Полный текст (814 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حفص، صاحب ابن تومرت.
ثم تحرك على اللحياني أخو خالد، وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب، فهرب اللحياني إلى ديار مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر المذكور تونس وما معها، خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحياني، بايع ابنه محمد بن اللحياني لنفسه، واقتتل مع أبي بكر، فهزمه أبو بكر، واستقر محمد بن اللحياني بالمهدية، وله معها طرابلس، وكان استيلاء أبي بكر وهروب اللحياني إلى ديار مصر، في سنة تسع وعشرة وسبعمائة. وأقام اللحياني في الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة إلى الإسكندرية، يذكرون فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور، قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد اجتمعوا على طاعة اللحياني وبايعوا نائبه، وهو محمد بن أبي بكر، من الحفصيين، وهو صهر زكريا اللحياني المذكور، وهم في انتظار وصول اللحياني إلى مملكته، أقول وقد بقيت مملكة إفريقية، فهرب منها لضعفها بسبب استيلاء العرب عليها.
ذكر مقتل أقطاي في هذه السنة اغتال الملك المعز أيبك التركماني المستولى على مصر، خوشداشه أقطاي الجمدار، وأوقف له في بعض دهاليز الدور التي بقلعة الجبل ثلاثة مماليك، وهم قطز، وبهادر، وسنجر الغتمي، فلما مر بهم فارس الدين أقطاي ضربوه بسيوفهم فقتلوه، ولما علمت البحرية بذلك هربوا من ديار مصر إلى الشام، وكان الفارس أقطاي يمنع أيبك من الاستقلال بالسلطنة، وكان الاسم للملك الأشرف موسى بن يوسف بن يوسف ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
فلما قتل أقطاي استقل المعز التركماني بالسلطنة، وأبطل الأشرف موسى المذكور منها بالكلية، وبعث به إلى عماته القطبيات، وموسى المذكور آخر من خطب له من بيت أيوب بالسلطنة في مصر، وكان انقضاء دولتهم من الديار المصرية في هذه السنة على ما شرحناه، ووصلت البحرية إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام، وأطمعوه في ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكر ونزل عمقاً من الغور، وأرسل إلى غزة عسكراً فنزلوا بها، وبرز المعز أيبك صاحب مصر إلى العباسة، وخرجت السنة وهم على ذلك.
وفيها قدمت ملكة خاتون بنت كيقباذ ملك بلاد الروم إلى زوجها الملك الناصر يوسف صاحب الشام.
وفيها ولي الملك المنصور صاحب حماة، قضاء حماة للقاضي شمس الدين إبراهيم بن هبة الله بن البارزي، بعد عزل القاضي المحيي حمزة بن محمد.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وستمائة فيها عزمت العزيزية المقيمون مع المعز أيبك على القبض عليه، وعلم بذلك، واستعد لهم، فهربوا من مخيمهم على العباسة على حمية، واحتيط على وطاقاتهم جميعها.
وفي هذه السنة مشى نجم الدين الباذراي في الصلح بين المصريين والشاميين، واتفق الحال أن
стр. 632
يكون للملك الناصر الشام جميعه إلى العريش، ويكون الحد بين القاضي، وهو بين الورادة والعريش، وبيد المعز أيبك الديار المصرية، وانفصل الحال على ذلك ورجع كل إلى بلده.
وفي هذه السنة أو التي قبلها تزوج المعز أيبك شجرة الدر أم خليل، التي خطب لها بالسلطنة في ديار مصر.
وفيها طلب الملك الناصر داود من الملك الناصر يوسف دستوراً إلى العراق، بسبب طلب وديعته من الخليفة، وهي الجوهر الذي تقدم ذكره، وأن يمضي إلى الحج، فأذن له الناصر يوسف في ذلك، فسار الناصر داود إلى كربلاء، ثم مضى منها إلى الحج، ولما رأى قبر النبي ﷺ ، تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، داخلاً عليه، مستشفعاً به إلى ابن عمه المستعصم، في أن يرد علي وديعتي، فأعظم الناس ذلك، وجرت عبراتهم، وارتفع بكاؤهم، وكتب بصورة ما جرى مشروح، ورفع إلى أمير الحاج كيخسرو، وذلك يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وتوجه الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة فيها مات كيخسرو ملك بلاد الروم، وأقيم في السلطنة ولداه الصغيران عز الدين كيكاؤوس وركن الدين قليج أرسلان.
وفيها توجه كمال الدين المعروف بابن العديم، رسولاً من الملك الناصر يوسف صاحب الشام، إلى الخليفة المستعصم، وصحبته تقدمة جليلة، وطلب خلعة من الخليفة لمخدومه، ووصل من جهة المعز أيبك صاحب مصر، شمس الدين سنقر الأقرع، وهو من مماليك المظفر غازي صاحب ميافارقين، إلى بغداد، بتقدمة جليلة، وسعى في تعطيل خلعة الناصر يوسف صاحب دمشق، فبقي الخليفة متحيراً، ثم إنه أحضر سكيناً من اليسم كبيرة، وقال الخليفة لوزيره: أعط هذه السكين رسول صاحب الشام، علامة مني في أن له خلعة عندي في وقت آخر، وأما في هذا الوقت فلا يمكني، فأخذ كمال الدين ابن العديم السكين، وعاد إلى الناصر يوسف بغير خلعة.
ذكر غير ذلك
فيها جرى للناصر داود مع الخليفة ما صورته، أنه لما أقام ببغداد بعد وصوله مع الحجاج، واستشفاعه بالنبي ﷺ في رده وديعته، أرسل الخليفة المستعصم من حاسب الناصر داود المذكور، على ما وصله في ترداده إلى بغداد من المضيف، مثل اللحم والخبز والحطب والعليف والتبن وغير ذلك، وثمن عليه ذلك بأغلى الأثمان، وأرسل إليه شيئاً نزراً، وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته، وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئاً، فكتب خطه بذلك كرهاً، وسار عن بغداد وأقام مع العرب. ثم أرسل إليه الناصر يوسف بن العزيز بن غازي بن يوسف صاحب الشام، فطيب قلبه وحلف له، فقدم الناصر داود إلى دمشق
стр. 633
ونزل بالصالحية.
وفي هذه السنة يوم الأحد ثالث شوال، توفي سيف الدين طغريل مملوك الملك المظفر محمود، صاحب حماة، وكان قد زوجه المظفر المذكور بأخته، وقام بتدبير مملكة حماة بعد وفاة الملك المظفر، حتى توفي في التاريخ المذكور.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمائة.
ذكر قتل المعز أيبك التركماني وفي هذه السنة في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول، قتل الملك المعز أيبك التركماني الجاشنكير الصالحي، قتلته امرأته شجرة الدر، التي كانت امرأة أستاذه الملك الصالح أيوب، وهي التي خطب لها بالسلطنة في ديار مصر، وكان سبب ذلك: أنه بلغها أن المعز أيبك المذكور، قد خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ويريد أن يتزوجها، فقتلته في الحمام بعد عوده من لعب الكرة في النهار المذكور، وكان الذي قتله، سنجر الجوجري، مملوك الطواشي محسن، والخدام، حسبما اتفقت معهم عليه شجر الدر، وأرسلت في تلك الليلة إصبع المعز أيبك وخاتمه إلى الأمير عز الدين الحلبي الكبير، وطلبت منه أن يقوم بالأمر، فلم يجسر على ذلك، ولما، ظهر الخبر، أراد مماليك المعز أيبك قتل شجرة الدر، فحماها المماليك الصالحية، فاتفقت الكلمة على إقامة نور الدين علي ابن الملك المعز أيبك، ولقبوه الملك المنصور، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة.
ونقلت شجرة الدر من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، وصلبوا الخدام الذين اتفقوا معها على قتل المعز أيبك، وهرب سنجر الجوجري، ثم ظفروا به وصلبوه، واحتيط على الصاحب بهاء الدين علي بن جنا، لكونه وزير شجرة الدر، وأخذ خطة بستين ألف دينار، وفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر من هذه السنة، اتفقت مماليك المعز أيبك مثل سيف الدين قطز، وسنجر الغتمي،. وبهادر، وقبضوا على علم الدين سنجر الحلبي، وكان قد صار أتابكاً للملك المنصور نور الدين ابن الملك علي المعز أيبك ورتبوا في أتابكية المذكور أقطاي المستعرب الصالحي.
وفي سادس عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة، قتلت شجرة الدر، وألقيت خارج البرج، فحملت إلى تربة قد عملتها، فدفنت فيها، وكانت تركية الجنس، وقيل كانت أرمنية، وكانت مع الملك الصالح في الاعتقال بالكرك، وولدت منه ولداً اسمه خليل، مات صغيراً، وبعد أيام من ذلك خنق شرف الدين الفائزي.
ذكر مفارقة البحرية الملك الناصر يوسف
صاحب الشام ابن الملك العزيز:
في هذه السنة، نقل إلى الناصر يوسف، أن البحرية يريدون أن يفتكوا به، فاستوحش
стр. 634
خاطره منهم، وتقدم إليهم بالانتزاح عن دمشق، فساروا إلى غزة، وانضموا إلى الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل، وانزعج أهل مصر لقدوم البحرية إلى غزة، وبرزوا إلى العباسة، ووصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة، منهم عز الدين الأثرم، فأكرموهم وأفرجوا عن أملاك الأثرم. ولما فارق البحرية الناصر صاحب الشام، أرسل عسكراً في إثرهم، فكبس البحرية ذلك العسكر ونالوا منه، ثم إن عسكر الناصر بعد الكبسة، كسروا البحرية، فانهزموا إلى البلقاء وإلى زعز، ملتجين إلى الملك المغيث صاحب الكرك، فأنفق فيهم المغيث أموالاً جليلة، وأطمعوه في ملك مصر، فجهزهم بما احتاجوه، وسارت البحرية إلى جهة مصر، وخرجت عساكر مصر لقتالهم، والتقى المصريون مع البحرية وعسكر المغيث بكرة السبت، منتصف ذي القعدة من هذه السنة، فانهزم عسكر المغيث والبحرية، وفيهم بيبرس البند قداري، المسمى بعد ذلك بالملك الظاهر، إلى جهة الكرك.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة وصل من الخليفة المستعصم، الخلعة والطوق والتقليد، إلى الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز. وفيها استجار الناصر داود بنجم الدين الباذراي، في أن يتوجه صحبته إلى بغداد، فأخذه صحبته، وتوصل الناصر يوسف صاحب دمشق إلى منعه عن ذلك، فلم يتهيأ له، وسار الناصر داود مع الباذراي إلى قرقيسيا، فأخره الباذراي ليشاور عليه، فأقام الناصر داود في قرقيسيا ينتظر الإذن بالقدوم إلى بغداد فلم يؤذن له، وطال مقامه، فسافر إلى البرية وقصد تيه بني إسرائيل، وأقام مع عرب تلك البلاد.
وفي هذه السنة أو التي قبلها، ظهرت نار بالحرة، عند مدينة الرسول ﷺ ، وكان لها بالليل ضوء عظيم، يظهر من مسافة بعيدة جداً، ولعلها النار التي ذكرها رسول الله ﷺ من علامات الساعة، فقال " نار تظهر بالحجاز تضيء منها أعناق الإبل ببصرى " ثم اتفق أن الخدام بحرم النبي ﷺ ، وقع منهم في بعض الليالي تفريط، فاشتعلت النار في المسجد الشريف، واحترقت سقوفه، ومنبر النبي ﷺ ، وتألم الناس لذلك.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة.
ذكر استيلاء التتر على بغداد
وانقراض الدولة العباسية:
في أول هذه السنة قصد هولاكو ملك التتر بغداد وملكها، في العشرين من المحرم، وقتل الخليفة المستعصم بالله، وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي، كان رافضياً، وكان أهل الكرخ أيضاً روافض، فجرت فتنة بين السنية والشيعة ببغداد، على جاري عادتهم، فأمر أبو بكر ابن الخليفة، وركن الدين الدوادار، العسكر، فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء، وركبوا منهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد،
стр. 635
وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتر متحصل إقطاعاتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه، يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم، ومقدمه ركن الدين الدوادار، والتقوا على مرحلتين من بغداد، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الخليفة، ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي ونزل باجو، وهو مقدم كبير، في الجانب الغربي، على قرية، قبالة دار الخلافة، وخرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة المستعصم وقال إن هولاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر، وحسن له الخروج إلى هولاكو، فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه، فأنزل في خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون، وكان منهم محي الدين ابن الجوزي وأولاده، وكذلك بقي يخرج إلى التتر طائفة بعد طائفة، فلما تكاملوا، قتلهم التتر عن آخرهم، ثم مدوا الجسر، وعدى باجو ومن معه، وبذلوا السيف في بغداد، وهجموا دار الخلافة، وقتلوا كل من كان فيها من الأشراف، ولم يسلم إلا من كان صغيراً، فأخذ أسيراً، ودام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يوماً، ثم نودي بالأمان. وأما الخليفة فإنهم قتلوه، ولم يقع الاطلاع على كيفية قتله، فقيل خنق، وقيل وضع في عدل ورفسوه حتى مات، وقيل غرق في دجلة، والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان هذا المستعصم، وهو عبد الله أبو أحمد بن المستنصر أبي جعفر، منصور بن محمد الطاهر ابن الإمام الناصر أحمد. وقد تقدم ذكر باقي نسبه عند ذكر وفاة الإمام الناصر. كان ضعيف الرأي، قد غلب عليه أمراء دولته لسوء تدبيره، تولى الخلافة بعد موت أبيه المستنصر، في سنة أربعين وستمائة، وكانت مدة خلافته نحو ست عشرة سنة تقريباً، وهو آخر الخلفاء العباسيين، وكان ابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهي السنة التي بويع فيها السفاح بالخلافة، وقتل فيها مروان الحمّار، آخر خلفاء بني أمية، وكانت مدة ملكهم خمس مائة سنة، وأربعاً وعشرين سنة تقريباً، وعدة خلفائهم، سبعة وثلاثون خليفة، حكى القاضي جمال الدين ابن واصل قال: لقد أخبرني من أثق به، أنه وقف على كتاب عتيق، فيه ما صورته أن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، بلغ بعض خلفاء بني أمية عنه، أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فأمر الأموي بعلي بن عبد الله، فحمل على جمل وطيف به وضرب، وكان يقال عند ضربه: هذا جزاء من يفتري ويقول: إن الخلافة تكون في ولده. فكان علي بن عبد الله المذكور ﵀، يقول: أي والله لتكونن الخلافة في ولدي، لا تزال فيهم حتى يأتيهم العلج من خراسان فينتزعها منهم، فوقع
стр. 636
مصداق ذلك، وهو ورود هولاكو وإزالته ملك بني العباس.
الدولة الإسلامية بعد بني العباس
ذكر الوقعة بين المغيث صاحب الكرك وعسكر مصر
كان قد انضمت البحرية إلى المغيث ابن العادل ابن الكامل، ونزل من الكرك وخيم بغزة، وجمع الجموع، وسار إلى مصر في دست السلطنة، وخرجت عساكر مصر مع مماليك الملك المعز أيبك، وأكبرهم سيف الدين قطز، الذي صار صاحب مصر، والغتمي وبهادر، والتقى الفريقان، فكانت الكسرة على المغيث ومن معه، فولى منهزماً إلى الكرك في أسوأ حال، ونهبت أثقاله ودهليزه.
ذكر وفاة الناصر داود
وفي هذه السنة، أعني سنة ست وخمسين وستمائة، في ليلة السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى، توفي الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، بظاهر دمشق، في قرية يقال لها البويضا، ومولده سنة ثلاث وستمائة، فكان عمره نحو ثلاث وخمسين سنة، وكنا قد ذكرنا أخباره في سنة خمس وخمسين، وأنه توجه إلى تيه بني إسرائيل، وصار مع عرب تلك البلاد وبلغ المغيث صاحب الكرك وصوله إلى تلك الجهة، فخشي منه، وأرسل إليه فقبض عليه، وحمله إلى بلد الشوبك، وأمر بحفر مطمورة ليحبسه فيها، وبقي الملك الناصر المذكور ممسوكاً، والمطمورة تحفر قدامه ليحبس فيها، فبينما هو على تلك الحال، إذ ورد رسول الخليفة المستعصم يطلبه من بغداد، لما قصده التتر، ليقدمه على بعض العساكر لملتقى التتر، فلما ورد رسول الخليفة إلى دمشق، جهزوه إلى المغيث صاحب الكرك، ووصل الرسول إلى موضع الملك الناصر قبل أن يتم المطمورة، فأخذه وسار به إلى جهة دمشق، فبلغ الرسول استيلاء التتر على بغداد، وقتل الخليفة، فتركه الرسول ومضى لشأنه، فسار الناصر داود إلى البويضا، وهي قرية شرقي دمشق، وأقام بها، ولحق الناس في الشام في تلك المدة طاعون، مات منه الناصر داود المذكور في التاريخ المذكور، وخرج الملك الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضا، وأظهر عليه الحزن، والتأسف، ونقله ودفنه بالصالحية في تربة والده المعظم، وكان الناصر داود فاضلاً ناظماً ناثراً، وقرأ العلوم العقلية على الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسروشاهي، تلميذ الإمام فخر الدين الرازي، وللناصر داود المذكور أشعار جيدة، قد تقدم ذكر بعضها، ومن شعره أيضاً:
عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند تحريك القلوب سكون
تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والمجفون جفون
إذا ما رأت قلباً خلياً من الهوى ... تقول له كن مغرماً فيكون
стр. 637
وله أيضاً:
طوفي وقلبي قاتل وشهيد ... ودمي على خديك منه شهود
أما وحبك لست أضمر سلوة ... عن صبوتي ودع الفؤاد يبيد
مني بطيفك بعد ما منع الكرى ... عن ناظري البعد والتسهيد
ومن العجائب أن قلبك لم يلن ... لي والحديد ألانه داود
ومما كتب به في أثناء مكاتبته إلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وكان قد أغارت الفرنج على نابلس في أيام الملك الصالح أيوب صاحب مصر:
أيا ليت أمي أيم طول عمرها ... فلم يقضها ربي لمولى ولا بعل
ويا ليتها لما قضاها لسيد ... لبيب أريب طيب الفرع والأصل
قضاها من اللاتي خلقن عواقراً ... فما بشرت يوماً بأنثى ولا فحل
ويا ليتها لما غدت بي حاملاً ... أصيبت بما احتفت عليه من الحمل
ويا ليتني لما ولدت وأصبحت تشد إلي الشدقيات بالرحل
لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم ... ولم أر في الإسلام ما فيه من خل
ذكر وفاة الصاحبة غازية خاتون
والدة الملك المنصور صاحب حماة:
وفي هذه السنة في ذي القعدة، توفيت الصاحبة غازية خاتون، بنت السلطان الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، بقلعة حماة، رحمها الله تعالى. وكان قدومها إلى حماة في سنة تسع وعشرين وستمائة، وولد لها من الملك المظفر محمود صاحب حماة، ثلاث بنين، مات أحدهم صغيراً، وكان اسمه عمر، وبقي الملك المنصور محمد صاحب حماة، وأخوه والد الملك الأفضل علي، وولد لها منه ثلاث بنات أيضاً، فتوفيت الكبرى منهن، وكان اسمها ملكة خاتون، قبل وفاة والدتها بقليل، وتوفيت الصغرى، وهي دنيا خاتون، بعد وفاة أخيها الملك المنصور، وسنذكر وفاة الباقين في مواضعها إن شاء الله تعالى. وكانت الصاحبة غازية خاتون المذكورة، من أحسن النساء سيرة، وزهداً، وعبادة وحفظت الملك لولدها الملك المنصور حتى كبر، وسلمته إليه قبل وفاتها، رحمها الله تعالى.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة، قصدت التتر ميافارقين بعد استيلائهم على بغداد، وكان صاحب ميافارقين حينئذ، الملك الكامل محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان قد ملكها بعد وفاة أبيه في سنة اثنتين وأربعين وستمائة،
стр. 638
فحاصره التتر وضايقوا ميافارقين مضايقة شديدة، وصبر أهل ميافارقين مع الكامل محمد المذكور على الجوع الشديد، ودام ذلك حتى كان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها اشتد الوباء بالشام، خصوصاً بدمشق، حتى لم يوجد مغسل للموتى.
وفيها أرسل الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، ولده الملك العزيز محمد، وصحبته زين الدين محمد، المعروف بالحافظي، وهو من أهل قرية عقربا من بلد دمشق، بتحف وتقادم إلى هولاكو ملك التتر، وصانعه لعلمه بعجزه عن ملتقى التتر.
وفيها توفي الصاحب بهاء الدين زهير بن محمد بن علي بن يحيى المهلبي، كاتب إنشاء الملك الصالح أيوب، ومولد البهاء زهير بوادي نخلة من مكة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وفي آخر عمره انكشف حاله وباع موجوده، وكتبه، وأقام في ببيته في القاهرة حتى أدركته وفاته، بسبب الوباء العام، في يوم الأحد رابع ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ست وخمسين وستمائة، ودفن بالقرافة الصغرى، وكان كريم الطباع غزير المروءة فاضلاً، حسن النظم، وشعره مشهور كثير، فمن شعره وهو وزن مخترع لبس بخرجة العروض، أبيات ومنها:
يا من لعبت به شمول ... ما ألطف هذه الشمائل
مولاي يحق لي بأني ... عن حبك في الهوى أقاتل
ها عبدك واقفاً ذليلاً ... بالباب يمد كف سائل
من وصلك بالقليل يرضى ... والطل من الحبيب وابل
وفي هذه السنة توفي بمصر الشيخ ركن الدين عبد العظيم شيخ دار الحديث، وكان من أئمة الحديث المشهورين.
وفيها توفي الشيخ شمس الدين يوسف، سبط جمال الدين ابن الجوزي، كان من الوعاظ الفضلاء، ألف تاريخاً جامعاً سماه مرآة الزمان، وفيها توفي سيف الدين علي بن سابق الدين قزل، المعروف بابن المشد وكان أميراً مقدماً في دولة الملك الناصر يوسف صاحب الشام، وله شعر حسن، منه:
باكر كؤوس المدام واشرب ... واستجل وجه الحبيب واطرب
ولا تخف للهموم داء ... فهي دواء له مجرب
من يد ساق له رضاب ... كشهد لكن جناه أعذب
وفيها كان بين البحرية بعد هزيمتهم من المصريين، وبين عسكر الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، ومقدمهم الأمير مجير الدين بن أبي زكري، مصاف بظاهر غزة، انهزم فيه عسكر الناصر يوسف وأسر مجير الدين المذكور، وقوي أمر حرية بعد هذه الكسرة، وأكثروا العبث والفساد.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة فيها سار عز الدين كيكاؤوس، وركن الدين قليج أرسلان، ابنا كيخسرو بن كيقباذ، إلى خدمة
стр. 639
هولاكو، وأقاما معه مدة ثم عادا إلى بلادهما.
ذكر وفاة بدر الدين صاحب الموصل
في هذه السنة توفي بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان لقب الملك الرحيم، وكان عمره قد جاوز ثمانين سنة، ولما مات ملك بعده الموصل ولده الملك الصالح بن لؤلؤ، وملك سنجار ولده الآخر علاء الدين بن لؤلؤ، وكان بدر الدين قد صانع هولاكو ودخل في طاعته، وحمل إليه الأموال، ووصل إلى خدمة هولاكو بعد أخذ بغداد ببلاد أذربيجان، وكان صحبة لؤلؤ، الشريف العلوي بن صلايا، فقيل إن لؤلؤ سعى به إلى هولاكو، فقتل الشريف المذكور، ولما عاد لؤلؤ إلى الموصل لم يطل مقامه بها، حتى مات، وطالت أيام بدر الدين لؤلؤ في ملك الموصل، فإنه كان القائم بأمور أستاذه أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر، وقام بتدبير ولده الملك القاهر بن أرسلان شاه، ولما توفي الملك القاهر بن أرسلان شاه، في سنة خمس عشرة وستمائة، انفرد لؤلؤ بتدبير المملكة، وأقام ولدي القاهر الصغيرين، واحد بعد واحد، واستبد بملك الموصل وبلادها ثلاثاً وأربعين سنة تقريباً، ولم يزل في ملكه سعيداً، لم تطرقه آفة ولم يختل لملكه نظام.
منازلة الملك الناصر يوسف صاحب الشام والكرك
وفي هذه السنة لما جرى من البحرية ما ذكرناه، من كسر عسكر الناصر يوسف، سار الناصر المذكور من دمشق بنفسه وعساكره، وسار في صحبته الملك المنصور صاحب حماة، بعسكره، إلى جهة الكرك، وأقام على بركة زيزا، محاصراً للملك المغيث صاحب الكرك، بسبب حمايته للبحرية، ووصل إلى الملك الناصر رسل الملك المغيث صاحب الكرك، والقطبية بنت الملك المفضل قطب الدين ابن الملك العادل، يتضرعون إلى الملك الناصر ويطلبون رضاه عن الملك المغيث، فلم يجب إلى ذلك إلا بشرط أن يقبض المغيث على من عنده من البحرية، فأجاب المغيث إلى ذلك وعلم بالحال ركن الدين بيبرس البندقداري، فهرب في جماعة من البحرية ووصل بهم إلى الملك الناصر يوسف، فأحسن إليهم، وقبض المغيث على من بقي عنده من البحرية، ومن جملتهم سنقر الأشقر، وسكر، وبرامق، وأرسلهم على الجمال إلى الملك الناصر، فبعث بهم إلى حلب، فاعتقلوا بها، واستقر الصلح بين الملك الناصر وبين الملك المغيث صاحب الكرك، وكان مدة مقام الملك الناصر بالعساكر على بركة زيزا، ما يزيد على شهرين بقليل، ثم عاد إلى دمشق وأعطى للملك المنصور صاحب حماة دستوراً، فعاد إلى بلده.
стр. 640
ذكر سلطنة قطز
وفي أواخر هذه السنة، أعني سنة سبع وخمسين وستمائة، في أوائل ذي الحجة، قبض سيف الدين قطز على ولد أستاذه الملك المنصور، نور الدين علي بن المعز أيبك، وخلعه من السلطنة، وكان علم الدين الغتمي، وسيف الدين بهادر، وهما من كبار المعزية، غائبين في رمي البندق، فانتهز قطز الفرصة في غيبتهما وفعل ذلك، ولما قدم الغتمي وبهادر المذكور، أن قبض عليهما قطز أيضاً، واستقر قطز في ملك الديار: المصرية، وتلقب بالملك المظفر، وكان رسول الملك الناصر يوسف صاحب الشام، وهو كمال الدين، المعروف بابن العديم، قد قدم إلى مصر في أيام الملك المنصور علي بن أيبك، مستنجداً على التتر، واتفق خلع علي المذكور وولاية قطز بحضرة كمال الدين ابن العديم، ولما استقر قطز في السلطنة، أعاد جواب الملك الناصر يوسف، أنه ينجده، ولا يقعد عن نصرته، وعاد ابن العديم بذلك.
ذكر مولد الملك المظفر محمود
بن الملك المنصور صاحب حماة:
وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وخمسين وستمائة، في الساعة العاشرة من ليلة الأحد خامس عشر المحرم، وثاني عشر كانون الثاني، ولد محمود ابن الملك منصور محمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ولقبوه الملك المظفر، بلقب جده، وأم الملك المظفر محمود المذكور، عائشة خاتون بنت الملك العزيز محمد، صاحب حلب، ابن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح المدين يوسف بن أيوب، وهنأ الشيخ شرف الدين عبد العزيز، المعروف بشيخ الشيوخ، الملك المنصور صاحب حماة بقصيدة طويلة منها:
أبشر على رغم العدى والحسد ... بأجل مولود وأكرم مولد
بالنعمة الغراء بل بالدولة ... الزهراء بل بالمفخر المتجدد
وافاك بدراً كاملاً في ليلة ... طلعت عليك نجومها بالأسعد
ما بين محمود المظفر أسفرت ... عنه وما بين العزيز محمد
ذكر قصد هولاكو الشام
وفي هذه السنة قدم هولاكو إلى البلاد التي شرقي الفرات، ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده سموط بن هولاكو إلى الشام، فوصل إلى ظاهر حلب في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة سبع وخمسين وستمائة، وكان الحاكم في حلب، الملك المعظم توران شاه ابن السلطان صلاح الدين، نائباً عن
стр. 641
ابن أخيه الملك الناصر يوسف، فخرج عسكر حلب لقتالهم، وخرج الملك المعظم، ولم يكن من رأيه الخروج إليهم، وأكمن لهم التتر في الباب المعروف بباب الله، وتقاتلوا عند بانقوسا، فاندفع التتر قدامهم حتى خرجوا عن البلد، ثم عادوا عليهم، وهرب المسلمون طالبين المدينة، والتتر يقتلون فيهم حتى دخلوا البلد، واختنق في أبواب البلد جماعة من المنهزمين، ثم رحل التتر إلى إعزاز فتسلموها بالأمان.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسينوستمائة.
ذكر ما كان من الملك الناصر عند قصد التتر حلب
ولما بلغ الملك الناصر يوسف صاحب الشام قصد التتر حلب، برز من دمشق إلى برزة في أواخر السنة الماضية، وجفل الناس من بين يدي التتر، وسار من حماة إلى دمشق الملك المنصور صاحب حماة، ونزل معه ببرزة، وكان هناك مع الناصر يوسف بيبرس البندقداري، من حين هرب من الكرك والتجأ إلى الناصر، فاجتمع عند الملك الناصر عند برزة أمم عظيمة من العساكر، والجفال، ولما دخلت هذه السنة، والملك الناصر ببرزة، بلغه أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله، والفتك به، فهرب الملك الناصر من الدهليز إلى قلعة دمشق، وبلغ مماليكه الذين قصدوا ذلك علمه بهم، فهربوا على حمية، إلى جهة غزة، وكذلك سار بيبرس البندقداري إلى جهة عزة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر، وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه، ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازي ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، لشهامته، ولما جرى ذلك، هرب الملك الظاهر المذكور خوفاً من أخيه الملك الناصر، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر، أمهما أم ولد تركية، ووصل الملك الظاهر غازي إلى غزة، واجتمع عليه من بها من العسكر، وأقاموه سلطاناً، ولما جرى ذلك، كاتب بيبرس البندقداري الملك المظفر قظز، صاحب مصر، فبذل له الأمان، ووعده الوعود الجميلة، ففارق بيبرس البندقداري الشاميين وسار إلى مصر، في جماعة من أصحابه، فأقبل عليه الملك المظفر قطز وأنزله في دار الوزارة، وأقطعه قليوب وأعمالها.
ذكر استيلاء التتر على حلب وعلى الشام جميعه
ومسير الملك الناصر عن دمشق، ووصول عساكره إلى مصر، وانفراد الملك الناصر عنهم: في هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، في يوم الأحد تاسع صفر، كان استيلاء التتر على حلب، وسببه أن هولاكو عبر الفرات بجموعه، ونازل حلب، وأرسل هولاكو إلى الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين نائب السلطنة بحلب، يقول له: إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر، فاجعلوا لنا عندكم بحلب
стр. 642
شحنة، وبالقلعة شحنة، ونتوجه نحن إلى العسكر، فإن كانت الكسرة على عسكر الإسلام، كانت البلاد لنا وتكونون قد حقنتم دماء المسلمين، وإن كانت الكسرة علينا، كنتم مخيرين في الشحنتين، إن شئتم طردتموهما، وإن شئتم قتلتموهما، فلم يجب الملك المعظم إلى ذلك وقال: ليس لكم عندنا إلا السيف، وكان رسول هولاكو إليهم في ذلك صاحب أرزن الروم، نتعجب من هذا الجواب، وتألم لما علم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك، وأحاط التتر بحلب ثاني صفر، وهجموا النواثر في غد ذلك اليوم، وقتل من المسلمين جماعة كثيرة، وممن قتل أسد الدين ابن الملك الزاهر بن صلاح الدين، واشتدت مضايقة التتر للبلد، وهجموه من عند حمام حمدان في ذيل قلعة الشريف، في يوم الأحد تاسع صفر، وبذلوا السيف في المسلمين، وصعد إلى القلعة خلق عظيم، ودام القتل والنهب من نهار الأحد المذكور إلى الجمعة رابع عشر صفر المذكور، فأمر هولاكو برفع السيف، ونؤدي بالأمان، ولم يسلم من أهل حلب إلا من التجأ إلى دار شهاب الدين بن عمرون، ودار نجم الدين أخي مردكين، وداد البازياد، ودار علم الدين قيصر الموصلي، والخانكاه التي فيها زين الدين الصوفي، وكنيسة اليهود، وذلك لفرمانات كانت بأيديهم، وقيل أنه سلم بهذه الأماكن ما يزيد على خمسين ألف نفس، ونازل التتر القلعة وحاصروها وبها الملك المعظم، ومن التجأ إليها من العسكر، واستمر الحصار عليها، وكان من ذلك ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غير ذلك من أحوال حماة
وأحوال الملك الناصر بعد أخذ حلب:
كان قد تأخر بحماة الطواشي مرشد، لما سار صاحب حماة إلى دمشق، فلما بلغ أهل حماة فتح حلب، توجه الطواشي مرشد من حماة إلى عند الملك المنصور صاحب حماة بدمشق، ووصل كبراء حماة إلى حلب، ومعهم مفاتيح حماة، وحملوها إلى هولاكو، وطلبوا منه الأمان لأهل حماة، وشحنه يكون عندهم، فأمنهم هولاكو وأرسل إلى حماة شحنة، رجلاً أعجمياً كان يدعي أنه من ذرية خالد بن الوليد، يقال له خسروشاه، فقدم خسروشاه، إلى حماة وتولاها، وأمن الرعية، وكان بقلعة حماة مجاهد الدين قيماز أمير جندار، فسلم القلعة إليه، ودخل في طاعة التتر ولما بلغ الملك الناصر بدمشق، أخذ حلب رحل من دمشق، بمن بقي معه من العسكر إلى جهة الديار المصرية، وفي صحبته الملك المنصور صاحب حماة، وأقام بنابلس أياماً، ورحل عنها وترك فيها الأمير مجير الدين بن أبي زكري، والأمير علي بن شجاع، ومعهما جماعة من العسكر، ثم سار الملك الناصر إلى غزة فانضم إليه مماليكه الذين كانوا أرادوا قتله، وكذلك اصطلح معه أخوه الملك الظاهر غازي، وانضم إليه.
وبعد مسير الملك الناصر عن نابلس، وصل التتر إليها وكبسوا العسكر الذين بها، وقتلوا مجير الدين، والأمير
стр. 643
علي بن شجاع، وكانا أميرين جليلين فاضلين، وكان البحرية قد قبضوا عليهما واعتقلوهما بالكرك، وأفرج عنهما المغيث. لما وقع الصلح بينه وبين الناصر، ولما بلغ الملك الناصر وهو بغزة ما جرى من كبسة التتر لنابلس، رحل من غزة إلى العريش، وسير القاضي برهان الدين أبن الخضر رسولاً إلى الملك المظفر قطز صاحب مصر، يطلب منه المعاضدة، ثم سار الملك الناصر والملك المنصور صاحب حماة، والعسكر، ووصلوا إلى قطية، فجرى بها فتنة بين التركماني والأكراد الشهرزورية، ووقع نهب في الجفال، وخاف الملك الناصر أن يدخل مصر، فيقبض عليه، فتأخر في قطية، ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماة إلى مصر، وتأخر مع الملك الناصر جماعة يسيرة، منهم أخوه الملك الظاهر غازي، والملك الصالح بن شيركوه صاحب حمص، وشهاب الدين القيمري، ثم سار الملك الناصر بمن تأخر معه من قطية إلى جهة تيه بني إسرائيل، ولما وصلت العساكر إلى مصر، التقاهم الملك المظفر قطز بالصالحية، وطيب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماة سنجقاً، والتقاه ملتقاً حسناً وطيب قلبه، ودخل القاهرة، وأما التتر فإنهم استولوا على دمشق، وعلى سائر الشام إلى غزة، واستقرت شحائنهم بهذه البلاد.
ذكر استيلاء التتر على قلعة حلب
والمتجددات بالشام:
أما قلعة حلب، فوثب جماعة من أهلها في مدة الحصار على صفي الدين بن طرزة، رئيس حلب، وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز بن أحمد ابن القاضي نجم الدين بن أبي عصرون، فقتلوهما، لأنهم اتهموهما بمواطأة التتر، واستمر الحصار على القلعة، واشتدت مضايقة التتر لها نحو شهر، ثم سلمت بالأمان في يوم الاثنين، الحادي عشر من ربيع الأول، من هذه السنة، ولما نزل أهلها بالأمان، وكان فيها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر، فمنهم سكز، وبرامق، وسنقر الأشقر فسلمهم هولاكوهم وباقي الترك إلى رجل من التتر يقال له سلطان حق، وهو رجل من أكابر القبجاق، هرب من التتر لما غلبت على القبجاق، وقدم إلى حلب، فأحسن إليه الملك الناصر، فلم تطب له تلك البلاد، فعاد إلى التتر، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التي قدمنا ذكرها، وأمر هولاكو أن يمضي كل من سلم إلى داره، وملكه، وأن لا يعارض، وجعل النائب بحلب عماد الدين القزويني، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص، موسى بن إبراهيم بن شيركوه، وكان قد انفرد الأشرف المذكور عن المسلمين، لما توجه الملك الناصر إلى جهة مصر، ووصل إلى هولاكو بحلب، فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الملك الناصر صاحب حلب في سنة ست وأربعين وستمائة، وعوضه عنها تل باشر على ما تقدم ذكره، فعادت إليه في هذه السنة، واستقر ملكه بها، وقدم أيضاً إلى هولاكو، وهو نازل إلى حلب، محي الدين ابن الزكي
стр. 644
من دمشق، فأقبل عليه هولاكو خلع عليه وولاه قضاء الشام، ولما عاد ابن الزكي المذكور إلى دمشق، لبس خلعة هولاكو، وكانت مذهبة، وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق، وقرأ عليهم تقليد هولاكو، واستقر في القضاء، ثم رحل هولاكو إلى حارم، وطلب تسليمها، فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين، والي قلعة حلب، فأحضره هولاكو وسلموها إليه، فغضب هولاكو من ذلك وأمر بهم، فقتل أهل حارم عن آخرهم، وسبي النساء، ثم حل هولاكو بعد ذلك وعاد إلى الشرق، وأمر عماد الدين القزويني بالرحيل إلى بغداد، فسار إليها وجعل مكانه بحلب رجلاً أعجمياً، وأمر هولاكو بخراب أسورار قلعة حلب، وأسوار المدينة، فخربت عن آخرها، وأعطى هولاكو الأشرف موسى صاحب حمص الدستور، ففارقه ووصل إلى حماة، ونزل في الدار المبارز، وأخذ في خراب سور قلعة حماة بتقدم هولاكو إليه بذلك، فخربت أسوارها وأحرقت زردخانتها، وبيعت الكتب التي كانت بدار السلطنة بقلعة حماة بأبخس الأثمان، وأما أسوار مدينة حماة فلم تخرب، لأنه كان بحماة رجل يقال له إبراهيم بن الإفرنجية، ضامن الجهة المفردة، بذل لخسروشاه جملة كثيرة من المال، وقال. الفرنج قريب منا بحصن الأكراد، ومتى خربت أسوار المدينة لا يقدر أهلها على المقام فيها، فأخذ منه المال ولم يتعرض الخراب أسوار المدينة، وكان قد أمر هولاكو والأشرف موسى صاحب حمص بخراب قلعة حمص أيضاً، فلم يخرب منها إلا شيئاً قليلاً، لأنها مدينته، وأما دمشق فإنهم لما ملكوا المدينة بالأمان، لم يتعرضوا إلى قتل ولا نهب، وعصت قلعة دمشق عليهم، فحاصرها التتر، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة، وضايقوا القلعة وأقاموا عليها المجانيق، ثم تسلموها بالأمان في منتصف جمادى الأولى من هذه السنة، ونهبوا جميع ما فيها وجدوا في خراب أسوار القلعة، وإعدام ما بها من الزردخانات والآلات، ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها.
ذكر استيلاء التتر على ميافارقين
وقتل الملك الكامل صاحبها:
وفي هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، استولى التتر على ميافارقين، وقد تقدم ذكر نزولهم عليها ومحاصرتها، في سنة ست وخمسين، واستمر الحصار عليهم مدة سنتين، حتى فنيت أزوادهم، وفني أهلها بالوباء، وبالقتل، وصاحبها الملك الكامل محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، مصابراً ثابتاً، وضعف من عنده عن القتال، فاستولى التتر عليهما، وقتلوا صاحبها الملك الكامل المذكور، وحملوا رأسه على رمح، وطيف به في البلاد، ومروا به على حلب وحماة، ووصلوا به إلى دمشق في سابع عشرين جمادى الأولى من هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، وطافوا به في دمشق بالمغاني والطبول، وعلق رأس المذكور في شبكة بسور باب الفراديس إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين، فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفردايس، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين
стр. 645
ابن أبي شامة أبياتاً منها:
ابن غازي غزى وجاهد قوماً ... أثخنوا في العراق والمشرفين
طاهراً عالياً ومات شهيداً ... بعد صبر عليهم عامين
لم يشنه إذا طيف بالرأس منه ... وله أسوة برأس الحسين
ثم واروا في مشهد الرأس ذاك الرأس واستعجبوا من الحالين.
ذكر اتصال الملك الناصر بالتتر
واستيلائهم على عجلون وغيرها من قلاع الشام:
أما الملك الناصر يوسف فإنه لما انفرد عن العسكر من قطية، وسار إلى تيه بني إسرائيل، بقي متحيراً إلى أين يتوجه، وعزم على التوجه إلى الحجاز، وكان له طبر دار كردي اسمه حسين، فحسن له المضي إلى التتر وقصد هولاكو، فاغتر بقوله ونزل ببركة زيرا وسار حسين الكردي إلى كتبغا نائب هولاكو، وعرفه بموضع الملك الناصر، فأرسل كتبغا إليه وقبض عليه، وأحضره إلى عجلون، وكانت بعد عاصية، فأمره الملك الناصر بتسليمها، فسلمت إليهم فهدموها. وكنا قد ذكرنا حصار التتر لبعلبك، فتسلموها قبيل تسليم عجلون، وخربوا قلعتها أيضاً، وكان بالصبية صاحبها الملك السعيد ابن الملك العزيز ابن الملك العادل فسلم الصبية إليهم، وصار الملك السعيد المذكور معهم، وأعلن بالفسق والفجور وسفك دماء المسلمين، وأما الملك الناصر يوسف، فإن كتبغا بعث به إلى هولاكو، فوصل إلى دمشق، ثم إلى حماة، وبها الأشرف صاحب حمص، فخرج إلى لقائه هو وخسروشاه النائب بحماة، ثم سار إلى حلب، فلما عاينها الملك الناصر وما قد حل بها وبأهلها تضاعف تألمه وأنشد:
يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى ... وكانت به آيات حسنكم تتلى
ثم سار إلى الأردن، فأقبل عليه هولاكو ووعده برده إلى مملكته، وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غير ذلك
وفي خامس عشر شعبان من هذه السنة، أخرج التتر من الاعتقال نقيب قلعة دمشق، وواليها، وضربوا أعناقهما بداريا، واشتهر عند أهل دمشق خروج العساكر من مصر لقتال التتر، فأوقعوا بالنصارى، وكانوا قد استطالوا على المسلمين بدق النواقيس، وإدخال الخمر إلى الجامع، فنهبهم المسلمون في سابع عشرين رمضان من هذه السنة، وأخربوا كنيسة مريم، وكانت كنيسة عظيمة، وكانت كنيسة مريم في جانب دمشق الذي فتحه خالد بن الوليد بالسيف، فبقيت بيد المسلمين، وكان ملاصق الجامع كنيسة، وهي من الجانب الذي فتحه أبو
стр. 646
عبيدة بالأمان، فبقيت بأيدي النصارى، فلما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة خرب الكنيسة الملاصقة للجامع، وأضافها إليه، ولم يعوض النصارى عنها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عوضهم بكنيسة مريم عن تلك الكنيسة، فعمروها عمارة عظيمة، وبقيت كذلك حتى خربها المسلمون في التاريخ المذكور.
ذكر هزيمة التتر وقتل كتبغا
وفي هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، كانت هزيمة التتر في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، على عين جالوت، وكان من حديثها، أنه لما اجتمعت العساكر الإسلامية بمصر، عزم الملك المظفر قطز، مملوك المعز أيبك، على الخروج إلى الشام لقتال التتر، وسار من مصر بالعساكر الإسلامية، وصحبته الملك المنصور محمد صاحب حماة، وأخوه الملك الأفضل علي، وكان مسيره من الديار المصرية في أوائل رمضان من هذه السنة، ولما بلغ كتبغا وهو نائب هولاكو على الشام، ومقدم التتر، مسير العساكر الإسلامية إليه، صحبة الملك المظفر قطز، جمع من في الشام من التتر وسار إلى لقاء المسلمين، وكان الملك السعيد صاحب الصبيبة ابن الملك العزيز ابن الملك العادل بن أيوب صحبة كتبغا، وتقارب الجمعان في الغرر، والتقوا يوم الجمعة المذكور، فانهزمت التتر هزيمة قبيحة وأخذتهم سيوف المسلمين، وقتل مقدمهم كتبغا،، واستؤسر ابنه، وتعلق من سلم من التتر برؤوس الجبال، وتبعتهم المسلمون فأفنوهم، وهرب من سلم منهم إلى الشرق، وجرد قطز ركن الدين بيبرس البندقداري في إثرهم، فتبعتهم المسلمون إلى أطراف البلاد الشرقية، وكان أيضاً في صحبة التتر الملك الأشرف موسى صاحب حمص، فنازلهم وطلب الأمان من المظفر قطز، فأمنه ووصل إليه فأكرمه وأقره على ما بيده وهو حمص، ومضافاتها، وأما الملك السعيد صاحب الصبيبة، فإنه أمسك أسيراً وأحضر بين يدي الملك المظفر قطز، فأمر به، فضربت عنقه بسبب ما كان المذكور قد اعتمده من السفك والفسق.
ولما انقضى أمر المصاف، أحسن المظفر قطز إلى الملك المنصور صاحب حماة، وأقره على حماة وبارين، وأعاد إليه المعرة، وكانت في أيدي الحلبيين من حين استولوا عليها في سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأخذ سلمية معه وأعطاها أمير العرب، وأتم الملك المظفر السير بالعساكر وصحبته الملك المنصور صاحب حماة، حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت قد يئست من النصرة على التتر، لاستيلائهم على معظم بلاد الإسلام، ولأنهم ما قصدوا إقليماً إلا فتحوه، ولا عسكراً إلا هزمره، فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم وبقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام، وفي يوم دخوله دمشق، أمر بشنق جماعة من المنتسبين إلى التتر، فشنقوا وكان من جملتهم حسين الكردي، طيردار الملك الناصر يوسف، وهو الذكي أوقع الملك الناصر في أيدي التتر،
стр. 647
وفي هذه النصرة وقدوم قطز إلى الشام، يقول بعض الشعراء:
هلك الكفر في الشآم جميعاً ... واستجد الإسلام بعدد حوضه
بالمليك المظفر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بعزم وحزم ... فاعتززنا بسمره وببيضه
أوجب الله شكر ذاك علينا ... دائما مثل واجبات فروضه
ثم أعطى الملك المظفر قطز، صاحب حماة الملك المنصور، الدستور، فقدم الملك المنصور قدامه مملوكه ونائبه مبارز الدين أقوش المنصور إلى حماة، ثم سار الملك المنصور وأخوه الملك الأفضل ووصلا إلى حماة، ولما استقر الملك المنصور بحماة، قبض على جماعة كانوا مع التتر واعتقلهم، وهنأ الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ المنصور بهذا النصر العظيم، وبعود المعرة بقصيدة منها:
رعت العدى فضمنت ثل عروشها ... ولقيتها فأخذت تل جيوشها
نازلت أملاك التتار فأنزلت ... عن فحلها قسراً وعن أكديشها
فغدا لسيفك في رقاب كماتها ... حصد المناجل في يبيس حشيشها
فقت الملوك ببذل ما تحويه إذ ... ختمت خزائنها على منقوشها
ومنها:
وطويت عن مصر فسيح مراحل ... ما بين بركتها وبين عريشها
حتى حفظت على العباد بلادها ... من رومها الأقصى إلى إحبوشها
فرشت حماة لوطيء نعلك خدها ... فوطئت عين الشمس من مفروشها
وضربت سكتها التي أخلصتها ... عما يشوب النقد من مغشوشها
وكذا المعرة إذا ملكت قيادها ... دهشت سروراً سار في مدهوشها
طربت برجعتها إليك كأنما ... سكرت بخمرة حاسها أو حيشها
لا زلت تنعش بالنوال فقيرها ... وتنال أقصى الأجر من منعوشها
وكان خسروشاه قد سافر من حماة إلى جهة الشرق لما بلغه كسرة التتر، ثم جهز الملك المظفر قطز عسكراً إلى حلب لحفظها، ورتب أيضاً شمس الدين أقوش البرلي العزيزي أميراً بالسواحل وغزة، ورتب معه جماعة من العزيزية، وكان البرلي المذكور من مماليك الملك العزيز محمد صاحب حلب، وسار في جملة العزيزية مع ولده الملك الناصر يوسف إلى قتال المصريين، وخامر البرلي وجماعة من العزيزية على ابن أستاذهم الملك الناصر، وصاروا مع أيبك التركماني صاحب مصر، ثم إنهم قصدوا اغتيال المعز أيبك التركماني المذكور، وعلم بهم فقبض على بعضهم، وهرب بعضهم، وكان البرلي المذكور من جملة من سلم وهرب إلى الشام،
стр. 648
فلما وصل إلى الملك الناصر اعتقله بقلعة عجلون، فلما توجه الملك الناصر بالعسكر إلى الغور مندفعاً من بين يدي التتر، أخرج البرلي من حبس عجلون وطيب خاطره، فلما هرب الملك الناصر من قطية، دخل شمس الدين أقوش البرلي المذكور مع العساكر إلى مصر، فأحسن إليه الملك المظفر قطز، وولاه الآن السواحل وغزة، فلما استقر بدمشق على ما ذكرناه، وكان مقر البرلي لما تولى هذه الأعمال بنابلس تارة، وبيت جبرين أخرى، ثم إن الملك المظفر قطز، فرض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وهو الذي كان أتابكاً لعلي بن المعز أيبك، وفوض نيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان المذكور قد وصل إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام، ودخل مع العساكر إلى مصر، وصار مع المظفر قطز، ففوض إليه نيابة السلطنة بحلب، وكان سببه أن أخاه الملك الصالح بن لؤلؤ قد صار صاحب الموصل بعد أبيه، فولاه حلب ليكاتبه أخوه بأخبار التتر، ولما استقر السعيد المذكور في نيابة حلب، سار سيرة رديئة، وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية.
ذكر عود الملك المظفر قطز إلى جهة الديار المصرية
مقتله:
ولما قرر الملك المظفر قطز المعزي المذكور أمر الشام، على ما شرحناه، سار من دمشق إلى جهة البلاد المصرية، وكان قد اتفق بيبرس البندقداري الصالحي مع أنص مملوك نجم الدين الرومي الصالحي، والهاروني، وعلم الدين صغن أغلي، على قتل المظفر قطز، وساروا معه يتوقعون الفرصة، فلما وصل قطز إلى القصير بطرف الرمل، وبينه وبين الصالحية مرحلة، وقد سبق الدهليز والعسكر إلى الصالحية، فبينما قطز يسير إذ قامت أرنب بين يديه فساق عليها، وساق هؤلاء المذكورون معه، فلما بعدوا، تقدم إليه أنص وشفع عند الملك المظفر قطز في إنسان، فأجابه إلى ذلك، فأهوى لتقبيل يده وقبض عليها، فحمل عليه بيبرس البندقداري الصالحي حينئذ وضربه بالسيف، واجتمعوا عليه ورموه عن فرسه ثم قتلوه بالنشاب، وذلك في سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة، فكانت مدة ملكه أحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً، وساق بيبرس وأولئك المذكورون بعد مقتله حتى وصلوا إلى الدهليز بالصالحية.
ذكر سلطنة بيبرس البندقداري المذكور
ولما وصل ركن الدين بيبرس المذكور هو والجماعة الذين قتلوا الملك المظفر قطز إلي الدهليز كما ذكرناه، وكان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاي المستعرب، وهو الذي صارا أتابكاً لعلي بن المعز أيبك بعد الحلبي، فلما تسلطن قطز أقره على نيابة السلطنة، فلما وصل بيبرس البندقداري مع الجماعة الذين قتلوا قطز إلى الدهليز، سألهم أقطاي المستعرب المذكور وقال: من قتله منكم؟ فقال له بيبرس أنا. قال له أقطاي: يا خوند اجلس في
стр. 649
مرتبة السلطنة. فجلس، واستدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له في اليوم الذي قتل فيه قطز، وهو سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة.
واستقر بيبرس في السلطنة، وتلقب بالملك القاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، ثم بعد ذلك غير لقبه عن الملك القاهر، وتلقب بالملك الظاهر لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك، ما تلقب به أحد فطالت مدته، وكان الملك الظاهر المذكور، قد سأل من قطز النيابة بحلب، فلم يجبه إليها، ليكون ما قدره الله تعالى، ولما حلف الناس للملك الظاهر المذكور بالصالحية، ساق في جماعة من أصحابه وسبق العسكر إلى قلعة الجبل، ففتحت له ودخلها، واستقرت قدمه في المملكة، وكان قد زينت مصر والقاهرة لمقدم قطز، فاستمرت الزينة لسلطنة بيبرس المذكور، وكان مقتل قطز وسلطنة بيبرس في سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر إعادة عمارة قلعة دمشق
وفي هذه السنة في العشر الأخير من ذي القعدة، شرع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب السلطنة بدمشق، في عمارة قلعة دمشق، وجمع لها الصناع وكبراء الدولة والناس، وعملوا فيها، حتى النساء أيضاً، وكان عند الناس بذلك سرور عظيم.
ذكر سلطنة الحلبي بدمشق
كان علم الدين سنجر الحلبي، وقد استنابه الملك المظفر قطز بدمشق على ما تقدم ذكره. فلما جرى ما ذكرناه من قتل قطز، وسلطنة الملك الظاهر، جمع الحلبي الناس وحلفهم لنفسه بالسلطنة، وذلك في العشر الأول من ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأجابه الناس إلى ذلك وحلفوا له، ولم يتأخر عنه أحد، ولقب نفسه الملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة، وضربت السكة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة في ذلك، فلم يجبه، وقال صاحب حماة: أنا مع من يملك الديار المصرية كائناً من كان.
ذكر قبض عسكر حلب على الملك السعيد
ابن صاحب الموصل وعود التتر إلى الشام:
وكان الملك السعيد قد قرره قطز بحلب، وجرد معه جماعة من العزيزية والناصرية، وكان رديء السيرة، وقد أبغضه العسكر، وبلغ الملك السعيد المذكور مسير التتر إلى البيرة، فجرد إلى جهتهم جماعة قليلة من العسكر، وقدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصري، فأشار عليه كبراء العزيزية والناصرية، بأن هذا ما هو مصلحه، وأن هؤلاء قليلون، فيحصل الطمع بسببهم في البلاد، فلم يلتفت إلى ذلك، وأصر على مسيرهم، فسار سابق الدين أمير المجلس بمن معه حتى قاربوا البيرة، فوقع عليهم التتر، فهرب منهم ودخل البيرة، بعد أن قتل غالب من كان
стр. 650
معه، فازداد غيظ الأمراء على الملك السعيد بسبب ذلك، فاجتمعوا وقبضوا عليه ونهبوا وطاقه، وكان قد برز إلى الباب المعروف بباب الله، ولما استولوا على خزانته لم يجدوا فيها مالاً طائلاً، فهددوه، بالعذاب إن لم يقر لهم بماله، فنبش من تحت أشجار حائط دار ببابلي، جملة من المال، قيل كانت خمسين ألف دينار مصرية، ففرقت في الأمراء، وحمل الملك السعيد المذكور إلى الشغر وبكاس معتقلاً، ثم لما اندفع العسكر من بين يدي التتر على ما سنذكره، أفرجوا عنه، ولما جرى ذلك اتفقت العزيزية والناصرية وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي، ثم سارت التتر إلى حلب، فاندفع حسام الدين الجوكندار والعسكر الذين معه بين أيديهم إلى جهة حماة، ووصل التتر إلى حلب في أواخر هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة، وملكوها وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا، واسمها مقر الأنبياء فسماه العامة قرنبيا، ولما اجتمع المسلمون بقرنبيا بذل التتر فيهم السيف، فأفنوا غالبهم، وسلم القليل منهم، ووصل حسام الدين الجوكندار ومن معه إلى حماة، فضيفهم الملك المنصور محمد صاحب حماة، وهو مستشعر خائف من غدرهم، ثم رحلوا من حماة إلى حمص، فلما قارب التتر حماة، خرج منها الملك المنصور صاحبها وصحبته أخوه الملك الأفضل علي، والأمير مبارز الدين، باقي العسكر، واجتمعوا بحمص مع باقي العساكر إلى أن خرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وخمسينوستمائة.
ذكر كسرة التتر على حمص
وفي يوم الجمعة خامس المحرم عن هذه السنة، كانت كسرة التتر على حمص، وكان من حديثها أن التتر لما قدموا في آخر السنة الماضية إلى الشام، اندفعت العزيزية والناصرية من بين أيديهم، وكذلك الملك المنصور صاحب حماة، ووصلوا إلى حمص، واجتمع بهم الملك الأشرف صاحب حمص، ووقع اتفاقهم على ملثقى التتر، وسارت التتر إليهم والتقوا بظاهر حمص في نهار الجمعة المذكور، وكان التتر أكثر من المسلمين بكثير، ففتح الله تعالى على المسلمين بالنصر، وولى التتر منهزمين، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون منهم كيف شاؤوا، ووصل الملك المنصور إلى حماة بعد هذه الوقعة، وانضم من سلم من التتر إلى باقي جماعتهم، وكانوا نازلين قرب سلمية، واجتمعوا ونزلوا على حماة وبها صاحبها الملك المنصور، وأخوه الملك الأفضل والعسكر، وأقام التتر على حماة يوماً واحداً، ثم رحلوا عن حماة، وأراد الملك المنصور بعد رحيل التتر المسير إلى دمشق، فمنعه العامة من ذلك حتى استوثقوا منه أنه يعود إليهم عن قريب، فسافر هو وأخوه الملك الأفضل في جماعة قليلة، وبقي الطواشي مرشد في باقي العسكر بحماة، ووصل المنصور بمن معه إلى دمشق، وكذلك توجه الملك الأشرف صاحب حمص إلى دمشق، وأما حسام الدين الجوكندار العزيزي، فتوجه أيضاً بمن في صحبته، ولم
стр. 651
يدخل دمشق، ونزل بالمرج، ثم سار إلى مصر، وأقام صاحب حماة وصاحب حمص بدمشق في دورهما، والحاكم بها يومئذ سنجر الحلبي الملقب بالسلطان الملك المجاهد، وقد اضطرب أمره. ولذلك أقام صاحب حماة وصاحب حمص بدمشق، ولم يدخلا في طاعته لضعفه، وتلاشي أمره، وأما التتر فساروا عن حماة إلى فامية، وكان قد وصل إلى فامية سيف الدين الدنبلي الأشرفي، ومعه جماعة، فأقام بقلعة فامية، وبقي يغير على التتر، فرحلوا عن فامية وتوجهوا إلى الشرق.
ذكر القبض على سنجر الحلبي
الملقب بالملك المجاهد
وفي هذه السنة، جهز الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر عسكراً، مع علاء الدين البندقدار، وهو أستاذ الملك الظاهر، لقتال علم الدين سنجر الحلبي المستولي على دمشق، فوصلوا إلى دمشق في ثالث عشر صفر من هذه السنة، ولما وصل عسكر مصر إلى دمشق، خرج إليهم الحلبي لقتالهم، وكان صاحب حماة وصاحب حمص قيمين بدمشق، لم يخرجا مع الحلبي لقتالهم، ولا أطاعاه لاضطراب أمر الحلبي، واقتتل معهم بظاهر دمشق في ثالث عشر صفر من هذه السنة، أعني سنة تسع خمسين وستمائة، فولى الحلبي وأصحابه منهزمين، ودخل إلى قلعة دمشق، إلى أن جنه الليل فهرب من قلعة دمشق إلى جهة بعلبك، فتبعه العسكر وقبضوا عليه، وحمل إلى الديار المصرية، فاعتقل ثم أطلق، واستقرت دمشق في ملك الملك الظاهر بيبرس، وأقيمت له الخطبة بها بغيرها من الشام، مثل حماة وحلب وحمص وغيرها، واستقر أيدكين البندقدار الصالحي في دمشق لتدبير أمورها، ولما استقر الحال على ذلك، رحل الملك المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص، وعادا إلى بلادهما واستقر بها.
ذكر خروج البرلي
عن طاعة الملك الظاهر بيبرس واستيلائه على حلب:
وفي هذه السنة بعد استقرار علاء الدين أيدكين البندقدار في دمشق، ورد عليه مرسوم الملك الظاهر بيبرس بالقبض على بهاء الدين بغدي الأشرفي وعلى شمس الدين أقوش البرلي، وغيرهما من العزيزية والناصرية، وبقي علاء الدين أيدكين متوقعاً ذلك، فتوجه بغدي إلى علاء الدين أيدكين، فحال دخوله عليه قبض على بغدي المذكور، فاجتمعت العزيزية والناصرية إلى أقوش البرلي، وخرجوا من دمشق ليلاً على حمية، ونزلوا بالمرج، وكان أقوش البرلي قد ولاّه المظفر قطز غزة والسواحل على ما قدمنا ذكره، فلما جهز الملك الظاهر أستاذه البندقدار إلى قتال الحلبي، أرسل إلى البرلي وأمره أن ينضم إليه، فسار البرلي مع البندقدار وأقام بدمشق، فلما قبض على بغدي، خرج البرلي إلى المرج وأرسل علاء الدين أيدكين البندقدار إلى البرلي يطيب قلبه، ويحلف له، فلم يلتفت إلى ذلك، وسار البرلي إلى حمص وطلب من صاحبها الأشرف موسى أن يوافقه على العصيان، فلم يجبه إلى ذلك، ثم توجه إلى حماة وأرسل يقول للملك المنصور صاحب حماة، أنه لم يبق من البيت الأيوبي غيرك، وقم لنصير معك ونملكك البلاد، فلم يلتفت الملك المنصور إلى ذلك، ورده رداً قبيحاً، فاغتاظ البرلي ونزل على حماة وأحرق زرع بيدر العشر، وسار إلى شيزر ثم إلى جهة حلب، وكان علاء الدين
стр. 652
أيدكين البندقدار لما استقر بدمشق، قد جهز عسكراً صحبة فخر الدين الحمصي، للكشف عن البيرة، فإن التتر كانوا قد نازلوها، فلما قدم البرلي إلى حلب، كان بها فخر الدين الحمصي المذكور، فقال له البرلي نحن في طاعة الملك الظاهر، فتمضي إلى السلطان وتسأله أن يتركني ومن في صحبتي مقيمين بهذا الطرف، ونكون تحت طاعته من غير أن يكلفني وطء بساطه، فسار الحمصي إلى جهة مصر ليؤدي هذه الرسالة، فلما سار عن حلب، تمكن البرلي واحتاط على ما في حلب من الحواصل، واستبد بالأمر، وجمع العرب والتركمان، واستعد لقتال عسكر مصر، ولما توجه فخر الدين الحمصي لذلك، التقى في الرمل جمال الدين المحمدي الصالحي متوجهاً بمن معه من عسكر مصر لقتال البرلي وإمساكه، فأرسل الحمصي عرف الملك الظاهر بما طلبه البرلي، فأرسل الملك الظاهر ينكر على فخر الدين الحمصي المذكور ويأمره بالإنضمام إلى المحمدي، والمسير إلى قتال البرلي، فعاد من وقته، ثم رضي الملك الظاهر عن علم الدين سنجر الحلبي، وجهزه وراء المحمدي في جمع من العسكر، ثم أردفه بعز الدين الدمياطي في جمع آخر، وسار الجميع إلى جهة البرلي وساروا إلى حلب، وطردوه عنها، وانقضت السنة والأمر على ذلك.
ذكر مقتل الملك الناصر يوسف
وفي هذه السنة، ورد الخبر بمقتل الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعقد عزاه بجامع دمشق، في سابع جمادى الأولى من هذه السنة، أعني سنة تسع وخمسين وستمائة، وصورة الحال في قتله، أنه لما وصل إلى هولاكو على ما قدمنا ذكره، وعده برده إلى ملكه، وأقام عند هولاكو مدة، فلما بلغ هولاكو كسرة عسكره بعين جالوت، وقتل كتبغا، ثم كسرة عسكره على حمص ثانياً، غضب من ذلك وأحضر الملك الناصر المذكور، وأخاه الملك الظاهر غازي وقال له: أنت قلت أن عسكر الشام في طاعتك، فغدرت بي وقتلت المغل. فقال الملك الناصر: لو كنت بالشام ما ضرب أحد في وجه عسكرك بالسيف، ومن يكون ببلاد توريز كيف يحكم على بلاد الشام، فاستوفي هولاكو لعنه الله ناصجاً وضربه به. فقال الملك الناصر: يا خوند الصنيعة، فنهاه أخوه الظاهر وقال: قد حضرت، ثم رماه
стр. 653
بفرده ثانية فقتله، ثم أمر بضرب رقاب الباقين، فقتلوا الظاهر أخا الملك الناصر، والملك الصالح ابن صاحب حمص، والجماعة الذين كانوا معهم، واستبقوا الملك العزيز ابن الملك الناصر، لأنه كان صغيراً، فبقي عندهم مدة طويلة، وأحسنوا إليه، ثم مات وكان قد تولى الملك الناصر المذكور مملكة حلب بعد موت أبيه العزيز، وعمره سبع سنين، وأقامت جدته ضيفة خاتون بنت الملك العادل بتدبير مملكته، واستقل بالملك بعد وفاتها في سنة أربعين وستمائة، وعمره ثلاث عشرة سنة، وزاد ملكه على ملك أبيه وجده، فإنه ملك مثل حران والرها والرقة ورأس عين، وما مع ذلك من البلاد، وملك حمص، ثم ملك دمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزة، وعظم شأنه، وكسر عساكر مصر، وخطب له بمصر وبقلعة الجبل، على الوجه الذي تقدم ذكره، وكان قد غلب على الديار المصرية لولا هزيمته، وقتل مدبر دولته شمس الدين لؤلؤ الأرمني، ومخامرة مماليك أبيه العزيزية، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربعمائة رأس غنم، وكانت سماطاته وتجمله في الغاية القصوى، وكان حليماً وتجاوز به الحلم إلى حد أضر بالمملكة، فإنه لما أمنت قطاع الطريق في أيام مملكته من القتل والقطع، تجاوزوا الحد في الفساد بالمملكة، وانقطعت الطرق في أيامه، وبقي لا يقدر المسافر على السفر من دمشق إلى حماة وغيرها، الا برفقة من العسكر وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه، وكثرت الحرامية، وكانوا يكبسون الدور، ومع ذلك إذا أحضر القاتل إلى بين يدي الملك الناصر المذكور يقول: الحي خير من الميت، ويطلقه، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات وانتشار الحرامية والمفسدين، وكان على ذهن الناصر المذكور شيء كثير من الأدب والشعر، ويروى له أشعار كثيرة منها:
فوالله لو قطعت قلبي تأسفاً ... وجرعتني كاسات دمعي دماً صرفا
لما زادني إلا هوى ومحبة ... ولا اتخذت روحي سواك لها إلفا
وبنى بدمشق مدرسة قريب الجامع تعرف بالناصرية، ووقف عليها وقفاً جليلاً وبني بالصالحية تربة غرم عليها جملاً مستكثرة، فدفن فيها كرمون، وهو بعض أمراء التتر، وكانت منية الملك الناصر ببلاد العجم، وكان مولد الناصر المذكور في سنة سبع وعشرين وستمائة، فيكون عمره اثنتين وثلاثين سنة تقريباً.
ذكر مبايعة شخص بالخلافة وإثبات نسبه
وفي هذه السنة في رجب، قدم إلى مصر جماعة من العرب، ومعهم شخص أسود اللون، اسمه أحمد، زعموا أنه ابن الإمام الظاهر بالله، محمد ابن الإمام الناصر، وأنه خرج من دار الخلافة ببغداد لما ملكها التتر، فعقد الملك الظاهر بيبرس مجلساً حضر فيه جماعة من الأكابر، منهم الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، والقاضي تاج الدين
стр. 654
عبد الوهاب بن خلف، المعروف بابن بنت الأعز، فشهد أولئك العرب أن هذا الشخص المذكور هو ابن الظاهر محمد ابن الإمام الناصر، فيكون عم المستعصم، وأقام القاضي جماعة من الشهود، اجتمعوا بأولئك العرب، وسمعوا شهاداتهم، ثم شهدوا بالنسب بحكم الاستفاضة، فأثبت القاضي تاج الدين نسب أحمد المذكور، ولقب المستنصر بالله، أبا القاسم أحمد ابن الظاهر بالله محمد، وبايعه الملك الظاهر والناس بالخلافة، واهتم الملك الظاهر بأمره وعمل له الدهاليز والجمدارية وآلات الخلافة، واستخدم له عسكراً، وغرم على تجهيزه جملاً طائلة. قيل إن قدر ما غرمه عليه ألف ألف دينار، وكانت العامة تلقب الخليفة المذكور بالزرابيني، وبرز الملك الظاهر والخليفة الأسود المذكور في رمضان من هذه السنة، وتوجها إلى دمشق، وكان في كل منزلة يمضي الملك الظاهر الى دهليزه الخاص به، ولما وصلا إلى دمشق، نزل الملك الظاهر بالقلعة، ونزل الخليفة في جبل الصالحية، ونزل حول الخليفة أمراؤه وأجناده.
ثم جهز الخليفة عسكره إلى جهة بغداد، طمعاً في أنه يستولي على بغداد، ويجتمع عليه الناس، فسار الخليفة الأسود بعسكره من دمشق، وركب الملك الظاهر وودعه ووصاه بالتأني في الأمور، ثم عاد الملك الظاهر إلى دمشق من توديع الخليفة، ثم سار إلى الديار المصرية ودخلها في سابع عشر ذي الحجة من هذه السنة، ووصلت إليه كتب الخليفة بالديار المصرية، أنه قد استولى على عانة والحديثة، وولى عليهما، وأن كتب أهل العراق وصلت إليه يستحثونه على الوصول إليهم، ثم قبل، أن يصل إلى بغداد، وصلت إليه التتر وقتلوا الخليفة المذكور، وقتلوا غالب أصحابه، ونهبوا ما كان معه وجاءت الأخبار بذلك.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، لما سار الملك الظاهر إلى الشام، أمر القاضي شمس الدين ابن خلكان فسافر في صحبته من مصر إلى الشام، فعزل عن قضاء دمشق نجم الدين ابن صدر الدين بن سنا الدولة، وكان قطز قد عزل المحي ابن الزكي الذي ولاه هولاكو القضاء، وولى ابن سنا الدولة، فعزله الملك الظاهر في هذه السنة وولى القضاء شمس الدين بن خلكان.
وفيها قدم أولاد صاحب الموصل، وهم الملك الصالح إسماعيل، ثم أخوه الملك المجاهد إسحاق صاحب جزيرة ابن عمر، ثم أخوهما الملك المظفر علي صاحب سنجار، أولاد لؤلؤ، فأحسن الملك الظاهر إليهم، وأعطاهم الإقطاعات الجليلة بالديار المصرية، واستمروا في أرغد عيش في طول مدة الملك الظاهر.
وفيها في ربيع الآخر وردت الأخبار من ناحية عكا، أن سبع جزائر في البحر خسف بها وبأهلها، وبقي أهل عكا لابسين السواد وهم يبكون ويستغفرون من الذنوب بزعمهم.
وفيها جهز الملك الظاهر بيبرس
стр. 655
بدر الدين الأيدمري، فتسلم الشوبك في سلخ ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة تسع وخمسين وستمائة، وأخذها من الملك المغيث صاحب الكرك.
ثم دخلت سنة ستين وستمائة في هذه السنة في نصف رجب، وردت جماعة من مماليك الخليفة المستعصم البغاددة، وكانوا قد تأخروا في العراق بعد استيلاء التتر على بغداد، وقتل الخليفة، وكان مقدمهم يقال له شمس الدين سلار، فأحسن الملك الظاهر بيبرس ملتقاهم، وعين لهم الإقطاعات بالديار المصرية.
وفيها في رجب أيضاً، وصل إلى خدمة الملك الظاهر بيبرس بالديار المصرية، عماد الدين بن مظفر الدين، صاحب صهيون، رسولاً من أخيه سيف الدين صاحب صهيون، وصحبته هدية جليلة، فقبلها الملك الظاهر وأحسن إليه.
وفيها جهز الملك الظاهر عسكراً إلى حلب، وكان مقدمهم شمس الدين سنقر الرومي، فأمنت بلاد حلب وعادت إلى الصلاح، ثم تقدم الملك الظاهر بيبرس إلى سنقر الرومي إلى صاحب حماة الملك المنصور، وإلى صاحب حمص الملك الأشرف موسى أن يسيروا إلى أنطاكية وبلادها، للإغارة عليها، فساروا إليها ونهبوا بلادها وضايقوها، ثم عادوا، فتوجهت العساكر المصرية صحبة سنقر الرومي إلى مصر، ووصلوا إليها في تاسع عشرين رمضان من هذه السنة، ومعهم ما ينوف عن ثلاثمائة أسير، فقابلهم الملك الظاهر بالأحسان والإنعام.
وفيها لما ضاقت على أقوش البرلي البلاد، وأخذت منه حلب، ولم يبق بيده غير البيرة، دخل في طاعه الملك الظاهر وسار إليه، فكتب الملك الظاهر إلى النواب بالإحسان إليه وترتيب الإقامات له في الطرقات، حتى وصل إلى الديار المصرية، في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، أعنب سنة ستين، فتلقاه الملك الظاهر وبالغ في الإحسان إليه، وأكثر له العطاء، فسأله أقوش البرلي من الملك الظاهر أن يقبل منه البيرة، فلم يفعل، وما زال يعاوده حتى قبلها، وبقي أقوش البرلي العزيز المذكور مع الملك المظاهر إلى أن تغير عليه، وقبضه في رجب سنة إحدى وستين وستمائة، فكان آخر العهد به.
وفيها في ذي القعدة، قبض الملك الظاهر على نائبه بدمشق، وهو علاء الدين طيبرس الوزيري، وكان قد تولى دمشق، بعد مسير علاء الدين أيدكين البندقدار عنها، وسبب القبض عليه، أنه بلغ الملك الظاهر عنه أمور كرهها، فأرسل إليه عسكراً مع عز الدين الدمياطي وغيره من الأمراء، لما وصلوا إلى دمشق، خرج طيبرس لتلقيهم، فقبضوا عليه وقيدوه وأرسلوه إلى مصر، فحبسه الملك الظاهر، واستمر الحاج طيبرس في الحبس سنة وشهراً، وكانت مدة ولايته بدمشق سنة وشهراً أيضاً، وكان طيبرس المذكور رديء السيرة في أهل دمشق، حتى نزح عنها جماعة كثيرة من ظلمه، وحكم في دمشق بعد قبض طيبرس المذكور، علاء الدين أيدغدي الحاج الركني، ثم استناب الملك الظاهر على دمشق الأمير جمال الدين أقوش النجيبي
стр. 656
الصالحي.
وفيها في يوم الخميس في أواخر ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة ستين وستمائة، جلس الملك الظاهر مجلساً عاماً، وأحضر شخصاً كان مد قدم إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة، من نسل بني العباس، يسمى أحمد، بعد أن أثبت نسبه، وبايعه بالخلافة، ولقب أحمد المذكور الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، وقد اختلف في نسبه، فالذي هو مشهور بمصر عند نسابة مصر، أنه أحمد بن حسن بن أبي بكر ابن الأمير أبي علي القبى ابن الأمير حسن ابن الراشد ابن المسترشد ابن المستظهر، وقد مر نسب المستظهر مع جملة خلفاء بني العباس، وأما عند الشرفاء العباسيين السلمانيين في درج نسبهم الثابت فقالوا: هو أحمد بن أبي بكر علي بن أبي بكر أحمد ابن الإمام المسترشد الفضل ابن المستظهر. ولما أثبت الملك الظاهر نسب المذكور، نزله في برج محترزاً عليه، وأشرك له الدعاء في الخطبة لا غير ذلك.
وفيها جهز الملك المنصور صاحب حماة، شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري رسولاً إلى الملك الظاهر، ووصل شيخ الشيوخ المذكور، فوجد الملك الظاهر عاتباً على صاحب حماة، لاشتغاله عن مصالح المسلمين باللهو، وأنكر الملك الظاهر على الشيخ شرف الدين ذلك، ثم انصلح خاطره، وحمله ما طيب به قلب صاحبه الملك المنصور، ثم عاد إلى حماة.
وفيها توفي الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي الإمام في مذهب الشافعي، وله مصنفات جليلة في المذهب، وكانت وفاته بمصر رحمه الله تعالى.
وفيها في ذي الحجة، توفي الصاحب كمال الدين عمر بن عبد العزيز المعروف بابن العديم، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وكان فاضلاً كبير القدر، ألف تاريخ حلب، وغيره من المصنفات، وكان قد قدم إلى مصر لما جفل الناس من التتر، ثم عاد بعد خراب حلب إليها، فلما نظر ما فعله التتر من خراب حلب، وقتل أهلها بعد تلك العمارة، قال في ذلك قصيدة طويلة منها:
هو الدهر ما تبنيه كفاك يهدم ... وإن رمت إنصافاً لديه فتظلم
أباد ملوك الفرس جمعاً وقيصراً ... وأصمت لدى فرسانها منه أسهم
وأفنى بني أيوب مع كثر جمعهم ... وما منهم إلا مليك معظم
وملك بني العباس زال ولم يدع ... لهم أثراً من بعدهم وهم هم
وأعتابهم أضحت تداس وعهدها ... تباس بأفواه الملوك وتلثم
وعن حلب ما شئت قل من عجائب ... أحل بها يا صاح إن كنت تعلم
ومنها:
فيا لك من يوم شديد لغامه ... قد أصبحت فيه المساجد تهدم
وقد درست تلك المدارس وارتمت ... مصاحفها فوق الثرى وهي ضخم
стр. 657
وهي طويلة وآخرها:
ولكنما لله في ذا مشيئة ... فيفعل فينا ما يشاء ويحكم
ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة.
ذكر مسير الملك الظاهر إلى الشام
في هذه السنة، في حادي عشر ربيع الآخر، سار الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى الشام، فلاقته والدة الملك المغيث عمر صاحب الكرك بغزة، وتوثقت لابنها الملك المغيث من الملك الظاهر بالأمان، وأحسن إليها، ثم توجهت إلى الكرك، وتوجه صحبتها شرف الدين الجاكي المهمندار، يرسم حمل الإقامات إلى الطرقات، برسم الملك المغيث، ثم سار الملك الظاهر من غزة ووصل إلى الطور، في ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ووصل إليه على الطور الأشرف موسى صاحب حمص، في نصف الشهر المذكور، فأحسن إليه الملك الظاهر وأكرمه.
ذكر حضور الملك المغيث صاحب الكرك
وقتله واستيلاء الملك الظاهر بيبرس على الكرك:
وفي هذه السنة كان مقتل الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب الكرك، وسببه أنه كان في قلب الملك الظاهر بيبرس منه غيظ عظيم، لأمور كانت بينهما، قيل إن المغيث المذكور أكره امرأة الملك الظاهر بيبرس، لما قبض المغيث على البحرية. وأرسلهم إلى الناصر يوسف صاحب دمشق، وهرب الملك الظاهر بيبرس المذكور، وبقيت امرأته في الكرك، والله أعلم بحقيقة ذلك، وكان من حديث مقتله، أن الملك الظاهر بيبرس مازال يجتهد على حضور المغيث المذكور، وحلف لوالدته على غزة كما تقدم ذكره، وكان عند المغيث شخص يسمى الأمجد، وكان يبعثه في الرسالة إلى الملك الظاهر، فكان الظاهر يبالغ في إكرامه وتقريبه، فاغتر الأمجد بذلك، وما زال على مخدومه الملك المغيث، حتى أحضره إلى الملك الظاهر.
حكى لي شرف الدين بن مزهر، وكان ابن مزهر المذكور، ناظر خزانة المغيث.
قال: لما عزم المغيث على التوجه إلى خدمة الملك الظاهر، لم يكن قد بقي بخزانته شيء من المال، ولا القماش، وكان لوالدته حواصل بالبلاد، فبعناها بأربعة وعشرين ألف درهم، واشترينا باثني عشر ألف درهم خلعاً من دمشق، وجعلنا في صناديق الخزانة، الاثني عشر الألف الأخرى، ونزل المغيث من الكرك وأنا والأمجد وجماعة من أصحابه معه، في خدمته.
قال: وشرعت البريدية تصل إلى الملك المغيث في
стр. 658
كل يوم بمكاتبات الملك الظاهر، ويرسل صحبتهم مثل غزلان ونحوها، والمغيث يخلع عليهم، حتى نفد ما كان بالخزنة من الخلع، ومن جملة ما كتب إليه في بعض المكاتبات، المملوك ينشد في قدوم مولانا:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد
قال: وكان الخوف في قلب المغيث شديداً من الملك الظاهر.
قال ابن مزهر المذكور: ففاتحني في شيء من ذلك بالليل.
فقلت له: احلف إلي أنك لا تقول للأمجد ما أقوله لك حتى أنصحك، فحلف لي.
فقلت له: اخرج الساعة من تحت الخام، واركب حجرتك النجيلة، ولا يصبح لك الصباح إلا وأنت قد وصلت إلى الكرك، فتعصى فيه، ولا تفكر بأحد.
وقال ابن مزهر: فغافلني وتحدث مع الأمجد في شيء من ذلك.
فقال له الأمجد: هذا رأى ابن مزهر إياك من ذلك.
وسار المغيث حتى وصل إلى بيسان، فركب الملك الظاهر بعساكره والتقاه في يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما شاهد المغيث الملك الظاهر، ترجل، فمنعه الملك الظاهر وأركبه وساق إلى جانبه، وقد تغير وجه الملك الظاهر، فلما قارب الدهليز، أفرد الملك المغيث عنه وأنزله في خيمة وقبض عليه، وأرسله معتقلاً إلى مصر، فكان آخر العهد به.
قيل أنه حمل إلى امرأة الملك الظاهر بيبرس بقلعة الجبل، فأمرت جواريها فقتلته بالقباقيب، ثم قبض الملك الظاهر على جميع أصحاب المغيث، ومن جملتهم ابن مزهر المذكور، ثم بعد ذلك أفرج عنهم، انتهى كلام ابن مزهر.
ولما التقى الملك الظاهر ببيرس الملك المغيث المذكور وقبض عليه، أحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتر إلى الملك المغيث، أجوبة عن ما كتب إليهم به في أطماعهم في ملك مصر والشام، وكتب بذلك مشروح، وأثبت على الحكام، وكان للملك المغيث المذكور ولداً يقال له الملك العزيز، أعطاه الملك الظاهر إقطاعاً بديار مصر، وأحسن إليه، ثم جهز الملك الظاهر بدر الدين البيسري الشمسي، وعز الدين أستاذ الدار إلى الكرك، فتسلماها في يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، أعني سنة إحدى وستين وستمائة، ثم سار الملك الظاهر ووصل إلى الكرك، ورتب أمورها، ثم عاد إلى الديار المصرية، فوصل إليها في سابع عشر رجب من هذه السنة.
ذكر الإغارة على عكا وغيرها
وفي هذه السنة لما كان الملك الظاهر نازلاً على الطور، أرسل عسكراً هدموا كنيسة الناصرة، وهي من أكبر مواطن عبادات النصارى، لأن منها خرج دين النصرانية، وأغاروا على عكا وبلادها، فغنموا وعادوا، ثم ركب الملك الظاهر بنفسه وجماعة اختارهم،
стр. 659
وأغار ثانياً على عكا وبلادها وهدم برجاً كان خارج البلد، وذلك عقيب إغارة عسكره وهدم الكنيسة الناصرة.
ذكر القبض على من يذكر
وفيها بعد وصول الملك الظاهر بيبرس إلى مصر واستقراره في ملكه، في رجب، قبض على الرشيدي، ثم قبض في ثاني يوم على الدمياطي والبرلي، وقد تقدمت أخبار البرلي المذكور.
ذكر وفاة الأشرف صاحب حمص
وفي هذه السنة بعد عود الملك الأشرف صاحب حمص موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد شيركوه بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شاذي، من خدمة الملك الظاهر بيبرس إلى حمص، مرض واشتد به المرض، وتوفي إلى رحمة الله تعالى، وأرسل الملك الظاهر وتسلم حمص في ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة إحدى وستين وستمائة، وهذا الملك الأشرف موسى هو آخر من ملك حمص من بيت شيركوه، وقد تقدمت أخبار الأشرف موسى المذكور، وأخذ الملك الناصر يوسف صاحب حلب منه حمص، بسبب تسليمه شميميس للملك الصالح أيوب، صاحب مصر وأنه يعوض عن حمص تل باشر، ثم أعاد هولاكو عليه حمص، فبقيت في يده حتى توفي في أواخر هذه السنة، وانتقلت حمص إلى مملكة الملك الظاهر بيبرس في ذي القعدة حسبما ذكره، وكان جملة من ملك حمص منهم خمسة ملوك، أولهم شيركوه بن شاذي، ملكه إياها نور الدين الشهيد، ثم ملكها من بعده ابنه ناصر الدين محمد بن شيركوه، ثم ملكها بعده ابنه شيركوه بن محمد، وتلقب بالملك المجاهد، ثم ملكها بعده ابنه إبراهيم بن شيركوه، وتلقب بالملك المنصور، ثم ملكها بعده ابنه موسى بن إبراهيم، وتلقب بالملك الأشرف حتى توفي هذه السنة، وانقرض بموته ملك المذكورين.
ثم دخلت سنة اثنتين وستمائة في هذه السنة قبض الأشكري صاحب قسطنطينية على عز الدين كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ صاحب بلد الروم، وسببه أن عز الدين كيكاؤوس المذكور، كان قد وقع بينه وبين أخيه، فاستظهر أخوه علية، فهرب كيكاؤوس وبقي أخوه ركن الدين قليج أرسلان في سلطنة بلاد الروم، ثم سار كيكاؤوس المذكور إلى قسطنطينية، فأحسن إليه الأشكري صاحب قسطنطينية. وإلى من معه من الأمراء، واستمروا كذلك مدة، فعزمت الأمراء والجماعة الذين كانوا مع عز الدين المذكور على اغتيال الأشكري وقتله، والتغلب على قسطنطينية، وبلغ ذلك الأشكري، فقبض عليهم، واعتقل عز الدين كيكاؤوس ابن كيخسرو في بعض القلاع، وكحل الأمراء والجماعة الذين كانوا عزموا على ذلك، فأعمى عيونهم،
стр. 660
وقد تقدم ذكر كيكاؤوس المذكور وأخيه قليج أرسلان في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وفيها في ثامن رمضان توفي الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري، المعروف بشيخ الشيوخ بحماة، وكان مولده في جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وكان ديناً فاضلاً متقدماً عند الملوك، وله النثر البديع والنظم الفائق، وكان غزير العقل، عارفاً بتدبير المملكة، فمن حسن تدبيره. أن الملك الأفضل علي ابن الملك المظفر محمود، لما ماتت والدته غازية خاتون بنت الملك الكامل رحمهما الله تعالى، حصل عند الملك الأفضل المذكور استشعار من أخيه الملك المنصور محمد صاحب حماة، فعزم على أن ينتزح من حماة ويفارق أخاه الملك المنصور، وأذن له أخوه الملك المنصور في ذلك، فاجتمع الشيخ شرف الدين المذكور بالملك الأفضل، وعرفه ما تعمده من السلوك مع أخيه الملك المنصور، ثم اجتمع بالملك المنصور وقبح عنده مفارقة أخيه، وما برح بينهما حتى أزال ما كان في خواطرهما، وصار للملك الأفضل في خاطر أخيه الملك المنصور من المحبة والمكانة ما يفوق الوصف، وكان ذلك من بركة شرف الدين المذكور، وللشيخ شرف الدين المذكور أشعار فائقة، قد تقدم ذكر بعضها، وكان مرة مع الملك الناصر يوسف صاحب الشام بعمان، فعمل الشيخ شرف الدين.
أفدي حبيباً منذ واجهته ... عن وجه بدر التم أغناني
في وجهه خالان لولاهما ... ما بت مفتوناً بعمان
وأنشدهما للملك الناصر، فأعجبته إلى الغاية، وجعل يردد إنشادهما، وقال لكاتبه كمال الدين بن العجمي، هكذا تكون الفضيلة، فقال ابن العجمي أن التورية لا تخدم هنا، لأن عمان مجرورة في النظم، فلا تخدمه في التورية، فقال الملك الناصر للشيخ شرف الدين ما قاله، فقال شرف الدين إن هذا جائز وهو أن يكون المثنى في حالة الجر على صورة الرفع، واستشهد شرف الدين بقول الشاعر:
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغاً لناباه الشجاع لصمما
واستشهد بغير ذلك فتحقق الملك الناصر فضيلته.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمائة.
стр. 661
ذكر فتوح قيسارية
في هذه السنة، سار الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية بعساكره المتوافرة، إلى جهاد الفرنج بالساحل، ونازل قيسارية الشام، في تاسع جمادى الأولى، وضايقها وفتحها بعد ستة أيام من نزوله، وذلك في منتصف الشهر المذكور، وأمر بها فهدمت، ثم سار إلى أرسوف ونازلها وفتحها في جمادى الآخرة في هذه السنة.
ذكر موت هولاكو
في هذه السنة، في تاسع عشر ربيع الآخر، مات هولاكو ملك التتر، لعنه الله تعالى. وهو هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وكانت وفاته بالقرب من كورة مراغة، وكانت مدة ملكه
стр. 662
البلاد التي سنصفها، نحو عشر سنين، وخلف خمسة عشر ولداً ذكراً، ولما مات، جلس في الملك بعده ولده أبغا بن هولاكو، واستقرت له البلاد التي كانت بيد والده حال وفاته، وهي: إقليم خراسان، وكرسيه نيسابور، وإقليم عراق العجم، وهو الذي يعرف ببلاد الجبل، وكرسيه أصفهان، وإقليم عراق العرب، وكرسيه بغداد، وإقليم أذربيجان وكرسيه تبريز، وإقليم خورستان وكرسيه تستر، التي تسميها العامة تشتر، وإقليم فارس وكرسيه شيراز، وإقليم ديار بكر وكرسيه الموصل، وإقليم الروم وكرسيه قونية، وغير ذلك من البلاد التي ليست في الشهرة. مثل هذه الأقاليم العظيمة.
ذكر غير ذلك من الحوادث: في هذه السنة أو التي بعدها، أمسك الملك الظاهر بيبرس، زامل بن علي، أمير العرب، بمكاتبة عيسى بن مهنا في حقه. وفيها في رمضان، استولى النائب بالرحبة على قرقيسيا، وهي حصن الزباء التي تقدم خبرها مع جذيمة الأبرش في أوائل الكتاب، وفيه خلاف. وفيها قبض الملك الظاهر بيبرس على سنقر الرومي. وفيها توفي قاضي القضاة بمصر، بدر الدين يوسف بن حسن علي السنجاري.
ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة.
ذكر فتوح صفد وغيرها
في هذه السنة خرج الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من الديار المصرية، وسار، الشام، وجهز عسكراً إلى ساحل طرابلس، ففتحوا القليعات وحلباً وعرقاً، ونزل الملك الظاهر على صفد، ثامن شعبان، وضايقها بالزحف وآلات الحصار، وقدم إليه وهو على صفد، الملك المنصور صاحب حماة، ولاصق الجند القلعة، وكثر القتل والجراح في المسلمين، وفتحها في تاسع عشر شعبان المذكور بالأمان، ثم قتل أهلها عن آخرهم.
ذكر دخول العساكر إلى بلاد الأرمن
وفي هذه السنة بعد فراغ الملك الظاهر من فتوح صفد، سار إلى دمشق، فلما دخلها واستقر فيها، جرد عسكراً ضخماً، وقدم عليهم الملك المنصور صاحب حماة، وأمرهم بالمسير إلى بلاد الأرمن، فسارت العساكر صحبة الملك المنصور المذكور، ووصلوا إلى بلاد سيس في ذي القعدة من هذه السنة، وكان صاحب سيس إذ ذاك، هيثوم بن قسطنطين بن باسيل، قد حصن الدربندات بالرجالة والمناجنيق، وجعل عسكره مع ولديه على الدربندات، لقتال العسكر الإسلامي ومنعه، فداستهم العساكر الإسلامية، وأفنوهم قتلاً وأسراً، وقتل ابن صاحب سيس الواحد، وأسر ابنه الآخر، وهو ليفون بن هيثوم المذكور، وانتشرت العساكر الإسلامية في بلاد سيس، وفتحوا قلعة العامودين. وقتلوا أهلها، ثم عادت العساكر وقد امتلأت أيديهم من الغنائم، ولما وصل خبر هذا الفتح العظيم إلى الملك الظاهر بيبرس،
стр. 663
رحل من دمشق ووصل إلى حماة، ثم إلى فامية، فالتقى عساكره وقد عادت منصورة وأمر بتسليم الأسرى، وفيهم ليفون بن صاحب سيس، وكان المذكور لما أسر، سلمه الملك المنصور إلى أخيه الملك الأفضل، فاحترز عليه وحفظه حتى: حضره بين يدي السلطان، ثم عاد إلى الديار المصرية على طريق الكرك، فتقنطر بالملك الظاهر المذكور فرسه، عند بركة زيزا، وانكسرت فخذه، وحمل في محفة إلى قلعة الجبل.
ذكر قتل أهل قارا ونهبهم
وفي هذه السنة، عند توجه الملك الظاهر من دمشق، لملتقى عساكره العائدة من غزوة بلاد سيس، لما نزل على قارا بين دمشق وحمص، أمر بنهب أهلها وقتل كبارهم، فنهبوا وقتل منهم جماعة لأنهم كانوا نصارى، وكانوا يسرقون المسلمين ويبيعونهم بالخفية إلى الفرنج، وأخذت صبيانهم مماليك، فتربوا بين الترك في الديار المصرية، فصار منهم أجناد وأمراء.
ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة فيها وصل الملك المنصور محمد صاحب حماة إلى خدمة الملك الظاهر بيبرس بالديار المصرية، ثم طلب المنصور من الملك الظاهر مرسوماً بالتوجه إلى الإسكندرية، ليراها ويتفرج فيها، فرسم له بذلك وأمر أهل إسكندرية بإكرامه واحترامه، وفرش الشقق بين يدي فرسه. فتوجه الملك المنصور إلى الإسكندرية، وعاد للديار المصرية مكرماً محترماً، ثم خلع عليه الملك الظاهر، وأحسن إليه على جاري عادته، ورسم له بالدستور فعاد إلى بلده.
وفيها توجه الملك الظاهر بيبرس إلى الشام، فنظر في مصالح صفد، ووصل إلى دمشق، وأقام بها خمسة أيام، وقوي الأرجاف بوصول التتر إلى الشام، ثم وردت الأخبار بعودهم على عقبهم، فعاد الملك الظاهر إلى ديار مصر.
ذكر موت ملك التتر بالبلاد الشمالية
وفي هذه السنة، مات بركه بن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان، أعظم ملوك التتر، وكرسي مملكته مدينة صراي، وكان قد مال إلى دين الإسلام، ولما مات، جلس في الملك بعده ابن عمه منكوتمر بن طغان بن باطر بن دوشي خان بن جنكزخان.
ثم دخلت سنة ست وستينوستمائة.
ذكر مسير الملك الظاهر إلى الشام
وفتح أنطاكية وغيرها:
في هذه السنة، في مستهل جمادى الآخرة، توجه الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وفتح يافا في العشر الأوسط من الشهر المذكور، وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أنطاكية ونازلها مستهل رمضان، وزحفت العساكر الإسلامية على أنطاكية، فملكوها بالسيف، في يوم السبت رابع شهر رمضان من هذه السنة، وقتلوا أهلها وسبوا ذراريهم،
стр. 664
وغنموا منهم أموالاً جليلة، وكانت أنطاكية للبرنس بيمند بن بيمند، وله معها طرابلس، وكان مقيماً بطرابلس، لما فتحت أنطاكية وفيها في ثالث عشر رمضان، استولى الملك الظاهر على بغراس، وسبب ذلك أنه لما فتح أنطاكية، هرب أهل بغراس منها وتركوا الحصن خالياً، فأرسل من استولى عليها في التاريخ المذكور، وشحنه بالرجال والعدد، وصار من الحصون الإسلامية، وقد تقدم ذكر فتح صلاح الدين للحصن المذكور وتخريبه، ثم عمارة الفرنج له بعد صلاح الدين، ثم حصار عسكر حلب له ورحيلهم عنه بعد أن أشرفوا على أخذه.
وفيها في شوال، وقع الصلح بين الملك الظاهر وبين هيثوم صاحب سيس، على أنه إذا أحضر صاحب سيس، سنقر الأشقر من التتر، وكانوا قد أخذوه من قلعة حلب لما ملكها هولاكو، كما تقدم ذكره. وسلم مع ذلك، بهسنا ودربساك ومرزبان ورعبان، وشيح الحديد، يطلق له ابنه ليفون، فدخل صاحب سيس على أبغا ملك التتر، وطلب منه سنقر الأشقر، فأعطاه إياه، ووصل سنقر الأشقر إلى خدمة الملك الظاهر، وكذلك سلم دربساك وغيرها من المواضع المذكورة، خلا بهسنا، وأطلق الملك الظاهر ابن صاحب سيس، ليفون بن هيثوم، وتوجه إلى والده، ثم عاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية، ووصل إليها في ذي الحجة من هذه السنة.
وفيها اتفق معين الدين سليمان البرواناه، مع التتر المقيمين معه ببلاد الروم، على قتل ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان يبغو بن سلجوق، سلطان الروم، فخنق التتر ركن الدين المذكور، بوتر، وأقام البرواناه مقامه ولده غياث الدين بن ركن الدين قليج أرسلان المذكور، وله من العمر ربع سنين.
ثم دخلت سنة سبع وستينوستمائة. وفي هذه السنة، خرج الملك الظاهر إلى الشام وخيم في خربة اللصوص، وتوجه إلى مصر بالخفية، ووصل إليها بغتة، وأهل مصر والنائب بها لا يعلمون بذلك إلا بعد أن صار بينهم، ثم عاد إلى الشام.
وفيها تسلم الملك الظاهر بلاطنس من عز الدين عثمان صاحب صهيون.
وفيها توجه الملك الظاهر بيبرس إلى الحجاز الشريف، وكان رحيله من الفوار في الخامس والعشرين من شوال، ووصل إلى الكرك وأقام به أياماً، وتوجه من الكرك في سادس ذي العقدة إلى الشوبك، ورحل من الشوبك في الحادي عشر من الشهر المذكور، ووصل إلى المدينة النبوية في خامس وعشرينه ووصل إلى مكة في خامس ذي الحجة، ووصل إلى الكرك في سلخ ذي الحجة.
ثم دخلت سنة ثمان وستينوستمائة. فيها توجه الملك الظاهر بيبرس من الكرك، مستهل المحرم، عند عوده من الحج، فوصل إلى دمشق بغتة، وتوجه في يومه. ووصل إلى حماة في خامس المحرم، وتوجه من ساعته إلى حلب، ولم يعلم به العسكر إلا وهو في الموكب معهم، وعاد إلى دمشق في ثالث عشر
стр. 665
المحرم المذكور، ثم توجه إلى القدس، ثم إلى القاهرة، فوصل إليها في ثالث صفر من هذه السنة.
وفيها عاد الملك الظاهر إلى الشام وأغار على عكا، وتوجه إلى دمشق، ثم إلى حماة.
وفيها جهز الملك الظاهر عسكراً إلى بلاد الإسماعيلية، فتسلموا مصياف في العشر الأوسط من رجب من هذه السنة، وعاد الملك الظاهر من حماة إلى جهة دمشق، فدخلها في الثامن والعشرين من رجب، ثم عاد إلى مقر ملكه بمصر.
وفيها حصل بين منكوتمر بن طغان ملك التتر بالبلاد الشمالية، وبين الأشكري صاحب قسطنطينية وحشة، فجهز منكوتمر إلى قسطنطينية جيشاً من التتر، فوصلوا إليها وعاثوا في بلادها، ومرواً بالقلعة التي فيها عز الدين كيكاؤوس بن كيخسرو ملك بلاد الروم محبوساً، كما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وستين وستمائة، فحمله التتر بأهله إلى منكوتمر، فأحسن منكوتمر إلى عز الدين المذكور، وزوجه، وأقام معه إلى أن توفي عز الدين المذكور في منة سبع وسبعين وستمائة، فسار ابنه مسعود بن عز الدين المذكور إلى بلاد الروم، وسار سلطان الروم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها أعني سنة ثمان وستين وستمائة، قتل أبو دبوس، آخر الملوك من بني عبد المؤمن، وانقرضت بموته دولتهم، وقد تقدم ذكر ذلك في سنة أربع وعشرين وستمائة، وملكت بلادهم بعدهم بنو مرين، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
ثم دخلت سنة تسع وستين وستمائة.
ذكر فتح حصن الأكراد وحصن عكار والقرين
في هذه السنة توجه الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى الشام، ونازل حصن الأكراد في تاسع شعبان هذه السنة، وجد في حصاره، واشتد القتال عليه، وملكه بالأمان في الرابع والعشرين من شعبان المذكور، ثم رحل إلى حصن عكار ونازله في سابع عشر رمضان من هذه السنة، وجد في قتاله، وملكه بالأمان سلخ رمضان المذكور، وعيد الملك الظاهر عليه عيد الفطر، فقال محي الدين بن عبد الظاهر مهنئاً له بفتوح عكار:
يا مليك الأرض بشرا ... ك فقد نلت الاراده
إن عكار يقيناً ... هو عكار زياده
وفيها في شوال، تسلم الملك الظاهر قلعة العليقة وبلادها من الإسماعيلية. وفيها توجه الملك الظاهر إلى دمشق، وسار منها في العشر الأخير من شوال إلى حصن القرين، ونازله في ثاني ذي القعدة، وزحف عليه وتسلمه بالأمان، وأمر به فهدم، ثم عاد إلى مصر.
وفيها جهز الملك الظاهر ما يزيد على عشرة شواني لغزو قبرس، فتكسرت في مرسى اليميسوس، وأسر الفرنج من كان بتلك الشواني من المسلمين، فاهتم السلطان بعمارة شوان آخر، فعمل في المدة اليسيرة ضعف ما عدم.
وفيها توفي هيثوم بن قسطنطين صاحب سيس، وملك
стр. 666
بعده ابنه ليفون، الذي أسره المسلمون حسبما تقدم ذكره. وفيها قبض الملك الظاهر على عز الدين بغان المعروف باسم الموت، وعلي المحمدي وغيرهما.
وفيها توفي القاضي شمس الدين بن البارزي، قاضي القضاة بحماة.
وفيها توفي الطواشي، شجاع الدين مرشد، الخادم المنصوري، رحمه الله تعالى، وكان كثيرالمعروف، وتولى تدبير مملكة حماة مدة، وكان يعتمد عليه الملك الظاهر ويستشيره.
ثم دخلت سنة سبعينوستمائة. فيها توجه الملك الظاهر إلى الشام، وعزل جمال الدين أقوش النجمي عن نيابة السلطنة بدمشق وولى فيها علاء الدين أيدكين الفخري الأسندار، في مستهل ربيع الأول، ثم توجه الملك الظاهر إلى حمص، ثم إلى حصن الأكراد، ثم عاد إلى دمشق.
وفيها والملك الظاهر بدمشق، أغارت التتر على عينتاب، وعلى الروج وقميطون إلى قرب فامية، ثم عادوا واستدعى الملك الظاهر عسكراً من مصر، فوصلوا إليه صحبة بدر الدين البيسري، فتوجه الملك الظاهر بهم إلى حلب، ثم عاد إلى الديار المصرية، فوصل إليها في الثالث والعشرين من جمادى الأولى.
وفيها في شوال عاد الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى الشام، فوصل إلى دمشق في ثالث صفر.
وفيها توفي سيف الدين أحمد بن مظفر الدين عثمان بن منكبرس، صاحب صهيون، فسلم ولداه سابق الدين، وفخر الدين، صهيون، إلى الملك الظاهر، وقدما إلى خدمته، وأحسن إليهما، وأعطى سابق الدين أمرة طملخاناة، وفيها نازل التتر البيرة، ونصبوا عليها المناجنيق وضايقوها، وسار إليهم الملك الظاهر وأراد عبور سفرات إلى بر البيرة، فقاتله التتر على المخاضة، فاقتحم الفرات وهزم التتر، فرحلوا عن البيرة وتركوا آلات الحصار بحالها، فصارت للمسلمين.
ثم عاد الملك الظاهر فوصل إلى الديار المصرية في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وفيها أفرج عن الدمياطي من الاعتقال.
وفيها تسلمت نواب الملك الظاهر ما تأخر من حصون الإسماعيلية، وهي الكهف والمينقة وقدموس، وفيها اعتقل الملك الظاهر، الشيخ خضر، وكان قد بلغ المذكور عند الملك الظاهر أرفع منزلة، وانبسطت يده، وأنفذ أمره في الشام مصر، فاعتقله في قاعة بقلعة الجبل، مكرماً حتى مات.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
ذكر ملك يعقوب المريني مدينة سبتة
وابتداء ملكهم:
وفي هذه السنة ملك يعقوب بن عبد الحق بن محبو بن حمامة المريني مدينة سبتة، وبنو مرين ملوك بلاد المغرب، بعد بني عبد المؤمن، وكان آخر من ملك من بني عبد المؤمن، أبو دبوس، وقد ذكرنا ما وقع لنا من أخبار أبي دبوس المذكور، مع ما فيه من الاختلاف، في سنة أربع وعشرين وستمائة، وأن المذكور قتل في سنة ثمان وستين وستمائة، وانقرضت حينئذ دولة بني عبد المؤمن.
وملك بعدهم بنو مرين، وهذه القبيلة، أعني بني
стр. 667
مرين، يقال لهم حمامة، من بين قبائل العرب بالمغرب، وكان مقامهم بالريف القبلي من إقليم تازة، وأول أمرهم أنهم خرجوا عن طاعة بني عبد المؤمن المعروفين بالموحدين، لما اختل أمرهم، وتابعوا الغارات عليهم حتى ملكوا مدينة فاس، واقتلعوها من الموحدين، في سنة سبع وثلاثين وستمائة، واستمرت فاس وغيرها في أيديهم في أيام الموحدين. وأول من اشتهر من بني مرين، أبو بكر بن عبد الحق بن محبو بن حمامة المريني، وبعد ملكه فاس، سار إلى جهة مراكش، وضايق بني عبد المؤمن، وبقي كذلك حتى توفي أبو بكر المذكور في سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق بن محبو، وقوى أمره، وحاصر أبا دبوس في مراكش، وملكها يعقوب المريني المذكور، وأزال ملك بني عبد المؤمن من حينئذ، واستقرت قدم يعقوب المريني المذكور في الملك، وبقي يعقوب مستمراً في الملك حتى ملك سبتة في هذه السنة، ثم توفي ولم يقع لي تاريخ وفاته.
وملك بعده ولده يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق بن محبو، وكنية يوسف المذكور أبو يعقوب، واستمر يوسف المذكور في الملك حتى قتل سنة ست وسبعمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها وصل الملك الظاهر بعساكره إلى دمشق، وفيها عاد عمر بن مخلول أحد أمراء العربان إلى الحبس بعجلون، وكان من حديثه، أن الملك الظاهر حبسه بعجلون مقيداً، فهرب من الحبس المذكور إلى بلاد التتر، ثم أرسل يطلب الأمان، فقال الملك الظاهر ما أؤمنه إلا أن يعود إلى عجلون، وبضع القيد في رجله كما كان، فعاد عمر إلى عجلون وجعل القيد في رجله، فعفى عنه الملك الظاهر عند ذلك.
وفيها قويت أخبار التتر لقصد الشام، فجفل الناس، وفيها في جمادى الأولى، كانت ولادة العبد الفقير مؤلف هذا المختصر، إسماعيل بن علي بن محمود ابن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، بدار ابن الرنجيلي بدمشق المحروسة، فان أهلنا كانوا قد جفلوا من حماة إلى دمشق، بسبب أخبار التتر.
وفيها توفي الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني النحوي، وله في النحو واللغة مصنفات كثيرة مشهورة، وفيها في ذي القعدة، توفي الأمير مبارز الدين أقوش المنصوري، مملوك الملك المنصور صاحب حماة، ونائب سلطنته، وكان أميراً جليلاً عاقلاً شجاعاً، وهو قبجاقي الجنس.
وفيها في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة، توفي الشيخ العلامة نصير الدين الطوسي، واسمه محمد بن محمد بن الحسين، الإمام المشهور، وكان يخدم صاحب الألموت، ثم خدم هولاكو، وحظي عنده، وعمل لهولاكو رصداً بمراغة وزيجا، وله مصنفات عديدة كلها نفيسة، منها إقليدس، تضمن اختلاط الأوضاع، وكذلك المجسطي، وتذكرة في الهيئة، لم يصنف في فنها مثلها، وشرح الإشارات، وأجاب عن غالب إيرادات فخر الدين الرازي عليها، وكانت ولادته في حادي عشر جمادى لأولى، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكانت وفاته ببغداد، ودفن في مشهد موسى الجواد.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة
стр. 668
فيها توجه الملك الظاهر بيبرس إلى بلاد سيس، فدخلها بعساكره المتوافرة، وغنموا ثم عادوا إلى دمشق حتى خرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وستمائة فيها نازلت التتر البيرة، وكان اسم مقدمهم أقطاي، وكان الملك الظاهر بدمشق، فتوجه إلى جهة البيرة، فرحل التتر عنها، ولاقى الملك الظاهر الخبر برحيلهم وهو بالقطيفة فأتم السير إلى حلب، ثم عاد إلى مصر.
وفيها بعد وصول الملك الظاهر إلى مصر، جهز جيشاً مع أقسنقر الفارقاني، ومعه عز الدين أيبك الأفرم، إلى النوبة، فساروا إليها ونهبوا وقتلوا وعادوا بالغنائم.
وفيها كان زواج الملك السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس، بابنة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، غازية خاتون. وفيها في أواخر السنة المذكورة، عاد الملك الظاهر إلى الشام.
ثم دخلت سنة خمس وسبعينوستمائة. فيها في المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، وكان فد خرج من مصر في أواخر سنة أربع وسبعين، وبلغه وصول الأمراء الروميين الوافدين، وهم بيجار الرومي، وبهادر ولده، وأحمد بن بهادر، وغيرهم، فسار الملك الظاهر إلى جهة حلب والتقاهم وأكرمهم ثم عاد إلى الديار المصرية.
ذكر دخول الملك الظاهر إلى بلاد الروم
وفي هذه السنة عاد الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وكان خروجه من مصر في يوم الخميس، لعشرين من رمضان هذه السنة، ووصل إلى حلب، ثم إلى النهر الأزرق، ثم سار إلى أبلستين، فوصل إليها في ذي القعدة، والتقى بها جمعا من التتر مقدمهم تناون، وكانوا نقاوة المغل، فالتقى الفريقان في أرض أبلستين يوم الجمعة عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فانهزم التتر وأخذتهم سيوف المسلمين، وقتل مقدمهم تناون، وغالب كبرائهم، وأسر منهم جماعة كثيرة، صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الموقعة، سيف الدين قبجق، وسيف الدين أرسلان، وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى.
ثم سار الملك الظاهر بعد فراغه من هذه الوقعة إلى قيسارية، واستولى عليها، وكان الحاكم بالروم يومئذ، معين الدين سليمان البرواناه، وكان يكاتب الملك الظاهر في الباطن، وكان يظن الملك الظاهر أنه إذا وصل إلى قيسارية، يصل إليه البرواناه، على ما كان قد اتفق معه في الباطن، فلم يحضر البرواناه لما أراده الله من هلاكه، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وأقام الملك الظاهر على قيسارية سبعة أيام في انتظار البرواناه، وخطب له على منابرها، ثم رحل عن قيسارية في الثاني والعشرين من ذي القعدة، وحصل للعسكر شدة عظيمة، من نفاذ القوت والعلف، وعدمت غالب خيولهم ووصلوا إلى عمق حارم، وأقاموا به شهراً، ولما بلغ أبغا بن هولاكو، ساق في جموع المغل حتى وصل إلى الأبلستين، وشاهد عسكره صرعى، ولم يشاهد أحداً من عسكر الروم مقتولاً، فاستشاط غضباً وأمر بنهب الروم، وقتل من مر به من المسلمين، كنهب وقتل
стр. 669
منهم جماعة، ثم سار أبغا إلى الأردو، وصحبته معين الدين البرواناه، فلما استقر بالأردو، أمر بقتل البرواناه، فقتل، وقتلوا معه نيفاً وثلاثين نفساً من مماليكه وخواصه، واسم البرواناه المذكور، سليمان، والبرواناه لقب، وهو. الحاجب بالعجمي، وكان مقتله بالأطاغ، وكان البرواناه حازماً بتدبير المملكة، ذا مكر ودهاء.
وفي هذه السنة توفي الشهاب محمد بن يوسف بن زائدة التلعفري الشاعر. وفيها مات الشيخ خضر في حبس الملك الظاهر. وفيها عاد الملك الظاهر من عمق حارم وتوجه إلى دمشق.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة فيها في خامس المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، وكان قد رحل من عمق حارم في أواخر سنة خمس وسبعين.
ذكر وفاة الملك الظاهر بيبرس
فيها، في يوم الخميس، السابع والعشرين من المحرم، توفي السلطان الملك الظاهر أبو الفتح بيبرس، الصالحي النجمي بدمشق، وقت الزوال، رحمه الله تعالى، عقب وصوله من بلاد الروم إلى دمشق، على ما تقدم ذكره، وقد اختلف في سبب موته، فقيل إنه انكسف القمر كسوفاً كلياً، وشاع بين الناس أن ذلك سبب موت رجل جليل القدر، فأراد الملك الظاهر أن يصرف التأويل إلى غيره، فاستدعى بشخص من أولاد الملوك الأيوبية يقال له الملك القاهر، من ولد الملك الناصر داود بن المعظم عيسى، وأحضر قمزاً مسموماً، وأمر الساقي فسقى الملك القاهر المذكور، فشرب الملك الظاهر ناسياً بذلك النهاء على أثر شرب الملك القاهر، فمات الملك القاهر عقيب ذلك، وأما الملك الظاهر فحصلت له حمى محرقة، وتوفي في التاريخ المذكور، وكتم نائبه ومملوكه بدر الدين تتليك، المعروف بالخزندار، موته، وصبره وتركه في قلعة دمشق إلى أن استوت تربته بدمشق، قرب الجامع، فدفن فيها، وهي مشهورة معروفة، وارتحل بدر الدين تتليك بالعساكر ومعهم المحفة، مظهراً أن الملك الظاهر فيها، وأنه مريض، وسار إلى ديار مصر، وكان الملك الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس، ولقبه الملك السعيد، وجعله لي عهده، فوصل تتليك الخزندار بالخزائن والعسكر إلى الملك السعيد بقلعة جبل، وعند ذلك أظهر موت الملك الظاهر، وجلس ابنه الملك السعيد للعزاء، استقر في السلطنة، وكانت مدة مملكة الملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة وشهرين عشرة أيام، لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة، توفي في السابع والعشرين من محرم، من سنة ست وسبعين وستمائة، وكان ملكاً جليلاً شجاعاً عاقلاً مهيباً، ملك الديار المصرية والشام، وأرسل جيشاً فاستولوا على النوبة، وفتح الفتوحات الجليلة، مثل صفد، وحصن الأكراد، وأنطاكية، وغيرها على، ما تقدم ذكره. وأصله مملوك قبجاقي الجنس، وسمعت أنه برجعلي، وكان أسمر أزرق العينين، جهوري الصوت، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر
стр. 670
إلى حماة، فاستحضرهما الملك المنصور محمد ليشتريهما، فلم يعجبه واحد منهما، وكان دكين البندقدار الصالحي، مملوك الملك الصالح أيوب صاحب مصر، قد غضب عليه الملك الصالح المذكور، وكان قد توجه أيدكين إلى جهة حماة، فأرسل الملك الصالح وقبض على أيدكين المذكور، واعتقله بقلعة حماة، فتركه الملك المنصور صاحب حماة في جامع قلعة حماة، واتفق ذلك عند حضور الملك الظاهر مع التاجر، فلما قلبه الملك المنصور ولم يشتره، أرسل أيدكين البندقدار وهو معتقل، فاشتراه، وبقي عنده، ثم أفرج الملك الصالح عن البندقدار، فسار من حماة وصحبته الملك الظاهر، وبقي مع أستاذه البندقدار المذكور مدة، ثم أخذه الملك الصالح من البندقدار، فانتسب إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدراهم والدنانير بيبرس الصالحي.
وكان استقرار الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر في مملكة مصر والشام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة ست وسبعين وستمائة، واستقر بدر الدين تتليك الخزندار في نيابة السلطنة، على ما كان عليه مع والده، واستمرت الأمور على أحسن نظام، فلم تطل أيام تتليك الخزندار، ومات بعد ذلك في مدة يسيرة، قيل حتف أنفه، وقيل بل سم، والله أعلم، وتولى نيابة السلطنة بعده شمس الدين الفارقاني، ثم إن الملك السعيد خبط وأراد تقديم الأصاغر، وأبعد الأمراء الأكابر، وقبض على سنقر الأشقر، والبيسري، ثم أفرج عنهما بعد أيام يسيرة، ففسدت نيات الأمراء الكبار عليه، وبقي الأمر كذلك حتى خرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة سبع وسبعينوستمائة.
ذكر مسير الملك السعيد بركة إلى الشام
والإغارة على سيس وخلاف عسكره عليه:
في أثناء هذه السنة، سار الملك السعيد بركة إلى الشام وصحبته العساكر، ووصل إلى دمشق، وجرد منها العسكر صحبة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، وجرد أيضاً صاحب حماة، فساروا ودخلوا إلى بلاد سيسى، وشنوا الإغارة عليها، وغنموا، ثم عادوا إلى جهة دمشق، واتفقوا على الخلاف على الملك السعيد المذكور، وخلعه من السلطنة، لسوء تدبيره، وعبروا على دمشق ولم يدخلوها، فأرسل إليهم الملك السعيد واستعطفهم ودخل عليهم بوالدته، فلم يلتفتوا إلى ذلك، وأتموا السير، فركب الملك السعيد وساق وسبقهم إلى مصر، وطلع إلى قلعة الجبل، وسارت العساكر في إثره، وخرجت هذه السنة والأمر كذلك.
وفيها توفي عز الدين كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، عند منكوتمر ملك التتر، بمدينة صراي، وكيكاؤوس المذكور، هو الذي كان محبوساً بقسطنطينية حسبما تقدم ذكر القبض عليه، في سنة اثنين وستين، وذكر خلاصه واتصاله بملك التتر في سنة ثمان وستين،
следующие страницы →