← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

غير عام. وكأنه (١) جواب من قال: هل فيه بيع، هل فيها لغو، فلم يغير السؤال عن رفعه، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه. والمرفوع مبتدأ، أو اسم «ليس»، و «فيه» الخبر، والاختيار الرفع لأن أكثر القراء عليه (٢). «١٦٨» قوله: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ «٢٥٨» قرأه نافع بإثبات الألف في الوصل، إذا أتى بعد «أنا» همزة مفتوحة أو مضمومة (٣)، وذلك اثنا عشر موضعا في القرآن (٤). وقرأ الباقون بغير ألف، ولا اختلاف في الوقف أنه بالألف، وكلهم حذف الألف، إذا لم يأت بعدها همزة، وكذلك إن أتت بعد «أنا» همزة مكسورة. وقد ذكرنا ما روي عن قالون في إثبات الألف في «أنا» في الوصل مع الهمزة المكسورة، وبالحذف قرأت له (٥). فأما الوقف، فلا بدّ من الألف لجميعهم في «أنا» على أي حال كانت. «١٦٩» وحجة من أثبت الألف مع الهمزة المضمومة والمفتوحة، وهو نافع، أنه لمّا تمكن له مدّ الألف للهمزة، كره أن يحذف الألف، ويحذف مدّتها، فأثبتها في الموضع الذي يصحب الألف فيه المدّ، وحذفها في الموضع الذي لا تصحب الألف فيه المدّ نحو: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ «يوسف ١٠٨»، والألف زائدة عند البصريين، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون، وزيدت الألف للتّقوية. وقيل: زيدت للوقف لتظهر حركة النون. والاسم عند الكوفيين «أنا» بكماله.

стр. 352

فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل. وإنما حذف الألف من حذفها استخفافا، ولأن الفتحة تدلّ عليها، ولا بدّ من إثباتها في الوقف. وقد كان يلزم نافعا إثبات الألف، إذا أتت بعدها همزة مكسورة، كما روي عن قالون، لأنه [موضع] (١) يمكن فيه المدّ، وتحذف فيه الألف ومدتها. ولكن لما قلّ ذلك في القرآن، فلم يقع منه إلا ثلاثة مواضع، أجراه مجرى ما ليس بعده همزة لقلّته، فحذف الألف في الوصل. وما روي عن قالون، من إثبات الألف، هو جار على العلة في المفتوحة والمضمومة. «١٧٠» وحجة من حذف الألف في الوصل، في جميع الباب كله، أن (٢) الألف إنما جيء بها لبيان حركة النون، كهاء السّكت، لأن الاسم، لمّا قلّت حروفه، اختلّ في الوقف، لزوال حركة النون، فجاء بالألف في الوقف، لتبقى حركة النون على حالها، ولا حاجة إلى الألف في الوصل، لأن النون فيه متحركة. والاسم هو الهمزة والنون، والألف زائدة كهاء السّكت (٣). «١٧١» قوله: (يتسنّه) ونحوه، قرأه حمزة بحذف الهاء في الوصل «من يتسنه» و «اقتده» في الأنعام و «ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه» و «ما أدراك ماهيه» خمسة مواضع (٤)، ووافقه الكسائي على الحذف في «يتسنه، واقتده»، وقرأ ذلك الباقون بالهاء في الوصل (٥)، ولا اختلاف في الوقف في ذلك أنه بالهاء، لثباتها في الخط (٦). «١٧٢» وحجة من حذف الهاء في الوصل أن الهاء، إنما جيء بها للوقف، لبيان حركة ما قبلها. ولذلك سميت هاء السّكت، فلمّا كانت، إنما يؤتى بها

стр. 353

في الوقف، لبيان الحركة التي هي في [ياء] (١) الإضافة، استغنى عنها في الوصل، لأن الحركة في الياء ثابتة، فهي مثل ألف الوصل، التي جيء بها للابتداء. فإذا لم يبتدأ بها، واتصل الكلام، استغني عنها، وهي مثل ألف «أنا» على مذهب البصريين، وهذا المذهب عليه أكثر النحويين. «١٧٣» وحجة من أثبتها أنه وصل الكلام، ونيته الوقف عليها، لكنه لم يسترح بالوقف عليها، بل وصل، ونيته الوقف، كما يفعل ذلك في القوافي، يوصل البيت بما بعده من الأبيات، ولا تحذف الصلة، التي للوقف، فيقول: أقلّي اللّوم عاذل والعتابا … وقولي إن أصبت لقد أصابا (٢) وأيضا فإن «يتسنه» تحتمل أن تكون الهاء فيه أصلية، وسكونها للجزم، فلا بدّ من إثباتها في الوصل، ولا يجوز حذفها على هذا، وذلك أن «السنه» تستعمل على ضربين: أحدهما أن يراد بها الحول والعام، والثاني يراد بها الجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ «الأعراف ١٣٠» أي: بالجدوب، ألا ترى أن بعده: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾، وذلك يكون بالجدب. ومنه قول النبي ﵇، «سنين كسني يوسف» (٣) فيكون «يتسنّه»، لمن أثبت الهاء في الوصل، مشتقا من «سانهت» ومن «السنة»، وأصلها «سنهه، فيتسنه» يتفعل من «سانهت»، فالهاء لام الفعل، وسكونها للجزم، ولا يجوز حذف الهاء على هذا ألبتة، فيكون المعنى: وانظر إلى طعامك وشرابك لم تذهب طراوته وغضارته بالجدب، والضرب الثاني أن تكون «السنة» بمعنى العام والحول، ويكون المعنى لم يتغير من قولهم: من ماء مسنون، أي متغير، ومن قولهم: سنّ اللحم إذا تغيّر ريحه،

стр. 354

فيكون المعنى، وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير (١) ريحه، فيكون أصل «يتسنه» «يتسنن» على «يتفعل» أيضا، ثم أبدلوا من النون الأخيرة ياء، لاجتماع ثلاث نونات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما قالوا: تقضّيت في تقضّضت، فأبدلوا من الضاد ياء، ومنه قوله: ﴿يَتَمَطّى﴾ «القيامة ٣٣» أصله «يتمطط» ثم أبدلوا من الطاء الأخيرة ياء، لاجتماع ثلاث طاءات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ «الشمس ١٠» أصله «دسّسها» ثم أبدل من السين الأخيرة ياء لاجتماع ثلاث سينات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلمّا أبدلت من النون ياء، وقبلتها ألفا، حذفت الألف للجزم، فبقي «يتسن»، فالفتحة تدل على الألف المحذوفة، فلمّا كان الوقف يذهب بالفتحة، ولا يبقى دليل على الألف، أتى بهاء السّكت، لبيان الفتحة، التي على النون، والاختيار الوقف على الهاء، لأنه أصل العربية، إلا أن تقدّر أن الهاء أصلية في «يتسنه»، فيكون الاختيار إثباتها، لأنها لام الفعل، فتثبت في الوصل والوقف. وقد قيل إنه مشتق من «أسن الماء» إذا تغير، ويلزم من قال هذا أن يقرأ ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ «الحجر ٢٦» وهو قول الشّيباني (٢) وقال أبو إسحاق (٣): معنى «مسنون» مصبوب، فلا يحسن أن

стр. 355

يكون «يتسنه» منه، إذ لا معنى له فيه (١). «١٧٤» قوله: ﴿نُنْشِزُها﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بالزّاي، وقرأه (٢) الباقون بالراء. «١٧٥» وحجة من قرأ بالزاي أنه حمله على معنى الرفع من «النّشز» وهو المرتفع من الأرض، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء لأن «النشز» الارتفاع (٣). يقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ «المجادلة ١١» أي: ارتفعوا وانضموا. وأيضا فإن القراءة بالزاي بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد، حتى يضمّ بعضها إلى بعض. فالزاي أولى بذلك المعنى، إذ هي بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء هو الرجل، دون العظام على انفرادها، لا يقال: هذا عظم حي. فإنما المعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. فأما قوله تعالى: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ «يس ٧٨، ٧٩» فإنما وصفت العظام بالإحياء على إرادة صاحبها، لأن إحياء العظام على الانفراد، لا تقوم منه حياة إنسان. فإنما المراد حياة صاحب العظام، والعظام إنما تحيا بحياة صاحبها. وهذه الآية نزلت في مشرك أتى النبيّ ﷺ برمّة، وهي العظم البالي، ففتّه في يده ثم قال: يا محمد أتزعم أن الله يحيي هذه؟ فقال له النبي: إن الله يحييها ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار. ففي ذلك نزل: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً﴾

стр. 356

﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية. فإنما أراد [المشرك] (١): هل يحيي الله الإنسان، الذي هذه الرّمة منه؟ ودليل ذلك جواب النبي له بأن قال: ثم يميتك ثم يحييك، أي يحيي صاحب هذه الرمة كما يحييك بعد موتك (٢). وبالزاي قرأ أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت (٣) وأبو عبد الرحمن السّلمي وأبو العالية (٤) وابن وثّاب وطلحة وعيسى. «١٧٦» وحجة من قرأ بالراء أنه جعله من النشور، وهو الإحياء. فالمعنى: وانظر إلى عظام حمارك، التي قد ابيضّت من مرور الزمان عليها، كيف نحييها. وقد أجمعوا على قوله: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ «عبس ٢٢» فالنشور الإحياء. يقال: نشر الميت أي حيي. وأنشره الله أي أحياه. فالمعنى أن الله يعجّبه من إحيائه (٥) الموتى بعد فنائهم. وقد كان قارب أن يكون على شكّ من ذلك إذ قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها. فأراه الله قدرته على ذلك في نفسه، فأماته مائة عام ثم أحياه، فأراه وجود ما شكّ فيه في نفسه، ولم يكن شكّ في رفع العظام عند الإحياء، فيريه رفعها، إنما شكّ في الإحياء. فالراء أولى به، وهو الاختيار، لهذا المعنى، ولأن الأكثر عليه، وهي قراءة مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والأعرج وابن محيصن والجحدري والأعمش وابن يعمر، وإلى

стр. 357

ذلك رجع الحسن. وقد روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده (١). «١٧٧» قوله: (قال أعلم) قرأه حمزة والكسائي بوصل الألف والجزم، وقرأه الباقون بقطع الألف والرفع. «١٧٨» وحجة من قرأ بالقطع أنه أخبر عن نفسه، عندما عاين من قدرة الله في إحيائه الموتى، فتيقّن ذلك بالمشاهدة، فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير. أي: أعلم أنا هذا الضرب من العلم، الذي لم أكن أعلمه معاينة، وبه قرأ الحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن أبي إسحاق وعيسى وابن محيصن. «١٧٩» وحجة من قرأ بوصل الألف أنه جعلها أمرا، معناه الخبر، وذلك أنه لمّا عاين الإحياء وتيقّن أنزل نفسه منزلة غيره، فخاطبها، كما يخاطب غيره، فقال: اعلم يا نفس هذا العلم اليقين، الذي لم تكوني تعلمينه معاينة. وجاء بلفظ التذكير، لأنه هو المراد بذلك، ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جلّ ذكره له بالعلم، لأنه قد أظهر إليه قدرة وأراه أمرا تيقن صحته، وأقر بالقدرة، فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك، بل هو يأمر نفسه بذلك، وهو جائز حسن، وفي حرف عبد الله ما يدّل على أنه أمر من الله له بالعلم، على معنى: «الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت». وذلك أن في حرفه: (قيل اعلم)، وأيضا فإنه موافق لما قبله من الأمر، في قوله: «انظر إلى طعامك، وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام» فكذلك: «اعلم أن الله». وقد كان ابن عباس يقرؤها: «قيل اعلم»، ويقول: أهو خير أم إبراهيم، إذ قيل له: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ «البقرة ٢٦٠» فهذا يبيّن أن «قال اعلم» أمر من الله له بالعلم اليقين، لما عاين من الإحياء [وبه قرأ ابن عباس وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن] (٢). والقراءة بالقطع هي الاختيار، لأنه على ظاهر الكلام، لما تبيّن

стр. 358

له ما كان على شكّ فيه أخبر عن نفسه بالعلم اليقين. وأيضا فإنه قد أجمع عليه الحرميان وعاصم وابن عامر وأبو عمرو (١). «١٨٠» قوله: (فصرهنّ) قرأه حمزة بكسر الصاد، وضمّها الباقون. «١٨١» وحجة من كسر أنها لغة معروفة، يقال: صاره إذا أماله، وصاره إذا قطعه، يقال: صرت الشيء أملته، وصرته قطعته. يقال: صار يصير، ويصار يصور. «١٨٢» وحجة من ضمّ الصاد أنه أتى به على لغة من قال: صار يصور، على معنى أملهن، وعلى معنى: قطعهن، فإذا جعلته بمعنى: أملهن، كان التقدير أملهن إليك فقطعهن، وإذا جعلته بمعنى: قطعهن، كان التقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فقطعهن، فكل واحد من الكسر والضم [في الصاد] (٢) لغة في الميل والتقطيع. فالقراءتان بمعنى. وقد قيل: إن الكسر بمعنى «قطعهن»، والضم بمعنى «أملهن وضمّهن»، وبالضمّ قرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة، وبالكسر قرأ ابن عباس وشيبة وعلقمة وابن جبير وأبو جعفر وقتادة وابن وثّاب وطلحة والأعمش، واختلف عن ابن عباس (٣). «١٨٣» قوله: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ قرأه عاصم وابن عامر بفتح الراء ومثله في «قد أفلح»، وضمّها الباقون، وهما لغتان مشهورتان (٤). «١٨٤» قوله: (أكلها، وأكله) قرأ ذلك الحرميان بالإسكان، حيث

стр. 359

وقع، وقرأ الباقون بالضمّ في الجميع، غير أن أبا عمرو أسكن ما أضيف إلى مؤنث، نحو «أكلها»، وضمّ ما أضيف إلى مذكّر، ولم يضف إلى شيء. والضم هو الأصل، والإسكان على التخفيف. فهما لغتان. فأما علة أبي عمرو، في قراءته، فإنه لمّا كان المؤنث ثقيلا أسكن استخفافا (١)، لئلا يجتمع على الاسم ثقل التأنيث وثقل الضم، وأتى بما ليس فيه ثقل على الأصل بالضمّ (٢). *** تشديد التاء للبزّي «١٨٥» قرأ البزّي بتشديد التاء، فيما أصله تاءان، وحذفت واحدة من الخط، وذلك في أحد وثلاثين موضعا، قد ذكرتها في غير هذا. وذلك نحو: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ «البقرة ٢٦٧» و ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ «هود ١٠٥» و ﴿تَنازَعُوا﴾ «الأنفال ٤٦» ﴿فَتَفَرَّقَ﴾ «الأنعام ١٥٣» وشبهه، ولا يقاس على الأحد والثلاثين الموضع (٣) غيرها، في سورة البقرة منها «ولا تيمّموا» وعلته في ذلك أنه حاول الأصل، لأن الأصل في جميعها تاءان، فلم يحسن له أن يظهرهما، فيخالف الخط في جميعها، إذ ليس في الخط إلا تاء واحدة. فلمّا حاول الأصل، وامتنع عليه الإظهار، أدغم إحدى التائين في الأخرى، وحسن له ذلك، وجاز الاتصال، المدغم بما قبله. فإن ابتدأ بالتاء لم يزد شيئا، وخفّف كالجماعة، لئلا يخالف الخط، ولم يمكنه إدغام في الابتداء، لأنه لا يبتدأ بمدغم، لأن أوله ساكن، والساكن لا يبتدأ به، فكان يلزمه إدخال ألف وصل للابتداء، فيتغير الكلام، ويزيد في

стр. 360

الخط ما ليس فيه، فرجع إلى التخفيف في الابتداء ضرورة. واعلم أن هذا الإدغام يأتي على ثلاثة اضرب. «١٨٦» ضرب قبل المدغم، متحرك من كلمة ومن كلمتين، وذلك ثمانية مواضع نحو: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ «الأنعام ١٥٣»، ونحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾ «النساء ٩٧»، فهذا إدغام حسن، لا دخل فيه ولا علة. «١٨٧» والضرب الثاني أن يكون قبل المدغم ألف أو واو ساكنة، قبلها ضمة، وذلك ثلاثة عشر موضعا، فيحتاج (١) إلى مدّ، لوقوع المشدد بعد حرف المد واللين نحو: (ولا تيمّموا)، و ﴿لا تَفَرَّقُوا﴾ «آل عمران ١٠٥»، و ﴿عَنْهُ تَلَهّى﴾ «عبس ١٠»، فهذا أيضا حسن، ولا بدّ من زيادة مدّ فيه للتشديد. «١٨٨» والضرب الثالث أن يكون قبل المشدد حرف ساكن من غير حروف المد واللين نحو: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾، و ﴿لا تَفَرَّقُوا﴾ «آل عمران ١٠٥»، و (و ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ «النور ١٥»، و (إن ﴿تَوَلَّوْا﴾ «آل عمران ٣٢» و ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ﴾ «الشعراء ٢٢١»، و ﴿ناراً تَلَظّى﴾ «الليل ١٤» و ﴿شَهْرٍ. تَنَزَّلُ﴾ «القدر ٣، ٤» فهذا وقوع الإدغام بعده قبيح صعب، لا يجيزه جميع النحويين، إذ لا يجوز المد في الساكن، الذي قبل المشدد. وقد قال بعض القراء فيه: إنه إخفاء، وليس بإدغام، فهذا أسهل قليلا من الإدغام، لأن الإخفاء لا تشديد فيه، ولكن الرواية والنقل فيه، كله بالتشديد، وهو على ما ذكرت لك من الضعف، وقرأ باقو (٢) القراء [في ذلك] (٣) كلّه مخففا، ولم يختلف في الابتداء به أنه مخفّف كله (٤).

стр. 361

«١٨٩» قوله: (فنعمّا هي) (١) قرأ أبو عمرو وأبو بكر وقالون بإخفاء حركة العين، وكسر النون، ومثله في النساء. وقرأ ابن كثير وحفص وورش بكسر النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسر العين، وفتح النون فيهما. «١٩٠» وحجة من قرأ بكسر النون والعين أن الأصل فيه «نعم» بفتح النون، وكسر العين، لكن حرف الحلق، إذا كان عين الفعل، وهو مكسور أتبع بما قبله، فكسر لكسرة، يقولون: شهد وشهد، ولعب ولعب، فقالوا في «نعم»: نعم، وهي لغة هذيل (٢). «١٩١» وحجة من فتح النون وكسر العين أنه أتى بالكلمة على أصلها، والأصل «نعم» كما قالوا: شهد ولعب، فتركوا الأول على فتحه. «١٩٢» وحجة من أخفى حركة العين، أنه كسر النون لكسرة العين وأسكن العين استخفافا، لتوالي كسرتين، فلمّا اتصل الفعل ب «ما» وأدغمت الميم في الميم، ثقلت الكلمة بالكسرتين والإدغام، وطالت، فلم يمكن إسكان العين للتخفيف، لئلا يجتمع ساكنان: العين وأول المدغم، فأخفى كسرة العين استخفافا، والذي خفيت حركته في الوزن والحكم كالمتحرك، إلا أنه أخفّ من المتحرك. وقد روي عن أهل الإخفاء الاختلاس، وهو حسن. وروي الإسكان للعين، وليس بشيء، ولا قرأت به، لأن فيه جمعا بين ساكنين، ليس الأول حرف مدّ ولين، وذلك غير جائز عن أحد من النحويين (٣). «١٩٣» قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ (٤) قرأه ابن عامر وحفص بالياء، وقرأ

стр. 362

الباقون بالنون، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالجزم، وقرأ الباقون بالرفع. «١٩٤» وحجة من قرأه بالياء أن بعده: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ولم يقل «ونحن»، فأتى بلفظ الغائب في «يكفّر» لما بعده من لفظ الغائب. ويجوز أن يكون ردّه على الإعطاء، في قوله: ﴿تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ﴾ فالمعنى: ويكفر الإعطاء من سيئاتكم، والقول الأول معناه: ويكفر الله من سيئاتكم. «١٩٥» وحجة من قرأه بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لأنه هو المكفّر للسيئات، وحسن أن يأتي على لفظ المخبر للتفخيم والتعظيم، وحسن أن يأتي المفرد، بعد لفظ الجمع، في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ﴾ كما قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى﴾ «الإسراء ١» ثم قال: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى﴾ «٢» فهذا أتى بلفظ التوحيد، ثم جمع بعد ذلك، وذلك أتى بلفظ الجمع، ثم وحّده بعد ذلك (١)، فذلك كله شائع حسن، وهو كثير في القرآن. والقراءة بالنون أحب إليّ، لأن أكثر القراء على ذلك، ولأنه أفخم وأعظم، وبه قرأ ابن عباس والأعرج. «١٩٦» وحجة من جزم الفعل أنه عطفه على موضع الفاء، في قوله: (فهو خير لّكم) لأن موضع ذلك جزم، إذ هو جواب الشرط، وله نظائر حملت على الموضع، وذلك حسن. «١٩٧» وحجة من رفع الفعل أنه قطعه مما قبله، وجعله خبر ابتداء محذوف. فالمعنى: ونحن نكفر عنكم، في قراءة من قرأ بالنون. ومن قرأ بالياء فتقديره: والله يكفر عنكم (٢). «١٩٨» قوله: (يحسبهم، ويحسبن) (٣) قرأه عاصم وحمزة وابن عامر

стр. 363

بفتح السين، حيث وقع، إذا كان مستقبلا، وكسر الباقون، وهما لغتان مشهورتان، يقال: حسّب يحسب ويحسب. والفتح أقوى في الأصول، لأن «فعل» في الماضي إنما يأتي مستقبله على «يفعل» بالفتح في الأكثر، والكسر فيه لغة شذّت عن القياس، وله نظائر أتت بالكسر في المستقبل والماضي مسموعة، وروي أن النبي ﵇ كان يقرأ بكسر السين، وهي لغة حجازية، وهو الاختيار (١). «١٩٩» قوله ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بالمدّ، وكسر الذال، وقصره الباقون، وفتحوا الذال. «٢٠٠» ووجه القراءة بالقصر أنه أمر للمخاطبين بترك الرّبا، أمروا أن يعلموا ذلك هم أنفسهم. فالمعنى: فإن لم تتركوا الربا فأيقنوا بحرب من الله ورسوله. فهم المقصودون بأن يعلموا ذلك في أنفسهم، إن لم يتركوا الربا. «٢٠١» ووجه القراءة بالمدّ أنه جعله أمرا للمخاطبين بترك الربا، أن يعلموا بذلك غيرهم، ممّن هو على مثل حالهم في المقام (٢) على الربا. فالمدّ يتضمن معنى القصر، لأنهم إذا أعلموا غيرهم بالحرب من الله ورسوله فقد علموا هم ذلك، إن أقاموا على فعل الربا، وليس في علمهم ذلك، لأنفسهم، دلالة على إعلام غيرهم. فالمدّ أعم وآكد في أنهم، إن لم يتركوا الربا في أنفسهم (٣)، ويتركه غيرهم، ممّن هو على مثل حالهم فالحرب من الله ورسوله لازم لهم، نازل عليهم، وعلى من هو مثلهم. ولولا أن الجماعة على القصر لكان الاختيار المدّ. وبالقصر قرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن والأعرج وشيبة وعيسى وأبو جعفر، وبالمدّ قرأ طلحة والأعمش. واستبعد أبو حاتم المدّ، إذ الأمر فيه لغيرهم بالحرب (٤)، والمراد هم، وهم (٥) المخاطبون بترك الربا. والمدّ حسن في

стр. 364

المعنى على ما ذكرنا (١). «٢٠٢» قوله: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ قرأه نافع بضم السين، وفتح الباقون. وهما لغتان إلا أن الفتح أكثر وأشهر، و «مفعل» بغير هاء، وبفتح العين في الكلام كثير، وليس في الكلام «مفعل» بضم العين، وبغير هاء، إلا حرفان ونحوهما قالوا: معون، ومكرم، جمع معونة ومكرمة، وجاء مألك، جمع مألكة، وهي الرسالة. و «مفعل» بالفتح كثير مستعمل، وبالفتح قرأ علي بن أبي طالب وابن عمر والأعرج وأبو جعفر وابن جندب والحسن وقتادة وأبو رجاء، وبالضم قرأ مجاهد وابن محيصن وشيبة وعطاء وحميد (٢) والحسن وهي (٣) لغة هذيل، واختلف عن الحسن فيه. والفتح هو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولأنه الأكثر في الاستعمال بالهاء وبغير هاء (٤). «٢٠٣» قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ قرأه عاصم بالتخفيف، وقرأ الباقون مشددا، وهو مثل «تظاهرون» في الحجة في التخفيف والتشديد، لكن في التشديد معنى التكثير، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، وهو الأصل، والتخفيف حدث (٥). «٢٠٤» قوله: ﴿يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ قرأه أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، أضاف الفعل إلى المخاطبين، فهم الفاعلون. وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم، أضافوا الفعل إلى من يرجع المخاطبين، فالمخاطبون مفعول بهم، قاموا

стр. 365

مقام الفاعل. والقول في هذا كالقول في «ترجع الأمور» وقد مضى الكلام فيه (١). «٢٠٥» قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ قرأه حمزة بكسر الهمزة، وفتح الباقون. «٢٠٦» ووجه القراءة بالكسر أنها «إن» التي للشرط، و «فتذكر» جواب الشرط، مرفوع في هذه القراءة، لأنه بالفاء. فالفاء جواب الشرط (٢) وما بعدها مستأنف. فلذلك رفع. والشرط وجوابه في موضع رفع وصف للرجل والمرأتين وخبر. ف «رجل وامرأتان» محذوف. والتقدير: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء يشهدون. و «ممّن ترضون من الشهداء» صفة أيضا ل «رجل وامرأتان». «٢٠٧» ووجه القراءة بالفتح أن «أن» بالفتح في موضع نصب على حذف اللام، تقديره: لئلا تضلّ إحداهما، أي تنسى. وقيل: المعنى: لا تضلّ، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ «القصص ٨» لم يلتقطوه ليكون لهم عدوّا، لكن لمّا آل الأمر إلى ذلك في حال من التقطه، ليكون لهم عدوا، فأخبر بما آل أمرهم إليه، كذلك هذا لم يؤمن بشهادة امرأتين عوضا من رجل، للضلال الذي هو النسيان، لكن لمّا آل الأمر إلى النسيان صار الأمر، كأنهم أمروا بشهادة امرأتين عوضا من رجل للنسيان. فيكون «فتذكر» معطوفا على «تضلّ»، تقديره فرجل وامرأتان يشهدون أن تضل إحداهما وأن تذكّر إحداهما، كأنه بيّن علة كون امرأتين مقام رجل أي ذلك إنما فعل لتذكر إحداهما الأخرى عند النسيان (٣). «٢٠٨» قوله: (فتذكّر) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وشدّد الباقون. وكلهم نصب إلا حمزة فإنه رفع، على ما ذكرنا من الرفع في جواب الشرط

стр. 366

مع الفاء. وقد قال الفراء: إن من خفف فهو من الذكر، الذي هو ضد الأنثى. والمعنى: إن المرأة الثانية إذا شهدت مع الأولى ذكّرتها، أي جعلتها كالذّكر، أي كالرجل الذي لا يحتاج إلى غيره في الشهادة. «٢٠٩» ووجه القراءة بالتشديد أنه عدّى الفعل إلى مفعولين بالتشديد، فالأول «الأخرى»، والثاني محذوف، تقديره: «فتذكّر إحداهما الأخرى الشهادة. والتذكير يحتاج إلى مذكّر ومذكّر به. وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى﴾ «الذاريات ٥٥» وهو كثير. «٢١٠» وحجة من خفّف أنه عدّى الفعل بالهمز، والهمز كالتشديد في التعدي، تقول: ذكرته كذا، وأذكرته كذا. فالمفعول الثاني أيضا محذوف، كالأول. فالقراءتان بمعنى، إلا أن التشديد معه معنى التكثير، على معنى تذكير بعد تذكير، ويحتمل أن يكون في المعنى كأذكرته. فالقراءتان متعادلتان. ومن نصب «فتذكر» فعلى العطف على «أن تضل» ومن رفع فعلى القطع بعد الفاء (١). «٢١١» قوله: ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ قرأ ذلك عاصم بالنصب، وقرأهما الباقون بالرفع. «٢١٢» وحجة من نصب أنه أضمر في «تكون» اسمها، ونصب «تجارة» على خبر «يكون»، و «حاضرة» نعت ل «تجارة»، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، وإلا أن تكون المبايعات تجارة، ولا يحسن أن يكون المضمر التداين والدين، لتقدّم ذكره، ولا أن يكون الحق، لتقدّم ذكره، لأن ذلك غير التجارة، ولأن التجارة تقليب الأموال في البيع والشراء للنماء، وهو غير الدّين، وغير التداين، وغير الحق، والخبر في «كان» هو الاسم، وحسن إضمار التبايع، لأنه تقليب الأموال للنماء، فهو التجارة في المعنى.

стр. 367

«٢١٣» وحجة من رفع أنه جعل «كان» بمعنى «وقع وحدث» تامة، لا تحتاج إلى خبر، بمنزلة: (وإن كان ذو عسرة) الذي هو عام في كل معسر، وبهذا العموم أجمع على الرفع، إذ لو نصب «ذا» على خبر «كان» لصار الكلام مخصوصا لصنف بعينه، غير عام في جميع المعسرين، لأنه يصير التقدير، لو نصب «ذا»: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه. وقد يجوز أن يكون التقدير: وإن كان المداين ذا عسرة، فيكون عامّا فيمن عليه دين، وهو معسر. والرفع على كل حال أعمّ، لأنه يعمّ من عليه دين، من قرض أو من شراء، وغير ذلك (١). «٢١٤» قوله: (فرهان) قرأه أبو عمرو وابن كثير بضم الراء والهاء، من غير ألف، وقرأ الباقون بكسر الراء، وبألف بعد الهاء. «٢١٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جمع «رهنا» على «رهن» ك «سقف» و «سقف» و «نحر» و «نحر»، وكان قياسه «أرهانا» في أقل العدد، ولكن استغنوا بالكثير عن القليل، كما استغنوا بالقليل عن الكثير، في قولهم: «رسن وأرسان». وأصل «رهن» المصدر في قولهم: «رهينة»، فهو في موضع قولهم: رهينة ثوبا. فلمّا وقع موقع الاسم جمع، كما تجمع الأسماء. ولمّا استغنوا فيه في الجمع ببناء الكثير عن القليل، اتسعوا فيه، فأتوا بجمعه على بناءين للتكثير، فقالوا: رهن ورهن، كسقف، وسقف. وقالوا: رهن ورهان (٢)، ككعب وكعاب، وبغل وبغال، ونعل ونعال، وهو في جمع «فعل» كثير في الكلام، وجمع «فعل» على

стр. 368

«فعل» قليل في الكلام. إنما أتى منه أشياء نوادر في الكلام (١). فحمل على الأكثر، وهو فعال، وهو الاختيار (٢). «٢١٦» قوله: (فيغفر، ويعذب) قرأهما ابن عامر وعاصم بالرفع، وجزمهما (٣) الباقون. «٢١٧» وحجة من جزم أنه عطفه على «يحاسبكم» الذي هو جواب الشرط، فهو أقرب للمشاكلة، بين أول الكلام وآخره. «٢١٨» وحجة من رفع أن الفاء يستأنف ما بعدها، فرفع على القطع مما قبله إما أن يكون أضمر مبتدأ على تقدير: فالله يغفر ويعذب، فيكون جملة من ابتداء وخبر، معطوفة على جملة، من فعل وفاعل. ويجوز أن يكون الفعل مقدرا، فتكون جملة معطوفة (٤) من فعل وفاعل على مثلها، والتقدير على هذا: فيغفر الله لمن يشاء ويعذب من يشاء، والجزم هو الاختيار، لاتصال الكلام، ولأن عليه أكثر القراء (٥). «٢١٩» قوله: (وكتبه) قرأ حمزة والكسائي بالتوحيد. وقرأ الباقون بالجمع. فمن وحّد أراد القرآن، ومن جمع أراد جميع الكتب التي أنزل الله، ويجوز في قراءة من وحّد أن يراد به الجمع، يكون الكتاب اسما للجنس، فتستوي القراءتان، والجمع هو الاختيار، لعمومه، ولأن عليه أكثر القراء (٦).

стр. 369

فصل في ياءات الاضافة وعللها «٢٢٠» اعلم أن ياء الإضافة زائدة أبدا وهي اسم المضاف إليه، وأصلها الحركة، لأن الاسم لا يكون على حرف واحد ساكن، والدليل على أن أصلها الحركة أنها كالكاف في «عليك وإليك» وكالهاء في «عليه وإليه»، وكالتاء في «رأيت» و «أرأيت»، وهذه المضمرات لا تكون إلا متحركات، فكذلك ياء الإضافة. وإنما جاز إسكانها [إستخفافا] (١) ولا يجوز ذلك (٢) في الكاف والهاء والتاء، استثقالا للحركة على الياء، لأن الياء حرف ثقيل، فإذا تحرّك ازداد ثقلا، ويدل على ثقل الحركة على الياء أنها تقلب ألفا، إذا تحرّكت وانفتح ما قبلها، في أكثر الكلام، وأنهم لمّا حركوها أعطوها الفتح، الذي هو أخفّ الحركات، ولو أعطوها الكسر، والذي قبلها لا يكون، إذا كان متحركا، إلا مكسورا (٣) لاجتمع كسرتان (٤)، وياء عليها كسرة، وذلك ثقيل، ولو أعطوها الضمّ لاجتمع ما هو أثقل من ذلك، فكان الفتح أولى بها، إذ لا بدّ من حركة تقوّيها. والفتح فيها أقوى وأفصح، لأنه الأصل، ولخفة الفتحة، ولأن العرب تأتي بهاء السكت، بعد ياء الإضافة، لتثبت حركتها في الوقف، فإذا كانوا يحرصون على (٥) بقاء الحركة في الوقف، فثباتها في الوصل آكد. فمن ذلك إدخالهم الهاء في «كتابيه وحسابيه وماليه» وشبهه (٦)، حرصا على بيان حركة الياء في الوقف، إذا كانت اسما على حرف واحد، فألزم الحركة في الوقف

стр. 370

والوصل لتقوى. وأنا أذكر في آخر كل سورة الاختلاف في ما فيها من الياءات، وأستغني بما بيّناه من علتها عن الإعادة لذلك، وأذكر في هذه السورة جملا من أصول القراء في الياءات، ينتفع بحفظها مجملة، وأستغنى بذلك عن حفظ أكثرها منفردة. «٢٢١» فمن ذلك أصل نافع، اعلم أن نافعا، في رواية ورش عنه، كان يفتح كل ياء إضافة، واختلف القراء فيها في جميع القرآن، ممّا (١) ثبت خطه في المصحف، وعدة ما اختلف القراء فيه، من ياءات الإضافة، مائة وخمس وسبعون ياء، فتحها ورش عن نافع، إلا ثلاثا وعشرين، فإنه أسكنها، في البقرة: (اذكروني ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ «١٥٢»، وفي الأنعام ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ «١٥٣»، وفي الأعراف: ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «١٠٥» و ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ «١٤٤»، وفي براءة: ﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾ «٨٣»، وفي إبراهيم ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ «٢٢»، وفي الكهف: ﴿مَعِيَ﴾ في ثلاثة مواضع «٦٧، ٧٢، ٧٥»، وفي مريم: ﴿مِنْ وَرائِي وَكانَتِ﴾ «٥» وفي طه: ﴿هارُونَ أَخِي. اُشْدُدْ﴾ «٣٠، ٣١»، وفي الأنبياء: ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ﴾ «٢٤»، وفي الفرقان: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ «٢٧»، وفي الشعراء: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ «٦٢»، وفي النمل: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ «٢٠»، وفي القصص: ﴿مَعِي رِدْءاً﴾ «٣٤»، وفي العنكبوت: ﴿إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ «٥٦»، وفي صاد: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾ «٢٣» وفيها: ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ﴾ «٦٩»، وفي المؤمن: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ «٢٦» وفيها: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ «٦٠»، وفي الزخرف: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾ «٦٨»، وفي نوح: ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ «٢٨»، فذلك ثلاث وعشرون ياء، أسكنها ورش، من الياءات التي اختلف فيها جميع القراء الذين ذكرنا، وفتح ما عدا ذلك، ممّا اختلفوا فيه، وهو ثابت في الخط. وقرأ قالون بمثل ذلك، وزاد على ورش فأسكن ثماني ياءات وهنّ، في البقرة:

стр. 371

﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ﴾ «١٨٦»، وفي الأنعام: ﴿مَحْيايَ﴾ «١٦٢»، وفي يوسف: ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ «١٠٠»، وفي طه: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ﴾ «١٨»، وفي النمل والأحقاف: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ﴾ «١٩، ١٥»، وفي الشعراء: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١١٨»، وفي الدخان: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ «٢١»، فأسكن هذه الثمانية قالون، وفتحها ورش. وعنه في «محياي» الوجهان، أعني ورشا. وقد روي عن ورش فتح الياء وإسكانها في: ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ «يوسف ٥٩» و ﴿سَبِيلِي أَدْعُوا﴾ «يوسف ١٠٨»، وروي عن قالون الإسكان والفتح في قوله: ﴿إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ﴾ «فصّلت ٥٠»، وبالفتح قرأت في ذلك كله لهما. وأخبرني أبو الطّيّب أنه قرأ بالوجهين لقالون في «إلى ربي، إن لي عنده». «٢٢٢» ومن ذلك أصل أبي عمرو، كان أبو عمرو يسكن ياء الإضافة إذا كان بعدها همزة مضمومة، وذلك عشرة مواضع في القرآن، ولم يفتحها، على هذا الشرط، غير نافع نحو: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ «المائدة ١١٥»، و ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ﴾ «الأعراف ١٥٦» وشبهه. وكان أبو عمرو يسكن كل ياء إضافة، ليس بعدها ألف، نحو: ﴿بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ «البقرة ١٢٥» و ﴿وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ «آل عمران ٢٠»، إلا حرفين، فإنه فتحهما، وهما: ﴿مَحْيايَ﴾ في الأنعام «١٦٢»، و ﴿ما لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ في يس «٢٢» وكان أبو عمرو يفتح كل ياء إضافة، بعدها ألف وصل، مع لام أو غير لام، نحو: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ «الأعراف ١٤٤» و ﴿أَخِي. اُشْدُدْ بِهِ﴾ «طه ٣٠، ٣١»، و ﴿عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ﴾ «الأعراف ١٤٦»، و ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾ «البقرة ٢٥٨»، و ﴿رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ «الأعراف ٣٣»، و ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ «الفرقان ٢٧»، و ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ﴾ «الصف ٦» ونحوه، إلا موضعين، وهما في العنكبوت والزمر: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «٥٦»، ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ «٥٣»، فإنه أسكنهما وحذفهما، لالتقاء الساكنين، والوقف للجميع بالياء عليهما. وكان

стр. 372

أبو عمرو يفتح الياء، إذا أتت بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة، ممّا اختلف القراء فيه، إلا أن تكون الكلمة على خمسة أحرف بالياء أو أكثر، فإنه يسكن الياء، تخفيفا لطول الكلمة، نحو ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمى﴾ «طه ١٢٥» و ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ﴾ «الكهف ٦٩» و ﴿لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ «ص ٧٨» وشبهه. وخالف هذا الأصل في ثلاثة مواضع، ففتح الياء فيها، والكلمة على خمسة أحرف، وهي: ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ﴾ في هود «٨٨» وفيها: ﴿شِقاقِي﴾ «٨٩» وفيها: ﴿أَرَهْطِي﴾ «٩٢». «٢٢٣» وعلته، في فتح هذه الثلاثة المواضع، أنه اجتمع، في «توفيقي وشقاقي» حرفا مدّ ولين في كل واحدة، فلم يعتدّ بالتكرير، وأتت همزة الاستفهام في «أرهطي» وهي زائدة، فلم يعتدّ بها، وجميع ما أسكنه أبو عمرو، وخالف فيه نافعا (١) أربع وثلاثون ياء، تستخرج من هذه الأصول التي ذكرناها. وجميع ما فتحه أبو عمرو، ممّا أسكنه نافع، أربع ياءات وهي: (محياي) و (إني اصطفيتك)، و (أخي. اشدد)، و (يا ليتني اتّخذت)، وعن ورش في «محياي» الوجهان: الفتح والإسكان. «٢٢٤» ومن ذلك أصل ابن كثير، كان ابن كثير (٢) يسكن كل ياء إضافة، اختلف فيها بعدها همزة مضمومة أو مكسورة (٣)، أو ليس بعدها همزة. وخالف أصله، مع الهمزة المكسورة، في موضعين، ففتح الياء فيهما، وهما قوله في يوسف: ﴿آبائِي إِبْراهِيمَ﴾ «٣٨»، وفي نوح: ﴿دُعائِي إِلاّ﴾ «٦». وخالف أصله، إذا لم يأت بعد الياء همزة، في خمسة مواضع، ففتح الياء فيهن، وهن في الأنعام: ﴿مَحْيايَ﴾، وفي مريم: ﴿مِنْ وَرائِي﴾ وكانت)، وفي النمل: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾، وفي يس: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ﴾، وفي فصلت: ﴿أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا﴾

стр. 373

«٤٧». وكان ابن كثير يفتح ياء الإضافة، إذا أتى بعدها همزة مفتوحة أو ألف وصل، وخالف أصله، مع الهمزة المفتوحة، في عشرة مواضع، فأسكن الياء فيها، في آل عمران: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ «٤١»، وفي هود: ﴿ضَيْفِي أَلَيْسَ﴾ «٧٨»، وفي يوسف: ﴿قالَ أَحَدُهُما إِنِّي﴾، و ﴿قالَ الْآخَرُ إِنِّي﴾ «٣٦» وفيها: ﴿يَأْذَنَ لِي﴾ «٨٠» وفيها: ﴿سَبِيلِي أَدْعُوا﴾ «١٠٨»، وفي الكهف ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ «١٠٢»، وفي مريم: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ «١٠»، وفي طه: ﴿يَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ «٢٦»، وفي النمل: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ «٤٠» خاصة، فهذه عشرة مواضع، أسكن الياء فيها، وبعدها همزة مفتوحة. وخالف قنبل البزّي فيما ذكرنا، من الفتح والإسكان، في تسعة مواضع، أسكنها (١) قنبل، وفتحها البزّي، وهنّ في هود ثلاثة مواضع: ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾ «٢٩» و ﴿إِنِّي أَراكُمْ﴾ «٨٤» و ﴿فَطَرَنِي أَفَلا﴾ «٥١»، وفي الفرقان: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ «٣٠»، وفي النمل والأحقاف ﴿أَوْزِعْنِي﴾، وفي الأحقاف أيضا: ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾ «٢٣»، وفي الزخرف: ﴿مِنْ تَحْتِي أَفَلا﴾ «٥١»، وفي قل يا أيها الكافرون: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ «٦». وخالف أيضا ابن كثير أصله مع ألف الوصل في موضعين، فأسكن الياء فيهما، في الفرقان: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ وفيها: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ «٣٠» أسكنها، في رواية قنبل عنه، وقد ذكرت. فأما الياء في: ﴿يا بُنَيَّ﴾ «هود ٤٢» وفي: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ «إبراهيم ٢٢» وفي: ﴿أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ «السجدة ١٧» و ﴿أَمْلى لَهُمْ﴾ «محمد ٢٥» فليست بياء إضافة، فلذلك لم نذكر ذلك (٢) مع ياءات الإضافة، وسيأتي الاختلاف فيها، في مواضعها إن شاء الله تعالى. فأما: (آتاني الله) فليست بثابتة في المصحف، فلذلك لم نذكرها. «٢٢٥» ومن ذلك أصل حمزة، كان حمزة يسكن جميع الياءات، التي

стр. 374

اختلف فيها القراء، إلا ياء «محياي» فإنه فتحها، وكسر [ياء] (١) «بمصرخيّ» وليست بياء إضافة. «٢٢٦» ومن ذلك أصل الكسائي، كان الكسائي يسكن جميع الياءات، التي اختلف فيها القراء، إلا أربع عشرة ياء، فإنه فتحهن، وهن في البقرة: ﴿عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ «١٢٤» وفيها: ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾ «٢٥٨»، وفي الأنعام: ﴿مَحْيايَ﴾ «١٦٢» وفي الأعراف: ﴿رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ «٣٣» وفيها: ﴿عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ﴾ «١٤٦»، وفي مريم: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ «٣٠»، وفي الأنبياء: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ «٨٣» وفيها: ﴿عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ «١٠٥»، وفي النمل: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ «٢٠» وفي سبأ: ﴿عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ «١٣»، وفي ياسين: ﴿ما لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ «٢٢»، وفي ص: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ «٤١»، وفي الزمر: ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ﴾ «٣٨»، وفي الملك: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ﴾ «٢٨»، ففتح هذه الأربع عشرة فقط. «٢٢٧» ومن ذلك أصل عاصم كان عاصم في رواية أبي بكر [عنه] (٢) يسكن كل الياءات، التي للإضافة المختلف فيها، غير تسع عشرة ياء [فإنه فتحها] (٢) ستراها في ذكرنا للاختلاف في الياءات، في آخر كل سورة. وقرأ، في رواية حفص عنه، بإسكان كل الياءات، إلا اثنتين وأربعين ياء، فإنه فتحها، وستراها في أواخر السور. «٢٢٨» ومن ذلك أصل ابن عامر، كان ابن عامر يسكّن جميع ياءات الإضافة المختلف فيها، إلا ثلاثا وأربعين ياء، فإنه فتحها، وستراها في أواخر السور، واختلفت الرواية عنه في سبع ياءات، فأسكن ابن ذكوان ستا منها، وفتحها هشام (٣)، وهن في البقرة: ﴿بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ «١٢٥» ومثله (٤) في

стр. 375

الحج، وفي نوح: ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ «٢٨»، وفي النمل: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ «٢٠»، وفي غافر: ﴿ما لِي أَدْعُوكُمْ﴾ «٤١»، وفي الكافرون: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾، والسابعة: ﴿أَرَهْطِي﴾ «هود ٩٢» فتحها ابن ذكوان، وأسكنها هشام. وإنما تركت ذكر ما استثنيت لعاصم وابن عامر لكثرة ذلك، لئلا يطول الكتاب، وإذ لا بدّ من ذكر كل ياء اختلف فيها، في آخر كل سورة، وما (١) فيها من ذلك. والاختيار في ذلك الفتح، لأنه الأصل. ففي سورة البقرة، من ذلك، ثماني ياءات إضافة، قرأ الحرميان وأبو عمرو: ﴿عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ «١٢٤» بالإسكان، والياء محذوفة من اللفظ في الوصل، لالتقاء الساكنين، وله نظائر كثيرة. وقرأ نافع وحفص وهشام: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ «١٥٢» بالفتح. قرأ ورش: ﴿بِي لَعَلَّهُمْ﴾ «١٨٦» بالفتح. وقرأ نافع وأبو عمرو: ﴿مِنِّي إِلاّ﴾ «٢٤٩» بالفتح. وقرأ حمزة: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي﴾ «٢٥٨» بالإسكان. وإذا ذكرنا، في ياءات الإضافة، من قرأ بالفتح فالباقون بالإسكان. وإذا ذكرنا من قرأ بالإسكان فالباقون بالفتح، فنستغني بهذه المقدمة عن ذكر الباقين، في ذلك، حيث وقع (٣). ***

стр. 376

فصل في الياءات الزوائد المحذوفة من المصحف «٢٢٩» اعلم أن جميع ما اختلف القراء فيه، من الياءات الزوائد، التي لم تثبت في خط المصحف، إحدى وستون ياء، كلّها زوائد على خط المصحف، وهي على ثلاثة أقسام: قسم من ياءات الإضافة التي تصحبها النون، وذلك إذا اتصلت بالأسماء، نحو: هداني وأتقوني واخشوني، وقسم لا تصحبها النون، وذلك إذا اتصلت بالأسماء نحو: وعيدي ونكيري ونذيري، وشبهه، فهذان قسمان، الياء فيهما ياء إضافة، أصلها الزيادة. والقسم الثالث من الزوائد أن تكون الياء فيه أصلية، لام الفعل، وذلك نحو: الداع والهاد والواد، وشبهه. وكلّها حذفت الياء فيها من المصحف استخفافا، لدلالة الكسرة التي قبلها عليها (١)، وهي لغة للعرب مشهورة، فيها الحذف لهذه الياءات (٢)، يقولون: مررت بالقاض، وجاءني القاض، فيحذفون الياء لدلالة الكسرة عليها ولسكونها (٣). وكذلك: هذا وعيد، وهذا نذير، وأنا أذكرها مجملة كما صنعت في ياءات الإضافة، ثم أعيدها في آخر كل سورة مفردة، إن شاء الله. «٢٣٠» ذكر ما أثبت نافع وغيره، أثبت نافع، في رواية ورش عنه، من الزوائد، في وصله، دون (٤) وقفه، سبعا وأربعين ياء، يفتح منها واحدة، وهي: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ «النمل ٣٦»، ويقف بغير ياء. ويثبت الياء في ﴿تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف «٧٠» في وصله ووقفه، كجماعة القراء.

стр. 377

«٢٣١» وأثبت قالون، في وصله، عشرين ياء، ويفتح: (فما آتاني الله) ويقف بالياء. «٢٣٢» وأثبت قنبل، في وصله ووقفه، اثنتين وعشرين ياء، إلا موضعا واحدا، حذفه في وقفه، وهو قوله: ﴿جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ «الفجر ٩». «٢٣٣» وأثبت البزّي، في وصله ووقفه، خمسة وعشرين موضعا. «٢٣٤» وأثبت أبو عمرو، في وصله خاصة، أربعة وثلاثين موضعا، إلا: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾، فإنه يفتح الياء، ويقف بالياء، وخيّر في (أكرمن، وأهانن) «الفجر ١٥، ١٦». «٢٣٥» وأثبت حمزة من ذلك ثلاث ياءات، اثنتان في وصله ووقفه، وهما: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف، و ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ في النمل «٣٦»، غير أنه يدغم النون الأولى في الثانية فيشدّد، والثالثة، أثبتها في وصله خاصة، وهي: ﴿دُعاءِ﴾ في إبراهيم «٤٠». «٢٣٦» وأثبت الكسائي، من جميع ذلك، ثلاثة مواضع، اثنان في وصله [خاصة] (١) وهما: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ في هود «١٠٥»، و ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ في الكهف «٦٤» والثالثة أثبتها في وصله ووقفه، وهي: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف. «٢٣٧» وأثبت ابن عامر، في رواية هشام عنه، من جميع ذلك، موضعين، في وصله ووقفه، وهما: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ في الأعراف «١٩٥»، ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف، ومثله ابن ذكوان في (فلا تسألني)، وفيه عنه اختلاف، والإثبات أشهر. «٢٣٨» وأثبت عاصم، من جميع الياءات الزوائد، في رواية أبي بكر عنه، موضعين قوله في الزخرف: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾ «٦٨»، يثبت الياء في وصله ووقفه، ويفتح في الوصل، والثاني: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف، يثبتها في الوصل والوقف. «٢٣٩» وأثبت حفص، من جميع الياءات الزوائد، موضعين أيضا، في

стр. 378

النمل: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ «٣٦» يثبتها، في وصله ووقفه، ويفتح الياء، والثاني: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ في الكهف، يثبتها في وصله ووقفه، كالجماعة، وسنذكر الاختلاف، في كل ياء من الزوائد، في آخر كل سورة إن شاء الله. ففي سورة البقرة، من ذلك، ثلاثة مواضع، قوله: ﴿الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ «١٨٦» قرأهما أبو عمرو وورش بياء، في الوصل خاصة، والثالث: ﴿وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ «١٩٧» قرأه أبو عمرو بياء في الوصل خاصة. «٢٤٠» وعلة من حذف في الوقف أنه اتّبع خط المصحف في وقفه، واتّبع الأصل في وصله، فجمع بين الوجهين. وكان الوقف أولى بالحذف، لأن أكثر الخط، كتب على الوقف والابتداء، فلمّا لم تثبت الياء في الخط حذفها في الوقف اتباعا للخط. «٢٤١» ووجه قراءة من أثبتها في الوقف والوصل أنه أتى بها على أصلها، ووفّق بين الوصل والوقف، واستسهل ذلك (١) في الياء، لأن حروف المد واللين تحذف من الخط، في أكثر المصاحف، وتقرأ بالإثبات في الوصل والوقف إجماع، نحو «إبراهيم وإسمعيل وإسحق» وأكثر الألفات كالقراءة بالألف في الوصل والوقف، والخط بغير ألف، وهو كثير في القرآن (٢). فأجرى الياء مجرى الألف، فأثبتها في الوصل والوقف، وإن كانت محذوفة في الخط، كما فعل الجماعة في الألف. «٢٤٢» وحجة من حذفها، في الوصل والوقف، أنه اتّبع الخط، واكتفى بالكسرة من الياء في الوصل، وأجرى الوقف على الوصل فحذف، والاختيار حذفها استخفافا، واتباعا للمصحف، ولأن عليه أكثر القراء (٣). ***

стр. 379

سورة آل عمران، مدنية وهي مائتا آية في المدني والكوفي «١» قال أبو محمد: قد ذكرنا، في سورة البقرة، من وجدنا ممّن قرأ في كل حرف من الصدر الأول، ولست آخذ ذلك في كل القرآن ولا في كل حرف، إلا عن تطويل كثير، فيطول الكتاب لذلك. وأنا أقتصر على ذكر القراء المشهورين فقط في باقي القرآن، إلا أن نجد نصا على قراءة النبي ﵇، أو قراءة أصحابه ﵃، فنذكر ذلك لا غير، وما لم نجد فيه شيئا اكتفيت فيه بذكر القراء المشهورين، [فاعلم ذلك] (١) وكل ما تقدّم الكلام فيه، والعلل في قراءته، من الأصول، وغير ذلك من الحروف، نستغني بذكره متقدما عن إعادته. فذلك أخصر، فتكرير الشيء صعب سماعه، كتكرير الحديث، فاعلم ذلك كله من شرط هذا الكتاب، قد ذكرنا إمالة «التوراة» وعلتها وأصلها في أبواب الإمالة (٢). وذكرنا فتح الميم من «المر الله» وعلة ذلك في أبواب المد (٣). فأما ما قرأت به للأعشى (٤)، عن أبي بكر (٥)، من قطع الألف من اسم «الله» جلّ

стр. 380

ذكره فعلته في ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون ينوي الوقف على «الم»، ثم يبتدئ باسم الله، فيقطع الألف، وهذه الحروف أصلها السكون، والوقف عليها، لأنها حروف مقطعة، لا أصل لها في الإعراب، إلا أن يخبر عنها، أو يعطف بعضها على بعض، فيدخلها الإعراب، لأنها تصير كسائر الأسماء. فلمّا كان أصلها الوقف عليها، وقف على الميم، ثم ابتدأ ما بعدها فهمز. «٢» والوجه الثاني أن تكون الألف من اسم الله جلّ ذكره عنده (١) ألف قطع، كما ذهب إليه ابن كيسان (٢)، فردّها إلى أصلها فهمز. وإنما وصلت لكثرة الاستعمال (٣). «٣» قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرأهما حمزة والكسائي بالياء، وقرأهما الباقون بالتاء. «٤» وحجة من قرأ بالتاء أنه أمر من الله لنبيه أن يخاطبهم بهذا، فهو خطاب للكفار من النبي، بأمر الله له، والتاء للخطاب لليهود، بأنهم سيغلبون ويحشرون إلى جهنم. وقد قيل: إن الخطاب لليهود والمشركين، لأن كل فريق منهم كافر، فخوطبوا وأعلموا بوقوع الغلبة عليهم، ثم بحشرهم إلى جهنم. «٥» وحجة من قرأ بالياء أنه أتى به على لفظ الغيبة، لأنهم غيّب، حين أمر الله نبيه بالقول لهم، وهم اليهود. وقيل: هم المشركون، وكلاهما غائب. فإذا كانوا المشركين فهم أقوى في الغيبة، لأن المعنى: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ببدر ويحشرون إلى جهنم، ويقوي ذلك إجماعهم على الياء، في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ «الأنفال ٣٨» وإجماعهم

стр. 381

على الياء، في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ «الجاثية ١٤»، و ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ «النور ٣٠»، والتاء أحب إليّ لإجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك (١). «٦» قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قرأه نافع بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. «٧» ووجه القراءة بالتاء أن قبله خطابا، فجرى آخر الكلام عليه، وهو قوله: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ فجرى «ترونهم» على الخطاب في «لكم»، فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ «مثليكم» وذلك لا يجوز، لمخالفة الخط، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، فهو في القرآن وكلام العرب كثير، بمنزلة قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ثم قال (٢): ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ «يونس ٢٢»، فخاطب ثم عاد إلى الغيبة. ومثله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ ثم قال: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ «الروم ٣٩»، فرجع إلى الغيبة، والهاء والميم في «مثيلهم» يحتمل أن تكون للمشركين، أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي (٣) ما هم عليه من العدد. وهو بعيد في المعنى، لأن الله لم يكثّر المشركين في أعين المؤمنين، بل أعلمنا أنه قلّلهم في أعين المؤمنين. ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين، أي: ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما هم عليه من العدد، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. ويحتمل أن يكون المعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد. وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلّلهم الله في أعين المسلمين، لتقوى أنفسهم، ويجسروا على لقائهم. وتصديق هذا القول قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً﴾ «الأنفال ٤٣» ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ «الأنفال ٤٤».

стр. 382

«٨» ووجه القراءة بالياء أن قبله لفظ غيبة، فحمل آخر الكلام على أوله، وهو قوله: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾، فالرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله والمرئية الفئة الكافرة، فالهاء والميم في «مثليهم» للفئة المقاتلة في سبيل الله. والمعنى: يري الفئة المقاتلة في سبيل الله للفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة، فقلّلهم الله في أعينهم، ليقوّي نفوسهم، وليثبتوا على ما فرض الله عليهم، من أن لا يفرّ الواحد من اثنين، على ما ذكر في سورة الأنفال. وإنما أرى الله المسلمين المشركين مثليهم، لأنه تعالى ضمن لهم الغلبة على المشركين بقوله: (إن ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ «الأنفال ٦٦»، وكذلك قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾، ويبعد أن تكون الهاء والميم في «مثليهم» ل «الفئة الكافرة»، لأن الله لم يخبر أنه كثّر الفئة الكافرة في أعين المؤمنين، إنما أعلمنا (١) أنه قلّلهم في أعين المؤمنين. والخطاب في «لكم» لليهود. وانتصاب «مثليهم» على الحال، لأن «ترى» من رؤية البصر، لا يتعدّى إلى مفعولين. ودلّ على أنه من رؤية البصر قوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (٢). «٩» قوله (رضوان) قرأه أبو بكر بضمّ الراء حيث وقع، إلا قوله في المائدة: ﴿رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ «١٦» فإنه كسر كالجماعة، وقرأ الباقون بالكسر حيث وقع، وهما مصدران بمعنى واحد، فالكسر ك «الحرمان»، والضم ك «الشكران». وخصّ أبو بكر [ما] (٣) في المائدة (٤) بالكسر للجمع بين اللغتين، مع اتباعه للرواية، والكسر هو الاختيار، لإجماع القراء عليه (٥).

стр. 383

«١٠» قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ﴾ قرأه الكسائي بفتح الهمزة، وكسرها الباقون. «١١» ووجه قراءة الكسائي أنه جعل الكلام متصلا بما قبله، فأبدل «أن» ممّا قبلها، فيجوز أن يكون بدلا من «أن» في قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ﴾ «١٨» فتكون «أن» في موضع نصب، فالتقدير: شهد الله أن الدين عند الله، فهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو، لأن التوحيد والعدل هو الإسلام، وهو التوحيد والعدل. ويجوز أن يكون بدلا من «أنه» على بدل الاشتمال، لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل والشرائع والسنن وغير ذلك، فيكون الثاني مشتملا على الأول، ويجوز أن تكون «أن» بدلا من «القسط»، في موضع خفض على بدل الشيء من الشيء، وهو هو، لأن «القسط» العدل، والعدل هو الإسلام، والإسلام هو العدل. «١٢» ووجه القراءة بالكسر أنه على الابتداء والاستئناف، لأن الكلام قد تمّ عند قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾، ثم استأنف وابتدأ بخبر آخر، فكسر «إن» لذلك، وهذا أبلغ في التأكيد والمدح والثناء، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولتمام الكلام قبله، ولأنه أبلغ في التأكيد (١). «١٣» قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ قرأه حمزة «يقاتلون» بالألف [من القتال] (٢) وقرأ الباقون بغير ألف، من القتل. «١٤» وحجة من جعله من القتل أنه عطفه على قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فقد أخبر عنهم بقتلهم للأنبياء، فقتل من (٣) هو دون الأنبياء أسهل عليهم، في

стр. 384

كفرهم. ومن تجرأ على قتل نبي فهو أجرأ على قتل من هو دون النبي من المؤمنين، فحمل آخر الكلام على أوله في الإخبار بالقتل عنهم. «١٥» ووجه القراءة بالألف في حرف ابن مسعود «وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط»، فأخبر عنهم بالمقاتلة لا بالقتل على أن القتل أكثر ما يكون بالمقاتلة فأخبر عنهم بالسبب الذي يكون منه القتل، وقراءة الجماعة بغير ألف أولى لينتظم آخر الكلام بأوله، ولأنه إجماع (١). «١٦» قوله: (الميت، وميت) (٢) قرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي في ذلك بالتشديد، إذا كان الموت قد نزل، وخفّف الباقون. وتفرّد نافع بالتشديد في ثلاثة مواضع: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ «الأنعام ١٢٢» و ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ «يس ٣٣» و ﴿لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ «الحجرات ١٢». وكلّهم شدد ما لم يمت، نحو ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ «الزمر ٣٠». وخفّف ما هو نعت لما فيه هاء التأنيث، نحو: (بلدة ميتا)، القراءتان لغتان فاشيتان، والأصل التشديد، والتخفيف فرع فيه، لاستثقال التشديد للياء، والكسر على الياء. وأصله عند البصريين «ميوت» على «فيعل»، ثم قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء التي قبلها. والمحذوف في قراءة من (٣) خفّف هي الواو، التي قلبت ياء، وهي عين الفعل، كما قالوا: هاير وهار، وساير (٤) وسار، فغيروا العين، وحذفوها بعد القلب في موضع لام الفعل. وقال الكوفيون: أصل «ميت» «مويت» على «فعيل»، ثم أدغموا الواو في الياء، فقلبت ياء للإدغام، ويلزمهم أن يفعلوا هذا في: طويل وعويل، وذلك لا يجوز. والاختيار التخفيف، لأنه أخفّ، ولكثرته في الاستعمال. والتثقيل هو الأصل. فأما من خفّف بعضا

стр. 385

وشدّد بعضا فإنه جمع بين اللغتين، لاشتهارهما، مع نقله ذلك عن أئمته، وعلى ذلك أجمعوا على التشديد، فيما لم يمت، للجمع بين اللغتين. والتخفيف فيما مات، وما لم يمت جائز، وكذلك التخفيف والتشديد في «بلدة ميتا» يجوز (١). «١٧» قوله: ﴿بِما وَضَعَتْ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بضم التاء، وإسكان العين، وقرأ الباقون بفتح العين، وإسكان التاء. «١٨» وحجة من ضمّ التاء أنه جعله من كلام أم مريم، لاتصال كلامها بما بعد ذلك، وما قبله في قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ وقولها: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾، وقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾، وقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾، فكله من كلام أم مريم، فحمل وسط الكلام على أوله وعلى آخره، وذلك حسن في المطابقة والمجانسة، كما تقول: ربي قد أذنبت وأنتم أعلم بذلك، على طريق التسليم والخضوع. وفي القراءة بضم التاء معنى التعظيم لله، والخضوع والتنزيه له، أن يخفى عليه شيء، كأن أمّ مريم لمّا قالت ربّ إني وضعتها أنثى، أرادت أن تعظم الله، وتنزّهه عن (٢) أن يخفى عليه شيء (٢) فقالت: والله أعلم بما وضعت، لا يحتاج إلى أن تخبره بذلك، ولم تقل ذلك على طريق الإخبار، لأن علم الله بكل شيء قد تقرّر في أنفس المؤمنين، وإنما قالته على طريق التعظيم، والتنزيه لله، وذكره بما هو أهله. «١٩» وحجة من قرأ بإسكان التاء أنه جعله من الله جلّ ذكره، والمعنى: أن الله أعلمنا عن طريق التثبّت لنا، وقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم، قالته أو لم تقله، ويقوّي ذلك أنه لو كان من قول أم مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعت، لأنها نادته في أول الكلام في قولها: «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها»،

стр. 386

والمنادي مخاطب، فلمّا قال: والله أعلم، كان الإخبار عن نفسه أولى، فقال: وضعت، وبه قرأ ابن عباس والحسن وغيرهما (١). «٢٠» قوله: ﴿كَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قرأه الكوفيون بالتشديد، وخفّف الباقون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مدّ، ولاهمز، ومدّه الباقون وهمزوه (٢). «٢١» وحجة من شدّد أنه أضاف الفعل إلى الله جل وعز في قوله: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ ﴿وَأَنْبَتَها﴾، فأخبر عن نفسه تعالى بما فعل بها، كذلك يجري «كفّلها» على ذلك، يخبر عن نفسه بأنه كفّلها زكريا أي (٣) ألزمه كفالتها، وقدّر ذلك عليه، ويسّره له، فيكون «زكريا» المفعول الثاني ل «كفّلها»، لأنه بالتشديد، يتعدّى إلى مفعولين، ويقوّي التشديد أن في مصحف أبيّ «وأكفلها»، والهمزة كالتشديد في التعدّي. «٢٢» وحجة من خفّف أنه أسند الفعل إلى زكريا، فأخبر الله عنه أنه هو الذي (٤) تولّى كفالتها، والقيام بها، بدلالة قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ «٤٤» فأخبر عنهم أنهم تنازعوا في كفالتها، وتشاجروا (٥) في في الدّين، حتى رموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي، واستهموا بها على كفالة مريم، فخرج قلم زكريا بإذن الله وقدرته، فكفلها زكريا. فالفعل مسند إليه، فيجب تخفيف «كفلها» لذلك، وهو الاختيار، لأن التشديد يرجع إلى

стр. 387

التخفيف، لأن الله إذا كفّلها زكريا بأمر الله له، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته وإرادته. فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان (١). فأما مدّ «زكريا» وقصره فلغتان للعرب مشهورتان، وهمزة «زكريا» للتأنيث، وكذلك الألف للتأنيث، في قراءة من قصره. وقرأ أبو بكر بنصب «زكريا»، لأنه يقرأ «وكفّلها» بالتشديد، فتعدّى الفعل إلى مفعولين: إلى (٢) المضمر وإلى زكريا، فينصبه، ولا يلزم ذلك من قرأ بالتخفيف، لأن الفعل مع التخفيف إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الضمير العائد على مريم، وزكريا مع التخفيف فاعل، ومع التشديد مفعول به (٣). «٢٣» قوله: ﴿فَنادَتْهُ﴾ (٤) قرأه حمزة والكسائي بألف على التذكير، ويميلانها (٥)، لأن أصلها الياء، ولأنها رابعة. وقرأ الباقون بالتاء على لفظ التأنيث. «٢٤» وحجة من قرأ بالألف أنه ذكّر على المعنى، وقد أجمعوا على التذكير في قوله: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠». وقد قيل: إنما نادى جبريل وحده، فالمعنى فناداه الملك، فلا وجه للتأنيث على هذا التفسير. وأيضا فقد اختار قوم الألف، لئلا يوافق التأنيث دعوى الكفار في الملائكة. وأيضا فإن الملائكة والملائك واحد (٦). وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بالهاء، فقوي التذكير. «٢٥» وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث لتأنيث الجماعة التي بعدها في قوله: (الملائكة)، والجماعة ممّن يعقل في التكسير، يجري في التأنيث مجرى ما لا

стр. 388

يعقل. تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجمال، وقالت الأعراب. ويقوي ذلك قوله: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٤٥». وقد ذكر في موضع آخر فقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ «الأنعام ٩٣» وهذا إجماع. وقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ «الرعد ٢٣» فتأنيث هذا الجمع وتذكيره جائزان حسنان (١). «٢٦» قوله: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بكسر «إن»، وقرأ الباقون بالفتح. فمن فتح قدّر حرف الجر محذوفا، ف «أن» في موضع نصب بحذف حرف الجر، ومذهب الخليل أنها في موضع جر على إعمال حرف الجر، عمل محذوفا لكثرة حذفه مع «أن»، وعلى [ذلك] (٢) أجاز سيبويه: «الله لقد كان ذلك» (٣)، فخفض وأعمل حرف الجر، وهو محذوف لكثرة حذفه في القسم، تقديره: فنادته الملائكة بأن الله. ومن كسر «إن» أجرى النداء مجرى القول، فكسر «إن» بعده، كما تكسر بعد القول، ويجوز أن يكون أضمر القول بعد «فنادته» «فقالت إن الله»، ويقوي الكسر أن في حرف عبد الله: «فنادته الملائكة يا زكريا إن الله». وفتح «أن» على هذه القراءة لا يجوز لأن «نادى» قد استوفى مفعوليه، أحدهما الضمير والثاني المنادى، فلا يتعدّى لثالث بحرف ولا بغير حرف، فلا بدّ من الكسر، وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه، ولصحة معناه، وقوة وجهه. «٢٧» قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (٤) قرأ حمزة بالتخفيف في كل القرآن، إلا في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ «الحجر ٥٤» ووافقه الكسائي على التخفيف في خمسة مواضع: في آل عمران موضعان وفي سبحان موضع وفي الكهف موضع وفي الشورى

стр. 389

موضع (١)، وشدّد ذلك الباقون، غير أن أبا عمرو وابن كثير خفّفا الذي في الشورى خاصة. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان، يقال: بشر يبشر، وبشّر يبشّر مبشّرا وبشورا. وأنكر أبو حاتم التخفيف، وقال: لا نعرف فيه أصلا يعتمد عليه، وهي لغة مشهورة. وأكثر ما وقع في القرآن، ممّا أجمع عليه التشديد نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ﴾ «الزمر ١٧، ١٨» و ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ «يس ١١» ومثله كثير بالتشديد، وفيه لغة ثالثة وهي «أبشر» قال الله جلّ ذكره: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ «فصّلت ٣٠» (٢). «٢٨» قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ «٤٨» قرأ نافع وعاصم بالياء، وقرأ الباقون بالنون. «٢٩» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أي: يبشرك بعيسى، ويعلّمه الكتاب. وأيضا فإن قبله: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ «٤٧»، وقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾، فكلّه بلفظ الغيبة، فجرى «ويعلمه» على ذلك. «٣٠» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار لها من الله عن نفسه (٣) أنه يعلّمه الكتاب، وحسن ذلك، لأن قبله إخبارا من الله عن نفسه، في قوله تعالى ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ﴾ (٤). «٣١» قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ «٤٩» قرأه نافع بالكسر، وفتح الباقون. فمن فتح جعل الكلام متصلا، فأبدل «أن» من «آية» فصار التقدير: جئتكم بأني أخلق، ف «أن» في موضع خفض، وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو. ومن كسر جعل الكلام مستأنفا، مبتدأ به، فكسر «أن»، ويجوز أن تكون «أن»

стр. 390

وما بعدها تفسيرا لما قبلها، فيكون في المعنى بمنزلة من فتح، وأبدل من «آية» وتكون بمنزلة قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم فسّر الوعد فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ «المائدة ٩»، وبمنزلة قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، ثم فسّر التمثيل بينهما فقال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ «آل عمران ٥٩»، والاختيار الفتح، لاجتماع القراء عليه، ولصحة معناه (١). «٣٢» قوله: ﴿طَيْراً﴾ قرأ نافع بألف ومثله في المائدة (٢)، وقرأهما الباقون بغير ألف. «٣٣» وحجة من قرأه بغير ألف أنه ردّه على قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾، ولم يقل: كهيئة الطائر، فأجرى الآخر على لفظ الأول، ومعناه الجمع. «٣٤» وحجة من قرأ بالألف أنه أجراه على التوحيد: (فأنفخ) في الواحد منها فيكون طائرا، على تقدير: فيكون ما أنفخ فيه طائرا، أو فيكون ما أخلقه طائرا، أو فيكون كل واحد من المخلوق طائرا (٣). «٣٥» قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ (٤) قرأه حفص بالياء، وقرأ الباقون بالنون. «٣٦» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ولأن قبله إخبارا عنه، وأيضا في قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ «٥٦». والنون في الإخبار كالهمزة في الإخبار، وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا في قوله: (تتلوه) «٥٨» فحمل الكلام على نظام واحد أوسطه كأوله وآخره، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولما ذكرنا من تطابق الكلام وتجانسه. «٣٧» وحجة من قرأ بالياء أنه حمله أيضا على ما قبله من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ «٥٥» (٥).
следующие страницы →