Полный текст (814 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وتزوجها في حلب، وبقيت مع زنكي حتى قتل على قلعة جعبر، فأرسلها ابنه نور الدين محمود بن زنكي إلى أتز وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وأتز.
ذكر غير ذلك في هذه السنة توالت الزلازل بالشام، وخربت كثيراً من البلاد لا سيما حلب. فإن أهلها فارقوا بيوتهم، وخرجوا إلى الصحراء. ودامت من رابع صفر إلى تاسع عشر.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
في هذه السنة سار عماد الدين زنكي إلى دمشق وحصرها، وزحف عليها، وبذل لصاحبها جمال الدين محمد بعلبك وحمص، فلم يأمنوا إليه بسبب غدره بأهل بعلبك، وكان نزوله على داريا في ثالث عشر ربيع الأول، واستمر منازلاً لدمشق، فمرض في تلك المدة جمال الدين محمد بن توري صاحب دمشق ومات، في ثامن شعبان.
فطمع زنكي حينئذ في ملك دمشق وزحف إليها واشتد القتال فلم ينل غرضاً. ولما مات جمال الدين محمد، أقام معين الدين أتز في الملك، ولده مجير الدين أتق بن محمد بن توري بن طغتكين، واستمر أتز يدبر الدولة، فلم يظهر لموت جمال الدين محمد أثر.
ثم رحل زنكي ونزل بعذرا من المرج في سادس شوال وأحرق عدة من قرى المرج ورحل عائداً إلى بلاده.
وفي هذه السنة ملك زنكي شهر زور وأخذها من صاحبها قبجق بن ألب أرسلان شاه التركماني، وبقي في طاعة زنكي، ومن جملة عسكره وفيها قتل المقرب جوهر من كبراء عسكر سنجر، وكان قد عظم في الدولة، وكان من جملة إقطاع المقرب المذكور الري. قتله الباطنية، ووقفوا له في زي النساء؛ واستغثن به، فوقف يسمع كلامهم فقتلوه.
وفيها توفي هبة الله بن الحسين بن يوسف المعروف بالبديع الإسطرلابي، وكانت له اليد الطولى في عمل الإسطرلاب والآلات الفلكية، وله شعر جيد؛ وأكثره في الهزل.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة وصل رسول السلطان سنجر ومعه بردة النبي ﷺ والقضيب، وكانا أخذا من المسترشد، فأعادهما الآن إلى المقتفي.
وفي هذه السنة ملك الإسماعيلية حصن مصياف بالشام، وكان واليه مملوكاً لبني منقذ صاحب شيزر فاحتال عليه الإسماعيلية ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن.
وفيها توفي الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان، قتيلاً في فندق بمراكش، وكان فاضلاً في الأدب، وألف عدة كتب منها: قلائد العقيان، ذكر فيه عدة من الفضلاء وأشعارهم، ولقد أجاد فيه.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة في المحرم، وقيل في صفر كان المصاف العظيم بين الترك الكفار من الخطا وبين السلطان سنجر. فإن خوارزم شاه أطسز بن محمد لما هزمه سنجر وقتل ولد أطسز، عظم ذلك عليه، وكاتب الخطا وأطمعهم
стр. 457
في ملك ما وراء النهر فساروا في جمع عظيم، وسار إليهم السلطان سنجر في جمع عظيم، والتقوا بما وراء النهر، فانهزم عسكر سنجر، وقتل منهم خلق عظيم، وأسرت امرأة سنجر، ولما تمت الهزيمة على المسلمين، سار خوارزم شاه أطسز إلى خراسان، ونهب أموال سنجر، ومن بلادها شيئاً كثيراً، واستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. في هذه السنة بعث عماد الدين زنكي جيشاً ففتحوا قلعة أشب، وكانت من أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، ولما ملكها زنكي أمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضاً عنها، وكانت العمادية حصنا عظيماً خراباً، فلما عمره عماد الدين زنكي سمي العمادية نسبه إليه.
وفيها سارت الفرنج في البحر من صقلية إلى طرابلس الغرب، فحصروها ثم عادوا عنها. وفيها توفي محمد بن الدانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده الملك مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب قونية.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة في هذه السنة كان الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين زنكي. وفيها سار زنكي بعساكره إلى ديار بكر، ففتح منها طنزة واستعرد، وحيزان وحصن الروق، وحصن قطليس وحصن باتاسا وحصن ذي القرنين، وأخذ من بلد ماردين مما هو بيد الفرنج، جملين والموزر وتل موزر من حصون شنحتان.
وفيها سار السلطان سنجر بعسكره إلى خوارزم، وحصر أطسز بها، فبذل خوارزم شاه أطسز الطاعة، فأجابه سنجر إلى ذلك واصطلحا، وعاد سنجر إلى مرو.
وفيها ملك زنكي عانة من أعمال الفرات.
وفيها قتل داود ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، قتله جماعة اغتالوه ولم يعرفوا.
وفيها توفي أبو القاسم محمود بن عمر النحوي الزمخشري، ولد في رجب سنة سبع وستين وأربعمائة. وهو من زمخشر، قرية من قرى خوارزم. كان إماماً في العلوم، صنف المفصل في النحو والكشاف في التفسير، وجهر القول فيه بالاعتزال، وافتتحه بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن منجماً. ثم أصلحه أصحابه فكتبوا: الحمد لله الذي أنزل القرآن. وله غير ذلك من المصنفات، فمنها: كتاب الفائق في غريب الحديث. وقدم الزمخشري بغداد وناظر بها، ثم حج وجاور بمكة سينين كثيرة، فسمي لذلك جار الله. وكان حنفي الفروع، معتزلي الأصول، وللزمخشري نظم حسن، فمنه من جملة أبيات:
فإنا اقتصرنا بالذين تضايقت ... عيونهم والله يجزي من اقتصر
مليح ولكن عنده كل جفوة ... ولم أر في الدنيا صفاءً بلا كدر
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصوراً:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
стр. 458
فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في هذه السنة فتح عماد الدين زنكي الرها من الفرنج بالسيف بعد حصار ثمانية وعشرين يوماً. ثم تسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات، وأما البيرة فنزل علمها وحاصرها، ثم رحل عنها بسبب قتل نائبه بالموصل وهو نصير الدين جقر. وسبب قتله: أنه كان عند زنكي، ألب أرسلان ابن السلطان محمود بن محمد السنجوقي، وكان زنكي يقول: إن البلاد التي بيدي إنما هي لهذا الملك. ألب أرسلان المذكور، وأنا أتابكه، ولهذا أسمى أتابك زنكي، وكان ألب أرسلان المذكور بالموصل، وجقر يقوم بوظائف خدمته، فحسن بعض المناحيس لألب أرسلان المذكور قتل جقر وأخذ البلاد من عماد الدين زنكي، فلما دخل جقر إلى ألب أرسلان على عادته، وثب عليه من عند ألب أرسلان فقتلوه، فاجتمعت كبراء دولة زنكي وأمسكوا ألب أرسلان ولم يطعه أحد. ولما بلغ زنكي ذلك وهو محاصر للبيرة، عظم عليه قتل جقر، وخشي من الفتن، فرحل عن البيرة لذلك.
وخشي الفرنج الذين بها من معاودة الحصار، وعلموا بضعفهم عن عماد الدين فراسلوا نجم الدين صاحب ماردين وسلموا البيرة إليه وصارت للمسلمين.
وفيها خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل إفريقية، وملكوا مدينة برسك، وقتلوا أهلها، وسبوا الحريم.
وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب، وولي بعده أخوه إسحاق ابن علي، وضعف أمر الملثمين وقوي عبد المؤمن، وقد تقدم ذكر ذلك في سنة أربع عشرة وخمسمائة.
ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة. فيها هرب علي بن دبيس بن صدقة من السلطان مسعود، وكان قد أراد حبسه في قلعة تكريت، فهرب إلى الحلة واستولى عليهما، وكثر جمعه وقويت شوكته.
وفيها اعتقل الخليفة المقتفي أخاه أبا طالب، وضيق عليه، وكذلك احتاط على غيره من أقاربه.
وفيها ملك الفرنج شنترين وتاجر وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس.
وفيهما توفي مجاهد الدين بهروز، وحكم في العراق نيفاً وثلاثين سنة وكان بهروز خصياً أبيض.
وفيها توفي الشيخ أبو منصور، مرهوب بن أحمد الجواليقي اللغوي ومولده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، أخذ اللغة عن أبي زكريا التبريزي، وكان يؤم بالخليفة المقتفي، وكان طويل الصمت كثير التحقيق، لا يقول الشيء إلا بعد فكر كثير. وكان يقول إذا سئل لا أدري، وأخذ العلم عنه جماعة منهم تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، ومحب الدين أبو البقا، وعبد الوهاب بن سكينه.
وفيها توفي أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة، ومن شعره ما أورده في قلائد العقيان:
стр. 459
يا أفتك الناس ألحاظاً وأطيبهم ... ريقاً متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهو الشمس طالعة ... ورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي مجددة ... من خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجهل أني عبد مملكة ... مرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت به ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
ذكر ملك الفرنج طرابلس الغرب
وسبب ملكها أنهم نزلوا عليها وحصروها، فلما كان اليوم الثالث من نزولهم، سمع الفرنج في المدينة ضجة عظيمة، وخلت الأسوار من المقاتلة، وكان سببه أن أهل طرابلس اختلفوا، فأراد طائفة منهم تقديم رجل من الملثمين ليكون أميرهم، وأرادت طائفة أخرى تقديم بني مطروح، فوقعت الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار، فانتهز الفرنج الفرصة، وصعدوا بالسلالم وملكوها بالسيف. في المحرم من هذه السنة، وسفكوا دماء أهلها، وبعد أن استقر الفرنج في ملك طرابلس بذلوا الأمان لمن بقي من أهل طرابلس، وتراجعت إليها الناس وحسن حالها.
حصار عماد الدين زنكي حصني جعبر وفنك
ومقتله:
في هذه السنة سار زنكي ونزل على قلعة جعبر وحصرها، وصاحبها علي بن مالك بن سالم ابن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي. وأرسل عسكراً إلى قلعة فنك، وهي تجاور جزيرة ابن عمر، فحصرها أيضاً وصاحبها حسام الدولة الكردي البشنوي.
ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر، أرسل مع حسام البعلبكي الذي كان صاحب منبج، يقول لصاحب قلعة جعبر: قل لي من يخلصك مني، فقال صاحب قلعة جعبر لحسان: يخلصني منه الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق. وكان بلك محاصراً المنبج، فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمر زنكي منازلاً قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه في خامس في ربيع الآخر من هذه السنة بالليل، وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها على العسكر وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق، وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وخطه الشيب. وكان قد زاد عمره على ستين سنة ودفن بالرقة.
وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها. وكان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق. وكان شجاعاً وكانت الأعداء محيطة بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم، ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود حاضراً عنده، فأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها، وكان صحبة زنكي أيضاً الملك
стр. 460
ألب أرسلان بن محمود ابن السلطان محمد السلجوقي، فركب في يوم قتل زنكي، واجتمعت عليه العساكر، فحسن له بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرقة وأقام بها منعكفاً على ذلك وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي يعلمونه بالحال وهو بشهرزور، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما وصلها قبض عليه غازي بن زنكي وحبسه في قلعة الموصل، واستقر ملك سيف الدين غازي للموصل وغيرها.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة أرسل عبد المؤمن بن علي جيشاً إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام واستولوا عليها.
وفيها بعد قتل عماد الدين زنكي، قصد صاحب دمشق مجير الدين أبق حصن بعلبك وحصره، وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي، مستحفظاً، فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده بالعاجل، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه قطاعاً وملكه عدة قرى من بلاد دمشق، وانتقل أيوب إلى دمشق وسكنها وأقام بها.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في هذه السنة دخل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، ففتح منها مدينة أرتاح بالسف، وحصر مامولة وبصر فوت وكفر لاثا.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
ملك الفرنج المهدية بإفريقية
وحال مملكة بني باديس
كان قد حصل بإفريقية غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، ودام من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى هذه السنة، ففارق الناس القرى ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية. فاغتنم رجار الفرنجي صاحب صقلية هذه الفرصة، وجهز أسطولاً نحو مائتين وخمسين شينياً مملوءة رجالاً وسلاحاً، واسم مقدمهم جرج، وساروا من صقلية إلى جزيرة قوصرة وهي ما بين المهدية وصقلية، وساروا منها وأشرفوا على المهدية ثاني صفر من هذه السنة. وكان في المهدية الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية. فجمع كبراء البلد واستشارهم، فرأوا ضعف حالهم وقلة المؤنة عندهم، فاتفق رأي الأمير حسن ابن علي على إخلاء المهدية، فخرج منها وأخذ معه ما خف حمله، وخرج أهل المهدية على وجوههم بأهليهم وأولادهم، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية.
ثم دخلوا المهدية بعد مضي ثلثي النهار المذكور بغير ممانع ولا مدافع، ولم يكن قد بقي من المسلمين بالمهدية ممن عزم على الخروج أحد، ودخل جرج مقدم الفرنج إلى قصر الأمير حسن بن علي، فوجده على حاله لم يعدم منه إلا ما خف حمله، ووجد فيه جماعة من حظايا الحسن بن علي، ووجد الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة من كل شيء
стр. 461
غريب، يقل وجود مثله، وسار الأمير حسن بأهله وأولاده إلى بعض أمراء العرب، ممن كان يحسن إليه وأقام عنده، وأراد الحسن المسير إلى الخليفة العلوي الحافظ صاحب مصر، فلم يقدر على المسير لخوف الطرق، فسار إلى ملك بجاية يحيى بن العزيز من بني حماد، فوكل يحيى المذكور على الحسن وعلى أولاده من يمنعهم من التصرف، ولم يجتمع يحيى بهم، وأنزلهم في جزائر بني مزغنان، وبقي الحسن كذلك حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وأخذها هي وجميع ممالك بني حماد، فحضر الأمير الحسن عنده، فأحسن إليه عبد المؤمن وأكرمه، واستمر على ذلك في خدمة عبد المؤمن إلى أن فتح المهدية، فأقام فيها والياً من جهته وأمره أن يقتدي برأي الأمير حسن ويرجع إلى قوله، وكان عدة من ملك من بني باديس بن مناذ إلى الحسن، تسعة ملوك. وكانت ولايتهم في سنج إحدى وستين وثلاث مائة، وانقضت في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ثم إن جرج بذل الأمان لأهل المهدية وأرسل وراءهم بذلك، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع فتراجعوا إلى المهدية.
حصر الفرنج لدمشق في هذه السنة سار ملك الألمان، والألمان بلادهم وراء القسطنطينية، حتى وصل إلى الشام في جمع عظيم، ونزل على دمشق وحصرها، وصاحبها مجير الدين أتق بن محمد بن توري بن طغتكين. والحكم وتدبير المملكة إنما هو لمعين الدين أتز مملوك جده طغتكين. وفي سادس ربيع الأول زحفوا على مدينة دمشق، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأرسل أتز إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده، فسار بعسكره من الموصل إلى الشام، وسار معه أخوه نور الدين محمود بعسكره، ونزلوا على حمص ففت ذلك في أعضاد الفرنج وأرسل أتز إلى فرنج الشام يبذل لهم تسليم قلعة بانياس، فتخلوا عن ملك الألمان وأشاروا عليه بالرحيل وخوفوه من إمداد المسلمين، فرحل عن دمشق وعاد إلى بلاده، وسلم أتز قلعة بانياس إلى الفرنج حسبما شرطه لهم.
ذكر غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة كان بين نور الدين محمود وبين الفرنج مصاف بأرض يغرى من العمق، فانهزم الفرنج وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة، وأرسل من الأسرى والغنيمة إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل.
وفيها ملك الفرنج من الأندلس مدينة طرطوشة، وجميع قلاعها، وحصون لارده وفيها كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق إلى الشام إلى بلاد المغرب. وفي ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، قتل نور الدولة شاهنشاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين قتله الفرنج
стр. 462
لما كانوا منازلين دمشق، فجرى بينهم وبين المسلمين مصاف، قتل فيه شاهنشاه المذكور، وهو أبو الملك المظفر عمر صاحب حماة، وأبو فرخشاه صاحب بعلبك، وكان شاهنشاه أكبر من صلاح الدين، وكانا شقيقين.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وفاة غازي بن زنكي
في هذه السنة توفي سيف الدين غازي بن عماد الدين، أتابك زنكي صاحب الموصل، بمرض حاد في أواخر جمادى الآخرة، وكانت ولايته ثلاث سنين وشهراً وعشرين يوماً. وكان حسن الصورة، ومولده سنة خمسمائة. وخلف ولدا ذكراً، فرباه عمه نور الدين، وأحسن تربيته. وتوفي المذكور شاباً، وانقرض بموته عقب سيف الدين غازي.
وكان سيف الدين المذكور كريماً، يصنع لعسكره كل يوم طعاماً كثيراً بكرة وعشية، وهو أول من حمل على رأسه السنجق في ركوبه، وأمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبوس تحت ركبهم. فلما فعل ذلك، اقتدى به أصحاب الأطراف، ولما توفي سيف الدين غازي، كان أخره قطب الدين مودود بن زنكي مقيماً بالموصل، فاتفق جمال الدين الوزير، وزين الدين علي أمير الجيش، على تمليكه، فحلفاه وحلفا له، وكذلك باقي العسكر، وأطاعه جميع بلاد أخيه سيف الدين. ولما تملك، تزوج الخاتون ابنة تمرتاش صاحب ماردين، وكان أخوه سيف الدين قد تزوجها، ومات قبل الدخول بها، وهي أم أولاد قطب الدين.
وفاة الحافظ لدين الله العلوي
وولاية الظافر:
وفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر العلوي، صاحب مصر، وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر. وكان عمره نحو سبع وسبعين سنة، ولم يل الخلافة من العلويين المصريين - من أبوه غير خليفة - غير الحافظ والعاضد، على ما سنذكره. ولما توفي الحافظ، بويع بعده ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ عبد المجيد. واستوزر ابن مصال، فبقي أربعين يوماً، وحضر من الإسكندرية العادل بن السلار، وكان قد خرج ابن مصال من القاهرة في طلب بعض المفسدين، فأرسل العادل بن السلار ربيبه عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وكان أبوه أبو الفتوح. قد فارق أخاه علي بن يحيى صاحب إفريقية، وقدم إلى الديار المصرية وتوفي بها، فتزوج العادل بن السلار بزوجة أبي الفتوح المذكور، ومعها ولدها عباس بن أبي الفتوح، فرباه العادل وأحسن تربيته، ولما قدم العادل إلى مصر يريد الاستيلاء على الوزارة، أرسل ربيبه عباساً في عسكر إلى ابن مصال، فظفر به عباس وقتله، وعاد إلى العادل بالقاهرة، فاستقر العادل في الوزارة
стр. 463
وتمكن، ولم يكن للخليفة الظافر معه حكم، وبقي العادل كذلك إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فقتله ربيبه عباس المذكور وتولى الوزارة على ما سنذكره.
ذكر غير ذلك من الحوادث:
وفي هذه السنة حصر نور الدين محمود بن زنكي حصن حارم، فجمع البرنس صاحب أنطاكية الفرنج وسار إلى نور الدين، واقتتلوا، فانتصر نور الدين وقتل البرنس، وانهزم الفرنج، وكثر القتل فيهم، ولما قتل البرنس، ملك بعده ابنه بيمند وهو طفل، وتزوجت أمه برجل آخر، وتسمى بالبرنس. ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى، فهزمهم وقتل فيهم وأسر، وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، فتمكن بيمند في ملك أنطاكية.
وفيها زلزلت الأرض زلزلة شديدة. وفيها توفي معين الدين أنز، صاحب دمشق، وهو الذي كان إليه الحكم فيها، وإليه ينسب قصير معين الدين الذي في الغور.
وفيها تولى أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي، يوم الأربعاء، رابع ربيع الآخر، وكان قبل ذلك صاحب ديوان الزمام. وفيها توفي القاضي ناصح الدين الأرجاني، وأرجان من أعمال تستر، وتولى المذكور قضاء تستر، واسمه أحمد بن محمد بن الحسين، وله الشعر الفائق، فمن ذلك قوله:
ولما بلوت الناس أطلب عندهم ... أخاً ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلعت في حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
تمتعتما يا ناظري بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
وفيها توفي بمراكش، القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، ومولده بها في سنة ست وسبعين وأربعمائة أحد الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين الأدباء، وتكيفه وأشعاره شاهدة بذلك، ومن تصانيفه: الإجمال في شرح كتاب مسلم. ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة في هذه السنة رابع عشر المحرم، أخذت العرب جميع الحجاج بين مكة والمدينة، ذكر أن اسم ذلك المكان الغرابي، فهلك أكثرهم، ولم يصل منهم إلى البلاد إلا القليل. وفيها سار نور الدين محمود بن زنكي إلى أفامية، وحصر قلعتها وتسلمها من الفرنج، وحصنها بالرجال والذخائر، وكان قد اجتمع الفرنج وساروا ليرحلوه عنها، فملكها قبل وصولهم، فلما بلغهم فتحها تفرقوا.
وفيها سار الأذفونش صاحب طليطلة بجموع الفرنج إلى قرطبة وحصرها ثلاث أشهر، ثم رحل عنها ولم يملكها. وفيها مات الأمير علي بن دبيس بن صدقة صاحب الحلة.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة.
стр. 464
هزيمة نور الدين بن جوسلين ثم أسر جوسلين كان جوسلين من أعظم فرسان الفرنج، قد جمع بين الشجاعة وجودة الرأي، وكان نور الدين قد عزم على قصد بلاده، فجمع جوسلين الفرنج، فأكثر، وسار نحو نور الدين، والتقوا، فانهزم المسلمون، وقتل وأسر منهم جمع كثير، وكان من جملة من أسر، السلاح دار، ومعه سلاح نور الدين، فأرسله جوسلين إلى مسعود بن قليج أرسلان، صاحب قونية، وأقسرا، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك، وسآتيك بعده بما هو أعظم منه، فعظم ذلك على نور الدين، وهجر الملاذ، وفكر في أمر جوسلين، وجمع التركمان وبذل لهم الوعود إن ظفروا به، إما بإمساك أو بقتل، فاتفق أن جوسلين طلع إلى الصيد، فكبسه التركمان وأمسكوه، فبذل لهم مالاً فأجابوه إلى إطلاقه، فسار بعض التركمان وأعلم أبا بكر ابن الداية نائب نور الدين بحلب، فأرسل عسكراً كبسوا التركمان الذين عندهم جوسلين، وأحضروه إلى نور الدين أسيراً. وكان أسر جوسلين من أعظم الفتوح، وأصيبت النصرانية كافة بأسره، ولما أسر سار نور الدين إلى بلاد جوسلين وقلاعه، فملكها، وهي تل باشر، وعين تاب، وذلوك، وعزاز، وتل خالد، وقورس، والرواندان، وبرج الرصاص، وحصن الباره، وكفر سود، وكفر لاثا، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك. في مدة يسيرة. وكان نور الدين كلما فتح منه موضعاً حصنه بما يحتاج إليه من الرجال والذخائر.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة من الكامل في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها، وملك جميع ممالك بني حماد، وأخذها من صاحبها يحيى بن العزيز بن حماد، آخر ملوك بني حماد، وكان يحيى المذكور مولعاً بالصيد واللهو، لا ينظر في شيء من أمور مملكته، ولما هزم عبد المؤمن عسكر يحيى، هرب يحيى وتحصن بقلعة قسطنطينية من بلاد بجاية، ثم نزل يحيى إلى عبد المؤمن بالأمان فأمنه، وأرسله إلى بلاد المغرب، وأقام بها، وأجرى عبد المؤمن عليه شيئاً كثيراً. وقد ذكر في تاريخ القيروان: أن مسير عبد المؤمن وملكة تونس وإفريقية إنما كان في سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
وفاة السلطان مسعود
بن محمد بن ملكشاه وملك ملكشاه ومحمد، ابني محمود:
وفي هذه السنة، وقيل في أواخر سنة ست وأربعين، في أول رجب، توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمدان، ومولده سنة اثنتين وخمسمائة، في ذي القعدة، ومات معه سعادة البيت السلجوقي، فلم يقم لهم بعده راية يعتد بها، وكان حسن الأخلاق، كثير المزاح والانبساط مع الناس، كريماً، عفيفاً عن أموال الرعايا.
ولما مات عهد بالملك
стр. 465
إلى ابن أخيه ملكشاه بن محمود، فقعد في السلطنة وخطب له، وكان المتغلب على المملكة أميراً يقال له خاص بك، وأصله صبي تركماني اتصل بخدمة السلطان مسعود، فتقدم على سائر أمرائه، ثم إن خاص بك المذكور، قبض على السلطان ملكشاه بن محمود وسجنه، وأرسل إلى أخيه محمد ابن محمود وهو بخورستان، فأحضره وتولى السلطنة، وجلس على السرير، وكان قصد خاص بك، أن يمسكه ويخطب لنفسه بالسلطنة، فبدره السلطان محمد في ثاني يوم وصوله، فقتل خاص بك وقتل معه زنكي الجاندار، وألقى برأسيهما، فتفرق أصحابهما.
فتح دلوك في هذه السنة جمعت الفرنج وساروا إلى نور الدين، وهو محاصر دلوك، فرحل عنها وقاتلهم أشد قتال الناس، وانهزمت الفرنج، وقتل وأسر كثير منهم، ثم عاد نور الدين إلى دلوك فملكها ومما مدح به في ذلك:
أعدت بعصرك هذا الجديد ... فتوح النبي وأعصارها
وفي تل باشر باشرتهم ... بزحف تسور أسوارها
وإن دالكتهم دلوك فقد ... سددت فصدقت أخبارها
ذكر ابتداء ظهور الملوك الغورية وانقراض دولة آل سبكتكتين: أول من اشتهر من الملوك الغورية، أولاد الحسين. وأولهم محمد بن الحسين، وكان قد صاهر بهرام شاه بن مسعود، صاحب غزنة، من آل سبكتكين، وسار محمد بن الحسين المذكور إلى غزنة، تظهر الطاعة لبهرام شاه، ويبطن الغدر، فأمسكه بهرام شاه وقتله. فتولى بعده في ملك الغورية أخوه سودي بن الحسين، وسار إلى غزنة طالباً بثأر أخيه، وجرى القتال بينه وبين بهرام شاه، فظفر بهرام شاه بسودي وقتله أيضاً، وانهزم عسكره.
ثم ملك بعدهما أخوهما علاء الدين الحسين بن الحسين، وسار إلى غزنة، فانهزم عنها صاحبها بهرام شاه، واستولى علاء الدين الحسين على غزنة، وأقام فيها أخاه سيف الدين سام بن الحسين، وعاد علاء الدين الحسين بن الحسين إلى الغور فكاتب أهل غزنة بهرام شاه، فسار إليهم واقتتل مع سيف الدين الغوري، فانتصر بهرام شاه وظفر بسيف الدين سام فقتله، واستقر بهرام شاه في ملك غزنة. ثم توفي بهرام شاه وملك بعده ابنه خسروشاه، وتجهز علاء الدين الحسين ملك الغورية وسار إلى غزنة، في سنة خمسين وخمسمائة، فلما قرب منها فارقها صاحبها خسروشاه بن بهرام شاه، وسار إلى لهاوور وملك علاء الدين الحسين بن الحسين غزنة ونهبها ثلاثة أيام، وتلقب علاء الدين بالسلطان المعظم، وحمل الجتر على عادة السلاطين السلجوقية.
وأقام الحسين على ذلك مدة، واستعمل على غزنة ابني أخبه، وهما غياث الدين محمد بن سام، وأخوه شهاب الدين محمد بن سام. ثم جرى بينهما وبين عمهما علاء
стр. 466
الدين الحسين حرب، انتصر فيه على عمهما وأسراه، ولما أسراه أطلقاه وأجلساه على التخت، ووقفا في خدمته، واستمر عمهما في السلطنة، وزوج غياث الدين بابنته، وجعله ولي عهده، وبقي كذلك إلى أن مات علاء الدين الحسين بن الحسين، في سنة ست وخمسين وخمسمائة، على ما نذكره.
وملك بعده غياث الدين محمد بن سام بن الحسين، وخطب لنفسه في الغور وغزنة بالملك، ثم استولى الغز على غزنة، وملكوها منه مدة خمس عشرة سنة ثم أرسل غياث الدين أخاه شهاب الدين إلى غزنة، فسار إليها وهزم الغز، وقتل منهم خلقاً كثيراً، واستولى على غزنة وما جاورها من البلاد، مثل كرمان وشنوران وماه السند، وقصد لهاوور، وبها يومئذ خسرو شاه بن بهرام شاه السبكتكيني، فملكها شهاب الدين في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، بعد حصار، وأعطى خسروشاه الأمان، وحلف له، فحضر خسروشاه عند شهاب الدين بن سام المذكور، فأكرمه شهاب الدين، وأقام خسروشاه على ذلك شهرين، ولما بلغ غياث الدين بن سام ذلك، أرسل إلى أخيه شهاب الدين يطلب منه خسروشاه، فأمره شهاب الدين بالتوجه، فقال خسروشاه: أنا ما أعرف أخاك ولا سلمت نفسي إلا إليك، فطيب شهاب الدين خاطره، وأرسله وأرسل أيضاً ابن خسروشاه مع أبيه إلى غياث الدين، وأرسل معهما عسكراً يحفظونهما، فلما وصلوا إلى الغور، لم يجتمع بهما غياث الدين، بل أمر بهما فرفعا إلى بعض. القلاع، وكان آخر العهد بهما، وخسروشاه المذكور هو ابن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وهو آخر ملوك آل سبكتكين.
وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة، وملكوا مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريباً، فيكون انقراض دولتهم في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وقدمنا ذلك لتتصل أخبارهم، وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة، وقيل إن خسروشاه توفي في الملك، وملك بعده ابنه ملكشاه على ما نشير إليه في مواضعه، إن شاء الله تعالى. ولما استقر ملك الغورية بلهاوور، واتسعت مملكتهم وكثرت عساكرهم، كتب غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامة الخطبة له بالسلطنة، وتلقب بألقاب منها: معين الإسلام. قسيم أمير المؤمنين.
ولما استقر ذلك، سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين، واجتمعا وسار إلى خراسان، وقصدا مدينة هراة وحصراها، وتسلمها غياث الدين بالأمان. ثم سار ومعه شهاب الدين في عساكرهما إلى بوشنج، فملكها ثم عاد إلى باذغيس، وكالين، وبيوار، فملكها.
ثم رجع غياث الدين إلى بلدة فيروزكوه، ورجع أخوه شهاب الدين إلى غزنة، ولما استقر شهاب الدين بغزنة، قصد بلاد الهند وفتح مدينة آجر. ثم عاد إلى غزنة، ثم قصد الهند، فذلل صعابها، وتيسر له فتح الكثير من بلادهم ودوخ ملوكهم، وبلغ منهم ما لم يبلغ أحد من ملوك المسلمين، ولما كثر فتوحه في الهند، اجتمعت الهنود مع ملوكهم في خلق كثير، والتقوا مع شهاب الدين، وجرى بينهم قتال عظيم، فانهزم المسلمون وجرح
стр. 467
شهاب الدين، وبقي بين القتلى. ثم اجتمعت عليه أصحابه وحملوه إلى مدينة آجر، واجتمعت عليه عساكره، وأقام شهاب الدين في آجر حتى آتاه المدد من أخيه غياث الدين. ثم اجتمعت الهنود، وتنازل الجمعان، وبينهما نهر، فكبس عساكر المسلمين الهنود، وتمت الهزيمة عليهم، وقتل المسلمون من الهنود ما يفوق الحصر، وقتلت ملكتهم، وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي، وهي من كراسي ممالك الهند، فأرسل أيبك عسكراً مع مقدم يقال له محمد بن بختيار، فملكوا من الهند مواضع ما وصلها مسلم قبله، حتى قاربوا جهة الصين.
ذكر وفاة صاحب ماردين في هذه السنة توفي حسام الدين تمرتاش بن أيلغازي، صاحب ماردين وميافارقين، وكانت ولايته نيفاً وثلاثين سنة، لأنه ولي بعد موت أبيه في سنة ست عشرة وخمسمائة حسبما تقدم ذكره، وتولى بعده ابنه نجم الدين البلي بن تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
ذكر أخبار الغز
وهزيمة السلطان سنجر منهم، وأسره:
في هذه السنة في المحرم، انهزم السلطان سنجر من الأتراك الغز، وهم طائفة من الترك، وكانوا بما وراء النهر، فلما ملكه الخطا، أخرجوهم منه، فقصدوا خراسان، وكانوا كفاراً، وكان من أسلم منهم وخالط المسلمين، يصير ترجماناً بين الفريقين، حتى صار من أسلم منهم قيل عنه إنه صار ترجماناً، ثم قيل تركماناً بالكاف العجمية، وجمع على تراكمين، ثم أسلم الغز جميعهم، فقيل لهم تراكمين، ولما قدموا إلى خراسان أقاموا بنواحي بلخ مدة طويلة، ثم عن للأمير قماج مقطع بلخ، أن يخرجهم من بلاده، فامتنعوا، فسار قماج إليهم في عشرة آلاف فارس، فحضر إليه كبراء الغز، وسألوه أن يكف عنهم ويتركهم في مراعيهم، ويعطوه عن كل بيت مائتي درهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وأصر على إخراجهم أو قتالهم، فاجتمعوا واقتتلوا، فانهزم قماج وتبعه الغز يقتلون ويأسرون، ثم عاثوا في البلاد، فاسترقوا النساء، والأطفال، وخربوا المدارس، وقتلوا الفقهاء، وعملوا كل عظيمة، ووصل قماج إلى السلطان سنجر منهزماً، وأعلمه بالحال، فجمع سنجر عساكره وسار إليهم في مائة ألف فارس، فأرسل الغز يعتذرون إليه مما وقع منهم، وبذلوا له بذلاً كثيراً ليكف عنهم، فلم يجبهم وقصدهم، ووقعت بينهم حرب شديدة، فانهزمت عساكر سنجر، وتبعه الغز يقتلون فيهم ويأسرون، فقتل علاء الدين قماج، وأسر السلطان سنجر، وأسر معه جماعة من الأمراء، فضربوا أعناقهم. وأما سنجر فلما أسروه اجتمع أمراء الغز وأقبلوا الأرض بين يديه وقالوا له: نحن عبيدك لا نخرج عن طاعتك. وبقي معهم كذلك شهرين
стр. 468
أو ثلاث.
ودخلوا معه إلى مرو، وهي كرسي ملك خراسان، فطلبها منه بختيار إقطاعاً، وهو من أكبر أمراء الغز، فقال سنجر: هذه دار الملك ولا يجوز أن تكون إقطاعاً لأحد، فضحكوا منه، وحبق له بختيار بفمه، فلما رأى سنجر ذلك، نزل عن سرير الملك ودخل خانقاه مرو وتاب من الملك، واستولى الغز على البلاد، فنهبوا نيسابور، وقتلوا الكبار والصغار، وقتلوا القضاة والعلماء والصلحاء، الذين بتلك البلاد، فقتل الحسين بن محمد الأرسانيدي، والقاضي علي بن مسعود، والشيخ محي الدين محمد بن يحيى، الفقيه الشافعي، الذي لم يكن في زمانه مثله، وكان رحلة الناس من الشرق والغرب، وغيرهم من الأئمة والفضلاء، ولم يسلم شيء من خراسان من النهب غير هراة، ودهستان، لحصانتهما.
ولما كان من هزيمة سنجر وأسره ما كان، اجتمع عسكره على مملوك لسنجر يقال له أي به، ولقبه المؤيد، واستولى المؤيد على نيسابور، وطوس، ونسا، وأبيورد، وشهرستان، والدامغان، وأزاح الغز عنها، وأحسن السيرة في الناس، وكذلك استولى في السنة المذكورة على الري مملوك لسنجر يقال له إينانج، وهادى الملوك واستقر قدمه وعظم شأنه.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة قتل العادل بن السلار، وزير الظافر العلوي. قتله ربيبه عباس بن أبي الفتوح الصنهاجي، بإشارة أسامة بن منقذ، وكان العادل قد تزوج بأم عباس المذكور، وأحسن تربية عباس، فجازاه بأن قتله وولي مكانه، وكانت الوزارة في مصر لمن غلب. وفيها كان بين عبد المؤمن ملك الغرب، وبين العرب، حرب شديد، انتصر فيها عبد المؤمن. وفيها مات رجار الفرنجي ملك صقلية بالخوانيق، وكان عمره قريب ثمانين سنة، وملكه نحو عشرين سنة، وملك بعده ابنه غليالم.
وفيها في رجب توفي بغزنة بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم السبكتكيني، صاحب غزنة، وقام بالملك بعده ولده نظام الدين خسروشاه، وكانت مدة ملك بهرام شاه نحو ست وثلاثين سنة، وذلك من حين قتل أخاه أرسلان شاه بن مسعود، في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان ابتداء ولايته من حين انهزم أخوه قبل ذلك، في سنة ثمان وخمسمائة حسبما تقدم ذكره، في السنة المذكورة، وكان بهرام شاه حسن السيرة.
وفيها ملك الفرنج مدينة عسقلان، وكانت لخلفاء مصر، والوزراء يجهزون إليها فلما كانت هذه السنة، قتل العادل بن السلار، واختلفت الأهواء في مصر، فتمكن الفرنج من عسقلان وحاصروها وملكوها.
وفيها وصلت مراكب من صقلية، فنهبوا مدينة تنيس بالديار المصرية.
وفيها توفي أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري، وكان إماماً في علم الكلام والفقه، وله عدة مصنفات منها: نهاية الإقدام في علم الكلام، والملل والنحل، والمناهج، وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام.
стр. 469
ودخل بغداد سنة عشر وخمسمائة، وكانت ولادته سنة سبع وستين وأربعمائة بشهرستان. وتوفي بها، وشهرستان اسم لثلاث مدن: الأولى شهرستان خراسان، بين نيسابور وخوارزم، عند أول الرمل المتصل بناحية خوارزم، وهي التي منها محمد الشهرستاني المذكور، وبناها عبد الله بن طاهر أمير خراسان. والثانية شهرستان بأرض فارس. والثالثة مدينة جي بأصفهان، يقال لها شهرستان، وبينها وبين اليهودية مدينة أصفهان نحو ميل، ومعنى هذه الكلمة مدينة الناحية بالعجمي، لأن شهر اسم المدينة راستان الناحية.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
قتل الظافر وولاية ابنه الفائز
في هذه السنة في المحرم، قتل الظافر بالله أبو منصور إسماعيل ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوي، قتله وزيره عباس الصنهاجي، وسببه أنه كان لعباس ولد حسن الصورة، يقال له نصر، فأحبه الظافر وما بقي يفارقه، وكان قد قدم من الشام مؤيد الدولة أسامة بن منقذ الكناني، في وزارة العدل، فحسن لعباس قتل العادل، فقتله وتولى مكانه، ثم حسن لعباس أيضاً قتل الظافر، فإنه قال له: كيف تعبر على ما أسمع من قبيح القول؟ فقال له عباس: ما هو؟ فقال: إن الناس يقولون إن الظافر يفعل بابنك نصر. فأنف عباس، وأمر ابنه نصراً، فدعا الظافر إلى بيته وقتلاه، وقتلا كل من معه، وسلم خادم صغير فحضر إلى القصر وأعلمهم بقتل الظافر، ثم حضر عباس إلى القصر وطلب الاجتماع بالظافر، وطلبه من أهل القصر، فلم يجدوه، فقال: أنتم قد قتلتموه، فأحضر أخوين للظافر يقال لهما يوسف وجبريل، وقتلهما عباس المذكور أيضاً. ثم أحضر الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل ثاني يوم قتل أبوه، وله من العمر ثلاث سنين، فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك، وبايع له الناس، وأخذ عباس من القصر من الأموال والجواهر النفيسة شيئاً كثيراً، ولما فعل عباس ذلك، اختلفت عليه الكلمة، وثارت الجند والسودان، وكان طلائع بن رزيك في منية ابن خصيب، والياً عليها، فأرسل إليه أهل القصر من النساء والخدم يستغيثون به، وكان فيه شهامة، فجمع جمعه وقصد عباساً، فهرب عباس إلى نحو الشام بما معه من الأموال والتحف التي لا يوجد مثلها، ولما كان في أثناء الطريق، خرجت الفرنج على عباس المذكور فقتلوه وأخذوا ما كان معه، وأسروا ابنه نصراً وكان قد استقر طلائع بن رزيك بعد هرب عباس في الوزارة، ولقب الملك الصالح، فأرسل الصالح بن رزيك إلى الفرنج، وبذل لهم مالاً، وأخذ منهم نصر بن عباس وأحضره إلى مصر، وأدخل القصر، فقتل وصلب على باب زويلة، وأما أسامة ابن منقذ فإنه كان مع عباس، فلما قتل عباس هرب أسامة ونجا إلى الشام، ولما استقر أمر الصالح بن رزيك، وقع في الأعيان بالديار المصرية، فأبادهم بالقتل والهروب إلى البلاد البعيدة.
стр. 470
ذكر حصر تكريت في هذه السنة سار المقتفي لأمر الله الخليفة، بعساكر بغداد، وحصر تكريت وأقام عليها عدة مجانيق، ثم رحل عنها ولم يظفر بها.
ملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن توري بن طغتكين، كان الفرنج قد تغلبوا بتلك الناحية بعد ملكهم مدينة عسقلان، حتى أنهم استعرضوا كل مملوك وجارية بدمشق من النصارى، وأطلقوا قهراً كل من أراد منهم الخروج من دمشق واللحوق بوطنه، شاء صاحبه أو أبى، فخشي نور الدين أن يملكوا دمشق، فكاتب أهل دمشق واستمالهم في الباطن، ثم سار إليها وحصرها، ففتح له باب الشرقي فدخل منه، وملك المدينة، وحصر مجير الدين في القلعة، وبذل له إقطاعاً من جملته مدينة حمص، فسلم مجير الدين القلعة إلى نور الدين، وسار إلى حمص، فلم يعطه إياها نور الدين وأعطاه عوضها بالس، فلم يرضها مجير الدين وسار عنها إلى العراق، وأقام ببغداد، وابتنى داراً بقرب النظامية، وسكنها حتى مات بها.
وفي هذه السنة والتي بعدها، ملك نور الدين قلعة تل باشر وأخذها من الفرنج.
ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة في هذه السنة سار الخليفة المقتفي إلى دقوقا فحصرها، وبلغه حركة عسكر الموصل إليه، فرحل عنها ولم يبلغ غرضاً. وفيها هجم الغز تيسابور بالسيف، وقيل كان معهم السلطان سنجر معتقلاً، وله اسم السلطنة ولكن لا يلتفت إليه، وكان إذا قدم إليه الطعام يدخر منه ما يأكله وقتاً آخر، خوفاً من انقطاعه عنه، لتقصيرهم في حقه.
ثم في دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة في هذه السنة ثارت أهل بلاد إفريقية على من بها من الفرنج، فقتلوهم، وسار عسكر عبد المؤمن فملك بونة، وخرجت جميع إفريقية عن حكم الفرنج، ما عدا المهدية وسوسة.
وفيها قبض زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي بن أقسنقر، صاحب الموصل، على الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكان سليمان المذكور قد قدم إلى بغداد، وخطب له بالسلطنة في هذه السنة، وخلع عليه الخليفة المقتفي، وقلده السلطنة على عادتهم، وخرج من بغداد بعسكر الخليفة ليملك به بلاد الجبل، فاقتتل هو وابن عمه السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه، فانهزم سليمان شاه، وسار يريد بغداد على شهرزور، فخرج إليه علي كوجك بعسكر الموصل، فأسره وحبسه بقلعة الموصل، مكرماً، إلى أن كان منه ما نذكره في سنة خمس وخمسين.
стр. 471
ذكر وفاة خوارزم شاه في هذه السنة، تاسع جمادى الآخرة، توفي خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وكان قد أصابه فالج، فاستعمل أدوية شديدة الحرارة، فاشتد مرضه وتوفي، وكانت ولادته في رجب سنة تسعين وأربعمائة، وكان حسن السيرة، ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان بن أطسز.
ذكر وفاة ملك الروم وفي هذه السنة توفي الملك مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، صاحب قونية وغيرها من بلاد الروم، ولما توفي ملك بعده ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان المذكور.
ذكر هرب السلطان سنجر من أسر الغز في هذه السنة في رمضان، هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز. وسار إلى قلعة ترمذ، ثم سار من ترمذ إلى جيحون، ووصل إلى دار ملكه بمرو في رمضان من هذه السنة، فكانت مدة أسره من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة بايع عبد المؤمن لولده محمد بولاية العهد بعده، وكانت ولاية العهد لأبي حفص عمر، وكان من أصحاب ابن تومرت، وهو من أكبر الموحدين، فأجاب إلى خلع نفسه والبيعة لابن عبد المؤمن.
وفيها استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ابنه عبد الله على بجاية وأعمالها، وابنه عمر على تلمسان وأعمالها، وابنه علياً على فارس وأعمالها، وابنه أبا سعيد على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة، وكذلك غيرهم.
وفي هذه السنة سار الملك محمد ابن السلطان محمود السلجوقي، من همذان بعساكر كثيرة إلى بغداد، وحصرها، وجرى بينهم قتال، وحصن الخليفة المقتفي دار الخلافة، واعتد للحصار، واشتد الأمر على أهل بغداد، وبينما الملك محمد على ذلك، إذ وصل إليه الخبر، أن أخاه ملكشاه ابن السلطان محمود، والدكز صاحب بلاد أران، ومعه الملك أرسلان ابن الملك طغريل بن محمد، وكان الدكز مزوجاً بأم أرسلان المذكور، قد دخلوا إلى همذان، فرحل الملك محمد عن بغداد وسار نحوهم، في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنين وخمسين وخمسمائة.
وفيها احترقت بغداد، فاحترق درب فراشا، ودرب الدواب، ودرب اللبان، وخرابة ابن جردة، والظفرية، والخاتونية، ودار الخلافة، وباب الأدج، وسوق
стр. 472
السلطان، وغير ذلك.
وفيها توفي أبو الحسن بن الخل، شيخ الشافعية في بغداد، وهو من أصحاب الشاشي، وجمع بين العلم والعمل.
وتوفي ابن الآمدي الشاعر، وهو من أهل النيل، في طبقة الغزي والأرجاني، وكان عمره قد زاد على تسعين سنة. وفيها قتل مظفر بن حماد، صاحب البطيحة، قتل في الحمام، وتولى بعده ابنه. وفيها توفي الوأواء الحلبي، الشاعر المشهور.
وفيها توفي الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري، بإسفرائين، وكان عالماً بعلوم الفلسفة.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ذكر الزلازل بالشام
وأخبار بني منقذ أصحاب شيزر إلى أن ملك نور الدين شيزر:
في هذه السنة في رجب، كان بالشام زلازل قوية، فخربت بها حماة وشيزر وحمص وحصن الأكراد وطرابلس وأنطاكية، وغيرها من البلاد المجاورة لها، حتى وقعت الأسوار والقلاع، فقام نور الدين محمود بن زنكي في ذلك الوقت، المقام المرضي، من تداركها بالعمارة، وإغارته على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد، هلك تحت الهدم ما لا يحصى، ويكفي أن معلم كتاب كان بمدينة حماة، فارق المكتب، وجاءت الزلزلة، فسقط المكتب على الصبيان جميعهم، قال المعلم: فلم يحضر أحد يسأل عن صبي كان له هناك، ولما خربت قلعة شيزر بهذه الزلزلة، ومات بنو منقذ تحت الردم سار الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي إلى شيزر، وملكها يوم الثلاثاء، ثالث جمادى الأولى، من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، واستولى على كل من فيها لبني منقذ، سلمها إلى مجد الدين أبي بكر ابن الداية، وقد ذكر ابن الأثير، أن شيزر لم تزل لبني منقذ، يتوارثونها من أيام صالح بن مرداس صاحب حلب، وليس الأمر كذلك، فإن صالح المذكور، كانت وفاته في سنة عشرين وأربعمائة، وملك بني منقذ لشيزر، كان في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، فيكون ملكهم لشيزر بعد وفاة صالح بن مرداس بأربع وخمسين سنة، ونحن نورد أخبار بني منقذ محققة حسبما نقلناها من تاريخ مؤيد الدولة سامة ابن مرشد، وكان المذكور أفضل بني منقذ، قال: وفي سنة ثمان وستين وأربعمائة، بدأ جدي سديد الملك أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني بعمارة حصن الجسر، وحصر به حصن شيزر. - أقول ويعرف الجسر المذكور في زماننا بجسر ابن منقذ، وموضع الحصن اليوم تل خال من العمارة، وهو غربي شيزر، على مسافة قريبة منها - رجعنا إلى كلام ابن منقذ قال: وكان في شيزر وال للروم، اسمه دمتري، فلما طالت المضايقة لدمتري المذكور، راسل جدي، هو ومن عنده من الروم، في تسليم حصن شيزر إليه، باقتراحات اقترحوها عليه، منها مال يدفعه إلى دمتري المذكور، ومنها إبقاء أملاك الأسقف الذي بها عليه، فإنه استمر مقيماً تحت يد جدي
стр. 473
حتى مات بشيزر، ومنها أن القنطارية، وهم رجالة الروم، يُسلّفهم ديوانهم لثلاث سنين، فسلم إليهم جدي ما التمسوه، وتسلم حصن شيزر يوم الأحد، في رجب، سنة أربع وسبعين وأربعمائة، واستمر سديد الملك علي بن مقلد المذكور مالكها إلى أن توفي فيها، في سادس المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وتولى بعده ولده أبو المرهف نصر بن علي إلى أن توفي، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتولى بعده أخره أبو العساكر سلطان بن علي إلى أن توفي فيها، وتولى ولده محمد بن سلطان إلى أن مات تحت الردم، هو وثلاثة أولاده بالزلزلة، في هذه السنة المذكورة، أعني سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، في يوم الاثنين ثالث رجب.
انتهى ما نقلناه من تاريخ ابن منقذ، ولنرجع إلى كلام ابن الأثير.
قال: فلما انتهى ملك شيزر إلى نصر بن علي بن نصر بن منقذ، استمر فيها إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فلما حضره الموت، استخلف أخاه مرشد بن علي على حصن شيزر، فقال مرشد: والله لا وليته، ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها، ومرشد هو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فلما امتنع مرشد من الولاية، ولاّها نصر، أخاه الصغير سلطان بن علي، واستمر مرشد مع أخيه سلطان على أجمل صحبة مدة من الزمان، وكان لمرشد عدة أولاد نجباً، ولم يكن لسلطان ولد، ثم جاء لسلطان الأولاد، فخشي على أولاده من أولاد أخيه مرشد، وسعى المفسدون بين مرشد وسلطان، فتغير كل منهما على صاحبه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبياتاً يعتبه، وكان مرشد عالماً بالأدب والشعر، فأجابه مرشد بقصيدة طويلة منها:
شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا
وطاوعت الواشين في وطال ما ... عصيت عذولاً في هواها وواشيا
ومال بها تيه الجمال إلى القلى ... وهيهات أن أمسى لها الدهر قانيا
ومنها:
ولما أتاني من قريظك جوهر ... جمعت المعالي فيه لي والمعانيا
وكنت هجرت الشعر حيناً لأنه ... تولى برغمي حين ولى شبابيا
ومنها:
وقلت أخي يرعى بنيّ وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا
فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي ... وثلم مني صارماً كان ماضيا
تنكرت حتى صار برُّكَ قسوة ... وقربُك منهم جفوةً وتنائيا
على أنني ما حلت عما عهدته ... ولا غيرت هذي السنون وداديا
وكان الأمر بين مرشد وأخيه سلطان فيه تماسك، إلى أن توفي مرشد، سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأظهر سلطان التغير على أولاد أخيه مرشد المذكور، وجاهرهم بالعداوة،
стр. 474
ففارقوا شيزر، وقصد أكثرهم نور الدين محمود بن زنكي، وشكوا إليه من عمهم سلطان، فغاظه ذلك، ولم يمكنه قصده لاشتغاله بجهاد الفرنج، وبقي سلطان كذلك إلى أن توفي، وولي بعده أولاده.
فلما خربت القلعة في هذه السنة بالزلزلة، لم ينج من بني منقذ الذين كانوا بها أحد، فإن صاحبها منهم كان قد ختن ولده، وعمل دعوة للناس، وأحضر جميع بني منقذ في داره، فجاءت الزلزلة، فسقطت الدار والقلعة عليهم، فهلكوا عن آخرهم، وكان لصاحب شيزر بن منقذ المذكور حصان يحبه، ولا يزال على باب داره، فلما جاءت الزلزلة وهلك بنو منقذ تحت الهدم، سلم منهم واحد، وهرب يطلب باب الدار، فلما خرج من الباب رفسه الحصان المذكور فقتله، وتسلم نور الدين القلعة والمدينة.
ذكر وفاة السلطان سنجر في هذه السنة في ربيع الأول، توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن أبى أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أصابه قولنج، ثم إسهال، فمات منه. ومولده بسنجار في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، واستوطن مدينة مرو من خراسان وقدم إلى بغداد مع أخيه السلطان محمد، واجتمع معه بالخليفة المستظهر، فلما مات محمد، خوطب سنجر بالسلطان، واستقام أمره، وأطاعته السلاطين، وخطب له على أكثر منابر الإسلام بالسلطنة، نحو أربعين سنة، وكان قبلها يخاطب بالملك نحو عشرين سنة، ولم يزل أمره عالياً إلى أن أسره الغز، ولما خلص من أسرهم، وكاد أن يعود إليه ملكه، أدركه أجله. وكان مهيباً كريماً، وكانت البلاد في زمانه آمنة، ولما وصل خبر موته إلى بغداد، قطعت خطبته، ولما حضر سنجر الموت، استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغراخان، وهو ابن أخت سنجر، فأقام خائفاً من الغز.
ذكر غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة، استولى أبو سعيد بن عبد المؤمن على غرناطة من الأندلس، وأخذها من الملثمين، وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم غير جزيرة ميورقة. ثم سار أبو سعيد في جزيرة الأندلس، وفتح المرية، وكانت بأيدي الفرنج مدة عشر سنين. وفيها ملك نور الدين بعلبك، وأخذها من إنسان كان قد استولى عليهما من أهل البضع يقال له ضحاك البقاعي، كان قد ولاه صاحب دمشق عليها، فلما ملك نور الدين دمشق، استولى ضحاك المذكور على بعلبك.
وفيها قلع المقتفي الخليفة باب الكعبة، وعمل عوضه باباً مصفحاً بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتاً يدفن فيه.
وفيها مات محمد بن عبد اللطيف بن محمد الخجندي، رئيس أصحاب الشافعي بأصفهان، وكان صدراً مقدماً عند السلاطين.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة فيها قصد
стр. 475
ملكشاه بن السلطان محمود السلجوقي قم وقاشان ونهبهما، وكان أخوه السلطان محمد بن محمود، بعد رحيله عن حصار بغداد، قد مرض، فطال مرضه، فأرسل إلى أخيه ملكشاه أن يكف عن النهب، ويجعله ولي عهده، فلم يقبل ملكشاه ذلك، ثم سار ملكشاه إلى خورشان واستولى عليها، وأخذها من صاحبها شملة التركماني.
وفي هذه السنة توفي يحيى بن سلامة بن الحسن، بميافارقين، الحصكفي الشاعر وكان يتشيع. ومن شعره:
وخليع بتُّ أعذله ... ويرى عذلي من العبث
قلت إن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث
قلت فالأرفاث تتبعها ... قال طيب العيش في الرفث
قلت منها القيء قال أجل ... شرفت عن مخرج الخبث
وسأسلوها، فقلت متى؟ قال عند الكون في الجدث ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
ذكر فتح المهدية
في أواخر هذه السنة، نزل عبد المؤمن على مدينة المهدية، وأخذها من الفرنج يوم عاشورا، سنة خمسين وخمسمائة، وملك جميع إفريقية، وكان قد ملك الفرنج المهدية في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وأخذوها من صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم الصنهاجي، وبقيت في أيديهم إلى هذه السنة، ففتحه عبد المؤمن، فكان ملك الفرنج المهدية اثنتي عشرة سنة تقريباً، ولما ملكها عبد المؤمن، أصلح أحوالها، واستعمل عليها بعض أصحابه، وجعل معه الحسن بن علي الصنهاجي، الذي كان صاحبها، وكان قد سار إلى بني حماد ملوك بجاية، ثم اتصل بعبد المؤمن حسبما تقدم ذكر ذلك، فأقام عنده مكرماً إلى هذه السنة، فأعاده عبد المؤمن إلى المهدية، وأعطاه بها دوراً نفيسة وإقطاعاً، ثم رحل عبد المؤمن عنها إلى الغرب.
ذكر وفاة السلطان محمد وفي هذه السنة، وقيل في سنة خمس وخمسين، توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه. السلجوقي، في ذي الحجة، وهو الذي حاصر بغداد، ولما عاد عنها لحقه سل، وطال به فمات بباب همدان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وخمسمائة، وكان كريماً عاقلاً، وخلف ولداً صغيراً، ولما حضره الموت، سلم ولده إلى أقسنقر الأحمديلي وقال: أنا أعلم أن العساكر لا تطيع مثل هذا الطفل، فهو وديعة عندك، فارحل به إلى بلادك. فرحل به أقسنقر إلى بلدة مرأغا. ولما مات السلطان محمد، اختلفت الأمراء، فطائفة طلبوا ملكشاه أخاه، وطائفة طلبوا سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه بن
стр. 476
ألب أرسلان، الذي كان قد اعتقل في الموصل، وهم الأكثر، ومنهم من طلب أرسلان بن طغريل، الذي كان مع الدكز. وبعد موت محمد سار أخوه ملكشاه إلى أصفهان فملكها.
ذكر مرض نور الدين وفي هذه السنة مرض نور الدين بن زنكي مرضاً شديداً، أرجف بموته، وكان بقلعة حلب، فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي جمعاً وحصر قلعة حلب، وكان شيركوه بحمص، وهو من أكبر أمراء نور الدين، فسار إلى دمشق ليستولي عليها، وبها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر عليه أيوب ذلك وقال: أهلكتنا، والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حياً، خدمته في هذا الوقت، وإن كان قد مات، فإنا في دمشق نفعل ما تريد من ملكها. فعاد شيركوه إلى حلب مجداً، وجلس نور الدين في شباك يراه الناس، فلما رأوه حياً تفرقوا عن أخيه أمير ميران، واستقامت الأحوال ذكر أخبار اليمن من تاريخ اليمن لعمارة وفي هذه السنة استقر في ملك اليمن علي بن مهدي، وأزال ملك بني نجاح، على ما قدمنا ذكره في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وعلي بن مهدي المذكور، من حمير من أهل قرية يقال لها الغبرة، من سواحل زبيد، كان أبوه مهدي المذكور، رجلاً صالحاً، ونشأ ابنه على طريقة أبيه في العزلة والتمسك بالصلاح، ثم حج، واجتمع بالعراقيين، وتضلع من معارفهم، ثم صار علي بن مهدي المذكور واعظاً، وكان فصيحاً صبيحاً حسن الصوت، عالماً بالتفسير، غزير المحفوظات، وكان يتحدث في شيء من أحوال المستقبل، فيصدق، فمالت إليه القلوب، واستفحل أمره، وصار له جموع، فقصد الجبال وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. ثم عاد إلى أملاكه، وكان يقول في وعظه: أيها الناس، دنا الوقت، أزف الأمر، كأنكم بما أقول لكم وقد رأيتموه عياناً. ثم عاد إلى الجبال إلى حصن يقال له الشرف، وهو لبطن من خولان، فأطاعوه وسماهم الأنصار، وسمى كل من صعد معه من تهامة، المهاجرين، وأقام على خولان رجلاً اسمه سبأ، وعلى المهاجرين رجلاً اسمه التويتي، وسمى كلا من الرجلين شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على الطائفتين فلا يخاطبه أحد غيرهما، وهما يوصلان كلامه إلى الطائفتين، وكلام الطائفتين وحوائجهما إليه، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التهايم، حتى أخلى البوادي، وقطع الحرث والقوافل.
ثم إنه حاصر زبيد، واستمر مقيماً عليها حتى قتل فاتك بن محمد، آخر ملوك بني نجاح، قتله عبيدة، وجرى بين ابن مهدي وعبيد فاتك حروب كثيرة، وآخرها أن ابن مهدي انتصر عليهم، وملك زبيد، واستقر في دار الملك يوم الجمعة، رابع عشر رجب من هذه السنة،
стр. 477
أعني سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وبقي ابن مهدي في الملك شهرين وإحدى وعشرين يوماً، ثم مات علي بن مهدي المذكور في السنة التي ملك فيها في شوال، ثم ملك اليمن بعده ولده مهدي بن علي بن مهدي، ولم يقع تاريخ وفاته، ثم ملك اليمن بعده ولده عبد النبي بن مهدي، ثم خرجت المملكة عن عبد النبي المذكور إلى أخيه عبد الله، ثم عادت إلى عبد النبي واستقر فيها حتى سار إليه توران شاه بن أيوب من مصر في سنة تسع وستين وخمسمائة، وفتح اليمن واستقر في ملكه، وأسر عبد النبي المذكور، وهو عبد النبي بن مهدي بن علي بن مهدي الحميري، وهو من ملك اليمن من بني حمير، وكان مذهب علي بن مهدي التكفير بالمعاصي، وقتل من خلف اعتقاده من أهل القبلة واستباحة وطء سباياهم، واسترقاق ذراريهم، وكان حنفي الفروع، وكان أصحابه يعتقدون فيه فوق ما يعتقده الناس في الأنبياء، صلوات الله عليهم، ومن سيرته قتل من شرب ومن سمع الغناء.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
ذكر مسير سليمان شاه إلى همذان
وما كان منه إلى أن قتل
مات محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان، أرسلت الأمراء وطلبوا عمه سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وكان قد اعتقل في الموصل مكرماً، فجهزه قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، بشيء كثير، وجهاز يليق بالسلطنة، وسار معه زين الدين علي كجك بعسكر الموصل إلى همذان، وأقبلت العساكر إليهم، كل يوم تلقاه طائفة، وأميره ثم تسلطت العساكر عليه ولم يبق له حكم، وكان سليمان فيه تهور وخرق، وكان يدمن شرب الخمر، حتى أنه شرب في رمضان نهاراً، وكان يجمع عنده المساخر، ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل العسكر أمره، وصاروا لا يحضرون بابه، وكان قد رد جميع الأمور إلى شرف الدين كردبازو الخادم، وهو من مشايخ الخدم السلجوقية، يرجع الأمور إلى دين وحسن تدبير.
فاتفق يوماً أن سليمان شرب بظاهر همذان بالكشك، فحضر إليه كردياز ولامه، فأمر سليمان من عنده من المساخر فعبثوا بكردبازو، حتى أن بعضهم كشف له سوءته، فاتفق كردبازو مع الأمراء على قبضه، وعمل كردبازو دعوة عظيمة، فلما حضرها الملك سليمان في داره، قبض عليه كردبازو وحبسه، وبقي في الحبس مدة، ثم أرسل إليه كردبازو من خنقه، وقيل سقاه سماً؟، فمات في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وخمسمائة.
ولما مات سار الدكز في عساكر تزيد على عشرين ألفاً، ومعه أرسلان شاه بن طغريل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان، ووصل إلى همذان، فلقيه كردبازو وأنزله في دار المملكة، وخطب لأرسلان شاه بالسلطنة، وكان الدكز مزوجاً بأم أرسلان شاه، فولدت للدكز أولاداً منهم: البهلوان محمد، وقزل أرسلان عثمان، أبناء الدكز.
стр. 478
وبقي الدكز أتابك أرسلان وابنه البهلوان، وهو أخو أرسلان لأمه حاجبه، وكان هذا الدكز أحد مماليك السلطان مسعود، اشتراه في أول أمره، ثم أقطعه آران وبعض بلاد أذربيجان، فعظم شأنه وقوي أمره، ولما خطب لأرسلان شاه بالسلطنة في تلك البلاد، أرسل الدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه بالسلطنة، على عادة الملوك السلجوقية، فلم يجب إلى ذلك، ونحن قد قدمنا ذكر موت سليمان وولاية أرسلان ليتصل ذكر الحادثة، وهي في الكامل مذكورة في موضعين، في سنة خمس وسنة ست وخمسمائة.
ذكر وفاة الفائز وولاية العاضد العلويين في هذه السنة توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر، خليفة مصر، وكانت خلافته ست سنين ونحو شهرين، وكان عمره لما ولي ثلاث سنين، وقيل خمس سنين، ولما مات دخل الصالح بن رزيك القصر، وسأل عمن يصلح، فأحضر له منهم إنسان كبير السن، فقال بعض أصحاب الصالح له سراً: لا يكون عباس أحزم منك. حيث اختار الصغير، فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه، وأمر بإحضار العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان العاضد ذلك الوقت مراهقاً، فبايع له بالخلافة، وزوجه الصالح بابنته، ونقل معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله.
وفاة المقتفي لأمر الله في هذه السنة ثاني ربيع الأرل، توفي الخليفة المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر أبي العباس أحمد، بعلة التراقي، وكان مولده ثاني ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وأمه أم ولد، وكانت خلافته أربعاً وعشرين سنة، وثلاثة أشهر وستة عشر يوماً، وكان حسن السيرة، وهو أول من استبد بالعراق منفرداً عن سلطان يكون معه، وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد، حتى كان لا يفوته منها شيء.
خلافة المستنجد
وهو ثاني ثلاثينهم ولما توفي المقتفي لأمر الله محمد، بويع ابنه يوسف، ولقب المستنجد بالله، وأم المستنجد أم ولد تدعى طاووس، ولما بويع المستنجد بالخلافة، بايعه أهله وأقاربه، فمنهم عمه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي، وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة، وقاضي القضاة وغيرهم.
стр. 479
ذكر وفاة صاحب غزنة في هذه السنة في رجب توفي السلطان خسروشاه بن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمد بن سبكتكين، صاحب غزنة، وكان عادلاً حسن السيرة، وكانت ولايته في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ولما مات ملك بعده ابنه ملكشاه بن خسروشاه، وقيل والده خسروشاه المذكور توفي في حبس غياث الدين الغوري، وأنه آخر ملوك بني سبكتكين حسبما تقدم ذكره، في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، والله أعلم بالصواب.
ذكر وفاة ملكشاه والسلجوقي في هذه السنة توفي السلطان ملكشاه بن محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان، بأصفهان، مسموماً.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة حج أسد الدين شيركوه بن شاذي، مقدم جيش نور الدين محمود بن زنكي.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة في هذه السنة في ربيع الآخر، توفي الملك علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري، ملك الغور، وكان عادلاً حسن السيرة، ولما مات، ملك بعده ابن أخيه غياث الدين محمد، وقد تقدم ذكر ذلك في سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
ذكر نهب نيسابور وتخريبها وعمارة الشاذباخ في هذه السنة تقدم المؤيد أي به بإمساك أعيان نيسابور، لأنهم كانوا رؤساء للحرامية والمفسدين، وأخذ المؤيد يقتل المفسدين، فخربت نيسابور، وكان من جملة ما خرب مسجد عقيل، وكان مجمعاً لأهل العلم، وكان فيه خزائن الكتب الموقوفة، وخرب من مدارس الحنفية سبع عشرة مدرسة، وأحرق ونهب عدة من خزائن الكتب. وأما الشاذباخ، فإن عبد الله بن طاهر بن الحسين بناها لما كان أميراً على خراسان، للمأمون، وسكنها هو والجند، ثم خربت بعد ذلك، ثم جددت في أيام السلطان ألب أرسلان السلجوقي، ثم تشعثت بعد ذلك، فلما كان الآن وخربت نيسابور، أمر المؤيد أمح أي به بإصلاح سور الشاذباخ، وسكنها هو والناس، فخربت نيسابور كل الخراب، ولم يبق بها أحد.
ذكر قتل الصالح بن رزيك في هذه السنة في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك الأرمني، وزير العاضد العلوي، جهزت عليه عمة العاضد من قتله، وهو داخل في القصر، بالسكاكين،
стр. 480
ولم يمت في تلك الساعة، بل حمل إلى بيته، وأرسل يعتب على العاضد. فأرسل العاضد إلى طلائع المذكور يحلف له، أنه لم يرض، ولا علم بذلك، وأمسك العاضد عمته وأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولى ابنه رزيك الوزارة، ولقب العادل، ومات طلائع واستقر ابنه العادل رزيك في الوزارة، وكان للصالح طلائع شعر حسن، فمنه في الفخر:
أبى الله إلا أن يدين لنا الدهر ... ويخدمنا في ملكنا العز والنصر
علمنا بأن المال تفنى ألوفه ... ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر
خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا ... سحاب لديه البرق والرعد والقطر
ذكر ملك عيسى مكة
حرسها الله تعالى:
كان أمير مكة قاسم بن أبي فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسيني، فلما سمع بقرب الحاج من مكة، صادر المجاورين، وأعيان مكة، وأخذ أموالهم، وهرب إلى البرية. فلما وصل الحاج إلى مكة، رتب أمير الحاج، مكان قاسم، عمه عيسى بن قاسم بن أبي هاشم، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسم بن أبي فليتة، جمع العرب وقصد عمه عيسى، فلما قارب مكة، رحل عنها عيسى، فعاد قاسم فملكها، ولم يكن معه ما يرضى به العرب، فكاتبوا عمه عيسى وصاروا معه، فقدم عيسى إليهم، فهرب قاسم وصعد إلى جبل أبى قبيس، فسقط عن فرسه، فأخذه أصحاب عمه عيسى وقتلوه، فغسله عمه عيسى ودفنه بالمعلى عند ابنه أبي فليتة. واستقرت مكة لعيسى.
ذكر غير ذلك في هذه السنة عبر عبد المؤمن بن علي المجاز إلى الأندلس، وبنى على جبل طارق من الأندلس مدينة حصينة، وأقام بها عدة أشهر، ثم عاد إلى مراكش. وفيها ملك قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، قلعة شاتان، وكانت لطائفة من الأكراد، ولما ملكها خربها، وأضاف أعمالها إلى حصن طالب.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة. في هذه السنة، نازل نور الدين محمود بن زنكي قلعة حارم، وهي للفرنج مدة، ثم رحل عنها ولم يملكها.
وفيها سارت الكرج في جمع عظيم ودخلوا بلاد الإسلام، وملكوا مدينة دوين من أعمال أذربيجان، ونهبوها. ثم جمع الدكز صاحب أذربيجان جمعاً عظيماً، وغزا الكرج وانتصر عليهم.
وفيها حج الناس، فوقعت فتنة، وقتال بين صاحب مكة وأمير الحاج، فرحل الحاج ولم يقدر بعضهم على الطواف بعد الوقفة. قال ابن الأثير: وكان ممن حج ولم يطف، جدته أم أبيه، فوصلت إلى بلادها وهي على إحرامها، واستفتت الشيخ أبا القاسم بن البرزي، فأفتى أنها إذا دامت على ما بقي من إحرامها إلى قابل، وطافت، كمل حجها الأول، ثم تفدي وتحل، ثم تحرم إحراماً ثانياً، وتقف بعرفات، وتكمل مناسك الحج، فيصير لها حجة ثانية. فبقيت
стр. 481
على إحرامها إلى قابل، وفعلت كما قال، فتم حجها الأول والثاني.
وفيها مات الكيا الصنهاجي، صاحب الألموت، مقدم الإسماعلية، وقام ابنه مقامه، فأظهر التوبة.
وفيها في المحرم، توفي الشيخ عدي بن مسافر الزاهد، المقيم ببلد الهكارية، من أعمال الموصل، وأصل الشيخ عدي من الشام، من بلد بعلبك، فانتقل إلى الموصل، وتبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي، وأطاعوه وأحسنوا الظن به. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
ذكر وزارة شاور ثم الضرغام في هذه السنة، في صفر، وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي، وكان شاور يخدم الصالح طلائع بن رزيك، فولاه الصعيد، وكانت ولاية الصعيد أكبر المناصب هد الوزارة، ولما خرج الصالح، أوصى ابنه العادل أن لا يغير على شاور شيئاً، لعلمه بقوة شاور، فلما تولى العادل ابن الصالح الوزارة، كتب إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه، وسار نحو العادل إلى القاهرة، فهرب العادل، وطرد وراءه شاور، وأمسكه وقتله، وهو العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، وانقرضت بمقتله دولة بني رزيك، وفيهم يقول عمارة التميمي من أبيات طويلة:
ولت ليالي بني رزيك وانصرمت ... والمدح والشكر فيهم غير منصرم
كأن صالحهم يوماً وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
واستقر شاور في الوزارة، وتلقب بأمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزيك وودائعهم، ثم إن الضرغام، جمع جمعاً ونازع شاور في الوزارة، في شهر رمضان، وقوى على شاور، فانهزم شاور إلى الشام، مستنجداً بنور الدين، ولما تمكن ضرغام في الوزارة، قتل كثيراً من الأمراء المصريين، لتخلو له البلاد، فضعفت الدولة لهذا لسبب، حتى خرجت البلاد من أيديهم.
ذكر وفاة عبد المؤمن
في هذه السنة، في العشرين من جمادى الآخرة، توفي عبد المؤمن بن علي، صاحب بلاد المغرب وإفريقية والأندلس، وكان قد سار من مراكش إلى سلا، فمرض بها ومات، ولما حضره الموت، جمع شيوخ الموحدين وقال لهم: قد جربت ابني محمداً فلم أره يصلح لهذا الأمر، وإنما يصلح له ابني يوسف، فقدموه، فبايعوه، ودعى بأمير المؤمنين، واستقرت قواعد ملكه، وكانت مدة ولاية عبد المؤمن ثلاث وثلاثين سنة وشهوراً. وكان حازماً سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير سفك الدم على الذنب الصغير، وكان يعظم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس بالصلاة بحيث أنه من رآه وقت الصلاة غير مصل قتل، وجمع الناس في المغرب على مذهب مالك في الفروع، وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول.
стр. 482
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، ملك المؤيد أي به قومس، ولما ملكها أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغريل ابن ملكشاه خلعة وألوية، وهدية جليلة، فلبس المؤيد أي به الخلع، وخطب له في بلاده.
وفي هذه السنة كبس الفرنج نور الدين محمود، وهو نازل بعسكره في البقيعة، تحت حصن الأكراد، فلم يشعر نور الدين وعسكره إلا وقد أظلت عليهم صلبان الفرنج، وقصدوا خيمة نور الدين، فلسرعة ذلك ركب نور الدين فرسه وفي رجله السنجة، فنزل إنسان كردي فقطعها، فنجا نور الدين، وقتل الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف، وسار نور الدين إلى بحيرة حمص، فنزل عليها، وتلاحق به من سلم من المسلمين. وفيها أمر الخليفة المستنجد بإخلاء بني أسد، وهم أهل الحلة المزيدية، فقتل منهم جماعة، وهرب الباقون، وتشتتوا في البلاد، وذلك لفسادهم في البلاد، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى رجل يقال له ابن معروف.
وفيها توفي سديد الدولة محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم، المعروف بابن الأنباري، كاتب الإنشاء بدار الخلافة، وكان فاضلاً أديباً، وكان عمره قريب تسعين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة في هذه السنة سير نور الدين محمود بن زنكي، عسكراً، مقدمهم أسد الدين شيركوه بن شاذي، إلى الديار المصرية، ومعهم شاور، وكان قد سار من مصر هارباً من ضرغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده، وبذل له ثلث أموال مصر، بعد رزق جندها، إن أعاده إلى الوزارة، فأرسل نور الدين شيركوه إلى مصر، فوصل إليها وهزم عسكر ضرغام، وقتل ضرغام عند قبر السيدة نفيسة، وأعاد شاور إلى وزارة العاضد العلوي.
وكان مسير أسد الدين في جمادى الأولى من هذه السنة. واستقر شاور في الوزارة، وخرجت إليه الخلع في مستهل رجب من هذه السنة، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار أسد الدين واستولى على بلبيس والشرقية، فأرسل شاور واستنجد بالفرنج، على إخراج أسد الدين شيركوه من البلاد، فسار الفرنج، واجتمع معهم شاور بعسكر مصر، وعمروا شيركوه ببلبيس، ودام الحصار مدة ثلاث أشهر، وبلغ الفرنج حركة نور الدين وأخذه حارم، فراسلوا شيركوه في الصلح، وفتحوا له، فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر، وسار بهم ووصلوا إلى الشام سالمين.
وفي هذه السنة في رمضان، فتح نور الدين محمود قلعة حارم، وأخذها من الفرنج، بعد مصاف جرى بين نور الدين والفرنج، انتصر فيه نور الدين، وقتل وأسر من الفرنج عالماً كثيراً، وكان في جملة الأسرى البرنس، صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، وغنم منهم المسلمون شيئاً كثيراً.
وفي هذه السنة أيضاً في ذي الحجة، سار نور الدين إلى بانياس وفتحها، وكان بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى هذه السنة.
في هذه السنة توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي
стр. 483
منصور لأصفهاني، وزير قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، في شعبان، مبوضاً عليه، وكان قد قبض عليه قطب الدين، في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكان قد تعاهد جمال الدين المذكور، وأسد الدين شيركوه، أنهما من مات منهما قبل الآخر، ينقله الآخر إلى مدينة الرسول، ﷺ ، فيدفنه فيها، فنقله شيركوه، واكترى له من يقرأ القرآن عند شيله وحطه، وكان ينادي في كل بلد ينزلونه بها بالصلاة عليه، ولما أرادوا الصلاة عليه بالحلة، صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد:
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه، وبالنادي فتثني أرامله
وطيف به حول الكعبة، ودفن في رباط بالمدينة بناه لنفسه، وبينه وبين قبر النبي، ﷺ ، نحو خمسة عشر ذراعاً، وهذا جمال الدين، هو الذي جدد مسجد الخيف بمنى، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة، وغرم جملة طائلة لصاحب مكة، وللمقتفي، حتى مكنه من ذلك، وهو الذي بنى المسجد الذي على جبل عرفات، وعمل الدرج إليه، وعمل بعرفات مصانع الماء، وبنى سوراً على مدينة النبي، ﷺ ، وبنى على دجلة جسراً، عند جزيرة ابن عمر، بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلس، فقبض قبل أن يفرغ، وبنى الربط وغيرها.
وفي هذه السنة توفي نصر بن خلف، ملك سجستان، وعمره أكثر من مائة سنة، ومدة ملكه ثمانون سنة، وملك بعده ابنه أبو الفتح أحمد بن نصر.
وفيها توفي الإمام عمر الخوارزمي، خطيب بلخ، ومفتيها، والقاضي أبو بكر المحمودي صاحب التصانيف والأشعار، وله مقامات بالفارسية على نمط مقامات الحريري.
ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار بن قارن، وملك بعده ابنه علاء الدين الحسن، وفيها ملك المؤيد أي به مدينة هراة.
وفيها كان بين قليج أرسلان صاحب قونية، وما جاورها من بلاد الروم، وبين باغي أرسلان بن الدانشمند صاحب ملطية، وما يجاورها من بلاد الروم، حروب شديدة، انهزم فيها قليج أرسلان، واتفق موت باغي أرسلان صاحب ملطية في تلك المدة، وملك بعده ملطية ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن الدانشمند، واستولى ذو النون بن محمد بن الدانشمند على قيساربة، وملك شاهان شاه بن مسعود أخو قليج أرسلان مدينة أنكورية، واصطلح المذكورون على ذلك، واستقرت بينهم القواعد واتفقوا.
وفيها توفي عون الدين الوزير ابن هبيرة، واسمه يحيى بن محمد بن المظفر، وكان موته في جمادى الأولى، ومولده سنة سبعين وأربعمائة، ودفن بالمدرسة التي بناها الحنابلة، بباب البصرة، وكان حنبلي المذهب، وأنفق على المقتفي نفاقاً عظيماً، حتى أن المقتفي كان يقول: لم يتوزر لبني العباس مثله، ولما مات قبض على أولاده وأهله.
وفيها توفي الشيخ الأمام أبو القاسم عمر بن عكرمة بن البرزي،
стр. 484
الفقيه الشافعي، تفقه على الكيا الهراسي، وكان أوحد زمانه في الفقه، وهو من جزيرة ابن عمر.
وفيها توفي أبو الحسن هبة الله بن صاعد بن هبة الله، المعروف بأمين الدولة ابن التلميذ، وقد ناهز المائة من عمره، وكان طبيب دار الخلافة ببغداد، ومحظياً عند المقتفي، وكان حاذقاً، فاضلاً، ظريف الشخص، عالي الهمة، مصيب الفكر، شيخ النصارى، وقسيسهم، وكان له في الأدب يد طولي، وكان متفنناً في العلوم، وكان فضلاء عصره يتعجبون كيف حرم الإسلام مع كمال فهمه، وغزارة علمه، والله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يريد بحكمه.
وكان أوحد الزمان، أبو البركات، هبة الله بن ملكان الحكيم، المشهور، صاحب كتاب المعتبر في الحكمة، معاصراً لابن التلميذ المذكور، وكان بينهما تنافس، كما يقع كثير بين أهل كل فضيلة وصنعة، وكان أبو البركات المذكور يهودياً، ثم أسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام وتداوى وبرئ منه، وذهب بصره، وبقي أعمى، وكان متكبراً، وكان ابن التلميذ متواضعاً، فعمل ابن التلميذ في أبي البركات المذكور:
لنا صديق يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
ولابن التلميذ أيضاً:
يا من رماني عن قوس فرقته ... بسهم هجر على تلافيه
أرض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه
وله التصانيف الحسنة منها كتاب، اقرأ باذين، وله على كليات القانون حواشي، وكتاب اقرأ باذين ابن التلميذ المذكور، هو المعتمد عليه عند الأطباء، كان شيخه في الطب، أبا الحسن هبة الله بن سعيد، صاحب المغني في الطب، ولابن سعيد المذكور أيضاً، الإقناع في الطب، وهو كتاب جيد في أربعة أجزاء.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة. في هذه السنة، فتح نور الدين محمود حصن المنطرة من الشمام، وكان بيد الفرنج. وفيها في ربيع الآخر توفي الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وكنيته أبو محمد، وكان مقيماً ببغداد، ومولده سنة سبعين وأربعمائة. قال ابن الأثير: كان من الصلاح على حال عظيم، وهو حنبلي المذهب، ومدرسته ورباطه مشهوران ببغداد.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة، في هذه السنة عاد أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية، وجهزه نور الدين بعسكر جيد، عدتهم ألفا فارس، فوصل إلى ديار مصر واستولى على الجيزة، وأرسل شاور إلى الفرنج واستنجدهم، وجمعهم وساروا في أثر شيركوه إلى جهة الصعيد، والتقوا على بلد يقال له أيوان، فانهزم الفرنج والمصريون، واستولى شيركوه على بلاد الجيزة، واستغلها. ثم سار إلى الإسكندرية وملكها، وجعل فيها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد شيركوه إلى جهة الصعيد فاجتمع عسكر مصر والفرنج، وحصروا صلاح الدين بالإسكندرية مدة ثلاث أشهر، فسار شيركوه إليهم، فاتفقوا
стр. 485
على الصلح، على مال يحملونه إلى شيركوه، ويسلم إليهم الإسكندرية، ويعود إلى الشام، فتسلم المصريون الإسكندرية في منتصف شوال من هذه السنة، وسار شيركوه إلى الشام، فوصل إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة، واستقر الصلح بين الفرنج والمصريين، على أن يكون للفرنج بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار.
وفي هذه السنة، فتح نور الدين صافيتا والغربية. وفيها عصا غازي بن حسان صاحب منبج، على نور الدين بمنبج، فسير إليه نور الدين عسكراً وأخذوا منه منبج، ثم أقطع نور الدين منبج، قطب الدين ينال بن حسان، أخا غازي المذكور، فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وفيها توفي فخر الدين قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا، وملك بعده ولده نور الدين محمود بن قرا أرسلان بن داود. وفيها توفي عبد الكريم أبو سعيد بن محمد بن منصور بن أبو بكر المظفر السمعاني المروزي، الفقيه الشافعي، وكان مكثراً من سماع الحديث، سافر في طلبه إلى ما وراء النهر، وسمع منه ما لم يسمعه غيره، وله التصانيف المشهورة الحسنة، منها: ذيل تاريخ بغداد، وتاريخ مدينة مرو، وكتاب الأنساب، في ثمان مجلدات. وقد اختصر كتاب الأنساب المذكور، الشيخ عز الدين علي بن الأثير، في ثلاث مجلدات، والمختصر المذكور، هو الموجود في أيدي الناس، والأصل قليل الوجود، وله غير ذلك، وقد جمع مشيخته، فزادت عدتهم على أربعة آلاف شيخ، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي، فأوقع فيه، فمن جملة قوله فيه: أنه كان يأخذ الشيخ ببغداد، ويعبر به إلى فوق نهر عيسى، ويقول حدثني فلان بما وراء النهر، هذا بارد جداً، لأن السمعاني المذكور، سافر إلى ما وراء النهر حقاً، فأي حاجة إلى هذا التدليس، وإنما ذنبه عند ابن الجوزي، أنه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ابن الجوزي، لم يبق على أحد غير الحنابلة، وكانت ولادة أبي سعيد السمعاني المذكور، في شعبان سنة ست وخمسمائة، وكان أبوه وجده فاضلين، والسمعاني منسوب إلى سمعان، وهو بطن من تميم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة في هذه السنة فارق زين الدين علي كجك بن بكتكين، نائب قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، خدمه قطب الدين، واستقر بإربل، وكانت في إقطاع زين الدين علي المذكور وكانت له إربل مع غيرها، فاقتصر على إربل وسكنها، وسلم ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود، وكان زين الدين علي المذكور، قد عمي وطرش.
ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة.
ذكر ملك نور الدين قلعة جعبر
في هذه السنة ملك نور الدين محمود قلعه جعبر، وأخذها من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه، ولم يقدر نور الدين على أخذها، إلا بعد أن أسر صاحبها مالك
стр. 486
المذكور بنو كلاب، وأحضروه إلى نور الدين محمود، واجتهد به على تسليمها فلم يفعل، فأرسل عسكراً مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي الزعفراني، وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر، المعروف بابن الداية، وكان رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر، فلم يظفروا منها بشيء، وما زالوا على صاحبها مالك حتى سلمها، وأخذ عنها عوضاً مدينة بأعمالها، والملوحة، من بلد حلب، وعشرين ألف دينار، معجلة، وباب بزاعة.
ذكر ملك أسد الدين شيركوه مصر
وقتل شاور
ثم ملك صلاح الدين، وهو ابتداء الدولة الأيوبية. في هذه السنة أعني سنة أربع وستين وخمسمائة، في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى دار مصر، ومعه العساكر النورية، وسبب ذلك تمكن الفرنج من البلاد المصرية، وتحكمهم على المسلمين بها، حتى ملكوا بلبيس قهراً في مستهل صفر من هذه السنة، ونهبوها وقتلوا أهلها وأسروهم، ثم ساروا من بلبيس، ونزلوا على القاهرة، عاشر صفر وحاصروها، فأحرق شاور مدينة مصر، خوفاً من أن يملكها الفرنج، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوماً، فأرسل العاضد الخليفة إلى نور الدين يستغيث به، وأرسل في الكتب شعور النساء، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار، يحملها إليهم، فحمل إليهم مائة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة، ليقدر على جمع المال وحمله، فرحلوا، فجهز نور الدين العسكر مع شيركوه، وأنفق فيهم المال، وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار، سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك، وأرسل معه عدة أمراء، منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه، أحب نور الدين مسير صلاح الدين، وفيه ذهاب الملك من بيته، وكره صلاح الدين المسير، وفيه سعادته وملكه " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم " البقرة ٢١٦، ولما قارب شيركوه مصر رحل الفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا لمصر فتحاً جديداً، ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة، في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد، وخلع عليه، وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه، وعلى عسكره الإقامات الوافرة، وشرع شاور يماطل شيركوه، فيما بذله لنور الدين من تقرير المال، وإفراد ثلث البلاد له، ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه، ويعده ويمنيه " وما يعدهم الشيطان إلا غروراً " النساء ١٢٥، ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه، ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل ابن شاور من ذلك، ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك، عزموا على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف، وعز الدين جرديك، وغيرهما. وعرفوا شيركوه بذلك، فنهاهم عنه واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي، فلقي صلاح الدين وجرديق
стр. 487
شاور، وأعلماه برواح شيركوه إلى زيارة الشافعي، فساروا جميعاً إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك ومن معهما على شاور، وألقوه إلى الأرض عن فرسه، وأمسكوه في سابع ربيع الآخر من هذه السنة، أعني سنة أربع وستين وخمسمائة، فهرب أصحابه عنه، وأرسلوا أعلموا شيركوه بما فعلوه، فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ذلك.
وسمع العاضد الخبر، فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله وأرسل رأسه إلى العاضد، دخل بعد ذلك شيركوه إلى القصر عند العاضد، فخلع عليه العاضد خلع الوزارة، ولقبه الملك المنصور، أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها شاور، واستقر في الأمر، وكتب له منشور بالإنشاء الفاضلي، أوله بعد البسملة: من عبد الله ووليه أبي محمد، الإمام العاضد لدين الله، أمير المؤمنين، إلى السيد الأجل الملك المنصور، سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة، أسد الدين أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته. سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين، سلم تسليماً. ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه، ووصايا أضربنا عنها للاختصار، وكتب العاضد بخطه على طرة المنشور، هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلاً لحملها، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار، بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبرة، مدحت الشعراء أسد الدين، ووصل إليه من الشام مديح لعماد الكاتب، قصيدة أولها:
بالجد أدركت ما أدركت لا اللعب ... كم راحة جنيت من دوحة التعب
يا شيركوه بن شاذي الملك دعوة من ... نادي فعرف خير ابن لخير أب
جرى الملوك وما حازوا بركضهم ... من المدى في العلى ما حزت بالخبب
تمل من ملك مصر رتبة قصرت ... عنها الملوك فطالت سائر الرتب
قد أمكنت أسد الدين الفريسة من ... فتح البلاد فبادر نحوها وثب
وفي شيركوه وقتل شاور يقول عرقلة الدمشقي:
لقد فاز بالملك العقيم خليفة ... له شيركوه العاضدي وزير
هو الأسد الضاري الذي جل خطبه ... وشاور كلب للرجال عقور
بغى وطغى حتى لقد قال صحبه ... على مثلها كان اللعين يدور
فلا رحم الرحمن تربة قبره ... ولا زال فيها منكر ونكير
وأما الكامل بن شاور، فلما قتل أبوه دخل القصر، فكان آخر العهد به، ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع، أتاه أجله " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " الأنعام: ١٤٤، وتوفي يوم
стр. 488
السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وستين وخمسمائة. فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام، وكان شيركوه وأيوب ابني شاذي من بلد دوين، قال ابن الأثير: وأصلهما من الأكراد الروادية، فقصدا العراق وخدما بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه، فجعله بهروز مستحفظاً لقلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة، ومر على تكريت، خدمه أيوب وشيركوه، ثم، إن شيركوه قتل إنساناً بتكريت، فأخرجهما بهروز من تكريت، فلحقا بخدمة عماد الدين زنكي، فأحسن إليهما وأعطاهما إقطاعات جليلة، ولما ملك عماد الدين زنكي قلعة بعلبك، جعل أيوب مستحفظاً لها، ولما حاصره عسكر دمشق بعد موت زنكي، سلمها أيوب إليهم، على إقطاع كبير شرطوه له، وبقي أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بعد قتل أبيه زنكي، وأقطعه نور الدين حمص والرحبة، لما رأى من شجاعته، وزاده عليهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق، أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب، فساعد أيوب نور الدين على ملك دمشق، وبقيا مع نور الدين إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها، وتوفي فيها في هذه السنة، على ما ذكرناه ولما توفي شيركوه، كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب ابن شاذي، وكان قد سار معه على كره قال صلاح الدين: أمرني نور الدين بالمسير مع عمي شيركوه، وكان قد قال شيركوه بحضرته لي: تجهز يا يوسف للمسير، فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبداً، فقال لنور الدين لا بد من مسيره معي فأمرني نور الدين وأنا أستقيل. فقال نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك. فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به، فكأنما أنساق إلى الموت، فلما مات شيركوه، طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر، وولاية الوزارة العاضدية، منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال المنبجي، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، فأرسل العاضد، أحضر صلاح الدين وولاه الوزارة، ولقبه بالملك الناصر، فلم تطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين، الفقيه عيسى الهكاري، فسعى مع المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحارمي، وقال: هذا ابن أختك، وعزة وملكه لك، فمال إليه أيضاً، ثم فعل بالباقين كذلك، فكلهم أطاع، غير عين الدولة الياروقي، فإنه قال: أنا لا أخدم يوسف، وعاد إلى نور الدين بالشام.
وثبت قدم صلاح الدين، على أنه نائب لنور الدين، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الأسفهسلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب، تعظيماً عن أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب، بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية، يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور
стр. 489
الدين، أباه أيوب وأهله، فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الإقطاعات بمصر، وتمكن من البلاد، وضعف أمر العاضد، ولما فوض الأمر إلى صلاح الدين، تاب عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص لباس الجد، ودام على ذلك إلى أن توفاه الله تعالى.
قال ابن الأثير مؤلف الكامل: رأيت كثيراً من ابتدى بالملك ينتقل إلى غيره عقبه، فإن معاوية تغلب وملك، فانتقل الملك إلى بني مروان، ثم ملك السفاح من بني العباس، فانتقل الملك إلى أخيه المنصور وعقبه، ثم السامانية أول من ابتدى بالملك منهم نصر بن أحمد، فانتقل الملك إلى أخيه إسماعيل وعقبه، ثم عماد الدولة بن بوية، ملك فانتقل الملك إلى عقب أخيه ركن الدولة، ثم ملك طغريل بك السلجوقي، فانتقل الملك إلى عقب أخيه داود، ثم شيركوه ملك، فانتقل الملك إلى ابن أخيه، ولما قام صلاح الدين بالملك، لم يبق الملك في عقبه، بل انتقل إلى أخيه العادل، وعقبه، ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى ذلك أولاً وأخذه الملك، وعيون أهله وقلوبهم متعلقة به، فيحرم عقبه ذلك.
ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة، قتل مؤتمن الخلافة، وكان مقدم السودان، فاجتمعت السودان، وهم حفاظ القصر، في عدد كثير، وجرى بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة، بين القصرين، انهزم فيها السودان، وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأجلاهم قتلاً وتهجيجاً، وحكم صلاح الدين على القصر، وأقام فيه بهاء الدين قراقوش الأسدي، وكان خصياً أبيض، وبقي لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، كان بين إينانج صاحب الري، وبين الدكز، حرب انتصر فيها الدكز، وملك الري، وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع، فأرسل الدكز ورغب غلمان إينانج في الإقطاعات إن قتلوا إيناج أستاذهم، فقتلوه ولحقوا بالدكز، فلم يف لهم وقال: مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى البلاد، ولحق بعضهم، وهو الذي قتل أستاذه بخوارزم شاه، فصلبه لخيانته أستاذه.
وفيها توفي الشيخ أبو محمد الفارقي، وكان أحد الزهاد، وله كرامات كثيرة، كان يتكلم على الخاطر، وكلامه مجموع مشهور. وفيها توفي ياروق أرسلان التركماني، وكان مقدماً كبيراً، وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة، يسكن بظاهر حلب، وبنى على شاطئ قويق هو وأتباعه عماير كثيرة، وتعرف الآن بالياروقية، وهي مشهورة هنا.
ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة.
فيها سارت الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج على ذلك أموالاً عظيمة، فحصروها خمسين يوماً، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم، ولم يظفروا
стр. 490
بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط، ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها.
وفيها سار نور الدين وحاصر الكرك مدة، ثم رحل عنه.
وفيها كانت زلزلة عظيمة خربت الشام، فقام نور الدين في عمارة الأسواق، وحفظ البلاد أتم قيام، وكذلك خربت بلاد الفرنج، فخافوا من نور الدين، واشتغل كل منهم عن قصد الآخر، بعمارة ما خرب من بلاده.
وفيها في ذي الحجة، مات قطب الدين مودود بن زنكي بن أقسنقر، صاحب الموصل، وكان مرضه حمى حادة، ولما مات صرف أرباب الدولة الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود، إلى أخيه الذي هو أصغر منه، وهو سيف الدين غازي بن مودود، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصراً به، وتوفي قطب الدين وعمره أربعين سنة تقريباً، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً. وكان من أحسن الملوك سيرة.
وفي هذه السنة توفي الملك طغريل بك بن قاورت بك، صاحب كرمان، واختلف أولاده، بهرام شاه، وأرسلان شاه وهو الأكبر، واستنجد كل منهم، وطلب الملك، فاتفق في تلك المدة أن أرسلان شاه الأكبر مات، فاستقر بهرام شاه في ملك كرمان.
وفيها توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية رضيع نور الدين، وكانت حلب وحارم وقلعة جعبر إقطاعه، فأقر نور الدين أخاه علياً بن الداية على إقطاعه.
وفيها توفي محمد بن محمد بن ظفر، صاحب كتاب سلوان المطاع، صنفه لبعض القواد بصقلية، سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وله أيضاً كتاب نجباء الأبناء، وشرح مقامات الحريري، ومولده بصقلية، وتنقل بالبلاد وأقام بمكة، شرفها الله تعالى، وسكن آخر وقت مدينة حماة، وتوفي بها، ولم يزل يكابد الفقر حتى مات، رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة.
وفاة المستنجد
خلافة المستضيء
وهو ثالث ثلاثينهم:
في هذه السنة، تاسع ربيع الآخر، توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، ومولده مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة، وكان أسمر تام القامة، طويل اللحية، وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضد الدين أبو الفرج، ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتنوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه، ثم أنه دخلها وغلق عليه الباب فصات، ولما مات المستنجد، أحضر عضد الدين وقطب الدين المستضيء بأمر الله ابن المستنجد، واشترطا عليه شروطاً، أن يكون عضد الدين وزيراً، وابنه كمال الدين أستاذ داره، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك. واسم المستضيء الحسن، وكنيته أبو محمد، ولم يل الخلافة من اسمه حسن، غير الحسن بن علي المستضيء، فبايعوه بالخلافة يوم مات أبوه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة، وكان المستنجد حسن
стр. 491
السيرة، أطلق كثيراً من المكوس، وكان شديداً على أهل العبث والفساد.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل، وهي بيد ابن أخيه غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن أقسنقر، فاستولى عليها نور الدين وملكها. ولما ملك نور الدين الموصل، قرر أمرها وأطلق المكوس منها، ثم وهبها لابن أخيه سيف الدين غازي المذكور، وأعطى سنجار لعماد الدين زنكي بن مردود، وهو أكبر من أخيه سيف الدين غازي، فقال كمال الدين الشهرزوري في هذا طريق إلى أذى، يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد الدين كبير، ولا يرى طاعة أخيه سيف الدين، وسيف الدين هو الملك، لا يرى الإغضاء لعماد الدين، فيحصل الخلف وتطمع الأعداء.
وفي هذه السنة سار صلاح الدين عن مصر فغزا بلاد الفرنج قرب عسقلان والرملة، وعاد إلى مصر، ثم خرج إلى أيلة وحصرها، وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب، وحصرها براً وبحراً، وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها، وما فيها، وعاد إلى مصر، ولما استقر صلاح الدين بمصر، كان لمصر دار للشحنة تسمى دار المعونة، يحبس فيها، فهدمها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وكذلك بنى دار الغزل مدرسة للشافعية، وعزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة، ورتب قضاة شافعية، وذلك في العشرين من جمادى الآخرة، وكذلك اشترى تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين منازل العز، وبناها مدرسة للشافعية. وفي هذه السنة توفي القاضي ابن الخلال، من أعيان الكتاب المصريين وفضلائهم، وكان صاحب ديوان الإنشاء بها.
ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة.
ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر، وانقراض الدولة العلوية
في هذه السنة، ثاني جمعة من المحرم، قطعت خطبة العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله ابن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد ابن أبي القاسم محمد، ولم يل الخلافة ابن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله، أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور بن العزيز بالله أبي منصور ابن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي الطاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله، أول الخلفاء العلويين من هذا البيت، وقد مر ذكرنسبه في ابتداء دولتهم. وكان سبب الخطبة العباسية بمصر، أنه لما تمكن صلاح الدين من مصر، وحكم على القصر، وأقام فيه قراقوش الأسدي، وكان خصياً أبيض، وبلغ نور الدين ذلك، أرسل إلى صلاح الدين يأمره حتماً جزماً بقطع الخطبة العلوية، لا إقامة الخطبة العباسية، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة، فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك، وأصر عليه، وكان العاضد قد مرض فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء،
стр. 492
ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته، فتوفي العاضد يوم عاشوراء، ولم يعلم بقطع خطبته، ولما توفي العاضد، جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه، وكان كثرته تخرج عن الإحصاء، وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق المثمنة، والكتب والتحف، فمن ذلك، الحبل الياقوت، وكان وزنه سبعة عشر درهماً، أو سبعة عشر مثقالاً. قال ابن الأثير مؤلف الكامل: أنا رأيته، ووزنته، ومما حكي: أنه كان بالقصر طبل للقولنج، إذا ضرب الإنسان به ضرط، فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من عبد وأمة، فباع البعض، وعتق البعض، ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه، كأن لم يغن بالأمس.
ولما اشتد مرض العاضد، أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم لتخلفه عنه، وجميع من خطب له منهم بالخلافة أربع عشرة خليفة، المهدي، والقائم، المنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والطاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد. وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة، سنة ست وتسعين ومائتين، إلى أن توفي العاضد في هذه السنة، أعني سنة سبع وستين وخمسمائة، مائتان واثنتان وسبعون سنة تقريباً، وهذا دأب الدنيا، لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت، ولم تصف إلا وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر.
ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد، ضربت لها البشائر عدة أيام، وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواص الخدم المقتفوية، إلى نور الدين، وصلاح الدين، والخطباء، وسيرت الأعلام السود، وكان العاضد المذكور، قد رأى في منامه: أن عقرباً خرجت من مسجد بمصر، معروف ذلك المسجد للعاضد، ولدغته، فاستيقظ العاضد مرعوباً، واستدعى من يعبر الرؤيا، وقص ما رآه عليه، فعبره له بوصول أذى إليه من شخص بذلك المسجد، فتقدم العاضد إلى والي مصر، بإحضار من بذلك المسجد، فأحضر إليه شخصاً صوفياً يقال له نجم الدين الخويشاني، فاستخبره العاضد عن مقدمه، وسبب مقامه بالمسجد المذكور، فأخبره بالصحيح في ذلك، فرآه العاضد أضعف من أن يناله بمكروه، فوصله بمال وقال له: ادع لنا يا شيخ، وأمره بالإنصراف، فلما أراد السلطان صلاح الدين إزالة الدولة العلوية، والقبض عليهم، استفتى في ذلك، فأفتاه بذلك جماعة من الفقهاء، وكان نجم الدين الخويشاني المذكور من جملتهم، فبالغ في الفتيا، وصرح في خطه بتعديد مساوئهم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك، فصح بذلك رؤيا العاضد.
ذكر غير ذلك
وفي هذه السنة جرى بين نور الدين وصلاح الدين الوحشة في الباطن، فإن صلاح الدين
стр. 493
سار ونازل الشوبك، وهي للفرنج، ثم رحل عنه خوفاً أن يأخذه، فلم يبق ما يعوق نور الدين عن قصد مصر، فتركه ولم يفتحه لذلك، وبلغ نور الدين ذلك فكتمه، وتوحش باطنه لصلاح الدين، ولما استقر صلاح الدين بمصر، جمع أقاربه وكبراء دولته وقال: بلغني أن نور الدين يقصدنا، فما الرأي؟ فقال تقي الدين عمر ابن أخيه: نقاتله ونصده، وكان ذلك بحضرة أبيهم نجم الدين أيوب، فأنكر على تقي الدين ذلك وقال: أنا والدكم، لو رأيت نور الدين نزلت وقبلت الأرض بين يديه، بل اكتب وقل لنور الدين: أنه لو جاءني من عندك إنسان واحد، وربط المنديل في عنقي وجرني إليك، سارعت إلى ذلك.
وانفضوا على ذلك، ثم اجتمع أيوب بابنه صلاح الدين خلوة وقال له: لو قصدنا نور الدين، أنا كنت أول من يمنعه ويقاتله، ولكن إذا أظهرنا ذلك، يترك نور الدين جميع ما هو فيه ويقصدنا، ولا ندري ما يكون من ذلك، وإذا أظهرنا له الطاعة، تمادى الوقت بما يحصل به الكفاية من عند الله، فكان كما قال.
وفي هذه السنة توفي الأمير محمد بن مردنيش صاحب شرقي بلاد الأندلس، وهي مرسية وبلنسية وغيرهما، فقصد أولاده أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ملك الغرب، وسلموا إليه بلادهم، فسر يوسف بذلك وتسلمها منهم وتزوج بأختهم، وأكرمهم ووصلهم بالأموال الجزيلة، وكان قد قصدهم يوسف المذكور في مائة ألف مقاتل، فأجابوا بدون قتال كما ذكرنا.
وفي هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون، فجمع خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين عساكره وسار إلى لقائهم، فمرض خوارزم شاه ورجع مريضاً، وأرسل عسكراً مع بعض المقدمين، فاقتتلوا مع الخطا، وانهزم عسكر خوارزم شاه، وأسر مقدمهم، ورجع الخطا إلى بلادهم بعد ذلك.
وفي هذه السنة اتخذ نور الدين بالشام الحمام الهوادي، وتسئى المناسيب، لنقل البطائق والأخبار. وفيها عزل المستضيء وزيره عضد الدين ابن رئيس الرؤساء مكرهاً، لأن قطب الدين قيماز ألزمه بعزله، فلم يمكنه مخالفته. وفيها مات يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي الأندلسي القرطبي، وكان إماماً في القراءة والنحو وغيره من العلوم، توفي بالموصل. وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد، المعروف بابن الخشاب البغدادي، العالم المشهور في الأدب والنحو التفسير والحديث، وكان متضلعاً من العلوم، وكان قليل الاكتراث بالمأكل والملبس.
وفيها توفي نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد النور بن قلاقس، الشاعر المشهور، الإسكندري، مدح القاضي الفاضل، وكان كثير الأسفار، سار إلى صقلية في سنة ثلاث وخمسين، ثم عاد وسار إلى اليمن في سنة خمس وستين وخمسمائة، وفي كثرة أسفاره يقول:
الناس كثر ولكن لا يقد لي ... إلا مرافقة الملاح والحادي
ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة في هذه السنة توفي خوارزم شاه أرسلان بن
стр. 494
أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضاً، ولما مات ملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود، ودبرت والدته المملكة، وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكين مقيماً في جند قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه، وولاية أخيه الصغير، أنف من ذلك واستنجد بالخطا، وسار إلى خيه سلطان شاه وطرده، ثم إن سلطان شاه، قصد ملوك الأطراف، واستنجدهم على أخيه تكش وطرده، وكانت الحرب بينهم سجالاً حتى مات سلطان شاه، في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، واستقر في ملك خوارزم أخوه تكش بن أرسلان، وفي تلك الحروب بين الأخوين، قتل المؤيد أي به، قتله تكش صبراً، وملك بعده ابنه طغانشاه ابن المؤيد أي به.
وفي هذه السنة سار شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصرالى النوبة، للتغلب عليها، فلم تعجبه تلك البلاد، فغنم وعاد إلى مصر.
وفي هذه السنة توفي شمس الدين الدكز بهمذان، وملك بعده ابنه محمد البهلوان، ولم يختلف عليه أحد، وكان الدكز هذا مملوكاً للكمال السميري وزير السلطان محمود، ثم صار للسلطان محمود، فلما ولي السلطان مسعود، ولاه وكبره حتى صار ملك أذربيجان وغيرها من بلاد الجبل، وأصفهان والري، وكان عسكره خمسين ألف فارس، وكان يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغريل، ولم يكن لأرسلان معه حكم، وكان الدكز حسن السيرة.
وفي هذه السنة سار طائفة من الترك من ديار مصر، مع مملوك لتقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، اسمه قراقوش، إلى إفريقية، ونزلوا على طرابلس الغرب فحاصرها مدة، ثم فتحها واستولى عليها قراقوش المذكور، وملك كثيراً من بلاد إفريقية.
وفيها غزا أبو يعقوب بن عبد المؤمن بلاد الفرنج في الأندلس. وفيها سار نور الدين محمود بن زنكي إلى بلاد قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، واستولى على مرعش، وبهنسا، ومرزبان، وسيواس، فأرسل إليه قليج أرسلان يستعطفه ويطلب الصلح، فقال نور الدين: لا أرضى إلا بأن ترد ملطية على ذي النون ابن الدانشمند، وكان قليج أرسلان قد أخذها منه، فبذل له سيواس واصطلح معه نور الدين، فلما مات نور الدين، عاد قليج أرسلان واستولى على سيواس وطرد ابن الدانشمند.
وفيها سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك:، وحصرها، وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك، وسار نور الدين من دمشق حتى وصل إلى الرقيم، وهو بالقرب من الكرك، فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين، فرحل صلاح الدين عن الكرك عائداً إلى مصر، وأرسل تحفاً إلى نور الدين، واعتذر أن أباه أيوب مريض، ويخشى أن يموت فتذهب مصر، فقبل نور الدين عذره في الظاهر، وعلم المقصود، ولما وصل صلاح الدين إلى مصر، وجد أباه أيوب قد مات، وكان سبب موت نجم الدين أيوب بن شاذي المذكور، أنه ركب بمصر، فنفرت
стр. 495
به فرسه فوقع، وحمل إلى قصره، وبقي أياماً ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة؟ وكان أيوب خبيراً عاقلاً حسن السيرة، كريماً كثير الإحسان.
وفيها توفي أبو نزار حسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نزار النحوي، وقد ناهز الثمانين، وهو المعروف بملك النحاة، وبرع في النحو حتى فاق فيه أهل طبقته، وكان معجباً بنفسه، ولقب نفسه بملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك، وقرأ الفقه على مذهب الشافعي، وكذلك قرأ الأصولين والخلاف، وسافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ثم رحل إلى الشام، واستوطن دمشق.
ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة.
ذكر ملك شمس الدولة توران شاه بن أيوب اليمن كان صلاح الدين وأهله، خائفين من نور الدين، فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر، بحيث إن قصدهم نور الدين قاتلوه، فإن هزمهم التجأوا إلى تلك المملكة، فجهز صلاح الدين أخاه توران شاه إلى النوبة، فلم تعجبهم بلادها، ثم سيره في هذه السنة بعسكر إلى اليمن، وكان صاحب اليمن حينئذ إنساناً يسمى عبد النبي، المقدم الذكر في سنة أربع وخمسين وخمسمائة، فتجهز توران شاه ووصل إلى اليمن، وجرى بينه وبين عبد النبي قتال، فانتصر توران شاه وهزم عبد النبي، وهجم زبيد وملكها، وأسر عبد النبي، ثم قصد عدن، وكان صاحبها إنساناً اسمه ياسر، فخرج لقتال توران شاه، فهزمه توران شاه، وهجم عدن وملكها، وأسر ياسر أيضاً، واستولى توران شاه على بلاد اليمن، واستقرت في ملك صلاح الدين، واستولى على أموال عظيمة لعبد النبي، وكذلك من عدن.
ذكر قتل جماعة من المصريين وعمارة اليمني في هذه السنة في رمضان، صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين، فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم، فمنهم عبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وعمارة بما علي اليمني، الشاعر الفقيه، وله أشعار حسنة، فمنها ما يتعلق بأحوال العلويين، وانقراض دولتهم، قوله قصيدة منها:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
جدعت ما رنك الأقني فأنفك لا ... ينفك ما بين أمر الشين والخجل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبةً ... على فجيعتها في أكرم الدول
يا عاذلي في هوى أنباء فاطمة ... لك الملامة إن أقصرت في عذل
بالله زر ساحة القصرين وابك معي ... عليهما لا على صفين والجمل
وقل لأهلهما والله لا التحمت ... فيكم جروحي ولا قرحي بمندمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلةً ... في نسل آل أمير المؤمنين علي
следующие страницы →