Полный текст (389 стр.). Показаны 351–389 · переход к 356.
стр. 351
وفي هذه السنة توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغير ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة وكان نور الدين شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود في الشام قبالة الإفرنج ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله الذي لا مرد له وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه حسن الصورة وكان قد اتسع ملكه جداً وخطب له بالحرمين واليمن لما ملكها توران شاه بن أيوب وكذلك كان يخطب له بمصر وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشر وخمسمائة وطبق ذكره الأرض حسن سيرته وعدله، وكان من الزهد والعبادة على قدم عظيم وكان يصلي كثيراً من الليل فكان كما قيل:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب
وكان عارفاً بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وليس عنده فيه تعصب وهو الذي بنى أسوار مدن الشام منها دمشق وحمص وحماه وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها لما تهدمت بالزلازل وبنى المدارس الكثيرة الحنفية والشافعية ولا يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله.
ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين بالملك بعده وعمره إحدى عشرة سنة وحلف له العسكر بدمشق وأقام بها وأطاعه صلاح الدين بمصر وخطب له بها وضربت السكة باسمه وكان المتولي لتدبير الملك الصالح وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد المعروف بابن المقدم.
ولما مات نور الدين وتولى ابنه الملك الصالح سار من الموصل سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي وملك جميع البلاد الحزرية.
ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر
ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة وفي أول هذه السنة اجتمع على رجل من أهل الصعيد يقال له الكنز جمع كثير وأظهروا الخلاف على صلاح الدين فأرسل صلاح الدين إليه عسكراً فاقتتلوا وقتل الكنز جماعة معهم وانهزم الباقون.
ذكر ملك صلاح الدين دمشق وغيرها
стр. 352
في هذه السنة سلخ ربيع الأول ملك صلاح الدين بن أيوب دمشق وحمص وحماه، وسببه أن شمس الدين ابن الداية المقيم بحلب أرسل سعد الدين كمشتكين يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب ليكون مقامه بها فسار الملك الصالح إلى حلب مع سعد الدين كمشتكين ولما استقر بحلب وتمكن كمشتكين قبض على شمس الدين ابن الداية وأخوته وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته وهو رئيس حلب واستبعد سعد الدين بتدبير الملك الصالح فخافه ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق فكاتبوا صلاح الدين واستدعوه ليملكوه عليهم فسار جريدة في سبعمائة فارس ولم يلبث أن وصل دمشق فخرج كل من كان فيها من العساكر والتقوه وخدموه ونزل بدار أبيه أيوب المعروفة بدار العقيقي وعصت عليه القلعة وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين واستماله فسلم القلعة إليه فصعد إليهم صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال.
стр. 353
ولما ثبت قدمه وقرر أمر دمشق استخلف فيها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى وكانت حمص وحماة وقلعة بارين وسلمية وتل خالد والرها من بلاد الجزيرة في إقطاع فخر الدين بن الزعفراني فلما مات نور الدين لم يمكث فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء سيرته مع الناس وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها فإن قلاعها فيها ولاة لنور الدين وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلا بارين فإن قلعتها كانت له أيضاً ونزل صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى وملك المدينة وعصت عليه القلعة فترك عليها من يضيق عليها ورحل إلى حماة فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك أحد المماليك النورية فامتنع في القلعة فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض إلا حفظ بلاد الملك الصالح عليه وإنما هو نائبه وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة فاستحلفه جرديك على ذلك وسار جرديك إلى حلب برسالة صلاح الدين واستخلف في قلعة حماة أخاه فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها ثم سار صلاح الدين إلى حلب وحصرها وبها الملك الصالح فجمع أهل حلب وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية أموالاً عظيمة ليقتلوا صلاح الدين فأرسل سنان جماعة فوثبوا على صلاح الدين فقتلوا دونه واستمر صلاح الدين محاصر حلب إلى مستهل رجب ورحل عنها بسبب نزول الإفرنج على حمص ونزول صلاح الدين على حماة ثامن رجب وسار إلى حمص فرحل الإفرنج عنها ووصل صلاح الدين إلى حمص وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان من هذه السنة ثم سار إلى بعلبك فملكها، ولما استقر ملك صلاح الدين لهذه البلاد أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فجهز جيشه صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي وجعل مقدم الجيش أكبر أمرائه وهو عز الدين محمود ولقبه سلفندار وطلب أخاه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ليسير في النجدة أيضاً فامتنع مصانعة لصلاح الدين فسار سيف الدين غازي وحصره بسنجار ووصل عسكر الموصل صحبة
стр. 354
مسعود بن مودود وسلفندار إلى حلب وانضم إليهم عسكر حلب وسار إلى صلاح الدين فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة وأن يقر بيده دمشق ويكون فيها نائباً للملك الصالح فلم يجيبوا إلى ذلك وساروا إلى قتاله واقتتلوا عند قرون حماة فانهزم عسكر الموصل وحلب وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم وتبعهم صلاح الدين حتى حصرهم في حلب وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح بن نور الدين وأزال اسمه عن السكة واستبد بالسلطنة فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده من الشام وللملك الصالح ما بقي بيده منهم فصالحهم على ذلك ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال من هذه السنة.
وفي العشر الأخير من شوال ملك السلطان صلاح الدين قلعة بارين وأخذها من صاحبها فخر الدين مسعود ابن الزعفراني وكان فخر الدين المذكور من أكابر الأمراء النورية.
ذكر انهزام سيف الدين غازي
صاحب الموصل من السلطان صلاح الدين
стр. 355
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وفيها عاشر شوال كان المصاف بين السلطان صلاح الدين وبين سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي بتل السلطان فهرب سيف الدين والعساكر التي كانت معه فإنه كان قد استنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما وتمت على سيف الدين غازي الهزيمة حتى وصل إلى الموصل مرعوباً وقصد الهروب منها إلى بعض القلاع فثبته وزيره وأقام بالموصل واستولى السلطان صلاح الدين على أثقال عسكر الموصل وغيرهم ما فيها ثم سار إلى ترابه وحصرها وتسلمها ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر شوال وكان صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي شديد البغض لصلاح الدين وفتحها عنوة وأسر ينال وأخذ جميع موجوده ثم أطلقه فسار ينال إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة ثم سار السلطان صلاح الدين إلى عزاز ونازلها ثالث ذي القعدة وتسلمها حادي عشر ذي الحجة فوثب الإسماعيلي على صلاح الدين في حصاره عزاز فضربه بسكين في رأسه فجرحه فأمسك صلاح الدين الإسماعيلي وبقي يضرب بالسكين فلا يؤثر حتى قتل الإسماعيلي على تلك الحال ووثب عليه آخر فقتل وثالث فقتل أيضاً ونجا السلطان إلى خيمته مذعوراً وعرض جنده وأبعد من أنكره منهم، ولما ملك السلطان عزاز رحل عنها ونازل حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك الصالح وانقضت هذه السنة وهو محاصر لحلب فسألوه في الصلح فأجابهم إليه وأخرجوا إلينا بنتاً صغيرة لنور الدين فأكرمها وأعطاها شيئاً كثيراً وقال لها ما ترومين فقالت أريد قطعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها السلطان إليهم واستقر الصلح ورحل السلطان من حلب في العشرين من محرم سنة اثنتين وسبعين.
وفي سنة إحدى وسبعين في رمضان قدم شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن إلى الشام وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله.
стр. 356
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وفيها قصد السلطان بلد الإسماعيلية في قلعة مصياف فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين وهو شهاب الدين الحارمي صاحب حماة يسأله أن يسعى في الصلح فسأل الحارمي الصفح عنهم فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وصالحهم ورحل عنهم وأتم السلطان صلاح الدين مسيره ووصل إلى مصر فإنه كان بعد عهده بها بعد أن استقر له ملك الشام، ولما وصل إلى مصر في هذه السنة أمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة على جبل المقطم ودور ذلك تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالذراع القاسمي ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين.
وفي هذه السنة أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الإمام الشافعي ﵁ بالقرافة وعمل بالقاهرة مارستان.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وفي جمادى الأولى منها سار السلطان من مصر إلى الساحل لغزو الإفرنج فوصل إلى عسقلان في الرابع والعشرين من الشهر فنهب وتفرق عسكره في الإغارات وبقي السلطان في بعض العسكر فلم يشعر إلا بالإفرنج قد طلعت عليهم فقاتلتهم أشد قتال وكان لتقي الدين بن شاهنشاه ولد اسمه أحمد من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته فأمره أبوه تقي الدين بالحملة فحمل عليهم وقاتلهم فأثر فيهم أثراً كبيراً وعاد سالماً فأمره أبوه بالعود إليهم ثانية فحمل عليهم فقتل شهيداً وتمت الهزيمة على المسلمين وقاربت حملات الإفرنج السلطان فمضى منهزماً إلى مصر على البرية ومعه من سلم فلقوا في طريقهم مشقة وعطشاً شديداً وهلك كثير من الدواب وأخذت الإفرنج العسكر الذين كانوا يتفرقون في الإغارات أسرى وأسر الفقيه عيسى وكان من أكبر أصحاب السلطان فافتداه السلطان من الأسر بعد سنتين بستين ألف دينار ووصل السلطان إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة. قال الشيخ عز الدين علي بن الأثير مؤلف الكامل رأيت كتاباً بخط يد صلاح الدين إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق يذكر له الواقعة وفي أوله:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة وما نجانا إلا الله سبحانه إلا لأمر يريده الله .
стр. 357
وفي هذه السنة سار الإفرنج وحصروا مدينة حماة في جمادى الأولى وطمع الإفرنج بسبب السلطان بمصر وهزيمته من الإفرنج ولم يكن غير توران شاه بدمشق ينوب عن أخيه وليس عنده كثير من العسكر وكان توران شاه أيضاً كثير الانهماك في اللذات. مائلاً إلى الراحات. ولما حصروا حماة كان بها صاحبها شهاب الدين الحارمي خال السلطان وهو مريض واشتد حصار الإفرنج لحماة وطال زحفهم عليها حتى أنهم هجموا بعض أطراف المدينة وكادوا يملكون البلد قهراً قم جد المسلمون في القتال وأخرجوا الإفرنج إلى ظاهر السور وأقام الإفرنج كذلك على حماة أربعة أيام ثم رحلوا عنها إلى حارم وعقب رحيلهم عنها مات صاحبها شهاب الدين الحارمي وكان له ابن من أحسن الناس شباباً مات قبله بثلاثة أيام.
وفي هذه السنة قبض الملك الصالح ابن نور الدين صاحب حلب على سعد الدين كمشتكين وكان قد تغلب على الأمر وكانت حارم لكمشتكين فأرسل الملك الصالح إليهم فلم يسلموها إليه فأمر كمشتكين أن يسلمها فأمرهم بذلك فلم يقبلوا منه فأمر بتعذيب كمشتكين ليسلموا القلعة فعذب وأصحابه يرونه ولا يرحمونه فمات من العذاب وأصر أصحابه على الامتناع ووصل الإفرنج إلى حارم بعد رحيلهم عن حماة وحصروا حارم مدة أربعة أشهر فأرسل الملك الصالح مالاً للإفرنج وصالحهم فرحلوا عن حارم وقد بلغ أهله الجهد وبعد أن رحل الإفرنج عنها أرسل الملك الصالح إليها واستناب بقلعة حارم مملوكاً لأبيه اسمه سرخك.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة وفي هذه السنة طلب توران شاه من أخيه السلطان بعلبك وكان السلطان قد أعطاها شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بالمقدم لما سلم دمشق إلى صلاح الدين ولم يمكن صلاح الدين منع أخيه عن ذلك فأرسل إلى ابن المقدم ليسلم بعلبك فعصي بها ولم يسلمها فأرسل السلطان وحصره ببعلبك وطال حصارها فأجاب ابن المقدم إلى تسليمها على عوض فعوض عنها وتسلمها السلطان وأقطعها أخاه توران شاه.
وفيها كان بالبلاد غلاء وتبعه وباء شديد، وفيها سير السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر إلى حماة وابن عمه محمد بن شيركوه إلى حمص وأمرهما بحفظ بلادهما فاستقر كل منهما ببلده.
стр. 358
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة وفيها سار السلطان وفتح حصناً كان بناه الإفرنج عند مخاضة الأجران بالقرب من بانياس عند بيت يعقوب، وفيها كان حرب بين عسكر السلطان ومقدمهم تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وبين عسكر قليج أرسلان صاحب الروم. وسببها أن حصن رعبان كان بيد شمس الدين بن المقدم فطمع فيه قليج وأرسل إليه عسكراً كثيراً ليحصروه وكانوا قريب عشرين ألفاً وسار إليهم تقي الدين في ألف فارس فهزمهم وكان تقي الدين يفتخر ويقول هزمت بألف عشرين ألفاً.
ذكر وفاة المستضيء وخلافة الإمام الناصر وهو رابع ثلاثينهم
في هذه السنة في ثاني ذي القعدة توفي المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن وأمه أم ولد أرمينية وكانت خلافته تسع سنين وسبعة عشر يوماً وكان حسن السيرة وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر المنصور المعروف بابن العطار بعد عضد الدولة الوزير فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار وأخذ البيعة لولده الإمام الناصر لدين الله ولما استقرت البيعة للإمام الناصر حكم أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل وقبض في سابع ذي القعدة على ابن العطار ونقل إلى التاج وأخرج ميتاً على رأس حمال ليلة الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة فثارت به العلقة وألقوه من على رأس الحمال وشدوا في ذكره حبلاً وسحبوه في البلد وكانوا يضمون في يده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمست تلك المغرفة في العذرة ويقولون وقع لنا يا مولانا. هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن أموالهم ثم خلص منهم ودفن.
وفي هذه السنة في ذي القعدة نزل توران شاه أخو السلطان عن بعلبك فطلب عوضها الإسكندرية فأجابه السلطان إلى ذلك وأقطع بعلبك لعز الدين فخرشاه بن شاهنشاه بن أيوب فسار إليه فخر شاه وسار شمس الدولة توران شاه إلى الإسكندرية وأقام بها إلى أن مات.
ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل
стр. 359
ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة وفي هذه السنة ثالث صفر توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل والديار الجزرية وكان مرضه السل وطال وكان عمره نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين ونحو ثلاثة أشهر وكان حسن الصورة مليح الشباب تام القامة أبيض اللون عاقلاً عادلاً عفيفاً شديد الغيرة لا يدخل بيته غير الخدم إذا كانوا صغاراً فإذا كبر أحدهم منعه وكان عفيفاً عن أموال الرعية مع شح كان فيه وأوصى بالمملكة بعده إلى أخيه عز الدين مسعود بن مودود وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجار شاه فاستقر ذلك بعد موته حسبما قرره وكان مدبر الدولة والحاكم فيها مجاهد الدين قيماز.
وفي هذه السنة سار السلطان إلى جهة قليج أرسلان صاحب بلاد الروم ووصل إلى رعبان ثم اصطلحوا فقصد صلاح الدين بلاد ابن ليون الأرمني وشن فيها الغارات فصالحه ابن ليون على مال حمله وأسرى أطلقها.
وفيها توفي شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر بالإسكندرية وكان له معها أكثر بلاد اليمن ونوابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن وغيرهما وكان أجود الناس وأسخاهم كفاً يخرج كل ما يحمل إليه من أموال اليمن ودخل الإسكندرية، ومع هذا فلما مات كان عليه نحو مائتي ألف دينار مصرية فوفاها أخوه صلاح الدين عنه لما وصل إلى مصر في هذه السنة من شعبان واستخلف بالشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك.
ثم دخل سنة سبع وثمانين وخمسمائة وفيها عزم البرنس صاحب الكرك على المسير إلى مدينة الرسول ﷺ للاستيلاء على تلك النواحي الشرقية وسمع ذلك عز الدين فرخشاه نائب عمه السلطان بدمشق فجمع جموعاً وقصد بلاد الكرك وأغار عليها وأقام في مقابلة البرنس ففرق البرنس جموعه وانقطع عزمه عن الحركة.
وفيها وقع بين نواب توران شاه باليمن بعد موته اختلاف فخشي السلطان صلاح الدين على اليمن فجهز إليه عسكراً مع جماعة من أمرائه فوصلوا إلى اليمن واستولوا عليه وكان نواب توران شاه على عدن عز الدين عثمان وعلى زبيد حطان بن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر.
ذكر وفاة الملك الصالح صاحب حلب
стр. 360
في هذه السنة في رجب توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر صاحب حلب وعمره نحو تسعة عشر سنة ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر فمات ولم يستعمله وكان حليماً عفيف اليد والفرج واللسان ملازماً لأمور الدين لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب وأوصى بملك حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل فلما مات سار مسعود ومجاهد الدين قيماز من الموصل إلى حلب واستقر في ملكها. ولما استقر مسعود في ملك حلب كاتبه أخوه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب ويأخذ منه سنجار فأشار قيماز بذلك فلم يمكن مسعود إلا موافقته فأجاب إلى ذلك فسار عماد الدين إلى حلب وتسلمها سنجار إلى أخيه مسعود وعاد مسعود إلى الموصل.
ذكر مسير السلطان صلاح الدين إلى الشام
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وفيها خامس محرم سار صلاح الدين من مصر إلى الشام، من عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه أخذ كل منهم يقول شيئاً في الوداع وفراقه وفي الحاضرين معلم لبعض أولاد السلطان فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد:
تمتع من شيم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
فتطير صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه وتكدر المجلس على الحاضرين فلم يعد صلاح الدين بعدها إلى مصر مع طول المدة وسار السلطان وأغار في طريقه على بلاد الإفرنج وغنم ووصل إلى دمشق في حادي عشر صفر من هذه السنة. ولما سار صلاح الدين إلى الشام اجتمعت الإفرنج قريب الكرك ليكونوا على طريقه فانتهز فرخشاه نائب السلطان الفرصة وسار إلى الشقيف بعساكر الشام وفتحه وأغار على ما يجاوره من بلاد الإفرنج وأرسل إلى السلطان وبشره بذلك.
ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن
стр. 361
في هذه السنة سير السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى بلاد اليمن ليملكها ويقطع الفتن منها وكان بها حطان بن منقذ الكناني وعز الدين عثمان الزنجيلي قد عاد إلى ولايتها فإن الأمير الذي كان السلطان سيره نائباً إلى اليمن تولى وعزلهما فعادت بين حطان وعثمان الفتن قائمة فوصل سيف الإسلام إلى زبيد فتحصن حطان في بعض القلاع فلم يزل سيف الإسلام يتلطف به حتى نزل إليه فأحسن صحبته ثم إن حطان طلب دستوراً إلى الشام فلم يجبه إلا بعد جهد فجهز حطان أثقاله قدامه ودخل حطان ليودع سيف الإسلام فقبض عليه وأرسل فاسترجع أثقاله وأخذ جميع أمواله. وكان من جملة ما أخذه سيف الإسلام سبعون غلاف زردية مملوءة ذهباً عيناً ثم سجن حطان في بعض قلاع اليمن فكان آخر العهد به. فأما عثمان الزنجيلي فإنه لما جرى لحطان ذلك خاف وسار نحو الشام وسير أمواله في البحر فصادفهم مركب فيها أصحاب سيف الإسلام فأخذوا كل ما لعثمان وصفت بلاد اليمن لسيف الإسلام.
ذكر غارات السلطان صلاح الدين
وما استولى عليه من البلاد
стр. 362
وفي هذه السنة سار السلطان من دمشق في ربيع الأول ونزل قريب من طبرية شن الغارات على بلاد الإفرنج مثل بانياس وجبنين والغور فغنم وقتل وعاد إلى دمشق ثم سار من دمشق إلى البلاد الجزرية وعبر الفرات من البيرة فسار معه مظفر الدين بن زين وكان حينئذ صاحب حران وكاتب السلطان ملوك تلك الأطراف واستمالهم فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وسار معه ونازل السلطان الرها وحصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبوري بن قطب الدين بن ينال حسان المنبجي فسار ينال إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم سار صلاح الدين إلى الخابور وملك قرسيسية وماكسين وعربان والخابور واستولى على خابور جصيعة ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة ثم ملك القلعة ثم أقطع نصيبين أميراً كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين ثم سار عن نصيبين وقصد الموصل وقد استعد صاحبها عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار وشحنوها بالرجال والسلاح فحصر الموصل وأقام عليها منجنيقاً فأقاموا عليه من داخل المدينة تسعة مناجيق وضايق الموصل فنزل السلطان محاذاة باب كندة ونزل صاحب حصن كيفا على باب الجسر ونزل تاج الملوك توري أخو صلاح الدين على باب العمادي وجرى القتال بينهم وكان ذلك في شهر رجب فلما رأى أن حصارها يطول رحل عن الموصل إلى سنجار وحاصرها وملكها واستناب بها سعد الدين بن معين الدين من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى ثم سار السلطان إلى حران وعزل في طريقه عن نصيبين أبا الهيجاء السمين.
ذكر غير ذلك من الحوادث
стр. 363
في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولاً في بحر أيلة وسار في البحر فرقتان فرقة أقامت على حصن أيلة يحصرونه وفرقة سارت نحو عيداب يفسدون في السواحل وبغتوا المسلمين في تلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر إفرنجاً قط وكان بمصر الملك العادل أبو بكر نائباً عن أخيه السلطان فعمر أسطولاً في بحر عيداب وأرسله مع حسام الدين الحاجب لؤلؤ مجدّاً في طلبهم وأوقع بالذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة حرسهما الله تعالى فسار لؤلؤ يقفو أثرهم فبلغ رابغ فأدركهم بساحل الخوار وتقاتلوا أشد قتال فظفره الله تعالى بهم وقتل لؤلؤاً أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم.
وفي هذه السنة توفي عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك وكان ينوب عن صلاح الدين بدمشق وهو ثقته من بين أهله وكان فرخشاه شجاعاً كريماً فاضلاً وله شعر جيد ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية فأرسل إلى دمشق شمس الدين بن محمد بن عبد الملك المقدم ليكون بها وأقر بعلبك على بهرام شاه بن فرخشاه المذكور.
وفيها توفي بدمشق مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الفقيه الشافعي ولد سنة خمس وخمسمائة وهو الملقب قطب الدين وكان إماماً فاضلاً في العلوم الدينية قدم إلى دمشق وصنف عقيدة للسلطان صلاح الدين وكان السلطان يقرئها أولاده الصغار.
ذكر ما ملكه السلطان صلاح الدين من البلاد
стр. 364
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة وفيها ملك السلطان حصن آمد بعد حصار وقتال في العشرون الأول من محرم وسلمها إلى نور الدين محمد بن قره أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق صاحب حصن كيفا ثم سار إلى الشام وقصد تل خالد من أعمال حلب وملكها ثم سار إلى عينتاب وحصرها وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وكان قد سلم نور الدين عينتاب إلى إسماعيل المذكور فبقيت معه إلى الآن فحصرها السلطان وملكها بتسليم صاحبها إليه فأقره السلطان عليها وبقي في خدمة السلطان ومن جملة أمرائه ثم سار السلطان إلى حلب وحصرها وبها صاحبها عماد الدين زنكي وطال الحصار عليه وكان قد كثرت اقتراحات أمراء حلب وقد ضجر من ذلك وكره حلب لذلك فأجاب السلطان إلى تسليم حلب على أن يعوض عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج واتفقوا على ذلك وسلم حلب إلى السلطان في صفر من هذه السنة فكان ينادي أهل حلب على عماد الدين المذكور: يا حمار. بعت حلب بسنجار. واشترط السلطان على عماد الدين المذكور الحضور إلى خدمته بنفسه وعسكره إذا استدعاه ولا يحتج بحجة عن ذلك ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها:
وفتحكم حلباً بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وكان من جملة من قتل على حلب تاج الملوك توري بن أيوب أخو السلطان الأصغر وكان كريماً شجاعاً طعن في ركبته فانفلقت فمات منها.
ولما استقر عمل عماد الدين زنكي دعوة السلطان واحتفل فبينما هم في سرورهم إذ جاءهم إنسان فأسرّ إلى السلطان بموت أخيه توري فوجد عليه في قلبه وجداً عظيماً وأمر بتجهيزه ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحداً ممن كان في الدعوة بذلك لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه وكان يقول السلطان ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت توري وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم.
стр. 365
ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سرخك الذي ولاه الملك الصالح في تسليم حارم وجرت بينهما مراسلات فلم ينتظم بينهما حال وكاتب سرخك الإفرنج فوثب عليه أهل القلعة وقبضوا عليه وسلموا حارم إلى السلطان فتسلمها وقرر أمر حلب وبلادها وأقطع أعزاز أميراً يقال له سليمان بن جند.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين قيماز.
ولما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولد الملك الظاهر غازي وسار إلى دمشق وتجهز منها للغزو، فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخر، فأغار على بيسان وحرقها، وشن الغارات على تلك النواحي، ثم تجهز السلطان للكرك، وأرسل إلى نائبه بمصر وهو أخوه الملك العادل أن يلاقيه على الكرك فسار واجتمعا عليها، وحصر الكرك وضيّق عليها ثم رحل عنها في منتصف شعبان وسار معه أخوه، وأرسل السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر إلى مصر نائباً عنه موضع الملك العادل، ووصل السلطان إلى دمشق وأعطى أخاه أبا بكر العادل مدينة حلب وقلعتها وأعمالها، وسيّره إليها في شهر رمضان من هذه السنة وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق.
وفي هذه السنة في أواخرها توفي شاهرمن بن سكمان بن ظهير الدين إبراهيم بن سكمان القبطي صاحب خلاط، وقد قدم ذكر ملك شاهرمن المذكور في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وكان عمر سكمان لما توفي أربعاً وستين سنة، ولما مات سمان كان بكتمر مملوك أبيه بميافارقين، فلما سمع بكتمر بموته سار من ميافارقين ووصل إلى خلاط وكان أكثر أهلها ومماليك شاهرمن متفقين معه وأول وصوله استولى على خلاط وتملكها وجلس على كرسي شاهرمن واستقر في مملكة خلاط حتى قتل في سنة تسع وثمانين وخمسمائة حسبما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غزو السلطان الكرك
стр. 366
ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة وفيها في ربيع الآخر سار السلطان من دمشق للغزاة، وكتب إلى مصر فسارت عساكرها إليه، ونازل الكرك وحاصره وضيّق على من به ربض الكرك وبقيت القلعة وليس بينها وبين الربض غير خندق حبيب، وقصد السلطان طمه فلم تقدر لكثرة المقاتلة فجمعت الإفرنج فارسها وراجلها وقصدوه ولم يمكن السلطان إلا الرحيل، فرحل عن الكرك وسار إليهم فأقاموا في أماكن وعرة، وأقام السلطان قبالتهم، وسار من الإفرنج جماعة ودخلوا الكرك فعلم بامتناعه عليه وسار إلى نابلس ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبى فأكثر ثم نزل إلى سبصطية وبها مشهد زكرياء ﵇ فاستنقذ ما بها من أسرى المسلمين ثم سار إلى جبنين ثم عاد إلى دمشق.
وفي هذه السنة توفي شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل ابن أبي سعيد أحمد وكان قد سار من عند الخليفة إلى السلطان في رسالة ومعه شهاب الدين بشير ليصلح بين صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل فلم ينتظم حال، واتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق وسار في الحر ومات بشير في السخنة، ومات صدر الدين شيخ الشيوخ بالرحبة ودفن بمشهد البوق، وكان أوحد زمانه قد جمع بين رئاسة الدين والدنيا.
وفيها في محرم أطلق عز الدين مسعود صاحب الموصل مجاهد الدين قيماز من الحبس وأحسن إليه.
ذكر حصار السلطان صلاح الدين الموصل
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وفيها حصر السلطان الموصل وهو حصاره الثاني فأرسل إليه عز الدين والدته وابنة عمه نور الدين بن زنكي وغيرهما من النساء، وجماعة يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم فردّهم، واستقبح الناس ذلك من صلاح الدين لاسيما وفيهن بنت نور الدين، وحاصر الموصل وضايقها، وبلغه وفاة شاه أرمن صاحب خلاط في ربيع الآخر من هذه السنة فسار من الموصل إلى جهة خلاط باستدعاء أهلها ليملكها.
стр. 367
وفي هذه السنة توفي نور الدين محمد بلا قره أرسلان بلا داود صاحب حصن كيفا وآمد، وملك بعده ولده سكمان ولقب قطب الدين وكان صغيراً فقام بتدبيره القوام بلا سماق الأسعردي، وحضر سكمان إلى السلطان وهو نازل على ميافارقين فاره على ما كان بيد ولده وأقام معه أميراً من أصحاب سكمان المذكور.
ذكر ملك السلطان صلاح الدين ميافارقين
لما رحل السلطان عن الموصل جعل طريقه على ميافارقين، وكانت لصاحبها ماردين الذي توفي وفيها من يحفظها من جهة شاه أرمن صاحب خلاط المتوفى، فحاصرها السلطان وملكها في سلخ جمادى الأولى، ثم إن السلطان رجع عن قصد خلاط إلى الموصل فجاءه رسل عز الدين مسعود يسأل الصلح، واتفق حينئذ أن السلطان مرض وسار من كفر زمار عائداً إلى حرّان، فلحقته رسل صاحب الموصل بالإجابة إلى ما طلب وهو أن يسلم صاحب الموصل السلطان شهرزور أعمالها وولاية الفرابلي وجميع ما وراء الزاب وأن يخطب للسلطان صلاح الدين على جميع منابر الموصل وما بيده، وأن يضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتسلم السلطان ذلك واستقر الصلح وأمنت البلاد، ووصل السلطان إلى حران وأقام بها مريضاً، واشتد به المرض حتى أيسوا منه، ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق سنة اثنتين وثمانين من محرم. ولما اشتد مرض السلطان سار ابن عمه محمد بن شيركوه بن شاذي صاحب حمص إلى حمص وكاتب بعض أكابر دمشق في أن يسلموا إليه دمشق إذا مات السلطان.
وفي هذه السنة ليلة عيد الأضحى شرب بحمص صاحبها ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شاذي فأصبح ميتاً، قيل أن السلطان هو الذي دس عليه من سقاه سمّاً لما بلغه مكاتبته أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقر السلطان حمص وما كان بيده على ولده شيركوه بن محمد وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف صاحب حمص شيئاً كثيراً من الدواب والآلات وغيرها، فاستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عوده من حرّان وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه.
ذكر نقل الملك العادل من حلب
وإخراج الملك الأفضل ابن السلطان من مصر إلى دمشق
стр. 368
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وفيها أحضر السلطان ولده الملك الأفضل من مصر واقطعه دمشق، وسببه أن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان كان نائب عمه بمصر وكان معه الملك الأفضل فأرسل تقي الدين يشتكي من الأفضل إنني لا أتمكن من استخراج الخراج فإنني إذا أحضرت من عليه الخراج وأرادت عقوبته يطلقه الملك الأفضل، فأرسل السلطان خرج ابنه الأفضل من مصر وأقطعه دمشق، وتغير السلطان على تقي الدين في الباطن، فإنه ظن أنه إنما أخرج ولده من مصر ليمتلك مصر إذا مات السلطان، ثم أحضر أخاه الملك العادل من حلب وجعل معه ولده العزيز عثمان ابن السلطان نائباً عنه بمصر واستدعى تقي الدين من مصر. فقيل إنه توقف عن الحضور وقصد اللحاق بمملوكه قراقوش المستولي على بعض بلاد إفريقية وبرقة من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه وأرسل يستدعي تقي الدين ويلاطفه فحضر. ولما حضر تقي الدين إلى السلطان زاده على حماة منبج والمعرة وكفر طلب وميافارقين وجبل جور بجميع أعمالها، واستقر العادل والعزيز عثمان في مصر. ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل أقطعه عوضها حران والرها.
ذكر وفاة البهلوان وملك أخيه قزل
وفي هذه السنة في أولها توفي البهلوان محمد بن الدكز صاحب بلد الجبل وهمذان والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلاً حسن السيرة، وملك البلاد بعده أخوه قزل أرسلان واسمه عثمان وكان السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملكشاه السلجوقي مع البهلوان وله خطبة في بلاده وليس له من الأمر شيء، فلما مات للبهلوان خرج طغريل عن حكم قزل وكثر جمعه واستولى على بعض البلاد وجرت بينه وبين قزل حروب.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة غدر البرنس صاحب الكرك وأخذ قافلة عظيمة من المسلمين وأسرهم، فأرسل السلطان يطلب منه إطلاقهم بحكم الهدنة التي كانت بينهم على ذلك فلم يفعل فنذر السلطان أنه إن أظفره الله به قتله بيده.
ذكر غزوات السلطان وفتوحاته
стр. 369
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وفيها جمع السلطان العساكر وسار بفرقة من العسكر وضايق الكرك خوفاً على الحجاج من صاحب الكرك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملك الأفضل فأغاروا على بلاد عكا وتلك الناحية وغنموا شيئاً كثيراً، ثم سار السلطان ونزل على طبرية وحصر مدينتها وفتحها عنوة بالسيف وتأخرت القلعة، وكانت طبرية للقومص صاحب طرابلس وكان قد هادن السلطان ودخل في طاعته، فأرسلت الإفرنج إلى قومص المذكور القسوس والبطرك ينهونه عن موافقة السلطان ويوبخونه فسار معهم واجتمع الإفرنج للقاء السلطان.
ذكر وقعة حطين
وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل وبيت المقدس
ولما اخذ السلطان مدينة طبرية اجتمعت الإفرنج وملوكهم بفارسهم وراجلهم وساروا إلى السلطان فركب السلطان من عند طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان واشتد بينهم القتال، ولما رأى القومص شدة الأمر حمل على مقدمة المسلمين وهناك تقي الدين صاحب حماة فأفرج له وعطف عليه ونجا القومص ووصل إلى طرابلس وبقي مدة يسيرة ومات غبناً، ونصر الله تعالى المسلمين وأحدقوا بالإفرنج من كل ناحية وأبادوهم قتلاً وأسروا، وكان من جملة من أسر ملك الإفرنج الكبير والبرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب حبيل وابن الهنغري ومقدم الداوية وجماعة من الأبستارية. وما أصيب الإفرنج منذ خرجوا إلى الشام في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمصيبة مثل هذه الوقعة.
стр. 370
ولما انقضى المصاف جلس السلطان في خيمته وأحضر ملك الإفرنج وأجلسه إلى جانبه وكان الحر والعطش به شديدا، فسقاه السلطان ماءً مثلوجاً فسقى ملك الإفرنج منه البرنس أرناط صاحب الكرك فقال له السلطان هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون ما ناله، ثم كلم السلطان البرنس ووبخه وقرعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين، فقام السلطان بنفسه فضرب عنقه، فارتعدت فرائص ملك الإفرنج فسكّن جأشه، ثم عاد السلطان إلى طبرية وفتح قلعتها بالأمان ثم سار إلى عكا وحاصرها وفتحها بالأمان ثم أرسل إلى أخيه العادل فنازل مجد اليابا وفتحه عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ومعلشا والغولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكا بالطيف وغنموا وقتلوا وأسروا أهل هذه الأماكن وأرسل فرقة إلى نابلس فملكوا قلعتها بالأمان ثم سار الملك العادل بعد فتح مجد اليابا إلى يافا وفتحها عنوة بالطيف ثم سار السلطان إلى تبنين ففتحها بالأمان ثم سار إلى صيدا فأخلاها صاحبها وتسلمها السلطان ساعة وصوله لتسع بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ثم سار إلى بيروت فحاصرها وتسلمها في السابع والعشرين من جمادى الأولى بالأمان وكان حصرها مدة ثمانية أيام وكان صاحب حبيل من جملة الأسرى فبذل حبيل بأن يسلمها ويطلق سراحه فأجيب إلى ذلك وكان صاحب حبيل من أعظم الإفرنج وأشدهم عداوة للمسلمين ولم تكن عاقبة إطلاقه حميدة وأرسل السلطان وتسلم حبيل وأطلقه وفيها حضر المركيس في سفينة إلى عكا وهي للمسلمين ولم يعلم المركيس بذلك واتفق هجوم الهواء فراسل المركيس الملك الأفضل وهو بعكا يقترح أمراً بعد أمر والملك الأفضل يجيب إلى ذلك المركيس إلى أن هب الهواء فأقلع المركيس إلى صور واجتمع عليه الإفرنج الذين بها وملك صور وكان وصول المركيس إلى صور ولإطلاق الإفرنج الذين أخذ السلطان بلادهم بالأمان وحملهم إلى صور من أعظم أسباب الضرر الذي حصل حتى راحت عكا وقوي الإفرنج بذلك.
стр. 371
ثم سار السلطان إلى عسقلان وحاصرها أربعة عشر يوماً وتسلمها بالأمان سلخ جمادى الآخرة ثم بث السلطان عسكره ففتحوا الرملة والداروم وغزة وبيت لحم وبيت جبريل والنطرون وغير ذلك. ثم سار السلطان ونازل القدس وبه من النصارى عدد يفوق الحصر وضاق السلطان السور بالنقابين واشتد القتال ونقبوا السور وطلب الإفرنج الأمان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك وقال لا آخذها إلا بالسيف مثل ما أخذها الإفرنج من المسلمين فعادوا. في وعرفوه ما هم عليه من الكثرة وأنهم إن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك القتال فأجابهم السلطان إلى ذلك وشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير وتؤدي النساء خمسة ويؤدوا عن كل طفل دينارين وأن من عجز عن ذلك يكون أسيراً فأجيب إلى ذلك وسلمت المدينة يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب وكان يوماً مشهوداً ورفعت الأعلام الإسلامية على أسوار المدينة ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور فخان المرتبون في ذلك ولم يحملوا إلا القليل.
وكان على رأس قبة الصخرة صليب مذهب فتسلق المسلمون واقتلعوه فسمع لذلك ضجة لم يعهد مثلها من الإفرنج بالتفجع والتوجع وكان الإفرنج قد عملوا غربي المسجد الأقصى نهراً ومستراحاً فأمر السلطان بإزالة ذلك وإعادة الجامع إلى ما كان عليه. وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبراً بحلب تعب عليه مدة وقال هذا لأجل القدس فأرسل السلطان أحضر المنبر من حلب وجعله في المسجد الأقصى وأقام السلطان بعد فتح القدس يظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يرتب أمور البلد وأحواله وتقدم بعمل الربط والمدارس الشفعوية.
ثم رحل السلطان إلى عكا ورحل منها إلى صور وصاحبها المركيس قد حصنها بالرجال وحفر خندقها ونزل السلطان على صور تاسع عشر رمضان وحاصرها وضايقها وطلب الأسطول فوصل إليه في عشر شوال فاتفق أن الإفرنج كبسوهم في الشواني وأخذوا خمس شوان ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا وأخذ الباقون وطال الحصار عليها فرحل السلطان عنها في آخر شوال أول كانون الأول وأقام بعكا وأعطى العساكر الدستور فسار كل واحد إلى بلده وبقي السلطان بعكا في حلقته وأرسل إلى هونين وفتحها بالأمان.
стр. 372
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة سار شمس الدين محمد ابن المقدم بعد فتح القدس حاجاً وكان هو أمير الحاج الشامي ليجمع بين الغزاة وزيارة القدس والخليل ﵇ والحج في عام واحد فسار ووقف بعرفات ولما أفاض أرسل إليه طاستكين أمير الحاج العراقي فمنعه من الإفاضة قبله فلم يلتفت إليه فسار العراقيون واقتتلوا مع الشاميين فقتل بينهم جماعة وابن المقدم يمنع أصحابه من القتال فجرح ومات شهيداً ودفن بمقبرة المعلي.
стр. 373
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة فشتى السلطان في هذه السنة بعكا ثم سار بمن معه وقصد كوكب وجعل على حصارها أمير يقال له قايماز النجمي وسار منها في ربيع الأول ودخل دمشق ففرح الناس بقدومه وكتب إلى الأطراف باجتماع العساكر وأقام في دمشق خمسة أيام وسار من دمشق منتصف ربيع الأول ونزل على بحيرة قدس غربي حمص فأتته العساكر بها فأولهم عماد الدين زنكي صاحب سنجار ونصيبين. ولما تكاملت عساكره رحل ونزل تحت حصن الأكراد وشن الغارات على بلاد الإفرنج وسار من حصن الأكراد فنزل على أنطرسوس فوجد الإفرنج قد أخلوا أنطرسوس فسار إلى مرقية فوجدهم قد أخلوها أيضاً فسار تحت المرقب وهو الأسبتار فوجده لا يرام ولا لأحد فيه مطمع فسار إلى جبلة ووصل إليها ثامن جمادى الأولى وتسلمها حالة وصوله فجعل فيها لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية صاحب شيزر ثم سار السلطان إلى اللاذقية فوصل إليها في الرابع والعشرين من جمادى الأولى ولها قلعتان فحصر القلعتين. ولما ملك السلطان اللاذقية سلمها إلى الملك المظفر تقي الدين فعمرها وحصن قلعتيها. وكان تقي الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها كما فعل بقلعة حماة ثم رحل السلطان عن اللاذقية في التاسع والعشرين من جمادى الأولى إلى صهيون فحاصرها وضايقها وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يؤدونه فأجابوا إلى ذلك وتسلم السلطان قلعة صهيون وسلمها إلى أمير من أصحابه يقال له ناصر الدين ثم فرق عسكره في تلك الجبال فملكوا حصن بلاطنوس وكان الإفرنج الذين به قد هربوا منه وأخلوه وملكوا حصن العبد وحصن الجماهونين ثم سار السلطان من صهيون ثالث جمادى الآخرة ووصل إلى قلعة بكراس فأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشفر فحصرها ووجدها منيعة وضايقها فألقى الله تعالى في قلوب أهلها الفزع وطلبوا الأمان وتسلمها يوم الجمعة سادس جمادى الآخرة بالأمان فأرسل السلطان الملك الظاهر صاحب حلب فحاصر سرمينية وضايقها وملكها واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم وهدم الحصن وفي أثره وكان في الحصن وفي الحصون المذكورة من أسرى المسلمين الجم الغفير فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة ثم سار السلطان من الشفر إلى
стр. 374
برزية ورتب عسكره ثلاثة أقسام وداومها بالزحف وملكها بالسيف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة وسبى وأسر وقتل أهلها. قال مؤلف الكامل ابن الأثير كنت مع السلطان في مسيره وفتحه هذه البلاد طالباً للغزاة فأحكي ذلك عن مشاهدة ثم سار السلطان فنزل على جسر الحديد وهو على العاصي بالقرب من أنطاكية فأقام عليه أياماً حتى تلاحق به من تأخر من العسكر ثم سار إلى دربساك ونزل عليها ثامن رجب وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان على شرط أن لا يخرج منها أحد إلا بثيابه فقط وتسلمها تاسع عشر رجب. ثم سار عن دربساك إلى بغراس فحصرها وتسلمها بالأمان على حكم أمان دربساك وأرسل بيمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح وبذل إطلاق كل أسير عنده فأجاب السلطان إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر وكان صاحب أنطاكية حينئذ أعظم ملوك الإفرنج في هذه البلاد فإن أهل طرابلس سلموا إليه طرابلس.
ولما فرغ السلطان من أمر هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ثالث شعبان وسار منها إلى دمشق وأعطى عماد الدين زنكي دستوراً وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية وجعل طريقة لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز ﵁ فزاره وزار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربي وكان مقيماً هناك وكان من عباد الله تعالى الصالحين وله كرامات ظاهرة. وكان مع السلطان أبو فليتة الأمير قاسم بن مهنا الحسيني صاحب مدينة الرسول ﷺ وشهد معه مشاهده وفتوحاته وكان السلطان يتبرك برؤيته ويتيمن بصحبته ويرجع إلى قوله ودخل السلطان دمشق في شهر رمضان المعظم فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا فقال السلطان إن العمر قصير والأجل غير مأمون وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحاصرها وخلى أخاه العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسلمها فتسلموا الكرك والشوبك وما بتلك الجهات من البلاد.
стр. 375
ثم سار السلطان من دمشق في منتصف رمضان إلى صفد فحصرها في ذي القعدة وسير أهلها إلى صور وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين ظهر ذلك فيما بعد ثم سار السلطان إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى ثم سار إلى عكا فأقام فيها حتى انسلخت السنة.
وفي هذه السنة أرسل قزل ابن الدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل السلجوقي ويحذره عاقبة أمره فأرسل الخليفة عسكر إلى طغريل والتقوا ثامن ربيع الأول قرب همذان فانهزم عسكر الخليفة وغنم طغريل أموالهم وأسر مقدم العسكر جلال عبد الله وزير الخليفة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وفيها سار صلاح الدين ونزل بمرج عيون وحضر إليه صاحب شقيف أرنون وبذل له تسليم الشقيف بعد مدة ضربها خديعة منه فلما بقي للعدة ثلاثة أيام استحضره السلطان وكان اسم صاحب الشقيف أرناط فقال له السلطان في التسليم فقال لا يوافقني عليه أهلي فأمسكه السلطان وبعثه إلى دمشق فحبس.
ذكر حصار الإفرنج عكا
стр. 376
كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر جمعهم حتى ساروا في عالم لا تحصى كثرته وأرسلوا إلى البحرين يستنجدون وصوروا صورة المسيح وصورة عربي يضرب المسيح وقد أدماه وقالوا هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الإفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب من هذه السنة وضايقوا عكا وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم السلطان ونزل قريب الإفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا فحمل تقي الدين صاحب حماة في ميمنة السلطان على الإفرنج فأزالهم عن موقفهم والتصق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة يدخل المسلمون ويخرجون وأرسل السلطان إلى عكا عسكر نجدة ولحق من جملتهم أبو الهيجاء السمين وبق المسلمون يغادون القتال ويراحونه إلى العشرين من شعبان ثم كان بين المسلمين وبينهم وقعة عظيمة فإن الإفرنج اجتمعوا وضربوا مع السلطان مصاف وحملوا على القلب فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان وانحاز السلطان إلى جانب وانضافت إليه جماعة وانقطع مدد الإفرنج واشتغلوا بقتال الميمنة فحمل السلطان على الإفرنج الذين خرقوا القلب وعطف عليهم العسكر فأفنوهم قتلاً وكان قتلى الإفرنج نحو عشرة آلاف نفس ووصل المنهزمون بعضهم إلى طبرية وبعضهم وصل إلى دمشق.
وجافت الأرض بعد هذه الوقعة ولحق السلطان مرض وحدث له قولنج فأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع فوافقهم ورحل من عكا رابع عشر شهر رمضان إلى الخروبة فلما رحل تمكن الإفرنج من حصار عكا وانبسطوا في تلك الأرض. وفي تلك الحال وصل أسطول للمسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ وكان شهماً فظفر ببطسة للإفرنج فأخذها ودخل بها إلى عكا فقويت قلوب المسلمين وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر إلى أخيه السلطان فقويت نفوس المسلمين بوصوله.
ذكر غير ذلك من الحوادث
فيها توفي بالخروبة الفقيه عيسى وكان مع السلطان وهو من أعين عسكره وكان جندياً فقيهاً شجاعاً وكان من أصحاب الشيخ أبي القاسم البرزي.
стр. 377
ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة وفيها رحل السلطان عن الخروبة وعاد إلى قتال الإفرنج على عكا وكان الإفرنج قد عملوا قرب سور عكا ثلاثة أبراج طول البرج ستون ذراعاً جاءوا بخشبها من جزائر البحر وعملوها طبقات وشحنوها بالسلاح والمقاتلة وألبسوها جلود البقر والطين بالخل لئلا تعمل فيها النار فتحيل المسلمون وأحرقوا البرج الأول فاحترق بمن فيه من الرجال والسلاح ثم أحرقوا الثاني والثالث وانبسطت نفوس المسلمين بذلك بعد الكآبة ووصلت إلى السلطان العساكر من البلاد وبلغ المسلمين وصول ملك الألمان وكان قد سار من بلاده وراء القسطنطينية بمائة ألف مقاتل فاهتم المسلمون لذلك وأيسوا من الشام بالكلية فسلط الله تعالى على الألمان الغلاء والوباء فهلك أكثرهم في الطريق. ولما وصل ملكهم إلى بلاد الأرمن نزل في نهر هناك يغتسل فغرق وأقاموا ابنه مقامه فرجع من عسكره طائلة إلى بلادهم ولم يصل مع ابن ملك الألمان إلى الإفرنج الذين على عكا غير قدر ألف مقاتل وكفى الله المسلمين شرهم وبقي السلطان والإفرنج على عكا يتناوشون القتال إلى العشرين من جمادى الآخرة فخرجت الإفرنج من خنادقهم بالفارس والراجل وأزالوا الملك العادل عن موضعه وكان معه عسكر مصر فعطفت عليهم المسلمون وقتلوا من الإفرنج خلقاً كثيراً فعادوا إلى خنادقهم وحصل للسلطان مغص فانقطع في خيمته ولولا ذلك لكانت الفيصلة ولكن إذا أراد الله أمراً فلا مرد له.
ذكر غير ذلك من الحوادث
وفي هذه السنة لما قوي الشتاء واشتدت الرياح أرسل الإفرنج المحاصرون عكا مراكبهم إلى صور خوفاً عليها أن تنكسر وانفتح الطريق إلى عكا في البحر وأرسل البدل إليها وكان العسكر الذين خرجوا منها أضعاف الواصلين إليها فحصل التفريط بذلك لضعف البدل.
وفيها في ثامن شوال توفي زين الدين يوسف بن زين الدين علي كوجك صاحب إربل وكان مع السلطان بعسكره ولما توفي أقطع السلطان إربل أخاه مظفر الدين علي كوكبوري بن زين الدين علي كوجك وأضاف إليه شهرزور وأعمالها وارتجع ما كان بيد مظفر الدين وهو حران والرها وسار مظفر الدين إلى إربل وملكها.
стр. 378
وفيها أقطع السلطان ما كان بيد مظفر الدين وهو حران والرها وسميساط والموزر الملك المظفر تقي الدين عمر زيادة على ما في يده وهو ميافارقين ومن الشام حماة والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس وبكراس.
ذكر استيلاء الإفرنج على عكا
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة واستمر حصار الإفرنج لعكا إلى هذه السنة وكانوا قد أحاطوا بها من البحر إلى البحر وحفروا عليها خندقاً فلم يتمكن السلطان من الوصول إليهم وكانوا محاصرين لعكا وهم كالمحصورين من خارجهم من السلطان واشتد حصارهم لعكا وضعف من بها عن حفظ البلد وعجز السلطان عن دفع العدو عنهم فخرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وطلب الأمان من الإفرنج على مال وأسرى يقومون بها للإفرنج فأجابوهم إلى ذلك وصعدت أعلام الإفرنج على عكا ظهر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرى من هذه السنة واستولوا على البلد بما فيه وحبسوا المسلمين في أماكن من البلد وقالوا إنما نحبسهم ليقوموا بالمال والأسرى وصليب الصلبوت وكتبوا إلى السلطان بذلك فحصل ما أمكن تحصيله من ذلك وطلب منهم إطلاق المسلمين فلم يجيبوا إلى ذلك فعلم منهم الغدر واستمر أسر المسلمين ثم قتل الإفرنج منهم جماعة كثيرة واستمر الباقون في الأسر.
وبعد استيلاء الإفرنج وتقرير أمرها رحلوا عنها مستهل شعبان نحو قيسارية والمسلمون يساورونهم ويتخطفون منهم ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف ووقع بينهم وبين المسلمين مصاف أزالوا المسلمين عن موقفهم ووصلوا إلى سوق المسلمين فقتلوا من السوقة خلقاً كثيراً ثم سار الإفرنج إلى يافا وقد أخلاها المسلمون فملكوها.
стр. 379
ثم رأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة لئلا يحصل لها ما حصل لعكا فسار إليها وأخلاها وخربها ورتب الحجارين في تقليع أسوارها وتخريبها فدكها إلى الأرض ولما فرغ السلطان من تخريب عسقلان رحل ثاني شهر رمضان إلى الرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد ثم سار إلى القدس وقرر أموره وعاد إلى مخيمه بالنطرون ثامن شهر رمضان ثم تراسل الإفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك العادل بأخت ملك الأنكتار ويكون للملك العادل القدس ولامرأته عكا فحضر القسيسون وأنكروا عليها ذلك إلا أن يتنصر الملك العادل فلم يتفق بينهم حال ثم رحل الإفرنج من يافا إلى الرملة وبقوا كل يوم يقع بين المسلمين وبينهم مناوشات فلقوا من ذلك شدة شديدة وأقبل الشتاء وحالت الأوحال بينهم فلما رأى السلطان ذلك وقد ضجرت العساكر أعطاهم الدستور وسار إلى القدس لسبع بقين من ذي القعدة ونزل داخل البلد واستراحوا مما كانوا فيه وأخذ السلطان في تعمير القدس وتحصينه وأمر العسكر بنقل الحجارة وكان السلطان ينقل الحجارة بنفسه على فرسه ليقتدي به العسكر فكان يجتمع عند العمال في اليوم الواحد ما يكفيهم عدة أيام.
ذكر وفاة الملك المظفر تقي الدين عمر
كان الملك المظفر قد سار إلى البلاد المرتجعة من كوكبوري التي زاده إياها عمه السلطان من وراء الفرات وهي حران وغيرها فامتدت عين الملك المظفر إلى بلاد مجاوريه واستولى على السويداء وحاني والتقى مع بكتمر صاحب خلاط فكسره وحاصره بخلاط وتملك معظم البلاد ثم رحل عنها ونازل ملاذكرد وهي لبكتمر وضايقها وكان في صحبته ولده الملك المنصور محمد فعرض للملك المظفر مرض شديد وتزايد عليه حتى توفي به يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان من هذه السنة وأخفى الملك المنصور وفاته ورحل عن ملاذكرد ووصل إلى حماة ودفنه بظاهرها وبنى إلى جانب التربة مدرسة وذلك مشهور هناك.
стр. 380
وكان الملك المظفر شجاعاً شديد البأس ركناً عظيماً من أركان البيت الأيوبي وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن واتفق في ليلة الجمعة التي توفي فيها الملك المظفر أن توفي حسام الدين بن محمد بن لاجين وأمه ست الشام بنت أيوب أخت السلطان فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته.
ولما مات الملك المظفر راسل ابنه الملك المنصور السلطان واشترط شروطاً نسبه السلطان فيها إلى العصيان وكاد أمره يضمحل بالكلية فراسل الملك المنصور عمه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان فما برح العادل بأخيه السلطان يراجع ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه السلطان وقرر للملك المنصور حماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم وارتجع السلطان البلاد الشرقية وما معها وأقطعها أخاه العادل بعد أن شرط السلطان أن العادل ينزل عن كل ماله من الإقطاع بالشام خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء ونصف خاصه بمصر وأن يكون عليه في كل سنة ستة آلاف غرارة تحمل من الصلت والبلقاء إلى القدس ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية لتقرير أمورها وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة أعني سنة ثمان وثمانين ولما قدم الملك العادل على السلطان كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته فلما رأى السلطان الملك المنصور نهض واعتنقه وغشيه البكاء وأكرمه وأنزله في مقدمة العسكر.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة في شعبان قتل قزل أرسلان واسمه عثمان بن الدكز وهو الذي ملك أذربيجان وهمذان وأصفهان والري بعد أخيه محمد بن البهلوان وكان قد قوي عليه السلطان طغريل السلجوقي وهزم عسكر بغداد كما تقدم ذكره، ثم إن قزل أرسلان تغلب واعتقل السلطان طغريل في بعض البلاد وسار قزل أرسلان بعد ذلك إلى أصفهان وتعصب على الشفعوية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة ودخل لينام على فراشه وتفرق عنه أصحابه فدخل إليه من قتله على فراشه ولم يعلم قاتله.
стр. 381
وفيها قدم معز الدين قيصرشاه بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم إلى صلاح الدين. وسببه أن والده فرق مملكته على أولاده وأعطى ولده هذا ملطية ثم تغلب بعض أخوته على أبيه وألزمه بأخذه ملطية من أخيه المذكور فخاف من ذلك وسار إلى السلطان ملتجئاً إليه فأكرمه السلطان وزوجه بابنة أخيه الملك العادل وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة. قال ابن الأثير لما ركب صلاح الدين ليودع معز الدين قيصر شاه ترجل معز الدين وترجل السلطان، ولما ركب السلطان عضده قيصر شاه وأركبه وكان علاء الدين بن عز الدين مسعود صاحب الموصل مع السلطان إذ ذاك، فسوى ثياب السلطان أيضاً فقال بعض الحاضرين في نفسه ما بقيت تبالي يا ابن أيوب بأي موتة تموت يركبك ملك سلجوقي ويصلح قماشك ابن أتابك زنكي وفيها قتل أبو الفتح يحيى الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم الفيلسوف بقلعة حلب محبوساً أمر بخنقه الملك الظاهر غازي بأمر والده السلطان، قرأ المذكور الأصولين والحكمة بمراغة على مجد الدين ثم سافر إلى حلب وكان علمه أكبر من عقله، فنسب إلى انحلال العقيدة وأنه يعتقد مذهب الفلاسفة فأفتى الفقهاء بإباحة دمه لما ظهر من سوء مذهبه واشتهر عنه، وكان أشدهم في ذلك زين الدين ومجد الدين ابنا جهبل. حكى الشيخ سيف الدين الآمدي قال اجتمعت بالسهروردي في حلب فقال لي لابد أن أملك الأرض فقلت من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر فقلت لعل ذلك يكون اشتهار علمك وما يناسب هذا فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه ووجدته كثير العلم قليل العقل، كان عمره لما قتل ثمانية وثلاثين سنة وله عدة مصنفات في الحكمة منها التلويحات والتنقيحات والمشارع والمطارحات وكتاب الهياكل وحكمة الإشراق وكان يزعم أنه يعرف السيمياء وله نظم حسن.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وفيها سارت الإفرنج إلى عسقلان، وشرعوا في عمارتها في محرم والسلطان بالقدس، وفيها قتل المركيس صاحب صور لعنه الله تعالى قتله الباطنية وكانوا قد دخلوا في زي الرهبان إلى صور.
ذكر عقد الهدنة مع الإفرنج وعود السلطان إلى دمشق
стр. 382
وسبب ذلك أن ملك الأنكتار مرض وطال عليه البيكار فكتب إلى الملك العادل يسأل الدخول على السلطان في الصلح فلم يجب السلطان إلى ذلك ثم اتفق رأي الأمراء على ذلك لطول البيكار وضجر العسكر وكثرة نفقاتهم فأجاب السلطان إلى ذلك واستقر أمر الهدنة في يوم السبت ثامن عشر شعبان وتخلفوا على ذلك في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان ولم يحلف ملك الأنكتار بل أخذوا يده واعتذر بأن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك وحلف الكندهري ابن أخته وخليقة في الساحل وكذلك حلف غيره من عظماء الإفرنج ووصل ابن الهنغري وباليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين وأخذوا يد السلطان واستحلفوا الملك العادل والملكين الأفضل والظاهر والملك المنصور والملك المجاهد شيركوه صاحب حمص والأمجد بهرام شاره بن فرخشاه صاحب بعلبك والأمير بدر الدين دلدرم الياروقي صاحب تل باشر والأمير سابق الدين عثمان ابن الداية صاحب شيزر والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وغيرهم من المقدمين الكبار وعقدت الهدنة عامة في البحر والبر وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر أولها أيلول الموافق للحادي والعشرين من شعبان.
وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الإفرنج يافا وعملها وقيسارية وعملها وحيفا وعملها وعكا وعملها وأن تكون عسقلان خراباً واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته واشترط الإفرنج دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وأن تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين فاستقر القاعدة على ذلك.
ثم رحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان وتفقد أحواله وأمر بتسديد أسواره وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصند حنة يذكرون أن فيها قبر حنة أم مريم ثم صارت في الإسلام دار علم قبل أن يتملك الإفرنج القدس ثم لما ملك الإفرنج القدس أعادها كنيسة كما كانت قبل الإسلام فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة وفوّض تدريسها ووقفها إلى القاضي بهاء الدين ابن شداد.
стр. 383
ولما استقر أمر الهدنة أرسل السلطان مائة من الحجارين لتخريب عسقلان وأمر أن يخرج من بها من الإفرنج وعزم على الحج والإحرام من القدس وكتب إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن بذلك ثم ثبطه الأمراء وقالوا لا نعتمد على هدنة الإفرنج خوفاً من غدرهم فانتقض عزمه عن ذلك.
ثم رحل السلطان عن القدس لخمس مضت من شوال إلى نابلس ثم إلى بيسان ثم إلى كوكب فبات بقلعتها ثم رحل إلى طبرية ولقيه بها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي وقد خلص من الأسر وكان قد أسر بعكا لما أخذها الإفرنج مع من أسر، فسار قراقوش مع السلطان إلى دمشق ثم سار منها إلى مصر.
ثم سار السلطان إلى بيروت ووصل إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية يوم السبت الحادي والعشرين من شوال فأكرمه السلطان وفارقه في غد ذلك اليوم وسار السلطان إلى دمشق ودخلها يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال وفرح الناس به لأن غيبته عنهم كانت مدة أربع سنين وأقام العدل والإحسان بدمشق وأعطى السلطان العساكر الدستور فودعه ولده الملك الظاهر وداعاً لا لقاء بعده وسار إلى حلب وبقي عند السلطان بدمشق ولده الأفضل والقاضي الفاضل وكان الملك العادل قد استأذن السلطان وسار من القدس إلى الكرك لينظر إلى مصالحه ثم عاد إلى دمشق طالباً البلاد الشرقية التي سارت له بعد تقي الدين فوصل إلى دمشق في الحادي والعشرين من ذي القعدة وخرج السلطان للقائه. وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شوال من هذه السنة توفي الأمير سيف الدين المشطوب بنابلس وكانت إقطاعه فوقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس وأقطع الباقي للأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب وأميرين معه.
ذكر وفاة السلطان عز الدين قليج أرسلان
صاحب بلاد الروم وأخبار الذين تولوا بعده
стр. 384
في هذه السنة أعني سنة ثمان وثمانين وخمسمائة في منتصف شعبان توفي السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان ابن قطلومس بن أرسلان بيغو بن سلجوق وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وكان ذا سياسة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة وكان له عشر بنين قد ولى كل واحد منهم قطراً من بلاد الروم وأكبرهم قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان المذكور وكان قد أعطاه أبوه سيواس فسولت له نفسه القبض على أبيه وأخوته والانفراد بالسلطنة وساعده على ذلك صاحب أرزنكان فسار قطب الدين ملكشاه وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة قونية وقال لولده وهو في قبضته أنا بين يديك أنفذ أوامرك ثم أنه أشهد على والده بأنه جعله ولي عهده ثم سار إلى حرب أخيه نور الدين سلطان شاه صاحب قيسارية ووالده في القبضة معه وهو يظهر أن ما يفعله إنما هو بأمر والده فخرج عسكر قيسارية لحربه فوجد أبوه عز الدين قليج أرسلان عند اشتغال العسكر بالقتال فرصة فهرب إلى ولده سلطان شاه صاحب قيسارية فأكرمه وعظمه كما يجب عليه فرجع قطب الدين ملكشاه إلى قونية وخطب لنفسه بالسلطنة وبقي أبوه يتردد في بلاده بين أولده كلما ضجر منهم واحد ينتقل إلى الآخر حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب برغلو فقوي أباه قليج وأعطاه وجمع له وحشد وسار معه إلى قونية فملكها وأخذها من ابنه ملكشاه ثم سار إلى أقصرا واتفق أن عز الدين قليج أرسلان مرض ومات في التاريخ المذكور فأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية فدفنه بها واتفق موت ملكشاه بعد موت أبيه بقليل فاستقر كيخسرو في ملك قونية إذ أثبت أنه ولي عهد أبيه ثم أن ركن الدين سليمان أخا غياث الدين كيخسرو قوي على أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيراً بالملك الظاهر صاحب حلب ثم مات ركن الدين سليمان سنة ستمائة وملك بعده ولده قليج أرسلان بن سليمان فرجع كيخسرو إلى بلاد الروم وأزال ملك ابن سليمان وملك بلاد الروم جميعها واستقرت له السلطنة ببلاد الروم وبقي كذلك إلى أن قتل وملك بعده ابنه عز الدين كيكاووس بن كيخسرو ثم توفي كيكاووس وملك بعده أخوه السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو وتوفي
стр. 385
كيقباد سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو وكسره التتر سنة إحدى وأربعين وستمائة وتضعضع حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد الروم ثم مات غياث الدين كيخسرو وانقضى بموته سلاطين بلاد الروم في الحقيقة لأن من صار بعده لم يكن له من السلطنة غير مجرد الاسم وخلف كيخسرو المذكور صبيين هما ركن الدين وعز الدين فملكا معاً مدةً مديدة ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى القسطنطينية وتغلب على ركن الدين معين الدين البرواناه والبلاد في الحقيقة للتر ثم إن البرواناه قتل ركن الدين وأقام ابناً لركن الدين يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه وهو نائب للتر على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر غير ذلك من الحوادث
وفي هذه السنة غزا شهاب الدين الغوري الهند فغنم وقتل ما لا يحصى وفيها خرج السلطان طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن الدكز وكان قزل قد اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وفيها توفي راشد الدين سليمان بن محمد وكنيته أبو الحشر صاحب دعوة الإسماعيلية بقلاع الشام وأصله من البصرة.
ذكر وفاة الملك الناصر صلاح الدين
أبي المظفر يوسف بن أيوب
стр. 386
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة والسلطان بدمشق على أكمل ما يكون من المسرة وخرج إلى شرقي دمشق متصيداً وغاب خمسة عشر يوماً وصحبته أخوه الملك العادل ثم عاد إلى دمشق وودعه أخوه الملك العادل وداعاً لا لقاء بعده فمضى إلى الكرك وأقام به حتى بلغه وفاة السلطان وأقام السلطان بدمشق وركب في يوم الجمعة خامس عشر صفر وتلقى الحجاج وكان عادته أن لا يركب إلا وهو لابس كزاغند فركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب ملتقى الحجاج وركوبه عالم عظيم ولم يلبس الكزاغند ثم ذكره وهو راكب فطلب الكزاغند فلم يجده قد حملوه معه ولما التقى الحجاج استعبرت عيناه كيف فاته الحج ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن ثم عاد السلطان بين البساتين إلى جهة المنيبع ودخل إلى القلعة على الجسر وكانت هذه آخر ركباته فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر كل عظيم وغشيته نصف الليل حمى صفراوية وأخذ المرض في التزايد وقصده الأطباء في الرابع فاشتد مرضه وحدث به في التاسع رعشة وغاب ذهنه وامتنع من تناول المشروب واشتد الإرجاف في البلد وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن حكايته وحقن في العاشر حقنتين فحصل له راحة وتناول من ماء الشعير مقداراً صالحاً ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش واشتد المرض ليلة الثاني عشر من مرضه وهي ليلة السابع والعشرين من صفر وحضر عنده الشيخ أبو جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده في القلعة بحيث إذا احتضر في الليل ذكره بالشهادة وتوفي السلطان في الليلة المذكورة أعني في الليلة المسفرة عن نهار الأربعاء السابع والعشرين من صفر بعد صلاة الصبح وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد وفاته وانتقاله إلى رحمة الله تعالى وكرامته وغسله الفقيه الدولعي خطيب دمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجي بثوب وجميع ما احتاجه من الثياب في تكفينه أحضره القاضي الفاضل من جهة حل عرفها وصلى الناس عليه ودفن في قلعة دمشق في الدار التي كان مريضاً فيها وكان نزوله إلى جدثه وقت صلاة العصر من النهار المذكور.
стр. 387
وكان الملك الفاضل ابنه قد حلف الناس له قبل وفاة والده عندما اشتد مرضه وجلس للعزاء في القلعة وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه العزيز عثمان بمصر وإلى أخيه الظاهر غازي بحلب وإلى عمه والملك العادل بالكرك ثم إن الملك الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دار لرجل صالح ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنين وتسعين وخمسمائة ومشى الملك الأفضل بين يد تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد وأدخل ووضع قدام المنبر وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين ثم دفن وجلس ابنه الملك الأفضل في الجامع للعزاء ثلاثة أيام وأنفقت ست الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النوبة مالاً عظيماً.
وكان مولد السلطان صلاح الدين بتكريت في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة وكان عمره تقريباً من سبعة وخمسين سنة وكان مدة ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة وملكه للشام تقريباً من تسع عشرة سنة وخلف سبعة عشر ولداً ذكراً وبنتاً واحدة، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسمائة وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منها وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل صاحب مصر.
ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهماً وجرم واحد صوري وكان من دخل الديار المصرية والشام وبلاد الشرق واليمن دليل قاطع على فرط كرمه ولم يخلف داراً ولا عقاراً. قال العماد الكاتب: حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من حيل عراب وأكاديش فكان اثنى عشر ألف رأس وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال فلم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به.
стр. 388
ولم يؤخر صلاة عن وقتها ولا صلى إلا في جماعة وكان إذا عزم على أمر توكل على الله ولا يفضل يوماً على يوم وكان كثير سماع الحديث النبوي وقرأ مختصراً في الفقه تصنيف سليم الرازي وكان حسن الخلق صبوراً على ما يكرهه كثير التغافل عن أصحابه يسمع من أحدهم ما يكرهولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه. كان يوماً جالساً فرمى بعض المماليك بعضاً بالسر موزة فأخطأته ووصلت إلى السلطان ووقفت بالقرب منه فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها وكان طاهر المجلس فلا يذكر أحداً بمجلسه إلا بخير وطاهر اللسان فما ولع يشتم قط. قال العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال. وفات بفواته الأفضال. وغاضت الأيادي. وفاضت الأعادي. وانقطعت الأرزاق. وادلهمت الآفاق. وفجع الزمان بواحده وسلطانه. ورزئ الإسلام بمشيد أركانه.
ذكر ما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان
ولما توفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الملك فيصل نور الدين علي وبالديار المصرية الملك العزيز عثمان وبحلب الملك الظاهر غياث الدين غازي وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وبحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب وبحمص والرحبة وتدمر شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي وبيد الملك خضر بن السلطان صلاح الدين بصرى وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل وبيد جماعة من أمراء الدولة بلاد وحصون منهم سابق الدين عثمان ابن الداية بيد شيزر وأبو قبيس وناصر الدين بن كورس بن خماردكين بيده صهيون وحصن برزية وبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياورق بيده تل باشر وعز الدين سامة بيده كوكب وعجلون وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين المقدم بيد بغراس وكفرطاب وفامية.
стр. 389
والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه السلطنة أو استوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر الله بن محمد بن الأثير مصنف المثل السائر وهو أخو عز الدين بن الأثير مؤلف التاريخ المسمى بالكامل فحسن الملك الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر قال اجتمعت أكابر الأمراء بمصر وحسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة ووقعوا في أخيه الأفضل فمال إلى ذلك وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز.
تم بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.