش، وكان قد مات علي بن يوسف صاحبها، وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك بعده أخوه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وهو صبي، فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهراً وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي، فقال له سير وهو من أكبر أمراء المرابطين وكان مكتوفاً: تبكي على أبيك وأمك، اصبر صبر الرجال، وبزق في وجه إسحاق، ثم قال عبد المؤمن إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون وقتلوا سير المذكور بالخشب، وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو آخر ملوك المرابطين،. وبه انقرضت دولتهم، وكانت مدة ملكهم ثمانين سنة، لأن يوسف بن تاشفين حكم في سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وانقرضت دولتهم في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وولى منهم أربعة: يوسف بن تاشفين وابنه علي بن يوسف وتاشفين بن علي، وإسحاق بن علي. ولما فتح عبد المؤمن مراكش استوطنها وبنى بقصر ملوك مراكش جامعاً وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين، وكان ينبغي ذكر هذه الوقائع في مواضعها، وإنما قدمت لتتبع الأحاديث بعضها بعضاً. سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وفتح عسكره أفادير بعد حصار سنة، وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مراكش، وكان قد مات علي بن يوسف صاحبها، وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك بعده أخوه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وهو صبي، فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهراً وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي، فقال له سير وهو من أكبر أمراء المرابطين وكان مكتوفاً: تبكي على أبيك وأمك، اصبر صبر الرجال، وبزق في وجه إسحاق، ثم قال عبد المؤمن إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون وقتلوا سير المذكور بالخشب، وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو آخر ملوك المرابطين،. وبه انقرضت دولتهم، وكانت مدة ملكهم ثمانين سنة، لأن يوسف بن تاشفين حكم في سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وانقرضت دولتهم في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وولى منهم أربعة: يوسف بن تاشفين وابنه علي بن يوسف وتاشفين بن علي، وإسحاق بن علي. ولما فتح عبد المؤمن مراكش استوطنها وبنى بقصر ملوك مراكش جامعاً وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين، وكان ينبغي ذكر هذه الوقائع في مواضعها، وإنما قدمت لتتبع الأحاديث بعضها بعضاً.
ذكر غير ذلك:
وفي هذه السنة أعني سنة أربع عشرة وخمسمائة أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرها على جموع العرب والتركمان وكانوا نازلين بصفين، فغنم من أموالهم ومواشيهم شيئاً كثيراً، ثم عاد جوسلين إلى بزاعة فخر بها. وفيها في جمادى توفي أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الإمام ابن الإمام، ولما توفي جلس الناس في البلاد البعيدة لعزائه.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة.
ذكر وفاة صاحب إفريقية في هذه السنة توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب إفريقية، في ربيع الآخر، وكانت إمارته خمس سنين وأربعة أشهر، وولي بعده ابنه الحسن بن علي وعمره اثنتا عشرة سنة، بعهد من أبيه، وقام بتدبير دولته صندل الخصي، وبقي صندل مدة ومات، وصار مدبر دولته القائد أبا غر بن موفق.
стр. 437
ذكر غير ذلك من الحوادث: في هذه السنة أقطع السلطان محمود الموصل وأعمالها كالجزيرة وسنجار، للأمير أقسنقر البرسقي. وفيها قتل بمصر أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي، وكان قد ركب بمصر ومعه جمع كثير، فتأذى من الغبار، فسار قدامهم ومعه نفران، فوثب عليه ثلاثة بسوق الصياقلة وضربوه بالسكاكين، وأدركهم أصحابه فقتلوا الثلاثة، وحمل الأفضل إلى داره فمات بها وبقي الآمر بأحكام الله الخليفة العلوي صاحب مصر، ينقل من دار الأفضل الأموال ليلاً ونهاراً أربعين يوماً، ووجد له من الأموال والتحف ما لا يحصى، وكان عمر الأفضل سبعً وخمسين سنة وولايته ثمانياً وعشرين سنة، وقيل إن الآمر هو الذي جهز عليه من قتله، ولما قتل الأفضل ولي الآمر بأحكام الله بعده أبا عبد الله البطائحي.
وفيها عصى سليمان بن أيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب وكان فيمن حسن له ذلك إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، وكان قد قدمه أيلغازي على أهل حلب، فجاراه بذلك، ولما سمع أيلغازي بذلك سار مجدّاً من ماردين وهاجم حلب وقطع يدي ابن قرناص ورجليه وسمل عينيه فمات، وأحضر ولده سليمان وأراد قتله فلحقته رقة الوالد فاستبقاه، وهرب سليمان إلى عند طغتكين بدمشق، واستناب أيلغازي على حلب ابن أخيه واسمه سليمان أيضاً بن عبد الجبار بن أرتق، وعاد أيلغازي إلى ماردين.
وفيها أقطع السلطان محمود ميافارقين للأمير أيلغازي المذكور، وفيها كان بين بلك بن بهرام بن أرتق وبين جوسلين حرب، انتصر فيها بلك وقتل من الفرنج وأسر جوسلين وأسر معه ابن خالته كليام وأسر جماعة من فرسانه المشهورين، وبذل جوسلين في نفسه أموالاً كثيرة فلم يقبلها بلك، وسجنهم في قلعة خرتبرت. وفيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام شرفه الله تعالى، من زلزلة وانهدم بعضه. وفيها توفي أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري مصنف كتاب المقامات المشهورة، ولد في حدود سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكان إماماً في النحو واللغة، وصنف عدة مصنفات منها: المقامات التي طبق الأرض شهرتها، وكان الذي أمره بتصنيفها أنوشروان بن خالد بن محمد وزير السلطان محمود، فإن الحريري عمل مقامه واحدة على وضع مقامات البديع وعرضها على أنوشروان، وكان الحريري قد أولع بنتف لحيته والعبث بها، وقدم بغداد وسكن في الحريم، ووقع بينه وبين ابن جكينا مهاجاة، ثم نفي الحريري إلى المشان فقال فيه ابن جكينا يهجوه:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله في المشان وقد ... ألجمه في الحريم بالخرس
стр. 438
والمشان موضع من أعمال بغداد، وكان إذا غضب على شخص نفي إليه، وكان الحريري بصرى المولد والمنشأ وينتسب إلى ربيعة الفرس وخلف ولدين أحدهما عبيد الله، وهو أحد رواة المقامات عن والده، والثاني كان متفقهاً.
وفيها أعني سنة خمس عشرة وخمسمائة قتل مؤيد الدين الحسين بن علي ابن محمد الطغرائي المنشي الدؤلي من ولد أبي الأسود الدؤلي من أهل أصفهان وكان عالماً فاضلاً شاعراً كاتباً منشئاً، خدم السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان وكان متولياً ديوان الطغر، ثم بقي على علو منزلته حتى استوزره السلطان مسعود، وجرى بينه وبين أخيه محمود الحرب، وانهزم مسعود فأخذ الطغرائي أسيراً وقتل صبراً، ومن شعره قصيدته المشهورة التي أولها:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتي لدى العطل
هكذا ذكره القاضي شهاب الدين. وما الشيخ عز الدين علي بن الأثير فذكر أن قتل الطغرائي كان في سنة أربع عشرة وخمسمائة، وقال عنه السلطان محمود: قد ثبت عندي فساد عقيدته، وأمر بقتله وكان الطغرائي قد جاوز ستين سنة، وكان يميل إلى عمل الكيمياء.
وفيها أعني سنة خمس عشرة وخمسمائة، توفي بمصر علي بن جعفر بن علي محمد، المعروف بابن القطاع النحوي العروضي. وكان أحد الأئمة في علم الأدب واللغة، وله عدة مصنفات، ولد في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة فيها قتل السلطان محمود جيوش بك، وهو الذي كان قد خرج على السلطان مع مسعود أخي السلطان ولما أمن محمود أخاه جيوش بك وأقطعه أذربيجان، سعت به الأمراء إلى محمود فقتله في رمضان على باب تبريز.
ذكر وفاة أيلغازي في هذه السنة في رمضان، توفي أيلغازي بن أرتق، وملك بعده ابنه تمرتاق قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميافارقين، وكان بحلب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، فبقي بها حاكماً إلى أن أخذها منه ابن عمه بلك بن بهرام بن رتق. وفيها أقطع السلطان محمود مدينة واسط لأقسنقر. البرسقي، زيادة على ما بيده من الموصل وأعمالها، فاستعمل البرسقي على واسط عماد الدين زنكي بن أقسنقر.
وفيها توفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد ومولده سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان ثقة حافظاً للحديث.
ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة في هذه السنة كان الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين دبيس بن صدقة، فخرج الخليفة بنفسه، مع من اجتمع إليه، واشتد القتال بينه وبين دبيس، فانهزم دبيس وعسكره، وسار دبيس إلى غزية من العرب فلم يطيعوه فراح إلى المنتفق واتفقوا معه، وسار إلى البصرة، ونهبها، ثم سار دبيس إلى الشام وصار مع الفرنج، وأطمعهم في ملك حلب.
وفيها سلم سليمان بن عبد الجبار بن أرتق
стр. 439
حصن الأثارب إلى الفرنج ليهادنوه على حلب، لعجزه عن مقاومتهم. وفيها سار بلك بن بهرام بن أرتق إلى حران وملكهما، ثم بلغه عجز ابن عمه سليمان عن حلب، فسار إلى حلب وملكها في جمادى الأولى.
وفيها استولى الفرنج على خرتبرت وكان بها جوسلين وغيره من الفرنج محبوسين، وخلصوهم من خرتبرت، وكانت لبلك، ثم سار إليها بلك واسترجعهما من الفرنج.
وفيها توفي قاسم بن هاشم العلوي الحسني، أمير مكة، شرفها الله تعالى، وولي بعده ابنه أبو فليتة وفيها سار طغتكين صاحب دمشق إلى حمص، وهجم المدينة ونهبها وحصر صاحبها قيرخان بن قراجا بالقلعة، ثم رحل عنه وعاد إلى دمشق.
وفيها سار الأمير محمود بن قراجا صاحب حماة إلى أفامية، وهجم ربضها فأصابه سهم من القلعة في يده فعاد إلى حماة وعملت عليه يده فمات من ذلك، واستراح أهل حماة من ظلمه، فلما سمع طغتكين الخبر، أرسل إلى حماة عسكراً وملكها، وصارت حماة من جملة بلاده، وفيها توفي أحمد بن محمد بن علي، المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي وله أشعار فائقة منها قصيدته التي منها:
سلوا سيف ألحاظه الممتشق ... أعند القلوب دم للحدق
من الترك ما سهمه إذ رمي ... بأفتك من طرفه إذ رمق
ومنها:
وللحب ما عزمني وهان ... وللحسن ما جل منه ودق
وكانت ولادته في سنة خمس وأربعمائة بدمشق رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمائة.
ذكر قتل بلك:
في هذه السنة قتل بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب، وسببه أنه قبض على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج، وسار إلى منبج فملك المدينة وحصر القلعة، فبينما هو يقاتل إذ أتاه سهم فقتله لا يدري من رماه، فاضطرب عسكره وتفرقوا، وخلص حسان صاحب منبج وعاد إليها وملكها وكان في جملة عسكر بلك ابن عمه تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، فحمل بلك مقتولاً إلى حلب وتسلمها واستقر تمرتاش في ملك حلب في عشرين من ربيع الأول من هذه السنة، ورتب أمرها وعاد إلى ماردين.
وفي هذه السنة ملك الفرنج مدينة صور بعد حصار طويل، وكانت للخلفاء العلويين أصحاب مصر، وكان ملكها بالأمان، وخرج المسلمون منها في العشرين من جمادى الأولى بما قدروا على حمله من أموالهم.
وفيها اجتمعت الفرنج وانضم إليهم دبيس بن صدقة وحاصروا حلب، وأخذوا في بناء بيوت لهم بظاهرها فعظم الأمر على أهلها، ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش لإيثاره الرفاهة والدعة، فكاتب أهل حلب أقسنقر البرسقي صاحب الموصل في
стр. 440
تسلميها إليه، فسار إليهم فلما قرب من حلب رحلت الفرنج عنها، وسلم أهل حلب المدينة والقلعة إليه، واستقرت في ملك البرسقي مع الموصل وغيرها.
وفي هذه السنة مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية صاحب الألموت وقد تقدم ذكره في ظهوره في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة في هذه السنة سار البرسقي إلى كفر طاب وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أعزاز وكانت لجوسلين، فاجتمعت الفرنج لقتاله، فاقتتلوا فانهزم البرسقي، وقتل من المسلمين خلق كثير.
وفيها مات سالم بن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب قلعة جعبر وملكهما بعده ابنه مالك بن سالم.
ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة.
ذكر مقتل البرسقي في هذه السنة ثامن ذي القعدة، قتلت الباطنية قسيم الدولة أقنسقر البرسقي صاحب الموصل يوم الجمعة في الجامع بالموصل، وهو في الصلاة، فوثب عليه منهم بضعة عشر نفساً، وكان البرسقي مملوكاً تركياً شجاعاً ديناً حسن السيرة، من خيار الولاة، رحمه الله تعالى، وكان ابنه عز الدين مسعود في حلب، فلما بلغه قتل أبيه سار إلى الموصل واستقر في ملكها.
ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج
في هذه السنة اجتمعت الفرنج وقصدوا دمشق، نزولاً في مرج الصفر عند قرية شقحب، وأرسل طغتكين وجمع التراكمين وغيرهم، وخرج إلى الفرنج والتقى معهم في أواخر ذي الحجة، وكان مع طغتكين رجالة كثيرة من التركمان واشتد القتال، فانهزم طغتكين والخيالة؛ وتبعهم الفرنج، ولم يقدر رجالة التركمان على الهرب، فقصدوا مخيم الفرنج وقتلوا كل من وجدوه من الفرنج، ونهبوا أموال الفرنج وأثقالهم، وسلموا بذلك. ولما عاد الفرنج من وراء المنهزمين وجدوا أثقالهم وخيمهم قد نهبت فانهزم أيضاً وفيها حصر الفرنج رفنية وملكوها وفيها توفي أبو الفتوح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي الواعظ أخو أبي حامد الغزالي، وكانت له كرامات. وقد ذمه أبو الفرج ابن الجوزي بأشياء كثيرة، منها روايته في وعظه الأحاديث التي ليست بصحيحة. وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، واختصر كتاب أخيه إحياء علوم الدين في مجلد وسماه لباب الأحياء ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة في هذه السنة ولى السلطان محمود شحنكية العراق عماد الدين زنكي بن أقنسقر مضافاً إلى ما بيده من ولاية واسط وفيها سار السلطان محمود عن بغداد وفي هذه السنة سار صاحب الموصل مسعود بن أقسنقر البرسقي إلى الرحبة واستولى عليها؛ ومرض وهو محاصرها؛ ومات مسعود يوم تسليم الرحبة إليه، وقام بالأمر بعد مسعود مملوك البرسقي اسمه جاولي أقام أخاً لمسعود صغيراً في الملك؛
стр. 441
وأرسل إلى السلطان محمود يسأله في توليته فلم يجب إلى ذلك، وولى على الموصل عماد الدين زنكي بن أقسنقر، فسار عماد الدين من بغداد ورتب أمر الموصل، وأقطع جاولي مملوك البرسقي المذكور مدينة الرحبة، ثم سار عماد الدين واستولى على نصيبين وسنجار وحران وجزيرة ابن عمر. وفيها ولي السلطان محمود شحنكية العراق لمجاهد الدين بهروز بعد مسير عماد الدين زنكي عنها إلى الموصل. وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الفرضي الهمذاني صاحب التاريخ. وفيها توفي ظهير الدين إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، وملك بعده أخوه أحمد بن سكمان، وبقي عشرة أشهر، وتوفي أحمد المذكور؛ فحكمت والدة إبراهيم وأحمد المذكورين؛ وهي إينانج خاتون بنت أركمان؛ وأقامت في المملكة معها ولد ولدها؛ وهو سكمان بن إبراهيم بن سكمان؛ وعمره حينئذ ست سنين، واستبدت إينانج بالحكم حسبما تقدم ذكره في سنة ست وخمسمائة ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
ذكر ملك عماد الدين زنكي حلب كانت حلب للبرسقي وكان بها ولده مسعود، فلما قتل البرسقي وسار مسعود إلى الموصل استخلف على حلب أميراً اسمه قومار، كذا رأيته مكتوباً، وصوا به قيماز، ثم استخلف مسعود على حلب قتلغ بعد قيماز؛ فاستولى على حلب بعد موت مسعود على الرحبة كما ذكرنا، وأساء قتلغ السيرة، وكان مقيماً بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان صاحبها أولاً، فاجتمع أهل حلب عليه لسوء سيرة قتلغ وملكوه مدينة حلب، وعصى قتلغ في القلعة؛ وسمع الفرنج باختلاف أهل حلب؛ فسار إليهم جوسلين فصالحوه بمال فرحل عنهم، وكان قد استقر عماد الدين زنكي في ملك الموصل؛ فأرسل عسكراً مع بعض قواده واسمه قراقوش إلى حلب ومعه توقيع السلطان محمود بالشام، فأجاب أهل حلب إليه، وتقدم عسكر عماد الدين إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى عماد الدين زنكي، فسار إليه إلى الموصل، فلما وصلا إلى عماد الدين زنكي أصلح بين سليمان وقتلغ ولم يرد واحداً منهما إلى حلب، وسار عماد الدين إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاغة، وطلع أهل حلب إلى تلقيه واستبشروا بقدومه، فدخل عماد الدين البلد ورتب أموره، ثم إن عماد الدين قبض على قتلغ وكحله فمات، وكان ملك عماد الدين زنكي حلب وقلعتها في المحرم من هذه السنة.
ذكر غير ذلك
وفي هذه السنة سار السلطان سنجر من خراسان إلى الري ومعه دبيس بن صدقة، وكان قد سار إلى سنجر واستجار به، فلما وصل سنجر إلى الري أرسل يستدعي ابن
стр. 442
أخيه السلطان محمود، فحضر محمود إلى عمه سنجر فأكرمه سنجر وأجلسه معه على السرير، وأمره بالإحسان إلى دبيس وإعادته إلى بلده، فامتثل السلطان محمود ذلك، وعاد سنجر إلى خراسان وفيها في صفر مات طغتكين صاحب دمشق، وهو من مماليك تنش بن ألب أرسلان، وكان طغتكين عاقلاً خيراً، وكان لقبه ظهير الدين، ولما توفي ملك دمشق بعده ابنه تاج الملوك توري بن طغتكين بعهد من والده، وكان توري أكبر أولاده. ثم دخلت ثلاث وعشرين وخمسمائة وفيها عاود دبيس العصيان على السلطان والخليفة، وترددت بينهم الرسل، فلم يحصل الصلح، فسار السلطان محمود إلى بغداد وجهز جيشاً كثيفاً في أمر دبيس، فعبر دبيس البرية بعد أن نهب البصرة وأموال الخليفة والسلطان.
ذكر أخبار الإسماعلية بالشام
стр. 443
وقتلهم وحصر الفرنج دمشق:
كان قد سار رجل من الإسماعلية يسمى بهرام، بعد قتل خاله إبراهيم الأسترابادي ببغداد، إلى الشام، ودخل دمشق، ودعى الناس إلى مذهبه. وأعانه وزير توري صاحب دمشق، وهو طاهر ابن معد المزدغاني وسلم إلى بهرام قلعة بانياس، فعظم أمر بهرام بالشام، وملك عدة حصون بالجبال، وجرى بين بهرام وبين أهل وادي النيم مقاتلة فقتل فيها بهرام، وقام مقامه بقلعة بانياس رجل منهم يسمى إسماعيل.
وأقام الوزير المزدغاني عوض بهرام بدمشق رجلاً منهم تسمى أبا الوفا، وعظم أمر أبي الوفا حتى صار الحكم له بدمشق، فكاتب أبو الوفا الفرنج، على أن يسلم إليهم دمشق، ويسلموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك. وأن يكون قدوم الفرنج إلى دمشق يوم الجمعة، ليجعل أبو الوفا أصحابه
стр. 444
على أبواب جامع دمشق. وعلم تاج الملوك توري صاحب دمشق بذلك، فاستدعى وزيره المزدغاني وقتله، وأمر بقتل الإسماعلية الذين بدمشق، فثأر بهم أهل دمشق، وقتلوا من الإسماعلية ستة آلاف نفر، ووصل الفرنج إلى الميعاد وحصروا دمشق، فلم يظفروا بشيء، وكان البرد والشتاء شديداً، فرحلوا عن دمشق شبه المنهزمين، وخرج توري بعسكر دمشق في إثرهم، وقتلوا منهم عدة كثيرة، وأما إسماعيل الباطني الذي كان في قلعة بانياس، فإنه سلم قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم.
ذكر ملك عماد الدين زنكي حماة في هذه السنة ملك عماد الدين زنكي حماة، وسببه أنه كان بحماة سونج بن توري نائباً بها عن أبيه توري، وكان قد سار عماد الدين زنكي من الموصل إلى جهة الشام، وعبر الفرات، وأرسل إلى توري يستنجده على الفرنج، فأرسل توري إلى ولده سونج بحماة يأمره بالمسير إلى عماد الدين زنكي، فسار سونج إليه، فغدر عماد الدين زنكي بسونج، وقبض عليه، وارتكب أمراً شنيعاً من الغدر، ونهب خيامه والعسكر الذين كانوا صحبته، واعتقل سونج وجماعة من مقدمي عسكره بحلب، ولما قبض عماد الدين زنكي على سونج، سار من وقته إلى حماة وملكها، لخلوها من الجند. ثم رحل عنها إلى حمص وحاصرها مدة، وكان قد غدر أيضاً بصاحبها قيرخان بن قراجا وقبض عليه، وأحضره صحبته إلى حمص ممسوكاً، وأمره أن يأمر ابنه وعسكره بتسليم حمص. فأمرهم قيرخان، فلم يلتفتوا إليه، فلما أيس زنكي منها رحل عنها عائداً إلى الموصل، واستصحب سونج وأمراء دمشق معه، واستمر بهم معتقلين، وكتب توري إليه، وبذل له مالاً في ابنه سونج فلم يتفق له حال.
ذكر غير ذلك:
وفي هذه السنة ملك الفرنج حصن القدموس. وفيها توفي أبو الفتح أسعد بن أبي نصر، الفقيه الشافعي، مدرس النظامية، وله طريقة مشهورة في الخلاف، وكان له قبول عظيم عند الخليفة والناس.
وفيها توفي الشريف حمزة بن هبة الله بن محمد العلوي الحسيني النيسابوري، سمع الحديث الكثير ورواه. ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وجمع بين شرف النسب وشرف النفس، والتقوى، وكان زيدي المذهب.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ذكر فتح الأثارب
فيها جمع عماد الدين زنكي عساكره وسار من الموصل إلى الشام، وقصد حصن الأثارب لشدة ضرره على المسلمين، فإن أهله الفرنج كانوا يقاسمون أهل حلب على جميع أعمال
стр. 445
حلب الغربية، حتى على رحى بظاهر باب الجنان، بينها وبين سور حلب عرض الطريق. وأظن أن اسمها العريبة، وكان أهل حلب معهم في ضيق شديد، فسار عماد الدين إليه ونازله، وجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وقصدوا عماد الدين، فرحل عماد الدين عن الأثارب وسار إلى ملتقاهم، فالتقوا واقتتلوا أشد قتال، ونصر الله المسلمين وانهزم الفرنج، ووقع كثير من فرسانهم في الأسر، وكثر القتل فيهم ولما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا إلى الأثارب فأخذوه عنوة، وقتلوا وأسموا كل من فيه، وخرب عماد الدين في ذلك الوقت حصن الأثارب المذكور، وجعله دكاً وبقي خراباً إلى الآن.
ذكر وفاة الآمر بأحكام الله العلوي في هذه السنة في ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله العلوي أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد العلوي صاحب مصر، وكان قد خرج إلى مستنزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه، وكانت ولايته تسعاً وعشرين سنه وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً. وعمره أربعاً وثلاثين سنة.
وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله. وهو العاشر من الخلفاء العلويين. ولما قتل الآمر لم يكن له ولد، فولى بعده ابن عمه الحافظ، عبد المجيد بن أبي القاسم بن المستنصر بالله، ولم يبايع أولاً بالخلافة، بل كان على صورة نائب لانتظار حمل إن ظهر للآمر.
ولما تولى الحافظ، استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، فاستبد بالأمر، وتغلب على الحافظ وحجر عليه، ونقل أبو علي ما كان بالقصر من الأموال إلى داره، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست وعشرين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غير ذلك:
في هذه السنة كان الرصد في دار السلطنة شرقي بغداد، تولاه البديع الإسطرلابي ولم يتم. وفي هذه السنة ملك السلطان مسعود قلعة ألموت. وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد الغزي عند قلعة بلخ ودفن فيها، وهو من أهل غزة، ومولده سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وهو من الشعراء المجيدين فمن قصائده المشهورة قصيدته التي مدح فيها الترك التي أولها:
أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا ... وأجعل لحج تلاقينا مواقيتا
ومنها:
في فتية من جيوش الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتاً ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
ثم ترك الغزي قول الشعر وغسل كثيراً منه وقال:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب البواعث والدواعي مغلق
خلت البلاد فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
стр. 446
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
فيها أسر دبيس بن صدقة وسبب ذلك مسيره من العراق إلى صرخد، لأن صرخد كان صاحبها خصياً، وكانت له سرية، فتوفي الخصي في هذه السنة، واستولت سريته على قلعة صرخد وما فيها، وعلمت أنه لا يتم لها ذلك إن لم تتصل برجل يحميها، فأرسلت إلى دبيس ابن صدقة تستدعيه للتزوج به، وتسلم إليه صرخد وما فيها من مال وغيره.
فسار دبيس من العراق إليها، فضل به الأدلاء بنواحي دمشق، فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك توري بن طغتكين صاحب دمشق، في شعبان من هذه السنة، فحبسه توري، وسمع عماد الدين زنكي بأسر دبيس، فأرسل إلى توري يطلبه، ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء الذين غدر بهم زنكي وقبضهم. كما تقدم ذكره.
فأجاب توري إلى ذلك، وأفرج زنكي عن المذكورين، وتسلم دبيس، فأيقن دبيس بالهلاك، لأنه كان كثير الوقيعة في عماد الدين زنكي، ففعل معه الزنكي بخلاف ما كان يظن، وأحسن إلى دبيس، وحمل إليه الأموال والسلاح والدواب، وقدمه على نفسه، ولم يزل دبيس مع عماد الدين زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وسمع الخليفة المسترشد بقبض دبيس، فأرسل يطلبه مع سديد الدولة ابن الأنباري، وأبي بكر بن بشر الجزري. فأمسكهما عماد الدين زنكي، وسجن ابن الأنباري، ووقع منه في حق ابن بشر مكروه قوي، ثم شفع المسترشد في ابن الأنباري فأطلقه.
ذكر وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود في هذه السنة في شوال، توفي السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق بهمدان. فأقعد وزيره أبو القاسم النساباذي. ابنه داود بن محمود في السلطنة، وصار أتابكه أقسنقر الأحمديلي. وكان عمر السلطان محمود لما توفي، نحو سبع وعشرين سنة، وكانت ولايته السلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوماً، وكان حليماً عاقلاً يسمع المكروه ولا يعاقب عليه، مع قدرته عليه.
ذكر غير ذلك
في هذه السنة وثب الباطنية على تاج الملوك توري بن طغتكين صاحب دمشق. فجرحوه جرحين، برئ أحدهما وبقي الآخر ينسر عليه، إلا أنه يجلس للناس ويركب على ضعف فيه. وفيها توفي حماد بن مسلم الرحبي الرياشي الزاهد المشهور، صاحب الكرامات، وسمع الحديث، وله أصحاب وتلاميذ كثيرة، وكان أبو الفرج ابن الجوزي يذمه ويثلبه.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة فيها قتل أبو علي بن الفضل بن بدر الجمالي، وزير الحافظ لدين الله العلوي. وكان أبو علي المذكور قد حجر على الحافظ، وقطع
стр. 447
خطبة العلويين وخطب لنفسه خاصة، وقطع من الأذان " حي على خير العمل "، فنفرت منه قلوب شيعة العلويين، وثار به جماعة من المماليك، وهو يلعب الكرة فقتلوه، ونهبت داره.
وخرج الحافظ من الاعتقال ونقل ما بقي في دار أبي علي إلى القصر، وبويع الحافظ في يوم قتل أبي علي بالخلافة، واستوزر أبا الفتح يانس الحافظي، وبقي يانس مدة قليلة ومات، فاستوزر الحافظ ابنه الحسن بن الحافظ، وخطب له بولاية العهد، ثم قتل الحسن المذكور سنة تسع وعشرين وخمسمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة تحرك السلطان مسعود بن محمد في طلب السلطنة وأخذها من ابن أخيه داود ابن محمود، وكذلك تحرك سلجوق بن محمد صاحب فارس، أخو مسعود، وأتابكه قراجا الساقي، في طلب السلطنة، وقدم سلجوق إلى بغداد، واتفق الخليفة المسترشد معه، واستنجد مسعود بعماد الدين زنكي، فسار إلى بغداد لقتال الخليفة وسلجوق، فقاتله قراجا أتابك سلجوق وانهزم زنكي إلى تكريت، وعبر منها، وكان الدزدار بها إذ ذاك نجم الدين أيوب فأقام له المعابر فعبر عماد الدين وسار إلى بلاده، وكان هذا الفعل من نجم الدين أيوب سبباً للاتصال بعماد الدين زنكي، حتى ملك أيوب البلاد.
ثم اتفق الحال بين مسعود وأخيه سلجوق والخليفة المسترشد على أن تكون السلطنة لمسعود، ويكون أخوه سلجوق شاه ولي عهده، وعادوا إلى بغداد، ونزل مسعود بدار السلطنة وسلجوق بدار الشحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى من هذه السنة، ثم إن السلطان سنجر سار من خراسان ومعه طغريل ابن أخيه السلطان محمد، لأخذ السلطنة من مسعود، وجرى المصاف بينه وبين مسعود وسلجوق، فانهزم مسعود ثم إن السلطان سنجر بذل الأمان لمسعود، فحضر عنده، وكان قد بلغ خونج فلما رآه سنجر قبله وأكرمه وعاتبه وأعاده إلى كنجه، وأجلس الملك طغريل في السلطنة، وخطب له في جميع البلاد، ثم عاد إلى خراسان، فوصل إلى نيسابور في رمضان من هذه السنة.
ذكر الحرب بين المسترشد الخليفة
وبين عماد الدين زنكي:
في هذه السنة سار عماد الدين زنكي ومعه دبيس بن صدقة وعدى الخليفة إلى الجانب الغربي، وسار ونزل بالعباسية ونزل عماد الدين بالمنارية من دجيل. والتقيا بحصن البرامكة في سابع وعشرين رجب، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة فهزمها، وحمل الخليفة بنفسه وبقية العسكر، فانهزم دبيس ثم انهزم عماد الدين، وقتل بينهم خلق كثير.
ذكر وفاة توري صاحب دمشق
في هذه السنة توفي تاج الملوك بن طغتكين صاحب دمشق، بسبب الجرح الذي كان به من الباطنية، على ما تقدم ذكره، فتوفي في حادي وعشرين رجب وكانت إمارته أربع
стр. 448
سنين وخمسة أشهر وأياماً. ووصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل، ووصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد، وكان توري شجاعاً سد مسد أبيه.
ولما استقر إسماعيل بن توري في ملك دمشق وأعمالها، واستقر أخوه محمد في ملك بعلبك، واستولى محمد على حصن الرأس وحصن اللبوة، وكاتب إسماعيل صاحب دمشق أخاه محمداً صاحب بعلبك في إعادتهما، فلم يقبل محمد ذلك، فسار إسماعيل وفتح حصن اللبوة، ثم حصن الرأس، وقرر أمرهما، ثم سار إلى أخيه محمد وحصره ببعلبك وملك المدينة، وحصر القلعة، فسأله محمد في الصلح فأجابه، وأعاد عليه بعلبك وأعمالها. واستقرت أمورهما، وعاد إسماعيل إلى دمشق مؤيداً منصوراً.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
فيها سار شمس الملوك إسماعيل بن توري صاحب دمشق على غفلة من الفرنج إلى حصن بانياس، فملك مدينة بانياس بالسيف، وقتل وأسر من كان بها، وحاصر قلعة بانياس وتسلمها بالأمان.
وفي هذه السنة جمع السلطان مسعود العساكر وانضم إليه ابن أخيه داود بن محمود، وسار السلطان مسعود إلى أخيه طغريل وجرى بينهما قتال شديد، انهزم فيه طغريل، واستولى مسعود على السلطنة، وتبع أخاه طغريل يطرده من موضع إلى موضع، حتى وصل إلى الري. واقتتلا ثانياً فانهزم طغريل أيضاً وأسر جماعة من أمرائه.
وفيها سار الخليفة المسترشد بعساكر بغداد، وحصر الموصل ثلاثة أشهر، وكان عماد الدين زنكي قد خرج من الموصل إلى سنجار، وحصن الموصل بالرجال والذخائر، ثم رحل الخليفة عن الموصل وعاد إلى بغداد ووصل إليها في يوم عرفة، ولم يظفر منها بطائل.
ذكر ملك شمس الملوك إسماعيل مدينة حماة وفي هذه السنة، سار إسماعيل بن توري صاحب دمشق من دمشق في العشر الآخر من رمضان إلى حماة، وهي لعماد الدين زنكي، من حين غدر بسونج بن توري وأخذها منه، حسبما تقدم ذكره في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة فحصرها شمس الملوك إسماعيل، وقاتل من بها يوم عيد الفطر، وعاد ولم يملكها فلما كان الغد، بكر إليهم وزحف من جميع جوانب البلد فملكه عنوة، وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة ولم تكن إذ ذاك حصينة، فإنها حصنت فيما بعد، لأن تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، قطع جبلها وعملها على ما هي عليه الآن، في سنين كثيرة، فلما حصرها شمس الملوك إسماعيل، وعجز النائب بها عن حفظها، فسلمها إليه، فاستولى عليها وعلى ما بها من ذخائر وسلاح، وذلك في شوال من هذه السنة.، لما فرغ شمس الملوك إسماعيل من حماة، سار إلى شيزر وبها صاحبها من بني منقذ، فنهب بلدها وحصر القلعة، فصالحه صاحبها بمال حمله إليه، فعاد عنها وسار إلى دمشق، ووصل إليها في ذي القعدة من هذه السنة.
стр. 449
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة اجتمعت التراكمين وقصدوا طرابلس، فخرج من بها من الفرنج إليهم واقتتلوا، فانهزم الفرنج وسار القومص صاحب طرابلس ومن في صحبته، فانحصروا في حصن بعرين وحصرهم التركمان بها، ثم هرب القومص من الحصن في عشرين فارساً، وخلى بحصن بعرين من يحفظه ثم جمع الفرنج وقصدوا التركمان، ليرحلوهم عن بعرين، فاقتتلوا فانحاز الفرنج إلى نحور فنية وعاد التركمان عنهم.
وفيها اشترى الإسماعلية حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون. وفيها وفي ربيع الآخر، وثب على شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق، بعض مماليك جده طغتكين، فضربه بسيف فلم يعمل فيه، وتكاثر على ذلك الشخص مماليك شمس الملوك فقبضوه، وقرره شمس الملوك فقال ما أردت إلا إراحة المسلمين من شرك وظلمك، ثم أقر على جماعة من شدة الضرب، فقتلهم من غير تحقيق، وقتل شمس الملوك إسماعيل أيضاً مع ذلك الشخص أخاه سونج بن توري، الذي كان بحماة وأسره زنكي، على ما تقدم ذكره في سنة ثلاثة وعشرين وخمسمائة، فعظم ذلك على الناس ونفروا من شمس الملوك إسماعيل المذكور.
وفيها توفي علي بن يعلي بن عوض الهروي، وكان واعظاً، وله بخراسان قبول كثير، وسمع الحديث فأكثر. وفيها توفي أبو فليتة أمير مكة، وولي إمارة مكة بعده أبو القاسم.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
فيها في المحرم سار شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق إلى حصن الشقيق، وكان بيد الضحاك بن جندل، رئيس وادي التيم، قد تغلب عليه وامتنع به، فأخذه شمس الملوك منه، وعظم ذلك على الفرنج، وقصدوا بلد حوران، وجمع شمس الملوك الجموع وناوشهم، ثم أغار على بلادهم من جهة طبرية، ففت ذلك في أعضاد الفرنج؛ ورحلوا عائدين إلى بلادهم، ثم وقعت الهدنة بينهم وبين شمس الملوك.
وفي هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، منها قلعة العقير، قلعة شوش وغيرهما ثم استولى على قلاع الهكارية وكواشي.
وفيها أوقع ابن دانشمند صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل كثيراً منهم. وفيها اصطلح الخليفة المسترشد وعماد الدين زنكي.
ثم دخلت سنة تسمع وعشرين وخمسمائة.
فيها مات السلطان طغريل ابن السلطان محمد، وكان بعد هزيمته من أخيه مسعود، قد استولى على بلاد الجبل فمات في هذه السنة في المحرم، وقيل إن وفاته كانت في أول سنة ثمان وعشرين، وهو الأصح في ظني، وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم أيضاً وكان خيراً عاقلاً، ولما بلغ أخاه مسعوداً خبر وفاته، سار نحو همذان، وأقبلت العساكر جميعاً إليه، واستولى على همذان وطاعته البلاد جميعها.
стр. 450
ذكر قتل إسماعيل صاحب دمشق في هذه السنة في رابع عشر ربيع الآخر، قتل شمس الملوك إسماعيل بن توري بن طغتكين، وكان مولده في سابع جمادى الآخرة، سنة ست وخمسمائة، قتله على غفلة جماعة باتفاق من والدته، وقد اختلف في سببه فقيل إن الناس لفرط جور إسماعيل المذكور، وظلمه ومصادرته، كرهوه وشكوه لأمه، فاتفقت مع من قتله، وقيل بل إن أمه اتهمت بشخص من أصحاب والده يقال له يوسف بن فيروز، فأراد قتل أمه فاتفقت مع من قتله. وسر الناس بقتله، ولما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن توري، وحلف له الناس.
وفيها بعد قتل شمس الملوك، وصل عماد الدين زنكي إلى دمشق، وحصرها وضيق عليها، وقام في حفظ البلد معين الدين أنز مملوك طغتكين، القيام التام الذي تقدم به، واستولى على الأمر بسببه، فلما لم ير زنكي في أخذ دمشق مطمعه اصطلح مع أهلها ورحل عنها عائداً إلى بلاده.
ذكر قتل حسن بن الحافظ لدين الله العلوي قد تقدم في سنة ست وعشرين وخمسمائة أن أباه استوزره، فتغلب حسن المذكور على الأمر واستبد به، وأساء السيرة وأكثر من قتل الأمراء وغيرهم ظلماً وعدواناً، وأكثر من مصادرات الناس، فأراد العسكر الإيقاع به وبأبيه، فعلم أبوه الحافظ ذلك، فسقاه سماً فمات، ولما مات حسن، استوزر الحافظ، تاج الدولة بهرام، وكان نصرانياً فتحكم واستعمل الأرمن على الناس، فكان ما سنذكره.
الحرب بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود
وأسر الخليفة وقتله:
في هذه السنة، كانت الحرب بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود، وسببه أن جماعة من عسكر مسعود فارقوه مغاضبين، واتصلوا بالخليفة المسترشد، وهونوا عليه قتال السلطان مسعود، فاغتر بكلامهم وسار من بغداد إلى قتال السلطان مسعود، وسار مسعود إليه واتقعوا عاشر رمضان من هذه السنة، فصار غالب عسكر الخليفة مع مسعود، وانهزم الباقون، وأخذ الخليفة المسترشد أسيراً ونهب عسكره، وأسروا وبقى المسترشد مع مسعود أسيراً، ثم سار به مسعود من همذان إلى مراغة، في شوال، لقتال ابن أخيه داود بن محمود فنزل على فرسخين من مراغة والمسترشد معه في خيمة منفردة، وكان قد اتفق مسعود مع الخليفة على مال يحمله الخليفة إليه وأن لا يعود يخرج من بغداد، واتفق وصول رسول السلطان سنجر إلى مسعود، فركب مسعود والعساكر لملتقاه، فوثبت الباطنية على المسترشد، وهو في تلك الخيمة فقتلوه ومثلوا به، فجدعوا أنفه وأذنيه، وقتل معه نفر من أصحابه، وكان قتل
стр. 451
المسترشد يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة بظاهر مراغة، وكان عمره لما قتل ثلاثاً وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوماً. وأمه أم ولد، وكان فصيحاً حسن الخط شهماً.
ذكر خلافة الراشد وهو الثلاثون من خلفاء بني العباس
لما قتل المسترشد بالله، بويع ابنه الراشد بالله أبو جعفر المنصور بن المسترشد فضل بن المستظهر أحمد، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته، ثم بعد قتله جددت له بيعة في يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة، من هذه السنة، وكتب مسعود إلى بغداد بذلك، فحضر بيعته أحد وعشرين رجلاً من أولاد الخلفاء.
ذكر قتل دبيس في هذه السنة قتل السلطان مسعود، دبيس بن صدقة على باب سرداقه، بظاهر مدينة خوى، أمر غلاماً أرمنياً بقتله، فوقف على رأس دبيس وهو ينكث في الأرض بإصبعه، فضرب رقبته وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بن دبيس بالجيلة، فلما بلغه الخبر، اجتمع عليه عسكر أبيه، وكثر جمعه، وما أكثر ما يتفق قرب موت المتعاديين فإن دبيساً كان يعادي المسترشد بالله، فاتفق قتل أحدهما عقيب قتل الآخر.
ذكر غير ذلك: في هذه السنة استولى الفرنج على جزيرة جربة، من أعمال إفريقية، وهرب وأسر من كان بها من المسلمين.
وفيها صالح المستنصر بن هود الفرنج على تسليم حصن زوطة من بلاد الأندلس، وسلمه إلى صاحب طليطلة الفرنجي.
ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة.
ذكر ملك شهاب الدين حمص في هذه السنة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، تسلم شهاب الدين محمود بن توري صاحب دمشق مدينة حمص وقلعتها، وسبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير قيرخان بن قراجا، والوالي بها من قبلهم، ضجروا من كثرة تعرض عماد الدين زنكي إليها وإلى أعمالها، فراسلوا شهاب الدين في أن يسلموها إليه، ويعطيهم عوضها تدمر، فأجابهم إلى ذلك وتسلم حمص، وأقطعها المملوك جده معين الدين أنز، وسلم إليهم تدمر. فلما رأى عسكر زنكي بحلب وحماة خروج حمص إلى صاحب دمشق، تابعوا الغارات على بلدها، فأرسل شهاب الدين محمود إلى عماد الدين زنكي في الصلح، فاستقر بينهما، وكف عسكر عماد الدين عن حمص.
стр. 452
ذكر غير ذلك
فيها سارت عساكر عماد الدين زنكي الذين بحلب وحماة، ومقدمهم إسوار نائب زنكي بحلب إلى بلاد الفرنج بنواحي اللاذقية، وأوقعوا بمن هناك من الفرنج، وكسبوا من الجواري والمماليك والأسرى والدواب ما ملأ الشام من الغنائم، وعادوا سالمين.
ذكر خلع الراشد وخلافة المقتفي
وهو حادي ثلاثينهم
كان الراشد قد اتفق مع بعض ملوك الأطراف، مثل عماد الدين زنكي وغيره، على خلاف السلطان مسعود، وطاعة داود بن السلطان محمود، فلما بلغ مسعوداً ذلك، جمع العساكر وسار إلى بغداد، ونزل عليها وحصرها، ووقع في بغداد النهب من العيارين والمفسدين، ودام مسعود محاصرها نيفاً وخمسين يوماً فلم يظفر بهم، فارتحل إلى النهروان.
ثم وصل طرنطي صاحب واسط بسفن كثيرة فعاد مسعود إلى بغداد وعبر إلى غربي دجلة، واختلفت كلمة عساكر بغداد، فعاد الملك داود إلى بلاده أذربيجان في ذي القعدة، وسار الخليفة الراشد من بغداد مع عماد الدين زنكي إلى الموصل، ولما سمع مسعود بمسير الخليفة وزنكي، سار إلى بغداد واستقر بها في منتصف ذي القعدة، وجمع مسعود القضاة وكبراء بغداد، وأجمعوا على خلع الراشد، بسبب أنه كان قد عاهد مسعود على أنه لا يقاتله، ومتى خالف ذلك فقد خلع نفسه، وبسبب أمور ارتكبها، فخلع وحكم بفسقه وخلعه.
وكانت مدة خلافة الراشد أحد عشر شهراً وأحد عشر يوماً، تم استشار السلطان مسعود فيمن يقيمه في الخلافة، فوقع الاتفاق على محمد بن المستظهر فأحضر وأجلس في الميمنة، ودخل إليه السلطان مسعود وتحالفا، ثم خرج السلطان وأحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء وبايعوه، ولقبوه المقتفي لأمر الله، والمقتفي عم الراشد المذكور، وهو والمسترشد أبناء المستظهر، وليا الخلافة، وكذلك السفاح والمنصور أخوان، وكذلك المهدي والرشيد أخوان، وكذلك الواثق والمتوكل، وأما ثلاثة أخوة ولوا الخلافة، فالأمين والمأمون والمعتصم أولاد الرشيد، وكذلك المكتفي والمقتدر والقاهر، والمعتضد والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر.
وأما أربعة إخوة ولوها، فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان، لا يعرف غيرهم. وعمل محضر بخلع الراشد، وأرسل إلى الموصل، وزاد المتقي في إقطاع عماد الدين زنكي وألقابه، وأرسل المحضر، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، وخطب للمقتفي في الموصل في رجب سنة إحدى وثلاثين.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
فيها عزل الحافظ وزيره بهرام النصراني الأرمني، بسبب ما اعتقد من تولية الأرمن على المسلمين وإهانتهم لهم، فأنف من ذلك شخص يسمى رضوان بن الوكحشي، وجمع جمعاً وقصد بهرام، فهرب بهرام إلى الصعيد. ثم عاد وأمسكه الحافظ وحبسه في القصر. ثم إن بهرام المذكور ترهب وأطلقه الحافظ، ولما هرب بهرام، استوزر الحافظ
стр. 453
رضوان المذكور، ولقبه الملك الأفضل، وهو أول وزير للمصريين لقب بالملك. ثم إنه فسد ما بين رضوان والحافظ، فهرب رضوان وجرى له أمور يطول شرحها، آخرها أن الحافظ قتل رضوان المذكور، ولم يستوزر بعده أحداً، وباشر الأمور بنفسه إلى أن مات.
حصر زنكي حمص ورحيله إلى بارين وفتحها في هذه السنة نزل عماد الدين زنكي حمص، وبها صاحبها معين الدين أتز فلم يظفر بها، فرحل عنها في العشرين من شوال إلى بعرين، وحصر قلعتها، وهي للفرنج، وضيق عليها، فجمع الفرنج ملوكهم ورجالهم وساروا إلى زنكي ليرحلوه عن بعرين، فلما وصلوا إليه لقيهم وجرى بينهم قتال شديد، فانهزمت الفرنج، ودخل كثير من ملوكهم لما هربوا إلى حصن بعرين، وعاود عماد الدين زنكي حصار الحصن وضيق عليه، وطلب الفرنج الأمان، فقرر عليهم تسليم حصن بعرين وخمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوا إلى ذلك، فأطلقهم وتسلم الحصن وخمسين ألف دينار.
وكان زنكي في مدة مقامه على حصار بعرين قد فتح المعرة وكفر طاب وأخذهما من الفرنج. وحضر أهل المعرة وطلبوا تسليم أملاكهم التي كان قد أخذها الفرنج، فطلب زنكي منهم كتب أملاكهم، فذكروا أنها عدمت، فكشف من ديوان حلب عن الخراج، وأفرج عن كل ملك كان عليه الخراج لأصحابه.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
ملك عماد الدين زنكي حمص وغيرها في هذه السنة في المحرم، وصل زنكي حماة وسار منها إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل، وكان لصاحب دمشق، وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه، وسار إلى حمص وحصرها. ثم رحل عنها إلى سلمية بسبب نزول الروم على حلب، على ما نذكره. ثم عاد إلى منازلة حمص فسلمت إليه المدينة والقلعة.
وأرسل عماد الدين زنكي وخطب أم شهاب الدين محمود، صاحب دمشق، وتوجها واسمها مردخاتون بنت جاولي، وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك إسماعيل بن توري، وهي التي بنت المدرسة المطلة على وادي الشقرا بظاهر دمشق، وحملت الخاتون إلى عماد الدين في رمضان، وإنما تزوجها طمعاً على الاستيلاء على دمشق، لما رأى من تحكمها، فلما خاب ما أمله ولم يحصل على شيء، أعرض عنها.
وصول ملك الروم إلى الشام وما فعله كان قد خرج ملك الروم متجهزاً من بلاده في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فاشتغل بقتال الأرمن وصاحب أنطاكية وغيره من الفرنج، فلما دخلت هذه السنة، وصل إلى الشام وسار إلى بزاعة وهي على ستة فراسخ من حلب، وحاصرها وملكها بالأمان في الخامس
стр. 454
والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها وأسر وسبى، وتنصر قاضيها، وقدر أربعمائة نفس من أهلها، وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام، ثم رحل عنها بمن معه من الفرنج إلى حلب، ونزل على قويق، وزحف على حلب، وجرى بين أهلها وبينهم قتال كثير، فقتل من الروم بطريق عظيم القدر عندهم، فعادوا خاسرين، وأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى الأثارب وملكوها، وتركوا فيها سبايا بزاعة وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم.
وسار ملك الروم بمجموعة من الأثارب نحو شيزر، فخرج الأمير أسوار نائب زنكي بحلب بمن عنده، وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفكت أسرى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها، ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقاً، وأرسل صاحب شيزر أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر ابن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده، فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم، ويشرفون على الروم وهم محاصرون لشيزر، بحيث يراهم الروم ويرسل السرايا فيأخذون كل ما يظفرون به منهم، وأقام ملك الروم محاصراً شيزر أربعة وعشرون يوماً، ثم رحل عنها من غير أن ينال منها غرضاً، وسار زنكي في أثر الروم، فظفر بكثير ممن تخلف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فأكثروا، فمن ذلك ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي من أبيات:
لعزمك أيها الملك العظيم ... تذل لك الصعاب وتستقيم
ألم تر أن كلب الروم لما ... تبين أنه الملك الرحيم
وقد نزل الزمان على رضاء ... ودان لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بك عن خميس ... تيقن فوت ما أمسى يروم
كأنك في العجاج شهاب نور ... توقد وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجته فولى ... وليس سوى الحمام له حميم
ذكر مقتل الراشد كان الراشد قد سار من بغداد إلى الموصل مع عماد الدين زنكي وخلع كما تقدم ذكره. ثم فارق الراشد زنكي وسار من الموصل إلى مراغة، واتفق الملك داود بن السلطان محمود وملوك تلك الأطراف، على خلاف السلطان مسعود وقتاله، وإعادة الراشد إلى الخلافة، وسار السلطان مسعود إليهم واقتتلوا، فانهزم داود وغيره، واشتغل أصحاب السلطان مسعود بالكسب، وبقي وحده، فعمل عليه أميران يقال لهما بوزايه وعبد الرحمن طغايرك، فانهزم مسعود من بين أيديهما، وقبض بوزايه على جماعة من أمرائه، وعلى صدقة بن دبيس صاحب الحلة، ثم قتلهم أجمعين.
وكان الراشد إذ ذاك بهمذان، فلما كان من الوقعة ما كان سار الملك داود إلى فارس، وتفرقت تلك الجموع وبقي الراشد وحده، فسار إلى أصفهان، فلما
стр. 455
كان الخامس والعشرون من رمضان، وثب عليه نفر من الخرسانية الذين كانوا في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان من أعقاب مرض قد برئ منه، ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان، ولما وصل خبر قتل الراشد إلى بغداد، جلسوا لعزائه يوماً واحداً.
ذكر غير ذلك:
في هذه السنة ملك حسام الدين تمرتاش بن أيلغازي صاحب ماردين، قلعة الهتاخ من ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها وهو آخر من بقي منهم.
وفيها قتل السلطان مسعود البقش، شحنة بغداد.
وفيها جاءت زلزلة عظيمة بالشام والعراق وغيرهما من البلاد فخربت كثيراً هلك تحت الهدم عالم كثير.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه في هذه السنة في المحرم، شار سنجر بجموعه إلى خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وقد تقدم ذكر ابتداء أمر محمد بن أنوش تكين في سنة تسعين وأربعمائة. ووصل سنجر إلى خوارزم، وخرج خوارزم شاه لقتاله، واقتتلوا، فانهزم أطسز خوارزم شاه، واستولى سنجر على خوارزم وأقام بها من يحفظها، وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة، وبعد أن عاد سنجر إلى بلاده، عاد أطسز إلى خوارزم واستولى عليها.
قتل محمود صاحب دمشق في هذه السنة في شوال قتل شهاب الدين محمود بن توري بن طغتكين صاحب دمشق، قتله غيلة على فراشه ثلاثة من خواص غلمانه وأقرب الناس منه، كانوا ينامون عنده، فقتلوه وخرجوا من القلعة وهربوا فنجا أحدهم وأخذ الاثنان وصلبا، واستدعى معين الدين أتز أخاه جمال الدين محمد بن توري، وكان صاحب بعلبك فحضر إلى دمشق وملكها.
ذكر ملك زنكي بعلبك في هذه السنة في ذي القعدة، سار عماد الدين زنكي إلى بعلبك، ووصل إليها في العشرين من ذي الحجة وحصرها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقاً فطلب أهلها الأمان فأمنهم، وسلموا إليه المدينة، واستمر الحصار على القلعة حتى طلبوا الأمان أيضاً فأمنهم وسلموا إليه القلعة، فلما نزلوا منها وملكها، غدر بهم وأمر بهم فصلبوا عن آخرهم، فاستقبح الناس ذلك واستعظموه، وحذره الناس، وكانت بعلبك لمعين الدين أتز، أعطاه إياها جمال الدين محمد لما ملك دمشق، وكان أتز قد تزوج بأم جمال الدين محمد صاحب دمشق، وكان له جارية يحبها، فأخرجها أتز إلى بعلبك. فلما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية المذكورة
стр. 456
وتزوجها في حلب، وبقيت مع زنكي حتى قتل على قلعة جعبر، فأرسلها ابنه نور الدين محمود بن زنكي إلى أتز وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وأتز.
ذكر غير ذلك في هذه السنة توالت الزلازل بالشام، وخربت كثيراً من البلاد لا سيما حلب. فإن أهلها فارقوا بيوتهم، وخرجوا إلى الصحراء. ودامت من رابع صفر إلى تاسع عشر.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
في هذه السنة سار عماد الدين زنكي إلى دمشق وحصرها، وزحف عليها، وبذل لصاحبها جمال الدين محمد بعلبك وحمص، فلم يأمنوا إليه بسبب غدره بأهل بعلبك، وكان نزوله على داريا في ثالث عشر ربيع الأول، واستمر منازلاً لدمشق، فمرض في تلك المدة جمال الدين محمد بن توري صاحب دمشق ومات، في ثامن شعبان.
فطمع زنكي حينئذ في ملك دمشق وزحف إليها واشتد القتال فلم ينل غرضاً. ولما مات جمال الدين محمد، أقام معين الدين أتز في الملك، ولده مجير الدين أتق بن محمد بن توري بن طغتكين، واستمر أتز يدبر الدولة، فلم يظهر لموت جمال الدين محمد أثر.
ثم رحل زنكي ونزل بعذرا من المرج في سادس شوال وأحرق عدة من قرى المرج ورحل عائداً إلى بلاده.
وفي هذه السنة ملك زنكي شهر زور وأخذها من صاحبها قبجق بن ألب أرسلان شاه التركماني، وبقي في طاعة زنكي، ومن جملة عسكره وفيها قتل المقرب جوهر من كبراء عسكر سنجر، وكان قد عظم في الدولة، وكان من جملة إقطاع المقرب المذكور الري. قتله الباطنية، ووقفوا له في زي النساء؛ واستغثن به، فوقف يسمع كلامهم فقتلوه.
وفيها توفي هبة الله بن الحسين بن يوسف المعروف بالبديع الإسطرلابي، وكانت له اليد الطولى في عمل الإسطرلاب والآلات الفلكية، وله شعر جيد؛ وأكثره في الهزل.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة وصل رسول السلطان سنجر ومعه بردة النبي ﷺ والقضيب، وكانا أخذا من المسترشد، فأعادهما الآن إلى المقتفي.
وفي هذه السنة ملك الإسماعيلية حصن مصياف بالشام، وكان واليه مملوكاً لبني منقذ صاحب شيزر فاحتال عليه الإسماعيلية ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن.
وفيها توفي الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان، قتيلاً في فندق بمراكش، وكان فاضلاً في الأدب، وألف عدة كتب منها: قلائد العقيان، ذكر فيه عدة من الفضلاء وأشعارهم، ولقد أجاد فيه.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة في المحرم، وقيل في صفر كان المصاف العظيم بين الترك الكفار من الخطا وبين السلطان سنجر. فإن خوارزم شاه أطسز بن محمد لما هزمه سنجر وقتل ولد أطسز، عظم ذلك عليه، وكاتب الخطا وأطمعهم
стр. 457
في ملك ما وراء النهر فساروا في جمع عظيم، وسار إليهم السلطان سنجر في جمع عظيم، والتقوا بما وراء النهر، فانهزم عسكر سنجر، وقتل منهم خلق عظيم، وأسرت امرأة سنجر، ولما تمت الهزيمة على المسلمين، سار خوارزم شاه أطسز إلى خراسان، ونهب أموال سنجر، ومن بلادها شيئاً كثيراً، واستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة بعث عماد الدين زنكي جيشاً ففتحوا قلعة أشب، وكانت من أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، ولما ملكها زنكي أمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضاً عنها، وكانت العمادية حصنا عظيماً خراباً، فلما عمره عماد الدين زنكي سمي العمادية نسبه إليه.
وفيها سارت الفرنج في البحر من صقلية إلى طرابلس الغرب، فحصروها ثم عادوا عنها. وفيها توفي محمد بن الدانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده الملك مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب قونية.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة في هذه السنة كان الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين زنكي. وفيها سار زنكي بعساكره إلى ديار بكر، ففتح منها طنزة واستعرد، وحيزان وحصن الروق، وحصن قطليس وحصن باتاسا وحصن ذي القرنين، وأخذ من بلد ماردين مما هو بيد الفرنج، جملين والموزر وتل موزر من حصون شنحتان.
وفيها سار السلطان سنجر بعسكره إلى خوارزم، وحصر أطسز بها، فبذل خوارزم شاه أطسز الطاعة، فأجابه سنجر إلى ذلك واصطلحا، وعاد سنجر إلى مرو.
وفيها ملك زنكي عانة من أعمال الفرات.
وفيها قتل داود ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، قتله جماعة اغتالوه ولم يعرفوا.
وفيها توفي أبو القاسم محمود بن عمر النحوي الزمخشري، ولد في رجب سنة سبع وستين وأربعمائة. وهو من زمخشر، قرية من قرى خوارزم. كان إماماً في العلوم، صنف المفصل في النحو والكشاف في التفسير، وجهر القول فيه بالاعتزال، وافتتحه بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن منجماً. ثم أصلحه أصحابه فكتبوا: الحمد لله الذي أنزل القرآن. وله غير ذلك من المصنفات، فمنها: كتاب الفائق في غريب الحديث. وقدم الزمخشري بغداد وناظر بها، ثم حج وجاور بمكة سينين كثيرة، فسمي لذلك جار الله. وكان حنفي الفروع، معتزلي الأصول، وللزمخشري نظم حسن، فمنه من جملة أبيات:
فإنا اقتصرنا بالذين تضايقت ... عيونهم والله يجزي من اقتصر
مليح ولكن عنده كل جفوة ... ولم أر في الدنيا صفاءً بلا كدر
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصوراً:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
стр. 458
فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في هذه السنة فتح عماد الدين زنكي الرها من الفرنج بالسيف بعد حصار ثمانية وعشرين يوماً. ثم تسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات، وأما البيرة فنزل علمها وحاصرها، ثم رحل عنها بسبب قتل نائبه بالموصل وهو نصير الدين جقر. وسبب قتله: أنه كان عند زنكي، ألب أرسلان ابن السلطان محمود بن محمد السنجوقي، وكان زنكي يقول: إن البلاد التي بيدي إنما هي لهذا الملك. ألب أرسلان المذكور، وأنا أتابكه، ولهذا أسمى أتابك زنكي، وكان ألب أرسلان المذكور بالموصل، وجقر يقوم بوظائف خدمته، فحسن بعض المناحيس لألب أرسلان المذكور قتل جقر وأخذ البلاد من عماد الدين زنكي، فلما دخل جقر إلى ألب أرسلان على عادته، وثب عليه من عند ألب أرسلان فقتلوه، فاجتمعت كبراء دولة زنكي وأمسكوا ألب أرسلان ولم يطعه أحد. ولما بلغ زنكي ذلك وهو محاصر للبيرة، عظم عليه قتل جقر، وخشي من الفتن، فرحل عن البيرة لذلك.
وخشي الفرنج الذين بها من معاودة الحصار، وعلموا بضعفهم عن عماد الدين فراسلوا نجم الدين صاحب ماردين وسلموا البيرة إليه وصارت للمسلمين.
وفيها خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل إفريقية، وملكوا مدينة برسك، وقتلوا أهلها، وسبوا الحريم.
وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب، وولي بعده أخوه إسحاق ابن علي، وضعف أمر الملثمين وقوي عبد المؤمن، وقد تقدم ذكر ذلك في سنة أربع عشرة وخمسمائة.
ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة. فيها هرب علي بن دبيس بن صدقة من السلطان مسعود، وكان قد أراد حبسه في قلعة تكريت، فهرب إلى الحلة واستولى عليهما، وكثر جمعه وقويت شوكته.
وفيها اعتقل الخليفة المقتفي أخاه أبا طالب، وضيق عليه، وكذلك احتاط على غيره من أقاربه.
وفيها ملك الفرنج شنترين وتاجر وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس.
وفيهما توفي مجاهد الدين بهروز، وحكم في العراق نيفاً وثلاثين سنة وكان بهروز خصياً أبيض.
وفيها توفي الشيخ أبو منصور، مرهوب بن أحمد الجواليقي اللغوي ومولده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، أخذ اللغة عن أبي زكريا التبريزي، وكان يؤم بالخليفة المقتفي، وكان طويل الصمت كثير التحقيق، لا يقول الشيء إلا بعد فكر كثير. وكان يقول إذا سئل لا أدري، وأخذ العلم عنه جماعة منهم تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، ومحب الدين أبو البقا، وعبد الوهاب بن سكينه.
وفيها توفي أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة، ومن شعره ما أورده في قلائد العقيان:
стр. 459
يا أفتك الناس ألحاظاً وأطيبهم ... ريقاً متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهو الشمس طالعة ... ورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي مجددة ... من خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجهل أني عبد مملكة ... مرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت به ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
ذكر ملك الفرنج طرابلس الغرب
وسبب ملكها أنهم نزلوا عليها وحصروها، فلما كان اليوم الثالث من نزولهم، سمع الفرنج في المدينة ضجة عظيمة، وخلت الأسوار من المقاتلة، وكان سببه أن أهل طرابلس اختلفوا، فأراد طائفة منهم تقديم رجل من الملثمين ليكون أميرهم، وأرادت طائفة أخرى تقديم بني مطروح، فوقعت الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار، فانتهز الفرنج الفرصة، وصعدوا بالسلالم وملكوها بالسيف. في المحرم من هذه السنة، وسفكوا دماء أهلها، وبعد أن استقر الفرنج في ملك طرابلس بذلوا الأمان لمن بقي من أهل طرابلس، وتراجعت إليها الناس وحسن حالها.
حصار عماد الدين زنكي حصني جعبر وفنك
ومقتله:
في هذه السنة سار زنكي ونزل على قلعة جعبر وحصرها، وصاحبها علي بن مالك بن سالم ابن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي. وأرسل عسكراً إلى قلعة فنك، وهي تجاور جزيرة ابن عمر، فحصرها أيضاً وصاحبها حسام الدولة الكردي البشنوي.
ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر، أرسل مع حسام البعلبكي الذي كان صاحب منبج، يقول لصاحب قلعة جعبر: قل لي من يخلصك مني، فقال صاحب قلعة جعبر لحسان: يخلصني منه الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق. وكان بلك محاصراً المنبج، فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمر زنكي منازلاً قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه في خامس في ربيع الآخر من هذه السنة بالليل، وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها على العسكر وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق، وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وخطه الشيب. وكان قد زاد عمره على ستين سنة ودفن بالرقة.
وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها. وكان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق. وكان شجاعاً وكانت الأعداء محيطة بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم، ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود حاضراً عنده، فأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها، وكان صحبة زنكي أيضاً الملك
стр. 460
ألب أرسلان بن محمود ابن السلطان محمد السلجوقي، فركب في يوم قتل زنكي، واجتمعت عليه العساكر، فحسن له بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرقة وأقام بها منعكفاً على ذلك وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي يعلمونه بالحال وهو بشهرزور، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما وصلها قبض عليه غازي بن زنكي وحبسه في قلعة الموصل، واستقر ملك سيف الدين غازي للموصل وغيرها.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة أرسل عبد المؤمن بن علي جيشاً إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام واستولوا عليها.
وفيها بعد قتل عماد الدين زنكي، قصد صاحب دمشق مجير الدين أبق حصن بعلبك وحصره، وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي، مستحفظاً، فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده بالعاجل، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه قطاعاً وملكه عدة قرى من بلاد دمشق، وانتقل أيوب إلى دمشق وسكنها وأقام بها.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في هذه السنة دخل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، ففتح منها مدينة أرتاح بالسف، وحصر مامولة وبصر فوت وكفر لاثا.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
ملك الفرنج المهدية بإفريقية
وحال مملكة بني باديس
كان قد حصل بإفريقية غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، ودام من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى هذه السنة، ففارق الناس القرى ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية. فاغتنم رجار الفرنجي صاحب صقلية هذه الفرصة، وجهز أسطولاً نحو مائتين وخمسين شينياً مملوءة رجالاً وسلاحاً، واسم مقدمهم جرج، وساروا من صقلية إلى جزيرة قوصرة وهي ما بين المهدية وصقلية، وساروا منها وأشرفوا على المهدية ثاني صفر من هذه السنة. وكان في المهدية الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية. فجمع كبراء البلد واستشارهم، فرأوا ضعف حالهم وقلة المؤنة عندهم، فاتفق رأي الأمير حسن ابن علي على إخلاء المهدية، فخرج منها وأخذ معه ما خف حمله، وخرج أهل المهدية على وجوههم بأهليهم وأولادهم، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية.
ثم دخلوا المهدية بعد مضي ثلثي النهار المذكور بغير ممانع ولا مدافع، ولم يكن قد بقي من المسلمين بالمهدية ممن عزم على الخروج أحد، ودخل جرج مقدم الفرنج إلى قصر الأمير حسن بن علي، فوجده على حاله لم يعدم منه إلا ما خف حمله، ووجد فيه جماعة من حظايا الحسن بن علي، ووجد الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة من كل شيء
следующие страницы →