← История

История · id 12716

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية = سيرة صلاح الدين الأيوبي

بهاء الدين ابن شداد

Полный текст (389 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وحيفا وأعمالها وعكا وأعمالها، وأخرج منها الناصرة وصفورية وأثبت الجميع في ورقة وكتب جواب الكتاب وأنفذه على يد طرنطاي مع الرسول، وكان قد وصل الرسول لتحرير القاعدة مع بدر الدين في عصر السبت وقال للرسول هذه حدود البلاد التي تبقى في أيديكم فإن صالحتم على ذلك فمبارك قد أعطيتم يدي ولينفذ الملك من يحلف ويكون ذلك في غداة غد، وإلاّ فيعلم أن هذا تدفيع ومماطلة ويكون الأمر قد انفصل من بيننا، وساروا في بكرة الأحد على هذه القاعدة. ولما كان العشاء الآخرة يوم الأحد وصل من أخبر بوصول طرنطاي ومعه الرسول واستأذن في حضورهما، فأذن ﵀ في حضور طرنطاي وحده، فذكره أن الملك قد وقف على تلك الرقعة وأنكر أنه نزل عن ذلك فقال: إذن أنا قتلته فلا أرجع عنه. قولوا للسلطان مبارك رضيت بهذه القاعدة وقد رجعت إلى مروءتك، فإن زدتني شيئاً فمن فضلك وإنعامك. ثم سار واحضر الرسل ليلاً، وأقاموا إلى بكرة وحضروا عند السلطان بكرة الإثنين فذكروا ما استقر عن صاحبهم ثم انفصلوا إلى خيمهم، وحضر عند السلطان أرباب المشورة واستقر الأمر وانفصلت القاعدة وسار الأمير بدر الدين دلدرم إلى الملك العادل وأخذ الرسل معه في صورة من يسأل في زيادة الرملة وعاد في عشاء الآخرة ليلة الإثنين وكتبت المواضعة وذكر فيها شروط الصلح ثلاث سنين من تاريخها وهو الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمانية وثمانين

стр. 317

وخمسمائة ويراد فيها الرملة لهم ولدّ أيضاً، وسيّر العدل وقال له إن قدرت أن ترضيهم بأحد الموضعين أو مناصفتها فافعل ولا يكون لهم حديث في الجبليات، ورأى السلطان ذلك مصلحة لما عرا الناس من الضعف وقلة النفقات والشوق إلى الأوطان ولما شاهده من تقاعدهم عن يافا يوم أمرهم بالحملة فلم يحملوا فخاف أن يحتاج إليهم فلم يجدهم، فرأى أن يحييهم مدة حتى يستريحوا ويتبعوا غير هذه الحالة التي صاروا غليها ويعمر البلاد ويشحن القدس بما يقدر عليه من الآلة ويتفرغ لعمارتها. وكان من القاعدة أن عسقلان تكون خراباً وأن يتفق أصحابنا وأصحابهم على خرابها خشية أن نأخذها عامرة فلا نخربها فمضى العدل على هذه القاعدة واشترط دخول البلاد الإسلامية واشترطوا هم دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في الصلح على قاعدة آخر صلح صالحناهم عليه، واستقر الحال على ذلك، وسارت الرسل وحكم عليهم أن لابد من فصل الحال إما الصلح وإما الخصومة خشية أن يكون هذا الحديث من قبيل أحاديثه السابقة ومدافعاته المعروفة. وفي ذلك اليوم وصل رسول سيف الدين بكتمر صاحب خلاط يبذل

стр. 318

الطاعة والموافقة وسير العساكر وحضر رسول الكرج وذكر فصلاً في معنى الزيادات التي لهم في القدس وعمارتها وشكوا أنها أخذت من أيديهم ويسأل عواطف السلطان أن يردها إلى نوابهم ورسول صاحب أرزن الروم يبذل الطاعة والعبودية. ذكر تمام الصلح ولما وصل العدل إلى هناك أنزل خارج البلد في خيمة حتى أعلم الملك به، فلما علم به استحضره عنده مع بقية الجماعة وعرض العدل عليه النسخة وهو مريض الجسم، فقال: لا طاقة لي بالوقوف عليها وأنا قد صالحت وهذه يدي فاجتمعوا بالكندهري والجماعة وأوقفوهم على النسخة ورضوا بلد والرملة مناصفة وبجميع ما في النسخة واستقرت القاعدة أنهم يحلفون بكرة يوم الأربعاء بأنهم كانوا قد أكلوا شيئاً وليس من عادتهم الحلف بعد الأكل وأنفذ العدل إلى السلطان من عرفه ذلك. ولما كان يوم الأربعاء الثاني والعشرون من شعبان حضر الجماعة عند الملك وأخذوا يده وعاهدوه، واعتذر أن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك ثم حلف الجماعة والمستحلف الكندهري ابن أخته المستخلف عنه في الساحل وباليان بن بارزان صاحب طبرية، ورضي الأسبتار والداوية وسائر مقدمي الإفرنجية بذلك وساروا بقية يومهم عائدين إلى المخيم السلطاني فوصلوا العشاء الآخرة وكان الواصلون من جانبهم ابن الهنغري وابن بارزان وجماعة من مقدميهم فاحترموا وأكرموا وضربت لهم خيمة

стр. 319

تليق بهم، وحضر العدل وحكى ما جرى. ولما كانت صبيحة الثالث والعشرين حضر الرسل في خدمة السلطان وأخذوا بيده الكريمة وعاهدوه على الصلح على القاعدة المستقرة، واقترحوا حلف جماعة وهم الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر عن نصرهم والمشطوب وبدر الدين دلدرم والملك المنصور ومن كان مجاوراً لبلادهم كابن المقدم وصاحب شيزر وغيرهم، فوعدهم السلطان أن يسير معهم رسلاً إلى الجماعة المجاورين ليحلفوهم لهم، وحلف لصاحب أنطاكية وطرابلس، وعلّق اليمين بشرط حلفهم للمسلمين فإن لم يحلفوا فلا يدخل في الصلح. ثم أمر المنادي أن ينادي في الوطاقات والأسواق ألا أن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم فمن شاء من بلادهم أن يدخل إلى بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فيفعل، وأشار رحمة الله عليه أن طريق الحج قد فتح من الشام ووقع له عزم على الحج في ذلك المجلس وكنت حاضراً ذلك جميعه، وأمر السلطان أن تسير مائة نقاب لتخريب سور عسقلان معهم أمير كبير ولإخراج الإفرنج منها ويكون معهم جماعة من الإفرنج إلى حين وقوع الخراب في السور خشية استبقائه عامراً. وكان يوماً مشهوداً غشي الناس من الطائفتين فيه من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى، والله العظيم إن الصلح لم يكن من إيثاره، فإنه قال لي في بعض محاوراته في الصلح أخاف أن أصالح وما أدري أيّ شيء يكون مني فيقوى هذا العدو وقد بقيت لهم هذه البلاد فيخرجوا لاسترداد بقية بلا دهم ونرى كل واحد من هؤلاء الجماعة قد قعد في رأس قلعته يعني حصنه وقال لا أنزل فيهلك المسلمون. هذا كلامه وكان كما قال، لكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر وتظاهرهم بالمخالفة وكانت مصلحة

стр. 320

في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح، ولو كان اتفق ذلك في أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر، فما كان الصلح إلاّ توفيقاً وسعادة له. ذكر خراب عسقلان ولما كان الخامس والعشرون من شعبان ندب السلطان علم الدين قيصر إلى خراب عسقلان، وسيّر معه جماعة من النقابين والحجارين واستقر أن الملك ينفذ من يافا من يسير معه ليقف على التخريب ويخرج الإفرنج منها فوصلوا إليها من الغد فلما أرادوا التخريب اعتذر الأجناد الذين بها بأن لنا على الملك جانكية لمدة فإما أن يدفعها إلينا ونخرج أو ادفعوها أنتم إلينا، فوصل بعد ذلك رسول الملك يأمرهم بالخروج فخرجوا ووقع التخريب فيها في السابع والعشرين من شعبان واستمر يخربها وكتب على الجماعة رقاعاً بالمعاونة على التخريب وأعطى كل واحد قطعة معلومة في السور وقيل له دستورك في تجريبها. ولما كان التاسع والعشرون رحل السلطان إلى النطرون واختلط العسكران وذهب جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة ووصل خلق عظيم من العدو إلى القدس للحج وفتح لهم السلطان

стр. 321

الباب وأنفذ معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردهم إلى يافا، وكثر ذلك من الإفرنج، وكان غرض السلطان بذلك أن يقضوا غرضهم من الزيارة ويرجعوا إلى بلا دهم فيأمن المسلمون من شرهم. ولما علم الملك كثرة من يزور منهم صعب عليه ذلك وسير إلى السلطان يسأله منع الزوار واقترح أن لا يؤذن لهم إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة، وعلمت الإفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا في الحج فكان يرد منهم في كل يوم جموع كثيرة مقدمون وأسباط وملوك متنكرون، وشرع السلطان في إكرام من يرد ومد الطعام ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إنكار الملك ذلك، واعتذر إلى الملك بأن قوماً قد وصلوا من بعد ذلك لزيارة المكان الشريف فلا أستحل منعهم، ثم اشتد المرض بالملك فرحل في ليلة التاسع والعشرين وسار هو والكندهري وسائر العدو إلى جانب عكا ولم يبق في يافا إلا مريض أو عاجز ونفر يسير. ذكر عود العساكر الإسلامية إلى أوطانهم ولما انقضى هذا الأمر واستقرت القواعد أعطى السلطان الناس دستوراً وكان أول من سار عسكر إربل، فإنه سار في مستهل شهر رمضان المبارك، ثم سار بعده في ثانية عسكر الموصل وسنجار والحصن، أشاع أمر الحج وقوى عزمه على براءة الذمة، وكان هذا مما وقع لي وبدأت

стр. 322

بالإشارة به، فوقع منه موقعاً عظيماً، وأمر الديوان وكل من عزم على الحج من العسكر أن يثبت اسمه حتى يحصر عدة من يدخل معنا في الطريق وكتب جرائد بما يحتاج إليه في الطريق من الخلع والأزواد وغيرها وسيرها إلى البلاد ليعدوها. ولما أعطى الناس دستوراً وعلم عود العدو رجع إلى ورائه رأى الدخول إلى القدس الشريف لتهيئة أسباب عمارته والنظر في مصالحه والتأهب في المسير إلى الحج، فرحل من النطرون يوم الأحد رابع يوم شهر رمضان وسار حتى أتى ماء صمويل يفتقد الملك العادل فوجده قد سار إلى القدس، وقد كنت عنده رسولاً من جانب السلطان أنا والأمير بدر الدين دلدرم والعدل، وكان قد انقطع عن أخيه بسبب مرضه، وكان قد تماثل فعرفناه مجيء السلطان إلى ماء صمويل لعيادته فحمل على نفسه وسار معنا حتى لقيه في ذلك المكان وهو أول وصوله إلى ماء صمويل ولم ينزل بعد فلقيه ونزل وقبّل الأرض وعاد فركب فاستدناه وسأله عن مزاجه وسار جميعاً حتى أتيا القدس الشريف في بقية ذلك اليوم. ذكر وصول رسول من بغداد ولما كان يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رمضان صلّى الملك العادل الجمعة وانصرف إلى الكرك عن دستور من السلطان لينظر في أحواله ويعود إلى البلاد الشرقية يدبّرها، فإنه كان قد

стр. 323

أخذها من السلطان وكان قد ودّع السلطان، فلما وصل العازرية نزل بها مخيماً فوصله من أخبر أن رسولاً من بغداد واصل إليك فأنفذ إلى السلطان وعرفه فذكر له أن يجتمع ويطالع ما وصل فيه فلما كان السبت الرابع والعشرون دخل إلى الخدمة السلطانية وذكر أن الرسول قد وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولي نيابة الوزارة ببغداد ومقصود الكتاب أنه يحثه على استعطاف قلب السلطان إلي لخدمة الشريفة والدخول بينه وبين الديوان العزيز والإنكار عليه بتأخر رسله عن العتبة الشريفة واقتراح تسيير القاضي الفاضل ليحضر الديوان العزيز في تقرير قاعدة تتحرر بينه وبين السلطان لا بد منها وقد وعد الملك العادل من الديوان بوعود عظيمة إذا قرر ذلك ويكون له يد عند الديوان يستثمرها فيما بعد وما يشبه هذا الفن فحدثت عند السلطان فكرة في إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان ويستعلم سبب دخول الملك العادل في البين وزاد الحديث ونقص وطال وقصر وقوي العزم السلطاني على إنفاذ الضياء الشهرزوري وعاد الملك العادل إلى مخيمه بالعازرية بعد تقرير هذه القاعدة وعرفه إجابة السلطان إلى إنفاذ رسول إلى خدمة الديوان العزيز وسار يوم الاثنين طالباً جهة الكرك وسار الضياء متوجهاً إلى بغداد يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان. ذكر توجه ولده الملك الظاهر إلى بلاده ووحشة السلطان له ولما كانت بكرة التاسع والعشرين

стр. 324

توجه الملك الظاهر عز نصره بعد أن ودعه ونزل إلى الصخرة فصلى عندها وسأل الله تعالى ما شاء ثم ركب وركبت في خدمته فقال لي قد تذكرت أمراً أحتاج فيه إلى مراجعة السلطان مشافية فأنفذ من استأذن له العود إلى خدمته فأذن له في ذلك فحضر واستحضرني وأخلى المكان ثم قال له: أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم فأنت أميني وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يبقي على أحد واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم وما بينك وبين الله يغفره الله بتوبتك إليه فإنه كريم. وكان ذلك بعد انصرفنا من خدمته ومضى من الليل ما شاء الله إن يمضي وهذا ما أمكنني حكايته وضبطه ولم يزل بين يديه إلى قريب السحر ثم أذن له في الانصراف ونهض ليودعه فقبل وجهه ومسح رأسه وانصرف في دعة الله ونام في برج الخشب الذي للسلطان وكنا نجلس عنده في الأحياء إلى بكرة وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق وودعته وسار في حفظ الله. ثم سير الملك الأفضل ثقله وأقام يراجع السلطان على لساني في أشغال كانت له حتى دخل في شوال أربعة أيام وسار في ليلة الخامس منه نصف الليل عن تعتب عليه جريدة على طريق الغور.

стр. 325

ذكر مسيره ﵀ من القدس الشريف وأقام السلطان يقطع الناس ويعطيهم دستوراً ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية وانقطع شوقه عن الحج وكان من أكبر المصالح التي فاتته ولم يزل كذلك حتى صح عنده إقلاع مركب الأنكتار متوجهاً إلى بلاده مستهل شوال فعند ذلك حرر السلطان عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويفتقد القلاع البحرية إلى بانياس ويدخل دمشق المحروسة يقيم بها أياماً قلائل ويعود إلى القدس الشريف سائراً إلى الديار المصرية يتفقد أحوالها ويقرر قواعدها وينظر في مصالحها وأمرني بالمقام في القدس الشريف لعمارة بيمارستان أنشأه فيه وإدارة المدرسة التي أنشأها فيه إلى حين عوده وسار من القدس الشريف ضحوة نهار الخميس سادس شوال وودعته إلى البيرة ونزل بها وأكل فيها طعاماً ثم أتى بعض طريق نابلس فبات فيه ثم أتى نابلس ضحوة نهار الجمعة سابع شوال فلقيه خلق عظيم يستغيثون من المشطوب ويتضورون من سوء رعايته لهم فأقام يكشف عن أحوالهم إلى عصر يوم السبت ثم رحل ونزل بسبصطية يتفقد أحوالها ثم أتى في طريقه إلى كوكب ونظر في أحوالها وسد خللها وذلك في يوم الاثنين عاشره. وكان فكاك بهاء الدين قراقوش من ربقة الأسر يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ومثل في الخدمة

стр. 326

السلطانية ففرح به فرحاً شديداً وكانت له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام واستأذن السلطان في المسير إلى تحصيل القطيعة فأذن له في ذلك وكانت القطيعة على ما بلغني ثمانين ألفاً والله أعلم. ولما وصل السلطان إلى بيروت وصل إلى خدمته البرنس صاحب أنطاكية مسترفداً فبالغ في احترامه وإكرامه ومباسطته وأنعم عليه بالعمق وزرعان ومزارع تبلغ خمسة عشر ألف دينار. وكان قد خلف المشطوب في القدس من جملة العسكر المقيمين به ولم يكن واليه وإنما كان واليه عز الدين جرديك وكان ولاه بعد الصلح حالة عوده إلى القدس بعد أن شاور فيه الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر على لساني وأشار به أهل الدين والصلاح لأنه كان كثير الجد والخدمة والحفظ لأهل الخير فأمرني السلطان أن أوليه ذلك في يوم الجمعة عند الصخرة ووليته إياه بعد صلاة الجمعة واشترطت عليه الأمانة وعرفته موضع حسن اعتقاد السلطان فيه وانعقد الأمر وقام به القيام المرضي. وأما المشطوب فإنه كان مقيماً بالقدس من جملة من كان مقيماً بها وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال ودفن في داره بعد أن صلى عليه في المسجد الأقصى ﵀.

стр. 327

ذكر عود السلطان إلى دمشق المحروسة وكان عوده إليها بعد الفراغ من تصفح أحوال القلاع الساحلية بأسرها والتقدم بسد خللها وإصلاح أمور أجنادها وشحنها بالأجناد والرجال ودخل دمشق بكرة الأربعاء السادس والعشرين من شوال وفيها أولاد الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد وجلس للناس في بكرة الخميس السابع والعشرين منه وحضر الناس عنده وبلوا شوقهم من رؤيته وأنشده الشعراء وعم ذلك المجلس الخاص والعام وأقام ينشر جناح عدله. ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا في الأوقات المعتادة حتى كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة اتخذ الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر فإنه لما وصل إلى دمشق بلغه حركة السلطان إليها فأقام حتى يتملى بالنظر إليه ثانياً وكأن نفسه الشريفة كانت قد أحست بدنو أجل السلطان فودعه في تلك الليلة مراراً متعددة وهو يعود إليه. ولما اتخذ الملك الأفضل له دعوة أظهر فيها من بديع التجمل وغريهه ما يليق بهمته وكأنه أراد مجازاته عما خدمه به حين وصوله إلى حلب وحضرها أرباب الدنيا وأبناء الآخرة وسأل السلطان الحضور فحضر جبراً لقلبه. ذكر قدوم الملك العادل أخيه ولما تصفح الملك العادل أخبار الكرك وأمر بإصلاح ما قصد إصلاحه منه عاد طالباً البلاد الفراتية فوصل أرض دمشق يوم الأربعاء سابع عشر ذي

стр. 328

القعدة وكان السلطان قد خرج إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي عباب إلى الكسوة حتى لقيه وسارا جميعاً وكان دخولهما دمشق آخر نهار الأحد الحادي والعشرين وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أرض الشام وموطن الظباء وكأنه وجد راحة مما كان فيه من ملازمة التعب وسهر الليل ونصب النهار وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع تنزهه وهو لا يشعر ونسي عزمه المصري وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ذلك ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني إلى خدمته وكان شتاءً شديداً ووحل عظيم فخرجت من القدس الشريف في يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة تسع وثمانين وكان الوصول إلى دمشق يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة تسع وكان وصل أوائل الحج على طريق دمشق واتفق حضوري والملك الأفضل حاضر في الإيوان الشمالي وفي خدمته خلق من الأمراء وأرباب المناصب ينتظرون جلوس السلطان لخدمته فلما شعر بحضوري استحضرني وهو وحده قبل أن يدخل إليه أحد فدخلت عليه فقام ولقيني لقاءً ما رأيت أشد من بشره بي فيه ولقد ضمني إليه ودمعت عينه. ذكر لقائه للحجاج ولما كان يوم الأربعاء ثالث عشر صفر طلبني فحضرت عنده فسألني عمن في الإيوان فأخبرته أن الملك الأفضل جالس في الخدمة والأمراء والناس

стр. 329

في خدمته فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال. ولما كانت بكرة الخميس استحضرني فحضرت عنده في صفة البستان وعنده أولاده الصغار فسأل عن الحاضرين فقيل له رسل الإفرنج وجماعة الأمراء والأكابر فاستحضر رسل الإفرنج إلى ذلك المكان فحضروا وكان له ولد صغير وكان كثيراً ما يميل إليه يسمى الأمير وكان حاضراً وهو يداعبه فلما وقع بصره على الإفرنج ورأى أشكالهم وحلق لحاهم وقص شعورهم وما عليهم من الثياب غير المألوفة خاف منهم وبكى فاعتذر إليهم وصرفهم بعد أن حضروا ولم يسمع كلامهم وقال إن لي اليوم شغلاً وكان عادته المباسطة ثم قال أحضروا لنا ما تيسر فأحضروا أرزاً بلبن وما شابه ذلك من الأطعمة الخفيفة فأكل وكنت أظن أنه ما عنده شهوة وكان في هذه الأيام يعتذر إلى الناس لثقل الحركة عليه وكان بدنه ملتاثاً ممتلئاً وعنده كسل فلما فرغنا من الطعام قال ما الذي عندك من خبر الحاج فقلت اجتمعت بجماعة منهم في الطريق ولولا كثرة الوحل لدخلوا اليوم ولكنهم غداً يدخلون. فقال نخرج إن شاء الله إلى لقائهم وتقدم بتنظيف طرقاتهم من المياه فإنها سنة كثيرة الأنداء وقد سالت المياه في الطرق والأنهار. وانفصلت من خدمته ولم أجد عنده من النشاط ما كنت أعرفه ثم ركب في بكرة الجمعة وتأخرت عنه قليلاً ثم لقيته وقد لقي الحاج وكان فيهم سابق الدين وقرالاً الياروقي وكان كثير الاحترام للمشايخ فلقيهم ثم لحقه الملك الأفضل وأخذ يحدثني فنظرت إلى السلطان فلم أجد عليه كزاغنده وما كان له عادة بركب بدونه وكان يوماً عظيماً قد اجتمع فيه للقاء

стр. 330

السلطان والتفرج عليه معظم من في البلد فلم أجد الصبر دون أن سرت إلى جانبه وحدثته في إهمال هذا فكأنه استيقظ فطلب الكزاغند فلم يوجد الزرد كماش فوجدت لذلك أمراً عظيماً وقلت في نفسي السلطان يطلب ما لا بد منه في عادته ولا يجده ووقع في قلبي تطير بذلك فقلت له أليس ثم طريق نسلكه ليس فيه خلق كثير فقال بلى ثم سار بين البساتين فطلب جهة المنيع وسرنا في خدمته وقلبي يرعد لما قد وقع فيه من الخوف عليه فسار حتى أتى القلعة فعبرا على الجسر إلى القلعة وهو طريقه المعتاد وكانت آخر ركوبه. مرضه رحمة الله عليه ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً فما انتصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية كانت في باطنه أكثر من ظاهره وأصبح في يوم السبت سادس عشر صفر سنة تسع وثمانين متكسلاً عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت أنا والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو من قلقه في الليل وطال به الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا والقلوب عنده فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة الملك الأفضل ولم يكن القاضي عادته ذلك فانصرف ودخلت أنا إلى الإيوان وقد مد الطعام والملك الأفضل قد جلس في موضعه فانصرفت وما كان لي قوة على الجلوس استيحاشاً وبكى جماعة تفاؤلاً بجلوس ولده في موضعه، ثم أخذ المرض في تزايد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً

стр. 331

ويعطي الطريق في بعض الأيام التي يجد فيها خفة وكان مرضه في رأسه وكان من أمارات انتهاء العمر إذ كان قد ألف مزاجه سفراً وحضراً ورأى الأطباء قصده فقصدوه في الرابع فاشتد مرضه وقلّت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس غلبة عظيمة ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف. ولقد جلسنا في سادس مرضه وأسندنا ظهره إلى مخدة وأحضر ماءً فاتراً ليشرب عقيب شرب دواء لتليين الطبيعة فشربه فوجده شديد الحرارة فشكا من شدة حرارته وعرض عليه ماء ثان فشكا من برده ولم يغضب ولم يصخب ولم يقل سوى هذه الكلمات: سبحان الله ألا يمكن أحداً تعديل الماء. فخرجت أنا والقاضي الفاضل من عنده وقد اشتد بنا البكاء والقاضي الفاضل يقول لي: أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون على مفارقتها، والله لو أن هذا بعض الناس لضرب بالقدح رأس من أحضره. واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه. ولما كان التاسع حدثت عليه غشية وامتنع من تناول المشروب فاشتد الخوف في البلد وخاف الناس ونقلوا الأقمشة من الأسواق وغشي الناس من الكآبة والحزن ما لا يمكن حكايته. ولقد كنت أنا والقاضي الفاضل نقعد في كل ليلة إلى أن يمضي من الليل ثلثه أو قريب منه ثم نحضر في باب الدار فإن وجدنا طريقاً دخلنا وشاهدناه وانصرفنا وإلا عرفونا أحواله من وكنا نجد الناس يترقبون خروجنا إلى أن يلاقونا حتى يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا. ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل من الحقن راحة وحصل بعض خفة وتناول من ماء الشعير مقداراً صالحاً وفرح الناس فرحاً شديداً فأقمنا على العادة إلى أن مضى من الليل هزيع ثم أتينا إلى الدار فوجدنا جمال الدولة إقبالاً فالتمسنا منه تعريف الحال المستجد

стр. 332

فدخل وأنفذ إلينا مع الملك المعظم تورانشاه جبره الله تعالى أن العرق قد أخذ في ساقيه فشكرنا الله تعالى على ذلك والتمسنا منه أن يمس بقية قدمه ويخبرنا بحاله في العرق فتفقده ثم خرج إلينا وذكر أن العرق سابغ وانصرفنا طيبة قلوبنا ثم أصبحنا في الحادي عشر من مرضه وهو السادس والعشرين من صفر فحضرنا بالباب وسألنا عن الأحوال فاخبرنا بأن العرق أفرط حتى نفذ في الفراش ثم في الحصر وتأثرت به الأرض وأن اليبس قد تزايد تزيداً عظيماً وحارت في القوة الأطباء. ذكر تحليف الأفضل ولما رأى الملك الأفضل ما حل بوالده وتحقق الناس من موته تسرع في تحنف الناس في دار رضوان المعرفة بسكناه واستحضر القضاة وعمل له نسخة يمين مختصرة محصلة للمقاصد تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته وله بعد وفاته واعتذر إلى الناس بأن المرض قد اشتد وما يعلم ما يكون، وما يفعل هذا إلا احتياطاً على جاري عادة الملوك فأول من استحضر للحلف سعد الدين أخو بدر الدين مودود الشحنة فبادر إلى اليمن من غير شرط ثم حضر ناصر الدين صاحب صهيون وزاد

стр. 333

أن الحصن الذي في يده له وسابق الدين صاحب شيزر فحلف ولم يذكر الطلاق واعتذر بأنه ما حلف به. ثم حضر خشتر بن حسين الهكاوي وحلف. وحضر أنوشروان الزرزاري وحلف واشترط أن يكون له خبز يرضيه. وحضر علكان وملكان وحلفا ثم مد الخوان وحضر الجماعة وأكلوا. ولما كان العصر أعيد المجلس للتحلف وحضر ميمون القصري ﵀ وشمس الدين الكبير وقالا نحلف بشرط أن لا نسل في وجه أحد من أخوتك سيفاً لكن رأسي دون بلادك. هذا قول ميمون القصري. وأما سنقر فإنه امتنع ساعة ثم قال: كنت خلفتني على النطرون وأنا عليها وحضر سامه وقال ليس لي خبز فقل لي على أي شيء أحلف. فرجع وحلف وعلق يمينه بشرط أن يعطى خبزاً يرضيه. وحضر سنقر المشطوب وحلف واشترط أن يرضى. وحضر أيبك الأفطس ﵀ واشترط رضاه. وحضر حسام الدين بشارة وحلف وكان مقدماً على هؤلاء ولم يحضر أحد من الأمراء المصريين ولم يتعرض لهم بل حلف هؤلاء للتقرير. ونسخة اليمين المحلوف بها مضمونها أني من وقتي هذا صفيت نيتي. وأخلصت طويتي. للملك الناصر مدة حياته وأني لا أزال باذلاً جهدي في الذب عن دولته بنفسي ومالي وسيفي ورجالي ممتثلاً أمره واقفاً عند مراضيه. ثم من بعده

стр. 334

لولده الأفضل علي ووريثه. ووالله إنني في طاعته وأذب عن دولته وبلاده بنفسي ومالي وسيفي ورجالي وأمتثل أمره ونهيه وباطني وظاهري في ذلك سواء والله على ما أقول وكيل. ذكر وفاته ﵀ وقدس روحه ولما كانت ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من صفر وهي الثانية عشرة من مرضه اشتد مرضه وضعفت قوته ووقع من الأمر في أوله وحال بيننا وبينه النساء واستحضرت أنا والقاضي الفاضل تلك الليلة وابن الزكي ولم يكن عادته الحضور في ذلك الوقت وحضر بيننا الملك الأفضل وأمر أن نبيت عنده فلم ير القاضي الفاضل ذلك رأياً فإن الناس كانوا ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف إن لم ننزل أن يقع الصوت في البلد وربما نهب الناس بعضهم بعضاً فرأى المصلحة في نزولنا واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة وهو رجل صالح ليبيت بالقلعة حتى إذا أحضر ﵀ بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء وذكره الشهادة وذكر الله تعالى ففعل ذلك ونزلنا وكل منا يود فداءه بنفسه وبات في تلك الليلة على حال المنتقلين إلى الله تعالى والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن ويذكر الله تعالى وكان ذهنه غائباً من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في أحيان. وذكر

стр. 335

الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. سمعه وهو يقول رحمة الله عليه: صحيح. وهذه يقظة في وقت الحاجة وعناية من الله تعالى به فلله الحمد على ذلك. وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسعة وثمانين وخمسمائة وبادر القاضي الفاضل بعد طلوع الصبح في وقت وفاته ووصلت وقد مات وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرمه وجزيل ثوابه، ولقد حكي لي أنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: لا إله إلا هو عليه توكلت. تبسم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه، وكان يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالنفس. ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين وكان يوماً عظيماً وقد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة من أن ينظر إلى غيره وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ. وكان أولاده يخرجون مستغيثين إلى الناس فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم. ودام الحال على هذا إلى ما بعد صلاة الظهر. ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي بلت الطين وغسله الدولعي الفقيه ونهضت إلى الوقوف على غسله فلم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط. وكان ذلك وجميع ما احتاج إليه من الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه

стр. 336

وارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة فصلى عليه الناس أرسالاً وكان أول من أم بالناس القاضي محيي الدين ابن الزكي ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وكان متمرضاً بها ودفن في الصفة الغربية منها. وكان نزوله في حفرته قدس الله روحه ونوّر ضريحه قريباً من صلاة العصر ثم نزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر وعزى الناس فيه وسكن قلوب الناس وكان الناس قد شغلهم البكاء عن الإشغال بالنهب والفساد فما وجد قلب إلا حزين ولا عين إلا باكية إلا من شاء الله. ثم رجع الناس إلى بيوتهم أقبح رجوع ولم يعد أحد منهم في تلك الليلة إلا نحن حضرنا وقرأنا وجددنا حالاً من الحزن. واشتغل في ذلك اليوم الملك الأفضل بكتابة الكتب إلى عمه وأخواته يخبرهم بهذا الحادث. وفي اليوم الثاني جلس للعزاء جلوساً عاماً وأطلق باب القلعة للفقهاء والعلماء وتكلم المتكلمون ولم ينشد شاعر ثم انفض المجلس في ظهر ذلك اليوم واستمر الحال في حضور الناس بكرة وعشية وقراءة القرآن والدعاء له رحمة الله عليه واشتغل الملك الأفضل بتدبير أمر ومراسلة أخوته وعمه. ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام تم بعون الله والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 337

منتخبات من كتاب التاريخ لصاحب حماه تأليف تاج الدين شاهنشاه بن أيوب ﵀ تتعلق بسيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي ﵀ بسم الله الرحمن الرحيم ذكر قتل الصالح بن زربك وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزبك الأرمني وزير العاضد العلو جهزت عليه عمة العضد من قتله وهو داخل في القطر بالسكاكين، ولم يمت في تلك الساعة بل حمل إلى بيته، وأرسل يعتب على العاضد، فأرسل العاضد إليه يحلف له أنه لم يرض ولا علم بذلك، وأمسك العاضد عمته وأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولي ابنه رزبك الوزارة ولقب العادل، ومات طلائع واستقر ابنه رزبك في الوزارة. ذكر ولاية شاور ثم الضرغام وفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي، وكان شاور يخدم الصالح طلائع بن رزبك فولاه الصعيد، وكانت ولاية الصعيد أكبر المناصب بعد الوزارة. ولما جرح الصالح أوصى ابنه العادل أن لا يغير على شاور شيئاً لعلمه بقوة شاور، ولما تولّى العادل بن الصالح الوزارة كتب إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه وسار نحو العادل إلى القاهرة، فهرب العادل وطرد وراءه شاور وأمسكه وقتله، وهو العادل رزبك ابن الصالح طلائع بن رزبك، وانقرضت بقتله دولة بني رزبك، واستقر شاور في الوزارة وتقلب بأمير الجيوش وأخذ أموال بني رزبك وودائعهم، ثم إن الضرغام جمع جمعاً ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان، فقوي على شاور فانهزم شاور إلى الشام مستنجداً بنور الدين. ولما تمكن الضرغام من الوزارة قتل كثيراً من الأمراء المصريين لتخلو له البلاد، فضعفت الدولة بهذا السبب حتى خرجت البلاد من أيديهم. ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة

стр. 338

وفي هذه السنة سيّر نور الدين محمود بن زنكي عسكراً مقدمهم أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى الديار المصرية ومعهم شاور وكان قد صار من مصر هارباً من الضرغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده وبذل له ثلث أموال مصر بعد رزق جندها إن أعاده إلى الوزارة، فأرسل نور الدين شيركوه إلى مصر فوصل إليها وهزم عسكر ضرغام عند قبر السيدة نفيسة، وأعاد شاور إلى وزارة العاضد العلوي، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار شيركوه واستولى على بلبيس والشرقية، فأرسل شاور يستنجد الإفرنج على إخراج أسد الدين شيركوه من البلاد، فسار الإفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر وحصروا شيركوه ببلبيس، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وبلغ الإفرنج حركة نور الدين وأخذه حارم، فراسلوا شيركوه في الصلح وفتحوا له، فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر وسار بهم ووصلوا الشام سالمين. وفي هذه السنة في رمضان فتح نور الدين محمود حارم، وأخذها من الإفرنج بعد مصاف جرى بين نور الدين والإفرنج انتصر فيه نور الدين وقتل وأسر عالماً كثيراً، وكان من جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية والقومص صاحب طرابلس وغنم منهم المسلمون شيئاً كثيراً. وفي هذه السنة أيضاً في ذي الحجة سار نور الدين إلى بانياس وفتحها وكانت بيد الإفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى هذه السنة. ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة وفيها فتح نور الدين محمود حصن المنيظرة من الشام وكان بيد الإفرنج.

стр. 339

ثم دخلت سنة اثنين وستين وخمسمائة وفيها عاد أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية وجهزه نور الدين بعسكر جيد عدّتهم ألف فارس، فوصل إلى ديار مصر واستولى على الجيزة، وأرسل شاور إلى الإفرنج استنجدهم وجمعهم وساروا في أثر شيركوه إلى جهة الصعيد والتقوا على بلد يقال له الأبوان، فانهزم الإفرنج والمصريون، واستولى شيركوه على بلاد الجيزة واستغلها، ثم سار إلى الإسكندرية وملكها وجعل فيها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد شيركوه إلى جهة الصعيد فاجتمع عسكر مصر والإفرنج وحصروا صلاح الدين بالإسكندرية مدة ثلاثة أشهر، فسار شيركوه إليهم واتفقوا على الصلح على مال يحملونه إلى شيركوه ويسلم إليهم الإسكندرية ويعود إلى الشام، فتسلم المصريون الإسكندرية في منتصف شوال من هذه السنة، وسار شيركوه إلى الشام فوصل إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة واستقر الصلح بين الإفرنج والمصريين على أن يكون للإفرنج بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. وفي هذه السنة فتح نور الدين صاميثا والعريبة وفيها عصى غازي بن حسان صاحب منبج على نور الدين بمنبج فسير إليه عسكر أخذوا منه منبج، ثم أقطع نور الدين منبج قطب الدين ينال بن حسان أخا غازي المذكور، فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة وفيها ملك نور الدين قلعة جعبر وأخذها من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه ولم يقدر نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها وأحضروه إلى نور الدين واجتهد به على تسليمها فلم يفعل فأرسل عسكراً مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي الزعفراني وأردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر المعروف بابن الداية وكان رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر فلم يظفروا منها بشيء، وما زالوا على صاحبها مالك حتى سلمها وأخذ عنها عوضاً مدينة سروج بأعمالها والملوح من بلد حلب وعشرين ألف دينار معجلة وباب بزاغة. ذكر ملك أسد الدين شيركوه مصر وقتل شاور

стр. 340

ثم ملك صلاح الدين وهو ابتداء الدولة الأيوبية

стр. 341

وفي هذه السنة أعني سنة أربع وستين وخمسمائة في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية. وسبب ذلك تمكن الإفرنج من البلاد المصرية وتحكمهم على المسلمين بها حتى ملكوا بلبيس قهراً في مستهل صفر من هذه السنة ونهبوها وقتلوا أهلها وأسروهم ثم ساروا من بلبيس ونزلوا على القاهرة عاشر صفر وحصروها، فأحرق شاور مدينة مصر خوفاً من أن يملكها الإفرنج، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوماً، فأرسل العضد إلى نور الدين يستغيث به وصانع شاور الإفرنج على ألف ألف دينار يحملها إليهم، فحمل إليهم مائة ألف دينار وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة ليقدر على جمع المال وتحصيله، فرحلوا وجهز نور الدين العسكر مع شيركوه وأنفق فيهم المال وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة، وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه. أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بينه. وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. ولما قارب شيركوه مصر رحل الإفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا لمصر فتحاً جديداً، ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر واجتمع بالعاضد وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه وعلى عسكره النفقة الوافرة، وشرع شاور يماطل شيركوه فيما كان بذله لنور الدين من تقرير المال وإيراد ثلث البلاد، ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه ويعده ويمنّيه وما يعدهم الشيطان إلا غروراً. ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك. ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك عزموا على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك وغيرهما وعرّفوا شيركوه بذلك، فنهاهم عنه، واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي ﵁، فلقي صلاح الدين وجرديك شاور وأعلماه برواح شيركوه إلى زيارة الشافعي، وساروا

стр. 342

جميعاً إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك على شاور وألقياه إلى الأرض عن فرسه وأمسكاه في سابع ربيع الآخر من هذه السنة، فهرب أصحابه عنه، وأرسلا أعلما شيركوه بما فعلا، فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ذلك. وسمع العاضد الخبر فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله وأرسل رأسه إلى العاضد، ودخل بعد ذلك القصر عند العاضد، فخلع عليه العاضد خلعة الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها شاور، واستقر في الأمر، وكتب له منشوراً أوّله بعد البسملة: من عبد الله ووليه أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل الملك المنصور سلطان الجيوش ولي الأئمة مجير الأمة أسد الدين أبي الحارث شيركوه العاضد عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته. سلام عليك، إنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ونسأله أن يصلي على محمد وآله الطاهرين والأئمة المهديين ويسلم تسليما. ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه ووصايا أضربنا عنها للاختصار. وكتب العاضد بخطه على ظهر المنشور: هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله فتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحملها، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة واسحب ذيل الافتخار بأن اعتزت خدمتك إلى النبوة. ومدحت الشعراء أسد الدين ووصل إليه من الشام مديح العماد الكاتب قصيدة أولها: بالجد أدركت ما أدرجت لا اللعب ... كم راحة جنيت من دوحة التعب يا شيركوه بن شاذي الملك دعوة من ... نادى فعرف خير ابن بخير أب جرى الملوك وما حازوا بركضهم ... من المدى في العلا ما حزت بالخبب ملكت من ملك مصر رتبة قصرت ... عنها الملوك فطالت سائر الرتب قد أمكنت أسد الدين العزيمة من ... فتح البلاد فبادر نحوها وثب وفي شيركوه وقتله شاور يقول عرقلة الدمشقي: لقد فاز بالملك العظيم خليفة ... له شيركوه العاضدي وزير هو الأسد الضاري الذي جل خطبه ... وشاور كلب للرجال عقور بغى وطغى حتى لقد طال صحبه ... على مثلها كان اللعين يدور فلا رحم الرحمن تربة قبره ... ولا زال فيه منكر ونكير

стр. 343

فأما الكامل بن شاور لما قتل أبوه فقد دخل القصر فكان آخر العهد به. ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع أتاه أجله حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة. وتوفي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام. وكان شيركوه وأيوب ابنا شاذي من بلد دوين، قال ابن الأثير: وأصلهما من الأكراد الروادية فقصدا العراق وخدما بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه فجعله بهروز مستحفظاً قلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة ومر على تكريت خدمه أيوب وشيركوه، ثم إن شيركوه قتل إنساناً بتكريت فأخرجهما بهروز من تكريت فلحقا بخدمة عماد الدين زنكي، فأحسن إليهما وأعطاهما إقطاعات جميلة. ولما كان ملك قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظاً لها، ولما حاصر عسكر دمشق بعلبك بعد موت زنكي سلمها أيوب لهم على إقطاع كثيرة شرطوها له، وبقي أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بعد موت أبيه زنكي وأقطعه نور الدين حمص والرحبة لما رأى من شجاعته وزاده عليها وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب فساعد أيوب نور الدين على ملك دمشق، وبقي مع نور الدين إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها وتوفي في هذه السنة على ما ذكرناه.

стр. 344

ولما توفي شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب بن شاذي وكان قد سار معه على كره وكان قد قال شيركوه بحضرته يا يوسف تجهز للمسير فقلت والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبداً، فقال نور الدين لابد من مسيره معي فأمرني نور الدين وأنا استقيل، فقال نور الدين لابد من مسيرك مع عمك، فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت، ولما مات شيركوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية منهم عين الدولة الياروقي وقطب الدين ينال المنبجي وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري وشهاب الدين محمود الحاوي وهو خال صلاح الدين فأرسل العاضد أحضر صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه بالملك الناصر فلم تطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاوي فسعى إلى المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحارمي وقال هذا ابن أختك وعزه وملكه لك فمال إليه أيضاً ثم فعل بالباقين كذلك فكلهم أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال أنا لا أخدم يوسف وعاد إلى نور الدين بالشام، وثبت قدم صلاح الدين على أنه نائب نور الدين، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الإسفهسلا ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيماً عن أن يكتب اسمه وكان لا يفرده بكتاب بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله، فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الإقطاعات بمصر وتمكن من البلاد وضعف أمر العاضد. ولما فوّض الأمر إلى صلاح الدين تاب عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص لباس الجد ودام على ذلك إلى أن توفاه الله تعالى. قال ابن الأثير مؤلف كتاب الكامل: رأيت كثيراً ممن ابتدأ الملك ينتقل إلى غير عقبه فإن معاوية تغلب وملك فانتقل الملك إلى بني مروان، ثم بعده إلى ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى عقب أخيه المنصور ثم السامانية، أول من ابتدى بالملك نصر بن أحمد فانتقل الملك إلى أخيه إسماعيل وعقبه ثم عماد الدولة بن بويه ملك فانتقل الملك إلى عقب أخيه ثم شيركوه ملك فانتقل

стр. 345

الملك إلى أخيه. ولما قام صلاح الدين بالملك لم يبق الملك في عقبه بل انتقل إلى أخيه العادل ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى ذلك أوّلاً، وأخذ الملوك وعيون أهله وقلوبهم متعلقة به فيحرم عقبه ذلك. ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة قتل مؤتمن الخلافة وكان مقدم السودان فاجتمعت السودان فهم حفاظ القصر في عدد كثير وكان بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة بين القصرين انهزم فيها السودان وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأخلاهم قتلاً وتهجيجاً وتهيجاً وحكم صلاح الدين على القصر وأقام فيه بهاء الدين قراقوش الأسدي وكان خصياً أبيض، وبقي لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين. ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة فيها سارت الإفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج على ذلك أموالاً عظيمة، فحصروها خمسين يوماً، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مدة إقامة الإفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها. وفيها سار نور الدين وحاصر الكرك مرة ثم رحل عنه. وفيها كانت زلزلة عظيمة خربت الشام فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام وكذلك خرجت بلاد الإفرنج فخافوا من نور الدين واشتغل كل منهم عن قصد الآخر بعمارة ما خرب من بلاده. وفيها في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل وكان مرضه حمّى حادّة. ولما مات صرف أرباب الدولة الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود إلى أخيه الذي هو أصغر منه وهو سيف الدين غازي بن مودود، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصراً به. وتوفي قطب الدين وعمره أربعون سنة تقريباً وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً وكان من أحسن الملوك سيرة.

стр. 346

وفي سنة ست وستين سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل وهي بيد أخيه غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر فاستولى عليها نور الدين وملكها. ولما ملك نور الدين الموصل قرر أمرها وأطلق المكؤس منها، ثم وهبها لابن أخيه سيف الدين غازي وأعطى سنجار لعماد الدين وهو أكبر من أخيه، فقال كمال الدين الشهورزوري: هذا طريق إلى أذى يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة أخيه سيف الدين وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف وتطمع الأعداء. وفي هذه السنة سار صلاح الدين عن مصر فغزا بلاد الإفرنج قرب عسقلان والرملة وعاد إلى مصر ثم خرج إلى إيلة وحصرها وهي للإفرنج على ساحل البحر الشرقي ونقل إليها المراكب وحصرها براً وبحراً وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر، ولما استقر صلاح الدين بمصر كان دار الشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية. وكذلك بنى دار العزل مدرسة للشافعية، وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعاً ورتب قضاة شافعية وذلك في العشرين من جمادى الآخرة. وكذلك اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز وبناها مدرسة للشافعية. ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر وانقراض الدولة العلوية ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة وفيها ثاني جمعة من المحرم قطعت خطبة العاضد لدين الله. وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أنه لما تمكن صلاح الدين بمصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي وكان خصياً أبيض وبلغ نور الدين ذلك، أرسل إلى صلاح الدين حتماً جزماً بقطع الخطبة العلوية، وإقامة الخطبة العباسية، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة، فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك وأصرّ عليه، وكان العاضد قد مرض فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء ويقطعوا خطبة العاضد فامتثلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته، وتوفي العاضد يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع خطبته.

стр. 347

ولما توفي العاضد جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه وكانت كثرته تخرج عن الإحصاء وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق الثمينة والكتب والتحف فمن ذلك الجبل الياقوت وكان وزنه سبعة عشر درهماً أو سبعة عشر مثقالاً، قال ابن الأثير مؤلف الكامل: أنا رأيته ووزنته. ومما حكي أنه كان بالقصر طبل للقولنج إذا ضرب الإنسان به ضرط فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم واخرج جميع من فيه من عبد وأمة فباع البعض وأعتق البعض ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه وكأن لم تغن بالأمس. ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ذلك خديعة ولم يمض إليه فلما توفي علم صدقه فندم لتخلفه عنه، وجميع من خطب له منهم أربعة عشر خليفة: المهدي، والنائم، والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد. وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسلجماسة في ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة أعني سنة سبع وستين وخمسمائة، مائتان واثنتان وسبعون سنة تقريباً وهذا دأب الدنيا لم تعط إلاّ واستردت ولم تحل إلا وتمررت. ولم تصف إلاّ وتكدّرت. بل صفوها لم يخل من الكدر.

стр. 348

ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت لها البشائر عدة أيام وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواص الخدم إلى نور الدين وصلاح الدين والخطباء وسيرت الأعلام السود وكان العاضد المذكور قد رأى في منامه أن عقرباً خرجت من مسجد بمصر معروف ذلك المسجد للعاضد ولدغته فاستيقظ العاضد مرعوباً واستدعى من يعبر الرؤيا وقص ما رآه عليه فعبر له بوصول أذى إليه من شخص بذلك المسجد فتقدم العاضد إلى والي مصر بإحضار من بذلك المسجد فأحضر إليه شخصاً صوفياً يقال له نجم الدين الخوبشاني فاستخبره العاضد عن مقدمه وسبب مقامه بالمسجد المذكور فأخبره بالصحيح في ذلك ورآه العاضد أضعف من أن يناله بمكروه فوصله بمال وقال له ادع لنا يا شيخ وأمره بالانصراف فلما أراد السلطان صلاح الدين إزالة الدولة العلوية والقبض عليهم استفتى في ذلك فأفتاه بذلك جماعة من الفقهاء وكان نجم الدين الخوبشاني المذكور من جملتهم فبالغ في الفتيا وصرح في خطه بتعديد مساويهم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك فصح بذلك رؤيا العاضد. وفي هذه السنة جرى بين نور الدين وصلاح الدين الوحشة في الباطن. كان صلاح الدين سار ونازل الشوبك وهي للإفرنج ثم رحل عنها خوفاً أن يأخذه فلا يبق ما يعوق نور الدين عن قصد مصر فنزله ولم يفتحه لذلك وبلغ نور الدين ذلك فكتمه وتوحش باطنه لصلاح الدين، ولما استقر صلاح الدين بمصر جمع أقاربه وكبراء دولته وقال بلغني أن نور الدين يقصدنا فما الرأي؟ فقال تقي الدين عمر ابن أخيه نقاتله ونصده وكان ذلك بحضرة أبيهم نجم الدين أيوب فأنكر على تقي الدين ذلك وقال أنا والدكم لو رأيت نور الدين نزلت وقبلت الأرض بين يديه بل اكتب وقل لنور الدين أنه لو جاءني من عندك إنسان واحد وربط المنديل في عنقي وجرني إليك سارعت إلى ذلك وانفضوا على ذلك ثم اجتمع أيوب بابنه صلاح الدين خلوة وقال له لو قصدنا نور الدين أنا كنت أول من يمنعه ويقاتله ولكن إن أظهرنا ذلك يترك نور الدين جميع ما هو فيه ويقصدنا ولا ندري ما يكون من ذلك وإذا أظهر ناله الطاعة تمادى الوقت بما حصل به الكفاية من عند الله فكان كما قال.

стр. 349

ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة وفي هذه السنة سارت طائفة من الترك من ديار مصر مع مملوك لتقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب اسمه قراقوش إلى إفريقية ونزل على طرابلس الغرب فحاصرها مدة ثم فتحها واستولى عليها وملك كثيراً من بلاد إفريقية. وفيها سار نور الدين إلى بلاد قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان واستولى على مرعش وبهسني ومرزيان وسيواس فأرسل إليه قليج أرسلان يستعطفه ويطلب الصلح فقال نور الدين لا أرضى إلا بأن ترد ملطية على ذي النون بن الراشمنذ وكان قليج أرسلان قد أخذها منه فبذل له سيواس فاصطلح معه نور الدين فلما مات نور الدين عاد قليج أرسلان واستولى على سيواس وطرد ابن الراشمنذ. وفيها سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك وسار نور الدين من دمشق حتى وصل إلى الرقيم وهو بالقرب من الكرك فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين فرحل عن الكرك عائداً إلى مصر وأرسل تحفاً إلى نور الدين واعتذر بأن أباه أيوب مريض وخشي أن يموت فتذهب مصر فقبل نور الدين عذره في الظاهر وعلم المقصود. ولما وصل صلاح الدين إلى مصر وجد أباه أيوب قد مات، وكان سبب موت نجم الدين أيوب بن شاذي المذكور أنه ركب بمصر فنفرت به فرسه فوقع وحمل إلى قصره وبقي أياماً ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة وكان عاقلاً حسن السيرة. ذكر ملك شمس الدين توران شاه بن أيوب اليمن

стр. 350

ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة وكان صلاح الدين وأهله خائفين من نور الدين فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر بحيث إن قصدهم نور الدين قاتلوه فإن هزمهم التجأوا إلى تلك المملكة فجهز صلاح الدين أخاه توران شاه إلى النوبة فلم تعجبهم بلادها ثم سيره في هذه السنة بعسكر إلى اليمن وكان صاحب اليمن حينئذ إنساناً يسمى عبد النبي المقدم الذكر في سنة أربع وخمسين وخمسمائة فتجهز تورانشاه ووصل إلى اليمن وجرى بينه وبين عبد النبي قتال فانتصر فيه توران شاه وهزم عبد النبي وهجم زبيد وملكها وأسر عبد النبي ثم قصد عدن وكان صاحبها اسمه ياسر فخرج لقتال توران شاه فهزمه توران شاه فهجم عدن وملكها وأسر ياسر أيضاً واستولى توران شاه على بلاد اليمن واستقرت في ملك صلاح الدين واستولى على أموال عظيمة لعبد النبي وكذلك من عدن. ذكر قتل جماعة من المصريين وعمارة اليمني في هذه السنة في رمضان صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين فإنهم قصدوا الوثوب عليه وإعادة الدولة العلوية فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم. فمنهم عبد الصمد الكاتب. والقاضي العويرس. وداعي الدعاة وعمارة بن علي اليمني الشاعر الفقيه. وله أشعار حسنة فمنها ما يتعلق بأحوال العلويين وانقراض دولتهم قوله قصيدة منها: رميت يا دهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلي بالعطل جدعت مارنك إلا قفى فأنفك لا ... ينفك مأبون أهل الشين والخجل مررت بالقصر والأركان خالية ... من الوفود وكانت قبلة القبل

стр. 351

وفي هذه السنة توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغير ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة وكان نور الدين شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود في الشام قبالة الإفرنج ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله الذي لا مرد له وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه حسن الصورة وكان قد اتسع ملكه جداً وخطب له بالحرمين واليمن لما ملكها توران شاه بن أيوب وكذلك كان يخطب له بمصر وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشر وخمسمائة وطبق ذكره الأرض حسن سيرته وعدله، وكان من الزهد والعبادة على قدم عظيم وكان يصلي كثيراً من الليل فكان كما قيل: جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب وكان عارفاً بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وليس عنده فيه تعصب وهو الذي بنى أسوار مدن الشام منها دمشق وحمص وحماه وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها لما تهدمت بالزلازل وبنى المدارس الكثيرة الحنفية والشافعية ولا يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله. ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين بالملك بعده وعمره إحدى عشرة سنة وحلف له العسكر بدمشق وأقام بها وأطاعه صلاح الدين بمصر وخطب له بها وضربت السكة باسمه وكان المتولي لتدبير الملك الصالح وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد المعروف بابن المقدم. ولما مات نور الدين وتولى ابنه الملك الصالح سار من الموصل سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي وملك جميع البلاد الحزرية. ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة وفي أول هذه السنة اجتمع على رجل من أهل الصعيد يقال له الكنز جمع كثير وأظهروا الخلاف على صلاح الدين فأرسل صلاح الدين إليه عسكراً فاقتتلوا وقتل الكنز جماعة معهم وانهزم الباقون. ذكر ملك صلاح الدين دمشق وغيرها

стр. 352

في هذه السنة سلخ ربيع الأول ملك صلاح الدين بن أيوب دمشق وحمص وحماه، وسببه أن شمس الدين ابن الداية المقيم بحلب أرسل سعد الدين كمشتكين يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب ليكون مقامه بها فسار الملك الصالح إلى حلب مع سعد الدين كمشتكين ولما استقر بحلب وتمكن كمشتكين قبض على شمس الدين ابن الداية وأخوته وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته وهو رئيس حلب واستبعد سعد الدين بتدبير الملك الصالح فخافه ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق فكاتبوا صلاح الدين واستدعوه ليملكوه عليهم فسار جريدة في سبعمائة فارس ولم يلبث أن وصل دمشق فخرج كل من كان فيها من العساكر والتقوه وخدموه ونزل بدار أبيه أيوب المعروفة بدار العقيقي وعصت عليه القلعة وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين واستماله فسلم القلعة إليه فصعد إليهم صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال.

стр. 353

ولما ثبت قدمه وقرر أمر دمشق استخلف فيها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى وكانت حمص وحماة وقلعة بارين وسلمية وتل خالد والرها من بلاد الجزيرة في إقطاع فخر الدين بن الزعفراني فلما مات نور الدين لم يمكث فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء سيرته مع الناس وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها فإن قلاعها فيها ولاة لنور الدين وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلا بارين فإن قلعتها كانت له أيضاً ونزل صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى وملك المدينة وعصت عليه القلعة فترك عليها من يضيق عليها ورحل إلى حماة فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك أحد المماليك النورية فامتنع في القلعة فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض إلا حفظ بلاد الملك الصالح عليه وإنما هو نائبه وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة فاستحلفه جرديك على ذلك وسار جرديك إلى حلب برسالة صلاح الدين واستخلف في قلعة حماة أخاه فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها ثم سار صلاح الدين إلى حلب وحصرها وبها الملك الصالح فجمع أهل حلب وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية أموالاً عظيمة ليقتلوا صلاح الدين فأرسل سنان جماعة فوثبوا على صلاح الدين فقتلوا دونه واستمر صلاح الدين محاصر حلب إلى مستهل رجب ورحل عنها بسبب نزول الإفرنج على حمص ونزول صلاح الدين على حماة ثامن رجب وسار إلى حمص فرحل الإفرنج عنها ووصل صلاح الدين إلى حمص وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان من هذه السنة ثم سار إلى بعلبك فملكها، ولما استقر ملك صلاح الدين لهذه البلاد أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فجهز جيشه صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي وجعل مقدم الجيش أكبر أمرائه وهو عز الدين محمود ولقبه سلفندار وطلب أخاه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ليسير في النجدة أيضاً فامتنع مصانعة لصلاح الدين فسار سيف الدين غازي وحصره بسنجار ووصل عسكر الموصل صحبة

стр. 354

مسعود بن مودود وسلفندار إلى حلب وانضم إليهم عسكر حلب وسار إلى صلاح الدين فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة وأن يقر بيده دمشق ويكون فيها نائباً للملك الصالح فلم يجيبوا إلى ذلك وساروا إلى قتاله واقتتلوا عند قرون حماة فانهزم عسكر الموصل وحلب وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم وتبعهم صلاح الدين حتى حصرهم في حلب وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح بن نور الدين وأزال اسمه عن السكة واستبد بالسلطنة فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده من الشام وللملك الصالح ما بقي بيده منهم فصالحهم على ذلك ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال من هذه السنة. وفي العشر الأخير من شوال ملك السلطان صلاح الدين قلعة بارين وأخذها من صاحبها فخر الدين مسعود ابن الزعفراني وكان فخر الدين المذكور من أكابر الأمراء النورية. ذكر انهزام سيف الدين غازي صاحب الموصل من السلطان صلاح الدين

стр. 355

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وفيها عاشر شوال كان المصاف بين السلطان صلاح الدين وبين سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي بتل السلطان فهرب سيف الدين والعساكر التي كانت معه فإنه كان قد استنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما وتمت على سيف الدين غازي الهزيمة حتى وصل إلى الموصل مرعوباً وقصد الهروب منها إلى بعض القلاع فثبته وزيره وأقام بالموصل واستولى السلطان صلاح الدين على أثقال عسكر الموصل وغيرهم ما فيها ثم سار إلى ترابه وحصرها وتسلمها ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر شوال وكان صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي شديد البغض لصلاح الدين وفتحها عنوة وأسر ينال وأخذ جميع موجوده ثم أطلقه فسار ينال إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة ثم سار السلطان صلاح الدين إلى عزاز ونازلها ثالث ذي القعدة وتسلمها حادي عشر ذي الحجة فوثب الإسماعيلي على صلاح الدين في حصاره عزاز فضربه بسكين في رأسه فجرحه فأمسك صلاح الدين الإسماعيلي وبقي يضرب بالسكين فلا يؤثر حتى قتل الإسماعيلي على تلك الحال ووثب عليه آخر فقتل وثالث فقتل أيضاً ونجا السلطان إلى خيمته مذعوراً وعرض جنده وأبعد من أنكره منهم، ولما ملك السلطان عزاز رحل عنها ونازل حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك الصالح وانقضت هذه السنة وهو محاصر لحلب فسألوه في الصلح فأجابهم إليه وأخرجوا إلينا بنتاً صغيرة لنور الدين فأكرمها وأعطاها شيئاً كثيراً وقال لها ما ترومين فقالت أريد قطعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها السلطان إليهم واستقر الصلح ورحل السلطان من حلب في العشرين من محرم سنة اثنتين وسبعين. وفي سنة إحدى وسبعين في رمضان قدم شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن إلى الشام وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله.
следующие страницы →