Полный текст (814 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
بعده ابنه ليفون، الذي أسره المسلمون حسبما تقدم ذكره. وفيها قبض الملك الظاهر على عز الدين بغان المعروف باسم الموت، وعلي المحمدي وغيرهما.
وفيها توفي القاضي شمس الدين بن البارزي، قاضي القضاة بحماة.
وفيها توفي الطواشي، شجاع الدين مرشد، الخادم المنصوري، رحمه الله تعالى، وكان كثيرالمعروف، وتولى تدبير مملكة حماة مدة، وكان يعتمد عليه الملك الظاهر ويستشيره.
ثم دخلت سنة سبعينوستمائة. فيها توجه الملك الظاهر إلى الشام، وعزل جمال الدين أقوش النجمي عن نيابة السلطنة بدمشق وولى فيها علاء الدين أيدكين الفخري الأسندار، في مستهل ربيع الأول، ثم توجه الملك الظاهر إلى حمص، ثم إلى حصن الأكراد، ثم عاد إلى دمشق.
وفيها والملك الظاهر بدمشق، أغارت التتر على عينتاب، وعلى الروج وقميطون إلى قرب فامية، ثم عادوا واستدعى الملك الظاهر عسكراً من مصر، فوصلوا إليه صحبة بدر الدين البيسري، فتوجه الملك الظاهر بهم إلى حلب، ثم عاد إلى الديار المصرية، فوصل إليها في الثالث والعشرين من جمادى الأولى.
وفيها في شوال عاد الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى الشام، فوصل إلى دمشق في ثالث صفر.
وفيها توفي سيف الدين أحمد بن مظفر الدين عثمان بن منكبرس، صاحب صهيون، فسلم ولداه سابق الدين، وفخر الدين، صهيون، إلى الملك الظاهر، وقدما إلى خدمته، وأحسن إليهما، وأعطى سابق الدين أمرة طملخاناة، وفيها نازل التتر البيرة، ونصبوا عليها المناجنيق وضايقوها، وسار إليهم الملك الظاهر وأراد عبور سفرات إلى بر البيرة، فقاتله التتر على المخاضة، فاقتحم الفرات وهزم التتر، فرحلوا عن البيرة وتركوا آلات الحصار بحالها، فصارت للمسلمين.
ثم عاد الملك الظاهر فوصل إلى الديار المصرية في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وفيها أفرج عن الدمياطي من الاعتقال.
وفيها تسلمت نواب الملك الظاهر ما تأخر من حصون الإسماعيلية، وهي الكهف والمينقة وقدموس، وفيها اعتقل الملك الظاهر، الشيخ خضر، وكان قد بلغ المذكور عند الملك الظاهر أرفع منزلة، وانبسطت يده، وأنفذ أمره في الشام مصر، فاعتقله في قاعة بقلعة الجبل، مكرماً حتى مات.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
ذكر ملك يعقوب المريني مدينة سبتة
وابتداء ملكهم:
وفي هذه السنة ملك يعقوب بن عبد الحق بن محبو بن حمامة المريني مدينة سبتة، وبنو مرين ملوك بلاد المغرب، بعد بني عبد المؤمن، وكان آخر من ملك من بني عبد المؤمن، أبو دبوس، وقد ذكرنا ما وقع لنا من أخبار أبي دبوس المذكور، مع ما فيه من الاختلاف، في سنة أربع وعشرين وستمائة، وأن المذكور قتل في سنة ثمان وستين وستمائة، وانقرضت حينئذ دولة بني عبد المؤمن.
وملك بعدهم بنو مرين، وهذه القبيلة، أعني بني
стр. 667
مرين، يقال لهم حمامة، من بين قبائل العرب بالمغرب، وكان مقامهم بالريف القبلي من إقليم تازة، وأول أمرهم أنهم خرجوا عن طاعة بني عبد المؤمن المعروفين بالموحدين، لما اختل أمرهم، وتابعوا الغارات عليهم حتى ملكوا مدينة فاس، واقتلعوها من الموحدين، في سنة سبع وثلاثين وستمائة، واستمرت فاس وغيرها في أيديهم في أيام الموحدين. وأول من اشتهر من بني مرين، أبو بكر بن عبد الحق بن محبو بن حمامة المريني، وبعد ملكه فاس، سار إلى جهة مراكش، وضايق بني عبد المؤمن، وبقي كذلك حتى توفي أبو بكر المذكور في سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق بن محبو، وقوى أمره، وحاصر أبا دبوس في مراكش، وملكها يعقوب المريني المذكور، وأزال ملك بني عبد المؤمن من حينئذ، واستقرت قدم يعقوب المريني المذكور في الملك، وبقي يعقوب مستمراً في الملك حتى ملك سبتة في هذه السنة، ثم توفي ولم يقع لي تاريخ وفاته.
وملك بعده ولده يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق بن محبو، وكنية يوسف المذكور أبو يعقوب، واستمر يوسف المذكور في الملك حتى قتل سنة ست وسبعمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها وصل الملك الظاهر بعساكره إلى دمشق، وفيها عاد عمر بن مخلول أحد أمراء العربان إلى الحبس بعجلون، وكان من حديثه، أن الملك الظاهر حبسه بعجلون مقيداً، فهرب من الحبس المذكور إلى بلاد التتر، ثم أرسل يطلب الأمان، فقال الملك الظاهر ما أؤمنه إلا أن يعود إلى عجلون، وبضع القيد في رجله كما كان، فعاد عمر إلى عجلون وجعل القيد في رجله، فعفى عنه الملك الظاهر عند ذلك.
وفيها قويت أخبار التتر لقصد الشام، فجفل الناس، وفيها في جمادى الأولى، كانت ولادة العبد الفقير مؤلف هذا المختصر، إسماعيل بن علي بن محمود ابن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، بدار ابن الرنجيلي بدمشق المحروسة، فان أهلنا كانوا قد جفلوا من حماة إلى دمشق، بسبب أخبار التتر.
وفيها توفي الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني النحوي، وله في النحو واللغة مصنفات كثيرة مشهورة، وفيها في ذي القعدة، توفي الأمير مبارز الدين أقوش المنصوري، مملوك الملك المنصور صاحب حماة، ونائب سلطنته، وكان أميراً جليلاً عاقلاً شجاعاً، وهو قبجاقي الجنس.
وفيها في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة، توفي الشيخ العلامة نصير الدين الطوسي، واسمه محمد بن محمد بن الحسين، الإمام المشهور، وكان يخدم صاحب الألموت، ثم خدم هولاكو، وحظي عنده، وعمل لهولاكو رصداً بمراغة وزيجا، وله مصنفات عديدة كلها نفيسة، منها إقليدس، تضمن اختلاط الأوضاع، وكذلك المجسطي، وتذكرة في الهيئة، لم يصنف في فنها مثلها، وشرح الإشارات، وأجاب عن غالب إيرادات فخر الدين الرازي عليها، وكانت ولادته في حادي عشر جمادى لأولى، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكانت وفاته ببغداد، ودفن في مشهد موسى الجواد.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة
стр. 668
فيها توجه الملك الظاهر بيبرس إلى بلاد سيس، فدخلها بعساكره المتوافرة، وغنموا ثم عادوا إلى دمشق حتى خرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وستمائة فيها نازلت التتر البيرة، وكان اسم مقدمهم أقطاي، وكان الملك الظاهر بدمشق، فتوجه إلى جهة البيرة، فرحل التتر عنها، ولاقى الملك الظاهر الخبر برحيلهم وهو بالقطيفة فأتم السير إلى حلب، ثم عاد إلى مصر.
وفيها بعد وصول الملك الظاهر إلى مصر، جهز جيشاً مع أقسنقر الفارقاني، ومعه عز الدين أيبك الأفرم، إلى النوبة، فساروا إليها ونهبوا وقتلوا وعادوا بالغنائم.
وفيها كان زواج الملك السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس، بابنة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، غازية خاتون. وفيها في أواخر السنة المذكورة، عاد الملك الظاهر إلى الشام.
ثم دخلت سنة خمس وسبعينوستمائة. فيها في المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، وكان فد خرج من مصر في أواخر سنة أربع وسبعين، وبلغه وصول الأمراء الروميين الوافدين، وهم بيجار الرومي، وبهادر ولده، وأحمد بن بهادر، وغيرهم، فسار الملك الظاهر إلى جهة حلب والتقاهم وأكرمهم ثم عاد إلى الديار المصرية.
ذكر دخول الملك الظاهر إلى بلاد الروم
وفي هذه السنة عاد الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وكان خروجه من مصر في يوم الخميس، لعشرين من رمضان هذه السنة، ووصل إلى حلب، ثم إلى النهر الأزرق، ثم سار إلى أبلستين، فوصل إليها في ذي القعدة، والتقى بها جمعا من التتر مقدمهم تناون، وكانوا نقاوة المغل، فالتقى الفريقان في أرض أبلستين يوم الجمعة عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فانهزم التتر وأخذتهم سيوف المسلمين، وقتل مقدمهم تناون، وغالب كبرائهم، وأسر منهم جماعة كثيرة، صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الموقعة، سيف الدين قبجق، وسيف الدين أرسلان، وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى.
ثم سار الملك الظاهر بعد فراغه من هذه الوقعة إلى قيسارية، واستولى عليها، وكان الحاكم بالروم يومئذ، معين الدين سليمان البرواناه، وكان يكاتب الملك الظاهر في الباطن، وكان يظن الملك الظاهر أنه إذا وصل إلى قيسارية، يصل إليه البرواناه، على ما كان قد اتفق معه في الباطن، فلم يحضر البرواناه لما أراده الله من هلاكه، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وأقام الملك الظاهر على قيسارية سبعة أيام في انتظار البرواناه، وخطب له على منابرها، ثم رحل عن قيسارية في الثاني والعشرين من ذي القعدة، وحصل للعسكر شدة عظيمة، من نفاذ القوت والعلف، وعدمت غالب خيولهم ووصلوا إلى عمق حارم، وأقاموا به شهراً، ولما بلغ أبغا بن هولاكو، ساق في جموع المغل حتى وصل إلى الأبلستين، وشاهد عسكره صرعى، ولم يشاهد أحداً من عسكر الروم مقتولاً، فاستشاط غضباً وأمر بنهب الروم، وقتل من مر به من المسلمين، كنهب وقتل
стр. 669
منهم جماعة، ثم سار أبغا إلى الأردو، وصحبته معين الدين البرواناه، فلما استقر بالأردو، أمر بقتل البرواناه، فقتل، وقتلوا معه نيفاً وثلاثين نفساً من مماليكه وخواصه، واسم البرواناه المذكور، سليمان، والبرواناه لقب، وهو. الحاجب بالعجمي، وكان مقتله بالأطاغ، وكان البرواناه حازماً بتدبير المملكة، ذا مكر ودهاء.
وفي هذه السنة توفي الشهاب محمد بن يوسف بن زائدة التلعفري الشاعر. وفيها مات الشيخ خضر في حبس الملك الظاهر. وفيها عاد الملك الظاهر من عمق حارم وتوجه إلى دمشق.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة فيها في خامس المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، وكان قد رحل من عمق حارم في أواخر سنة خمس وسبعين.
ذكر وفاة الملك الظاهر بيبرس
فيها، في يوم الخميس، السابع والعشرين من المحرم، توفي السلطان الملك الظاهر أبو الفتح بيبرس، الصالحي النجمي بدمشق، وقت الزوال، رحمه الله تعالى، عقب وصوله من بلاد الروم إلى دمشق، على ما تقدم ذكره، وقد اختلف في سبب موته، فقيل إنه انكسف القمر كسوفاً كلياً، وشاع بين الناس أن ذلك سبب موت رجل جليل القدر، فأراد الملك الظاهر أن يصرف التأويل إلى غيره، فاستدعى بشخص من أولاد الملوك الأيوبية يقال له الملك القاهر، من ولد الملك الناصر داود بن المعظم عيسى، وأحضر قمزاً مسموماً، وأمر الساقي فسقى الملك القاهر المذكور، فشرب الملك الظاهر ناسياً بذلك النهاء على أثر شرب الملك القاهر، فمات الملك القاهر عقيب ذلك، وأما الملك الظاهر فحصلت له حمى محرقة، وتوفي في التاريخ المذكور، وكتم نائبه ومملوكه بدر الدين تتليك، المعروف بالخزندار، موته، وصبره وتركه في قلعة دمشق إلى أن استوت تربته بدمشق، قرب الجامع، فدفن فيها، وهي مشهورة معروفة، وارتحل بدر الدين تتليك بالعساكر ومعهم المحفة، مظهراً أن الملك الظاهر فيها، وأنه مريض، وسار إلى ديار مصر، وكان الملك الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس، ولقبه الملك السعيد، وجعله لي عهده، فوصل تتليك الخزندار بالخزائن والعسكر إلى الملك السعيد بقلعة جبل، وعند ذلك أظهر موت الملك الظاهر، وجلس ابنه الملك السعيد للعزاء، استقر في السلطنة، وكانت مدة مملكة الملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة وشهرين عشرة أيام، لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة، توفي في السابع والعشرين من محرم، من سنة ست وسبعين وستمائة، وكان ملكاً جليلاً شجاعاً عاقلاً مهيباً، ملك الديار المصرية والشام، وأرسل جيشاً فاستولوا على النوبة، وفتح الفتوحات الجليلة، مثل صفد، وحصن الأكراد، وأنطاكية، وغيرها على، ما تقدم ذكره. وأصله مملوك قبجاقي الجنس، وسمعت أنه برجعلي، وكان أسمر أزرق العينين، جهوري الصوت، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر
стр. 670
إلى حماة، فاستحضرهما الملك المنصور محمد ليشتريهما، فلم يعجبه واحد منهما، وكان دكين البندقدار الصالحي، مملوك الملك الصالح أيوب صاحب مصر، قد غضب عليه الملك الصالح المذكور، وكان قد توجه أيدكين إلى جهة حماة، فأرسل الملك الصالح وقبض على أيدكين المذكور، واعتقله بقلعة حماة، فتركه الملك المنصور صاحب حماة في جامع قلعة حماة، واتفق ذلك عند حضور الملك الظاهر مع التاجر، فلما قلبه الملك المنصور ولم يشتره، أرسل أيدكين البندقدار وهو معتقل، فاشتراه، وبقي عنده، ثم أفرج الملك الصالح عن البندقدار، فسار من حماة وصحبته الملك الظاهر، وبقي مع أستاذه البندقدار المذكور مدة، ثم أخذه الملك الصالح من البندقدار، فانتسب إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدراهم والدنانير بيبرس الصالحي.
وكان استقرار الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر في مملكة مصر والشام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة ست وسبعين وستمائة، واستقر بدر الدين تتليك الخزندار في نيابة السلطنة، على ما كان عليه مع والده، واستمرت الأمور على أحسن نظام، فلم تطل أيام تتليك الخزندار، ومات بعد ذلك في مدة يسيرة، قيل حتف أنفه، وقيل بل سم، والله أعلم، وتولى نيابة السلطنة بعده شمس الدين الفارقاني، ثم إن الملك السعيد خبط وأراد تقديم الأصاغر، وأبعد الأمراء الأكابر، وقبض على سنقر الأشقر، والبيسري، ثم أفرج عنهما بعد أيام يسيرة، ففسدت نيات الأمراء الكبار عليه، وبقي الأمر كذلك حتى خرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة سبع وسبعينوستمائة.
ذكر مسير الملك السعيد بركة إلى الشام
والإغارة على سيس وخلاف عسكره عليه:
في أثناء هذه السنة، سار الملك السعيد بركة إلى الشام وصحبته العساكر، ووصل إلى دمشق، وجرد منها العسكر صحبة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، وجرد أيضاً صاحب حماة، فساروا ودخلوا إلى بلاد سيسى، وشنوا الإغارة عليها، وغنموا، ثم عادوا إلى جهة دمشق، واتفقوا على الخلاف على الملك السعيد المذكور، وخلعه من السلطنة، لسوء تدبيره، وعبروا على دمشق ولم يدخلوها، فأرسل إليهم الملك السعيد واستعطفهم ودخل عليهم بوالدته، فلم يلتفتوا إلى ذلك، وأتموا السير، فركب الملك السعيد وساق وسبقهم إلى مصر، وطلع إلى قلعة الجبل، وسارت العساكر في إثره، وخرجت هذه السنة والأمر كذلك.
وفيها توفي عز الدين كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، عند منكوتمر ملك التتر، بمدينة صراي، وكيكاؤوس المذكور، هو الذي كان محبوساً بقسطنطينية حسبما تقدم ذكر القبض عليه، في سنة اثنين وستين، وذكر خلاصه واتصاله بملك التتر في سنة ثمان وستين،
стр. 671
وخلف عز الدين المذكور ولداً اسمه مسعود، وقصد منكوتمر أن يزوجه بزوجة ابنه عز الدين كيكاؤوس، فهرب مسعود واتصل ببلاد الروم، فحمل إلى أبغا، فأحسن إليه أبغا وأعطاه سيواس وأرزن الروم، وأرزنكان، واستقرت هذه البلاد لمسعود المذكور، ثم بعد ذلك جعلت سلطنة الروم باسم مسعود المذكور، وافتقر جداً، وانكشف حاله، وهو آخر من سمي سلطاناً من السلجوقية بالروم.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وستمائة.
ذكر خلع الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر
في هذه السنة وصلت العساكر الخارجون عن طاعة بركة المذكور إلى الديار المصرية، في ربيع الأول، وحصروا الملك السعيد بركة بقلعة الجبل، فخامر على السعيد بركة، غالب من كان معه من الأمراء، مثل لاجين الزيني وغيره، وبقي يهرب واحد بعد واحد من القلعة، وينضم إلى العسكر المحاصر للقلعة، فلما رأى الملك السعيد بركة ذلك، أجابهم إلى الانخلاع من السلطنة، وأن يعطى الكرك، فأجابوه إلى ذلك، وأنزلوه من القلعة، وخلعوه في ربيع الأول من هذه السنة. أعني سنة ثمان وسبعين وستمائة، وسفروه من وقته إلى الكرك، صحبة بيد عان الركني، وجماعة معه، فوصل إليها وتسلمها بما فيها من الأموال وكان شيئاً كثيراً.
إقامة سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس في المملكة
وفي هذه السنة، لما جرى ما ذكرناه من خلع الملك السعيد بركة، وإعطائه الكرك، اتفق أكابر الأمراء الذين فعلوا ذلك، مثل بدر الدين البيسري الشمسي، وأيتمش السعدي، وبكتاش الفخري، أمير سلاح، وغيرهم، على إقامة بدر الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس في المملكة، ولقبوه الملك العادل، وعمره إذ ذاك سبع سنين وشهور، وخطب له، وضربت السكة باسمه، وذلك في شهر ربيع الأول من هذه السنة، وصار الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، أتابك العسكر، ولما استقر ذلك، جهز أتابك العسكر المذكور، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى دمشق، جعله نائب السلطنة بالشام، وكان العسكر لما خافوا السعيد بركة، قد قبضوا على عز الدين أيدمر نائب السلطنة بدمشق، وتولى تدبير دمشق بعد أيدمر، أقوش الشمسي نائب السلطنة بحلب، فسار وتولاها، واستمر الحال على ذلك مدة يسيرة.
ذكر سلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي
وفي هذه السنة أعني سنة ثمان وسبعين وستمائة، في يوم الأحد، الثاني والعشرين من رجب، كان جلوس السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي في السلطنة، بعد خلع الصبي
стр. 672
سلامش، وعزله، ولما تولى السلطان الملك المنصور، أقام منار العدل، وأحسن سياسة الملك، وقام بتدبير المملكة أحسن قيام.
ذكر خروج سنفر الأشقر عن الطاعة
وسلطنته بالشام:
وفي هذه السنة، في الرابع والعشرين من ذي القعدة، جلس سنقر الأشقر بدمشق في السلطنة، وحلف له الأمراء والعسكر الذين عنده بدمشق، وتلقب بالملك الكامل شمس الدين سنقر.
وفي هذه السنة توفي الملك السعيد بركة، ابن الملك الظاهر بيبرس في الكرك، بعد وصوله إليها في مدة يسيرة، وكان سبب موته، أنه لعب بالكرة في ميدان الكرك، فتقنطر به فرسه، فحصل له بسبب ذلك حمى شديدة، وبقي كذلك أياماً يسيرة وتوفي، وحمل إلى دمشق ودفن بتربة أبيه، ولما توفي الملك السعيد، اتفق من بالكرك وأقاموا موضعه أخاه نجم الدين خضر، واستقر في الكرك، ولقبوه الملك المسعود.
ثم دخلت سنة تسع وسبعينوستمائة.
ذكر كسرة سنقر الأشقر في هذه السنة، في التاسع عشر من صفر، كانت كسرة سنقر الأشقر المتولي على الشام، الملقب بالملك الكامل، وكان من حديث هذه الكسرة، أن السلطان الملك المنصور قلاوون، جهز عساكر ديار مصر، مع علم الدين سنجر الحلبي، الذي تقدم ذكر سلطنته بدمشق، عقيب قتل قطز، وكان أيضاً من مقدمي العسكر المصري المذكور، بدر الدين بكتاش، وبدر الدين الأيدرمري وعز الدين الأفرم، فسارت العساكر المذكورة إلى الشام، وبرز سنقر الأشقر بعساكر الشام إلى ظاهر دمشق، والتقى الفريقان في تاسع عشر صفر المذكور، فولى الشاميون وسنقر الأشقر منهزمين، ونهبت العساكر المصرية أثقالهم.
وكان السلطان الملك المنصور قلاوون، قد جعل مملوكه حسام الدين لاجين السلحدار نائباً بقلعة دمشق، فلما هرب سنقر الأشقر، أفرج عن حسام الدين لاجين المذكور، وكذلك كان سنقر الأشقر قد اعتقل بيبرس، المعروف بالجالق، لأنه لم بحلف له، فأفرج عنه أيضاً، وكتب الحلبي إلى السلطان الملك المنصور بالنصر، استقر الأمير لاجين المنصوري المذكور نائب السلطنة بالشام، وأما سنقر الأشقر، فإنه هرب إلى الرحبة، وكاتب أبغا بن هولاكو ملك التتر وأطمعه في البلاد، وكان عيسى بن مهنا، ملك العرب، مع سنقر الأشقر، وقاتل معه، وكتب بذلك إلى أبغا أيضاً، موافقة له، ثم سار سنقر الأشقر من الرحبة إلى صهيون في جمادى الأولى من هذه السنة، واستولى عليها، وعلى برزنة، وبلاطنس، والشغر، وبكاس، وعكار، شيزر، وفامية، وصارت هذه الأماكن لسنقر الأشقر.
وفيها توفي أقوش الشمسي نائب السلطنة بحلب، وولى السلطان الملك المنصور قلاوون على حلب، علم الدين سنجر الباشغردي.
وفيها قويت أخبار التتر،
стр. 673
وأنهم واصلون إلى البلاد الإسلامية بجموعهم. وفيها جعل السلطان الملك المنصور قلاوون ولده الملك الصالح علاء الدين علي، ولي عهده وسلطنته، وركب بشعار السلطنة.
وفيها سار السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي من الديار المصرية، ووصل إلى غزة، وكان التتر قد وصلوا إلى حلب، فعاثوا، ثم عادوا فعاد السلطان إلى مصر في جمادى الآخرة من هذه السنة.
وفيها استأذن سيف الدين بلبان الطباخي، أحد مماليك الملك المنصور، وكان نائب السلطنة بحصن الأكراد، في الإغارة على بلد المرقب، لما اعتمده أهله من الفساد عند وصول التتر إلى حلب، فأذن له السلطان في ذلك، فجمع بلبان الطباخي المذكور عساكر الحصون، وسار إلى المرقب، فاتفق هروب المسلمين ونزل الفرنج من المرقب، وقتلوا وأسروا من المسلمين جماعة.
وفيها في مستهل ذي الحجة، حرج السلطان الملك المنصور قلاوون من مصر، وسار عائداً إلى الشام، وخرجت هذه السنة.
ثم دخلت سنة ثمانين وستمائة والسلطان الملك المنصور بالروحاء وأقام هناك مدة، ثم سار إلى بيسان، وقبض على جماعة من الظاهرية، ودخل دمشق وأعدم منهم جماعة، مثل كوندك، وأيدغمش الحلبي، وبيبرس الرشيدي، وأرسل عسكراً إلى شيزر، وهي لسنقر الأشقر، وجرى بينهم مناوشة، ثم إنه ترددت الرسل بين السلطان وبين سنقر الأشقر، واحتاج السلطان إلى مصالحته لقوة أخبار التتر، ووقع بينهم الصلح، على أن يسلم شيزر إلى السلطان، ويتسلم سنقر الأشقر الشغر وبكاس، وكانتا قد ارتجعتا سه، فتسلم نواب السلطان شيزر، وتسلم الشغر وبكاس سنقر الأشقر، وحلفا على ذلك، واستقر الصلح بينهما.
وفيها أيضاً استقر الصلح بين السلطان الملك المنصور قلاوون، وبين الملك خضر ابن الملك الظاهر بيبرس، صاحب الكرك.
ذكر الوقعة العظيمة مع التتر على حمص
في هذه السنة، أعني سنة ثمانين وستمائة، في شهر رجب، كان المصاف العظيم بين المسلمين وبين التتر بظاهر حمص، فنصر الله تعالى فيه المسلمين، بعد ما كانوا قد أيقنوا بالبوار، وكان من حديث هذا المصاف العظيم، أن أبغا بن هولاكو، حشد وجمع وسار بهذه الحشود طالباً الشام، ثم انفرد أبغا المذكور عنهم، وغنم وسار إلى الرحبة، وسير جيوشه وجموعه إلى الشام، وقدم عليهم أخاه منكوتمر ابن هولاكو، وسار إلى جهة حمص، وسار السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي بالجيوش الإسلامية من دمشق إلى جهة حمص أيضاً، وأرسل إلى سنقر يستدعيه بمن عنده من الأمراء والعسكر، بحكم ما استقر بينهما من الصلح واليمين، فسار سنقر الأشقر من صهيون، فلما نزل السلطان بظاهر حمص، وصل إليه الملك المنصور صاحب حماة بعسكره، ثم وصل سنقر الأشقر وصحبته
стр. 674
أيتمش السعدي، والحاج أزدمر، وعلم الدين الدويداري، وجماعة من الظاهرية.
ورتب السلطان عسكره ميمنة وميسرة، وكان رأس الميمنة الملك المنصور محمد صاحب حماة بعسكره، ثم بدر الدين البيسري دونه، ثم علاء الدين طيبرس الوزيري، ثم أيبك الأفرم، ثم جماعة من العسكر المصري، ثم عسكر الشام، ومقدمهم حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام.
وكان رأس الميسرة سنقر الأشقر ومن معه، ثم بدر الدين تنليك الأيدمري، ثم بدر الدين بكتاش أمير سلاح. وكان بر الميمنة العرب، وبر الميسرة التركمان. وكان ساليش القلب، حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة، ومن أضيف إليه من الأمراء والعساكر، والتقى الفريقان بظاهر حمص في الساعة الرابعة من يوم الخميس، رابع عشر رجب الفرد، من هذه السنة، أعني سنة ثمانين وستمائة، وأنزل الله نصرته إلى القلب والميمنة، فهزموا من كان قبالتهم من التتر، وركبوا قفاهم يقتلونهم، وكان منكوتمر قبالة القلب، فانهزم أيضاً، وأما ميسرة المسلمين فإنها انكشفت عن مواقفها، وتم ببعضهم الهزيمة إلى دمشق، وساق التتر في إثر المنهزمين حتى وصلوا إلى تحت حمص، ووقعوا في السوقية، وغلمان العسكر والعوام، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ثم علموا بنصرة المسلمين وهزيمة جيشهم، فولى المذكورون أيضاً منهزمين على أعقابهم، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وكانت عدة التتر ثمانين ألف فارس، منهم خمسون ألفا من المغل، والباقي حشود وجموع من أجناس مختلفة، مثل الكرج والأرمن والعجم وغيرهم، ولما وصل خبر هذه الكسرة إلى أبغا وهو على الرحبة يحاصرها، رحل عنها على عقبه منهزماً، وكتب بهذا الفتح العظيم إلى سائر البلاد الاسلامية، فزينت لذلك، ثم إن السلطان الملك المنصور قلاوون، أعطى الدستور للعساكر الشامية، فرجع الملك المنصور محمد صاحب حماة إلى بلده، ورجع سنقر الأشقر وجماعته إلى صهيون، وسار عسكر حلب إليها، وعاد السلطان إلى دمشق، والأسرى والروس بين يديه.
وفيها عاد السلطان الملك المنصور قلاوون إلى الديار المصرية مؤيداً منصوراً.
وفيها عند وصوله إلى مستقر ملكه، قدمت إليه هدية من صاحب اليمن المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وطلب أماناً من السلطان، فقبل السلطان هديته، وكانت من طرائف اليمن، مثل العود والعنبر والصيني ورماح القنا، وغير ذلك، وكتب له السلطان أماناً صدرة " هذا أمان الله تعالى، وأمان سيدنا محمد ﷺ ، وأماننا، لأخينا السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر صاحب اليمن، إننا راعون له ولأولاده، مسالمون من سالمهم، معادون من عاداهم " ونحو ذلك. وكان ذلك في العشر الأول من رمضان هذه السنة، وأرسل السلطان إليه هدية من أسلاب التتر وخيولهم، وعادت رسله بذلك مكرمين.
وفيها مات منكوتمر بن هولاكو بن طلو بن
стр. 675
جنكزخان بجزيرة ابن عمر، مكموداً، عقيب كسرته على حمص، وكان موته من جملة هذا الفتح العظيم.
وفيها توفي علاء الدين عطاء ملك بن محمد الجويني، وكان صاحب الديوان ببغداد، فنقب عليه أبغا نسبه إلى مواطاة المسلمين، وقبض عليه، وأخذ أمواله، وكان صدراً كبيراً فاضلاً، له شعر حسن، فمنه في تركية:
أبادية الأعراب عني فإنني ... بحاضرة الأتراك نيطت علائقي
وأهلك يا نجل العيون فإنني ... جننت بهذا الناظر المتضايق
وكانت وفاته بعراق العجم، وولي بغداد بعده ابن أخيه هارون بن محمد الجويني.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة فيها ولي السلطان مملوكه شمس الدين قرا سنقر نيابة السلطنة بحلب، فسار إليها واستقر.
ذكر موت أبغا
وفيها في المحرم، مات أبغا بن هولاكو بن جنكزخان، ملك التتر، قيل إنه مات مسموماً. وكان موته ببلاد همذان، وكانت مدة ملكه نحو سبعة عشر سنة وكسوراً، وخلف من الولد، أرغون، وكيختو ابناً أبغا، ولما مات أبغا، ملك بعده أخوه أحمد بن هولاكو، واسم أحمد المذكور، بيكدار، فلما جلس في الملك، أظهر دين الإسلام، وتسمى بأحمد سلطان.
وفيها وصلت رسل أحمد بن هولاكو ملك التتر المذكور، إلى السلطان الملك المنصور قلاوون، وكان كبير الرسل المذكورين، الشيخ المتقن قطب الدين محمود الشيرازي، وكان إذ ذاك قاضي سيواس، فاحترز عليهم السلطان، ولم يمكن أحداً من الاجتماع بهم، وكان مضمون رسالتهم إعلام السلطان بإسلام أحمد المذكور، وطلب الصلح بين المسلمين والتتر، فلم ينتظم ذلك. ثم عادت رسله إليه بالجواب.
وفيها توفي منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، ملك التتر، بالبلاد الشمالية، وملك بعده أخو متدان منكو بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، وجلس على كرسي التتر بصراي، وقيل إن ذلك كان في سنة ثمانين.
وفيها عقد الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، على بنت سيف الدين بكيه، ثم تزوج أخوه الملك الأشرف بأختها الأخرى، وكان بكيه معتقلاً بالإسكندرية، فلما عزم السلطان على ذلك، أخرجه من الحبس، وأحسن إليه، وزوج ابنيه واحداً بعد الآخر ببنتي بكيه المذكور.
وفيها توفي القاضي الفاضل المحقق، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان البرمكي، وكان فاضلاً عالماً، تولى القضاء بمصر والشام، وله مصنفات جليلة، مثل: وفيات الأعيان في التاريخ وغيره. وكان مولده يوم الخميس بعد صلاة العصر، حادي عشر ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة، بمدينة إربل، بمدرسة سلطانها مظفر الدين صاحب إربل. نقلت ذلك من تاريخه في
стр. 676
ترجمة زينب، في آخر حرف الزاء.
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة في أوائل هذه السنة، قدم الملك المنصور محمد صاحب حماة، وصحبته الملك الأفضل علي، إلى خدمة السلطان الملك المنصور قلاوون بالديار المصرية، فبالغ السلطان في إكرام صاحب حماة، والإحسان إليه، وأنزله بالكبش، وأركبه بالسناجق السلطانية، والجفتا والغاشية، وسأله عن حوائجه، فقال الملك المنصور حاجتي أن أعفى من هذا اللقب فإنه ما بقي يصلح لي أن ألقب بالملك المنصور؛ وقد صار هذا لقب مولانا السلطان الأعظم، فأجابه السلطان بأبي ما تلقيت بهذا الاسم، إلا لمحبتي فيك، ولو كان لقبك غير ذلك كنت تلقبت به، فشيء فعلته محبة لاسمك، كيف أمكن من تغييره، وطلع السلطان بالعسكر المصري لحفر الخليج الذي بجهة البحيرة، وسار صاحب حماة في خدمته إلى الحفير، ثم أعطى بعد ذلك الدستور لصاحب حماة، فعاد مكرماً مغموراً بالصدقات السلطانية.
وفيها رمى السلطان الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان، بجعاً بجهة العباسة بالبندق، وأرسله للملك المنصور محمد صاحب حماة، فقبله وبالغ في إظهار السرور والفرح بذلك، وأرسل إليه تقدمة جليلة.
وفيها خرج أرغون بن أبغا بخراسان على عمه بيكدار، المسمى بأحمد سلطان، وسار إليه واقتتلا، فانهزم أرغون، وأخذه أحمد أسيراً، وسأل الخواتين في إطلاق أرغون وإقراره على خراسان، فلم يجب إلى ذلك، وكانت خواطر المغل قد تغيرت على أحمد، بسبب إسلامه وإلزامه لهم بالإسلام، فاتفقوا على قتله، وقصدوا أرغون بالموضع الذي هو معتقل فيه، وأطلقوه وكبسوا الناق نائب أحمد فقتلوه، ثم قصدوا الأردو، فأحس بهم السلطان أحمد، فركب وهرب، فتبعوه وقتلوه، وملكوا أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وذلك في جمادى الأولى من هذه السنة.
وفيها قتل أرغون الصبي، سلطان الروم، الذي أقامه البرواناه بعد قتله أباه، حسبما تقدم ذكره في سنة ست وستين وستمائة، وكان اسم الصبي المذكور، غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن قليج أرسلان، وفوض اسم سلطنة الروم إلى مسعود بن عز الدين كيكاؤوس، وهذا مسعود هو الذي هرب من منكوتمر ملك التتر بصراي، وأبوه عز الدين كيكاؤوس، هو الذي جرى له مع الأشكري صاحب قسطنطينية على ما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وستين وستمائة، واستمرت سلطنة الروم باسم مسعود المذكور إلى سنة ثمان وسبعمائة، وهو مسعود ابن كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن قطلومش، من السلجوقية ببلاد الروم. وافتقر مسعود المذكور، وانكشف حاله جداً، حتى قيل إنه تناول سماً فمات، من كثرة المطالبة من أرباب الدين والتتر.
وفيها ولى أرغون، سعد الدولة اليهودي، وعظمه ومكنه، وكان سعد الدولة المذكور، في مبدأ أمره، دلالاً بسوق الصناعة بالموصل، فحكم في سائر البلاد التي
стр. 677
بأيدي التتر.
وفيها قرر أرغون ولديه قازان وخربنده بخراسان، وجعل أتابكهما أميراً كبيراً من أصحابه، اسمه نورود.
وفيها مات الأشكري صاحب قسطنطينية، واسمه ميخائل، وملك بعده ابنه ماندس، وتلقب بالدوقس.
وفيها كاتب الحكام بقلعة الكحنا قراسنقر، نائب السلطنة بحلب، وسلموا الكحنا إلى السلطان، فجهز قراسنقر عسكراً فتسلموها، وقرر السلطان فيها نوابه، وحصنها، وصارت من أعظم الثغور الإسلامية نفعاً.
وفيها في رجب، قدم السلطان إلى دمشق، وكان قد سار من مصر، في جمادى الآخرة. وفيها كان السيل العظيم بدمشق في العشر الأول من شعبان، والسلطان الملك المنصور قلاوون بدمشق، وأخذ ما مر به من العمارات وغيرها، واقتلع الأشجار، وأهلك خلقاً كثيراً، وذهب للعسكر النازلين على جوانب بردى من الخيل والجمال والخيم ما لا يحصى، وتوجه السلطان عقيبه إلى الديار المصرية، ووصل إلى قلعة الجبل في ثامن عشر رمضان من هذه السنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانينوستمائة. فيها سار السلطان الملك المنصور قلاوون إلى دمشق، وحضر الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمته إلى دمشق، ثم عاد كل منهما إلى مقر ملكه.
ذكر وفاه الملك المنصور صاحب حماة
في هذه السنة في شوال، توفي السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي أحمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب حماة، رحمه الله تعالى. ابتدأ فيه المرض في أوائل شعبان، بعد عوده من خدمة السلطان من دمشق، وكان مرضه حمى صفراوية داخل العروق، ثم صلح مزاجه بعض الصلاح، فأشار الأطباء بدخوله الحمام، فدخلها، فعاوده المرض، وأحضر له الأطباء من دمشق، مع من كان في خدمته منهم، واشتد به ذات الجنب، وعالجوه بما يصلح لذلك، فلم يفد شيئاً.
وفي مدة مرضه عتق مماليكه، وتاب توبة نصوحاً، وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاوون يسأله في إقرار ابنه الملك المظفر محمود في مملكته، على قاعدته، واشتد به مرضه حتى توفي بكرة حادي عشر شوال من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وكانت ولادته في الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فيكون عمره إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وملك حماة يوم السبت ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو اليوم الذي توفي فيه والده الملك المظفر محمود، فيكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان أكبر أمانيه، أن يعيش إلى أن يسمع جوابه من السلطان، فيما سأله من إقرار حماة على ولده الملك المظفر محمود، فاتفق وفاته قبل وصول الجواب، وكان قد أرسل في ذلك على البريد مملوكه سنقر، أمير أخور، فوصل بالجواب بعد موت الملك المنصور بستة أيام، ونسخة الجواب من
стр. 678
السلطان بعد البسملة: " المملوك قلاوون، أعز الله أنصار المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري الناصري، ولا عدمه الإسلام ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه، من أذى داء، وعود عواد، وإلمام آلام المملوك يجدد الخدمة التي كان يود تجديدها، شفاهاً ويصف ما عنده من الألم لما ألم بمزاجه الكريم، حتى أنه لم يكد يفتح بالحديث فاهاً. ولما وقفنا على الكتاب المولوي المتضمن بمرض الجد المحروس، وما انتهى إليه الحال، كادت القلوب تنشق، والنفوس تذوب حزناً، والرجاء من الله أن يتداركه بلطفه، وأن يمن بعافيته التي رفع في مسألتها يديه، وبسط كفيه، وهو يرجو من كرم الله، معاجلة الشفاء، ومداركة العافية، الموردة بعد الكدر، مورد الصفاء، وإن الله يفسح في أجل المولى ويهبه العمر الطويل، وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من حقوق يوجبها الإقرار، وعهود أنت بدورها من السرار، ونحن بحمد الله، فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودات محفوظة، فالمولى يعيش قرير العين، فما تم إلا ما يسره من إقامة ولده مقامه، لا يحول ولا يزول، ولا يرى على ذلك ذلة ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس، مستديم الأنس، بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم ".
ولما وصل الكتاب، اجتمع لقراءته الملك الأفضل والملك المظفر وعلم الدين سنجر، المعروف بأبي خرص، وقرئ عليهم، وتضاعف سرورهم بذلك، وكان الملك المنصور محمد صاحب حماة المذكور، ملكاً ذكياً فطناً، محبوب الصورة، وكان له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليماً إلى الغاية، يتجاوز عما يكره ويكتمه، ولا يفضح قائله، من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قدم إلى حماة، ونزل بالدار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون فيها من الملك المنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان، أن يجمع القصص ولا يقرأها، ويضعها في منديل، ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدوادار المذكور، وأحضرها إلى الملك المنصور وقال: إنه والله دعاء الملك المنصور لصداقة الملك الظاهر، وخلع على الدوادار، وأخذ القصص، وقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم بشيء لا ينبغي، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضار نار، وحرق تلك القصص، ولم يقف على شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير، رحمه الله تعالى.
ذكر ملك الملك المظفر حماة
ولما بلغ السلطان الأعظم الملك المنصور، وفاة الملك المنصور صاحب حماة، قر ابنه الملك المظفر محموداً ابن الملك المنصور محمد في ملك حماة، على قاعدة والده، وأوصل إليه إلى عمه الملك الأفضل، إلى أولاده، التشاريف، ومكاتبة إلى الملك المظفر بذلك، ووصلت التشاريف ولبسناها في العشر الأخير من شوال من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
стр. 679
ونسخة الكتاب الواصل من السلطان بعد البسملة: " المملوك قلاوون، أعر الله نصرة المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري التقوي، ونزع عنه لباس البأس، وألبسه حلل السعد المجلوة على أعين الناس، وهو يخدم خدمة بولاء، قد تبجست عيونه، وتأسست مبانيه، وتبابست ظنونه، وحلت رهونه، وحلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه، ومنها: وقد سيرنا المجلس السامي جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب، وأصحبناه من الملبوس الشريف، ما يغير به لباس الحزن، وينجلي في مطلعه ضياء وجه الحسن، وينجلي بذلك غيوم تلك الغموم، وأرسلنا: أيضاً صحبته ما يلبسه هو وذووه، كما يبدو البدر بين النجوم ". وآخر الكتاب، وكتب في عشرين شوال سنه ثلاث وثمانين وستمائة.
وكان قد وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور، على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي، لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور، جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق، فأتم سنجر أبو خرص السير، ووصل إلى الأبواب الشريفة السلطانية، فتلقاه السلطان بالقبول، وأعاده بكل ما يحب ويختار، وقال: نحن واصلون إلى الشام، ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد علم الدين سنجر أبو خرص إلى حماة، ومعه الجواب بنحو ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة - ذكر ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة - في هذه السنة في صفر، كان ركوب السلطان الملك المظفر محمود صاحب حماة، بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وصورة ما جرى في ذلك، من السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل في هذه السنة في أواخر المحرم، بعساكره المتوافرة، إلى دمشق المحروسة، وسار الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل، ووصلا إليه إلى دمشق، فأكرمهما السلطان إكراماً كثيراً، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله، التقليد بسلطنة حماة، والمعرة، وبارين، والتشريف، وهو أطلس أحمر فوقاني، بطراز زركش وسنجاب، ودائرة قندس، وقباً أطلس أصفر تحتاني، وشاش تساعي، وكلوته زركش، وخياصة ذهب، وسيف محلى بالذهب، وتلكش، وعنبر بناً، وثوب بطرز مذهبة، ولباس. وأرسل شعار السلطنة، وهو سنجق بعصائب سلطانية، وفرس بسرج ذهب، ورقبة وكبوش، وأرسل الغاشية السلطانية.
فلبس الملك المظفر ذلك، وركب بشعار السلطنة، وحضرت أمراء السلطان، ومقدموا العسكر، وساروا معه من الموضع الذي كان فيه، وهو داره المعروفة بالحافظية، داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة، إلى أن وصل الى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان، فأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة، وطيب خاطره وقال له: " أنت ولدي، وأعر من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغراة المباركة، فأنتم من بيت مبارك، ما حضرتم في مكان إلا
стр. 680
وكان النصر معكم " فعاد الملك المظفر وعمه الملك الأفضل إلى حماة، وعملا أشغالهما، وكذلك باقي العسكر الحموي، وتأهبوا للمسير إلى خدمة السلطان ثانيا.
ذكر فتوح المرقب
وفي هذه السنة، سار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، بعد وصوله إلى دمشق، بالعساكر المصرية والشامية، ونازل حصن المرقب، في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، وهو حصن للاستبار، في غاية العلو والحصانة، لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه. فلما زحف العسكر عليه، أخذ الحجارون فيه النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق، كباراً وصغاراً.
يقول العبد الفقير مؤلف هذا المختصر: إنني حضرت حصار الحصن المذكور، وعمري إذ ذاك نحو اثنتي عشرة سنة، وهو أول قتال رأيته، وكنت مع والدي. ولما تمكنت النقوب من أسوار القلعة، طلب أهله الأمان، فأجابهم السلطان، رغبة في إبقاء عمارته، فإنه لو أخذه بالسيف وهدمه، كان حصل التعب في إعادة عمارته. فأعطى أهله الأمان، على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله، غير السلاح، وصعدت السناجق السلطانية على حصن المرقب المذكور، وتسلمه في الساعة الثامنة من نهار الجمعة، تاسع عشر ربيع الأول عن هذه السنة، أعني سنة أربع وثمانين وستمائة.
وكان يوماً مشهوداً، أخذ فيه الثأر من بيت الاستبار، ومحيت آية الليل بآية النهار، فأمر السلطان فحمل أهل المرقب إلى مأمنهم، ولما ملكه، قرر أمره، ورحل عنه إلى الوطاة بالساحل، وأقام بمروج بالقرب من موضع يقال له برج القرفيص، ثم سار السلطان ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص، وفي بحيرة قدس.
ذكر مولد مولانا السلطان الأعظم
مولد الملك الناصر
ناصر الدنيا والدين محمد، ابن السلطان الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، قلاوون الصالحي:
وفي هذه السنة، ولد مولانا السلطان الأعظم المذكور، من زوجة السلطان، وهي بنت سكتاي بن قراجين بن جنعان. وسكتاي المذكور، ورد إلى الديار المصرية هو وأخوه قرمشي، سنة خمس وسبعين وستمائة، صحبة بيجار الرومي في الدولة الظاهرية، فتزوج السلطان الملك المنصور قلاوون، ابنة سكتاي المذكور، في سنة ثمانين وستمائة، بعد موت أبيها المذكور، بولاية عمها قرمشي، ووردت البشائر بمولده إلى السلطان وهو نازل على بحيرة حمص، عند عوده من فتح المرقب، فتضاعف سروره، وضربت البشائر فرحاً بمولده السعيد.
وفيها عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى الملك المظفر عند رحيله عن حمص الدستور، فعاد إلى حماة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة. فيها أرسل
стр. 681
القبائل المنتسبة إلى عمرو بن سبأ جذام وهو أخو لخم، وجميع جذام من ابنيه حزام وجشم ابني جذام، وكان في بني حزام العدد والشرف، ومن بطون جشم بن جذام عثيب بن أسلم.
بني أشعر بن سبأ وأما بنو الأشعر، فيقال لهم الأشعريون، وهم رهط أبي موسى الأشعري، واسم أبي موسى الأشعري عبد الله بن قس بني عاملة وأمّا بنو عاملة، هم أيضاً من القبائل اليمانية التي خرجت إلى الشام عند سيل العرم، ونزلوا بالقرب من دمشق في جبل هناك يعرف بجبل عاملة، فمن عاملة: عدي ابن الرقاع الشاعر، انتهى ذكر أولاد سبأ وهم عرب اليمن.
العرب المستعربة
وهم ولد إِسماعيل بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهما، وقيل لهم العرب المستعربة لأن إِسماعيل لم تكن لغته عربية، بل عبرانية، ثم دخل في العربية، فلذلك سمي ولده العرب المستعربة، وقد تقدم عند ذكر إِبراهيم الخليل ﵇، سبب سكنى إِسماعيل وأمه هاجر مكة، وأن ذلك كان بسبب غيرة سارة ﵂ من هاجر وابنها إسماعيل. وأنّ الله تعالى أمره أن يطيع سارة، وأن يخرج إِسماعيل عنها، وأن الله تعالى يتكفله، فخرج إِبراهيم من الشام بإِسماعيل وأمه هاجر، وقدم بهما إِلى مكة وأنزلهما بموضع الحجر وقال: " رب إِني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع " " إبراهيم: ٣٧ " وأنزلهما إِبراهيم هناك وعاد إِلى الشام، من كتب اليهود وكان عمر إسماعيل إِذ ذاك نحو أربع عشرة سنة، وذلك لمضي مائة سنة من عمر إِبراهيم الخليل ﵇، فمن سكنى إِسماعيل ﵇ مكة إِلى الهجرة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة.
وكان هناك قبائل جرهم، فتزوج إِسماعيل منهم امرأة، وولدت له اثني عشر ولداً ذكراً، منهم: قيذار وماتت هاجر ودفنت بالحجر، ثم لما مات ابنها إِسماعيل بمكة دفن معها بالحجر أيضاً.
وقد اختلف المؤرخون اختلافاً كثيراً في أمر الملك على الحجاز بين جرهم وبين إِسماعيل، فمن قائل كان الملك على الحجاز في جرهم، ومفتاح الكعبة وسدانتها في يد ولد إِسماعيل، ومن قائِل إِن قيذار توجته أخواله جرهم، وعقدوا له الملك عليهم بالحجاز، وأما سدانة البيت الحرام ومفاتيحه فكانت مع بني إِسماعيل بغير خلاف حتى انتهى ذلك إِلى نابت من ولد إِسماعيل، فصارت السدانة بعده لجرهم، ويدل على ذلك قول عامر بن الحارث الجرهمي
стр. 682
ذكر فتوح طرابلس
في هذه السنة، في أول ربيع الآخر، فتحت طرابلس الشام. وصورة ما جرى: أن السلطان الملك المنصور، خرج بالعساكر المصرية في المحرم من هذه السنة، وصار إلى الشام، ثم سار بالعساكر المصرية والشامية، ونازل مدينة طرابلس الشام، يوم الجمعة مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ويحيط البحر بغالب هذه المدينة، وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق، وهو مقدار قليل.
ولما نازلها السلطان، نصب عليها عدة كثيرة من المجانيق الكبار والصغار، ولازمها بالحصار، واشتد عليها القتال حتى فتحها، يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر من هذه السنة بالسيف، ودخلها العسكر عنوة، فهرب أهلها إلى الميناء، فنجى أقلهم في المراكب، وقتل غالب رجالها، وسبيت ذراريهم، وغنم منهم المسلمون غنيمة عظيمة. وحصار طرابلس هو أيضاً مما شاهدته، وكنت حاضراً فيه، مع والدي الملك الأفضل، وابن عمي الملك المظفر صاحب حماة، ولما فرغ المسلمون من قتل أهل طرابلس ونهبهم، أمر السلطان فهدمت، ودكت إلى الأرض، وكان في البحر قريباً من طرابلس جزيرة، وفيها كنيسة تسمى كنيسة سنطماس، وبينها وبين طرابلس الميناء، فلما أخذت طرابلس، هرب إلى الجزيرة المذكورة وإلى الكنيسة التي فيها عالم عظيم من الفرنج والنساء، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر، وعبروا بخيولهم ساحة إلى الجزيرة المذكورة، فقتلوا جميع من فيها من الرجال، وغنموا ما بها من النساء والصغار، وهذه الجزيرة بعد فراغ الناس من النهب، عبرت إليها في مركب، فوجدتها ملأى من القتلى، بحيث لا يستطيع الإنسان الوقوف فيها من نتن القتلى.
ولما فرغ السلطان من فتح طرابلس وهدمها، عاد إلى الديار المصرية، وأعطى صاحب حماة الدستور، فعاد إلى بلده، وكان الفرنج قد استولوا على طرابلس في سنة ثلاث وخمسمائة، في حادي عشر ذي الحجة، فبقيت بأيديهم إلى أوائل هذه السنة، أعني سنة ثمان وثمانين وستمائة، فيكون مدة لبعثها مع الفرنج، نحو مائة سنة وخمس وثمانين سنة وشهور.
وفيها: مات قتلاي خان بن طلو بن جنكز خان ملك التتر بالصين، وهو أعظم الخانات، والحاكم على كرسي مملكة جنكزخان، وكان قد طالت مدته، ولما مات قتلاي خان، جلس بعده ولده شهون.
ثم دخلت سنة تسع وثمانينوستمائة.
ذكر وفاة السلطان الملك المنصور قلاوون
سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحي في هذه السنة، في سادس ذي القعدة، توفي الملك المنصور المذكور، وصورة وفاته، أنه خرج من الديار المصرية بالعساكر المتوافرة، على عزم غزو عكا وفتحها، وبرز إلى مسجد التيرز، فابتدأ مرضه في العشر الأخير من شوال، بعد نزوله بالدهليز، في المكان المذكور، وأخذ مرضه يتزايد حتى توفي يوم السبت، سادس ذي القعدة، بالدهليز، وكان جلوسه في
стр. 683
الملك يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب، سنة ثمان وسبعين وستمائة، فيكون مدة ملكه نحو إحدى عشر سنة وثلاثة أشهر وأياماً، وخلف ولدين، هما الملك الأشرف صلاح الدين خليل، والسلطان الأعظم الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد، وكان السلطان الملك المنصور المشار إليه، ملكاً مهيباً حليماً، قليل سفك الدماء، كثير العفو، شجاعاً. فتح الفتوحات الجليلة، مثل: المرقب، وطرابلس التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض إليهما، لحصانتهما، وكسر جيش التتر على حمص، وكانوا في جمع عظيم، لم يطرق الشام قبله مثله، ولا يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ذكر سلطنة والده الملك الأشرف
ولما توفي السلطان، وجلس في الملك بعده، ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور قلاوون المذكور، وكان جلوسه في سابع ذي القعدة من هذه السنة، صبيحة اليوم الذي توفي فيه والده، ولما استقر السلطان الملك الأشرف في المملكة، قبض على حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة، في يوم الجمعة ثاني عشر ذي القعدة، فكان آخر العهد به، وفوض نيابة السلطنة إلى بدر الدين بيدرا، والوزارة إلى شمس الدين محمد بن السلعوس.
ثم دخلت سنة تسعين وستمائة.
ذكر فتوح عكا
في هذه السنة، في جمادى الآخرة، فتحت عكا، وسبب ذلك، أن السلطان الملك الأشرف، سار بالعساكر المصرية إلى عكا، وأرسل إلى العساكر الشامية، وأمرهم بالحضور، وأن يحضروا صحبتهم المجانيق، فتوجه الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل، وسائر عسكر حماة صحبته، إلى حصن الأكراد، وتسلمنا منه منجنيقاً عظيماً يسمى المنصوري، حمل مائة عجلة، ففرقت في العسكر الحموي، وكان المسلم إلي منه عجلة واحدة، لأني كنت إذ ذاك أمير عشرة، وكان مسيرنا بالعجل، في أواخر فصل الشتاء، فاتفق وقوع الأمطار والثلوج علينا بين حصن الأكراد ودمشق، فقاسينا من ذلك بسبب جر العجل، وضعف البقر وموتها بسبب البرد، شدة عظيمة، وسرنا بسبب العجل من حصن الأكراد إلى عكا شهراً. وذلك مسير نحو ثمانية أيام للخيل على العادة، وكذلك أمر السلطان الملك الأشرف بجر المجانيق الكبار والصغار، ما لم يجتمع على غيرها، وكان نزول العساكر الإسلامية عليها في أوائل جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد عليها القتال، ولم يغلق الفرنج غالب أبوابها، بل كانت مفتحة، وهم يقاتلون فيها، وكانت منزلة الحمويين برأس الميمنة، على عادتهم، فكنا على جانب البحر، والبحر عن يميننا إذا واجهنا عكا، وكان يحضر إلينا
стр. 684
مراكب مقبية بالخشب الملبس جلود الجواميس، وكانوا يرموننا بالنشاب والجروخ، وكان القتال من قدامنا من جهة المدينة، ومن جهة يميننا من البحر، وأحضروا بطسة فيها منجنيق يرمي علينا، وعلى خيمنا من جهة البحر، فكنا منه في شدة، حتى اتفق في بعض الليالي هبوب رياح قوية، فارتفع المركب وانحط بسبب الموج، وانكسر المنجنيق الذي فيه، بحيث أنه انحطم، ولم ينصب بعد ذلك.
وخرج الفرنج في أثناء مدة الحصار بالليل، وكبسوا العسكر، وهزموا اليزكية، واتصلوا إلى الخيام، وتعلقوا بالأطناب، ووقع منهم فارس في جورة مستراح بعض الأمراء فقتل هناك، وتكاثرت عليهم العساكر فولى الفرنج منهزمين إلى البلد، وقتل عسكر حماة عدة منهم، فلما أصبح الصباح، علق الملك المظفر صاحب حماة، عدة من رؤوس الفرنج في رقاب خيلهم التي كسبها العسكر منهم، وأحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف، واشتدت مضايقة العسكر لعكا حتى فتحها الله تعالى لهم، في يوم المجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة بالسيف، ولما هجمها المسلمون، هرب جماعة من أهلها في المراكب، وكان في داخل البلد عدة أبرجة عاصية، بمنزلة قلاع، دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها، وقتل المسلمون وغنموا من عكا شيئاً يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصى بالأبرجة، ولم يتأخر منهم أحد، فأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكا، ثم أمر بمدينة عكا فهدمت إلى الأرض، ودكت دكاً، ومن عجائب الاتفاق. أن الفرنج استولوا على عكا وأخذوها من صلاح الدين، ظهر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمسمائة، واستولوا على من بها من المسلمين، ثم قتلوهم، فقدر الله في سابق علمه، أنها تفتح في هذه السنة في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة على يد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين، فكان فتوحها مثل اليوم الذي ملكها الفرنج فيه، وكذلك لقب السلطانين.
ذكر فتوح عدة حصون ومدن
لما فتحت عكا، ألقى الله تعالى الرعب في قلوب الفرنج الذين بساحل الشام، فأخلوا صيدا وبيروت، وتسلمها الشجاعي في أواخر رجب، وكذلك هرب أهل مدينة صور، فأرسل السلطان وتسلمها، ثم تسلم عثليث في مستهل شعبان، ثم تسلم أنطرطرس في خامس شعبان. جميع ذلك في هذه السنة، أعني سنة تسعين وستمائة. واتفق لهذا السلطان من السعادة، ما لم يتفق لغيره، من فتح هذه البلاد العظيمة، الحصينة، بغير قتال ولا تعب، وأمر بها فخربت عن آخرها، وتكاملت بهذه الفتوحات، جميع البلاد الساحلية الإسلامية، وكان أمراً لا يطمع فيه ولا يرام، وتطهر الشام والسواحل من الفرنج، بعد أن كانوا قد أشرفوا على أخذ الديار المصرية، وعلى ملك دمشق، وغيرها من الشام، فلله الحمد والمنة على ذلك، ولما تكاملت هذه
стр. 685
الفتوحات العظيمة، رحل السلطان الملك الأشرف، ودخل دمشق وأقام مدة، ثم عاد إلى الديار المصرية ودخلها في هذه السنة.
وفيها لما كان السلطان محاصر لعكا، سعى علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص، بين السلطان وبين حسام الدين نائب السطنة بدمشق، فخاف حسام الدين لاجين، وقصد أن يهرب، وعلم به السلطان فقبض عليه، وعلى أبي خرص، وقيدهما وأرسلهما فحبسا.
وفيها ولى السلطان، علم الدين، سنجر الشجاعي نيابة السلطنة بالشام موضع حسام الدين لاجين.
وفيها في ربيع الأول، مات أرغون ملك التتر بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وكانت مدة مملكته نحو سبع سنين، ولما مات، ملك بعده أخوه كيختو بن أبغا، وخلف أرغون ولدين هما فازان، وخربندا، وكانا بخراسان، ولما تولى كيختو أفحش في الفسق واللواط بأبناء المغل، فأبغضوه على ذلك وفسدت نياتهم فيه.
وفيها قتل تلابغا بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، وقد تقدم ذكر ملكه في سنة ست وثمانين وستمائة، قتله نغية، وجلس بعده في الملك طقطغا بن منكوتمر بن طغان أخو تلابغا المذكور، ورتب نغية إخوة طقطغا معه، وهم برلك، وصراي بغا، وتدان، وفي أوائل هذه السنة، أعني سنة تسعين وستمائة، تكملت عمارة قلعة حلب، وكان قد شرع قراسنقر في عمارتها في أيام السلطان الملك المنصور، فتمت في أيام الملك الأشرف، فكتب عليها اسمه، وكان قد خربها هولاكو لما استولى على حلب في سنة ثمان وخمسين، وستمائة، فكان لبثها على التخريب نحو ثلاث وثلاثين سنة بالتقريب.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة.
ذكر فتوح قلعة الروم
في هذه السنة سار السلطان الملك الأشرف من مصر إلى الشام، وجمع عساكره المصرية والشامية، وسار الملك المظفر محمود، وعمه الملك الأفضل، إلى خدمته، والتقياه بدمشق، وسارا في خدمته وسبقاه إلى حماة، فاهتم الملك المظفر صاحب حماة في أمر الضيافة والإقامة والتقدمة، ووصل السلطان إلى حماة وضرب دهليزه في شماليها، عند ساقية سلمية، ومد له الملك المظفر سماطاً عظيماً بالميدان، ونصب خيماً تليق بنزول السلطان، فنزل السلطان الملك الأشرف بالميدان، وبسط بين يدي فرسه عدة كثيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل السلطان إلى دار الملك المظفر بحماة، فبسط الملك المظفر بين يدي فرسه بسطاً ثانياً، وقعد السلطان بالدار، ثم دخل الحمام، وخرج وجلس على جانب العاصي، ثم راح إلى الطيارة التي على سور باب النقفي، المعروفة بالطيارة الحمراء، فقعد فيها، ثم توجه من حماة، وصاحب حماة وعمه في خدمته إلى المشهد، ثم إلى الحمام والزرقا، بالبرية، فصاد شيئاً كثيراً من الغزلان وحمير الوحش، وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل السلطان إلى حلب وتوجه منها إلى قلعة
стр. 686
الروم، ونازلها في العشر الأول من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهي حصن على جانب الفرات في غاية الحصانة، ونصب عليه المجانيق، وهذا الحصار أيضاً من جملة الحصارات التي شاهدتها، وكانت منزلة الحمويين، على رأس الجبل المطل على القلعة من شرقها، كنا نشاهد أحوال أهلها في مشيهم وسعيهم في القتال وغير ذلك، واشتدت مضايقتها، ودام حصارها، وفتحت بالسيف في يوم السبت حادي عشر رجب، من هذه السنة، وقتل أهلها ونهب ذراريهم، واعتصم كينا غيلو خليفة الأرمن المقيم بها في القلة، وكذلك اجتمع بها من هرب من القلعة، وكان منجنيق الحمويين على رأس جبل المطل على القلة، فتقدم مرسوم السلطان إلى صاحب حماة، أن يرمي عليهم بالمنجنيق، فلما وترناه لنرمي عليهم، طلبوا الأمان من السلطان، فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة، وأن يكونوا أسرى، فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كينا غيلوس، وجميع من كان بقلة القلعة، أسرى عن آخرهم، ورتب السلطان علم الدين سنجر الشجاعي لتحصين القلعة، وإصلاح ما خرب منها، وجرد معه لذلك جماعة من العسكر، وأقام الشجاعي وعمرها وحضنها إلى الغاية القصوى، ورجع السلطان إلى حلب، ثم إلى حماة، وقام الملك المظفر بوظائف خدمته، ثم توجه السلطان إلى دمشق، وأعطى الملك المظفر الدستور، فأقام ببلده، وسار السلطان إلى دمشق، وصام بها رمضان وعيد بها، ثم سار إلى الديار المصرية.
ذكر غير ذلك من الحوادث
فيها هرب حسام الدين لاجين، الذي كان نائباً بالشام، من دمشق، لما وصل السلطان إلى دمشق عائداً من قلعة الروم، وكان حسام الدين المذكور، قد اعتقله السلطان وهو نازل على حصار عكا، ثم أفرج عنه في أوائل هذه السنة، أعني سنة إحدى وتسعين، وسار مع السلطان إلى قلعة الروم، وعاد معه إلى دمشق، فلما وصل إليها، استوحش من السلطان وهرب منه إلى جهة الغرب، فقبضوه وأحضروه إلى السلطان، فبعث به إلى قلعة الجبل بديار مصر، فحبس بها.
وفيها استناب السلطان بدمشق، عز الدين أيبك الحموي، وعزل علم الدين سنجر الشجاعي.
وفيها عند عود السلطان إلى حلب من قلعة الروم، عزل قراسنقر المنصوري عن نيابة السلطنة بحلب، واستصحبه معه، وولى موضعه على حلب، سيف الدين بلبان، المعروف بالطباخي، وكان المذكور نائباً بالفتوحات، وكان مقامه بحصن الأكراد، فعزله وولاه موضع قراسنقر في نيابة السلطنة بحلب، وولى الفتوحات والحصون طغريل الإيغاني، موضع الطباخي، ثم عزله بعد مدة وولى موضعه عز الدين أيبك الخزندار المنصوري.
وفيها بعد وصول السلطان إلى مصر، قبض على شمس الدين سنقر الأشقر، وجرمك، وكان قد قبض على طقصو، بدمشق، وكان آخر العهد بهم.
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
стр. 687
ذكر إحضار صاحب حماة البريد إلى مصر
وعمه علي، البريد إلى مصر ثم مسيرهما من مصر مع السلطان الملك الأشرف إلى الشام، والقبض على أولاد عيسى:
وفي هذه السنة في جمادى الأولى، أرسل السلطان الملك الأشرف، وأحضر الملك المظفر محمود صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل علي، على البريد إلى الديار المصرية، فتوجها من حماة وعندهما الخوف، بسبب طلبهما على البريد، ووصلا إلى قلعة الجبل في اليوم الثامن من خروجهما من حماة، فحال وصولهما، شملتهما صدقات السلطان، وأمر بهما فأدخلا الحمام بقلعة الجبل،، وأنعم عليهما بملبوس يليق بهما، وأقاما في الخدمة أياماً.
ثم خرج السلطان على الهجن إلى جهة الكرك، وسارت العساكر على الطريق إلى دمشق، وأركب صاحب حماة وعمه الهجن صحجته، لأنهما حضرا إلى مصر على البريد، ولم يكن معهما خيل ولا غلمان، فرسم السلطان لهما ما يليق بهما من الهجن والغلمان، ورتب لهما المأكول والمشروب وما يحتاجان إليه، وسارا في خدمته إلى الكرك، ولاقتهما تقادمهما إلى بركة زيزا، فقدماها، وقبلها السلطان، وأنعم عليهما، وسار السلطان ودخل دمشق.
ثم سار السلطان من دمشق على البرية متصيداً، ووصل إلى الفرقلس، وهو جفار في طرف بلد حمص من الشرق، ونزل عليه وحضر إلى الخدمة هناك مهنا بن عيسى أمير العرب، وأخواه محمد، وفضل، وولده موسى بن مهنا، فقبض السلطان على الجميع وأرسلهم إلى مصر، فحبسوا في قلعة الجبل، ووصل السلطان إلى القصب، وأعطى صاحب حماة الدستور، فحضر إلى بلده، وأما عمه الملك الأفضل، فإنه كان قد حصل له تشويش، لما كان السلطان بحنيجل وما حواليها، فأعطاه السلطان الدستور، وأرسل والدي الملك الأفضل المذكور تقدمة ثانية معي إلى السلطان، ولم يقدر والدي على الحضور بسبب مرضه، فأحضرت التقدمة إلى السلطان الملك الأشرف، وهو نازل على القصب، فقبلها وارتحل وعاد إلى مصر، فوصل إليها في رجب من هذه السنة.
ذكر مسير العساكر إلى حلب
وفى هذه السنة بعد وصول السلطان إلى مصر، كان قد أخر بعض العسكر المصري على حمص، فتقدم إليهم وإلى صاحب حماة وعمه الملك الأفضل بالمسير إلى حلب، والمقام بها، لما في ذلك من إرهاب العدو، فسارت العساكر إليها، وخرج الملك المظفر محمود صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل، معهم، من حماة، يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان هذه السنة، ودخلوا حلب يوم الثلاثاء التاسع من سلخ شعبان إلى أوائل ذي القعدة، دخل تشرين، وآن وقت الصيد، وصل مرسوم.
стр. 688
ذكر مسير الملك الأفضل إلى دمشق ووفاته بها
وفي هذه السنة في ذي القعدة، سار والدي الملك الأفضل، نور الدين علي ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب، من حلب إلى دمشق، وتوفي بها في أوائل ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة اثنتين وتسعين وستمائة، وكان مولده في أواخر سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وكان سبب مسير الملك الأفضل إلى دمشق، أنه لما كان هو والملك المظفر في صحبة السلطان، لما سار من مصر إلى الكرك في أوائل هذه السنة، حسبما ذكرناه، صار السلطان ينفرد للصيد بفهوده، ولا يستصحب معه إلا بعض من يختاره من الخاصكية، ووالدي الملك الأفضل المذكور خاصة، دون ابن أخيه صاحب حماة، وأعجب السلطان حديث الملك الأفضل المذكور، وخبرته بأمر الفهود والصيد، فقال السلطان في تلك الأيام للملك الأفضل المذكور: يا علاء الدين، ما تحضر إلى ديار مصر في أيام الصيد، لتكون معي في صيودي، فقد حصل الأنس بك، فقبل الملك الأفضل الأرض، ودعى للسلطان على تأهيله لذلك، فلما سار الملك المظفر محمود صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل إلى حلب، وأقاما بها، من سلخ شعبان إلى أوائل ذي القعدة، ودخل تشرين، وآن وقت الصيد، وصل مرسوم السلطان إلى والدي الملك الأفضل يطلبه إلى الأبواب الشريفة بالديار المصرية، فسار الملك الأفضل من حلب في ذي القعدة، ولم يستصحب أحداً من أولاده معه، وكنا ثلاثة مجردين مع ابن عمنا الملك المظفر صاحب حماة، وتوجه والدنا بمفرده، فمرض في أثناء الطريق، ووصل إلى دمشق وقد اشتد به المرض، وفصد، فضعفت قوته، واشتد المرض به حتى توفي، ونقل إلى حماة ودفن بها، ووصلنا الخبر ونحن بحلب، فعملنا عزاه، واشتمل الملك المظفر علينا، وأحسن إلينا.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة أفرج السلطان الملك الأشرف، عن بدر الدين البيسري، وكان له في الاعتقال نحو ثلاث عشرة سنة. وفيها أفرج عن حسام الدين لاجين المنصوري، الذي كان نائباً بالشام. وفيها أعطيت العساكر الدستور، فعدنا إلى حماة، وأعطاني الملك المظفر ابن عمي إمرة طبلخاناه، وأربعين فارساً.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف
وفي هذه السنة، في أوائل المحرم، قتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، وسبب ذلك: أنه سار من قلعة الجبل إلى الصيد، ووصل إلى تروجة ونصب الدهليز عليها، وركب في نفر يسير من خواصه
стр. 689
للصيد، فقصده مماليك والده، وهم: بيدرا نائب السلطنة، ولاجين الذي كان عزله السلطان عن نيابة السلطنة بدمشق، واعتقله مرة بعد أخرى، وقراسنقر الذي عزله عن نيابة السلطنة بحلب، وانضم إليهم بهادر، رأس النوبة، وجماعة من الأمراء، ولما قاربوا السلطان، أرسل إليهم أميراً يقال له كرت، أمير أخور، ليكشف خبرهم، فحال وصوله إليهم أمسكوه ولم يمكنوه من العود إلى السلطان، وقاربوا السلطان، وكان بينهم مخاضة، فخاضوها ووصلوا إليه، فأول من ضربه بالسيف بيدرا، ثم لاجين، حتى فارق، وتركوه مرمياً على الأرض، فحمله أيدمر الفخري والي تروجة إلى القاص، فدفن في تربته، رحمه الله تعالى، ولا جرم، إن الله تعالى انتقم من قاتليه المذكورين معجلاً ومؤجلاً، على ما سنذكره.
ذكر مقتل بيدرا
ولما قتل السلطان على ما ذكرناه، اتفق الجماعة الذين قتلوه على سلطنة بيدرا، وتلقب بالملك القاهر، وسار نحو قلعة الجبل ليملكها، واجتمعت مماليك السلطان الملك الأشرف وانضموا إلى زين الدين كتبغا المنصوري، وساروا في إثر بيدرا ومن معه، فلحقوهم على الطرانة في خامس عشر المحرم من هذه السنة، واقتتلوا، وانهزم بيدرا وأصحابه وتفرقوا في الأقطار، وتبعوا بيدرا وقتلوه، ورفعوا رأسه على رمح، واستتر لاجين، وقرا سنقر، ولم يطلع لهما على خبر.
ذكر سلطنة مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر
ولما جرى ما جرى من قتل السلطان الملك الأشرف، ثم قتل بيدرا، ووصول زين الدين كتبغا والمماليك والسلطانية إلى قلعة الجبل، وبها علم الدين سنجر الشجاعي نائباً، اتفقوا على سلطنة مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر ولد مولانا السلطان الملك المنصور، فأجلسوه على سرير السلطنة في باقي العشر الأوسط من المحرم من هذه السنة، وتقرر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة، وعلم الدين سنجر الشجاعي وزيراً، وركن الدين بيبرس البرجي الجاشنكير أستاذ الدار، وتتبعوا الأمراء الذين اتفقوا مع بيدرا على ذلك، فظفروا أولاً ببهادر رأس النوبة، وأقوش الموصلي الحاجب، فضربت رقابهما، وأحرقت جثثهما، ثم ظفروا بطرنطاي الساقي، والناق ونغية، وأروس السلحدارية، ومحمد خواجا، والطنبغا الجمدار، وأقسنقر الحسامي، فاعتقلوا بخزانة البنود أياماً، ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وصلبوا على الجمال، وطيف بهم، وأيديهم معلقة في أعناقهم جزاء بما كسبوا، ثم وقع قجقار الساقي فشنق.
стр. 690
ذكر القبض على الوزير ابن السلعوس وقتله
وفي هذه السنة اتفق زين الدين كتبغا والشجاعي، على القبض على شمس الدين محمد بن السلعوس وزير السلطان الملك الأشرف، فقبضا عليه، وتولاه الشجاعي فعاقبه واستصفى ماله وقتله، وكان ابن السلعوس المذكور، قد بلغ عند السلطان منزلة عظيمة، وتمكن في الدولة، وصارت الأمور كلها معذوقة به، وكان لابن السلعوس المذكور أقارب وأهل بدمشق، فلما صار في هذه المنزلة، أرسل وأحضر أقاربه من دمشق إلى عنده بالديار المصرية، فحضروا إلا شخصاً منهم، فإنه استمر مقيماً بدمشق، وكتب إلى ابن السلعوس:
تنبه يا وزير الأرض واعلم ... بأنك قد وطئت على الأفاعي
وكن بالله معتصماً فإني ... أخاف عليك من نهش الشجاعي
ذكر قتل الشجاعي
وفي صفر من هذه السنة، حصلت الوحشة بين الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، وبين علم الدين سنجر الشجاعي الوزير، وصار مع كل منهما جماعة من الأمراء، ولما جرى ذلك، نزل كتبغا ومن معه من القلعة، واستمر الشجاعي وأصحابه بها، وحصره كتبغا، وغلب عليه، وقتل الشجاعي المذكور وقطع رأسه، وطيف به في البلد.
وفيها ظهر حسام الدين لاجين، وشمس الدين قراسنقر من الاستتار، وأخذ لهما خوشداشهما، الأمير زين الدين كتبغا، الأمان من السلطان، وقرر لهما الإقطاعات الجليلة، وأعز جانبهما.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة.
ذكر استيلاء زين الدين كتبغا على المملكة
في هذه السنة في يوم الأربعاء تاسع المحرم، جلس الأمير زين الدين كتبغا المنصوري على سرير المملكة، ولقب نفسه الملك العادل زين الدين كتبغا، واستحلف الناس على ذلك، وخطب له بمصر والشام، ونقشت السكة باسمه، وجعل مولانا السلطان الملك الناصر في قاعة بقلعة الجبل، وحجب عنه الناس، ولما تملك زين الدين كتبغا المذكور، جعل نائبه في السلطنة، حسام الدين لاجين، الذي كان مستتراً بسبب قتل السلطان الملك الأشرف، على ما تقدم ذكره، واستقر الحال على ذلك.
ذكر قتل كيختو ملك التتر وملك بيدو
في هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل كيختو بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان. وسبب ذلك: أنه لما أفحش كيختو المذكور بالفسق في أبناء المغل، وشكوا ذلك إلى ابن عمه بيدو بن طرغية بن هولاكو، فاتفق معهم على قتل كيختو المذكور،
стр. 691
وقصدوا كبسه وقتله، فعلم كيختو وهرب، فتبعوه ولحقوه بسلاسلار، من أعمال موغان، وقتلوه بها، في الشهر المذكور، ولما قتل كيختو، ملك بعده ابن عمه بيدو بن طرغية بن هولاكو المذكور، وجلس على سرير الملك في جمادى الأولى من هذه السنة. وكان قازان بخراسان، فلما بلغه ملك بيدو، جمع من أطاعه من المغل وأهل تلك البلاد، وسار إلى قتال بيدو، ولما بلغ بيدو مسير قازان إليه، جمع وسار إلى جهة قازان، وكان مع قازان أتابكه نيروز، وهو الذي جمع الناس على طاعة قازان، فلما تقارب الجمعان، علم قازان أنه لا طاقة له ببيدو، فراسله واصطلحا، وعاد قازان إلى خراسان، وأمر بيدو أن يقيم نيروز عنده، خوفاً من أن يجمع العسكر على قازان مره ثانية، فرجع قازان إلى خراسان، وأقام نيروز عند بيدو، وأخذ نيروز في استمالة المغل إلى قازان، وإفسادهم على بيدو في الباطن.
ذكر مقتل بيدو وتملك قازان
ولما استوثق نيروز من المغل في الباطن، كتب إلى قازان بخراسان وأمره بالحركة، فتحرك قازان، وبلغ بيدو ذلك، فتحدث مع نيروز في ذلك فقال نيروز لبيدو: أرسلني إلى قازان لأفرق جمعه، وأرسله إليك مربوطاً، فاستحلف بيدو نيروز على ذلك وأرسله، فسار نيروز إلى قازان وأعلمه بمن معه من المغل، وعمد نيروز إلى قدر، فوضعها في جولق وربطه، وأرسل بذلك إلى بيدو وقال: وفيت بيميني، حيث ربطت قازان وبعثته إليك، وقازان اسم القدر بالتتري، فلما بلغ بيدو دلك، جمع عساكره وسار إلى جهة قازان، والتقى الجمعان بنواحي همذان، فخامر أصحاب بيدو عليه وصاروا مع قازان، فولى بيدو هارباً، وتبعه عسكر قازان فأدركوه عن قريب بنواحي همذان، وقتلوه في ذي الحجة من هذه السنة، فكانت مدة مملكة بيدو نحو ثمانية أشهر، ولما قتل استقر قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان في المملكة، في ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة أربع وتسعين وستمائة، بعد مقتل بيدو، ولما استقر قازان في المملكة، جعل نيروز نائب مملكته، ورتب أخاه خربندا بن أرغون بخراسان.
ذكر أخبار ملوك اليمن ووفاة صاحبها
وفي هذه السنة، توفي صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور عمر بن علي بن رسول، بقلعة تعز، وقد تقدم ذكر ملكه اليمن بعد قتل أبيه في سنة ثمان وأربعين وستمائة، فكانت مدة ملكه نحو سبع وأربعين سنة، وخلف عدة من الأولاد الذكور، فملك بعده ولده الأكبر، الملك الأشرف عمر بن يرسف، وكان أخو عمر المذكور، الملك المؤيد داود، بالشحر، عند موت والده، لأن أباه كان قد أعطى داود المذكور الشحر، وأبعده إليها، فلما مات والده وملك آخره الملك الأشرف، تحرك
стр. 692
الملك المؤيد داود المذكور وسار إلى عدن واستولى عليها، فأرسل أخوه الملك الأشرف عسكراً واقتتلوا مع الملك المؤيد داود المذكور، فانتصروا عليه وأخذوه أسيراً وأحضروه إلى الملك الأشرف، فقيده واعتقله، وكان عمر الملك الأشرف لما تملك نحو سبعين سنة، وأقام في الملك عشرين شهراً، وتوفي والملك المؤيد داود في الاعتقال مقيداً، فاتفق كبراء الدولة في ذلك الوقت، وأخرجوه من الحبس، وملكوا الملك المؤيد داود بن يوسف المذكور، واستمر مالكاً لليمن إلى يومنا هذا، وهو سنة ثمان عشرة وسبعمائة.
ذكر غير ذلك من الحوادث: في هذه السنة أرسل الملك العادل زين الدين كتبغا، وقبض على خشداشه عز الدين أيبك الخزندار، وعزله عن الحصون والسواحل بالشام، ثم أفرج عنه واستناب موضعه عز الدين أيبك الموصلي.
وفيها قصر النيل تقصيراً عظيماً، وتبعه غلاء، وأعقبه وباء وفناء عظيم.
وفيها في أوائل هذه السنة، لما جلس في السلطنة زين الدين كتبغا، أفرج عن مهنا بن عيسى وإخوته، وأعادهم إلى منزلتهم.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وستمائة. في هذه السنة قدم من التتر نحو عشرة آلاف إنسان وافد ين إلى الإسلام، خوفاً من قازان، وكان مقدمهم يقال له طرغيه، من أكبر أمراء المغل، كان مزوجاً ببنت منكوتمر بن هولاكو، الذي انكسر جيشه على حمص، ويقال لهذه الطائفة الوافدين العويراتية، وكان سبب قدومهم أن مقدمهم طرغية، هو الذي اتفق مع بيدو على قتل كيختو بن أبغا، فلما ملك قازان، قصد الإمساك على طرغيه وقتله، أخذا بثأر عمه كيختو، فهرب طرغيه وجماعته المذكورون بسبب ذلك، ولما قدموا إلى الإسلام، أرسل الملك العادل كتبغا أميراً لمقالهم، وأكرمهم وأنزلهم بالساحل قريب قاقون، وأدر عليهم الأرزاق، وأحضر كبراءهم عنده إلى الديار المصرية، وأعطاهم الإقطاعات الجليلة، وواصلهم بالخلع، وقدمهم على غيرهم.
وفيها في شوال، خرج الملك العادل كتبغا من الديار المصرية وسار إلى الشام، ووصل إلى دمشق، وحضر إليه بدمشق الملك المظفر محمود صاحب حماة، حماة ثم سار الملك العادل من دمشق إلى جهة حمص، وسار على البرية متصيداً، ووصل إلى حمص، وقدم إلى جوسية، وهي قرية على درب بعلبك من حمص، وكانت خراباً، فاشتراها وعمرها، فوصل إليها ورآها، ثم عاد إلى، دمشق وأعطى صاحب حماة الدستور، فعاد إلى بلده، ولما استقر العادل بدمشق، عزل عز الدين أيبك الحموي عن نيابة السلطنة بالشام، وولى موضعه، سيف الدين غرلو مملوك الملك العادل كتبغا المذكور، وخرجت هذه السنة والملك العادل بدمشق.
ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة.
стр. 693
ذكر مسير العادل كتبغا من دمشق
وخلعه واستيلاء لاجين على السلطنة:
لما دخلت هذه السنة، سار العادل كتبغا المنصور في أوائل المحرم من دمشق بالعساكر متوجهاً إلى مصر، فلما وصل إلى نهر العوجا واستقر بدهليزه، وتفرقت مماليكه وغيرهم إلى خيامهم، ركب حسام الدين لاجين المنصوري، نائب الملك العادل كتبغا المذكور، بسنجق ونقاره، وانضم إلى لاجين المذكور، بدر الدين البيسري، وقراسنقر المنصوري، وسيف الدين قبجاق المنصوري والحاج بهادر الظاهري، وغيرهم من الأمراء المتفقين مع حسام الدين لاجين، وقصدوا الملك العادل وبغتوه عند الظهر في دهليزه بالمنزلة المذكورة، فلم يلحق أن يجمع أصحابه، ركب في نفر قليل، فحمل عليه نائبه لاجين المذكور، وقتل بكتوت الأزرق، وبتخاص، وكانا أكبر مماليك العادل، فولى العادل كتبغا المذكور هارباً راجعاً إلى دمشق، لأنه فيها مملوكه غرلو، ووصل إلى دمشق، فركب مملوكه غرلو والتقاه، دخل إلى قلعة دمشق، واهتم في جمع العسكر والتأهب لقتال لاجين، فلم يوافقه عسكر دمشق، وأرسل إلى حسام الدين لاجين يطلب منه الأمان وموضعاً يأوي إليه، فأعطاه صرخد، فسار العادل كتبغا المذكور إليها واستقر فيها إلى أن كان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وأما حسام الدين لاجين، فإنه لما هزم العادل كتبغا على ما ذكرناه، نزل بدهليزه على نهر العوجا، واجتمع معه الأمراء الذين وافقوه على ذلك، وشرطوا عليه شروطاً فالتزمها، منها: أن لا ينفرد عنهم برأي، ولا يسلط مماليكه عليهم كما فعل بهم كتبغا، فأجابهم لاجين إلى ذلك وحلف لهم عليه، فعند ذلك حلفوا له وبايعوه بالسلطنة، ولقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، وذلك في شهر المحرم من هذه السنة، أعني سنة ست وتسعين وستمائة، ثم رحل بالعساكر إلى الديار المصرية، ووصل إليها واستقر بقلعة الجبل. ولما استقر بمصر، أعطى للعادل كتبغا صرخد، وأرسل إلى دمشق سيف الدين قبجق المنصوري، وجعله نائب السلطنة بالشام.
ذكر غير ذلك من الحوادث
وفي هذه السنة أرسل حسام الدين لاجين، الملقب بالملك المنصور، مولانا السلطان الملك الناصر، من القاعة التي كان فيها بقلعة الجبل، إلى الكرك، وسار معه سلار، فأوصله إليها، ثم عاد سلار إلى حسام الدين لاجين.
وفيها أفرج الملك المنصور لاجين عن بيبرس الجاشنكير، وعن عدة أمراء كان العادل كتبغا قد قبض عليهم وسجنهم في أيام سلطنته. وفيها أعطى المنصور لاجين المذكور جماعة من مماليكه إمرة طبلخاناه، مثل منكوتمر، وأيد غدي شقير، وبهادر المعزي وغيرهم.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وستمائة.
стр. 694
ذكر تجريد العساكر إلى حلب
ودخولهم إلى بلاد سيس وعودهم إلى حلب، ثم دخلولهم ثانياً، وما فتحوه:
في هذه السنة جرد حسام الدين لاجين، الملقب بالملك المنصور، جيشاً كثيفاً من الديار المصرية مع بدر الدين بكناش الفخري، المعروف بأمير سلاح، ومع علم الدين سنجر الدواداري، ومع شمس الدين كريته، ومع حسام الدين لاجين الرومي، المعروف بالحسام، أستاذ دار. فساروا إلى الشام، ورسم لاجين المذكور بمسير عساكر الشام، فسار البكي الظاهري نائب السلطنة بصفد، ثم بعد مدة سار سيف الدين قبجق نائب للسلطنة بالشام، وأقام قبجق ببعض العسكر بحمص، وسارت العساكر إلى حلب، وسار الملك المظفر محمود صاحب حماة بعسكره، ووصل المذكورون إلى حلب يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وسابع نيسان، ثم ساروا إلى بلاد سيس، فعبر صاحب حماة، والدواداري، ومن معهما من العساكر، من دربندمري، وعبر باقي العساكر من جهة بغراس، من باب إسكندرونة، واجتمعوا على نهر جيحان، وشنوا الغارات على بلاد سيس في العشر الأوسط من رجب، وكسبوا وغنموا، وعادوا فخرجوا من دربند بغراس إلى مرج أنطاكية، في الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة، الموافق لرابع أيار. وسار صاحب حماة الملك المظفر إلى جهة حماة حتى وصل إلى قصطون، فورد مرسوم لاجين بعود العساكر، واجتماعهم بحلب، ودخلوهم إلى بلاد سيس ثانياً.
وهذه الغزوة من الغزوات التي حضرتها وشاهدتها من أولها إلى آخرها، فعدنا إلى حلب ووصلنا إليها في يوم الأحد الثامن والعشرين من رجب، وأقمنا، ثم رحلنا من حلب ثالث رمضان إلى بلاد سيس، ودخلنا من باب إسكندرونة، نزلنا على حموص يوم الجمعة تاسع رمضان من هذه السنة، الموافق للعشرين من حزيران، وأقام حموص، بدر الدين بكناش أمير سلاح، والملك المظفر صاحب حماة، ومن انضم إليهما من عسكر دمشق، مثل ركن الدين بيبرس العجمي، المعروف بالجالق، ومضافيه من عسكر دمشق، وحاصرنا حموص وضايقناها، وأما باقي العسكر فإنهم نزلوا أسفل من حموص، في الوطاة، واستمر الحال على ذلك، وقل الماء في حموص واشتد بهم العطش، وكان قد اجتمع فيها من الأرمن عالم عظيم ليعتصموا بها، وكذلك اجتمع فيها من الدواب شيء كثير، فهلك غالبهم بالعطش، ولما اشتد بهم الحال وهلكت النساء والأطفال، أخرج أهل حموص في الخامس والعشرين من رمضان، وهو سابع عشر يوماً من نزولنا عليها، من نسائهم نحو ألف ومائتين من النساء والصبيان، فتقاسمهم العسكر وغنموهم، فكان قسمي جاريتين ومملوكاً، وأصابنا ونحن نازلون على حموص في العشر الأوسط من شهر تموز، ضباب قوي، ومطر، وحصل للملك المظفر وهو
стр. 695
نازل على حموص قليل مرض، ولم يكن صحبته طبيبه، فاقتصر على ما كنت أصفه له وأعالجه به، فشفاه الله تعالى وعاد إلى العافية، وأنعم علي وأحسن إلي على جاري عادته، وكانت خيمته المنصوبة على حموص، خيمة ظاهرها أحمر، قد عملها من أكسية مغربية، وداخلهما منقوش بالخام الرفيع المصبغ، وكانت الأمراء الذين لم ينازلوا حموص، وهم مقيمون في الوطاة، إذا عرض لهم ما يقتضى المشاورة، يطلعون إلى الجبل ويجتمعون في خيمة الملك المظفر، وبين يديه يتشاورون على ما فيه المصلحة، واستمر الحال على ذلك إلى أن فتح حموص وغيرها على ما سنذكره.
ذكر فتح حموص وغيرها من قلاع بلاد الأرمن
ولما كان فتوح ذلك متوقفاً على ملك دندين بن ليفون، احتجنا نذكر كيفية ملكه بلاد الأرمن، وتسليمه البلاد إلى المسلمين، فنقول: إنه تقدم في سنة أربع وستين وستمائة أسر ليفون بن هيتوم، لما دخلت العسكر صحبة الملك المنصور صاحب حماة، في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي، وتقدم كيفية خلاص ليفون، وما افتداه أبوه هيتوم به حتى عاد إلى أبيه صاحب سيس، ثم إن ليفون المذكور ملك بعد موت أبيه هيتوم، وبقي في الملك مدة، ثم مات ليفون المذكور، وخلف عدة من الأولاد الذكور، أكبرهم هيتوم، ثم تروس، ثم سنباط، ثم دندين، ثم أوشين.
فلما مات ليفون، ملك بعده ابنه الأكبر هيتوم بن ليفون بن هيتوم، وبقي في الملك مدة، فجمع أخوه سنباط جماعة ووثب على أخيه هيتوم المذكور، وقبض عليه وسمله، فعميت عين هيتوم الواحدة وسلمت له الأخرى، واستمر في الحبس. وكذلك قبض سنباط المذكور على أخيه تروس ثم قتله، وخلف تروس المذكور ولداً صغيراً، واستقر سنباط المذكور في الملك، واتفق دخول العساكر إلى بلاد سيس ومنازلة حموص في أيام مملكة سنباط، فضاقت على الأرمن البلاد بما رحبت، وهلكوا من كثرة ما قتل وغنم منهم المسلمون، فنسبوا ذلك إلى سوء تدبير سنباط وعدم مصانعته للمسلمين، فكرهوه واتفقوا على إقامة أخيه دندين بن ليفون في المملكة، والقبض على سنباط، واجتمع الأرمن على دندين، فأحس سنباط بذلك فهرب إلى جهة قسطنطينية، وتملك دندين، ويقال له كسيندين أيضاً.
فلما تملك دندين المذكور، أرسل إلى العساكر المقيمة في بلاد سيس على حموص وعلى غيرها، وبذل لهم الطاعة والإجابة إلى ما يرسم به سلطان الإسلام، وأنه نائب السلطان بهذه البلاد، فطلب منه العسكر أن يكون نهر جيحان حداً بين المسلمين والأرمن، وأن تسلم كل ما هو جنوبي نهر جيحان من الحصون والبلاد، فأجاب دندين المذكور، إلى ذلك، وسلم جميع البلاد التي جنوبي نهر جيحان المذكور إلى المسلمين، فمنها: حموص، وتل حمدون، وكويرا، والنفير،
стр. 696
وحجر شغلان، وسرفندكار، ومرعش، وهذه جميعها حصون منيعة ما ترام، وكذلك سلم غيرها من البلاد، وكان تسليم حموص يوم الجمعة تاسع عشر شوال من هذه السنة، أعني سنة سبع وتسعين وستمائة، ووافق ذلك ثامن شهر آب، وسلمت تل حمدون بعدها، ثم سلمت باقي الحصون والبلاد المذكورة.
وأمر حسام الدين لاجين الملقب بالملك المنصور باستمرار عمارة هذه البلاد، وكان ذاك رأياً فاسداً، على ما سيظهر من عود هذه البلاد إلى الأرمن، عند دخول قازان البلاد، ولما استقرت هذه البلاد للمسلمين، جعل فيها حسام الدين لاجين بعض الأمراء نائباً، ثم عزله وولى عليها سيف الدين أسندمر نائباً، وجرد معه عسكراً، وكان مقام أسندمر المذكور بتل حمدون، وبعد تسليم تل حمدون رحل الملك المظفر محمود صاحب حماة عنها، مستهل ذي القعدة من هذه السنة، وسارت العساكر وخرجت من الدربند، وسرنا جميعاً ودخلنا حلب يوم الإثنين تاسع ذي القعدة، الموافق لعاشر آب عن هذه السنة، أعني سنة سبع وتسعين وستمائة.
فلما أقمنا بحلب، ورد مرسوم حسام الدين لاجين، الملقب بالملك المنصور، إلى سيف الدين بلبان الطباخي، بالقبض على جماعة من الأمراء المجردين مع العسكر، فعلموا بذلك، وكان قبجق مقيماً بحمص، مستشعراً خائفاً من لاجين المذكور، فهرب من حلب فارس الدين البكي نائب السلطنة بصفد، وكان من جملة العسكر المجردين على حلب. وكذلك هرب بكتمر السلحدار، وبورلار، وعزاز، ووصلوا إلى حمص، واتفقوا مع سيف الدين قبجق على العصيان.
ذكر غير ذلك من الحوادث في أوائل هذه السنة، قبل تجريد العساكر إلى سيس، قبض حسام الدين لاجين على نائبه في السلطنة شمس الدين قراسنقر واعتقله، وولى نيابة السلطنة مملوكه منكوتمر الحسامي، فأظهر منكوتمر المذكور من الحماقة والكبرياء ما غير به خواطر العسكر عليه، وعلى أستاذه، وكذلك قبض لاجين المذكور على بدر الدين البيسري، وعلى عز الدين أيبك الحموي، وعلى الحاج بهادر أمير حاجب، وغيرهم من الأمراء.
وفيها أوقع قازان ملك التتر بأتابكه نيروز وقتله، لأنه نسبه إلى مكاتبة المسلمين، ورتب موضع نيروز قطلوشاه.
وفيها وفد سلامش، وهو مقدم ثمان من المغل، وكان ببلاد الروم، وبلغه أن قازان يريد قتله، فهرب وقدم على الملك المنصور حسام الدين لاجين، فأكرمه، فطلب سلامش نجدة من الملك المنصور لاجين ليعود إلى الروم، طمعاً في اجتماع أهل الروم عليه، فجرد معه من حلب عسكراً مقدمهم سيف الدين بكتمر الجلمي، وساروا مع سلامش حتى تجاوزوا بلد سيس، فخرجت عليهم التتر واقتتلوا معهم، فقتل الجلمي وجماعة من العسكر الإسلامي، وهرب الباقون، وأما سلامش فهرب إلى قلعة من بلاد الروم واعتصم بها، ثم أرسل إليه قازان
стр. 697
واستنزله وحصر سلامش، وقتله شر قتله.
وفيها اجتمع رأي حسام الدين لاجين، ونائبه منكوتمر، على روك الإقطاعات بالديار المصرية، فريكت جميع البلاد المصرية، وكتب بما استقر عليه الحال مثالات، وفرقت على أربابها فقبلوها طوعاً أو كرهاً.
وفيها توفي عز الدين أيبك الموصلي نائب الفتوحات وغيرها، وولى موضعه سيف الدين كرد أمير أخور.
وفيها في أواخر ذي القعدة من هذه السنة، هرب قبجق، والبكي، وبكتمر السلحدار، ومن انضم إليهم من حمص، وساق خلفهم أيدغدي شقير مملوك حسام الدين لاجين من حلب، مع جماعة من العسكر المجردين، ليقطعوا عليهم الطريق. ففاتهم قبجق ومن معه وعبروا الفرات، واتصلوا بقازان ملك التتر، فأحسن إليهم وأقاموا عنده حتى كان منهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها في أواخر ذي القعدة، وصل من حسام الدين لاجين دستوراً للملك المظفر صاحب حماة بالحضور من حلب إلى حماة، فسار الملك المظفر ووصل إلى حماة، واستمرت العساكر مقيمين بحلب إلى أن خرجت هذه السنة.
وفي الثامن والعشرين من شوال هذه السنة، أعني سنة سبع وتسعين وستمائة، توفي الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، قاضي القضاة الشافعي بحماة المحروسة، وكان مولده في سنة أربع وستمائة. وكان فاضلاً إماماً مبرزاً في علوم كثيرة، مثل المنطق والهندسة وأصول الدين والفقه والهيئة والتاريخ، وله مصنفات حسنة منها: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ومنها الأنبروزية في المنطق، صنفها للأنبروز ملك الفرنج صاحب صقلية، لما توجه القاضي جمال الدين المذكور رسولاً إليه في أيام الملك الظاهر بيبرس الصالحي، واختصر الأغاني اختصاراً حسناً، وله غير ذلك من المصنفات.
ولقد ترددت إليه بحماة مراراً كثيرة، وكنت أعرض عليه ما أحله من أشكال
كتاب إقليدس، وأستفيد منه، وكذلك قرأت عليه شرحه لمنظومة ابن الحاجب في العروض، فإن جمال الدين صنف لهذه المنظومة شرحاً حسناً مطولاً، فقرأته عليه، وصحت أسماء من له ترجمة في كتاب الأغاني، فرحمه الله ورضي الله عنه.
وكان توجه إلى الإمبراطور رسولاً من جهة الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر والشام، في سنة تسع وخمسين وستمائة، ومعنى الإمبراطور بالإفرنجية، ملك الأمراء، ومملكته جزيرة صقلية، ومن البر الطويل بلاد أنبولية والأنبردية، قال جمال الدين: ووالد الإمبراطور الذي رأيته، كان يسمى فردريك، وكان مصافياً للسلطان الملك الكامل، ثم مات فردريك المذكور في سنة ثمان وأربعين وستمائة. وملك صقلية وغيرها من البر الطويل بعده، ولده كرا بن فردريك، ثبم مات كرا، وملك بعده أخوه منفريد بن فردريك، وكل من ملك منهم يسمى إمبراطور، وكان الإمبراطور من بين ملوك الفرنج مصافياً للمسلمين، ويحب العلوم.
قال: فلما وصلت إلى الإمبراطور منفريد المذكور أكرمني، وأقمت عنده في مدينة من
стр. 698
مدائن البر الطويل المتصل بالأندلس، من مدائن أنبولية، واجتمعت به مراراً، ووجدته متميزاً ومحباً للعلوم العقلية، يحفظ عشر مقالات من كتاب إقليدس.
قال: وبالقرب من البلد الذي كنت فيه، مدينة تسمى لوجاره، أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية، يقام فيها الجمعة، ويعلن بشعار الإسلام.
قال: ووجدت أكبر أصحاب الإمبراطور منفريد المذكور مسلمين، ويعلن في معسكره بالأذان والصلاة، وبين البلد الذي كنت فيه وبين رومية مسيرة خمسة أيام.
قال: وبعد توجهي من عند الإمبراطور اتفق البابا خليفة الفرنج، وريدافرنس، على قصد الإمبراطور وقتاله، وكان البابا قد حرمه كل ذلك، بسبب ميل الإمبراطور المذكور إلى المسلمين، وكذلك كان أخوه كرا، ووالده فردريك محرمين من جهة البابا برومية، لميلهم إلى الإسلام.
قال: ولقد حكى لي لما كنت عنده، أن مرتبة الإمبراطور كانت قبل فردريك لوالده، ولما مات والد فردريك المذكور، كان فردريك شاباً، أول ما ترعرع، وأنه طمع في الإمبراطورية جماعة من ملوك الفرنج، وكل منهم رجا أن يفوضها البابا إليه، وكان فردريك شاباً ماكراً، وجنسه من الألمانية، فاجتمع بكل واحد من الملوك الذين قد طمعوا في أخذ الإمبراطورية بانفراده.
وقال له: إني لا أصلح لهذه المرتبة، وليس لي فيها غرض، فإذا اجتمعنا عند البابا، فقل ينبغي أن يتقلد الحديث في هذا الأمر ابن الإمبراطور المتوفي، ومن رضي بتقليده الإمبراطورية، فأنا راض به، فإن البابا إذا د الاختيار إلي في ذلك، اخترتك، ولا أختار غيرك، وقصدي الانتماء إليك.
ولما قال هذه المقالة، لكل واحد من الملوك المذكورين بانفراد، وصدقه في ذلك، ووثق به واعتقد صدقه، فلما اجتمعوا عند البابا بمدينة رومية، ومعهم فردريك المذكور، قال البابا للملوك المذكورين: ما ترون في أمر هذه المرتبة، ومن هو الأحق بها؟ ووضع تاج الملك بين أيديهم، فكل واحد منهم قال: قد حكمت فردريك في ذلك، فإنه ولد الإمبراطور وأحق الجماعة بأن يسمع قوله في ذلك، فقام فردريك وقال: أنا ابن الإمبراطور، وأنا أحق بتاجه ومرتبته، والجماعة كلهم قد رضوا بي، ووضع التاج على رأسه، فأبلسوا كلهم، وخرج مسرعاً والتاج على رأسه، وكان قد حصل جماعة من أصحابه الألمانية الشجعان راكبين مستعدين، وركب واجتمعت عليه أصحابه الألمانية، وسار بهم على حمية إلى بلاده.
قال القاضي جمال الدين: واستمر الإمبراطور منفريد بن فردريك المذكور في مملكته، وقصده البابا، وريدافرنس بجموعهما، واقتتلوا معه وهزموه وقبضوا عليه، وتقدم البابا يذبحه، فذبح منفريد المذكور، وملك بلاده بعده أخو ريدافرنس، وذلك في سنة ثلاث وستين وستمائة في غالب ظني.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وستمائة.
ذكر قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين
صاحب مصر والشام:
في هذه السنة، وثب على لاجين المذكور جماعة من المماليك الصبيان، الذين اصطفاهم لنفسه،
стр. 699
ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الآخر، في أوائل الليل، فقتلوه وهو يلعب بالشطرنج، وأول من ضربه شخص منهم يقال له سيف الدين كرجي، بالسيف، وضربه الباقون بعده، حتى قتلوا لاجين المذكور، وطلعوا ليقتلوا مملوكه ونائبه منكوتمر، فاستجار بسيف الدين طغجي الأشرفي، وكان طغجي مقدم هؤلاء المماليك الذين قتلوا لاجين، فأجاره طغجي وبعث بمنكوتمر المذكور إلى الجب، فحبسه فيه، ثم بعد استقراره في الجب توجه كرجي ومعه جماعة فأخرجوا منكوتمر وذبحوه على رأس الجب، ولما أصبح الصباح عن ذلك، جلس طغجي في موضع النيابة وأمر ونهى، وهنالك جماعه من الأمراء أكبر منه، مثل الحسام أستاذ الدار، وسلار وبيبرس الجاشنكير، وغيرهم، فاتفقت آراؤهم على الوقيعة بطغجي، وإعادة الملك إلى مولانا السلطان الملك الناصر المقيم بالكرك، واتفق بعد ذلك وصول بعض العسكر المجردين على حلب، فوصل أمير سلاح، وغيره، وأشار الأمراء المذكورون على طغجي بالركوب، وتلقى أمير سلاح، فامتنع، وعاودوه فأجاب، وركب طغجي من قلعة الجبل، وجعل نائبه بها كرجي الذي قتل لاجين، فعندما اجتمعت الأمراء بالأمير سلاح، تحدثوا فيما فعله الصبيان من قتل السلطان، وأنكرت الأمراء وقوع مثل ذلك، وقالوا إن طغجي هو الذي فعل ذلك، فحطوا عليه بالسيوف، وهرب منهم، فأدركوه وقتلوه، وقصدوا كرجي بقلعة الجبل فهرب، واتبعوه فقتلوه أيضاً. وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت مدة مملكة حسام الدين لاجين، الملقب بالملك المنصور المذكور، سنتين وثلاثة أشهر. عودة مولانا السلطان الملك الناصر إلى سلطنته
وفي هذه السنة عاد مولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد ابن مولانا السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون إلى مملكته. فانه لما جرى ما ذكرناه من قتل لاجين، ثم قتل طغجي، اتفقت الأمراء على إعادة مولانا السلطان الملك الناصر إلى مملكته، فتوجه سيف الدين ابن الملك وعلم الدين الجاولي إلى الكرك، وأحضراه إلى الديار المصرية، فصعد إلى قلعة الجبل، واستقر على سرير ملكه في يوم السبت، رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، أعني سنة ثمان وتسعين وستمائة، وهي سلطنته الثانية.
فلما استقر السلطان الملك الناصر بالقلعة، اتفق معه الأمراء على أن يكون سيف الدين سلار، نائب السلطنة، ويكون بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، وأن يكون بكتمر الجوكندار أمير جاندار. فلما استقر ذلك، فوض نيابة السلطنة بالشام إلى جمال الدين أقوش الأفرم، وأفرجوا عن شمس الدين قراسنقر من الاعتقال، وكان له فيه نحو سنة وشهرين، ثم بعثوا به إلى الصبيبة وكتب تقليد الملك المظفر محمود صاحب حماة ببلاده على عادته، وبعث به إليه في جمادى الأولى من هذه السنة.
стр. 700
ذكر تجريد العسكر الحموي إلى حلب
وفي هذه السنة في رمضان، الموافق لحزيران من شهور الروم، جرد الملك المظفر عسكر حماة إلى حلب، بسبب حركة التتر إلى جهة الشام، فسرنا من حماة إلى المعرة، وورد كتاب سيف الدين بلبان الطباخي بتراخي الأخبار، فعدنا من المعرة إلى حماة، فورد كتابه بطلبنا، فأعادنا الملك المظفر من حماة في يوم وصولنا إليها، وهو يوم الأربعاء سابع عشر رمضان، وحزيران، فسرنا ودخلنا حلب في الثاني والعشرين من رمضان من هذه السنة، ثم أرسل الملك المظفر وطلبني من نائب السلطنة بمفردي، فأعطاني سيف الدين بلبان الطباخي دستوراً، فسرت إلى حماة إلى خدمة ابن عمي الملك المظفر، واستمر أخواي وغيرهما من الأمراء والعسكر مقيمين بحلب، وأقمت أنا عند الملك المظفر بحماة.
ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماة
وخروج حماة حينئذ عن البيت التقوي الأيوبي:
وفي هذه السنة، أعني سنة ثمان وتسعين وستمائة، يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة، توفي صاحب حماة، السلطان الملك المظفر، تقي الدين محمود ابن السلطان الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك تقي الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب، رحمه الله تعالى، ومولده في ليلة الأحد خامس عشر المحرم سنة سبع وخمسين وستمائة، فيكون عمره إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر وسبعة أيام، وملك حماة من حين توفي والده في حادي عشر شوال سنة ثلاث وثمانين وستمائة، فيكون مدة ملكه خمس عشرة سنة وشهراً ويوماً واحداً، وكان مرضه حمى محرقة، وكان سبب ذلك مع فراغ العمر، أنه كان غاوياً برمي البندق، واتفق له فيه صروعات حسنة، فأراد أن يرمي النسر من طيور الواجب، فقصد جبل علاروز، وهو جبل مطل على قسطون، وكان ذلك في شدة الحر، وقتل حماراً وتركه على موضع بذلك الجبل، وعمل من أغصان الشجر كوخاً وكان يجلس في الكوخ وأنا معه، ومملوك له، ومن يشاهده في رمي البندق وكان يدخل إلى الكوخ في السحر ويظل فيه إلى الظهر، ولا يتكلم انتظاراً لنزول النسر على جيفة الحمار، وكنا نشم نتن تلك الجيفة، واتفق نزول النسر في تلك الحالة، ولم يقدر له رمية، ثم عدنا إلى حماة، فابتدأ بنا المرض، وبلغت الموت، وفي مدة مرضي، مرض الملك المظفر، وعادني وهو قد ابتدأ به المرض، ثم بعد بضع عشر يوماً توفي في التاريخ المذكور، وأنا منقطع عنه بسبب مرضي، وكذلك مرض المملوك الذي كان معنا بذلك المكان، وكان عسكر حماة بحلب على ما قد ذكرنا، وكان قد اتفق حضور الأمير صارم الدين أزبك المنصوري إلى حماة، بسبب تشويش زوجته، فلحق الملك المظفر قبل وفاته، كان حاضراً
стр. 701
وفاته، وأما أخواي أسد الدين عمر، وبدر الدين حسن، ابنا الملك الأفضل، فإنهما حضرا إلى حماة من حلب بعد وفاة الملك المظفر، ولما اجتمع مذكورون، اختلفوا فيمن يكون صاحب حماة، ولم ينتظم في ذلك حال.
ذكر وصول قراسنقر إلى حماة
الجوكندار إلى حماة نائباً بها:
ولما توفي الملك المظفر، كان قراسنقر قد أخرج من السجن، وأرسل إلى الصبيبة، وهي مكان وخم، فأرسل قراسنقر إلى الحكام بمصر يتضور من المقام بالصبيبة، فاتفق عند ذلك وصول الخبر إلى مصر بموت صاحب حماة، فأعطى قراسنقر نيابة السلطنة بحماة، وسار من الصبيبة ووصل إلى حماة، واستقر في النيابة، بها في أوائل ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وتسعين وستمائة، ونزل بدار ملك المظفر صاحب حماة، وقمنا بوظائف خدمته وأخذ من تركة صاحب حماة ومنا أشياء كثيرة، حتى أجحف بنا، ووصلت المناشير من مصر إلى أمراء حماة وجندها باستقرارهم على ما بأيديهم من الإقطاعات، فاستمرينا على ما بأيدينا.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة، أرسل سيف الدين بلبان الطباخي عسكراً إلى ماردين، فنهبوا ربض ماردين، حتى نهبوا الجامع، وعملوا الأفعال الشنيعة، وذلك كان حجة لقازان في قصد البلاد على ما سنذكره.
وفيها توفي بدر الدين بيسري في محبسه من حين حبسه لاجين.
وفيها سار مولانا السلطان الملك الناصر من الديار المصرية بعساكر مصر إلى بلاد غزة، وأقام بها حتى خرجت هذه السنة، واتفق قراسنقر وأخواي، وأرسلوا معي قماشاً وخيلاً، من خيل الملك المظفر صاحب حماة. وقماشه، فسرت أنا وصارم الدين أزبك المنصوري الحموي، وقدمت ذلك لمولانا السلطان وهو نازل بالساحل، قرب عسقلان، فقبله وتصدق علي بخلعة وحياصة ذهب، ورسم بزيادة إقطاعي وإقطاع أخي بدر الدين حسن، فزادونا نقداً من ديوان حماة.
وفي هذه السنة توفي شمس الدين كربته، أحد المقدمين الذين دخلوا إلى بلاد سيس، وفتحوا ما تقدم ذكره.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وستمائة.
ذكر المصاف العظيم
الذي كان بين المصلين والتتر وهزيمة المسلمين واستيلاء التتر على الشام:
في هذه السنة سار قازان بن أرغون بجموع عظيمة من المغل والكرج والمزندة وغيرهم، وعبر الفرات ووصل بجموعه إلى حلب، ثم إلى حماة ثم سار ونزل على وادي مجمع المروج، وسارت العساكر الإسلامية صحبة مولانا السلطان الملك الناصر حتى وصلوا بظاهر حمص، ثم
стр. 702
ساروا إلى جهة المجمع، وكان سلار والجاشنكير هما المتغلبان على المملكة، فداخل الأمراء الطمع، ولم يكملوا عدة جندهم، فنقص العسكر كثيراً مع سوء التدبير، ونحو ذلك من الأمور الفاسدة التي أوجبت هزيمة العسكر، ثم ساروا والتقوا عند العصر من نهار الأربعاء، السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، الموافق للثالث والعشرين من كانون الأول من شهور الروم، بالقرب من مجمع المروج في شرقي حمص، على نحو نصف مرحلة من حمص، فولت ميمنة المسلمين، ثم الميسرة، وثبت القلب، واحتاطت به التتر وجرى بينهم قتال عظيم، وتأخر السلطان إلى جهة حمص حتى أدركه الليل، فولت العساكر الإسلامية تبتدر الطريق، وتمت بهم الهزيمة إلى ديار مصر المحروسة، وتبعهم التتر واستولوا على دمشق، وساقوا في إثر الجفال إلى غزة والقدس وبلاد الكرك، وكسبوا وغنموا من المسلمين الجفال شيئاً عظيمة.
ذكر المتجددات بعد الكسرة
وكان قبجق وبكتمر السلحدار والبكي مع قازان، من حين هربوا من حمص على ما قدمنا ذكره في سنة سبع وتسعين وستمائة، فلما استولى قازان على دمشق، أخذ سيف الدين قبجق الأمان لأهل دمشق ولغيرهم، من قازان ملك التتر، واستولى قازان على مدينة دمشق، وعصت عليه القلعة، وأمر بحصارها، فحوصرت، وكان النائب بها الأمير سيف الدين أرحواش المنصوري، فقام في حفظها أتم قيام، وصبر على الحصار ولم يسلمها، وأحرق الدور التي حوالي القلعة والمدارس، فاحترقت دار السعادة التي كانت مقر نواب السلطنة، وكذلك احترق غيرها من الأماكن الجليلة، وأما عسكر مصر فإنهم لما وصلوا إلى مصر، رسم لهم بالنفقة، فأنفق فيهم أموال جليلة، وأصلحوا أحوالهم، وجددوا عدتهم وخيولهم، وأقام قازان بمرج دمشق المعروف بمرج الزنبقة، ثم عاد إلى بلاده الشرقية، وقرر في دمشق قبجق، وجرد صحبته عدة من المغل.
فلما بلغ العساكر المصرية مسير قازان عن الشام، خرجوا من مصر في العشر الأول من شهر رجب من هذه السنة، وخرج السلطان إلى الصالحية، ثم اتفق الحال على مقام السلطان بالديار المصرية، ومسير سلار، وبيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام، فسار المذكوران بالعساكر، وكان قبجق وبكتمر السلحدار، والألبكي، قد كاتبوا المسلمين في الباطن وصاروا معهم، فلما خرجت العساكر من مصر، هرب قبجق ومن معه من دمشق وفارقوا التتر، وساروا إلى جهة ديار مصر، وبلغ ذلك التتر المجردين بدمشق، فخافوا وساروا من وقتهم إلى البلاد الشرقية، وخلا الشام منهم، ووصل قبجق والألبكي وبكتمر السلحدار إلى الأبواب السلطانية، فأحسن إليهم سلطان، ووصل سلار وبيبرس الجاشنكير إلى دمشق، وقررا أمور الشام، ورتبا في
стр. 703
نيابة السلطنة بدمشق الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، على عادته، ورتبا قراسنقر في نيابة السلطنة بحلب بعد عزل سيف الدين بلبان الطباخي عنها، وإعطائه إقطاعاً بديار صر، ورتبا قطلوبك في نيابة السلطنة بالساحل والحصون، عوض سيف الدين كرد، إنه استشهد في الوقعة، ورتبا في نيابة السلطنة بحماة، الأمير زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان سلطاناً، ثم خلع وأعطي صرخد، واستمر بصرخد حتى استولى قازان على الشام، ثم سار إلى مصر والتتر بالشام، ثم سار مع سلار والجاشنكير إلى الشام، فرتباه في نيابة السلطنة بحماة بعد قراسنقر، فسار كتبغا المذكور ووصل إلى حماة في الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، أعني سنة تسع وتسعين وستمائة، واستقر بحماة وأقام بدار صاحب حماة الملك المظفر، وسار قراسنقر إلى حلب، ثم عاد سلار والجاشنكير بالعساكر إلى الديار المصرية.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة كان بين طقطغا بن منكوتمر، وبين نغيه، حروب كثيرة، قتل فيها نغيه، وقام مقامه ابنه جكا.
وفيها في مدة استيلاء التتر على الشام، استولى على حماة شخص من الرجالة الذين كانوا فيها لحفظ القلعة، يسمى عثمان السبيتاري، وحكم في البلد والقلعة، واستباح الحريم وأموال أهل حماة، وسفك دم جماعة منهم الفارس أرلندمشد حماة، وبعض أهل الباب الغربي، وكان يشارك عثمان المذكور في الحكم رفيقه إسماعيل، فغدر عثمان برفيقه إسماعيل وقتله، وانفرد عثمان بالحكم في حماة، وقيل إنه تلقب بالملك الرحيم، وبقي على تلك الحال إلى أن طلعت العساكر الإسلامية من مصر، واستولوا على الشام، وأرسلوا صارم الدين أزبك الحموي إلى حماة، ليكون فيها إلى أن يحضر إليها زين الدين كتبغا المنصوري النائب، فعصي عثمان المذكور بالقلعة المذكورة، ثم فارقه أصحابه وتخلوا عنه، وأمسك عثمان المذكور واعتقل، وكان المذكور من جندارية قراسنقر، فلما وصل قراسنقر إلى حماة متوجها إلى حلب، نزل على تل صفرون، وتسلم عثمان المذكور وأطلقه، فحضر أهل حماة وشكوا ما فعله فيهم عثمان المذكور، من نهب أموالهم، وهتك الحريم، وسفك الدماء، فتبرطل قراسنقر من عثمان المذكور ما أخذه من أموال أهل حماة، واستصحب عثمان معه وأحسن إليه، ومنع الناس حقهم، ولم يمكن أحداً منه بعد أن حكم القاضي بسفك دم عثمان المذكور، وبقي عثمان عند قراسنقر مكرماً إلى أن هرب قراسنقر إلى التتر، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فاختفى عثمان المذكور ولم يظهر، وكان أصله من بلاد الشوبك، فلما تصدق علي السلطان بحماة، تتبعت عثمان المذكور وطلبته من نائب السلطنة بالشام، وهو المقر
стр. 704
السيفي تنكيز، فأمسك عثمان المذكور من بلاد عجلون، وأرسله إلي معتقلاً إلى حماة، فضربت عنقه في سوق الخيل بحضرة العسكر، في يوم الاثنين رابع عشر شعبان سنة ست عشرة وسبعمائة.
وفيها لما وصل قازان بجموع المغل إلى الشام، طمع الأرمن في البلاد التي افتتحها المسلمون منهم، وعجز المسلمون عن حفظها، فتركها الذين بها من العسكر والرجالة وأخلوها، فاستولى الأرمن عليها، وارتجعوا حموص، وتل حمدون، وكوير، وسرفند كار، والنقير، وغيرها، ولم يبق مع المسلمين من جميع تلك القلاع غير قلعة حجر شغلان، واستولى الأرمن على غيرها من الحصون والبلاد التي كانت جنوبي نهر جيحان.
وفيها أو في السنة التي قبلها، لما ملك دندين بلاد الأرمن، أفرج عن أخيه هيتوم بن ليفون، وجعله الملك، وصار دندين بين يديه، وكان هيتوم قد بقي أعور من حين سمله أخوه سنباط، على ما قدمنا ذكره، واستمر هيتوم ودندين على ذلك مدة يسيرة، ثم غدر هيتوم بدندين وجازاه أقبح جزاء، وأراد القبض عليه، فهرب دندين إلى جهة قسطنطينية، واستقر هيتوم في مملكة سيس، ولما استقر هيتوم في مالك سير، كان لأخيه تروس الذي قتله أخوه سنباط على ما ذكرناه، ولد صغير، فأقام هيتوم المذكور، الصغير ذلك ابن تروس في الملك، وجعل هيتوم نفسه أتابكاً لذلك الصغير، وبقي كذلك حتى قتلهما برلغي مقدم المغل الذين ببلاد الروم، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبعمائة.
ذكر مسير التتر إلى الشام
ومسير السلطان والعساكر الإسلامية إلى العوجا، ورجوعهم:
في هذه السنة عادت التتر قصد الشام، وعبروا الفرات في ربيع الآخر، وجفلت المسلمون منهم وخلت بلاد حلب، وسار قراسنقر بعسكر حلب إلى حماة، وبرز زين الدين كتبغا عساكر حماة إلى ظاهر حماة، في الثاني والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة، وسادس كانون الأول، وكذلك وصلت العساكر من دمشق واجتمعوا حماة، وأقامت التتر ببلاد سرمين، والمعرة، وتيزين، والعمق، وغيرها، ينهبون يقتلون، وسار السلطان بالعساكر الإسلامية ووصل إلى العوجا، واتفق في تلك المدة تدارك الأمطار إلى الغاية، واشتدت الوحول حتى انقطعت الطرقات، وتعذرت الأقوات، وعجزت العساكر عن المقام عن تلك الحال، فرحل السلطان والعساكر وعادوا إلى الديار المصرية. فوصل إليها في عاشر جمادى الأولى من هذه السنة، وأما التتر فانهم أقاموا يتنقلون في بلاد حلب نحو ثلاثة أشهر، ثم إن الله تعالى تدارك المسلمين بلطفه، ورد التتر على أعقابهم بقدرته، فعادوا إلى بلادهم وعبروا الفرات، أواخر جمادى الآخرة من هذه السنة، الموافق
стр. 705
لأوائل آذار من شهور الروم، ورجع عسكر حلب مع قراسنقر إلى حلب، وتراجعت الجفال إلى أماكنهم.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة لما وردت الأخبار بعود التتر إلى الشام، استخرج عن غالب الأغنياء بمصر والشام ثلث أموالهم، لاستخدام المقاتلة.
وفيها لما خرجت العساكر من مصر، توفي سيف الدين بلبان الطباخي الذي كان نائباً بحلب، ودفن بأرض الرملة، وورثه السلطان بالولاء.
وفيها عزل كراي المنصوري الذي كان نائباً بصفد، وولى موضعه بتخاص.
وفيها عزل قطلوبك عن نيابة السلطنة بالحصون والسواحل، ونقل إلى دمشق، فصار من أكبر الأمراء بها، وولى موضعه على الحصون والسواحل سيف الدين أسندمر الكرجي.
وفيها التزمت الذمة بلبس الغيار، فلبس اليهود عمائم صفراء، والنصارى عمائم زرقاء، والسمرة عمائم حمراء.
وفيها وصلت رسل قازان ملك التتر، وكان مضمون رسالتهم التهديد والوعيد، فأعيد جوابه على مقتضى ذلك.
وفيها ولى البكئي الظاهري الذي قفز إلى التتر، وعاد على ما ذكرناه نيابة السلطنة بحمص، وكذلك أعطي قبجق الشوبك إقطاعاً، وأرسل إليها فأقام بها.
وفيها قتل جكا بن نغيه أخاه تكا.
وفيها جرى بين جكا ونائبه طنغوز قتال، فانتصر فيه طنغوز على جكا، ثم انتصر جكا، ثم استنجد طنغوز بطقطغا، فلم يكن لجكا به قبل فهرب إلى الأولاق، وأمسك جكا واعتقله بقلعة طرفو، ثم قتله وبعث برأسه إلى القرم، وصارت مملكة نغيه لطقطغا.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة.
ذكر وفاة الخليفة
وفي هذه السنة توفي أبو العباس أحمد، الملقب بالحاكم بأمر الله، المنصوب في الخلافة، وقد تقدم ذكر ولايته ونسبه في سنة ستين وستمائة، والخلاف في ذلك، ولما توفي الحاكم المذكور، قرر في الخلافة بعده ولده سليمان بن أحمد، وكنيته أبو الربيع، ولقب بالمستكفي بالله.
ذكر الإغارة على بلاد سيس
وفي هذه السنة جرد من مصر بدر الدين بكتاش أمير سلاح، وأيبك الخزندار معهما العساكر، فساروا إلى حماة، وورد الأمر إلى زين الدين كتبغا نائب السلطنة بحماة، أن يسير بالعساكر إلى بلاد سيس، فخرج كتبغا المذكور من حماة، وخرجنا صحبته في يوم السبت الخامس والعشرين من شوال في هذه السنة، الموافق للثالث والعشرين
следующие страницы →